← Сира

Сира · id 592

صحيح السيرة النبوية - الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (232 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا اللَّه) تفلحوا". والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيءُ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب. ثم رواه البيهقي (١) من طريق أخرى عن ربيعة الديلي قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى اللَّه، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب. وأما أبو طالب؛ فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي؛ كما سيظهر من صنائعه وسجاياه واعتماده فيما يحامي به عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ﵃. وروى البخاري في "التاريخ"، والبيهقي عن الحاكم (٢) من حديث عقيل بن أبي طالب قال:

стр. 142

جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو خنس -يقول: بيت صغير- فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول اللَّه ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: "ترون هذه الشمس؟ ". قالوا: نعم. قال: "فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة". فقال أبو طالب: واللَّه؛ ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا. وفي ذلك دلالة على أن اللَّه تعالى عصمه بعمه؛ مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما يشاء، لا معقّب لحكمه. وروى الإمام أحمد، والبخاري (١) عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "لو فعل ذلك لأخذته الملائكة عيانًا". وفي رواية عنه قال: مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد!

стр. 143

[فانتهره النبي ﷺ ، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمد! فواللَّه؛] لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديًا مني. [قال:] فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧ و ١٨]. [قال: فقال ابن عباس:] واللَّه؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب. رواه أحمد (١)، والترمذي وصححه، والنسائي (٢). وروى أحمد (٣)، ومسلم، والنسائى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟! قالوا: نعم. قال: فقال: واللات والعزى؛ لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وهو يصلي ليطأ رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا".

стр. 144

قال: وأنزل اللَّه تعالى -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ و ٧] إلى آخر السورة. وروى الإمام أحمد (١)، والبخاري في مواضع من "صحيحه"، ومسلم عن عبد اللَّه (هو ابن مسعود) قال: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ دعا على قريش؛ غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه، فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة بن أبي مُعيط: أنا. فأخذه فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجدًا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم! عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم! عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم! عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم! عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم! عليك بعقبة بن أبي مُعيط، اللهم! عليك بأُبَيِّ بن خلف. أو: أمية بن خلف". شعبة الشاك. قال عبد اللَّه: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعًا، ثم سُحِبُوا إلى القليب؛ غير أُبيّ أو أمية بن خلف؛ فإنه كان رجلًا ضخمًا فتقطع. والصواب: أمية بن خلف؛ فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أُبيّ إنما قتل يوم أُحد؛ كما سيأتي بيانه.

стр. 145

و (السلا): هو الذي يخرج مع ولد الناقة؛ كالمشيمة لولد المرأة. وفي بعض ألفاظ "الصحيح": أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا؛ حتى جعل بعضهم يميل على بعض؛ أي: يميل هذا على هذا من شدة الضحك. لعنهم اللَّه. وفيه: أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة، وعيَّن في دعائه سبعة، وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم؛ وهم: عتبة وأخوه شيبة؛ ابنا ربيعة، والوليد ابن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي مُعيط، وأمية بن خلف. قال أبو إسحاق (١): ونسيت السابع. قلت: وهو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في "صحيح البخاري". وووى عن عروة بن الزبير [قال:] سألت ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللَّه ﷺ ، قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حِجْر الكعبة؛ إذ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا. فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. انفرد به البخاري (٢)، وقد رواه في أماكن من "صحيحه"، وصرح في بعضها

стр. 146

بـ (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) (١)، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وفي رواية معلقة عن عروة قال: قيل لعمرو بن العاص. وهذا أشبه لتقدم هذه القصة (٢). وقد روى البيهقي عن الحاكم بسنده عن ابن إسحاق (٣): حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة قال: قلت لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول اللَّه ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ سَفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم. أو كما قالوا. قال: فبينما هم في ذلك [إذ] طلع رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول اللَّه ﷺ ، فمضى، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه،

стр. 147

فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: "أتسمعون يا معشر قريش؟ أمَا والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بالذبح". فأخذت القومَ كلمتُهُ، حتما ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه وَصَاةً قبل ذلك ليرفؤه [بأحسن ما يجد من القول]، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم! راشدًا، فـ[ـواللَّه؛] ما كنت جهولًا. فانصرف رسول اللَّه ﷺ . حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك [إذ] طلع رسول اللَّه ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول: كذا وكذا؟! لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول اللَّه ﷺ : "نعم؛ أنا الذي أقول ذلك". ولقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي دونه ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]؟! ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأكثرُ ما رأيت قريشًا بلغت منه قط.

стр. 148

فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم فأبى عليهم ذلك بحول اللَّه وقوته عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد أوذيت في اللَّه وما يُؤذَى أحد، وأُخفت في اللَّه وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد؛ إلا ما يواري إبط بلال". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

стр. 149

فصل فيما اعترض به المشركون على رسول اللَّه ﷺ وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعًا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، ولا ما بليه رغبوا؛ لعلم الحق سبحانه؛ أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردَّون. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ و ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)

стр. 150

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشبهها في أماكنها من "التفسير"، وللَّه الحمد. عن ابن عباس قال: سأل أهل (مكة) رسول اللَّه ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يُنَحِّيَ عنهم الجبال فيزدرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم (١). قال: "لا؛ بل أستأني بهم". فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. رواه أحمد والنسائي (٢).

стр. 151

وفي رواية لأحمد (١) عنه قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلوا؟ ". قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد فلك أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة. قال: "بل [باب] التوبة والرحمة". وإسناد كل منهما جيد. وقد جاء مرسلًا عن جماعة من التابعين؛ منهم: سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد.

стр. 152

فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول اللَّه ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء (مكة) إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم. فمنهم من يفق من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلُب لهم، ويعصمه اللَّه منهم. وقد تقدم (١) حديث ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول اللَّه فمنعه اللَّه بعمه، وأبو بكر منعه اللَّه بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد. وعن جابر: أن رسول اللَّه ﷺ مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: "أبشروا آل عمار وآل ياسر! فإن موعدكم الجنة".

стр. 153

رواه البيهقي عن الحاكم (١). قلت: وفي مثل هذا أنزل اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (٢) وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا اللَّه من ذلك بحوله وقوته. وعن خباب بن الأرتّ قال: كنت رجلًا قَينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا واللَّه؛ لا أقضيك حتى تكفر بمحمد! فقلت: لا واللَّه؛ لا أكفر بمحمد

стр. 154

حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت؛ جئتني ولي ثَمَّ مالٌ وولدٌ فأعطيك، فأنزل اللَّه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]. أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم في "الصحيحين" (١)، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بـ (مكة)، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. . . فذكر الحديث. وفي طريق أخرى (٢) له عنه قال: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنَّ اللَّه هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضرموت) ما يخاف إلا اللَّه (زاد بيان: والذئب على، غنمه) ". وفي رواية: "ولكنكم تستعجلون" (٣).

стр. 155

[المستدرك] وعن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب بلى عمر فقال: ادنُ؛ فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار. فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون. أخرجه ابن سعد (٣/ ١٦٥)، وابن ماجه (١٥٣) بسند صحيح (١). [انتهى المستدرك].

стр. 156

باب مجادلة المشركين رسول اللَّه ﷺ وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادًا وحسدًا وبغيًا وجحودًا روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لَتَعَرَّضَ ما قِبَلَه. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فواللَّه؛ ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، واللَّه؛ ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللَّه؛ إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني (١) حتى أفكر فيه.

стр. 157

فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات. هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن إسحاق (١). قلت: وفي ذلك قال اللَّه تعالى إخبارًا عن جهلهم وقلة عقلهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥] فحاروا ماذا يقولون فيه؟ فكل شيء يقولونه باطل؛ لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ، قال اللَّه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء: ٤٨]. وروى الإمام عبد بن حميد في "مسنده" بسنده عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر؛ فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد! فأتاه عتبة فقال: يا محمد! أنت خير أم عبد اللَّه؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ . فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ . ثم قال: إنْ كنت تزعم أن هؤلاء خير منك؛ فقد عبدوا الألهة التي عِبْتَ،

стр. 158

وإن كنت تزعم أنّك خير منهم؛ فتكلم حتى نسمعِ قولك، إنا واللَّه ما رأينا سَخلة قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشَتَّتَّ أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى؛ أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة؛ جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة؛ فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فرغت؟ ". قال: نعم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم. حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ إلى أن بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١ - ١٣] ". فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم. ثم قال: لا والذي نصبها بَيِّنَة؛ ما فهمت شيئًا مما قال: غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا واللَّه؛ ما فهمت شيثًا مما قال: غير ذكر الصاعقة.

стр. 159

وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم بسنده عن الأجلح به، وفيه كلام (١)، وزاد: وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك؛ فكنت رأسًا ما بقيت. وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾؛ أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: واللَّه يا معشر قريش! ما نرى عتبة إلا صبا إلي محمد، وأعجبه كلامه (٢)، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: واللَّه يا عتبة! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد، وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة؛ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد (٣). فغضب، وأقسم باللَّه لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء -واللَّه؛ ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ: " ﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم. حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ

стр. 160

صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ "، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب. ثم روى البيهقي بسنده عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت رسول اللَّه ﷺ أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة؛ إذ لقينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هلم إلى اللَّه وإلى رسوله، أدعوك إلى اللَّه". فقال أبو جهل: يا محمد! هل أنت منتهِ عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهدَ أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغتَ، فواللَّه؛ لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل علي فقال: واللَّه؛ إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء؛ إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّت الركب قالوا: منا نبي! واللَّه لا أفعل (١). وهذا القول منه -لعنه اللَّه- كما قال تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان: ٤١ و ٤٢].

стр. 161

وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية ورسول اللَّه ﷺ متوارٍ بـ (مكة): ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال: فقال اللَّه تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك؛ فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. رواه أحمد وصاحبا "الصحيح" (١).

стр. 162

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من (مكة) إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد والإهانة البالغة. وكان اللَّه قد حجرهم عن رسول اللَّه ﷺ ، ومنعه بعمه أبي طالب؛ كما تقدم تفصيله، وللَّه الحمد والمنة. وقد روى الإمام أحمد (١) بسنده عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، فيهم

стр. 163

عبد اللَّه بن مسعود، وجعفر، وعبد اللَّه بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي. وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية. فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك؛ فابعث إليهم. فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم. فاتَّبَعُوه. فسلَّم ولم يسجد، فقالواله: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا للَّه . قال: وما ذاك؟ قال: إن اللَّه بعث إلينا رسولًا، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا للَّه ، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال اللَّه: هو كلمته وروحه ألقاها بلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها (١) ولد.

стр. 164

قال: فرفع عودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! واللَّه؛ ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، واللَّه؛ لولا ما أنا فيه من الملك؛ لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه [وأوضئه]. وأمر بهدية الآخرين فردَّت إليهما. ثم تعجل عبد اللَّه بن مسعود حتى أدرك بدرًا. وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته. وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن، وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان فيمن هاجر من (مكة) إلى أرض الحبشة؛ إن لم يكن مدرجًا من بعض الرواة. واللَّه أعلم. ورواه أبو نعيم في "الدلائل" (١) عن أبي موسى قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبيلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية.

стр. 165

وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له. ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضي؟! قالا: نعم. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد؛ أنا خطيبكم اليوم. فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سِماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرنا مَنْ عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا للَّه (١). فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن اللَّه بعث فينا رسولًا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵊ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئًا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله.

стр. 166

فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أصلح اللَّه الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم! فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول اللَّه؛ هو روح اللَّه وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد. فتناول النجاشي عودًا من الأرض فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك؛ لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا، وكان عمارة رجلًا جميلًا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا [يعني: خمرًا] (١)، ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني! فقال له عمرو: ألا تستحي؟! فأخذ عمارة عمرًا فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة. فحقد عليه عمرو في ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك. فدعا النجاشي بعمارة، فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش.

стр. 167

وهكذا رواه البيهقي في "الدلائل" إلى قوله: "فأمر لنا بطعام وكسوة" (١)، قال: "وهذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بـ (مكة)، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة. والصحيح عن بُريد (٢) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول اللَّه ﷺ وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ زمن (خيبر). قال: وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال: ولعل الراوي وهم في قوله: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننطلق". واللَّه أعلم (٣) ".

стр. 168

وهكذا رواه البخاري في (هجرة الحبشة)، ومسلم عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ﵁، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافينا النبي ﷺ حين افتتح (خيبر)، فقال النبي ﷺ : "لكم أنتم أهل السفينة هجرتان". وروياه في موضع أخر مطولًا. واللَّه أعلم (١). وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث ابن هشام عن أم سلمة ﵂ قالت: لما ضاقت (مكة)، وأوذي أصحاب رسول اللَّه ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول اللَّه ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول اللَّه ﷺ في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه؛ فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللَّه لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه". فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا.

стр. 169

فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارًا وأمنًا غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا؛ ليخرجنا من بلاده، وليردنا عليهم. فبعثوا عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يَدَعوا رجلًا إلا هيأوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعو إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه، فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا؛ فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل. ثم قدموا للنجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من (مكة) الأدم. (وذكر موسى بن عقبة: أنهم أهدوا إليه فرسًا وجبة ديباج). فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك! إن فتية منّا سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجؤوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم؛ آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلى بهم عينًا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب، ثم قال: لا لعمر اللَّه! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم؛ قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أدخل

стр. 170

بينهم وبينهم، ولم أَنْعَم عينًا. (وذكر موسى بن عقبة: أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم، فقال: لا واللَّه؛ حتى أسمع كلامهم، وأعلم على أي شيء هم عليه). فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له، فقال: أيها الرهط! ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم؟! فأخبروني ماذا تقولون في عيسى؟ وما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد اللَّه لا نشرك به شيئًا. قال: من جاءكم بهذا؟

стр. 171

قالوا: جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه اللَّه إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة، والوفاء، وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، فصدقناه، وعرفنا كلام اللَّه، وعلمنا أن الذي جاء به من عند اللَّه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبي الصادق، وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: واللَّه؛ إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية؛ فإن رسول اللَّه ﷺ أخبرنا أن تحية أهل الجنة (السلام)، وأمرنا بذلك، فحييناك بالذي يحيى بعضنا بعضًا. وأما عيسى ابن مريم؛ فعبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول. فأخذ عودًا، وقال: واللَّه؛ ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: واللَّه؛ لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: واللَّه؛ لا أقول في عيسى غير هذا أبدًا، وما أطاع اللَّه الناس فيَّ حين رد عليّ ملكي؛ فأطيع الناس في دين اللَّه؟! معاذ اللَّه من ذلك! وقال يونس عن ابن إسحاق: فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم. فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟

стр. 172

فقالوا: وماذا نقول؟! نقول -واللَّه- ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب ﵁. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية! فقال له جعفر: أيها الملك! كنا قومًا على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نُحلل شيئًا ولا نحرمه، فبعث اللَّه إلينا نبيًّا من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا بلى أن نعبد اللَّه وحده لا شريك له، ونصل الأرحام، ونحمي الجوار، ونصلي للَّه ، ونصوم له، ولا نعبد غيره. (وقال زياد (١) عن ابن إسحاق: فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قال: فعدد عليه أمور الإسلام-

стр. 173

فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده لا شريك له، ولم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! قالت: فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟ فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى -واللَّه- النجاشي حتى اخضَلَّتْ لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [حين سمعوا ما تلا عليهم]) (١). ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى؛ انطلقوا راشدين، لا واللَّه؛ لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عينًا. فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه؛ لآتينه غدًا بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد -عيسى ابن مريم- عبد! فقال له عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة: لا تفعل؛ فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحمًا، ولهم حقًّا.

стр. 174

فقال: واللَّه لأفعلن. فلما كان الغد دخل عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عنه. فبعث -واللَّه- إليهم، ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون في عيسى إن هو سألكم (١) عنه؟ فقالوا: نقول -واللَّه- الذي قاله اللَّه فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه. فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبد اللَّه ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العويد. فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم واللَّه! اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض (الشيوم: الآمنون في الأرض)، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم (ثلاثًا)، ما أحب أن لي دَبْرًا وأني آذيت رجلًا منكم. (والدبر بلسانهم: الذهب). (وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أحب لي دبرًا من الذهب. قال ابن هشام: ويقال: زبرًا، وهو الجبل بلغتهم).

стр. 175

ثم قال النجاشي: فواللَّه؛ ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي. فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار. فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه الملك. فواللَّه؛ ما علمتنا حزنَّا حزنًا قط هو أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه. فجعلنا ندعوا اللَّه ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا. فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقيعة حتى ينظر على من تكون. فقال الزبير -وكان من أحدثنا سنًا-: أنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة. فهزم اللَّه ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه. فجاءنا الزبير، فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فأبشروا؛ فقد أظهر اللَّه النجاشي. قالت: فواللَّه؛ ما علمتنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.

стр. 176

ثم أقمنا عنده حتى خرج مَنْ خرج منا إلى (مكة)، وأقام من أقام (١). قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: "ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! " فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه؛ فإن له اثني عشر رجلًا من صلبه؛ فتوارثوا الملك؛ لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلًا لا يكون بينهم اختلاف. فعدوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال. فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله، أو ليخرجه من بلادنا.

стр. 177

فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا؛ فإما أن تقتله؛ وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟! بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به، فوقفوه في السوق، وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم، أو بسبعمائة فانطلق به. فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته. ففزعوا إلى ولده؛ فإذا هم مُحمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره لَلَّذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة؛ فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه. فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذًا واللَّه لأكلمنه. فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك! إنى ابتعت غلامًا، فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي. فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء.

стр. 178

فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه. فلذلك يقول: ما أخذ اللَّه مني الرِّشوة؛ فآخذ الرشوة حين رد عليّ ملكي؟! وما أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه (١)؟! والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة. والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرهما أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة (٢) -وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول اللَّه ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة (٣) -وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري (٤). والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابًا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛

стр. 179

فألقى عمرًا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك (١). فحقد عمرو عليه. فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش. وقد ذكر الأموي (٢) قصته مطولة جدًّا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصَّده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني وإلا متُّ. فلما لم يرسله مات من ساعته. فاللَّه أعلم. وروى ابن إسحاق بسنده عن عائشة ﵂ قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور (٣). ورواه أبو داود عن ابن إسحاق (٤). * * *

стр. 180

وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات (١). وروى البخاري في (موت النجاشي) (٢) بسنده عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح؛ فقوموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) ". وروي ذلك من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود، وغير واحد. وفي بعض الروايات تسميته (أصحمة) (٣)، وفي رواية (مصحمة)، وهو (أصحمة بن بحر)، وكان عبدًا صالحًا لبيبًا ذكيًّا، وكان عادلًا عالمًا، ﵁ وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي (مصحمة)، وفي نسخة صححها البيهقي: (أصحم)، وهو بالعربية: (عطية). قال: وإنما النجاشي اسم الملك؛ كقولك: (كسرى)، (هرقل) (٤).
следующие страницы →