وهو يوحى إليه بـ (الجعرانة)؛ فإذا هو محمر الوجه، وهو يغط كما يغط البَكر.
وثبت في "الصحيحين" (١) من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى (المناصع) (٢) ليلًا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة! فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسألته وهو جالس يتعشى والعَرْقُ (٣) في يده، فأوحى اللَّه إليه، [ثم رفع عنه]، والعَرْق في يده [ما وضعه]، ثم رفع رأسه فقال: "إنه قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن".
فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية؛ بدليل أنه جالس، ولم يسقط العَرْق أيضًا من يده؛ صلوات اللَّه وسلامه دائمًا عليه.
وروى أبو يعلى عن الفَلَتان (٤) بن عاصم قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ وأُنزل
стр. 107
عليه، وكان إذا أُنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه لِمَا يأتيه من اللَّه ، [فكنا نعرف ذلك منه].
وروى أحمد وأبو نعيم عن أسماء بنت يزيد قالت:
إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللَّه ﷺ إذ نزلت عليه (المائدة) كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (١).
وروى أحمد أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو قال:
أنزلت على رسول اللَّه ﷺ سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها (٢).
وروى ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها:
أنه كان في مسير مع رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت عليه سورة (المائدة)، فاندَقَّ عنق الراحلة من ثقلها.
وهذا غريب من هذا الوجه (٣).
стр. 108
ثم قد ثبت في "الصحيحين" نزول سورة (الفتح) على رسول اللَّه ﷺ مرجعه من الحديبية وهو على راحلته، فكان يكون تارة وتارة، بحسب الحال (١). واللَّه أعلم.
стр. 109
فصل
قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وكان هذا في الابتداء؛ كان ﵊ من شدة حرصه على أخذه من المَلَك ما يوحى إليه عن اللَّه يسابقه (١) في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، ويوقفه على المراد منه.
ولهذا قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: وتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾؛ أي: تلاه عليك المَلَكُ، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: فاستمع له وتدبره، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾؛ وهو نظير قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
стр. 110
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس قال:
كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فأنزل اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾؛ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾؛ قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه .
стр. 111
فصل
قال ابن إسحاق: ثم تتامَّ (١) الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ وهو مصدق بما جاء منه، وقد قبله بقبوله، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم.
وللنبوة أثقال ومؤونة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل-بعون اللَّه وتوفيقه- لما يلقون من الناس، وما يُرَدُّ عليهم مما جاؤوا به عن اللَّه .
فمضى رسول اللَّه ﷺ على ما أمر اللَّه به على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
قال ابن إسحاق: وآمنت خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من اللَّه، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن باللَّه ورسوله، وصدقت بما جاء منه.
فخفف اللَّه بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئًا يكرهه -من ردٍّ عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك- إلا فرج اللَّه عنه بها؛ إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، ﵂ وأرضاها.
قال: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"أمرتُ أن أبشر خديجة ببيت من قَصَب؛ لا صخب فيه ولا نصب".
стр. 112
وهذا الحديث مخرج في "الصحيحين" من حديث هشام (١).
قال ابن هشام: (القَصَب) هاهنا: اللؤلؤ المجوف.
стр. 113
فصل في ذكر من أسلم ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة وغيرهم
روى ابن إسحاق عن إياس بن عُفيف عن أبيه عُفَيف -وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه- أنه قال:
كنت امرءًا تاجرًا، فقدمت (منًى) أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءًا تاجرًا، فأتيته أبتاع منه.
قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خِباء، فقام يصلي تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه.
فقلت: يا عباس! ما هذا الدين؟! إن هذا الدين ما أدري ما هو؟!
فقال: هذا محمد بن عبد اللَّه يزعم أن اللَّه أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به.
قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذٍ فكنت أكون رابعًا (١).
стр. 114
وفي رواية عنه قال:
إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس (١)، فلما رآها قد مالت قام يصلي. . . ثم ذكر قيام خديجة وراءه.
وروى ابن جرير بسنده عن يحيى بن عفيف [عن عفيف] (٢) قال:
جئت زمن الجاهلية إلى (مكة)، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس، وحلقت في السماء -وأنا انظر إلى الكعبة- أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب، فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب، فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدًا، فسجدا معه.
فقلت: يا عباس! أمر عظيم! فقال: أمر عظيم؟! أتدري من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب؛ ابن أخي. أتدري من الغلام؟ قلت: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب ﵁ أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي. وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايم اللَّه؛ ما
стр. 115
أعلم على ظهر الأرض كلها أحدًا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (١).
وروى ابن جرير أيضًا عن ابن عباس قال:
أول من صلى عَلِيٌّ (٢).
стр. 116
وعن جابر قال:
بُعِث النبي ﷺ يوم الاثنين، وصلى عَلِيٌّ يوم الثلاثاء (١).
وعن زيد بن أرقم قال:
أول من أسلم مع رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب.
قال [عمرو بن مرة]: فذكرته للنخعي، فأنكره، وقال: أبو بكر أول من أسلم (٢).
стр. 117
وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق.
والجمع بين الأقوال كلها: إن خديجة أول من أسلم من النساء -وظاهر السياقات- وقبل الرجال أيضًا.
وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة.
وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب؛ فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت.
وأول من أسلم من الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدرًا معظمًا، ورئيسًا في قريش مكرمًا، وصاحب مال، وداعية إلى الإسلام، وكان محببًا متألفًا، يبذل المال في طاعة اللَّه ورسوله.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" (١) عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر ﵄ من الخصومة، وفيه: فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إن اللَّه بعثني إليكم، فقلتم: كذبتَ. وقال أبو بكر: صدق. وواساني
стр. 118
بنفسه وماله. فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرتين) ". فما أوذي بعدها (١).
وهذا كالنص على أنه أول من أسلم ﵁.
وقد روى الترمذي وابن حبان عن أبي سعيد قال:
قال أبو بكر الصديق ﵁: ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ (٢).
وقد تقدم (٣) رواية ابن جرير عن زيد بن أرقم قال:
стр. 119
أول من أسلم علي بن أبي طالب.
قال عمرو بن مرة: فذكرته لإبراهيم النخعي، فأنكره، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق ﵁.
وهذا هو المشهور عن جمهور أهل السنة.
وثبت في "صحيح البخاري" (١) عن عمار بن ياسر قال:
رأيت رسول اللَّه ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد (٢)، وامرأتان، وأبو بكر.
وروى الإمام أحمد (٣) وابن ماجه عن ابن مسعود قال:
أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فأما رسول اللَّه ﷺ فمنعه اللَّه بعمه، وأما أبو بكر فمنعه اللَّه بقومه، وأما
стр. 120
سائرهم؛ فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحدٌ أحد.
وثبت في "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال:
أتيت رسول اللَّه ﷺ في أول ما بعث وهو بـ (مكة)، وهو حينئذٍ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال: "أنا نبي". فقلت: وما النبي؟ قال: "رسول اللَّه". قلت: آللَّه أرسلك؟ قال: "نعم". قلت: بم أرسلك؟ قال:
"أن تعبد اللَّه وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام".
قال: قلت: نِعمَ ما أرسلت به، فمن تبعك على هذا؟
قال: "حر وعبد". يعني: أبا بكر وبلالًا.
قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام.
стр. 121
قال: فأسلمت. قلت: فأتبعك يا رسول اللَّه؟ قال: "لا؛ ولكن الحقْ بقومك؛ فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني".
ويقال: إن معنى قوله ﵇: "حر وعبد" اسم جنس، وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر؛ فإنه قد كان جماعة أسلموا قبل عمرو بن عبسة، وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضًا، فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه، فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم، لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم، دع الأجانب، دع أهل البادية من الأعراب. واللَّه أعلم.
وفي "صحيح البخاري" (١) عن سعد بن أبي وقاص قال:
"ما أسلم أحد [إلا] في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام".
أما قوله: "ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه" (٢) فسهل، ويروى: "إلا في اليوم الذي أسلمت فيه"، وهو مشكل؛ إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام، وقد علم أن الصديق وعليًّا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله؛ كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد؛ منهم ابن الأثير.
ونص أبو حنيفة ﵁ على أن كلًا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه. واللَّه أعلم.
стр. 122
وأما قوله: "ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام" فمشكل، وما أدري على ماذا يوضع عليه؟! إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه (١). واللَّه أعلم.
وروى الطيالسي وأحمد (٢) والحسن بن عرفة عن ابن مسعود قال:
كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بـ (مكة)، فأتى عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال -أو: فقالا-: عندك يا غلام! لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم يَنْزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول اللَّه ﷺ الضرع ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص. فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: علمني من هذا القول الطيب. يعني: القرآن، فقال:
"إنك غلام معلَّم".
فأخذت من فيه سبعين سورة؛ ما ينازعني فيها أحد.
стр. 123
ذكر إسلام أبي ذر ﵁
روى البيهقي عن الحاكم (١) بسنده عن أبي ذر قال:
كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي تلاثة نفر، وأنا الرابع، أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه! أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه. فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه ﷺ .
هذا سياق مختصر.
وقد رواه البخاري (٢) عن ابن عباس قال:
لما بلغ أبا ذر مبعث رسول اللَّه ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي؛ فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني.
فانطلق الأخ (٣)، حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع قال أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر.
فقال: ما شفيتني مما أردت.
стр. 124
فتزود وحمل شَنَّةً [له] فيها ماء، حتى قدم (مكة)، فأتى المسجد، فالتمس رسول اللَّه ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل (١)، فرآه عليٌّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان يوم الثالث فعاد عليٌّ على مثل ذلك، فأقام معه، فقال: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلتُ. ففعل، فأخبره. قال: فإنه حق، وإنه رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيتُ شيئًا أخاف عليك؛ قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ :
"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري".
فقال: والذي نفسي بيده (٢)؛ لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه. ثم قام القوم، فضربوه حتى أضجعوه (٣)، فأتى العباس، فأكب عليه، فقال: ويلكم!
стр. 125
ألستم تعلمون أنه من غفار؛ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟! فأنقذه منهم.
ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.
هذا لفظ البخاري.
وقد جاء إسلامه مبسوطًا في "صحيح مسلم" وغيره، فروى أحمد عن عبد اللَّه بن الصامت [قال:] قال أبو ذر:
خرجنا من قومنا غفار -وكانوا يُحلون الشهر الحرام- أنا وأخي أُنَيْسٌ وأُمُّنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذي مال وذي هيئة، فأكرمنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس. فجاء خالنا فَنَثَى (١) عليه ما قيل له، فقلت له: أما ما مضى من معروفك؛ فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد.
قال: فقربنا صِرْمَتَنَا (٢) فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثَوْبَهُ، وجعل يبكي.
قال: فانطلقنا حتى نزلنا بِحَضْرَةِ (مكة)، قال: فَنَافَرَ أنيس [رجلًا] عن صِرْمَتِنا وعن مثلها (٣)، فأتيا الكاهن، فخيَّر أنيسًا، فأتانا بصرمتنا ومثلها.
وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول اللَّه ﷺ ثلاث سنين.
стр. 126
قال: قلت: لمن؟ قال: للَّه. قال: فأين تَوَجَّهُ؟ قال: حيث وجهني اللَّه. قال: وأصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل أُلْقِيتُ كأني خِفاء (١) حتى تعلوني الشمس.
قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني (٢) حتى آتيك.
قال: فانطلق فراث عليَّ، ثم أتاني، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا يزعم أن اللَّه أرسله على دينك. قال: فقلت: ما يقول الناس له؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر [وكاهن]. وكان أنيس شاعرًا.
قال: فقال: قد سمعت قول الكهان، فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على أقراء الشعر (٣)، فواللَّه؛ ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، واللَّه؛ إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: فقلت له: هل أنت كافيَّ حتى أنطلق فأنظر؟ قال: نعم، وكن من أهل (مكة) على حذر؛ فإنهم قد شَنِفوا له (٤)، وتجهموا له.
قال: فانطلقت حتى قدمت (مكة)، فتضعفت رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إليَّ. [قال: الصابئ. قال:] فمال أهل الوادي عليَّ بكل مَدَرَة وعظم، حتى خررت مغشيًّا عليّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر (٥).
стр. 127
فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به ابنَ أخي! ثلاثين من بين يوم وليلة؛ وما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سُخْفة جوع (١).
قال: فبينا أهل (مكة) في ليلة قمراء إضحيان، فضرب اللَّه على أصمخة أهل (مكة)، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا عليَّ وهما تدعوان (إساف) (ونائلة)، فقلت: أنكحوا أحدهما الآخر! فما ثناهما ذلك، قال: فأتتا عليَّ، فقلت: وَهَنٌ مثل الخشبة. غير أني لم أَكْنِ (٢).
قال: فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا!
قال: فاستقبلهما رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال: "ما لكما؟ ". فقالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: "ما قال لكما؟ ". قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم!
قال: فجاء رسول اللَّه ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر، فطاف بالبيت، ثم صلى.
قال: فأتيته، فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام، فقال:
"عليك السلام ورحمة اللَّه (٣)، ممن أنت؟ ".
стр. 128
قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضعها على جبهته. قال: فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. قال: فأردت أن آخذ بيده، فَقَدَعَنِي (١) صاحبه، وكان أعلم به مني، قال:
"متى كنت هاهنا؟ ".
قال: قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال:
"فمن كان يطعمك؟ ".
قلت: ما كان إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سُخْفَة جوع. قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إنها مباركة، وإنها طعام طُعم" (٢).
قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول اللَّه! في طعامه الليلة. قال: ففعل.
قال: فانطلق النبي ﷺ ، [وانطلق أبو بكر] (٣)، وانطلقت معهما، حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إني قد وجِّهتُ إلى (٤) أرض ذات نخل، ولا أحسبها إلا (يثرب)، فهل أنت مبلغ عني قومك؛ لعل اللَّه ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ ".
стр. 129
قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أُنيسًا، قال: فقال لي: ما صنعتَ؟ قال: قلت: إني صنعتُ أني أسلمتُ وصَدَّقْتُ. قال: قال: فما لي رغبة عن دينك؛ فإني قد أسلمتُ وصَدَّقْتُ.
ثم أتينا أُمَّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما؛ فإني قد أسلمتُ وصَدَّقْتُ.
فتحملنا حتى أتينا قومنا (غفارًا)، فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول اللَّه ﷺ (المدينة)، وكان يؤمهم خُفَاف بن (١) إيماء بن رَحَضة، وكان سيدهم يومئذٍ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول اللَّه ﷺ أسلمنا. فقدم رسول اللَّه ﷺ (المدينة)، فأسلم بقيتهم.
قال: وجاءت (أسلم)، فقالوا: يا رسول اللَّه! إخوانُنا؛ نُسْلِمُ على الذي أسلموا عليه. فأسلموا، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"(غفار) غفر اللَّه لها، و (أسلم) سالمها اللَّه" (٢).
ورواه مسلم نحوه، وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر، وفيه زيادات غريبة. فاللَّه أعلم.
وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في (كتاب البشارات بمبعثه ﵊ (٣).
стр. 130
ذكر إسلام ضِماد
روى مسلم (١) والبيهقي من حديث ابن عباس قال:
قدم ضماد (مكة) -وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح- فسمع سفهاء من سُفَهِ (مكة) يقولون: إن محمدًا مجنونٌ. فقال: أين هذا الرجل؟ لعل اللَّه أن يشفيه على يدي. فلقي محمدًا ﷺ فقال (٢): إني أرقي من هذه الرياح، وإن اللَّه يشفي على يديَّ من شاء، فهلمَّ. فقال محمد:
"إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له (ثلاث مرات) " (٣).
فقال: واللَّه؛ لقد سمعت الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدَك أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول اللَّه ﷺ فقال له:
"وعلى قومك؟ ".
فقال: وعلى قومي.
فبعث النبي ﷺ جيشًا، فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية: هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئًا؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم
стр. 131
مُظهرة (١). فقال: ردها عليهم؛ فإنهم قوم ضماد.
وفي رواية: فقال له ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء؛ فلقد بلغن قاموس البحر (٢).
* * *
ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء، حتى فشا أمر الإسلام بـ (مكة)، وتُحدّث به.
стр. 132
باب أمر اللَّه رسوله ﵊ بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام وأمره له بالصبر والاحتمال والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم وإرسال الرسول الأعظم إليهم وذكر ما لقي من الأذية منهم هو وأصحابه ﵃
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]؛ أي: إن الذي فرض عليك وأوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة، وهي المعاد، فيسألك عن ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ و ٩٣].
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا "التفسير"، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة (الشعراء):
стр. 133
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وأوردنا أحاديث جمة في ذلك.
فمن ذلك ما أخرجه أحمد والشيخان (١) عن ابن عباس قال:
لما أنزل اللَّه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبي ﷺ (الصفا)، فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه! ". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه؛ وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"يا بني عبد المطلب! يا بني فهر! يا بني لؤي! (٢) أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ ". قالوا: نعم. قال:
"فإني ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ".
فقال أبو لهب -لعنه اللَّه-: تبًا لك سائر اليوم! أما دعوتنا إلا لهذا؟! وأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
وأخرج أحمد (٣) -والسياق له- والشيخان عن أبي هريرة قال:
لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا رسول اللَّه ﷺ قريشًا، فعم وخصَّ، فقال:
стр. 134
"يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب [بن لؤي]! أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار]، يا معشر بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني -واللَّه- لا أملك لكم من اللَّه شيئًا؛ إلا أن لكم رَحِمًا سأبلها ببلالها".
وروى أحمد ومسلم (١) عن عائشة ﵂ قالت:
لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قام رسول اللَّه ﷺ فقال:
"يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم".
وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٢) عن علي [قال: جمع رسول اللَّه ﷺ -أو: دعا رسول اللَّه ﷺ بني عبد المطلب؛ فيهم رهط كلهم يأكل
стр. 135
الجَذَعَة (١)، ويشرب الفَرَق، قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغُمَر، فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، فقال:
"يا بني عبد المطلب! إني بعثت لكم خاصة؛ وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ ".
قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: "اجلس"، قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: "اجلس"، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي].
[المستدرك]
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت:
لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فِهْرٌ (٢)، وهي تقول:
مذممًا أبينا … ودينه قلينا … وأمره عصينا
стр. 136
والنبي ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول اللَّه! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إنها لن تراني".
وقرأ قرآنًا، فاعتصم به كما قال [تعالى]، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، فوقفتْ على أبي بكر، ولم تر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت؛ ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.
أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦١) وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وابن حبان (٢١٠٣)، وأبو نعيم (ص ٦١) من طريق أخرى عن ابن عباس نحوه. وصححه ابن أبي حاتم أيضًا؛ كما في "الدر المنثور" (٤/ ١٨٦)، وله عنده شاهد من حديث أبي بكر.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال:
جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ذات يوم وهو جالس حزينًا؛ قد خضب بالدماء؛ ضربه بعض أهل (مكة)، قال: فقال له: ما لك؟ قال: فقال له: "فعل بي هؤلاء وفعلوا".
قال: فقال له جبريل ﵇: أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم".
قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة. فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع. فأمرها
стр. 137
فرجعت إلى مكانها. فقال رسول اللَّه ﷺ : "حسبي".
أخرجه أحمد (٣/ ١١٣)، وابن ماجه (٤٠٢٨) بسند صحيح (١).
وعن عبد اللَّه بن الحارث بن جزء الزبيدي:
أنه مر وصاحب له بـ (أيمن) (٢) وفئة (٣) من قريش قد حلوا أزرهم؛ فجعلوها مخاريق (٤) يجتلدون بها وهم عراة، فلما مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون؛ فدعوهم.
ثم إن رسول اللَّه ﷺ خرج عليهم، فلما أبصروه تبددوا، فرجع رسول اللَّه ﷺ مغضبًا حتى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة، فسمعته يقول:
стр. 138
"سبحان اللَّه! لا من اللَّه استحيوا؛ ولا من رسوله استتروا! ".
وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول اللَّه!
قال عبد اللَّه: فَبِلأْيٍ ما (١) استغفر لهم.
أخرجه أحمد (٤/ ١٩١)، وإسناده صحيح، ورواه إبراهيم الحربي، والطبراني؛ كما في "الإصابة".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"ألا تعجبون كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنهم؟! ". [قالوا: كيف يا رسول اللَّه؟ قال:]
"يشتمون مذممًا، [وأنا محمد]، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد".
أخرجه البخاري (٣٥٣٣)، والنسائي في "الطلاق"، وأحمد (٢/ ٢٤٤ و ٣٤٠ و ٣٦٦) من طرق عنه. [انتهى المستدرك].
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير عن أبيه قال:
جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه؛ لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت.
فاستغضب، فجعلت أعجب! ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال:
ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرًا غيَّبه اللَّه عنه؛ لا يدري لو شهده
стр. 139
كيف كان يكون فيه؟! واللَّه؛ لقد حضر رسول اللَّه ﷺ أقوام أكبهم اللَّه على مناخرهم في جهنم؛ لم يجيبوه ولم يصدقوه.
أو لا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم؛ مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟!
واللَّه؛ لقد بَعَثَ اللَّه النبي ﷺ على أشد حال بُعِثَ عليها فيه نبيٌّ من الأنبياء؛ في فترة وجاهلية؛ ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا -وقد فتح اللَّه قفل قلبه للإيمان- يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها لَلَّتِي قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
أخرجه أحمد (٦/ ٢ - ٣)، وابن حبان (١٦٨٤) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات.
والمقصود أن رسول اللَّه ﷺ استمر يدعو إلى اللَّه تعالى ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهرًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء.
وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداءُ الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية.
стр. 140
وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان.
وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول اللَّه ﷺ أحب خلق اللَّه إليه طبعًا، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك؛ مع أنه على دينهم وعلى خلتهم؛ إلا أن اللَّه قد امتحن قلبه بحبه حبًّا طبعيًّا لا شرعيًّا.
وكان استمراره على دين قومه من حكمة اللَّه تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا جترؤوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء بليه، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٢٨]، وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا.
فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من النار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل اللَّه فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣ و ٤].
روى الإمام أحمد (١)، والبيهقي عن ربيعة بن عباد من بني الديل -وكان جاهليًّا فأسلم- قال:
стр. 141
رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول:
"يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا اللَّه) تفلحوا".
والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيءُ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
ثم رواه البيهقي (١) من طريق أخرى عن ربيعة الديلي قال:
رأيت رسول اللَّه ﷺ بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى اللَّه، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.
قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب.
وأما أبو طالب؛ فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي؛ كما سيظهر من صنائعه وسجاياه واعتماده فيما يحامي به عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ﵃.
وروى البخاري في "التاريخ"، والبيهقي عن الحاكم (٢) من حديث عقيل بن أبي طالب قال:
стр. 142
جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو خنس -يقول: بيت صغير- فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول اللَّه ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: "ترون هذه الشمس؟ ". قالوا: نعم. قال:
"فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة".
فقال أبو طالب: واللَّه؛ ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا.
وفي ذلك دلالة على أن اللَّه تعالى عصمه بعمه؛ مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما يشاء، لا معقّب لحكمه.
وروى الإمام أحمد، والبخاري (١) عن ابن عباس قال:
قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال:
"لو فعل ذلك لأخذته الملائكة عيانًا".
وفي رواية عنه قال:
مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد!
стр. 143
[فانتهره النبي ﷺ ، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمد! فواللَّه؛] لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديًا مني.
[قال:] فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧ و ١٨].
[قال: فقال ابن عباس:] واللَّه؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب.
رواه أحمد (١)، والترمذي وصححه، والنسائي (٢).
وروى أحمد (٣)، ومسلم، والنسائى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي هريرة قال:
قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟! قالوا: نعم.
قال: فقال: واللات والعزى؛ لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وهو يصلي ليطأ رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه.
قال: فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ :
"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا".
стр. 144
قال: وأنزل اللَّه تعالى -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ و ٧] إلى آخر السورة.
وروى الإمام أحمد (١)، والبخاري في مواضع من "صحيحه"، ومسلم عن عبد اللَّه (هو ابن مسعود) قال:
ما رأيت رسول اللَّه ﷺ دعا على قريش؛ غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه، فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة بن أبي مُعيط: أنا. فأخذه فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجدًا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"اللهم! عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم! عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم! عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم! عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم! عليك بعقبة بن أبي مُعيط، اللهم! عليك بأُبَيِّ بن خلف. أو: أمية بن خلف". شعبة الشاك.
قال عبد اللَّه: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعًا، ثم سُحِبُوا إلى القليب؛ غير أُبيّ أو أمية بن خلف؛ فإنه كان رجلًا ضخمًا فتقطع.
والصواب: أمية بن خلف؛ فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أُبيّ إنما قتل يوم أُحد؛ كما سيأتي بيانه.
стр. 145
و (السلا): هو الذي يخرج مع ولد الناقة؛ كالمشيمة لولد المرأة.
وفي بعض ألفاظ "الصحيح": أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا؛ حتى جعل بعضهم يميل على بعض؛ أي: يميل هذا على هذا من شدة الضحك. لعنهم اللَّه.
وفيه: أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة، وعيَّن في دعائه سبعة، وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم؛ وهم: عتبة وأخوه شيبة؛ ابنا ربيعة، والوليد ابن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي مُعيط، وأمية بن خلف. قال أبو إسحاق (١): ونسيت السابع.
قلت: وهو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في "صحيح البخاري".
وووى عن عروة بن الزبير [قال:] سألت ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللَّه ﷺ ، قال:
بينما النبي ﷺ يصلي في حِجْر الكعبة؛ إذ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا.
فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
انفرد به البخاري (٢)، وقد رواه في أماكن من "صحيحه"، وصرح في بعضها