← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَمن أشهر مَا لَهُم فِي ذَلِك خمس قَوَاعِد أَحدهَا أَن الجسمية أَمر ثبوتي مُشْتَرك بَين الْأَجْسَام زَائِد عَلَيْهَا وَثَانِيها تماثل الْأَجْسَام وجواهرها وَثَالِثهَا أَن كَون المتحيز فِي الْمَكَان أَمر ثبوتي زَائِد عَلَيْهِ لَا وصف عدمي وَسَوَاء كَانَ حَرَكَة أَو سكونا أَو اجتماعا أَو افتراقا ويسمونه دَلِيل الاكوان وَرَابِعهَا قِيَاس وَاجِب الْوُجُود على مُمكن الْوُجُود فِي أَشْيَاء كَثِيرَة مثل قَول الْمَلَاحِدَة نفاة الاسماء الْحسنى أَن كَونه تَعَالَى على صفة دون أُخْرَى يَقْتَضِي أَن يجْرِي مجْرى الممكنات الحادثات الَّتِي تحْتَاج فِي مثل ذَلِك إِلَى تَخْصِيص مُخَصص وَقد أوضحت مَا أورد بَعضهم على بعض من الاشكالات الصعبة فِي ذَلِك فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة من العواصم وَرُبمَا نقلته مُفردا فِي مَوْضِعه من هَذَا الْمُخْتَصر لينْظر فِيهِ من يفهمهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وخامسها أَن كل مَوْجُود فِي الْخَلَاء العدمي حَتَّى الظلمَة والنور فانه جسم أَو حَال فِيهِ مُحْتَاج اليه وَخَالفهُم فِي الْقَاعِدَة الأولى أَكثر الْعُقَلَاء من الْمُسلمين وَغَيرهم على مَا نَقله ابْن تَيْمِية فَقَالُوا أَن الْمَاهِيّة الْمُشْتَركَة الْمَعْرُوفَة بالمجردات لَا وجود لَهَا أَلْبَتَّة إِلَّا فِي الاذهان وَلم يقم على وجودهَا برهَان فِي الْخَارِج كَمَا بسط فِي مَوْضِعه وَخَالفهُم فِي الثَّانِيَة الرَّازِيّ وَالشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي الكعبي وَأَصْحَابه معتزلة بَغْدَاد وَخَالفهُم فِي الثَّالِث الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَخلق كثير ذكرهم الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى وَخَالف أهل الْقَاعِدَة الرَّابِعَة جُمْهُور أهل الاسلام وَخَالفهُم فِي الْخَامِسَة أهل اللُّغَة وَأهل الْأَثر وَبَعض أهل الْكَلَام والمعقولات وَالسَّلَف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ظَاهرا لَا رِوَايَة ومستند الظُّهُور نقل أهل اللُّغَة وهم من أَهلهَا بِلَا ريب وَخَالفهُم فِي الْقَوَاعِد الْخمس كلهَا جَمِيع أهل الْآثَار وسلفهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ظَاهرا مَعَ من ذكرنَا مَعَهم من ذَلِك من أهل المعقولات والمتكلمين كَمَا بسط فِي موَاضعه وَالْحَمْد لله

стр. 107

وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ هَل يجب بِنَاء الدَّلِيل على الضَّرُورَة فِيمَا انْتهى اليه النّظر أَو على سُكُون النَّفس فَعِنْدَ المنطقيين وَأبي الْحُسَيْن من الْمُعْتَزلَة وَأكْثر الْمُحَقِّقين أَنه لابد من الِانْتِهَاء إِلَى الضَّرُورَة وَإِلَّا أدّى إِلَى التسلسل أَو التحكم وَعند جُمْهُور الْمُعْتَزلَة أَنه يَكْفِي أَن يَنْتَهِي إِلَى سُكُون النَّفس وَيرد عَلَيْهِم سُكُون نفوس المبطلين ببواطلهم وَهَذَا مَا عَارض وَالْقَصْد بِذكرِهِ بَيَان أَن كَون الدَّلِيل الْعقلِيّ قَاطعا من الْمَوَاضِع الدقيقة الَّتِي اخْتلف فِيهَا أهل الدَّعْوَى للذكاء والكمال فِي التدقيق فَيجوز أَن يَقع الْخَطَأ على الْمُحَقق فِي مثل هَذَا وَيَنْبَغِي أَن يحذرهُ الْمنصف فان كثيرا من أهل الْعُقُول يقصر فِي هَذَا الْموضع فيظن فِي بعض العقليات أَن دَلِيله قَاطع وَلَيْسَ بقاطع فِي نفس الامر ثمَّ يُعَارضهُ السّمع فَيرى فِي نَفسه أَن التَّأْوِيل يتَطَرَّق إِلَى السّمع لاحْتِمَال اللَّفْظ اللّغَوِيّ لَهُ دون الادلة الْعَقْلِيَّة القاطعة فِي ظَنّه وزعمه أَنَّهَا قَاطِعَة وَلَا يدْرِي أَن قطعه بِأَنَّهَا قَاطِعَة قطع بِغَيْر تَقْرِير وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير وانه مقَام صَعب خطير وَأَنه بطول النّظر والمراجعة فِيهِ جدير وَلَو لم يكن فِي ذَلِك عِبْرَة للمعتبرين إِلَّا مَا جرى لمُوسَى الكليم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وَالتَّسْلِيم حَيْثُ قطع بِالنّظرِ الْعقلِيّ على قبح مَا فعله الْخضر ﵇ فانكشف لَهُ خلاف مَا قطع عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ نوح عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قطع على أَن وَلَده من أَهله فَبَان لَهُ خلاف ذَلِك فاذا كَانَ هَذَا فِي حق أرفع الْبشر مرتبَة فَمن النَّاس بعدهمْ فليتفطن طَالب النجَاة لذَلِك وليحذر أَشد الحذر وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابْن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده فِي حُقُوق الْقُلُوب وَمَا يجب من معرفَة الله وَتَقْرِير الْعَامَّة على مَا علم أَنهم لم ينفكوا عَنهُ لدقة الْأَمر الْمَانِع مِمَّا هم عَلَيْهِ وصعوبة مَعْرفَته عَلَيْهِم وَذَلِكَ كغلاة الاشعرية فِي نفي حِكْمَة الله تَعَالَى وتقبيح اسْم الْحَكِيم فِي الظَّاهِر وَإِيجَاب تَأْوِيله بالمحكم لصنعه من غير حِكْمَة لَهُ فِي ذَلِك الاحكام وغلاة الْمُعْتَزلَة فِي نفي السَّمِيع الْبَصِير والمريد وتقبيحها فِي الظَّاهِر وَإِيجَاب تَأْوِيلهَا بالعليم لَا سواهُ وَذَلِكَ يضعف فِي مثل ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر﴾ وَقَول الْخَلِيل لِأَبِيهِ ﴿يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾

стр. 108

وَكَذَلِكَ الْجَمِيع من الاشعرية والمعتزلة فِي نفي حَقِيقَة الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من الرؤوف والودود وأرحم الرَّاحِمِينَ وحكمهم بِأَنَّهَا أَسمَاء قبيحة الظَّوَاهِر فِي حق الله تَعَالَى وَأَنَّهَا لَا تلِيق بجلاله إِلَّا بصرفها عَن ظواهرها وتعطيلها عَن حقائقها إِلَى الْمجَاز الْمَحْض وَأَن نِسْبَة الرَّحْمَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ كنسبة إِرَادَة الانقضاض إِلَى الْجِدَار والجناح إِلَى الذل وكل ذَلِك بِمُجَرَّد ظن أَن الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة القاطعة دلّت على ذَلِك وَسَتَأْتِي الاشارة إِلَى تِلْكَ الْأَدِلَّة وَمَا يرد عَلَيْهَا على قَوَاعِد أَئِمَّة المعقولات على حسب هَذَا الْمُخْتَصر مَعَ الارشاد إِلَى مَوَاضِع الْبسط فَأَما لَوَازِم رَحْمَة المخلوقين المستلزمة للنقص فَوَاجِب تَنْزِيه الله تَعَالَى عَنْهَا قطعا وفَاقا كلوازم علمهمْ وارادتهم وَنَحْو ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه وَمن مظان بطلَان ذَلِك النّظر فِي كَيْفيَّة بعض صِفَات الله تَعَالَى اللائقة بِهِ بل الْوَاجِبَة لَهُ على التَّفْصِيل الْمُؤَدِّي إِلَى الْقطع بِتَسْمِيَة تِلْكَ الصِّفَات مَعَاني وَإِلَى الْقطع بِالْفرقِ بَينهمَا وَإِلَى الْقطع بِأَن ذَات الله تَعَالَى لَا يَصح وجود الْمعَانِي فِيهَا ومجموع ذَلِك هُوَ الَّذِي اضْطر البهاشمة إِلَى أَنه تَعَالَى مُرِيد بارادة حَادِثَة لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيره وَلَا يحْتَاج فِي خلقهَا إِلَى ارادة والحازم يوازن بَين الممتنعات فَيرد أَشدّهَا امتناعا فِي الْفطر وَلَعَلَّ وجود الْعرض لَا فِي مَحل بل لَا فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وتأثيره لمن لم يُوجد فِيهِ أبعد مِمَّا فروا مِنْهُ وَقد جود ابْن تَيْمِية وَغَيره من أَئِمَّة الْعلم الجامعين بَين التَّحْقِيق فِي هذَيْن العلمين الْعقلِيّ والسمعي الْكَلَام فِي ذَلِك وَفِي المختصرات من ذَلِك مَا يَكْفِي المقتصد وَأما من أَرَادَ الْغَايَة فِي الْبَحْث فَلَا تكفيه المختصرات وَلَا النّظر فِي كتب بعض الْخُصُوم بل يحْتَاج إِلَى النّظر فِي الْكتب البسيطة للمعتزلة والاشعرية ومتكلمي أهل السّنة وكتبهم أقل الْكتب وجودا

стр. 109

وَمن مشاهيرها منهاج السّنة النَّبَوِيَّة لِابْنِ تَيْمِية على مَا قيل وَلم أَقف عَلَيْهِ وَفِي هَذِه الصُّورَة يتَكَلَّف المتكلمون كلهم التأويلات الْبَعِيدَة تَارَة لما يُمكن تَأْوِيله لَو دلّ دَلِيل قَاطع على امْتنَاع ظَاهره وَلَكِن لَا قَاطع مُحَقّق إِلَّا مُجَرّد دَعْوَى وَتارَة لما لَا يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف شابه تَأْوِيل القرامطة وَرُبمَا استلزم بعض التأويلات مُخَالفَة الضَّرُورَة الدِّينِيَّة وهم لَا يعلمُونَ وَلَا يُؤمن الْكفْر فِي هَذَا الْمقَام فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى وَأَحْكَام الْآخِرَة وَإِن لم نعلمهُ نَحن وتوقفنا لشُبْهَة التَّأْوِيل وَعدم علمنَا بعلمهم بِمَا أنكروه فانه لَا يُؤمن فِي حكم الله وَالله الْمُسْتَعَان فسبب الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الصُّورَة وَمَا يتركب عَلَيْهَا وَهُوَ مُعظم التَّأْوِيل هُوَ الِاخْتِلَاف فِي أَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة الْمُوجبَة للتأويل عِنْد المتأولين قَطْعِيَّة أم لَا أما من علم بطلَان الْقطع إِمَّا بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ الْقَاطِع أَو بهما مَعًا فَعَلَيهِ الْبَيَان لذَلِك فاذا سَطَعَ الْحق وَجب اتِّبَاعه من أَي الْجَانِبَيْنِ كَانَ وَأما من لم يعلم ذَلِك لَكِن علم أَن أذكياء الْعُقَلَاء مَا زَالُوا يغلطون فِي اعْتِقَاد الْقطع فِي مثل هَذِه الدقائق وان خوضه فِيهَا أشبه شَيْء بركوب الْبَحْر عِنْد هيجه واضطرابه وان الْجَمِيع قد انْعَقَد اجماعهم على أَن مُخَالفَة الْعقل إِذا تجرد عَن السّمع لَيست بِكفْر وَلَا فسق وَإِن كَانَ فِيهَا مُخَالفَة ضَرُورَة الْعقل فان من اعْتقد فِي حَنْظَلَة مرّة أَنَّهَا حُلْو يكون قد خَالف ضَرُورَة الْعقل وَلَا يكفر بل وَلَا يفسق لقَوْل النَّبِي ﷺ أَن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على غَيْرِي أَنه من يكذب عَليّ يلج النَّار وَإِنَّمَا هَذَا كَاذِب على نَفسه وَلم يكذب على الله وَلَا رَسُوله فَكيف من قَالَ بِغَيْر الْحق فِي دقائق الْكَلَام متأولا وَكَذَلِكَ انْعَقَد إِجْمَاعهم على أَن مُخَالفَة السّمع الضَّرُورِيّ كفر وَخُرُوج عَن الاسلام وَأَن ذَلِك لَا يُؤمن فِي القَوْل بِأَن الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَكِيم السَّمِيع الْبَصِير لَيست بأسماء مدح الله تَعَالَى بل أَسمَاء ذمّ قبيحة يجب تَأْوِيلهَا وتحذير عوام الْمُسلمين من الاغترار باطلاقها وَأَنَّهَا لَيست أَسمَاء حسنى لِأَن الْحسنى جمع الاحسن لَا جمع الْحسن وَهَذِه لم تدخل فِي الْحسن كَيفَ فِي أحسن الْحسن فان عَامَّة أهل الاثر رجحوا الِاعْتِقَاد الاسلم على الاعلم لِأَن الْمُتَكَلِّمين قد اعْتَرَفُوا بِأَن طَريقَة السّلف أسلم لَكِن ادعوا أَن طريقهم أعلم

стр. 110

وَوجه التَّرْجِيح عِنْدهم أَنهم علمُوا من كَثْرَة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي هَذِه الْأَسْمَاء أَنَّهَا على جِهَة التمدح كَمَا يَأْتِي فِي مَوْضِعه وَظُهُور ذَلِك فِي عصر النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير تحذير لأحد من الاغترار بظاهرها مَعَ اعْتِقَاد الْجَمِيع أَن الله لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته يَقْتَضِي عَادَة الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهَا أَسمَاء مدح وَأَنَّهَا من الاسماء الْحسنى الَّتِي لَا قبح فِيهَا وخافوا الْكفْر فِي مُخَالفَة هَذَا الْعلم وَأما الادلة الْمُوجبَة للتأويل فَسَوف يَأْتِي الْبَيَان الْوَاضِح أَنَّهَا قد انْتَهَت إِلَى غَايَة الدقة ووردت عَلَيْهَا الشكوك الصعبة حَتَّى اخْتلف فِي صِحَّتهَا أَئِمَّة الْمَعْقُول فمخالفة الْحق فِيهَا على جِهَة التَّأْوِيل لَا يكون كفرا وَلَا فسقا على جَمِيع قَوَاعِد الْعُقَلَاء قَالُوا وَلَا شكّ أَن الْفَوْز بالامان من الْكفْر الْمُوجب الخلود فِي النَّار أرجح من الْفَوْز بالظفر بِالْحَقِّ فِي دقائق الْجَوَاهِر والاعراض كَمَا نَص عَلَيْهِ الْمُؤَيد بِاللَّه فِي الزِّيَادَات من أَئِمَّة العترة وَغَيره مِنْهُم ﵈ فَشد على هَذِه يَديك وَلَا تغفل النّظر فِيهَا فان قلت فَمَا يعْتَقد أهل الاثر فِي رَحْمَة الله وَهل يجوزون أَنَّهَا رَحْمَة مثل رَحْمَة المخلوقين قلت كلا فان رَحْمَة المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم فيدخلها الْحَسْرَة والاسف والبكاء والاماني الْبَاطِلَة فتغلبهم فتصرفهم عَن الْعدْل وَالْحق وَقد أجمعنا على أَن الْعَلِيم الْقَدِير محكمان لَا يجب تأويلهما وَلَو قَالَ قَائِل أَنَّهُمَا فِي حق الله مثلهَا فِينَا لَكَانَ كَافِرًا بالاجماع فاذا وَجب نفي التَّشْبِيه فِي المحكمات بالاجماع فَكيف لَا ننفيه فِي غَيرهَا وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِك وَإِنَّمَا بسطت القَوْل هُنَا لِأَن أَكثر التَّأْوِيل يَدُور على هَذِه الصُّورَة فان قيل تَقْدِيم الْعقل على السّمع أولى عِنْد التَّعَارُض لِأَن السّمع علم بِالْعقلِ فَهُوَ أَصله وَلَو بَطل الْعقل بَطل السّمع وَالْعقل مَعًا وَهَذِه من قَوَاعِد الْمُتَكَلِّمين قُلْنَا قد اعْتَرَضَهُمْ فِي ذَلِك الْمُحَقِّقُونَ بِأَن الْعُلُوم يَسْتَحِيل تعارضها فِي الْعقل والسمع فتعارضها تَقْدِير محَال فانه لَو بَطل السّمع أَيْضا بعد أَن دلّ

стр. 111

الْعقل على صِحَّته لبطلا مَعًا أَيْضا لِأَن الْعقل قد كَانَ حكم بِصِحَّة السّمع وَأَنه لَا يبطل فحين بَطل السّمع علمنَا بِبُطْلَانِهِ بطلَان الاحكام الْعَقْلِيَّة وَمِمَّنْ ذكر ذَلِك ابْن تَيْمِية وَابْن دَقِيق الْعِيد وَالزَّرْكَشِيّ فِي شرح جمع الْجَوَامِع الصُّورَة الثَّانِيَة أَن يتَيَقَّن الْمُتَكَلّم بعض الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة حَتَّى لَا يشك فِي صِحَّتهَا وَهِي كَذَلِك ثمَّ يعْتَقد لتَقْصِيره فِي علم السّمع أَن السّمع ورد بنقيض ذَلِك الْأَمر الْمَعْلُوم عِنْده فَيَقَع فِي الْكفْر الصَّرِيح كَابْن الراوندي وَسَائِر من صرح بِالرّدَّةِ لذَلِك وَمن هَؤُلَاءِ بعض الفلاسفة وَأكْثر البراهمة أَعنِي أَن بَعضهم كفر من هَذِه الْجِهَة وَبَعْضهمْ كفر من جِهَة أُخْرَى وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ اجْتمعت كلمتهم على أَن عَذَاب الْآخِرَة خَال عَن الْمصلحَة وَالْحكمَة وَأَن ذَلِك لَا يجوز على مُخْتَار عليم حَكِيم فَقَوْلهم أَن التعذيب لغير حِكْمَة لَا يجوز على الْمُخْتَار الْعَلِيم الْحَكِيم حق وصواب لكِنهمْ قصروا فِي علم السّمع فظنوا أَنه ورد بِأَن ذَلِك الْعَذَاب خَال عَن الْحِكْمَة وَدَعوى هَذَا على السّمع بَاطِلَة وَقد جود ابْن تَيْمِية غاليا فِي الرَّد عَلَيْهِم على التَّفْصِيل كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي حادي الارواح وَأَشَارَ إِلَى مثل قولة الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الاسنى فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم مِنْهُ وَلم يُصَرح وَجعل ذَلِك من الاسرار الَّتِي لَا تفشى وَسَيَأْتِي طرف من ذَلِك وَبَيَان الْمُخْتَار مِنْهُ فِي مَسْأَلَة اثبات الْحِكْمَة قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى الصُّورَة الثَّالِثَة قوم أَسْرفُوا فِي التَّقْصِير فِي علم السّمع تَارَة فِي طلب معرفَة نصوصه وَأَلْفَاظه وطرق صِحَّتهَا وَتارَة فِي مَعَانِيهَا وَتارَة فِي كَيْفيَّة الْجمع بَين المتعارض فيقدمون الْعُمُوم على الْخُصُوص والظواهر على النُّصُوص وَنَحْو ذَلِك حَتَّى ظنُّوا فِي بعض الْأُمُور أَن السّمع ورد بِهِ ورودا ضَرُورِيًّا أَو قَطْعِيا وَلم يرد بِهِ السّمع أصلا لَا ضَرُورَة وَلَا قطعا وَلَا ظنا ثمَّ عارضته أَدِلَّة كَثِيرَة جلية عقلية أَو سمعية أَو كِلَاهُمَا كالنواصب وَالرَّوَافِض وَكثير من الوعيدية والمبالغين فِي التَّكْفِير والتفسيق والتقنيط والتبري من كثير من أهل الاسلام والمبتدعة الَّذين لَهُم ذنُوب وهفوات لَا تخرج عَن الاسلام وَمن ذَلِك خبط كثير من النَّاس فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن وتكفير كل مِنْهُم لمن خَالفه بِغَيْر برهَان حَتَّى اعْتقد بعض الْمُحدثين قدم التِّلَاوَة وَجحد حُدُوث

стр. 112

صَوت التَّالِي مَعَ اعترافه بحدوث التَّالِي وحدوث لِسَانه ووجودهما قبل التِّلَاوَة وَقد قَالَ الْغَزالِيّ إِن هَذَا مَا درى مَا الْقَدِيم وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَن من عرف معنى هَذَا رَجَعَ عَنهُ وَإِنَّمَا كَانَت هفوة مِمَّن لم يتعقل هَذَا وَحَتَّى قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ الجبائي أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم مَعَ التَّالِي وَأَن الصَّوْت كامن فِي الْحُرُوف فِي الْمَصَاحِف وكل ذَلِك لاعتقادهم أَن السّمع ورد بَان كَلَام الله هُوَ المسموع فِي المحاريب الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وان مُنكر هَذَا كَافِر وَمَا قَالُوهُ من أَن ذَلِك كَلَام الله فِي الْجُمْلَة حق وَلَكِن لابد من الْفرق بَين التِّلَاوَة والمتلو والحكاية والمحكى وَهُوَ فرق ضَرُورِيّ فان المتلو المحكي كَلَام الله بِغَيْر شكّ والتلاوة والحكاية فعل لنا مَقْدُور اخْتِيَاري بِغَيْر شكّ وَلَا شكّ أَن مَا هُوَ مَقْدُور لنا وَاقع باختيارنا غير المعجز الَّذِي لم يقدر عَلَيْهِ أحد فالشيخ أَبُو عَليّ خَافَ مَا خَافَ أهل الْأَثر فِي الْمرتبَة الأولى من الْكفْر فِي مُخَالفَة السّمع فتكلف مُخَالفَة الْمَعْقُول فِي كمون الصَّوْت فِي الْحُرُوف الْمَكْتُوبَة وَفِي احداث صَوت من الله مَعَ صَوت كل قَارِئ حَتَّى يكون السَّامع لكل قَارِئ سَامِعًا لكَلَام الله على الْحَقِيقَة كَمَا سَمعه مُوسَى ﵇ كل هَذَا حَتَّى لَا يُخَالف الاجماع وَالنَّص حَيْثُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ فَأَي حرج على أهل الْأَثر إِذا تابعوا سَائِر السّمع وخالفوا من المعقولات مَا هُوَ أدق من الْمَعْقُول الَّذِي خَالفه أَبُو عَليّ فِي هَذِه الْمذَاهب الَّتِي لَوْلَا رَوَاهَا عَنهُ أَصْحَابه لعدت من تشنيع الاعداء عَلَيْهِ وَأما أُولَئِكَ المحدثون فَلم يفرقُوا بَين إِنْكَار السّلف كَون الْقُرْآن مخلوقا وَبَين كَونه قَدِيما فظنوا مَا ظن أَبُو عَليّ من الاجماع من السّلف على قدمه وسوف يَأْتِي الْفرق بَينهمَا فِي بَابه وَأما الروافض والنواصب والخوارج وغلاة الوعيدية فظنوا أَن السّمع ورد بعقائدهم فجحدوا كل مَا خَالف ذَلِك مِمَّا لم يعلموه وتأولوا مَا علموه ففحش جهلهم حَيْثُ قدمُوا الاكاذيب الْمَعْلُوم عِنْد أهل السّمع بُطْلَانهَا على المتواترات وَهَؤُلَاء لَا دَوَاء لَهُم لِأَن اعْتِقَادهم تَقْلِيد مَحْض لاسلافهم وَهُوَ غير منكشف لَهُم إِلَّا بَان يشكوا فِيهِ ويقبلوا على تعلم السّمع وَقِرَاءَة كتب الرِّجَال والتواريخ والمساند حَتَّى

стр. 113

يَكُونُوا من أَئِمَّة السّمع وينكشف لَهُم جهل أسلافهم أَو عنادهم وهم غير ملتفتين إِلَى شَيْء من هَذَا بل هم فِي غَايَة الْعجب بعلمهم واتقانهم وَغَايَة السخرية بخصومهم فهم أفحش الاقسام الاربعة الْمَشْهُورَة وهم من الَّذين لَا يَدْرُونَ أَنهم لَا يَدْرُونَ وَقد رَأَيْت لبَعض حذاق الباطنية فِي كتاب الْملَل والنحل الْقدح فِي الاخبار بذلك فانه لم يفرق بَين التَّوَاتُر الْحق وَدَعوى التَّوَاتُر فَقَالَ أما التَّمَسُّك بالاخبار فانه متعارض لِأَن كل طَائِفَة قد تَوَاتر لَهُم مَا هم عَلَيْهِ عَن أسلافهم الَّذين يثقون بهم وَلم يعلم الْمُغَفَّل أَن هَذَا مثل دَعْوَى الْيَهُود لقَوْل مُوسَى ﵇ تمسكوا بالسبت أبدا وَدَعوى تَوَاتر ذَلِك عَنهُ وَأَنه لَا فرق بَين تِلْكَ الدَّعْوَى وَبَين مَا صَحَّ عَن نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أَنه لَا نَبِي بعدِي وَأَنه خَاتم الْأَنْبِيَاء وَكم بَين تَوَاتر صِفَات الْكَمَال فِي رَسُول الله ﷺ وتواتر معجزاته وفضائله للعارفين وَبَين تلقي صبيان الْيَهُود لما يُعَارض ذَلِك كُله عَن آبَائِهِم الْقَوْم البهت وَهل يَقُول مميزان الامرين فِي التَّوَاتُر سَوَاء فجهال هَذِه الصُّورَة مثل صبيان الْيَهُود حِين نشؤا على ظن السوء برَسُول الله ﷺ وَأَنه لَا دَوَاء لَهُم إِلَّا أَن يتْركُوا تَقْلِيد آبَائِهِم فِي ذَلِك الظَّن السيء ويطالعوا كتب الاسلام الَّتِي فِيهَا سيرته وأخلاقه ومعجزاته وَسَائِر مناقبه والتواتر مِمَّا لَا يُمكن تَعْرِيف الْجَاهِل بِهِ أَلْبَتَّة وَلذَلِك يَقُول الْعلمَاء فِي ذَلِك أَنه مَعْلُوم لمن طالع كتب الاخبار وَإِلَّا فَكل مُبْطل مُعْتَقد لصِحَّة باطله وَلَوْلَا الْفرق بَين الاعتقادات الْبَاطِلَة والعلوم الصَّحِيحَة مَا تميز كفر من اسلام وَلَا شرك من تَوْحِيد وَلَا عَالم من جَاهِل فالعلم الْحق مَا جمع الْجَزْم والمطابقة والثبات عِنْد التشكيك فالظنون تَلْتَبِس بالعلوم الجازمة عِنْد كثير من الْعَامَّة والاعتقادات الْبَاطِلَة وَإِن كَانَت جازمة فِي نفوس أَهلهَا فَهِيَ غير مُطَابقَة فِي الْخَارِج واعتقادات عوام الْمُسلمين وَإِن كَانَت جازمة فِي نُفُوسهم مُطَابقَة للحق فانها لَا تثبت فِي نُفُوسهم عِنْد التشكيك وَالْعلم الْحق هُوَ مَا جمع هَذِه الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وَالله سُبْحَانَهُ قد خص بالهداية لَهُ من علم مِنْهُ الْقبُول والانصاف والاهلية لذَلِك كَمَا قَالَ فِي إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالمين﴾ وَقَالَ معَاذ إِن الْعلم وَالْإِيمَان

стр. 114

مكانهما من طلبهما وجدهما فَاطْلُبُوا ذَلِك من حَيْثُ طلبه إِبْرَاهِيم حَيْثُ قَالَ ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾ وَقد تقدم الارشاد إِلَى طَرِيق الظفر بِالْحَقِّ فِي هَذِه الْمُقدمَة من هَذَا الْمُخْتَصر الصُّورَة الرَّابِعَة طَائِفَة من أهل السّمع أتقنوا علم السّمع وَعَلمُوا مِنْهُ بعض الْقَوَاعِد علما صَحِيحا وتواتر لَهُم مَا لم يتواتر لغَيرهم لشدَّة بحثهم وقطعهم أعمارهم فِي ذَلِك ثمَّ نازعهم فِي ذَلِك جمَاعَة من عُلَمَاء المعقولات الْمُقَصِّرِينَ فِي علم السّمع كبعض الْمُعْتَزلَة خُصُوصا الْمُتَأَخِّرين فِي نفي الشَّفَاعَة للموحدين وَنفي الرَّجَاء للمذنبين مِنْهُم وإيجابب خلودهم فِي النَّار مَعَ الْمُشْركين فَظن أُولَئِكَ الَّذين أتقنوا مَا علمُوا من السّمع أَن الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة هِيَ الْمُعَارضَة لما عرفوه من السّمع الْحق فِي ذَلِك لشُبْهَة أَن المعارضين لَهُم فِيهِ يدعونَ التَّحْقِيق فِي المعقولات فيعادون علم الْمَعْقُول وَمن خَاضَ فِيهِ حَتَّى من أهل السّنة وظنوا أَن الاصغاء اليه وَالنَّظَر فِيهِ يسْتَلْزم الْبِدْعَة من غير بُد وَلَو نظرُوا بِعَين التَّحْقِيق لعلموا أَن خصومهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا أَتَوا من التَّقْصِير فِي علم السّمع وإقلال الْبَحْث عَنهُ وَمَا شابوا بِهِ جدا لَهُم من المعقولات فانما ادعوا فِيهِ على الْعقل مَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ كَمَا يدعونَ على الْعقل تقبيح خطاب الله لنا بِالْعُمُومِ الْمَخْصُوص فِي العقائد من غير بَيَان مقترن بِهِ وَلم يعلمُوا أَنه يرد عَلَيْهِم هَذَا بِعَيْنِه فِي عمومات الْوَعْد كعمومات الْوَعيد فَلَو حرم تَخْصِيص الْوَعيد بالأدلة الْمُنْفَصِلَة عَنهُ لحرم تَخْصِيص الْوَعْد كَذَلِك بل أولى وَأَحْرَى وَحِينَئِذٍ يحصل بطلَان مقصودهم فان قَالُوا فِي عمومات الْوَعْد يُمكن أَن تخصيصها قد كَانَ تقدمها وَعلم قُلْنَا وَكَذَلِكَ يُمكن فِي عمومات الْوَعيد فان قَالُوا فِي تَخْصِيص الْوَعيد أَنه ظَنِّي قُلْنَا صَدقْتُمْ أَنه ظَنِّي عنْدكُمْ لَكِن قد علم غَيْركُمْ مَا لم تعلموه من تواتره كَمَا أوضحته فِي العواصم وَلَئِن سلمنَا أَنه ظَنِّي فان حكم الظني أَن لَا يقطع بصدقه وَلَا كذبه لَا أَنه يقطع يكذبهُ لِأَنَّهُ لَا طَرِيق إِلَى ذَلِك وَأَنْتُم لم تتوقفوا فِي صدقه بل قطعْتُمْ بكذبه وَهَذَا هُوَ الْقطع بِغَيْر تَقْدِير والخبط الَّذِي لَيْسَ من الْعلم الْعقلِيّ فِي قبيل وَلَا دبير

стр. 115

وَاعْلَم أَنه لَا يكَاد يسلم من هَذِه الاغلاط إِلَّا أحد رجلَيْنِ إِمَّا رجل ترك الْبِدْعَة كلهَا والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إِلَى الْمذَاهب وَالْأَخْذ من التعصب بِنَصِيب وَبَقِي مَعَ الْكتاب وَالسّنة كَرجل نَشأ قبل حُدُوث الْمذَاهب وَلم يعبر عَن الْكتاب وَالسّنة بِعِبَارَة مِنْهُ مبتدعة واستعان الله وأنصف ووقف فِي مَوَاضِع التَّعَارُض والاشتباه وَلم يدع علم مَا لم يعلم وَلَا تكلّف مَا لَا يحسن وَهَذَا هُوَ مَسْلَك البُخَارِيّ وأئمة السّنة غَالِبا فِي تَرْجَمَة تصدير الْأَبْوَاب وَفِي العقائد بالآيت القرآنية والاخبار النَّبَوِيَّة كَمَا صنع فِي أَبْوَاب الْقدر وَكتاب التَّوْحِيد وَالرَّدّ على الْجَهْمِية وأبواب الْمَشِيئَة وَرجل أتقن العلمين الْعقلِيّ والسمعي وَكَانَ من أئمتهما مَعًا بِحَيْثُ يرجع اليه أئمتهما فِي وقائعهما ومشكلاتهما مَعَ حسن قصد وورع وانصاف وَنحر للحق فَهَذَا لَا تخلف عَنهُ هِدَايَة الله واعانته وَأما من عادى أحد هذَيْن العلمين وعادى أَهله وَلم يكن على الصّفة الأولى من لُزُوم مَا يعرف وَترك مَا لَا يعرف فانه لابد أَن تدخل عَلَيْهِ الْبدع والاغلاط والشناعات وَمن أَنْوَاع الزِّيَادَة فِي الدّين الْكَذِب فِيهِ عمدا وَهَذَا الْفَنّ يضر من لم يكن من أَئِمَّة الحَدِيث وَالسير والتواريخ وَلَا يتَوَقَّف على نقدهم فِيهِ بِحَيْثُ لَا يفرق بَين مَا يتواتر عِنْد أهل التَّحْقِيق وَبَين مَا يزوره غَيرهم وَلَيْسَ لَهُ دَوَاء إِلَّا اتقان هَذَا الْفَنّ والرسوخ فِيهِ وَعدم الْمُعَارضَة لأَهله بِمُجَرَّد الدَّعَاوَى الفارغة وَهُوَ علم صَعب يحْتَاج إِلَى طول الْمدَّة وَمَعْرِفَة عُلُوم الحَدِيث وَعدم العجلة بِالدَّعْوَى وَإِن كَانَ جليا فِي مَعْنَاهُ فان الرسوخ فِيهِ بعيد عَن حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بأحوال رَسُول الله ﷺ وأحوال السّلف بِحَيْثُ يعلم دينهم بِالضَّرُورَةِ مثل مَا يعلم مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والأشعرية كَذَلِك يطول الْبَحْث فِي علم الْكَلَام وَيعلم مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَمَا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَمَا يُمكن الْقدح فِيهِ من المنقولات الْمَشْهُورَة وَمَا لَا يُمكن من غير تَقْلِيد وَلَا أقل من معرفَة مثل عُلُوم الحَدِيث للْحَاكِم فِي ذَلِك وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْفَائِدَة الْعُظْمَى فِي الرسوخ فِي علم الحَدِيث وَلَيْسَ الْفَائِدَة الْعُظْمَى فِيهِ معرفَة أَحَادِيث الاحكام فِي فروع الْحَلَال وَالْحرَام كَمَا يظنّ ذَلِك من يقْتَصر على قِرَاءَة بعض المختصرات فِي ذَلِك ويكتفي بِهِ فِي هَذَا الْعلم الْجَلِيل ولأمر مَا كَانَ أَئِمَّة الحَدِيث الراسخون أَرْكَان الايمان

стр. 116

فِي الثُّبُوت عِنْد الْفِتَن والامتحان وَقد ذكرت أُمُور كَثِيرَة يقْدَح بهَا على الْمُحدثين وأئمة المنقولات وَقد ذكرتها وَالْجَوَاب عَنْهَا فِي المجلد الأول من العواصم واشتمل ذَلِك على فَوَائِد ومعارف مهمة يحْتَاج اليها من يهتم بالمعارف المنقولة وَللَّه الْحَمد وَهَذَا آخر مَا حصر من التحذير من الزِّيَادَة فِي الدّين وَالْكَلَام فِي بطلَان ذَلِك وتحريمه وَهُوَ الامر الأول وَأما الْأَمر الثَّانِي وَهُوَ النَّقْص فِي الدّين برد النُّصُوص والظواهر ورد حقائقها إِلَى الْمجَاز من غير طَرِيق قَاطِعَة تدل على ثُبُوت الْمُوجب للتأويل إِلَّا مُجَرّد التَّقْلِيد لبَعض أهل الْكَلَام فِي قَوَاعِد لم يتفقوا عَلَيْهَا أَيْضا وأفحش ذَلِك وأشهره مَذْهَب القرامطة الباطنية فِي تَأْوِيل الاسماء الْحسنى كلهَا أَو نَفيهَا عَن الله على سَبِيل التَّنْزِيه لَهُ عَنْهَا وَتَحْقِيق التَّوْحِيد بذلك وَدَعوى أَن اطلاقها عَلَيْهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيه وَقد غلوا فِي ذَلِك وبالغوا حَتَّى قَالُوا أَنه لَا يُقَال أَنه مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم بل قَالُوا أَنه لَا يعبر عَنهُ بالحروف وَقد جعلُوا تَأْوِيلهَا أَن المُرَاد بهَا كلهَا أَمَام الزَّمَان عِنْدهم وَهُوَ عِنْدهم الْمُسَمّى الله وَالْمرَاد بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَقد تَوَاتر هَذَا عَنْهُم وَأَنا مِمَّن وقف عَلَيْهِ فِيمَا لَا يُحْصى من كتبهمْ الَّتِي فِي أَيْديهم وخزائنهم ومعاقلهم الَّتِي دخلت عَلَيْهِم عنْوَة أَو فتحت بعد طول محاصرة وَأخذ بَعْضهَا عَلَيْهِم من بعض الطرقات وَقد هربوا بِهِ وَوجد بَعْضهَا فِي مَوَاضِع خُفْيَة قد أخفوه فِيهَا فَكَمَا أَن كل مُسلم يعلم أَن هَذَا كفر صَرِيح وَأَنه لَيْسَ من التَّأْوِيل الْمُسَمّى بِحَذْف الْمُضَاف الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا﴾ أَي أهل الْقرْيَة وَأهل العير وَإِنَّمَا علم هَذَا كل مُسلم تطول صحبته لأهل الاسلام وَسَمَاع أخبارهم والباطني النَّاشِئ بَين الباطنية لَا يعلم مثل هَذَا فَكَذَلِك الْمُحدث الَّذِي قد طَالَتْ مطالعته للآثار قد يعلم فِي تَأْوِيل بعض الْمُتَكَلِّمين مثل هَذَا الْعلم وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم لبعده عَن أَخْبَار الرَّسُول ﷺ وأحواله وأحوال السّلف قد بعد عَن علم الْمُحدث كَمَا بعد الباطني عَن علم الْمُسلم فالمتكلم يرى أَن التَّأْوِيل مُمكن بِالنّظرِ إِلَى وضع عُلَمَاء الْأَدَب فِي شُرُوط الْمجَاز وَذَلِكَ صَحِيح وَلَكِن مَعَ الْمُحدث

стр. 117

من الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن السّلف مَا تأولوا ذَلِك مثل مَا مَعَ الْمُتَكَلّم من الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن السّلف مَا تأولوا الاسماء الْحسنى بامام الزَّمَان وان كَانَ مجَاز الْحَذف الَّذِي تأولت بِهِ الباطنية صَحِيحا فِي اللُّغَة عِنْد الْجَمِيع لَكِن لَهُ مَوضِع مَخْصُوص وهم وضعوه فِي غير مَوْضِعه كَذَلِك الْمُتَكَلّم فِي بعض أَسمَاء الله الْحسنى كالسميع والبصير والحكيم والرحمن والرحيم فانها من الاسماء الْحسنى الْمَعْلُوم وُرُودهَا فِي كتاب الله على سَبِيل التمدح بهَا وَالثنَاء الْعَظِيم وَنَصّ الله تَعَالَى وَرَسُوله على أَنَّهَا ثَنَاء على الله تَعَالَى فِي حَدِيث قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي وَفِيه فاذا قَالَ الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الله تَعَالَى أثنى عَليّ عَبدِي مَعَ تكريرها فِي عهد النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يشْعر أحد مِنْهُم فِي تِلْكَ الاعصار كلهَا بتقبيح شَيْء من ظواهرها أَلا ترى أَن الرَّحْمَن الرَّحِيم ثابتان فِي السَّبع المثاني المعظمة متلوان فِي جَمِيع الصَّلَوَات الْخمس مجهور بهما فِي أَكْثَرهَا فِي محافل الْمُسلمين مُجْمِعِينَ على أَنَّهُمَا من أحسن الثَّنَاء على الله تَعَالَى وأجمله وأفضله متقربين إِلَى الله بمدحه بذلك مظهر من أَنه أحب الْحَمد اليه وَلذَلِك كرر تَكْرَارا كثيرا فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ وَفِي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم المكرر فِي أول كل سُورَة المتبرك بِهِ فِي أول كل عبَادَة وجمعا مَعًا ومرجعهما إِلَى معنى وَاحِد وَلم يجمع اسمان فِي معنى وَاحِد فِي مَوضِع وَاحِد قطّ كالغفار الغفور وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف الرَّحْمَن الرَّحِيم فَتَأمل ذَلِك فهما الْغرَّة والمقدمة فِي ممادح رب الْعِزَّة فِي خطب الْمُسلمين وجمعهم وجماعتهم وحوائجهم ومجامعهم ورسائلهم ومكاتباتهم وتصانيفهم وتصرفاتهم وكل أَمر ذِي بَال كَانَ مِنْهُم فِي مصادرهم ومواردهم وتضرعهم إِلَى رَبهم ودعائهم وَعند رقتهم وخضوعهم وجدهم واجتهادهم يلقنها سلف الْمُسلمين خَلفهم ويتلقنهما خَلفهم عَن سلفهم ويعلمهما الْآبَاء أَبْنَاءَهُم ويتعلمهما الابناء من آبَائِهِم ويتردد التشفي بذكرهما بَين أصاغرهم وأكابرهم وبدوهم وحضرهم وخاصتهم وعامتهم وذكرانهم وإناثهم وبلدائهم وأذكيائهم فَأَي مَعْلُوم من الدّين أبين من كَونهمَا من ممادح الله تَعَالَى وَأشهر وأوضح وَأظْهر وَأكْثر استفاضة وشهرة وتواترا وعظمت الشناعة فِي إِنْكَار حقيقتهما ومدحتهما حِين وَافق ذَلِك مَذْهَب القرامطة وَمذهب أسلافهم من الْمُشْركين فِي انكارهم الرَّحْمَن وَنَصّ الْقُرْآن على الرَّد عَلَيْهِم

стр. 118

فِي ذَلِك والصدع بِالْحَقِّ فِيهِ حَيْثُ حكى عَنْهُم قَوْلهم وَمَا الرَّحْمَن أنسجد لما تَأْمُرنَا فَقَالَ عز من قَائِل ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن فاسأل بِهِ خَبِيرا وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن أنسجد لما تَأْمُرنَا وَزَادَهُمْ نفورا﴾ وَحَيْثُ قَالَ ﴿وهم يكفرون بالرحمن قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَحَيْثُ قَالَ ﴿وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون﴾ وَعظم الله تَعَالَى هَذَا الِاسْم الشريف وَبَالغ فِي تَعْظِيمه حَيْثُ قَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَقَالَ حاكيا عَن خِيَار عباده ﴿هُوَ الرَّحْمَن آمنا بِهِ وَعَلِيهِ توكلنا﴾ وَجَاءَت الصوادع القرآنية مادحة لله تَعَالَى بأعظم صِيغ المبالغات فِي هَذِه الصّفة الشَّرِيفَة الحميدة بِأَن الله خير الرَّاحِمِينَ وأرحم الرَّاحِمِينَ وَكرر هَذِه الْمُبَالغَة فِي مَوَاضِع من كِتَابه الْكَرِيم الَّذِي قَالَ فِيهِ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ وَجَاءَت فِي كَلَام مُوسَى وَأَيوب وَيَعْقُوب ويوسف ﵈ وَكرر الله تَعَالَى التمدح بِالرَّحْمَةِ مرَارًا جمة أَكثر من خَمْسمِائَة مرّة من كِتَابه الْكَرِيم مِنْهَا باسمه الرَّحْمَن أَكثر من مائَة وَسِتِّينَ مرّة وباسمه الرَّحِيم أَكثر من مِائَتي مرّة وجمعهما للتَّأْكِيد مائَة وست عشرَة مرّة وأكد الرَّحِيم فَجَمعه مرَارًا مَعَ التواب ومرارا مَعَ الرؤوف والرأفة أَشد الرَّحْمَة ومرارا مَعَ الغفور وَهِي أَكثر عرفت مِنْهَا سَبْعَة وَسِتِّينَ موضعا وَأخْبر أَنه كتب على نَفسه الرَّحْمَة مرَّتَيْنِ وَأَنه لَا عَاصِم من أمره إِلَّا من رحم وَأَن من لم يرحمه يكن من الخاسرين وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم وَإِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم وَأَنه ذُو رَحْمَة وَاسِعَة إِلَى غير ذَلِك من صِيغ المبالغات القاضية بِأَن ذَلِك من أحب الثَّنَاء والممادح والمحامد اليه عز وَجل

стр. 119

وبالغت الْمَلَائِكَة الْكِرَام فِي ممادح الرب سُبْحَانَهُ بذلك فأوردت أبلغ صِيغ المبالغات فَقَالَت ﴿رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما﴾ ومدح الله ذَاته الْكَرِيمَة بِهَذِهِ الصِّيغَة البليغة فَقَالَ ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ وَفِي كتاب سُلَيْمَان ﵇ الَّذِي حَكَاهُ الله عَنهُ فِي كِتَابه الْكَرِيم لشرفه الْعَظِيم ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَحكى الله نَحْو ذَلِك فِي كِتَابه الْكَرِيم عَن إِبْرَاهِيم وَيَعْقُوب ومُوسَى وَأَيوب وَصَالح وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ﵈ للدلالة على اتِّفَاق الْأَدْيَان النَّبَوِيَّة الأولى وَالْآخِرَة على مدح الله تَعَالَى بذلك وخاطب الْأَنْبِيَاء ﵈ بذلك الجفاة الاجلاف من الْمُشْركين وَنَحْوهم مِمَّن لَا يفهم دقائق الْكَلَام الصارفة إِلَى مَقَاصِد أَهله فَقَالَ الْخَلِيل ﵇ فِي خطاب أَبِيه ﴿يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن فَتكون للشَّيْطَان وليا﴾ وَقَالَ هَارُون ﵇ لعباد الْعجل مَا ذكره الله عَنهُ ومدحه بِهِ حَيْثُ قَالَ ﴿وَلَقَد قَالَ لَهُم هَارُون من قبل يَا قوم إِنَّمَا فتنتم بِهِ وَإِن ربكُم الرَّحْمَن فَاتبعُوني﴾ وَكتب ذَلِك سُلَيْمَان إِلَى بلقيس وقومها وَأمر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم بالفرح برحمته والفرح بهَا فرع التَّصْدِيق بهَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ وَفِي عطفها على فَضله دلَالَة على الْمُغَايرَة بَينهمَا وَذَلِكَ خلاف مَا يَقُول من تأولها وَفِي الصِّحَاح من ذَلِك الْكثير الطّيب وَمَا لَا تتسع لَهُ هَذِه التَّذْكِرَة المختصرة مِنْهُ حَدِيث سلمَان وَأبي هُرَيْرَة وجندب وَابْن عَبَّاس وَعبادَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن حيدة وخلاس وَالْحسن وَابْن سِيرِين فِي الْمِائَة الرَّحْمَة الَّتِي لله تَعَالَى وَإِنَّهَا وسعت الْخَلَائق مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة وَأَن هَذِه الرَّحْمَة الَّتِي يتراحم بهَا الْخَلَائق وَالسِّبَاع وَالدَّوَاب الْبَريَّة والبحرية هِيَ

стр. 120

جُزْء من مائَة جُزْء من رَحْمَة الله وَظَهَرت محبَّة الله تَعَالَى للثناء عَلَيْهِ بِهَذِهِ الصّفة وَمَا يشتق لَهُ مِنْهَا من الاسماء الشَّرِيفَة حَتَّى كَانَ أحب الاسماء اليه عبد الله وَعبد الرَّحْمَن كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح فَكيف يُقَال أَن ظَاهرهَا نقص وذم وَكفر وتشبيه وَسَب للْملك الحميد الْمجِيد الَّذِي لَا أحد أحب اليه الْحَمد والمدح مِنْهُ وَلَا أعرف بِمَا يَلِيق بجلاله مِنْهُ ثمَّ من رسله وَلَا يُحْصى عَلَيْهِ ثَنَاء هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه لأهليته لذَلِك وَلذَلِك مدح نَفسه وَعلمنَا مدحه ودعانا اليه وأثابنا عَلَيْهِ فَكيف يفْتَتح كتبه الْكَرِيمَة ويشحنها بِمَا ظَاهره السب والذم وَالْكفْر والتشبيه وَبِمَا نسبته اليه كنسبة الارادة إِلَى الْجِدَار والجناح إِلَى الذل بل أَشد بعدا من ذَلِك فان الْجِدَار لَا يذم بالارادة والذل لَا يذم بالجناح فَصَارَ لَا يُوجد لذَلِك مِثَال لِأَنَّهُ يسْتَلْزم اسْتِعَارَة اسْم الذَّم لارادة الْمَدْح كَمَا لَو مدحت بالظلم الْملك الْعَادِل وبالنقص الرجل الْكَامِل مجَازًا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يحسن فِي البلاغة بل لَا يَصح فِي اللُّغَة وَلَا يُوجد فِي كَلَام الْعَامَّة والعجم وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على حسن اطلاق الرَّحْمَة على الله من غير قرينَة تشعر بالتأويل وَلَا توقف على عبارَة التَّنْزِيل وَلَو كَانَ ظَاهرهَا الْقبْح والذم والانتقاص لله لم يحسن ذَلِك من الْعباد وان ورد فِي كَلَام الله أقرّ فِي مَوْضِعه على قَوَاعِد عُلَمَاء الْكَلَام على أَن فطر الْعُقُول تعرف رَحْمَة الله تَعَالَى وسعة علمه وَكَمَال قدرته فان الْعلم بِضعْف الْعباد مَعَ تَمام الْقُدْرَة والممادح والمحامد وَعدم الْمعَارض يسْتَلْزم الرَّحْمَة عقلا أَيْضا فَهِيَ من المحكمات لامن المتشابهات على أَن الله سُبْحَانَهُ أعلم وَأحكم وَأجل وَأعظم وأعز فِي كبريائه عَن أَن يتَخَيَّر مَا ظَاهره الانتقاص والذم غرَّة شادخة لاسمائه الْحسنى مُقَدّمَة فِي مثاني كِتَابه الْعُظْمَى وَهُوَ الَّذِي بلغ كَلَامه أَعلَى دَرَجَات الاعجاز فِي البلاغة الَّتِي هِيَ الْبلُوغ إِلَى المُرَاد الْمَقْصُود بأوضح الْعبارَات وأجزلها وأبينها وأجملها وَأَيْضًا فقد ثَبت أَن الرَّحْمَن مُخْتَصّ بِاللَّه تَعَالَى وَحده وَيحرم إِطْلَاقه على غَيره وَلَو كَانَت الرَّحْمَة لَهُ مجَازًا وَلغيره حَقِيقَة كَانَ الْعَكْس أوجب وَأولى وَمَا الْمَانِع للْمُسلمِ من اثباتها صفة حمد ومدح وثناء كَمَا علمنَا رَبنَا مَعَ نفي

стр. 121

صِفَات النَّقْص الْمُتَعَلّقَة برحمة المخلوقين عَنهُ تَعَالَى كَمَا أثبتنا لَهُ اسْم الْحَيّ الْعَلِيم الْخَبِير المريد مَعَ نفي نقائص المخلوقين فِي حياتهم المستمرة لجَوَاز التألم بأنواع الآلام ثمَّ للْمَوْت الَّذِي لابد مِنْهُ لجَمِيع الاحياء من الانام وَكَذَلِكَ ينزه سُبْحَانَهُ عَمَّا فِي علمهمْ النَّاقِص بِدُخُول الْكسْب وَالنَّظَر فِي مباديه وَالِاسْتِدْلَال والاضطرار فِي منتهاه الَّذِي يسْتَلْزم الجسمية وَالْبَيِّنَة الْمَخْصُوصَة والحدوث ويعرض لَهُ التَّغَيُّر وَالنِّسْيَان وَالْخَطَأ والشغل بِبَعْض المعلومات عَن بعض وَكَذَلِكَ تنزه ارادته عَمَّا فِي ارادتنا من استلزام الْحَاجة إِلَى جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ كل صفة يُوصف بهَا الرب سُبْحَانَهُ ويوصف بهَا العَبْد وان الرب يُوصف بهَا على أتم الْوَصْف مُجَرّدَة عَن جَمِيع النقائص وَالْعَبْد يُوصف بهَا محفوفة بِالنَّقْصِ وَبِهَذَا فسر أهل السّنة نفي التَّشْبِيه وَلم يفسروه بِنَفْي الصِّفَات وتعطيلها كَمَا صنعت الباطنية الْمَلَاحِدَة ويدلك على قبح تَأْوِيل هَذِه الاسماء الشَّرِيفَة فِي الْفطر كلهَا إِنَّك تَجِد المعتزلي يستقبح تَأْوِيل الاشعرية للحكيم غَايَة الاستقباح والاشعري يستقبح تَأْوِيل الْمُعْتَزلَة البغدادية للسميع الْبَصِير المريد غَايَة الاستقباح والسني يستقبح تَأْوِيل الْمُعْتَزلَة والاشعرية للرحمن الرَّحِيم الْحَكِيم غَايَة الاستقباح وَالْكل يستقبحون تَأْوِيل القرامطة لجَمِيع الاسماء الْحسنى غَايَة الاستقباح وَمَتى نظرت بِعَين الانصاف وَجَدتهمْ فِي ذَلِك كَمَا قيل (وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا) وَكَذَلِكَ نجد كل وَاحِد مِنْهُم يلْزم الْمُنكر عَلَيْهِ مثل مَا ألزمهُ فان الْمُعْتَزلَة والاشعرية إِذا كفرُوا الباطني بانكار الاسماء الْحسنى وَالْجنَّة وَالنَّار يَقُول لَهُم الباطني لم أجحدها إِنَّمَا قلت هِيَ مجَاز مثل مَا انكم لم تجحدوا الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَكِيم وَإِنَّمَا قُلْتُمْ إِنَّهَا مجَاز وَكَيف كفاكم الْمجَاز فِي الايمان بالرحمن الرَّحِيم وهما أشهر الاسماء الْحسنى أَو من أشهرها وَلم يكفني فِي سائرها وَفِي الْجنَّة وَالنَّار مَعَ أَنَّهُمَا دون أَسمَاء الله بِكَثِير وَكم بَين الايمان بِاللَّه وبأسمائه والايمان بمخلوقاته فاذا كفاكم الايمان الْمجَازِي بأشهر الاسماء الْحسنى فَكيف لم يكفني مثله فِي الايمان بِالْجنَّةِ وَالنَّار والمعاد يُوضحهُ أَن الاجماع مُنْعَقد على كفر من قَالَ أَن الله يَأْمر بِالْفِسْقِ والمعاصي حَقِيقَة

стр. 122

وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ بذلك مجَازًا فِي تَفْسِيره ﴿أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا﴾ وَلم يكفر بذلك وَكَذَلِكَ قَالَ بعض الاشعرية أَن الله تَعَالَى يحب الْمعاصِي مجَازًا وَلم يكفروه بذلك وَلَو قَالُوهُ حَقِيقَة كفرُوا فَدلَّ على أَن الايمان الْمجَازِي فِي مَوضِع الْحَقَائِق كلا شَيْء فَكَمَا لم يضرّهُ من آمن بالامر بالقبائح مجَازًا فَكَذَلِك لَا ينفع من آمن بالرحمن الرَّحِيم الْحَكِيم مجَازًا لأَنهم بِمَنْزِلَة الزَّمَخْشَرِيّ فِي إيمَانه بِأَمْر الله بِالْفِسْقِ مجَازًا مَعَ نَفْيه لذَلِك أَشد النَّفْي واعتقاده أَنه كَالْعدمِ يُوضحهُ أَنه لَا شكّ وَلَا خلاف فِي كفر من آمن بالنبوات مجَازًا ونفاها حَقِيقَة فأسماء الله الْحسنى الْمَعْلُوم تمدحه بهَا فِي جَمِيع كتبه أجل وَأعظم من جنته وناره وأنبيائه فَلَا يَكْفِي الايمان بِشَيْء مِنْهَا مجَازًا إِلَّا أَن يَصح فِي ذَلِك اجماع قَاطع وبرهان الله أقطع فِي بعض الْمَوَاضِع يُؤمن مَعَه من الْوُقُوع فِي الْبِدْعَة والفرقة الْمنْهِي عَنْهُمَا بالنصوص والاجماع وَكَذَلِكَ يَقُول بَعضهم لبَعض فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ كَمَا يَقُول لَهُم الباطني وَكَذَلِكَ محبَّة الله تَعَالَى لأنبيائه وأوليائه الَّتِي هِيَ أعظم فضل الله الْعَظِيم عَلَيْهِم وأشرف مَا يرجونه من مواهبه الْعِظَام وَقد نَص الله تَعَالَى على ذَلِك فِي غير آيَة من كِتَابه الْكَرِيم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالله يحب الصابرين﴾ وَكَذَلِكَ كَون الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين وأكبر من ذَلِك أَن الله تَعَالَى اتخذ ابراهيم صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسلم خَلِيلًا بِالنَّصِّ القرآني وَاتخذ مُحَمَّدًا ﷺ خَلِيلًا بِالنَّصِّ النَّبَوِيّ والحلة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة أرفع مَرَاتِب الْمحبَّة وَلم تزل هَذِه النُّصُوص مقررة مُجَللَة معتقدة مَعَ تَنْزِيه الله تَعَالَى من نقائصها مثل تنزيهه من نقائص علم المخلوقين وارادتهم فِي الْعَلِيم المريد وَغَيرهمَا حَتَّى فَشَتْ الْبِدْعَة وَاجْتمعت كلمة الْمُعْتَزلَة والأشعرية على تقبيح نِسْبَة الرَّحْمَة والحلم والمحبة والخلة إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِتَأْوِيل مُوجب لنفي هَذِه الْأَشْيَاء عَن الله بِغَيْر قرينَة وَمُوجب تَحْرِيم اطلاقها إِلَّا مَعَ الْقَرِينَة فَيجوز عِنْدهم أَن تَقول إِن الله غير رَحِيم وَلَا رَحْمَن وَلَا حَلِيم وَلَا يحب الْمُؤمنِينَ وَلَا الصابرين وَلَا المتطهرين

стр. 123

وَلَا اتخذ ابراهيم خَلِيلًا بِغَيْر قرينَة وَلَا تَأْوِيل كَمَا يجوز أَن تَقول فِي الْجِدَار أَنه لَيْسَ بمريد وَلَا يجوز ذَلِك الاثبات إِلَّا بالتأويل والقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ وَالْمُسلم بالفطرة يُنكر هَذِه الْبدع وبالرسوخ فِي علم الحَدِيث يعلم بِالضَّرُورَةِ حدوثها وَأَن عصر النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة بَرِيء مِنْهَا مثل مَا يعلم أَن الْمُعْتَزلَة أبرياء من مَذْهَب الأشعرية وَأَن الأشعرية أبرياء من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَأَن النُّحَاة أبرياء من مَذْهَب الشعوبية وأمثال ذَلِك فَيجب تَقْرِير ذَلِك وَأَمْثَاله مِمَّا وصف الله تَعَالَى بِهِ ذَاته الْكَرِيمَة على جِهَة التمدح وَالْحَمْد وَالثنَاء وَسَيَأْتِي الْجَواب عَن سَبَب تخلف الرَّحْمَة لكثير من أهل الْبلَاء كَمَا يتَخَلَّف الْعَطاء عَن كثير من الْفُقَرَاء وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي مدح الله بالجود وَالْكَرم حَقِيقَة باجماع الْمُسلمين لمعارضة الْحِكْمَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء وَقد جود الْغَزالِيّ القَوْل فِي هَذَا الْمَعْنى فِي الْمَقْصد الامنى فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بِنَقْل كَلَامه وموضعه مَعْرُوف وَالدَّلِيل على أَنه لَا يجوز القَوْل بِأَن ظَاهر هَذِه الاسماء كفر وضلال وَأَن الصَّحَابَة وَالسَّلَف الصَّالح لم يفهموا ذَلِك أَو فَهموا وَلم يقومُوا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِم من نصح الْمُسلمين وَبَيَان التَّأْوِيل الْحق لَهُم أَمْرَانِ الأول قَاطع ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن الْعَادة توجب فِي كل مَا كَانَ كَذَلِك أَن يظْهر التحذير مِنْهُ من رَسُول الله ﷺ وَمن أَصْحَابه يتواتر أعظم مِمَّا حذروا من الدَّجَّال الْأَعْوَر الْكذَّاب وَلَا يجوز عَلَيْهِم مَعَ كَمَال عُقُولهمْ وأديانهم أَن يتْركُوا صبيانهم ونساءهم وعامتهم يسمعُونَ ذَلِك مَنْسُوبا إِلَى الله وَإِلَى كِتَابه وَرَسُوله وَظَاهره الْكفْر وهم سكُوت عَلَيْهِ مَعَ بلادة الْأَكْثَرين وَلَو تركُوا بَيَان ذَلِك ثِقَة بِنَظَر الْعُقُول الدَّقِيق لتركوا التحذير من فتْنَة الدَّجَّال فان بطلَان ربوبيته أجلى فِي الْعُقُول من ذَلِك أَلا ترى أَن الْمُتَكَلِّمين لما اعتقدوا قبح هَذِه الظَّوَاهِر تَوَاتر عَنْهُم التحذير عَنْهَا والتأويل لَهَا وصنفوا فِي ذَلِك وأيقظوا الغافلين وَعَلمُوا الْجَاهِلين وَكَفرُوا الْمُخَالفين وأشاعوا ذَلِك بَين الْمُسلمين بل بَين الْعَالمين فَكَانَ أَحَق مِنْهُم بذلك سيد الْمُرْسلين وقدماء السَّابِقين وأنصار الدّين الثَّانِي أَنه قد ثَبت فِي تَحْرِيم الزِّيَادَة فِي الدّين أَنه لَا يَصح سكُوت الشَّرْع عَن النَّص على مَا يحْتَاج اليه من مهمات الدّين

стр. 124

وَثَبت أَن الاسلام مُتبع لَا مخترع وَلذَلِك كفر من أنكر شَيْئا من أَرْكَانه لِأَنَّهَا مَعْلُومَة ضَرُورَة فَأولى وَأَحْرَى أَن لَا يَجِيء الشَّرْع بِالْبَاطِلِ منطوقا متكررا من غير تَنْبِيه على ذَلِك لَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك الَّذِي سموهُ بَاطِلا هُوَ الْمَعْرُوف فِي جَمِيع آيَات كتاب الله وَجَمِيع كتب الله وَلم يَأْتِ مَا يناقضه فِي كتاب الله حَتَّى يُنَبه على وجوب التَّأْوِيل وَالْجمع أَو يُوجب الْوَقْف بل لم يَأْتِ التَّصْرِيح بِالْحَقِّ الْمَحْض عِنْد كثير مِنْهُم قطّ فِي آيَة وَاحِدَة تكون هِيَ المحكمة وَيرد اليها جَمِيع الْمُتَشَابه فان الله ذكر أَنه نزل فِي كتاب آيَات محكمات ترد اليها المتشابهات وَلم يقل أَن جَمِيع كِتَابه متشابه فَأَيْنَ الْآيَة المحكمة الَّتِي دلّت على مَا يَقُولُونَ وَقد اعْترف الرَّازِيّ فِي كِتَابه الاربعين وَهُوَ من أكبر خصوم أهل الْأَثر أَن جَمِيع الْكتب السماوية جَاءَت بذلك وَلم ينص الله تَعَالَى فِي آيَة وَاحِدَة على أَنه منزه من الْوَصْف بِالرَّحْمَةِ والحلم وَالْحكمَة وَأَنه لَيْسَ برحيم وَلَا رَحْمَن وَلَا حَلِيم وَلَا حَكِيم وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَهَذَا خَلِيل الله تَعَالَى الَّذِي مدح نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بمتابعته يَقُول لِأَبِيهِ ﴿يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا﴾ فَكيف يحسن تَقْرِير الْخلاف فِي ذَلِك كُله بَين المعظمين من عُلَمَاء الاسلام من غير تحذير مِنْهُ وَلَا زجر عَنهُ وأمثال ذَلِك على مَا ادَّعَاهُ عُلَمَاء الاثر وَهُوَ كَذَلِك وَإِن لم يعْتَرف بِهِ وَهَذِه الْكتب السماوية مَوْجُودَة كلهَا (وهبك تَقول هَذَا الصُّبْح ليل ... أيعمى الْعَالمُونَ عَن الضياء) فان قيل وُرُود الْمُتَشَابه فِي الْقُرْآن مَعْلُوم مجمع عَلَيْهِ ولابد أَن يكون ظَاهر الْمُتَشَابه بَاطِلا وَإِلَّا لما وَجب التَّأْوِيل فَمَا هَذَا التهويل قُلْنَا أما وُرُوده فمعلوم لَا يُنكر وَأما تَفْسِيره بِمَا يُوجب أَن يكون ظَاهره بَاطِلا فَغير صَحِيح لقَوْل الراسخين فِي الْعلم آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا ولذم الله الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ بابتغاء تَأْوِيله وَقد تقدم هَذَا فَلَا نسلم قبح ظَاهره بل هُوَ مَحل النزاع بل نقُول هُوَ قِسْمَانِ

стр. 125

أَحدهمَا لَا ظَاهر لَهُ وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء فَلَا يضل بِهِ أحد وَذَلِكَ مثل حُرُوف التهجي فِي أَوَائِل السُّور على الصَّحِيح كَمَا تقدم فَحكمه الْوَقْف فِي مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرك الَّذِي تجرد عَن الْقَرَائِن فِي حق من لم يعرف قرينه مرجحة لَاحَدَّ مَعَانِيه وَمَا جري هَذَا المجرى وَقد تقدم الْوَجْه فِي جَوَاز وُرُود السّمع بِمثل هَذَا وَلَا يجوز الْقطع على خلوه عَن الْحِكْمَة لجَوَاز فهم الْبَعْض لَهُ وَلَو رَسُول الله ﷺ وَحده أَو لجَوَاز أَن تكون الْحِكْمَة فِيهِ غير فهم مَعْنَاهُ وَلعدم الدَّلِيل الْقَاطِع على أَنا مخاطبون بِهَذَا الْجِنْس النَّوْع الثَّانِي من الْمُتَشَابه مَا كَانَ لَهُ ظَاهر يسْبق إِلَى افهام أهل اللُّغَة وَلَكِن خفيت الْحِكْمَة فِيهِ على الْعُقُول مثل عدم الْعَفو عَن الْمُشْركين فِي الْآخِرَة وَعَمن شَاءَ الله من المذنبين مَعَ أَن الْعَفو أرجح وَأحب إِلَى الله تَعَالَى فِي جَمِيع كتبه وشرائعه وَأَحْكَامه وأوامره فَهَذَا نؤمن بِظَاهِرِهِ وَلَا نقُول أَن ظَاهره بَاطِل بل نقُول أَن الْحِكْمَة فِيهِ خُفْيَة وَلَو أَنا علمناها لعرفنا حسنه بل نقطع أَنا أَجْهَل من أَن نعلم جَمِيع حكم الله فِي جَمِيع أَحْكَامه وَلَو علمنَا الله تَعَالَى نصف مَا يُعلمهُ لجَاز أَن تكون الْحِكْمَة فِي هَذَا النّصْف الَّذِي لم يعلمناه كَيفَ وَقد صَحَّ أَن جَمِيع علم الْخَلَائق فِي علم الله مثل مَا يَأْخُذهُ الطَّائِر بمنقاره من الْبَحْر الْأَعْظَم وَأما الْمجَاز الْمَعْلُوم أَنه مجَاز مثل ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ فَلَيْسَ من الْمُتَشَابه فان هَذَا يعرف مَعْنَاهُ جَمِيع أجلاف الْعَرَب وَلَا يَصح دُخُول اللّبْس وَالِاخْتِلَاف فِي مَعْنَاهُ وَلذَلِك لم يقل بِنَفْي عمى الابصار لِأَن معنى الْآيَة نفي عمي الْقُلُوب عَن الابصار وَأَن عمي الْقُلُوب هُوَ الْحَقِيقِيّ الْعَظِيم الْمضرَّة والابصار لَا تعمى عَنهُ إِنَّمَا تعمى الْقُلُوب وَكَذَلِكَ الْأَمر بخفض جنَاح الذل مَعْلُوم أَن المُرَاد بِهِ الخضوع للْوَالِدين واللطف بهما وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ كلما وضحت فِيهِ احدى الْقَرَائِن المجازية الثَّلَاث

стр. 126

الْمَعْرُوفَة اللفظية والعقلية والعرفية وَلم تكن الْقَرِينَة خُفْيَة مُخْتَلفا فِيهَا كَمَا سيأتى بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد تمّ الْكَلَام فِي بَيَان تَحْرِيم الزِّيَادَة فِي الدّين وَالنَّقْص مِنْهُ وقلما تدخل الْبِدْعَة على السّني من هذَيْن الامرين وَأكْثر مَا تدخل عَلَيْهِ من التَّصَرُّف فِي الْعبارَات وَهُوَ الامر الثَّالِث الَّذِي وعدت بِذكرِهِ مُفردا لِكَثْرَة مضرته وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة رَاجعا إِلَى الزِّيَادَة فِي الدّين فَأَقُول الامر الثَّالِث التَّصَرُّف فِي عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة وَالرِّوَايَة بِظَنّ الترادف فِي الْأَلْفَاظ واعتقاد الترادف من غير يَقِين وَقد تفاحش الْأَمر فِي ذَلِك وَنَصّ الْقُرْآن على النَّهْي عَن التَّفَرُّق فَوَجَبَ تَحْرِيم مَا أدّى اليه وَالِاخْتِلَاف فِي مَعَاني كتاب الله تَعَالَى وَرِوَايَة مَا قَالَ الله وَرَسُوله بِالْمَعْنَى قد أدّى ذَلِك إِلَى الْحَرَام الْمَنْصُوص وَلم يكن من الانصاف أَن نقُول الْحق مُتَعَيّن منحصر فِي عِبَارَات بعض فرق الاسلام دون بعض غير مَا ثَبت فِي إِجْمَاع الامة والعترة فَوَجَبَ أَن يعدل إِلَى أَمر عدل بَين الْجَمِيع فَتتْرك كل عبارَة مبتدعة من عِبَارَات فرق الاسلام كلهَا سَوَاء علمنَا بِالْعقلِ أَنَّهَا حق أَو بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجب الِاشْتِغَال بِكُل حق فقد نعلم من أُمُور الدُّنْيَا مَا لَا يُحْصى وَلَا تجب علينا مَعْرفَته وتعريفه مثل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التواريخ من حوادث الزَّمَان وعجائب أَخْبَار الْبلدَانِ بل مَا تضمن الْمَفَاسِد من الْحق حرم فَلذَلِك قد يكون من الْحق مَا هُوَ حرَام بالاجماع وَالنَّص كالغيبة والنميمة مَتى أردنَا بِالْحَقِّ مُجَرّد الصدْق والمطابقة فَلذَلِك لَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَال بِبَعْض الْعُلُوم وَغَيرهَا لمُجَرّد كَونهَا حَقًا حَتَّى يرد الشَّرْع بِالْأَمر بذلك ليعلم بِالشَّرْعِ أَنه حق مُتَضَمّن لمفسدة راجحة أَو مُسَاوِيَة وَالله أعلم وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من أُمُور الدّين الَّتِي لم ينص فرض مَعْرفَتهَا فِي كتاب الله وَلَا السّنة الْمُتَّفق على صِحَّتهَا فان قلت هَذَا صَحِيح مَتى ثَبت أَنه يجوز على الْعلمَاء والثقات الْخَطَأ فِي فهم الْمَعْنى أَو فِي التَّعْبِير عَمَّا فَهموا أَو فيهمَا مَعًا فَمَا الدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك على الْعلمَاء حَيْثُ لم يَصح إِجْمَاعهم قلت الدَّلِيل على ذَلِك أُمُور كَثِيرَة أذكر مِنْهَا مَا حضر وَالله الهادى

стр. 127

مِنْهَا أَنه ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نضر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) وَفِي رِوَايَة فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه وَثَبت أَن الْفِتْنَة وَقعت بَين الصَّحَابَة مَا لَهَا سَبَب إِلَّا اخْتلَافهمْ فِي الْفَهم وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن عدي بن حَاتِم الصَّحَابِيّ ﵁ غلط فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ وَجعل تَحت وسادته عِقَالَيْنِ أسود وأبيض فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا أَو عريض الوساد وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن ابْن عمر ﵄ لما روى حَدِيث الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله قَالَت عَائِشَة مَا كذب وَلكنه وَهل أَي أَخطَأ فِي فهم مَا سمع وَفِي الصَّحِيح عَنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فان على رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ الْيَوْم على ظهر الأَرْض أحدا) خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد فِيهِ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد قَالَ ابْن عمر فوهل النَّاس فِي مقَالَة رَسُول الله ﷺ فِيمَا يتحدثونه من هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي حسبوه أَرَادَ الْقِيَامَة وَفِي الْمُسْتَدْرك عَن عَليّ ﵇ نَحْو هَذَا وأوضح من هَذَا كُله أَن النَّبِي ﷺ شَرط التعمد فَقَالَ (من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) وَهُوَ حَدِيث متواتر فلولا جَوَاز الْخَطَأ مَا كَانَ لذَلِك فَائِدَة وَثَبت أَيْضا أَن عمر ﵁ شكّ فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس لمثل ذَلِك بل شكّ فِي حَدِيث عمار بن يَاسر ﵁ فِي التَّيَمُّم لخوف الْوَهم فان عمارا لَا يتهم بتعمد الْكَذِب وَلذَلِك أذن لَهُ فِي رِوَايَته مَعَ شكه فِي صِحَّته وَثَبت عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ (مَا عندنَا إِلَّا كتاب الله وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) أَو فهم أوتيه رجل فَدلَّ على التَّفَاوُت فِي الْفَهم وَيدل عَلَيْهِ من كتاب الله قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ففهمناها سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ يُوضح ذَلِك أَنه قد اشْتَدَّ اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَمريْن أَحدهمَا رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى حَيْثُ يستيقن الترادف والاستواء الْمُحَقق فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والخفاء والجلاء وَأَن لَا تنقل اللَّفْظَة الْمُشْتَركَة إِلَى لَفْظَة غير مُشْتَركَة وَلَا

стр. 128

الْعَكْس وَلَا لَفْظَة لَهَا مجَاز إِلَى لَفْظَة لَا مجَاز لَهَا وَلَا الْعَكْس وَلَا يعبر بِالْحَقِيقَةِ عَن الْمجَاز وَلَا الْعَكْس وَلَا بالمنطوق عَن الْمَفْهُوم وَلَا الْعَكْس وَلَا بالمطابقة عَن التضمن وَلَا الِالْتِزَام وَلَا الْعَكْس وأمثال ذَلِك فاذا اجْتمعت هَذِه الشَّرَائِط وَعلم اجتماعها فَهُوَ مَحل الِاخْتِلَاف الشَّديد فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَمنهمْ من أجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى للضَّرُورَة وَمِنْهُم من منعهَا خوفًا من الْمفْسدَة وَمِنْهُم من فصل فَقَالَ أَن كَانَ اللَّفْظ النَّبَوِيّ مَحْفُوظًا لم يجز سواهُ وَمِنْهُم من عكس وَقَالَ إِن كَانَ مَحْفُوظًا جَازَ لِأَن معنى اللَّفْظ الْمَحْفُوظ مَعْرُوف يتَمَكَّن من تبديله بِمثلِهِ وَمعنى اللَّفْظ المنسي غير مَعْرُوف إِلَى غير ذَلِك من الْأَقْوَال وَلَوْلَا ضَرُورَة التَّرْجَمَة للعجم مَا شكّ منصف أَن الأولى منع هَذَا سدا للذريعة إِلَى تَحْرِيف الْمعَانِي النَّبَوِيَّة لِأَن كل أحد حسن الظَّن بِنَفسِهِ وَقد يظنّ بل يقطع أَن الْمَعْنى وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك يُوضحهُ أَن الدَّلِيل على أَن الْمَعْنى وَاحِد لَيْسَ الا عدم الوجدان لِمَعْنى آخر لجَوَاز الِاشْتِرَاك أَو لتجوز وَهَذَا دَلِيل ظَنِّي وَالظَّن هُنَا غير مُفِيد فَثَبت أَنه لَا يجوز إِلَّا للضَّرُورَة الْمجمع عَلَيْهَا كالترجمة للعجمي وَلذَلِك كَانَ بَيَان الْمَوْقُوف على الصَّحَابِيّ من الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَاجِبا وَلم يحل رفع الْمَوْقُوف الَّذِي لَا مجَال لِلْعَقْلِ فِي مَعْرفَته وَإِن جَازَ الْعَمَل بِهِ لحسن الظَّن بالصحابي فَلَا يحل رَفعه وَثَبت عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ استقبلته الرعدة وَقَالَ هَكَذَا إِن شَاءَ تَعَالَى أَو أَو ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمته من التَّذْكِرَة وسمى أَبُو بكر ﵁ تَفْسِيره للكلالة رَأيا لأجل هَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره وَغَيره وَإِلَّا فَمَا فَسرهَا إِلَّا بِمُقْتَضى اللُّغَة الْعَرَبيَّة فان قلت لابد من الْعَمَل بِدلَالَة التضمن والالتزام فَكيف منعت مِنْهُمَا قلت لم أمنع من الْعَمَل بهما فِي العمليات الظنيات وَإِنَّمَا منعت من أَمريْن أَحدهمَا تَبْدِيل الْمُطَابقَة بهما فَكَمَا أَنه لَا يجوز لَك أَن تَقول أَن الله حرم عِظَام الْخِنْزِير وشعره أَعنِي لَا يجوز أَن تنْسب ذَلِك إِلَى قَول الله وَنَصه

стр. 129

بِدلَالَة التضمن وَهِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء بعض الْخِنْزِير الَّذِي حرمه الله تَعَالَى وَهُوَ مُتَضَمّن لَهَا وان كَانَ لَك أَن تذْهب إِلَى ذَلِك وتعمل فِيهِ بِمُقْتَضى مَا تضمنه على أَن الْمَنْصُوص من تَحْرِيمه هُوَ لَحْمه لَا جملَته وَثَانِيهمَا الْعَمَل بالتضمن والالتزام فِي الِاعْتِقَاد الْقَاطِع لِأَنَّهُمَا غير قاطعين وَلَا ضَرُورَة اليهما فِيهِ ولخوف الْفِتْنَة وَفتح أَبْوَاب الِاخْتِلَاف والتفرق الْمنْهِي عَنهُ وَقد روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ حَدِيث ابْن عمرَان الْجونِي عَن النَّبِي ﷺ اقرأوا الْقُرْآن مَا أئتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فاذا اختلفتم فَقومُوا عَنهُ وشواهده كَثِيرَة فَهَذَا فِي الْقُرْآن الْمَأْمُور بالاعتصام بِهِ كَيفَ بِمَا سواهُ الامر الثَّانِي مِمَّا يدل على جَوَاز الْخَطَأ على أهل الْعلم فِي الْفَهم وَالتَّعْبِير أَنه اشْتَدَّ اخْتِلَاف فطنائهم وأذكيائهم فِي تَعْرِيف الامور الظَّاهِرَة بالحدود الجامعة الْمَانِعَة وَقد تسمى الْحَقَائِق فانه قد علم شدَّة اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك وقدح بَعضهم على بعض وَعلم اجتهادهم فِي تحريرها وندور الْحَد الَّذِي لَا يعْتَرض مَعَ أَن كثيرا من الامور الَّتِي يتعرضون لحدها يكون جليا وَاضحا كَالْعلمِ وَالْخَبَر وَقد اشْتَدَّ الْخلاف فِي تحديدهما كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وشراح كِتَابه وَغَيرهم وَكَذَلِكَ يخْتَلف المتكلمون والنحاة وَالْفُقَهَاء فِي نَحْو ذَلِك فَثَبت أَن المعبرين عَن الْمعَانى كالرماة للاغراض يقل مِنْهُم الْمُصِيب وَمن يفوز من الاجادة بِنَصِيب بل قد وضح فِي كتاب الله اخْتِلَاف سُلَيْمَان وَدَاوُد ﵉ فِي الْفَهم كَمَا مضى وَنَصّ مُوسَى على أَن أَخَاهُ هَارُون أفْصح مِنْهُ لِسَانا فاذا ثَبت جَوَاز الْخَطَأ على الْعلمَاء فِي الْفَهم أَولا ثمَّ فِي التَّعْبِير عَمَّا فَهموا ثَانِيًا وَكَانُوا قد اخْتلفُوا فِي كثير من الْقُرْآن وَالسّنة وَعبر كل مِنْهُم بِعِبَارَة محدثة مبتدعة وَقد رأيناهم متباعدي الْفَهم والاجادة فِي التَّعْبِير عَن الجليات كَالْعلمِ وَالْخَبَر مَعَ جمع الخواطر على تَنْقِيح الْعبارَة فِي الْحُدُود وَحذف الفضلات وَاجْتنَاب الْمجَاز وَقصد صِحَة الْجمع لأوصاف الْمَحْدُود وَالْمَنْع من دُخُول غَيره فِيهِ والعناية التَّامَّة فِي تَحْرِير الْحَد على جَمِيع شَرَائِطه الْمَعْرُوفَة والحذر من قدح الاذكياء فِيهِ بِأَدْنَى أَمر يلمحه فطنهم الوقادة وقرائحهم النقادة فَمَعَ هَذَا الِاحْتِرَاز الْكثير وَقع الْخلَل الْكَبِير فِي

стр. 130

تَعْرِيف كثير من الجليات الَّتِي هِيَ أفعالنا كالخبر أَو صفاتنا الوجدانية كَالْعلمِ والوجود فَكيف إِذا وَقع التَّعْبِير عَن محارات الْعُقُول ومواقفها من أَحْكَام الْقدَم وَالْقَدِيم سُبْحَانَهُ ونعوت جَلَاله الاكبر الاعز الاعظم وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الاسماء والاحكام ثمَّ سَائِر دقائق الْجَوَاهِر والاعراض وغوامض علم الْكَلَام وَمَا لم تعرف الْعُقُول مِنْهُ إِلَّا مُجَرّد الْعبارَات الرائعة والاشارات الغامضة فِي أسرار الاقدار وَالْحكم الْخفية وَتَأْويل المتشابهات الَّتِي تفرد الرب سُبْحَانَهُ بعلمها على الصَّحِيح وَالْجمع بَين المتعارضات والخوض فِي الممنوعات مثل كَلَامهم فِي الرّوح مَعَ توقف النَّبِي ﷺ فِيهِ ونزول الْقُرْآن بِمَا يَقْتَضِي الْكَفّ عَنهُ ورعا وأدبا وحياء من الله وَرَسُوله حَتَّى تجاسروا على تَأْوِيل الرّوح بِغَيْر دَلِيل ومنتهى الامر أَن مَا قَالُوهُ مُحْتَمل فمجرد الِاحْتِمَال لَا يُبِيح الْمَمْنُوع من غير يَقِين مَعَ التساهل وَعدم الِاحْتِرَاز الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْحُدُود وَمَعَ اعْتِمَاد الْمجَاز والاستعارات والتورية والاشارات فِي كثير من الْمَوَاضِع على أَن الله تَعَالَى قد حكى فِي كِتَابه من زجر الْمَلَائِكَة عَن الْخَوْض فِي بعض ذَلِك مَا كَانَ فِيهِ كِفَايَة وعبرة حَيْثُ تعرضوا ﵈ لمعْرِفَة سر الْقدر فِي أَمر وَاحِد وَهُوَ خلق آدم وَذريته بقَوْلهمْ للْملك الْعَزِيز الْعَلِيم الْحَكِيم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ فقوبلوا من الْخطاب بِمَا لم يكن لَهُم فِي حِسَاب حَتَّى قيل لَهُم ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا خاطبهم بِهِ رب الْعَالمين وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا لآدَم ساجدين وَكَانَ إِبْلِيس بِسَبَب تكبره عَن ذَلِك من الْكَافرين وَهَذَا كُله بِسَبَب خوضهم فِي السِّرّ الْمَمْنُوع والامر المحجوب وَكَذَلِكَ مُوسَى الكليم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم وَهُوَ المقرب نجيا والوجيه عِنْد الله نصا جليا لما تعرض لما لَيْسَ من شَأْنه من علم السِّرّ الَّذِي هُوَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه نزل إِلَى مقَام السَّائِل المحروم والمخطئ المكظوم وَقطع على خطا الْخضر ﵉ فِي مَوضِع كَانَ يجب عَلَيْهِ الْقطع فِيهِ بتصويبه لما تقدم من أَخْبَار الله تَعَالَى لَهُ بِأَنَّهُ أعلم مِنْهُ وسؤاله لقاءه وإجابته دَعوته

стр. 131

وتبليغه بِفضل الله إِلَى ذَلِك كل ذَلِك لما تعرض لسر التَّأْوِيل وَفِي مثل ذَلِك قيل (وَإِن مقَاما حَار فِيهِ كليمه ... وَلم يسْتَطع صبرا لخير العوالم) (جدير بتحقيق عَظِيم وريبة ... من الْوَهم عِنْد الْجَزْم من كل عَالم) وَفِي الْبَيْت الثَّانِي تَنْبِيه للمتكلمين وَغَيرهم على مَا لم يزل الاكابر يقعون فِيهِ من دَعْوَى الْقطع واعتقاده من غير تَحْقِيق فان مُوسَى ﵇ لَوْلَا اعْتقد الْقطع بخطإ الْخضر مَا أنكر عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ قطع كثير من عُلَمَاء الْكَلَام على صِحَة أدلتهم الْمُوجبَة لتأويل كَلَام علام الغيوب بل هم دون الكليم المقرب الْوَجِيه الْمَعْصُوم بمسافات لَا تدركها الخواطر وَنسبَة علم الله تَعَالَى إِلَى علم جَمِيع الْعَالمين كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح مثل مَا أَخذه الطَّائِر من الْبَحْر الزاخر وَمَا أحسن أدب الْبونِي فِي قَوْله علم الْخَلَائق فِي علم الله مثل لَا شَيْء فِي جنب مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَالْقَصْد أَن من عرف مِنْهُ الْخَطَأ فِي الجليات فَكيف يكون حَاله مَتى خَاضَ فِي هَذِه الخفيات وَترك عِبَارَات الْحق الَّذِي نَص على أَنَّهَا لَا تبدل كَلِمَاته وانه لَا معقب لحكمه وان كِتَابه لَو كَانَ من عِنْد غَيره لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا وانه نور وشفاء وَهدى لَا ريب فِيهِ فَكيف تتْرك عِبَارَات هَذَا المعجز الباهر وتبدل بعبارات من لَا عصمَة لَهُ عَن الْخَطَأ بل عَن القبائح وَالْكفْر أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهُ وَلَقَد تفاحش جهل أَتبَاع الْمُتَكَلِّمين ومقلديهم وغلوا فِي الدَّعَاوَى غلوا لم يسبقهم اليه غلاة قدمائهم وسباق كبرائهم فَهَذَا أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي الكعبي إِمَام الْمُعْتَزلَة يَقُول فِي حق الْعَامَّة هَنِيئًا لَهُم السَّلامَة هَنِيئًا لَهُم السَّلامَة ذكره فِي كِتَابه المقالات وَقد عد الْعَامَّة فرقة وحدهم فَأصَاب وصنف مُحَمَّد بن مَنْصُور كتاب الْجُمْلَة والألفة فِي النَّهْي عَن تَكْفِير الْمُخْتَلِفين فِي أصُول الدّين وَهُوَ إِمَام التَّشَيُّع للعترة وَحَتَّى أَقْوَالهم وأفعالهم ﵈ على ذَلِك وَأَنه مَذْهَب من أدْرك من الْمُعْتَزلَة كالجعفرين

стр. 132

وَطول فِي ذَلِك ذكره صَاحب الْجَامِع الْكَافِي فِي آخر الْجُزْء السَّادِس وَهَذَا الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد المعتزلي مَعَ توغله فِي علم الْكَلَام يَقُول (تاه الانام بأسرهم ... فاليوم صاحي الْقَوْم عربد) (وَالله مَا مُوسَى وَلَا ... عِيسَى الْمَسِيح وَلَا مُحَمَّد) (عرفُوا وَلَا جِبْرِيل وَهُوَ إِلَى مَحل الْقُدس يصعد) (من كنه ذاتك غير أَنَّك وَاحِد فِي الذَّات سرمد) (عرفُوا اضافات ونفيا والحقيقة لَيْسَ تُوجد) (فليخسأ الْحُكَمَاء عَن ... حرم لَهُ الاملاك لَهُ سجد) (من أَنْت يَا رسطو وَمن ... أفلاط مثلك يَا مبلد) (وَمن ابْن سينا حَيْثُ قرر مَا هذيت بِهِ وشيد) (هَل أَنْتُم إِلَّا الْفراش ... رأى السراج وَقد توقد) (فَدَنَا فَأحرق نَفسه ... وَلَو اهْتَدَى رشدا لأبعد) وَفِي ذَلِك يَقُول أَيْضا (فِيك يَا أغلوطة الْفِكر ... تاه عَقْلِي وانقضى عمري) (سَافَرت فِيك الْعُقُول فَمَا ... ربحت الا عَنَّا السّفر) (رجعت حسرى وَمَا وقفت ... لَا على عين وَلَا أثر) (فلحى الله الاولى زَعَمُوا ... إِنَّك الْمَعْلُوم بِالنّظرِ) (كذبُوا إِن الَّذِي زَعَمُوا ... خَارج عَن قُوَّة الْبشر) وَله فِي هَذَا الْمَعْنى أَشْيَاء بليغة كَثِيرَة ذكرهَا فِي شرح نهج البلاغة فِي شرح قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ وَقد ذكر عجز الْعُقُول عَن معرفَة ذَات الرب ﷻ فَقَالَ ﵇ فِي ذَلِك امْتنع مِنْهَا بهَا واليها حاكمها قَالَ ابْن أبي الْحَدِيد وَهُوَ قَول لم تزل فضلاء الْعُقَلَاء مائلين اليه ومعولين عَلَيْهِ أَو كَمَا قَالَ وَقد استكثرت من كَلَامه على قدر تركي الْبَسِيط فِي هَذَا الْمُخْتَصر لمعارضة أَصْحَابه الْمُعْتَزلَة بِكَلَامِهِ فانهم يعترفون بعلو مرتبته فيهم

стр. 133

فَأَما أهل السّنة وَمن ينْسب إِلَى نصرتهم من الْمُتَكَلِّمين فهم بذلك أشهر وَمِمَّا قَالَه الْفَخر الرَّازِيّ (الْعلم للرحمن ﷻ ... وسواه فِي جهلاته يتغمغم) (مَا للتراب وللعلوم وَإِنَّمَا ... يسْعَى ليعلم أَنه لَا يعلم) وَأنْشد الشهرستاني فِي ذَلِك فِي أول كِتَابه نِهَايَة الاقدام فِي علم الْكَلَام (لقد طفت فِي تِلْكَ الْمعَاهد كلهَا ... وسيرت طرفِي بَين تِلْكَ المعالم) (فَلم أر إِلَّا وَاضِعا كف حائر ... على ذقن أَو قارعا سنّ نادم) وَصرح الْغَزالِيّ بذلك فِي الاحياء وصنف فِيهِ وَلابْن دَقِيق الْعِيد فِيهِ أَبْيَات جَيِّدَة مَعَ علو مرتبته فِي المعقولات والمنقولات واشتهر عَن الْجُنَيْد نفع الله بِهِ على علو مرتبته انه كَانَ يَقُول مَا يعرف الله إِلَّا الله وجود الْغَزالِيّ تَفْسِير ذَلِك فِي مُقَدمَات الْمَقْصد الاسنى وجود ذَلِك أَيْضا الزَّرْكَشِيّ فِي شَرحه جمع الْجَوَامِع للسبكي ودع عَنْك هَؤُلَاءِ كلهم فقد كفانا كتاب الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ وَلَا أوضح من نَص الْقُرْآن إِذا أجِير من التَّأْوِيل بِغَيْر برهَان وَكَيف نتأول ذَلِك وَهَذَا رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم وَهُوَ الْمُبين لكتاب الله الْوَاسِطَة المختارة بَين الله وَبَين عباد الله يَقُول فِي هَذَا الْمقَام سُبْحَانَكَ لَا أحصى ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَقَالَ فِي حَدِيث آخر تطاع رَبنَا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب الْمُضْطَر وَتكشف الضّر وَلَا يجزى بآلائك أحد وَلَا يبلغ مدحك قَائِل هَذَا وَهُوَ أفْصح وَأعلم من ترْجم عَن ممادح ربه سُبْحَانَهُ وَهُوَ المؤتى فِي ذَلِك لجوامع الْكَلم وحسناها وأنفسها عِنْد الله تَعَالَى وأسناها وَهُوَ الْمُخَاطب بقول الله تَعَالَى ﴿وعلمك﴾

стр. 134

مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما) فاعترف ﵇ بقصور عِبَارَته عَن بُلُوغ المرام فِي هَذَا الْمقَام فَكيف سَائِر الانام (مرام شط مرمي الْوَصْف فِيهِ ... فدون مداه بيد لَا تبيد) فان قيل كَيفَ السَّبِيل إِلَى الْمَنْع من التَّعْبِير بِغَيْر عبارَة الْكتاب وَالسّنة وَقد وَقع التَّعْبِير فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره بذلك قُلْنَا لم نمْنَع ذَلِك مُطلقًا إِنَّمَا منعنَا ذَلِك فِي مهمات الدّين الَّتِي وضحت فِيهَا عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة ودلت الادلة على انها منحصرة كَمَا تقدم وَلم تلجيء اليها ضَرُورَة وَلَا اجْتمعت شَرَائِط الْيَقِين فِي مُطَابقَة الْعبارَات عَنْهَا والنكتة فِي ذَلِك منع مَا يُؤَدِّي إِلَى الِاخْتِلَاف الْمحرم وتمييز مَا يجب قبُوله وَهُوَ عِبَارَات الْقُرْآن وَالسّنة عَمَّا لَا يجب قبُوله على الْجَمِيع وَهُوَ عِبَارَات من لَيْسَ بمعصوم وَلَيْسَ يُخَالف فِي حسن هَذَا الِاخْتِيَار مُمَيّز بعد فهم مَعْنَاهُ وَالْمَقْصُود بِهِ وَقد يجمع بَين عبارَة الْكتاب وَالسّنة وَعبارَة أهل المعقولات إِذا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا جليا لَا يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة وَلَا إِلَى اخْتِلَاف وَلَكِن ليَكُون الْجمع بَينهمَا أظهر فِي وضوح الْمَعْنى وتجليه لاهل الْعُلُوم المعقولات والمنقولات جَمِيعًا وآنس لَهُم حَيْثُ اجْتمعت عباراتهم على معنى متداول مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل المعارف من أَئِمَّة الْفُنُون كلهَا كَمَا نذكرهُ فِي مَسْأَلَة الارادة من التَّعْبِير عَن حِكْمَة الله تَعَالَى فِي الْمُتَشَابه لغَرَض الْعرض تَارَة وبالمراد الأول تَارَة وبالخير الْمَحْض تَارَة وبالغايات الحميدة تَارَة وَتَأْويل الْمُتَشَابه والداعي وَالْحكمَة وداعي الْحِكْمَة وأمثال ذَلِك وَالله الْهَادِي فَهَذَا الْكَلَام انسحب على من التهى عَن ترك عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة وَتَوَلَّى من لم يعْصم للتعبير عَنْهُمَا وَمَا يجر ذَلِك من الْخَطَأ وتوسيع دَائِرَة الِاخْتِلَاف الْمحرم وان ذَلِك أدّى إِلَى غموض الْحق وخفائه وَزَاد الْحق غموضا وخفاء أَمْرَانِ أَحدهمَا خوف العارفين مَعَ قلتهم من عُلَمَاء السوء وسلاطين الْجور وشياطين الْخلق مَعَ جَوَاز التقية عِنْد ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن واجماع أهل الاسلام وَمَا زَالَ الْخَوْف مَانِعا من اظهار الْحق وَلَا برح المحق عدوا لاكثر الْخلق

стр. 135

وَقد صَحَّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ فِي ذَلِك الْعَصْر الأول حفظت من رَسُول الله ﷺ وعاءين أما أَحدهمَا فبثثته فِي النَّاس وَأما الآخر فَلَو أبثه لقطع هَذَا البلعوم وَمَا زَالَ الْأَمر فِي ذَلِك يتفاحش وَقد صرح الْغَزالِيّ بذلك فِي خطْبَة الْمَقْصد الاسنى ولوح بمخالفته أَصْحَابه فِيهَا كَمَا صرح بذلك فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم فَأثْبت حِكْمَة الله وَرَحمته وجود الْكَلَام فِي ذَلِك وَظن أَنهم لَا يفهمون الْمُخَالفَة لَان شرح هذَيْن الاسمين لَيْسَ هُوَ مَوضِع هَذِه الْمَسْأَلَة وَلذَلِك طوى ذَلِك وَاضْرِبْ عَنهُ فِي مَوْضِعه وَهُوَ اسْم الضار كَمَا يعرف ذَلِك أذكياء النظار وَأَشَارَ إِلَى التقية الْجُوَيْنِيّ فِي مُقَدمَات الْبُرْهَان فِي مَسْأَلَة قدم الْقُرْآن والرازي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالاربعين فِي أصُول الدّين فِي الْكَلَام على تَأْثِير الْوَصْف العدمي فِي دَلِيل الاكوان وَصرح بالمخالفة فِي ذَلِك فِي الْمَحْصُول فِي بَاب الْقيَاس لأَنهم يتسامحون فِي الْمُخَالفَة فِي الاصول الْفِقْهِيَّة دون الاصول الدِّينِيَّة وتراه يُشِير فِي نِهَايَة الْعُقُول الاشارة الْخفية الى مخالفتهم كَمَا صنع فِي دَلِيل الاكوان بعد الِاحْتِجَاج فِي تماثيل الاجسام على ان الجسمية أَمر مُشْتَرك حَيْثُ قَالَ وَفِي هَذَا الْكَلَام نظر لم يزدْ على هَذَا وَقد أَشَارَ الى انه رَاجع الى أَن مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ يجب نَفْيه وَقد بَالغ فِي بُطْلَانه كَمَا أوضحته فِي العواصم وَقد طول فِي مُقَدمَات النِّهَايَة فِي ابطال هَذِه الطَّرِيقَة فَتَأمل أَمْثَال ذَلِك مِنْهُ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ بَاب كَيفَ يقبض الْعلم وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث النَّبِي ﷺ فأكتبه فانى أَخَاف دروس الْعلم وَذَهَاب الْعلمَاء وَلَا يقبل إِلَّا حَدِيث النَّبِي ﷺ وليفشوا الْعلم وليجلسوا حَتَّى يعلم من لَا يعلم فان الْعلم لَا يهْلك حَتَّى يكون سرا وَأورد فِيهِ حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا ان الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من الْعباد وَإِنَّمَا يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا قَالَ ابْن بطال معنى قَوْله ان الله لَا ينتزع الْعلم من الْعباد انه لَا يهب لَهُم الْعلم ثمَّ ينتزعه بعد أَن تفضل بِهِ عَلَيْهِم وانه يتعالى عَن ان يسترجع مَا وهب لَهُم من علمه الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته والايمان بِهِ وانما يكون قبض

стр. 136

الْعلم بتضييع الْعلم فَلَا يُوجد فِيمَن يبْقى من يخلف من مضى وَقد أنذر ﵊ بِنَقص الْخَيْر كُله وَمَا ينْطق عَن الْهوى وَثَانِيهمَا الِاعْتِمَاد على الْكِتَابَة فِي حفظ الْعلم فانه أدّى إِلَى كتم أهل الْعلم لكثير من مصونه فِي أول الْأَمر ثمَّ لمهمات الدّين فِي آخِره وَكَانَ الْعلم فِي أول الْأَمر يبْذل من أَهله لأَهله مشافهة وَلَو سرا وَذَلِكَ النَّقْص وَهُوَ مَحْفُوظ فِي الصُّدُور غير مبذول لأهل الشرور فِي السطور فَلَمَّا قل الْحِفْظ وَطَالَ الْأَمر وَكتب ليحفظ وتعذرت الصيانة وَخيف الْعدوان من أَعدَاء أهل الايمان كتم بَعضهم فَلم يظْهر علمه فازداد النَّقْص واتقي بَعضهم فَتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفًا على نَفسه ورمز بَعضهم فغلط عَلَيْهِ فِيمَا قَصده فِي رمزه فتفاحش الْجَهْل وَقد أوضحت كَثْرَة الْغَلَط فِيمَا أُرِيد بَيَانه كَيفَ لَا فِيمَا أُرِيد كِتْمَانه وَمَا لَا يجوز تَفْسِيره إِلَّا لمن علم من صَاحبه مُرَاده بِالنَّصِّ فَلَمَّا كثرت أَسبَاب غموض الْحق وَجب الرُّجُوع فِي أَصله الَّذِي ضمن الله حفظه حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وان يَبْتَغِي من حَيْثُ ابتغاه خَلِيل الله ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾ كَمَا نَص على ذَلِك معَاذ ﵁ حَيْثُ قَالَ وَأوصى بِهِ عِنْد مَوته كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ معافى المناقب وَالْحَاكِم فِي الْفِتَن من الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ على شَرط مُسلم وَهَذَا لَفظه مُخْتَصرا عَن زيد بن عُمَيْر أَنه كَانَ عِنْد معَاذ حِين احْتضرَ فَكَانَ يغشي عَلَيْهِ ثمَّ يفِيق حَتَّى غشي عَلَيْهِ غشية ظننا انه قد قبض فِيهَا ثمَّ أَفَاق وَأَنا مُقَابِله أبكى فَقَالَ مَا يبكيك قلت أبْكِي على الْعلم والحلم الَّذِي أسمع مِنْك يذهب قَالَ فَلَا تبك فان الْعلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما فابتغه حَيْثُ ابتغاه إِبْرَاهِيم ﵇ فانه سَأَلَ الله وَهُوَ لَا يعلم وتلا ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾ أه وَنَحْو ذَلِك مَا وهب الله من الْيَقِين والفوز الْعَظِيم لأهل الْكَهْف وَكَذَلِكَ السَّحَرَة الَّذين آمنُوا بمُوسَى من غير طول نظر وَقد غلل الله قبُول النَّصَارَى للحق بَان مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق

стр. 137

فَمن أَرَادَ احياء هَذِه السّنة واتباعها خلع قيود عصبيات الْمذَاهب ورسوم عوائدهم وَترك التَّقْلِيد فِي تَكْفِير الْخُصُوم وَترك جَمِيع الْعبارَات المبتدعة وأخلص لله والتجأ اليه وتضرع وتورع وتذلل وتواضع واستأنف طلب الْعلم النافع من الله بِوَاسِطَة أهل الْوَرع والتواضع والانصاف من عُلَمَاء الطوائف كلهَا وَلم يقلدهم فِي دعاوي التَّفْسِير لكتاب الله تَعَالَى وصحيح السّنة حَيْثُ يَخْتَلِفُونَ حَتَّى ينظر بتفهم وانصاف أَيهمْ أقوى دَلِيلا وأوضح سَبِيلا مُؤمنا بِاللَّه موقنا بمعونته وهدايته وَصدق وعده حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ وَحَيْثُ قَالَ على لِسَان رَسُوله ﷺ وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته أسعى وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت اليه باعا فاذا علمنَا على ذَلِك لوجه الله وتعاونا عَلَيْهِ لله وَبِاللَّهِ نَظرنَا فِي نُصُوص كتاب الله وصحيح سنة رَسُول الله ﷺ فان وضح الْحق من غير دقة وغموض وَلَا تعَارض بَين النُّصُوص وَلم يجب التَّأْوِيل بامر بَين جلي مَأْمُون الْخطر باجماع أَو ضَرُورَة فَلَا معدل عَن كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ وَآله وان وَقع التَّعَارُض الْمُحَقق وسعنا الْوَقْف فِي ذَلِك ووكلنا علمه إِلَى الله تَعَالَى امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وان كَانَ التَّعَارُض غير مُحَقّق وانما هُوَ اخْتِلَاف يُمكن فِيهِ الْجمع جرينا على الْقَوَاعِد الصَّحِيحَة الْمجمع عَلَيْهَا فِي الْجمع بَين المختلفات وَتَركنَا من حاد عَنْهَا بالمعاذير الْخفية وَهَذِه الْقَوَاعِد هِيَ مثل تَقْدِيم النَّص على الظَّاهِر الْمُحْتَمل وَالْخَاص على الْعَام والمبين على الْمُجْمل والمعلوم على المظنون والمتواتر على الْآحَاد والناسخ على الْمَنْسُوخ وَالْمَشْهُور على الْغَرِيب وَالصَّحِيح على الضَّعِيف والمتفق على صِحَّته على الْمُخْتَلف فِي صِحَّته وَكَلَام أَئِمَّة كل فن على من خالفهم مِمَّن لَا يعرف ذَلِك الْفَنّ أَو يعرف مِنْهُ الْيَسِير وَلَا يعرف مَا عرفوه فان الْأَمر فِي ذَلِك كَمَا قيل لَيْسَ الْعَارِف كالبارع فِي الْمعرفَة وشتان مَا بَين لَيْلَة الْمزْدَلِفَة وَلَيْلَة عَرَفَة وَكَذَلِكَ نرْجِع فِي شُرُوط ذَلِك كُله إِلَى الْأَدِلَّة المقبولة فان قيل لابد من تَفْسِير الْكتاب وَالسّنة بِغَيْر الفاظهما وَقد منعتم من

стр. 138

الْعبارَات المبتدعة قُلْنَا لم نمْنَع من ذَلِك مُطلقًا إِنَّمَا منعنَا مِنْهُ حَيْثُ يضر ويستغني عَنهُ بعبارات الْكتاب وَالسّنة الجليلة الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى تَفْسِير كَمَا تقدم وَأما التَّفْسِير فَمَا كَانَ من المعلومات بِالضَّرُورَةِ من أَرْكَان الاسلام واسماء الله تَعَالَى منعنَا تَفْسِيره لِأَنَّهُ جلي صَحِيح الْمَعْنى وَإِنَّمَا يفسره من يُرِيد تحريفه كالباطنية الْمَلَاحِدَة وَمَا لم يكن مَعْلُوما ودخلته الدقة والغموض فان دخله بعد ذَلِك الْخطر وَخَوف الاثم فِي الْخَطَأ مِمَّا يتَعَلَّق بالعقائد تركنَا الْعبارَات المبتدعة وسلكنا طَرِيق الْوَقْف وَالِاحْتِيَاط إِذْ لَا عمل يُوجب معرفَة مَعْنَاهُ الْمعِين وان لم يدْخل فِيهِ الْخطر عَملنَا فِيهِ بِالظَّنِّ الْمُعْتَبر الْمجمع على وجوب الْعلم بِهِ أَو جَوَازه وَالله الْهَادِي

стр. 139

فصل فِي الارشاد إِلَى طَرِيق الْمعرفَة لصحيح التَّفْسِير وَأَصَح التفاسير عِنْد الِاخْتِلَاف بطرِيق وَاضح لَا يشك أهل الانصاف فِي حسن التَّنْبِيه عَلَيْهِ والاشاد اليه اعْلَم ان كتاب الله تَعَالَى لما كَانَ مفزع الطَّالِب للحق بعد الايمان وَكَانَ مَحْفُوظًا كَمَا وعد بِهِ الرَّحْمَن وَدخل الشَّيْطَان على كثير من طَرِيق تَفْسِيره وَعدم الْفرق بَين التَّفْسِير والتحريف والتأويل والتبديل وَلَو كَانَ لكل مُبْتَدع ان يحملهُ على مَا يُوَافق هَوَاهُ بَطل كَونه فرقا بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقد ثَبت انه يقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فاذا هُوَ زاهق وَهَذَا لَا يتم إِلَّا بحراسته من دعاوى المبطلين فِي تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فِيهِ وَلبس صوادعه وقواطعه بخوافيه وَهَذِه هَذِه فليهتم الْمُعظم لَهُ بمعرفتها ويتأملها حق التَّأَمُّل ويتعرف على أَسبَابهَا مِمَّن قد مارسها وَقد أوضحتها فِيمَا تقدم من هَذَا الْمُخْتَصر وَذكرت الصُّور الابع الَّتِي يغلط فِيهَا كثير من الْمُتَكَلِّمين فِي اعْتِقَاد وجوب التَّأْوِيل بِسَبَبِهَا أَو بَعْضهَا فتأملها وجود النّظر فِي ذَلِك الْفَصْل الَّذِي ذكرتها فِيهِ فاذا عرفت ذَلِك فَلَا غنى عَن معرفَة مَرَاتِب الْمُفَسّرين حَيْثُ يكون التَّفْسِير رَاجعا إِلَى الرِّوَايَة ثمَّ مَرَاتِب التَّفْسِير حَيْثُ يكون التَّفْسِير رَاجعا إِلَى الدِّرَايَة أما مَرَاتِب الْمُفَسّرين فَخَيرهمْ الصَّحَابَة ﵃ لما ثَبت من الثَّنَاء عَلَيْهِم فِي الْكتاب وَالسّنة ولان الْقُرْآن أنزل على لغتهم فالغلط أبعد عَنْهُم من غَيرهم ولانهم سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ وَآله عَمَّا أشكل عَلَيْهِم وَأَكْثَرهم تَفْسِيرا حبر الامة وبحرها عبد الله بن عَبَّاس ﵄ وَقد جمع

стр. 140

عَنهُ تَفْسِير كَامِل وَلم يتَّفق مثل ذَلِك لغيره من الصَّدْر الأول الَّذين عَلَيْهِم فِي مثل ذَلِك الْمعول وَمَتى صَحَّ الاسناد اليه كَانَ تَفْسِيره من أصح التفاسير مقدما على كثير من الائمة الجماهير وَذَلِكَ لوجوه أَولهَا أَن رَسُول الله ﷺ وَآله دَعَا لَهُ بالفقه فِي الدّين وَتَعْلِيم التَّأْوِيل أَي التَّفْسِير كَمَا تقدم تَقْرِيره فِي الْكَلَام على الْمُتَشَابه وَصَحَّ ذَلِك واشتهر عَن رَسُول الله ﷺ وَله طرق فِي مجمع الزَّوَائِد وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مَسْعُود فِي أَطْرَافه انه مِمَّا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم بِكَمَالِهِ وَفِيهِمَا من غير طَرِيق أبي مَسْعُود عِنْد سَائِر الروَاة اللَّهُمَّ علمه الْكتاب وَالْحكمَة وَفِي رِوَايَة اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَنه رأى جِبْرِيل ﵇ مرَّتَيْنِ ودعا لَهُ النَّبِي ﷺ بالحكمة مرَّتَيْنِ وَيَنْبَغِي معرفَة سَائِر مناقبه مَعَ ذَلِك فِي موَاضعهَا وَلَوْلَا خوف الاطالة لذكرتها وَثَانِيها أَن الصَّحَابَة اتَّفقُوا على تَعْظِيمه فِي الْعلم عُمُوما وَفِي التَّفْسِير خُصُوصا وسموه الْبَحْر والحبر وشاع ذَلِك فيهم من غير نَكِير وَظَهَرت إِجَابَة الدعْوَة النَّبَوِيَّة فِيهِ وقصة عمر مَعَه ﵄ مَشْهُورَة فِي سَبَب تَقْدِيمه وتفضيله على من هُوَ أكبر مِنْهُ من الصَّحَابَة وامتحانه فِي ذَلِك وثالثهما كَونه من أهل بَيت النُّبُوَّة ومعدن الرسَالَة وَسَتَأْتِي الاشارة إِلَى مناقبهم الغزيرة فِي آخر الْمُخْتَصر فَيكون الْمُعظم لَهُ والموفى لَهُ حَقه فِي ذَلِك قد قَامَ بِحَق الثقلَيْن وَعمل بِالْوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّة فيهمَا ورابعهما أَنه ثَبت عَنهُ إِن كَانَ لَا يَسْتَحِيل التَّأْوِيل بِالرَّأْيِ روى عَنهُ أَنه قَالَ من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَفِي رِوَايَة بِغَيْر علم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْعلم وَالنَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَالتِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير وَقَالَ حَدِيث حسن وَشَرطه فِيمَا قَالَ فِيهِ حَدِيث حسن ان يَأْتِي من غير طَرِيق وخامسها أَن الطّرق اليه مَحْفُوظَة مُتَّصِلَة غير مُنْقَطِعَة فصح مِنْهَا تَفْسِير نَافِع ممتع وَلذَلِك خصصته بِالذكر وَإِن كَانَ غَيره أكبر مِنْهُ وأقدم وَأعلم وَأفضل مثل عَليّ بن أبي طَالب ﵇ من جنسه وَأَهله وَغَيره من أكَابِر الصَّحَابَة ﵃ لَكِن ثُبُوت التَّفْسِير عَنْهُم قَلِيل بِالنّظرِ اليه ﵃ أَجْمَعِينَ

стр. 141

ثمَّ الْمرتبَة الثَّانِيَة من الْمُفَسّرين التابعون وَمن أشهر ثقاتهم المصنفين فِي التَّفْسِير مُجَاهِد بن جبر الْمَكِّيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة بن دعامة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَزيد بن أسلم وَكلهمْ مخرج عَنْهُم الحَدِيث فِي دواوين الاسلام السِّتَّة وَغَيرهَا والاسانيد اليهم بتفاسيرهم مُتَّصِلَة كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي أول تَفْسِيره وَغَيره وَقد نقم على بَعضهم أَشْيَاء سهلة لَكِن يَنْبَغِي التيقظ لَهَا عِنْد التَّعَارُض وَالِاخْتِلَاف فان مثلهَا يُؤثر فِي التَّرْجِيح فَينْظر تراجمهم فِي تذكرة الذَّهَبِيّ وميزانه وأبسط مِنْهُمَا تَهْذِيب شَيْخه الْمزي وَكتابه النبلاء وأمثالها من كتب الرِّجَال وتواريخ عُلَمَاء الاسلام وَيلْحق بهؤلاء عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَهُوَ دونهم لوُقُوع الْخلاف فِيهِ فان الْخلاف فِيهِ كثير بَين الصَّدْر الأول لَكِن أَكْثَره رَاجع إِلَى اعْتِقَاده لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى رَأْي الْخَوَارِج فَيكون على مَا يدل على مَذْهَب الْخَوَارِج أَضْعَف وَقد صنف جمَاعَة فِي الذب عَنهُ وجود ابْن حجر فِي ذَلِك فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ لِأَن البُخَارِيّ احْتج بِهِ وَأهل السّنَن وَالْأَكْثَرُونَ وتجنبه الامام مَالك وَمُسلم فِي صَحِيحه ثمَّ بعده مقَاتل بن حَيَّان وَمُحَمّد بن زيد مهَاجر احْتج بهما مُسلم وَأهل السّنَن دون البُخَارِيّ وَتكلم فيهمَا بَعضهم بِغَيْر حجَّة بَيِّنَة ثمَّ عَليّ بن أبي طَلْحَة وَهُوَ قريب مِنْهُ احْتج بِهِ مُسلم وَأهل السّنَن لَكِن قَالَ أَحْمد لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس تَفْسِيرا كثيرا ممتعا وَالصَّحِيح عِنْدهم أَن رِوَايَته عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس وَإِن كَانَ يرسلها عَن ابْن عَبَّاس فمجاهد ثِقَة يقبل وَقد يعضد تَفْسِيره وَتَفْسِير أَمْثَاله بمفهومات من الْقُرْآن مثل تَفْسِيره لتقدير يَوْم الْقِيَامَة بِخَمْسِينَ الف سنة عَن ابْن عَبَّاس أَنه فِي حق الْكَافِر وَذَلِكَ يعتضد بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ يَوْمًا على الْكَافرين عسيرا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿على الْكَافرين غير يسير﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر﴾

стр. 142

وبأحاديث مَرْفُوعَة فِي ذَلِك مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ من طَرِيق ابْن ابي لَهِيعَة عَن أبي السَّمْح عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد وَمِنْهَا مَا يَأْتِي الْآن فِي النَّوْع الثَّالِث من مَرَاتِب التَّفْسِير ثمَّ السّديّ الْكَبِير يرْوى عَن ابْن عَبَّاس وطبقته بعد هَؤُلَاءِ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي الْكُوفِي وَحَدِيثه عِنْد مُسلم وَأهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَهُوَ تَابِعِيّ شيعي وَرُبمَا كَانَ الْكَلَام فِيهِ لمذهبه عِنْد من يُخَالِفهُ وَأما السّديّ الصَّغِير مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الاعمش فواه جدا وَمِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الانباري أحد مَشَايِخ أبي دَاوُد ورواة سنَنه وَمِنْهُم عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أبي سعيد فِيهِ ضعف وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان واهيان لَا سِيمَا مقَاتل بن سُلَيْمَان فقد كذبه غير وَاحِد وَلم يوثقه أحد واشتهر عَنهُ التجسيم والتشبيه وَلذَلِك لم يرو عَنهُ من أهل الْكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ قَالَ كَانَ لَا يكذب يَعْنِي لَا يتَعَمَّد الْكَذِب وَأثْنى عَلَيْهِ بَعضهم بِمَعْرِِفَة التَّفْسِير وَأما الْكَلْبِيّ فروى عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَحده وَلم يوثقه أحد وَكَذَلِكَ تنبغي معرفَة من جرح وَكذب من متأخري الْمُفَسّرين مثل أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش توفّي عَام ٣٥١ وَإِنَّمَا سقت لَك ذكرهم لما قيل أَن الْمُفَسّرين أَكْثرُوا من حِكَايَة الاقوال الْمُخْتَلفَة وَالْحق يضيع بَين قَوْلَيْنِ فَصَاعِدا فأرشدت إِلَى طرف من التَّرْجِيح عِنْد الِاخْتِلَاف وَبَقِيَّة الْمُفَسّرين مذكورون فِي كتب الرِّجَال وَلَكِن الْمدَار على من ذكرت فِي الْأَكْثَر فَهَذِهِ مَرَاتِب الْمُفَسّرين فِيمَا يرجع من التَّفْسِير إِلَى الرِّوَايَة وَأما مَرَاتِب التَّفْسِير فِيمَا يرجع مِنْهُ إِلَى الدِّرَايَة فَهِيَ ترجع إِلَى سَبْعَة أَنْوَاع النَّوْع الأول تَفْسِير المتكررات تكريرا كثيرا مثل آيَات الاسماء الربانية وَالصِّفَات والمشيئة والاسماء الْمَعْرُوفَة بالدينية وَهِي الاسلام وَالْإِيمَان والاحسان والمسلمون والمؤمنون والمحسنون وَكَذَلِكَ أَسمَاء الظَّالِمين والفاسقين والكافرين وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد وَيحْتَاج إِلَى مزِيد بحث وانتقاد مِمَّا تورد فِيهِ الادلة والشبه والورود والمعارضات

стр. 143

وَهَذَا الْقسم يَنْبَغِي أَن يكون مُفردا فِي مُقَدمَات التَّفْسِير حَتَّى يشْبع فِيهِ الْكَلَام من غير تَكْرِير أَو يُؤْخَذ من مظانه من كتب الِاعْتِقَاد على الصّفة الَّتِي أَشرت اليها فِي أول هَذَا الْمُخْتَصر فِي الانصاف وَمَعْرِفَة أَدِلَّة الْجَمِيع وَفِي هَذَا الْمُخْتَصر من ذَلِك كِفَايَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَا هُوَ إِلَّا كالمقدمة للتفسير فان اشْتبهَ الصَّوَاب على أحد فِي هَذَا الْقسم أَو خَافَ وُقُوع فتْنَة من الْخَوْض فِيهِ والبحث عَنهُ والمناظرة ترك ذَلِك وَكَفاهُ الايمان الْجملِي لما ثَبت فِي حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (اقرأوا الْقُرْآن مَا أتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فاذا اختلفتم فَقومُوا عَنهُ) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَله شَوَاهِد قدر خَمْسَة عشر حَدِيثا وَالْمرَاد الِاخْتِلَاف مَعَ التعادي والتفرق كَمَا هُوَ عَادَة أهل الْكَلَام دون الِاخْتِلَاف مَعَ التوالي والتصويب كَمَا هُوَ عَادَة الْفُقَهَاء وَسَائِر أهل الْعُلُوم وَذَلِكَ لما فِي حَدِيث عمر مَعَ هِشَام ابْن حَكِيم فِي اخْتِلَافهمَا فِي الْقِرَاءَة وَتَقْرِير النَّبِي ﷺ لَهما على الِاخْتِلَاف فِي الْقِرَاءَة ونهيهما عَن الِاخْتِلَاف فِي التخطئة والمناكرة خرجه الْجَمَاعَة وَهُوَ متواتر أَو مَشْهُور عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث فقد رَوَاهُ ثَمَانِيَة عشر صحابيا وَمَا تقدم من حَدِيث جُنْدُب وشواهده مِمَّا هُوَ زِيَادَة بَيَان بعد قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ وأمثالها وَهِي كَافِيَة شافية مغنية عَن الاحاديث لَكِن فِي اجْتِمَاع الْكتاب وَالسّنة قُرَّة عُيُون الْمُؤمنِينَ وطمأنينة قُلُوب الموقنين وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن مَسْعُود نَحوه وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي وصنف فِيهِ كتاب الْجُمْلَة والالفة وَذكره عَن الكبراء من عُلَمَاء العترة وَغَيرهم وَأنكر على أهل الْكَلَام مَا اختصوا بِهِ من التعادي عِنْد الِاخْتِلَاف فِي الدقائق الْخفية وَهَذَا عَارض هُنَا وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعه النَّوْع الثَّانِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَذَلِكَ حَيْثُ يتَكَرَّر فِي كتاب الله تَعَالَى ذكر الشَّيْء وَيكون بعض الْآيَات أَكثر بَيَانا وتفصيلا وَقد جمع من هَذَا الْقَبِيل تَفْسِير مُفْرد ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة وَلم اقف عَلَيْهِ وَقد يذكر الْمُفَسِّرُونَ مِنْهُ أَشْيَاء مُتَفَرِّقَة فَمِنْهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمن ﴿وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾

стр. 144

بِأَنَّهُ الْعَذَاب الْأَدْنَى الْمُعَجل فِي الدُّنْيَا لقَوْله سُبْحَانَهُ فِي آخر هَذِه السُّورَة ﴿فإمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فإلينا يرجعُونَ﴾ وَقد تكَرر هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَمِنْه تَفْسِير ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ بقوله تَعَالَى ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي﴾ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما﴾ بِأَهْل الْكتاب كَقَوْل مُجَاهِد لقَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يشْتَرونَ الضَّلَالَة ويريدون أَن تضلوا السَّبِيل﴾ ويقويه ان عصاة الْمُسلمين لَا يُرِيدُونَ فجور صالحيهم وَالْآيَة وَردت بضمير الْغَائِب فِي المريدين وَضمير الْخطاب فِي المائلين فقوى ذَلِك وَمِنْه تَفْسِير ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ بقوله ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ فَقَوله فِيهَا وَيَعْفُو عَن كثير مُخَصص لعُمُوم من يعْمل سوءا يجز بِهِ ومقيد لاطلاقها كَأَنَّهُ قَالَ الا أَن يعْفُو بِدَلِيل هَذِه الْآيَة مثل مَا انها مخصصة بآيَات التَّوْبَة فانه مُقَدّر فِيهَا إِلَّا أَن يتوبوا بالاجماع وبالنصوص فِي التائبين وَهَذِه الْآيَة دَالَّة على اشْتِرَاط عدم الْعَفو وعَلى اعْتِبَار مصائب الدُّنْيَا فِي عَذَاب الْمُسلمين ووعيدهم كَمَا دلّ على ذَلِك حَدِيث عَليّ ﵇ فِي تَفْسِيرهَا وَحَدِيث أبي بكر ﵁ فِي تَفْسِير ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَلذَلِك طرق شَتَّى وَفِيه أَحَادِيث كَثِيرَة مجمع على مَعْنَاهَا وَأَحَادِيث الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو وطرقه صَحِيحَة كَثِيرَة كَمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد وَمِنْه حمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَالْعَام على الْخَاص كنفي الْخلَّة والشفاعة فِي آيَة مُطلقًا وَقد اسْتثْنى الله الْمُتَّقِينَ من نفي الْخلَّة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾

стр. 145

) وَاسْتثنى مَا أذن فِيهِ من الشَّفَاعَة بقوله فِي آيَة ﴿من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى﴾ وَمِنْه الْجمع بَين مَا يتَوَهَّم أَنه مُخْتَلف كخلق بني آدم من تُرَاب كَمَا فِي الْكَهْف وَمن طين فِي غير آيَة وَهُوَ تُرَاب مختلط بِالْمَاءِ فَفِيهِ زِيَادَة على التُّرَاب الْمُطلق وَكَذَلِكَ خلقه من صلصال فانه أخص من الْجَمِيع لِأَنَّهُ طين مَخْصُوص وَمِنْه تَقْدِيم الْمَنْطُوق على الْمَفْهُوم وَأوجب مِنْهُ تَقْدِيم تَفْصِيل القَوْل الْمَنْطُوق على عُمُوم الْمَفْهُوم لِأَن الْخَاص يقدم على الْعَام الْمَنْطُوق فَكيف لَا يقدم على عُمُوم الْمَفْهُوم النَّوْع الثَّالِث التَّفْسِير النَّبَوِيّ وَهُوَ مَقْبُول بِالنَّصِّ والاجماع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَفِي الحَدِيث لَا يَأْتِي رجل مترف متكئ على أريكته يَقُول لَا أعرف إِلَّا هَذَا الْقُرْآن مَا أحله أحللته وَمَا حرمه حرمته إِلَّا واني أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه أَلا وان الله حرم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير وَيدل على ذَلِك أَن الاجماع قد انْعَقَد على نسخ وجوب الْوَصِيَّة للوارثين بِحَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث وَهُوَ حَدِيث حسن وَإِذا وَجب قبُول ذَلِك فِي نسخ فَرِيضَة منصوصة فِيهِ فَكيف بِسَائِر الْبَيَان والتخصيص وقبوله فِي نسخ وجوب الْوَصِيَّة اجماع العترة وَالْأمة وَقد اشْتَمَلت على ذَلِك الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَجمع بِحَمْد الله تَعَالَى وجمعت مِنْهُ الَّذِي فِي جَامع الاصول وَمجمع الزَّوَائِد ومستدرك الْحَاكِم أبي عبد الله وَيلْحق بذلك أَسبَاب النُّزُول وَقد أفرده الواحدي وَغَيره بالتأليف وَهُوَ مُفِيد جدا لِأَن الْعُمُوم الْوَارِد على سَبَب مُخْتَلف فِي تعديه عَن سَببه وَهُوَ نَص فِي سَببه ظَنِّي فِي غَيره وَقد يقصر عَلَيْهِ بالاجماع كَمَا ثَبت فِي قَوْله تَعَالَى فِي ذمّ الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي الْيَهُود وفرحهم بِمَا أَتَوا من التَّكْذِيب بِالْحَقِّ فلولا ذَلِك أشكلت وتناولت من فَرح
следующие страницы →