Полный текст (410 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهِي الْأُمُور العائدة إِلَى ذَاته فَهُوَ مثل مَا كَانَ من الْخَاتم بَين كَتفيهِ والنور الَّذِي كَانَ ينْتَقل من أَب إِلَى أَب إِلَى أَن خرج إِلَى الدُّنْيَا وَمَا شوهد من خلقته وَصورته الَّتِي يحكم علم الفراسة بِأَنَّهَا دَالَّة على نبوته
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا يتَعَلَّق بصفاته فَهِيَ كَثِيرَة وَنحن نشِير إِلَى بَعْضهَا فَمن ذَلِك أَن أحدا مَا سمع مِنْهُ كذبا لَا فِي أُمُور الدّين وَلَا فِي أُمُور الدُّنْيَا وَلَو صدر عَنهُ شَيْء من ذَلِك مرّة وَاحِدَة لاجتهد أعداؤه فِي نشره واظهاره
الثَّانِي أَنه مَا فعل قبيحا منفرا عَنهُ لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا الثَّالِث أَنه لم يفر عَن أحد من أعدائه لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا وان عظم الْخَوْف وَاشْتَدَّ الْأَمر مثل يَوْم أحد وَيَوْم الْأَحْزَاب الرَّابِع أَنه كَانَ عَظِيم الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة على أمته كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ الْخَامِس أَنه كَانَ فِي أعظم الدَّرَجَات فِي الْكَرم والسخاء حَتَّى أَن الله تَعَالَى علمه التَّوَسُّط فِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ السَّادِس أَنه مَا كَانَ للدنيا فِي قلبه وَقع السَّابِع أَنه كَانَ فِي غَايَة الفصاحة الثَّامِن أَنه بَقِي على طَرِيقَته المرضية أول عمره إِلَى آخِره والمزور لَا يُمكنهُ ذَلِك وَإِلَيْهِ الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ التَّاسِع أَنه ﷺ كَانَ مَعَ أهل الْغنى والثروة فِي غَايَة الْبعد عَن المطامع والترفع عَنْهَا وَمَعَ الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فِي غَايَة الْقرب مِنْهُم والتواضع لَهُم واللطف بهم الْعَاشِر أَنه كَانَ ﷺ فِي كل وَاحِدَة من هَذِه الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة فِي الْغَايَة القصوى من الْكَمَال وَلَا يتَّفق ذَلِك لأحد من الْخلق غير أهل الْعِصْمَة من الله تَعَالَى فَكَانَ اجْتِمَاع ذَلِك فِي صِفَاته من أعظم المعجزات
стр. 72
وَأما المعجزات الْعَقْلِيَّة فَهِيَ سِتَّة أَنْوَاع النَّوْع الأول أَنه ظهر بَين قَبيلَة مَا كَانُوا من أهل الْعلم وَمن بَلْدَة مَا كَانَ فِيهَا أحد من الْعلمَاء فِي ذَلِك الْعَصْر بل كَانَت الْجَهَالَة غالبة عَلَيْهِم وَلم يتَّفق لَهُ سفر من تِلْكَ الْبَلدة إِلَّا مرَّتَيْنِ كِلَاهُمَا إِلَى الشَّام وَكَانَت مُدَّة سفر قَليلَة وَلم يذهب أحد من الْعلمَاء والحكماء إِلَى بَلَده حَتَّى يُقَال أَنه تعلم الْعلم من ذَلِك الْحَكِيم فاذا خرج من مثل هَذِه الْبَلدة وَمثل هَذِه الْقَبِيلَة رجل بارع الْكَمَال فائق على فحول الرِّجَال من غير أَن يمارس شَيْئا من الْعُلُوم وَلَا يخالط أحدا من الْعلمَاء أَلْبَتَّة ثمَّ بلغ فِي معرفَة الله تَعَالَى وَصِفَاته وأسمائه وأفعاله وَأَحْكَامه هَذَا الْمبلغ الْعَظِيم الَّذِي عجز عَنهُ جَمِيع الأذكياء من الْعُقَلَاء بل عجزوا عَن الْقرب مِنْهُ والمداناة لَهُ بل أقرّ الْكل بِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُزَاد فِي تَقْرِير أصُول الدَّلَائِل ومهمات المعارف على مَا ورد فِي الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ ذكر قسس الْأَوَّلين وتواريخ الْمُتَقَدِّمين بِحَيْثُ لم يتَمَكَّن أحد من الاعداء العارفين بذلك أَن يخطئه فِي شَيْء مِنْهَا بل بلغ كَلَامه فِي الْبعد من الريب إِلَى أَن قَالَ بذلك أَن يخطئه فِي شَيْء مِنْهَا بل بلغ كَلَامه فِي الْبعد من الريب إِلَى أَن قَالَ عِنْد مجادلتهم لَهُ ﴿تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾
فحادوا عَن ذَلِك وَعرفُوا صدقه واجابة دَعوته وَلم يقدر أحد من أعدائه أَن ينْسب إِلَيْهِ أَنه أَخذ ذَلِك من مطالعة كتاب وَلَا صُحْبَة أستاذ وَكَانَت هَذِه الاحوال ظَاهِرَة مَعْلُومَة عِنْد الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك إِذا لارتاب المبطلون﴾ وَقَالَ ﴿فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله أَفلا تعقلون﴾ وكل من لَهُ عقل سليم وطبع مُسْتَقِيم علم أَن هَذِه الاحوال لَا تتيسر إِلَّا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني
النَّوْع الثَّانِي أَنه عَلَيْهِ ﷺ كَانَ قبل اظهاره دَعْوَى الرسَالَة غير باحث عَن هَذِه المور وَلَا مَشْغُول بهَا وَلَا جرى على لِسَانه حَدِيث
стр. 73
النُّبُوَّة لنَفسِهِ وَدَعوى الرسَالَة وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَنه لَو اتّفق لَهُ خوض فِي هَذِه المطالب لقَالَ الْكفَّار أَنه أفنى عمره فِي ذَلِك وَفِي جمع الْقُرْآن حَتَّى قدر على ذَلِك بعد طول التَّأَمُّل والتدبر وَجَاء بِهِ وَلما لم يذكر هَذَا عَن أحد من الاعداء مَعَ شدَّة حرصهم على الطعْن فِيهِ وَفِي نبوته علمنَا ذَلِك وَمَعْلُوم أَن من انْقَضى من عمره أَرْبَعُونَ سنة وَلم يخض فِي شَيْء من هَذِه المطالب ثمَّ أَنه خَاضَ فِيهَا دفْعَة وَاحِد وأتى بِكَلَام عجز الْأَولونَ وَالْآخرُونَ عَن معارضته فصريح الْعقل يشْهد بِأَن هَذَا لَا يكون إِلَّا على سَبِيل الْوَحْي من الله تَعَالَى
النَّوْع الثَّالِث أَنه ﷺ تحمل فِي أَدَاء الرسَالَة أَنْوَاع المتاعب والمشاق فَلم يُغَيِّرهُ ذَلِك عَن الْمنْهَج الأول وَلم يطْمع فِي مَال أحد وَلَا فِي جاهه بل صَبر على تِلْكَ المشاق والمتاعب وَلم يظْهر فِي عزمه فتور وَلَا فِي اصطباره قُصُور ثمَّ أَنه لما قهر الْأَعْدَاء وقويت شوكته ونفذت أوامره فِي الْأَمْوَال والارواح لم يتَغَيَّر عَن منهجه الأول فِي الزّهْد فِي الدُّنْيَا والاقبال على الْآخِرَة وكل من أنصف علم أَن المزور وحاشاه ﷺ من ذكر ذَلِك لَا يكون كَذَلِك فان المزور إِنَّمَا يروج الْكَذِب وَالْبَاطِل على الْحق لكَي يتَمَكَّن من الدُّنْيَا فاذا وجدهَا لم يملك نَفسه عَن الِانْتِفَاع بهَا لكيلا يكون ساعيا فِي تَضْييع مَطْلُوبه بل تَضْييع مَطْلُوبه بل تَضْييع دُنْيَاهُ وآخرته وَذَلِكَ مَا لَا يَفْعَله أحد من الْعُقَلَاء
النَّوْع الرَّابِع من معجزاته الْعَقْلِيَّة أَنه كَانَ مستجاب الدعْوَة وَذَلِكَ مَعْلُوم بالتواتر الضَّرُورِيّ لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آيَاته واعلامه وَذَلِكَ ثَابت فِي الْكتب السِّت بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَة من حَدِيث جَابر بن عبد الله وَأبي هُرَيْرَة والسائب بن يزِيد وَأبي زيد ابْن أَخطب وَيزِيد ابْن أبي عبيد وَابْن مَسْعُود وَأنس والبراء بن عَازِب وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃
النَّوْع الْخَامِس وُرُود الْبشَارَة بِهِ ﷺ فِي التَّوْرَاة والانجيل وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ادّعى ذَلِك كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم وَمَعْلُوم أَنه لَو لم يكن صَادِقا فِي ذَلِك لَكَانَ هَذَا من أعظم المنفرات لأهل الْكتاب عَنهُ وَلَا يَصح من الْعَاقِل أَن يقدم على فعل مَا يمنعهُ من مَطْلُوبه ويحول بَينه وَبَين
стр. 74
مَا يحاوله وَلَا نزاغ من الْعُقَلَاء أَنه كَانَ من أوفر النَّاس عقلا وَأَحْسَنهمْ تدبيرا وأرجحهم علما قَالَ بعض العارفين فادم كَانَت أوامره بنصرته لأولاده لَا تحصى ونوح عهد إِلَى أَتْبَاعه باتباعه ووصى والخليل كَانَ أَكْثَرهم اجْتِهَادًا فِي ذَلِك وحرصا وَبَنوهُ تواصو بِهِ وَإِسْمَاعِيل أَكْثَرهم فحصا وتوراة مُوسَى نطقت بنعته وَصِفَاته وأبانت عَن مَعَانِيه وآياته وأوضح براهان على ذَلِك وَدَلِيل ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ وزبور دَاوُد أفْصح بِصدق معجزاته واعرب عَن ظُهُور بيناته وإنجيل عِيسَى شهد بِأَنَّهُ الْخَاتم الَّذِي يشْكر دينه ويحمد وَصرح بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ وَالْأَخْبَار ببعثه من الْأَحْبَار أَكثر من أَن تذكر يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة والانجيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر
فاسمع أنباءهم يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَمن صفته فِي التَّوْرَاة على مَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ (يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وحرزا للاميين أَنْت عَبدِي ورسولي سميتك المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا سخاب فِي الاسواق وَلَا يجزى بِالسَّيِّئَةِ مثلهَا وَلَكِن يعْفُو وَيغْفر وَلنْ يقبضهُ الله تَعَالَى حَتَّى يُقيم بِهِ الْملَّة العوجاء بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله يفتح بهَا آذَانا صمًّا وَأَعْيُنًا عميا وَقُلُوبًا غلفًا) ذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ كَمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرهَا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵄ أَن الله مَا بعث نَبيا إِلَّا وَأخذ عَلَيْهِ الْمِيثَاق لَئِن بعث مُحَمَّد وَهُوَ حَيّ ليُؤْمِنن بِهِ ولينصرنه
النَّوْع السَّادِس اخباره عَن الغيوب وَصدقه فِي ذَلِك وَهَذَا بَاب وَاسع مَعْلُوم بالتواتر الضرورى لأهل الْمعرفَة بالأخبار والتقصي فِيهِ يخرجنا عَمَّا قصدناه من الِاخْتِصَار فليطالع فِي مظانه فانما الْقَصْد الاشارة وَفِي الْقُرْآن مِنْهُ الْكثير الطّيب كَمَا ذكره الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَغَيره مثل الجاحظ
стр. 75
والرازي وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيرهم وَفِي دواوين الاسلام من ذَلِك عَن عَليّ ﵇ وَجَابِر بن سَمُرَة وَأبي هُرَيْرَة وَأبي ذَر وَجَابِر بن عبد الله وَحُذَيْفَة وَعَمْرو بن أَخطب وَأنس وَعَاصِم بن كُلَيْب وَعَائِشَة وَأبي حميد السَّاعِدِيّ وثوبان وعدي بن حَاتِم وَمِمَّا تَوَاتر من ذَلِك حَدِيث (تقتلك يَا عمار الفئة الباغية) كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عمار من النبلاء وَاتفقَ البُخَارِيّ وَمُسلم على صِحَّته وتخريجه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلَفظ البُخَارِيّ (وَيْح عمار يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي قَتَادَة وَأم سَلمَة وَكلهَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث خُزَيْمَة بن ثَابت وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وعمار وَحُذَيْفَة وَأبي أَيُّوب وَزِيَاد وَعَمْرو بن حزم وَمُعَاوِيَة وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي رَافع ومولاة لعمارة وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عبد الْبر تَوَاتَرَتْ الاخبار بذلك وَهُوَ من أصح الحَدِيث
وَقَالَ ابْن دحْيَة لَا مطْعن فِي صِحَّته وَلَو كَانَ فِيهِ مطْعن لرده مُعَاوِيَة وَأنْكرهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ فِي كِتَابه فِي النبوات وَعَن أَحْمد ابْن حَنْبَل أَنه رُوِيَ من ثَمَانِيَة وَعشْرين طَرِيقا وَإِنَّمَا ذكرت طرفا من أسانيده على طَرِيق الاجمال لوُقُوعه على مَا أخبر بِهِ ﷺ فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ وَلَوْلَا خشيَة الاطالة لذكرت الْأَسَانِيد فِي كل حَدِيث
ولنختم هَذَا النَّوْع بِهَذَا الحَدِيث الْجَلِيل وَالْعلم الْكَبِير من أَعْلَام النُّبُوَّة نبوة سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وَنَذْكُر هُنَا حَدِيث هِرقل وَهُوَ قَيْصر ملك الرّوم حِين جَاءَهُ كتاب رَسُول الله ﷺ فَجمع من بأرضه من الْعَرَب وَكَانَ فيهم أَبُو سُفْيَان فَسَأَلَهُ عَن حسب رَسُول الله ﷺ وَصدقه قبل دَعْوَى النُّبُوَّة وَعَن أَتْبَاعه وثبوتهم على دينه وَعَن حربه كَيفَ هُوَ وَعَن وفائه وَبِمَا يَأْمر الحَدِيث بِطُولِهِ خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس
стр. 76
الْبَاب الْخَامِس فِي الِاحْتِرَاز من بدع أهل الاسلام وَهُوَ قِسْمَانِ مُقَدمَات عَامَّة جميلَة ومسائل مُبْهمَة تفصيلية
الْقسم الأول الْمُقدمَات والآن وَقد تخلصنا من جملَة الشكوك الَّتِي بَين أهل الْملَل الْخَارِجَة عَن الاسلام بأبين طَرِيق وتحققنا بالاضطرار أَنه لَا يُمكن أَن يُوجد فِي الْعَالم أقوم منهجا من مَنْهَج الاسلام الْمُشْتَمل على التَّوْحِيد والايمان بِجَمِيعِ كتب الله وَرُسُله وَلَا أنزه وَلَا أبعد من كل مَكْرُوه فِي الاعمال والاقوال والأخلاق والعقائد وَأَن من فر من الاسلام كَرَاهِيَة لأمر وَقع فِي أعظم مِمَّا فر مِنْهُ من المحارات والمحالات والضلالات والشناعات فَيجب علينا شكر النِّعْمَة بِحسن التَّخَلُّص وَالِاحْتِيَاط والانصاف فِيمَا وَقع بَين أهل الاسلام من الِاخْتِلَاف لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا وجوب النَّصِيحَة للْمُسلمين والتقرب بذلك إِلَى أرْحم الرَّاحِمِينَ فقد ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن الدّين النَّصِيحَة قَالُوا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولأئمة الْمُسلمين ولعامتهم وَهَذِه كلمة اجماع من الْمُسلمين وَثَانِيهمَا الِاحْتِرَاز من الْهَلَاك بعد طول السَّلامَة مِمَّا تقدم من ضلالات أهل الْملَل الكفرية والحذر من أَن يكون مِمَّن ذمهم الله تَعَالَى بقوله ﴿فَمَا اخْتلفُوا حَتَّى جَاءَهُم الْعلم﴾ فَلَا أشفى مِمَّن فَاتَهُ رضَا ربه والنجاة من عَذَابه بعد أَن لم يبْق بَينه وَبَينه إِلَّا الْيَسِير فنسأل الله تَمام هدايته فانه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَلَا هِدَايَة إِلَّا بِهِ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
وَاعْلَم أَنِّي قد أذكر المبتدعة وَأهل السّنة كثيرا فِي كَلَامي فَأَما المبتدعة فانما أَعنِي بهم أهل الْبدع الْكُبْرَى الغلاة مِمَّن كَانُوا فَأَما الْبدع الصُّغْرَى فَلَا تسلم مِنْهَا طَائِفَة غَالِبا وَأما أهل السّنة فقد أُرِيد بهم أَهلهَا على الْحَقِيقَة وَقد أُرِيد بهم من تسمى بهَا وانتسب إِلَيْهَا فَتَأمل مواقع ذَلِك فَأول مَا يُنَبه طَالب الْحق والنجاة عَلَيْهِ أَن يعلم أَنه لَا يَصح أَن يخفى على أهل الاسلام دين رسولهم الَّذِي بعث اليهم وَأقَام بَين أظهرهم يُبينهُ لَهُم حَتَّى تَوَاتَرَتْ شرائعه وَصِفَاته مَعَ قرب الْعَهْد من ابْتِدَاء الِافْتِرَاق واتصال الاخبار وَكَثْرَة
стр. 77
الْعلمَاء والرواة بل قد تَوَاتر اليهم وَلم يخف عَلَيْهِم مَا لَا تعلق لَهُ بِالدّينِ من صورته فانهم يعلمُونَ ضَرُورَة أَنه لم يكن أَعور وَلَا أعرج وَلَا أسود وَلَا فَاحِشا وَلَا ممارياولا فيلسوفا وَلَا شَاعِرًا وَلَا ساحرا وَلَا منجما
فان قيل فَمن أَيْن جَاءَ الِاخْتِلَاف الشَّديد فَاعْلَم أَن منشأ مُعظم الْبدع يرجع إِلَى أَمريْن وَاضح بطلانهما فَتَأمل ذَلِك بانصاف وَشد عَلَيْهِ يَديك وَهَذَانِ الامران الباطلان هما الزِّيَادَة فِي الدّين باثبات مَا لم يذكرهُ الله تَعَالَى وَرُسُله ﵈ من مهمات الدّين الْوَاجِبَة وَالنَّقْص مِنْهُ بِنَفْي بعض مَا ذكره الله تَعَالَى وَرُسُله من ذَلِك بالتأويل الْبَاطِل
ولهذين الْأَمريْنِ الباطلين أصلان عَقْلِي وسمعي أما الأَصْل الأول وَهُوَ الْعقلِيّ فَذَلِك أَنه عرض للمبتدعة بِسَبَب الْخَوْض فِيمَا لَا تُدْرِكهُ الْعُقُول من الخفيات الَّتِي أعرض عَنْهَا السّلف نَحْو مِمَّا عرض للبراهمة الَّذين حكمُوا برد النبوات من إِيجَاب أُمُور سكت الشَّرْع عَن بَعْضهَا وَنهى عَن بَعْضهَا واستقباح أُمُور ورد الشَّرْع بتحسينها لكِنهمْ خالفوا البراهمة فِي أَنهم صدقُوا الشَّرْع فِي الْجُمْلَة وَصَدقُوا هَذِه القوادح فِي تفاصيل الشَّرْع وراموا الْجمع بَينهمَا فوقعوا لذَلِك فِي أَشْيَاء واهية كَمَا ترَاهُ وَاضحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمُخْتَصر ولزمهم مَا التزموا من أَن رسل الله ﵈ قصروا فِي الْبَيَان عمدا امتحانا للمكلفين وتعريضا للْعُلَمَاء الراسخين للثَّواب الْعَظِيم فِي التَّأْوِيل لكَلَام رب الْعَالمين
وَلَا شكّ أَن الْحق فِي خلاف هَذَا فقد نَص الله على أَن الرُّسُل إِنَّمَا أرْسلت لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَأنزل علينا فِي كِتَابه الْمُبين على لِسَان رَسُوله الْأمين ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَصَحَّ التحذير من الْبدع وَمن الله علينا باقرار أهل الْبدع بذلك وانعقاد الاجماع من الْجَمِيع على تَحْرِيم الابتداع فِي الدّين كَمَا يَأْتِي بَيَانه فَوَجَبَ علينا أَن نصْنَع فِي القوادح فِي تفاصيل الاسلام الَّتِي عرضت لبَعض أهل الْكَلَام مثل مَا صنعنَا
стр. 78
مَعًا فِي الرَّد على البراهمة فِي القوادح الَّتِي قدحت فِي جملَة الاسلام وَذَلِكَ أَن نعتقد أَن الْحق فِي تِلْكَ القوادح التفصيلية هُوَ فِيمَا جَاءَ من عِنْد الله بِدَلِيل المعجزات الباهرات ونعلم أَن للبصائر أوهاما فِي الخفيات من الاحكام مثل مَا ثَبت للابصار فِي الخفيات من الأوهام فَلَا نتبع فِي الخفيات وهم البصائر وَلَا وهم الْأَبْصَار فنكون كمن قدم ضوء النُّجُوم على ضوء النَّهَار بل نتتبع الْجَلِيّ من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول ونرد اليه الخفيات على الْعُقُول وننتفع بالجلي ونقف فِيمَا دق وخفي ونصنع فِي الِانْتِفَاع بالبصائر كَمَا صنعنَا فِي الِانْتِفَاع بالأبصار وَلَا نقف الْجَلِيّ على الْخَفي وَلَا نرجح الْخَفي على الْجَلِيّ فَهَذَا مَا لَا يخفى تَرْجِيحه عقلا وَلَا سمعا
أما الْعقل فَلِأَن الانسان يحسن مَا يُحسنهُ وَمَا لَا يُحسنهُ وَمَا يعرفهُ وَمَا يجهله كَمَا يحسن الْجُوع والظمأ وَالْبَصَر والعمى وَأما السّمع فَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَإِذا أردْت معرفَة هَذَا من غير تَقْلِيد فطالع كتاب الملخص للرازي فِي علم اللَّطِيف وَكتاب التَّذْكِرَة لِابْنِ متويه وَلَا تقتصر على التَّذْكِرَة فانها مختصرة مَعَ أَن كتاب الرَّازِيّ مَعْدُود فِي الوسائط فِي هَذَا الْفَنّ لَا فِي البسائط وَمن البسائط فِيهِ شرح الملخص هَذَا للكاتبي وَشرح التَّنْبِيهَات والاشارات للخواجه ذكر ذَلِك ابْن ساعد الانصاري فِي كِتَابه ارشاد القاصد إِلَى الْمَقَاصِد فِي ذكر أَنْوَاع الْعُلُوم والمصنفات فِيهَا
وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ السمعي فَهُوَ اخْتلَافهمْ فِي أَمريْن أَحدهمَا فِي معرفَة الْمُحكم والمتشابه أَنفسهمَا والتمييز بَينهمَا حَتَّى يرد الْمُتَشَابه إِلَى الْمُحكم وَثَانِيهمَا اخْتلَافهمْ هَل يعلمُونَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه ثمَّ اخْتلَافهمْ فِي تَأْوِيله على تَسْلِيم أَنهم قد عرفُوا الْمُتَشَابه ولنذكر سَبَب وُقُوع الْمُتَشَابه على الْعُقُول من حَيْثُ الْحِكْمَة والدقة فِي كتب الله تَعَالَى أَولا
وَالْمَشْهُور أَن سَببه الِابْتِلَاء بِالزِّيَادَةِ فِي مشقة التَّكْلِيف لتعظيم الثَّوَاب وَهَذَا أنسب بالمتشابه من حَيْثُ اللَّفْظ وَأما أَنا فَوَقع لي أَن سَببه زِيَادَة علم
стр. 79
الله على علم الْخلق فان العوائد التجريبية والأدلة السمعية دلّت على امْتنَاع الِاتِّفَاق فِي تفاصيل الحكم وتفاصيل التحسين والتقبيح وَلذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف بَين أهل الْعِصْمَة من الْمَلَائِكَة والأنبياء كَمَا قَالَ تَعَالَى حاكيا عَن رَسُول الله ﷺ ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملإ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون﴾ وَحكى الله تَعَالَى اخْتِلَاف سُلَيْمَان وَدَاوُد ومُوسَى وَهَارُون ومُوسَى وَالْخضر وَصَحَّ فِي الحَدِيث اخْتِلَاف مُوسَى وآدَم وَاخْتِلَاف الْمَلَائِكَة فِي حكم قَاتل الْمِائَة نفس إِلَى أَمْثَال لذَلِك قد أفردتها لبَيَان امْتنَاع الِاتِّفَاق فِي نَحْو ذَلِك وَأَن عِلّة الِاخْتِلَاف التَّفَاضُل فِي الْعلم فَوَجَبَ من ذَلِك ان يكون فِي أَحْكَام الله تَعَالَى وَحكمه مَا تستقبحه عقول الْبشر لِأَن الله تَعَالَى لَو ماثلنا فِي جَمِيع الاحكام وَالْحكم دلّ على مماثلته لنا فِي الْعلم الْمُتَعَلّق بذلك وَفِي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه وَلذَلِك تَجِد الْأَمْثَال والنظراء فِي الْعُلُوم أقل اخْتِلَافا خُصُوصا من المقلدين
وَإِنَّمَا عظم الِاخْتِلَاف بَين الْخضر ومُوسَى لما خص بِهِ الْخضر ﵉ وَهَذِه فَائِدَة نفيسة جدا وَبهَا يكون وُرُود الْمُتَشَابه أدل على الله تَعَالَى وعَلى صدق أنبيائه لِأَن الْكَذَّابين إِنَّمَا يأْتونَ بِمَا يُوَافق الطباع كَمَا هُوَ دين القرامطة والزنادقة وَقد أَشَارَ السّمع إِلَى ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ وَقَالَ فِي رَسُول الله ﷺ ﴿لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم﴾
وَكَيف يستنكر اخْتِلَاف الانسان الظلوم الجهول وعلام الغيوب الَّذِي جمع معارف العارفين فِي علمه مثل مَا أَخذه العصفور فِي منقاره من الْبَحْر الاعظم بل كَيفَ لَا يخْتَص هَذَا الرب الاعظم بِمَعْرِِفَة مَا لَا نعرفه من الحكم اللطيفة الَّتِي يسْتَلْزم تفرده بمعرفتها أَن يتفرد بِمَعْرِِفَة حسن مَا تعلّقت بِهِ وتأويله وَبِهَذَا ينشرح صدر الْعَارِف للايمان بالمتشابه والايمان بِالْغَيْبِ فِي تَأْوِيله فلنذكر بعد هَذَا كل وَاحِد من الامرين الْمُقدم ذكرهمَا على الايجاز
стр. 80
أما الْأَمر الأول وَهُوَ اخْتلَافهمْ فِي ماهيتهما فَمنهمْ من قَالَ الْمُحكم مَا لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا والمتشابه مَا احْتمل أَكثر من معنى فَهَؤُلَاءِ رجعُوا بالمحكم إِلَى النَّص الْجَلِيّ وَمَا عداهُ متشابه وَعَزاهُ الامام يحيى إِلَى أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَطَوَائِف من الحشوية وَمِنْهُم من قَالَ الْمُحكم مَا كَانَ إِلَى مَعْرفَته سَبِيل والمتشابه مَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته بِحَال نَحْو قيام السَّاعَة وَالْحكمَة فِي الْعدَد الْمَخْصُوص فِي حَملَة الْعَرْش وخزنة النَّار وَمِنْهُم من قصر الْمُتَشَابه على آيَات مَخْصُوصَة ثمَّ اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ هِيَ الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَمِنْهُم من قَالَ آيَات الشقاوة والسعادة وَمِنْهُم من قَالَ الْمَنْسُوخ وَمِنْهُم من قَالَ الْقَصَص والامثال وَمِنْهُم عكس فَقَالَ الْمُحكم آيَات مَخْصُوصَة وَهِي آيَات الْحَلَال وَالْحرَام وَمَا عَداهَا متشابه إِلَى غير ذَلِك حكى الْجَمِيع الامام يحيي فِي الْحَاوِي وَاخْتَارَ أَن الْمُحكم مَا علم المُرَاد بِظَاهِرِهِ بِدَلِيل عَقْلِي أَو نقلي والمتشابه بِهِ مَا لم يعلم المُرَاد مِنْهُ لَا على قرب وَلَا على بعد مثل قيام السَّاعَة والاعداد المبهمة
وَقَالَ شيخ الاسلام ابْن تيمة فِي الْقَاعِدَة الْخَامِسَة من جَوَاب الْمَسْأَلَة التدبيرية إِنَّا نعلم مَا أخبرنَا الله تَعَالَى بِهِ من وَجه دون وَجه لقَوْله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وَهَذَا يعم الْمُحكم والمتشابه وَجُمْهُور الْأمة على أَن الْوَقْف عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الله﴾ وَهُوَ الْمَأْثُور عَن أبي ابْن كَعْب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَغَيرهم وَعَن مُجَاهِد وَطَائِفَة أَن الراسخين يعلمُونَ تَأْوِيله وَلَا مُنَافَاة بَين الْقَوْلَيْنِ عِنْد التَّحْقِيق فالتأويل على ثَلَاثَة وُجُوه الأول كَلَام الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ تَرْجِيح الْمَرْجُوح لدَلِيل الثَّانِي أَن التَّأْوِيل هُوَ التَّفْسِير وَهُوَ اصْطِلَاح الْمُفَسّرين كَمَا أَن الأول اصْطِلَاح الاصوليين وَمُجاهد امام التَّفْسِير عِنْد الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم وَالثَّالِث أَن التَّأْوِيل هُوَ الْحقيق الَّتِي يؤول اليها الْكَلَام لقَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله﴾ فَتَأْوِيل أَخْبَار الْمعَاد وُقُوعهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ فِي قصَّة يُوسُف لما سجد أَبَوَاهُ وأخوته ﴿هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ وَمِنْه قَول عَائِشَة رَضِي الله
стр. 81
عَنْهَا كَانَ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن تعنى قَوْله فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ
وَمِنْه قَول ابْن عُيَيْنَة السّنة هِيَ تَأْوِيل الْأَمر وَالنَّهْي فان نفس الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ هُوَ تَأْوِيل الامر بِهِ وَنَفس الْمَوْجُود الْمخبر بِهِ هُوَ تَأْوِيل الْخَبَر وَبِهَذَا يَقُول أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره وَالْفُقَهَاء أعلم بالتأويل من أهل اللُّغَة كَمَا ذكرُوا ذَلِك فِي تَفْسِير اشْتِمَال الصماء لِأَن الْفُقَهَاء يعلمُونَ نفس مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ لعلمهم بمقاصد الرَّسُول ﷺ كَمَا يعلم اتِّبَاع بقراط وسيبويه من مقاصدهما مَا لَا يعلم بِمُجَرَّد اللُّغَة وَلَكِن تَأْوِيل الْأَمر وَالنَّهْي لابد من مَعْرفَته بِخِلَاف الْخَبَر
إِذْ عرفت ذَلِك فَتَأْوِيل مَا أخبر بِهِ الله عَن ذَاته المقدسة بِمَا لَهَا من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات هُوَ حَقِيقَة ذَاته المقدسة وَتَأْويل مَا أخبر بِهِ الله من الْوَعْد والوعيد هُوَ نفس الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ مثل المسميات بأسمائه فِي الدُّنْيَا فَكيف بمعاني أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَلَكِن الْأَخْبَار عَن الْغَائِب لَا يفهم إِن لم تعبر عَنهُ الاسماء الْمَعْلُوم مَعَانِيهَا فِي الشَّاهِد وَيعلم بهَا مَا فِي الْغَائِب بِوَاسِطَة الْعلم بِمَا فِي الشَّاهِد مَعَ الْفَارِق الْمُمَيز وَفِي الْغَائِب مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر كَمَا ورد فِي صفة الْجنَّة كَيفَ بِالذَّاتِ المقدسة إِلَى قَوْله وَمِمَّا يُوضح ذَلِك كُله أَن الله تَعَالَى وصف الْقُرْآن كُله بِأَنَّهُ مُحكم وَبِأَنَّهُ متشابه وَفِي آيَة أَن بعضه مُحكم وَبَعضه متشابه فالأحكام الَّذِي يعمه هُوَ الاتقان وَهُوَ تَمْيِيز الصدْق من الْكَذِب فِي اخباره والغي من الرشاد فِي أوامره والتشابه الَّذِي يعمه هُوَ ضد الِاخْتِلَاف المنفى عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَهُوَ الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿إِنَّكُم لفي قَول مُخْتَلف يؤفك عَنهُ من أفك﴾ فالتشابه بِهِ هُنَا تماثل الْكَلَام وتناسبه بِحَيْثُ يصدق بعضه بَعْضًا فالاحكام الْعَام فِي معنى التشابه الْعَام بِخِلَاف الاحكام الْخَاص والتشابه الْخَاص فانهما متنافيان فالتشابه الْخَاص مشابهة
стр. 82
الشَّيْء لغيره من وَجه ومخالفته من وَجه آخر بِحَيْثُ يشْتَبه على بعض النَّاس إِنَّه هُوَ أَو هُوَ مثله وَلَيْسَ كَذَلِك والاحكام الْخَاص هُوَ الْفَصْل بَينهمَا بِحَيْثُ لَا يشْتَبه أَحدهمَا بِالْآخرِ يَعْنِي على من عرف ذَلِك الْفَصْل وَهَذَا التشابه الْخَاص إِنَّمَا يكون بِقدر مُشْتَرك بَين الشَّيْئَيْنِ مَعَ وجود الْفَاصِل بَينهمَا
ثمَّ من النَّاس من لَا يَهْتَدِي إِلَى ذَلِك الْفَاصِل فَيكون مشتبها عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَهْتَدِي لَهُ فَيكون محكما فِي حَقه فالتشابه حِينَئِذٍ يكون من الامور الاضافية فاذا تمسك النَّصْرَانِي بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾ وَنَحْوه على تعدد الْآلهَة كَانَ الْمُحكم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا يزِيل مَا هُنَالك من الِاشْتِبَاه اه
وَقد ترك الامام وَالشَّيْخ وَجها آخر من الْمُتَشَابه الَّذين يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل مِمَّا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله على الصَّحِيح وَذَلِكَ وَجه الحكم الْمعينَة فِيمَا لَا تعرف الْعُقُول وَجه حسنه مثل خلق أهل النَّار وترجيح عَذَابهمْ على الْعَفو عَنْهُم مَعَ سبق الْعلم وسعة الرَّحْمَة وَكَمَال الْقُدْرَة على كل شَيْء
وَالدَّلِيل على أَن الْحِكْمَة خُفْيَة فِيهِ تسمى تَأْوِيلا لَهُ مَا ذكره تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى وَالْخضر فان قَوْله ﴿سأنبئك بِتَأْوِيل مَا لم تستطع عَلَيْهِ صبرا﴾ صَرِيح فِي ذَلِك وَهَذَا مُرَاد فِي الْآيَة لِأَن الله وصف الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ بابتغائهم تَأْوِيله وذمهم بذلك وهم لَا يَبْتَغُونَ علم الْعَاقِبَة عَاقِبَة الْخَبَر عَن الْوَعْد والوعيد وَمَا يؤول اليه على مَا فسره الشَّيْخ فهم الْجنَّة وَالنَّار وَالْقِيَامَة وَذَات الرب سُبْحَانَهُ كَمَا يبغيها طَالب العيان إِنَّمَا يستقبحون شَيْئا من الظَّوَاهِر بعقولهم يتكلفون لَهَا مَعَاني كَثِيرَة يَخْتَلِفُونَ فِيهَا وكل مِنْهُم يتفرد بِمَعْنى من غير حجَّة صَحِيحَة إِلَّا مُجَرّد الِاحْتِمَال وَرُبمَا خَالف ذَلِك التَّأْوِيل الْمَعْلُوم من الشَّرْع فتأولوه وَرُبمَا استلزم الْوُقُوع فِي أعظم مِمَّا فروا مِنْهُ
وَالَّذِي وضح لي فِي هَذَا وضوحا لَا ريب فِيهِ بِحسن توفيق الله أُمُور
стр. 83
أَحدهَا أَن الْكَلَام فِي ذَات الله تَعَالَى على جِهَة التَّصَوُّر وَالتَّفْصِيل أَو على جِهَة الاحاطة على حد علم الله كِلَاهُمَا بَاطِل بل من الْمُتَشَابه الْمَمْنُوع الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وانما تتَصَوَّر الْمَخْلُوقَات وَمَا هُوَ نَحْوهَا وَلما رُوِيَ من النَّهْي عَن التفكر فِي ذَات الله والامر بالتفكر فِي آلَاء الله وَلما اشْتهر عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ أَن ذَلِك مذْهبه حَتَّى رَوَاهُ عَنهُ الْخُصُوم وَمن أشهر مَا حفظ عَنهُ ﵇ فِي ذَلِك قَوْله فِي امْتنَاع معرفَة الله على الْعُقُول امْتنع مِنْهَا بهَا واليها حاكمها وَمن التفكر فِي الله والتحكم فِيهِ وَالدَّعْوَى الْبَاطِلَة على الْعُقُول والتكلف لتعريفها مَا لَا تعرفه حدثت هُنَا الْبدع الْمُتَعَلّقَة بِذَات الله وَصِفَاته وأسمائه فَمن أكبرها قَول البهاشمة من الْمُعْتَزلَة أَن الله تَعَالَى عَن قَوْلهم لَا يعلم من ذَاته غير مَا يعلمونه قَالَ بن أبي الْحَدِيد فِي شرح النهج وَهَذَا مِمَّا يُصَرح بِهِ أَصْحَابنَا وَلَا يتحاشون عَنهُ وَقد كثرت عَلَيْهِم الردود حَتَّى تولى عَلَيْهِم فِي ذَلِك كثير من أَصْحَابهم الْمُعْتَزلَة كَابْن أبي الْحَدِيد وَغَيره حَتَّى قَالَ فِي ذَلِك قصائد كَثِيرَة بليغة مِنْهَا
(سَافَرت فِيك الْعُقُول فَمَا ... ربحت إِلَّا عَنَّا السّفر)
(رجعت حسري فَمَا وَقعت ... لَا على عين وَلَا أثر)
(فلحى الله الأولى زَعَمُوا ... أَنَّك الْمَعْلُوم بِالنّظرِ)
(كذبُوا أَن الَّذِي زَعَمُوا ... خَارج عَن قُوَّة الْبشر)
فاذا كَانَ هَذَا كَلَام إِمَام معارفهم والحامي عَن حماهم فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ من خصومهم فاعرض على فطراتك الَّتِي فطرك الله عَلَيْهَا هَل تَجِد علمك بِاللَّه مثل علم الله وَأَنت الحكم كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فان الانسان يعرف أَحْوَال نَفسه وَعلمه وجهله مثل عافيته وألمه
وَقد بسطت القَوْل فِي الرَّد عَلَيْهِم فِي دَعْوَى الْعلم بِالذَّاتِ كعلمه تَعَالَى فِي تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن على أساليب اليونان وَكفى بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ
стр. 84
عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِك وَلم يعلم لَهُ مُخَالف فِي الصَّدْر الاول وَكفى بِهِ ﵇ سلفا وقدوة وإماما وَحجَّة فِي هَذِه المشكلة وَمن أَبْيَات فِي الرَّد عَلَيْهِم كنت قلتهَا وَهِي أَيْضا
(لي فِي الْقدَم مقَال غير مبتكر ... سُبْحَانَهُ عَن خيال الْوَهم والفكر)
(أَجله أَن يُحِيط الناظرون بِهِ ... ذاتا وَأَيْنَ قوى النظار وَالنَّظَر)
(فالعلم قِسْمَانِ تصدق وَمَعْرِفَة ... تخْتَص بِالذَّاتِ والتصديق بالْخبر)
وَمِنْهَا
(الله أكبر هَذَا قَاطع وَلنَا ... عَلَيْهِ أكبر برهَان من الزبر)
(تنزه الرب فِي الذّكر الْمنزل ان ... يُحِيط علما بِهِ خلق من الْبشر)
(تمدحا لم يكن فِي الذّكر مُخْتَلفا ... قطعا وَلَا غَلطا من وهم ذِي نظر)
(وَفِي الحَدِيث دلالات لنا وَلنَا ... حَدِيث مُوسَى كليم الله وَالْخضر)
(وَفِي كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ هدى ... هَذَا وحسبك برهانا لمنتصر)
(وَفِي وَصيته ابْن الْمُصْطَفى حسنا ... دَلَائِل لفقيه الْقلب مُعْتَبر)
(وَعَن وُجُوه الكراسي قد رَوَاهُ لنا ... عبد الحميد بشرح النهج ذِي العبر)
(وجنح القَوْل فِيهِ بالقصائد أَمْثَالًا ... تسير مسير الشَّمْس وَالْقَمَر)
(تِلْكَ الأولى حكمت بِالْمَنْعِ قد حكمت ... بهَا الملائك أهل الْقرب وَالنَّظَر)
(والراسخين وَأدنى من لَهُ أدب ... وكل متعظ لله منكسر)
(فَلَا ترجح عَلَيْهِم غير محتفل ... شُيُوخ جُبَّة إِن جاوزوا فَلَا تجر)
(وَالْفرق كالصبح لَا يخفى على أحد ... وَالْخَبَر تميز فَلَيْسَ الْخَبَر كالخبر) ولبعض الاصحاب أَبْيَات فِي هَذَا الْمَعْنى جَيِّدَة
وَمن الْبدع فِي هَذَا الْموضع بدع المشبهة على اخْتِلَاف أنواعهم وبدع المعطلة على اخْتلَافهمْ أَيْضا فغلاتهم يعطلون الذَّات وَالصِّفَات والاسماء الْجَمِيع وَمِنْهُم الباطنية ودونهم الْجَهْمِية وَمن النَّاس من يوافقهم فِي بعض ذَلِك دون بعض وَقد بسطت القَوْل فِي ذَلِك فِي الْوَهم الْخَامِس عشر من العواصم فِي نَحْو مُجَلد وَيَأْتِي إِلَى ذَلِك إِشَارَة فِي هَذَا الْمُخْتَصر كَافِيَة إِن شَاءَ الله
стр. 85
تَعَالَى فالفريقان المشبهة والمعطلة إِنَّمَا أَتَوا من تعَاطِي علم مَا لَا يعلمُونَ وَلَو أَنهم سلكوا مسالك السّلف فِي الايمان بِمَا ورد من غير تَشْبِيه لسلموا فقد أَجمعُوا على أَن طَريقَة السّلف أسلم وَلَكنهُمْ ادعوا أَن طَريقَة الْخلف أعلم فطلبوا الْعلم من غير مظانه بل طلبُوا علم مَا لَا يعلم فتعارضت أنظارهم الْعَقْلِيَّة وعارض بَعضهم بَعْضًا فِي الْأَدِلَّة السمعية فالمشبهة ينسبون خصومهم إِلَى رد آيَات الصِّفَات وَيدعونَ فِيهَا مَا لَيْسَ من التَّشْبِيه والمعطلة ينسبون خصومهم وَسَائِر أَئِمَّة الاسلام جَمِيعًا إِلَى التَّشْبِيه وَيدعونَ فِي تَفْسِيره مَا لَا تقوم عَلَيْهِ حجَّة وَالْكل حرمُوا طَرِيق الْجمع بَين الْآيَات والْآثَار والاقتداء بالسلف الاخيار والاقتصار على جليات الابصار وصحاح الْآثَار
وَقد روى الامام أَبُو طَالب ﵇ فِي أَمَالِيهِ باسناده من حَدِيث زيد بن أسلم أَن رجلا سَأَلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فِي مَسْجِد الْكُوفَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل تصف لنا رَبنَا فنزداد لَهُ حبا فَغَضب ﵇ ونادى الصَّلَاة جَامِعَة فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ إِلَى قَوْله فَكيف يُوصف الَّذِي عجزت الْمَلَائِكَة مَعَ قربهم من كرْسِي كرامته وَطول وَلَهُم إِلَيْهِ وتعظيم جلال عزته وقربهم من غيب ملكوت قدرته أَن يعلمُوا من علمه إِلَّا مَا علمهمْ وهم من ملكوت الْقُدس كلهم وَمن مَعْرفَته على مَا فطرهم عَلَيْهِ فَقَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم فَعَلَيْك أَيهَا السَّائِل بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن من صفته وتقدمك فِيهِ الرُّسُل بَيْنك وَبَين مَعْرفَته فَأَتمَّ بِهِ وأستضيء بِنور هدايته فانما هِيَ نعْمَة وَحِكْمَة أوتيتها فَخذ مَا أُوتيت وَكن من الشَّاكِرِينَ وَمَا كلفك الشَّيْطَان علمه مِمَّا لَيْسَ عَلَيْك فِي الْكتاب فَرْضه وَلَا فِي سنة النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أَئِمَّة الْهدى أَثَره فَكل علمه إِلَى الله سُبْحَانَهُ فانه مُنْتَهى حق الله عَلَيْك
وَقد روى السَّيِّد فِي الأمالي أَيْضا الحَدِيث الْمَشْهُور فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ ﵇ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (سَتَكُون فتْنَة قلت فَمَا الْمخْرج مِنْهَا قَالَ كتاب الله فِيهِ نبأ مَا قبلكُمْ وَخبر مَا بعدكم وَفصل مَا بَيْنكُم فَهُوَ الْفَاصِل بَين الْحق وَالْبَاطِل من ابْتغى الْهدى من غَيره أضلّهُ الله إِلَى قَوْله من قَالَ بِهِ صدق وَمن عمل بِهِ أجر وَمن حكم بِهِ عدل وَمن دَعَا إِلَيْهِ
стр. 86
هدى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَرَوَاهُ فِي أَمَالِيهِ بِسَنَد آخر عَن معَاذ بن جبل ﵁ وَرَوَاهُ ابْن الْأَثِير فِي الْجَامِع عَن عمر بن الْخطاب ﵁ فَهُوَ مَعَ شهرته فِي شَرط أهل الحَدِيث متلقى بِالْقبُولِ عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول وَلَكِن المبتدعة يرَوْنَ تصانيفهم أهْدى مِنْهُ لبيانهم فِيهَا على زعمهم الْمُحكم من الْمُتَشَابه فَمنهمْ من صرح بذلك وَقَالَ أَن كَلَامه أَنْفَع من كَلَام الله تَعَالَى وَكتبه أهْدى من كتب الله وهم الحسينية أَصْحَاب الْحُسَيْن بن الْقَاسِم العناني وَقد حمله الامام المطهر بن يحيى على الحنون وَقيل لم يَصح عَنهُ وَمِنْهُم من يلْزمه ذَلِك وَإِن لم يُصَرح بِهِ فَهَذَا الْأَمر الاول من الْمُتَشَابه وَهُوَ التحكم بِالنّظرِ فِي ذَات الله تَعَالَى وَمَا يُؤَدِّي اليه
الْأَمر الثَّانِي من الْمُتَشَابه الْوَاضِح تشابهه وَالْمَنْع مِنْهُ هُوَ النّظر فِي سر الْقدر السَّابِق فِي الشرور مَعَ عَظِيم رَحْمَة الله تَعَالَى وَقدرته على مَا يَشَاء وَقد ثَبت فِي كتاب الله تَعَالَى تحير الْمَلَائِكَة الْكِرَام ﵈ فِي ذَلِك وسؤالهم عَنهُ بقَوْلهمْ ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ ثمَّ سَاق خبر آدم وتعليمه الاسماء وتفضيله فِي ذَلِك عَلَيْهِم إِلَى قَوْله ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون﴾ وَفِي ذَلِك إِشَارَة وَاضِحَة إِلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانه من أَن مُرَاد الله بالخلق هم أهل الْخَيْر فالخلق كلهم كالشجرة وَأهل الْخَيْر ثَمَرَة تِلْكَ الشَّجَرَة واليه الاشارة بقوله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَفِي حَدِيث الْخَلِيل ﵇ حِين دَعَا على العصاة قَالَ الله لَهُ كف عَن عبَادي إِن مصير عَبدِي مني احدى ثَلَاث إِمَّا أَن يَتُوب فأتوب عَلَيْهِ أَو يستغفرني فَأغْفِر لَهُ أَو أخرج من صلبه من يعبدني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي كتاب الْعلم فِي الاحياء فِي أَقسَام الْعُلُوم الْبَاطِنَة وَلَا يبعد أَن يكون ذكر بعض الْحَقَائِق مضرا بِبَعْض الْخلق كَمَا يضر نور الشَّمْس
стр. 87
أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الْورْد بالجعل وَكَيف يبعد هَذَا وَقَوْلنَا أَن كل شَيْء بِقَضَاء من الله وَقدر حق فِي نَفسه وَقد أضرّ سَمَاعه بِقوم حَيْثُ أوهم ذَلِك عِنْدهم دلَالَة على السَّفه ونقيض الْحِكْمَة وَالرِّضَا بالقبيح وَالظُّلم وألحد ابْن الراوندي وَطَائِفَة من المخذولين بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سر الْقدر لَو أفشي أَو هم عِنْد أَكثر الْخلق عَجزا إِذْ تقصر أفهامهم عَن ادراك مَا يزِيل هَذَا الْوَهم عَنْهُم
وَقَالَ فِي شرح اسماء الله الْحسنى فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم والآن أَن خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى فِيهِ خيرا أَو أَن تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر من غير شَرّ أولى فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي كلا الطَّرفَيْنِ فانك مثل أم الصَّبِي الَّتِي ترى الْحجامَة شرا مَحْضا والغبي الَّذِي يرى الْقصاص شرا مَحْضا لِأَنَّهُ ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول وانه فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التواصل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي حَكِيم أَن يهمله هَذَا أَو قريب من هَذَا
وَفِي بعض كَلَامه نظر قد أوضحته فِي العواصم والسر فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى لَا يُرِيد الشَّرّ لكَونه شرا قطعا وَإِنَّمَا يُريدهُ وَسِيلَة إِلَى الْخَيْر الرَّاجِح كَمَا قَالَ ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ وكما صَحَّ فِي الْحُدُود والمصائب أَنَّهَا كَفَّارَات فَهَذَا هُوَ سر الْقدر فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا الَّذِي خَفِي تَفْصِيله ومعرفته فِي عَذَاب الْآخِرَة وشقاوة الاشقياء فَمن النَّاس من كبر ذَلِك عَلَيْهِ وَأَدَّاهُ إِلَى الحكم بِنَفْي التحسين والتقبيح فصرحوا بِنَفْي حِكْمَة الله تَعَالَى وهم غلاة الاشعرية إِلَّا بِمَعْنى إحكام المصنوعات فِي تصويرها لَا سواهُ وَمن النَّاس من أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى القَوْل بالجبر وَنفي قدرَة الْعباد واختيارهم وَمِنْهُم من جمع بَينهمَا وَمن النَّاس من جعل الْوَجْه فِي تَحْسِين ذَلِك من الله عدم قدرته سُبْحَانَهُ على هدايتهم وهم جُمْهُور الْمُعْتَزلَة لكِنهمْ يَعْتَذِرُونَ عَن تَسْمِيَته عَجزا ويسمونه غير مَقْدُور كَمَا سَيَأْتِي وَمِنْهُم من جعل الْعذر فِي ذَلِك أَن الله لَا يعلم الْغَيْب وهم غلاة الْقَدَرِيَّة نفاة الاقدار
стр. 88
وَقد تقصيت الردود الْوَاضِحَة عَلَيْهِم والبراهين الفاضحة لَهُم فِي العواصم وجمعت فِي ذَلِك مَا لم أسبق إِلَيْهِ وَلَا إِلَى قريب مِنْهُ فِي علمي فتمت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مُجَلد ضخم وَبَلغت أَحَادِيث وجوب الايمان بِالْقدرِ اثْنَيْنِ وَسبعين وَأَحَادِيث صِحَّته مائَة وَخَمْسَة وَخمسين الْجُمْلَة مِائَتَان وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا من غير الْآيَات القرآنية والأدلة البرهانية
وصنف ابْن تَيْمِية فِي بَيَان الْحِكْمَة فِي الْعَذَاب الأخروي وَتَبعهُ تِلْمِيذه ابْن الْقيم الجوزية وَبسط ذَلِك فِي كِتَابه حادي الارواح إِلَى ديار الافراح فافردت ذَلِك من جُزْء لطيف وزدت عَلَيْهِ ومضمون كَلَامهم أَنه لَا يجوز اعْتِقَاد أَن الله يُرِيد الشَّرّ لكَونه شرا بِلَا لابد من خير رَاجِح يكون ذَلِك الشَّرّ وَسِيلَة اليه وَذَلِكَ الْخَيْر هُوَ تَأْوِيل ذَلِك الشَّرّ السَّابِق لَهُ على نَحْو تَأْوِيل الْخضر لمُوسَى وطردوا ذَلِك فِي شرور الدَّاريْنِ مَعًا وَنصر ذَلِك الْغَزالِيّ فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم ولنورد فِي ذَلِك حَدِيثا وَاحِدًا مِمَّا يدل على الْمَنْع من الْخَوْض فِي تعْيين الْحِكْمَة فِي ذَلِك فَنَقُول قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الاسماء وَالصِّفَات عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن ابْن عَبَّاس لما بعث الله مُوسَى وَكلمَة قَالَ اللَّهُمَّ أَنْت رب عَظِيم وَلَو شِئْت أَن تطاع لأطعت وَلَو شِئْت أَن لَا تعصى لما عصيت وَأَنت تحب أَن تطاع وَأَنت فِي ذَلِك تعصى فَكيف هَذَا يارب فَأوحى الله اليه لَا أسأَل عَمَّا أفعل وهم يسئلون فَانْتهى مُوسَى وَرَوَاهُ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَعَزاهُ إِلَى الطَّبَرَانِيّ وَزَاد فِيهِ فَلَمَّا بعث الله عَزِيزًا سَأَلَ الله مثل مَا سَأَلَ مُوسَى ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ أتستطيع أَن تصر صرة من الشَّمْس قَالَ لَا قَالَ أفتستطيع أَن تَجِيء بِمِكْيَال من الرّيح قَالَ لَا قَالَ أفتستطيع أَن تَجِيء بمثقال أَو بقيراط من نور قَالَ لَا قَالَ فَهَكَذَا لَا تقدر على الَّذِي سَأَلت عَنهُ أما أَنِّي لَا أجعَل عُقُوبَتك إِلَّا أَنِّي أمحو اسْمك من الْأَنْبِيَاء فَلَا تذكر فيهم
стр. 89
فَلَمَّا بعث الله عِيسَى وَرَأى مَنْزِلَته سَأَلَ عَن ذَلِك كموسى وَأجِيب عَلَيْهِ بِمثل ذَلِك وَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ لَئِن لم تَنْتَهِ لَأَفْعَلَنَّ بك كَمَا فعلت بصاحبك بَين يَديك فَجمع عِيسَى من مَعَه فَقَالَ الْقدر سر الله تَعَالَى فَلَا تكلفوه
وروى الطَّبَرَانِيّ عَن وهب عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن الْقدر فَقَالَ وجدت أطول النَّاس فِيهِ حَدِيثا أجهلهم بِهِ وأضعفهم فِيهِ حَدِيثا أعلمهم بِهِ وَوجدت النَّاظر فِيهِ كالناظر فِي شُعَاع الشَّمْس كلما ازاد فِيهِ نظرا ازْدَادَ قلت وَيشْهد لهَذِهِ الْآيَات مَا جَاءَ فِي كتاب الله من قَول الْمَلَائِكَة ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ وَالْجَوَاب الْجملِي عَلَيْهِم كَمَا مر وَأما أَحَادِيث النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر فعشرة أَحَادِيث رجال بَعْضهَا ثِقَات وَبَعضهَا شَوَاهِد لبَعض كَمَا أوضحته فِي العواصم وَأَقل من هَذَا مَعَ شَهَادَة الْقُرْآن والبرهان لذَلِك يَكْفِي الْمنصف وَمَا حدث بِسَبَب الْخَوْض من الضلالات زِيَادَة عِبْرَة وحيرة
الْأَمر الثَّالِث من الْمُتَشَابه الْحُرُوف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور فان الْجَهْل بالمراد بهَا مَعْلُوم كالألم وَالصِّحَّة وَالْفرق بَينهَا وَبَين أقِيمُوا الصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك ضَرُورِيّ وَدَعوى التَّمَكُّن من معرفَة مَعَانِيهَا تَسْتَلْزِم جَوَاز أَن ينزل الله سُورَة كلهَا كَذَلِك أَو كتابا من كتبه الْكَرِيمَة ويستلزم جَوَاز أَن يتخاطب الْعُقَلَاء بِمثل ذَلِك ويلوموا من طلب مِنْهُم بَيَان مقاصدهم وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار زيد بن عَليّ ﵇ وَالقَاسِم وَالْهَادِي ﵉ وَهُوَ نَص فِي تفسيرهما الْمَجْمُوع وَكَذَلِكَ الامام يحيى ﵇ ذكره فِي الْحَاوِي وَقَوْلهمْ أَنا مخاطبون بهَا فَيجب أَن نفهمها مقلوب وَصَوَابه أَنا لَا نفهمها فَيجب أَن لَا نَكُون مخاطبين بفهمها وَقد ذكرت فِي الْحجَّة على أَنَّهَا غير مَعْلُومَة أَكثر من عشْرين حجَّة فِي تَكْمِلَة تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن
الامر الرَّابِع من الْمُتَشَابه الْمُجْمل الَّذِي لَا يظْهر مَعْنَاهُ بِعلم وَلَا ظن سَوَاء كَانَ بِسَبَب الِاشْتِرَاك فِي مَعْنَاهُ أَو لغرابته أَن عدم صِحَة تَفْسِيره فِي اللُّغَة وَالشَّرْع أَو غير ذَلِك وَقد وَقع الْوَهم فِي الْمُجْمل لنوح عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 90
فَلَمَّا بعث الله عِيسَى وَرَأى مَنْزِلَته سَأَلَ عَن ذَلِك كموسى وَأجِيب عَلَيْهِ بِمثل ذَلِك وَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ لَئِن لم تَنْتَهِ لَأَفْعَلَنَّ بك كَمَا فعلت بصاحبك بَين يَديك فَجمع عِيسَى من مَعَه فَقَالَ الْقدر سر الله تَعَالَى فَلَا تكلفوه
وروى الطَّبَرَانِيّ عَن وهب عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن الْقدر فَقَالَ وجدت أطول النَّاس فِيهِ حَدِيثا أجهلهم بِهِ وأضعفهم فِيهِ حَدِيثا أعلمهم بِهِ وجدت النَّاظر فِيهِ كالناظر فِي شُعَاع الشَّمْس كلما ازاد فِيهِ نظرا ازْدَادَ اقلت وَيشْهد لهَذِهِ الْآيَات مَا جَاءَ فِي كتاب الله من قَول الْمَلَائِكَة ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ وَالْجَوَاب الْجملِي عَلَيْهِم كَمَا مر وَأما أَحَادِيث النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر فعشرة أَحَادِيث رجال بَعْضهَا ثِقَات وَبَعضهَا شَوَاهِد لبَعض كَمَا أوضحته فِي العواصم وَأَقل من هَذَا مَعَ شَهَادَة الْقُرْآن والبرهان لذَلِك يَكْفِي الْمنصف وَمَا حدث بِسَبَب الْخَوْض من الضلالات زِيَادَة عِبْرَة وحيرة
الامر الثَّالِث من الْمُتَشَابه الْحُرُوف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور فان الْجَهْل بالمراد بهَا مَعْلُوم كالألم وَالصِّحَّة وَالْفرق بَينهَا وَبَين أقِيمُوا الصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك ضَرُورِيّ وَدَعوى التَّمَكُّن من معرفَة مَعَانِيهَا تَسْتَلْزِم جَوَاز أَن ينزل الله سُورَة كلهَا كَذَلِك أَو كتابا من كتبه الْكَرِيمَة ويستلزم جَوَاز أَن يتخاطب الْعُقَلَاء بِمثل ذَلِك ويلوموا من طلب مِنْهُم بَيَان مقاصدهم وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار زيد بن عَليّ ﵇ وَالقَاسِم وَالْهَادِي ﵉ وَهُوَ نَص فِي تفسيرهما الْمَجْمُوع وَكَذَلِكَ الامام يحيى ﵇ ذكره فِي الْحَاوِي وَقَوْلهمْ انا مخاطبون بهَا فَيجب أَن نفهمها مقلوب وَصَوَابه انا لَا نفهمها فَيجب أَن لَا نَكُون مخاطبين بفهمها وَقد ذكرت فِي الْحجَّة على أَنَّهَا غير مَعْلُومَة أَكثر من عشْرين حجَّة فِي تَكْمِلَة تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن
الْأَمر الرَّابِع من الْمُتَشَابه الْمُجْمل الَّذِي لَا يظْهر مَعْنَاهُ بِعلم وَلَا ظن سَوَاء كَانَ بِسَبَب الِاشْتِرَاك فِي مَعْنَاهُ أَو لغرابته أَو عدم صِحَة تَفْسِيره فِي اللُّغَة وَالشَّرْع أَو غير ذَلِك وَقد وَقع الْوَهم فِي الْمُجْمل لنوح عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 91
كَيفَ لغيره وَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق﴾ ﴿قَالَ يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾
وَأما الْمُحكم فَهُوَ مَا عدا الْمُتَشَابه وغالبه النَّص الْجَلِيّ وَالظَّاهِر الَّذِي لم يُعَارض وَالْمَفْهُوم الصَّحِيح الَّذِي لم يُعَارض وَالْخَاص والمقيد وَإِن عارضهما الْعَالم وَالْمُطلق وَيلْحق بِهَذَا فَوَائِد الاولى الصَّحِيح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ الْوَقْف على الله بِدَلِيل ذمّ مبتغى تَأْوِيل الْمُتَشَابه فِي الْآيَة وَهُوَ اخْتِيَار الامام يحيى فِي الْحَاوِي وَاحْتج بِأَن أما للتفصيل على بَابهَا وَالتَّقْدِير وَأما الراسخون بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ كَمَا تَقول أما زيد فعالم وَعَمْرو جَاهِل أَي وَأما عَمْرو فجاهل يُوضحهُ أَن الْمُخَالف مُسلم ان هَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْهَا لكنه يَقُول أَنه يجب تَأْوِيلهَا على أَن المُرَاد ذمهم بابتغاء تَأْوِيله الْبَاطِل فيقيد اطلاق الْآيَة بِغَيْر حجَّة ويجعلها من الْمُتَشَابه مَعَ أَنَّهَا الفارقة بَين الْمُحكم والمتشابه وَهَذَا خلف
وَقد روى الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ وَيَقُول الراسخون وَقَالَ صَحِيح وَرَوَاهُ الزمحشري فِي كشافه قِرَاءَة عَن أبي وَغَيره وَرَوَاهُ الامام أَبُو طَالب فِي أَمَالِيهِ عَن عَليّ عَليّ السَّلَام وَلم يتأوله وَلم يطعن فِيهِ وَهُوَ فِي النهج أَيْضا وَهُوَ نَص لَا يُمكن تَأْوِيله فان لَفظه ﵇ أعلم أَيهَا السَّائِل أَن الراسخين فِي الْعلم هم الَّذين أغناهم عَن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة مَا جهلوا تَفْسِيره من الْغَيْب المحجوب فمدح الله اعترافهم بِالْعَجزِ عَن تنَاول مَا لم يحيطوا بِهِ علما وسمى تَركهم التعمق فِيمَا لم يكلفهم الْبَحْث عَنهُ رسوخا فاقتصر على ذَلِك اه بِحُرُوفِهِ وَأَيْضًا فَلَا يجب علم جَمِيع الْمُكَلّفين بذلك عِنْد الْخُصُوم إِذْ فِي المتكلفين الامي والعجمي وَنَحْوهم وَإِذا كَانَ علم الْبَعْض يَكْفِي وَيخرج الْخطاب بذلك عَن الْعَبَث جَازَ أَن يكون ذَلِك الْبَعْض هُوَ رَسُول الله ﷺ وَمن شَاءَ الله من مَلَائكَته وخواص عباده وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
стр. 92
الْفَائِدَة الثَّانِيَة إِذا تعَارض الْعَام وَالْخَاص فالمحكم هُوَ الْخَاص وَالْبناء عَلَيْهِ وَاجِب وَفِيه الْجمع بَينهمَا وَفِي الْعَكْس طرح الْخَاص مَعَ رجحانه بالنصوصية وَهِي قَاعِدَة كَبِيرَة فاحفظها وَلَا خلاف فِيهَا فِي الِاعْتِقَاد لعدم الْفَائِدَة فِي التَّارِيخ فِيهِ وَلذَلِك أَجمعُوا على اثبات الْخلَّة لِلْمُتقين وَتَأْويل نفي الْخلَّة الْمُطلق فَتَأمل ذَلِك
الْفَائِدَة الثَّالِثَة إِذا كَانَ التحسين الْعقلِيّ مَعَ بعض السّمع فَهُوَ الْمُحكم والمتشابه مخالفه لما وضح من تَأْوِيل الْخضر بموافقة الْعقل وَفِي مُخَالفَة هَذِه الْقَاعِدَة عناد بَين وضلال كَبِير فاعرفها وَاعْتبر موَاضعهَا ترشد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 93
فصل
إِذا عرفت مَا قدمت لَك بِمَا عَرفته فِي هَذَا الْمُخْتَصر أَو بِهِ رُبمَا أرشدك إِلَى مطالعته مِمَّا هُوَ أبسط مِنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنى مثل تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن وتكملته فَاعْلَم أَن مُعظم ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام رَاجع إِلَى هذَيْن الامرين الباطلين الْوَاضِح بطلانهما كَمَا تقدم وهما لزِيَادَة فِي الدّين وَالنَّقْص مِنْهُ ثمَّ يلْحق بهما التَّصَرُّف فِيهِ بالعبارات المبتدعة بعد رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ بِأَمْر ثَالِث لِأَنَّهُ من الزِّيَادَة فِي الدّين لكنه تفرد بالْكلَام وَحده لطول القَوْل فِيهِ وَعظم الْمفْسدَة المتولدة عَنهُ
فَمن الزِّيَادَة فِي الدّين أَن يرفع المظنون فِي العقليات أَو الشرعيات إِلَى مرتبَة الْمَعْلُوم وَهَذَا حرَام بالاجماع وَإِنَّمَا يخْتَلف النَّاس فِي التفطن لأسبابه وَسَيَأْتِي ذكر أَسبَابه فِي آخر الْكَلَام فِي الزِّيَادَة فِي الدّين مقسوما موضحا فِي صور أَربع يَأْتِي بَيَانهَا بعون الله تَعَالَى
وَمن الزِّيَادَة فِي الدّين أَن يدْخل فِيهِ مَا لم يكن على عهد رَسُول الله ﷺ وعهد أَصْحَابه ﵃ مثل القَوْل بِأَنَّهُ لَا مَوْجُود إِلَّا الله كَمَا هُوَ قَول الاتحادية وَأَنه لَا فَاعل وَلَا قَادر إِلَّا الله كَمَا هُوَ قَول الجبرية وأمثال ذَلِك من الغلو فِي الدّين وَإِنَّمَا وَردت الشَّرَائِع بتوحيد الله فِي الربوبية وَذَلِكَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله لَهُ الاسماء الْحسنى وتوابع ذَلِك المنصوصة وَالْمجْمَع عَلَيْهَا كتوحيده بِالْعبَادَة وَمن ذَلِك القَوْل بِأَن الله تَعَالَى صفة لم ترد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا هِيَ من أَسْمَائِهِ الْحسنى وَلَا من مفهوماتها ولوازمها وان معرفَة هَذِه الصّفة وَاجِبَة واختراع اسْم لَهَا وَهِي الصّفة الاخص عِنْد بعض الْمُعْتَزلَة ويسمونها صفة الْمُخَالفَة أَيْضا وانها المؤثرة فِي سَائِر صِفَات الْكَمَال الذاتية الاربع وَهِي كَونه حَيا قَدِيما عَالما قَادِرًا
стр. 94
وَبهَا تخَالف ذَات الله سَائِر الذوات وَقد كفى فِي رد ذَلِك أَبُو الْحُسَيْن وَأَصْحَابه كَمَا ذكره مُخْتَار فِي الْبَاب السَّادِس من خَاتِمَة أَبْوَاب الْعدْل من كِتَابه الْمُجْتَبى
وَمن ذَلِك اثبات أهل الِاتِّحَاد لمثل ذَلِك أَو نَحوه فانهم يفرقون بَين الله تَعَالَى وَبَين اسْمه الاحد فيجعلون الْأَحَد مؤثرا فِي الله الْوَاحِد وَفِي سَائِر أَسْمَائِهِ ويجعلون الْأَحَد سَابِقًا فِي رُتْبَة الْوُجُود على الله ويجعلون الله فِي الرُّتْبَة الثَّانِيَة والاحد فِي الأولى ويسمون الثَّانِيَة هم والفلاسفة باسماء مبتدعة مِنْهَا الحضرة العمائية والواحدية والأحدية وَمِنْهَا حَضْرَة الارتسام وَمِنْهَا مرتبَة الربوبية والألوهية وَمِنْهَا الْحَقِيقَة الانسانية الكمالية وَمِنْهَا مرتبَة الامكان كَمَا حَقَّقَهُ الفرغاني فِي شرح نظم السلوك وَكَثِيرًا مَا يكررون الْفرق بَين الحضرة الأحدية والحضرة الواحدية ويعنون بالأحدية الْوُجُود الْمُطلق وَهُوَ عِنْدهم الْحق الَّذِي لَا نعت لَهُ وَلَا وصف كَقَوْل الْمَلَاحِدَة سَوَاء فِي نفي أَسْمَائِهِ تَعَالَى لكِنهمْ يثبتون الاسماء الْحسنى للْوَاحِد لَا للأحد وَهَذَا يلْزمهُم قَول الثنوية لكِنهمْ يَعْتَذِرُونَ عَنهُ بِأَن الله وأسماءه الْحسنى كلهَا خيالية لَا حَقِيقَة لَهَا وَلَا لشَيْء بعْدهَا وَلَا وجود لَهَا فَكل مَا عدا الْوُجُود الْمُطلق عِنْدهم خيال كطيف الخيال فِي الأحلام من الْأَنْبِيَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وَمن صَحَّ هَذَا مِنْهُ فَهُوَ كفر بَين وَجَهل فَاحش فانه لَا ثُبُوت للوجود الْمُطلق فِي الْخَارِج أَلْبَتَّة وَإِنَّمَا الْمَعْلُوم وجوده عقلا وَشرعا هُوَ مَا نفوا وجوده من الله الْوَاحِد الرب الَّذِي لَهُ الاسماء الْحسنى والمثل الْأَعْلَى وَمَا نفوه من حَقِيقَة وجود جَمِيع كتبه وَرُسُله وخلقه ومعاده فَالله الْمُسْتَعَان
وَمن ذَلِك مَا انْفَرَدت بِهِ الأشعرية من دوَام وصف الله تَعَالَى بالْكلَام وَوُجُود ذَلِك فِي الْقدَم والأبد وَجعله مثل صفة الْعلم لَا يجوز خلوه عَنهُ طرفَة عين وَقد أوضح الْجُوَيْنِيّ الْقدح فِي ذَلِك فِي مُقَدّمَة كِتَابه الْبُرْهَان فِي أصُول الْفِقْه كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه فالشرع لم يرد إِلَّا بِأَن الله تَعَالَى مُتَكَلم وَأَنه كلم مُوسَى تكليما وَنَحْو ذَلِك وَمَا زَاد على هَذَا فبدعة فِي الدّين قد أدَّت إِلَى التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ وَإِلَى الزامات قبيحة كَمَا سَيَأْتِي
وَمن ذَلِك مَا اتّفقت عَلَيْهِ الاتحادية وَبَعض الْمُعْتَزلَة بل جمهورهم وَهُوَ
стр. 95
اثبات الذوات فِي الْقدَم وَالْأَزَلُ بل اثبات الْعَالم كُله فيهمَا وَدَعوى الْفرق بَين ثُبُوته فِي الْعَدَم ووجوده فِيهِ فانهم يَقُولُونَ هُوَ ثَابت غير مَوْجُود وَقد جود الرَّد عَلَيْهِم فِي ذَلِك صَاحبهمْ الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن وَأَصْحَابه مثل مَحْمُود ان الملاحمي فِي كِتَابه الْفَائِق وَالشَّيْخ مُخْتَار فِي كِتَابه الْمُجْتَبى وكشفوا الغطاء عَن بطلَان ذَلِك وَكفوا الْمُؤْنَة وَمن نظر فِي كَلَامهم فِي ذَلِك مَا يلْزم مِنْهُ من الالزامات الصعبة الْفَاحِشَة تَيَقّن مضرَّة الزِّيَادَة فِي الدّين على مَا جَاءَ بِهِ سيد الْمُرْسلين
وَمِثَال النَّقْص من الدّين قَول من يَقُول ان الله تَعَالَى لَيْسَ برحمن وَلَا رَحِيم وَلَا حَلِيم بِاللَّامِ على الْحَقِيقَة بل على الْمجَاز وَقَول من يَقُول أَنه سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِحَكِيم على الْحَقِيقَة بل بِمَعْنى مُحكم لمصنوعاته لَا أَن لَهُ فِي ذَلِك الاحكام حِكْمَة أصلا وَالْمَقْصُود معرفَة طَرِيق النجَاة بِأَمْر وَاضح وَلَا يخفى على من لَهُ أدنى عقل وتمييز من الْمُسلمين أَن نجاة أهل الاسلام فِي اتِّبَاع الرَّسُول ﷺ وَلُزُوم مَا جَاءَ بِهِ من غير تصرف فِيهِ بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَا ابتداع عبارَة لم تكن وَسَوَاء كَانَت تِلْكَ الزِّيَادَة أَو النَّقْص حَقًا أَو بَاطِلا فان زِيَادَة الْحق المبتدع فِي الدّين قد يجر إِلَى الفضول وَالْبَاطِل ويوقع فِي التَّفَرُّق الْمحرم فِي كتاب الله تَعَالَى بل قد صَار ادخاله فِي الدّين والمراء فِيهِ بِدعَة من الْبدع الْمُحرمَة فالحزم فِي ترك هَذِه الْأُمُور كلهَا وَترك التعادي عَلَيْهَا وَفِي الْوَقْف فِي حكم من زَاد أَو نقص وَتَأْخِير الْفَصْل مَعَه إِلَى يَوْم الْفَصْل لِأَن غير ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى التَّفَرُّق الْمحرم بِنَصّ كتاب الله تَعَالَى إِلَّا من رد الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الدّين وَهُوَ يُعلمهُ وَنحن نعلم أَنه يُعلمهُ فانه كَافِر حَتَّى كَانَ الْمُكَلّفين وَلَا يجوز الْوَقْف فِي أمره مَعَ تَوَاتر ذَلِك عَنهُ وتحققه مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه وَقد نزل قَوْله تَعَالَى ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق﴾
فِي رغبتهم إِلَى غير الْقُرْآن من مَحْض الْخَيْر كَيفَ بالرغبة فِيمَا لَا يُؤمن شَره كَيفَ مَا تحقق شَره وَفِي نَحْو ذَلِك حَدِيث معَاذ الَّذِي خرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة
стр. 96
وَذكر الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى فِي الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من خَاتِمَة أَبْوَاب الْعدْل مَا لَفظه اعْلَم أَن شُيُوخ الْمُعْتَزلَة إِلَى زمن الشَّيْخ أبي هَاشم لم ينصوا على اثبات الصِّفَات وَلَا على نَفيهَا إِلَى أَن صرح باثباتها أَبُو هَاشم وَصرح بنفيها أَبُو عَليّ وَأَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي والاخشيد وَأَبُو الْحُسَيْن قلت وَقد علم تَعْظِيم خَلفهم لسلفهم وَعلم أَن الِاقْتِدَاء بسلفهم خير من الِاقْتِدَاء بخلفهم بِالنَّصِّ فِي خير الْقُرُون ان ادعوا مِنْهُم أحدا وباقرارهم هَذَا لَو اجْتمع خَلفهم على أَمر وَأما مَعَ اخْتِلَاف خَلفهم واجتماع سلفهم على ترك الْخَوْض فِيمَا خَاضَ فِيهِ خَلفهم فَأدى خوضهم فِيهِ إِلَى الِاخْتِلَاف والتأثيم فَلَا يشك منصف أَن الِاقْتِدَاء بسلفهم أرجح فان نفاة الصِّفَات ألزموا المثبتين تركيب الذَّات وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ بل ألزموهم ذَلِك فِي مُجَرّد قَوْلهم أَن الْوُجُود غير الْمَوْجُود وَمن أثبت الصِّفَات ألزم النفاة تَعْطِيل الاسماء الْحسنى وَمُخَالفَة الاجماع فَلَزِمَ التَّمَسُّك بِمَا اعْتَرَفُوا بِأَن السّلف كَانُوا مُجْتَمعين عَلَيْهِ سلفهم وَسلف سَائِر الْفرق الاسلامية وَترك مَا اخْتلفُوا فِيهِ ويسعنا مَا وسع السّلف الصَّالح للاجماع على صَلَاحهمْ
فاذا عرفت هَذَا فِي الْجُمْلَة فلنعد إِلَى ذكر الدَّلِيل الثَّانِي على بطلَان هذَيْن الامرين المضلين للاكثرين وهما الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الدّين ثمَّ نتبع ذَلِك زِيَادَة بَيَان فِي الْمَنْع من التَّصَرُّف فِي الْكتاب وَالسّنة بِدَعْوَى التَّعْبِير عَنْهُمَا وَترك عباراتهما فَنَقُول
أما الْأَمر الأول وَهُوَ الزِّيَادَة فِي الدّين فسببه تَجْوِيز خلو كتب الله تَعَالَى وَسنَن رسله الْكِرَام عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن بَيَان بعض مهمات الدّين اكْتِفَاء بدرك الْعُقُول لَهَا وَلَو بِالنّظرِ الدَّقِيق ليَكُون ثُبُوتهَا بعد رَسُول الله ﷺ بطرِيق النّظر الْعقلِيّ هَذَا مَذْهَب أهل الْكَلَام وَمذهب أهل الْأَثر أَنه مَمْنُوع وَالدَّلِيل على مَنعه وُجُوه
الْوَجْه الأول قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ فاذا قُلْنَا بِوُجُوب مَا أوجبه
стр. 97
أهل الْكَلَام لزم أَنه بَقِي أهل الدّين وأوجبه من تَقْرِير الْقَوَاعِد الَّتِي يجب بهَا تَأْوِيل السّمع وَبَيَان التَّأْوِيل على التَّفْصِيل فِي آيَات الصِّفَات وَكثير من الاسماء الْحسنى كالرحمن الرَّحِيم الْحَكِيم وَمَا يُؤَدِّي إِلَى التَّفَرُّق الْمَنْصُوص على تَحْرِيمه لِأَنَّهُ خوض فِي دقائق يَسْتَحِيل اتِّفَاق الأذكياء عَلَيْهَا بالعادات المستمرة فانها استمرت العوائد على اخْتِلَاف الْعُقَلَاء مَتى خَاضُوا فِي نَحْو ذَلِك حَتَّى الطَّائِفَة الْوَاحِدَة وَلذَلِك كَانَت الْمُعْتَزلَة عشر فَوق وَأهل السّنة كَذَلِك أَو قَرِيبا مِنْهُ وَكَذَلِكَ سَائِر الْفرق حَتَّى قيل إِن الِاتِّفَاق فِي الضروريات فاذا كَانَ الِاتِّفَاق فِي الخفيات مُمْتَنعا كالافتراق فِي الضروريات وَقد ثَبت تَحْرِيم الِافْتِرَاق لزم من ذَلِك تَحْرِيم الْخَوْض فِي الخفيات مَا لم يدل على وُجُوبه دَلِيل صَحِيح
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَا نزاع أَنه لَا يجوز اثبات الْعُقُول لزِيَادَة فِي الشَّرِيعَة لَا يدكها الْعقل وَإِنَّمَا النزاع فِيمَا تُدْرِكهُ الْعُقُول مثل نفي الْوَلَد عَن الله تَعَالَى وَنفي الثَّانِي لَكِن السّمع دلّ على أَنه لَا يجوز خلو كتب الله تَعَالَى عَن بَيَان مثل ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى فِي نفي الْوَلَد عَنهُ ﷻ ﴿قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي نفي الثَّانِي ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا أَو أثارة من علم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فهاتان الْآيَتَانِ تدلان على أَنه لَا يجوز خلو كتب الله تَعَالَى وَسنَن أنبيائه عَن أَمر كَبِير من مهمات الدّين الْعَقْلِيَّة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ فَثَبت أَن مَا خلت عَنهُ كتب الله تَعَالَى فَلَيْسَ من مهمات الدّين وَإِن زِيَادَته فِي الدّين مُحرمَة أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ حذر أمته من فتْنَة الرِّجَال وعظمها وَأخْبر عَن الْأَنْبِيَاء كلهم أَنهم حذروا أممهم مِنْهَا مَعَ أَن
стр. 98
بطلَان دَعْوَاهُ مَعْلُوم بِالْعقلِ لِأَنَّهُ يَدعِي الربوبية وَهُوَ بشر يحْتَاج إِلَى الْأكل وَالشرب وينام ويعجز ويجهل ويمرض ويبول ويتغوط وينكح دع عَنْك كَونه جسما مركبا من لحم وَدم وَعِظَام وَعصب فَلم يكلنا رَبنَا إِلَى معرفَة عقولنا بحدوث مَا كَانَ على هَذِه الصِّفَات واستحالة ربوبية الْحَادِث بل زَاد فِي الْبَيَان على لِسَان رَسُوله حَتَّى أبان لنا أَنه أَعور وَأَنه مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ كَافِر يقرأه من يكْتب وَمن لَا يكْتب فَلَو كَانَ يجوز عَلَيْهِ الاهمال لَكَانَ ذَلِك أَحَق مَا يهمل لقَوْله فِي الاحاديث الصَّحِيحَة مَا خَفِي عَلَيْكُم من شَيْء فَلَا يخفى عَلَيْكُم إِن ربكُم لَيْسَ بأعور لِأَنَّهُ قد تقرر أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء عقلا وسمعا فَيجب أَن لَا يكون بشرا كَامِلا فَكيف يكون بشرا نَاقِصا معيبا فَدلَّ الحَدِيث على تَأْكِيد مَا دلّ الْقُرْآن عَلَيْهِ فِي الْآيَتَيْنِ المتقدمتين
الْوَجْه الثَّالِث قَوْله ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَلَا معنى للارسال إِلَّا الْبَيَان وَإِلَّا لصَحَّ أَن يُرْسل الله تَعَالَى رَسُولا أبكم غير نَاطِق وَقد ورد الْقُرْآن بتقبيح ارسال الاعجمي إِلَى الْعَرَبِيّ لذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أأعجمي وعربي﴾ بل نَص الله تَعَالَى على أَنه أرسل كل رَسُول بِلِسَان قومه ليتم لَهُم الْبَيَان
وَقد أَجمعت الامة على أَنه لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة فَكل مَا لم يبين من العقائد فِي عصر النُّبُوَّة فَلَا حَاجَة إِلَى اعْتِقَاده وَلَا الْخَوْض فِيهِ والجدال وَالْمرَاد سَوَاء كَانَ إِلَى مَعْرفَته سَبِيل أَو لَا وَسَوَاء كَانَ حَقًا أَو لَا وخصوصا مَتى أدّى الْخَوْض فِيهِ إِلَى التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ فَيكون فِي إِيجَابه إِيجَاب مَا لم ينص على وُجُوبه وان أدّى إِلَى الْمَنْصُوص على تَحْرِيمه وَهَذَا عين الْفساد
قَالَت الْخُصُوم الْعقل يَكْفِي بَيَانا فِي العقليات فَلَا يجب الْبَيَان فِيهَا من الشَّرْع
стр. 99
قلت إِن أردتم الجليات الَّتِي لَا يَقع فِي مثلهَا التَّنَازُع أَو لَا يحْتَاج فِي الدّين إِلَى مَعْرفَتهَا أَو لَا يحْتَاج البليد فِيهَا إِلَى تفهيم الذكي أَو الظنية الَّتِي لَا إِثْم فِيهَا على الْمُخطئ فَمُسلم وَلَا يضر تَسْلِيمه وَمن الْقسم الأول من هَذَا علم الْحساب وَإِن دق بعضه فان طرقه مَعْلُومَة الصِّحَّة عِنْد الْجَمِيع وَلذَلِك لم تمنع دقته من الْوِفَاق فِيهِ وَكَذَلِكَ كثير من علم الغربية والمعاني وَالْبَيَان والبلاغة وَإِن أردتم الْقسم الآخر وَهُوَ مَا يحْتَاج اليه فِي الدّين وَيكون مَفْرُوضًا على جَمِيع الْمُسلمين من الْخَاصَّة والعامة أَجْمَعِينَ وَيَقَع فِي مثله الخفاء والنزاع وَالِاخْتِلَاف الْكثير وَيَأْثَم الْمُخطئ فِيهِ وَلَا يسامح فَغير مُسلم لكم أَن مثل هَذَا يُوكل إِلَى عقول الْعُقَلَاء وتترك الرُّسُل بَيَانه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فَلم يكتف سُبْحَانَهُ بِحجَّة الْعقل حَتَّى ضم اليها حجَّة الرسَالَة مَعَ أَن مَعْرفَته سُبْحَانَهُ وَنفي الشُّرَكَاء عَنهُ من أوضح المعارف الْعَقْلِيَّة وَلذَلِك قَالَت الرُّسُل فِيمَا حكى الله عَنْهُم ﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
وَقد مر بَيَان ذَلِك فِي مُقَدمَات هَذَا الْمُخْتَصر وَفِي هَذِه الْآيَة وَمَا فِي مَعْنَاهَا من السّمع حجَّة على أَن مَا لم يُبينهُ الله تَعَالَى سمعا لم يعذب الْمُخطئ فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَكِن يخْشَى على من خَاضَ فيا لم يُبينهُ الله أَن يعذب على الابتداع وَقد بَين الله تَحْرِيمه وَبَيَان تَحْرِيم ذَلِك فِي قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فنسأل الله السَّلامَة
الْوَجْه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى فِي وصف الْقُرْآن ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَلَا شكّ أَنه يدْخل
стр. 100
فِي ذَلِك بَيَان مهمات الدّين الاعتقادية وَإِن كَانَت عقلية وَيدخل فِيهِ مَا بنه النَّبِي ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَلقَوْله تَعَالَى فِي خطاب النَّبِي ﷺ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فَهَذَا بَيَان جملي وَمِنْه قَوْله ﷺ (إِنِّي أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه الحَدِيث)
وَمِمَّا يصلح الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي هَذَا الْمقَام قَوْله تَعَالَى ﴿وَترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إِلَى كتابها﴾ فلولا أَن كتابها هُوَ مَوضِع الْحجَّة عَلَيْهَا فِي أُمُور الدّين ومهماته مَا اخْتصَّ بِالدُّعَاءِ اليه وَنَحْوهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ فَجعل الْكتاب فِي بَيَان الدّين وَحفظه وتمييز الْحق من الْبَاطِل كالميزان فِي بَيَان الْحُقُوق الدُّنْيَوِيَّة وحفظها بل جعل الْحق مُخْتَصًّا بِهِ بِالنَّصِّ وَالْمِيزَان مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بِالْمَفْهُومِ أَي وَالْمِيزَان بِالْحَقِّ وَقَالَ بعد الامر بوفاء الْكَيْل وَالْوَزْن ﴿لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا﴾ لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى الْمُعَامَلَة بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن وَإِن وَقع التظالم الْخَفي فِي مقادير مَثَاقِيل الذَّر أَو أقل مِنْهُ وَلم يقل ذَلِك بعد الْأَمر بِلُزُوم كِتَابه وَاتِّبَاع رسله لِأَنَّهُ لَا حَاجَة وَلَا ضَرُورَة إِلَى الْبِدْعَة فِي الِاعْتِقَاد
وَأما الْفُرُوع العملية فَلَمَّا وَقعت الضَّرُورَة إِلَى الْخَوْض فِيهَا بالظنون لم يكن فِيهَا حرج بِالنَّصِّ والاجماع فَتَأمل ذَلِك فانه مُفِيد
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَاتفقَ أهل الاسلام على أَن المُرَاد بِالرَّدِّ إِلَى الله وَرَسُوله الرَّد إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله وَلَو لم يَكُونَا وافيين بِبَيَان مهمات الدّين مَا أَمرهم الله بِالرُّجُوعِ اليهما عِنْد الِاخْتِلَاف
الْوَجْه الْخَامِس فِي الدَّلِيل على مَنعه أَيْضا الاجماع على تحري الْبِدْعَة فِي الدّين وَمَا زَالَ الصَّحَابَة والتابعون لَهُم باحسان يحذرون من ذَلِك حَتَّى
стр. 101
ثمت النِّعْمَة وَقَامَت الْحجَّة بموافقة الْمُتَكَلِّمين والغلاة على ذَلِك فِي الْجُمْلَة حَتَّى رمى بعض الْمُتَكَلِّمين بَعْضًا بذلك عِنْد الضجر من الْخَوْض فِي تِلْكَ المباحث والشناعات فَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الْأمة خَاتِمَة أهل الاصول العجالي المعتزلي فِي آخر الرَّد على أَصْحَابه الْمُعْتَزلَة حَيْثُ حكمُوا بِثُبُوت الْعَالم قبل خلقه فِي الْعَدَم الْمَحْض والازل الَّذِي لَا أول لَهُ مَا لَفظه
إِن كل من سمع ذَلِك من الْعُقَلَاء قبل أَن يتلوث خاطره بالاعتقادات التقليدية فانه يقطع بِبُطْلَان هَذِه الْمذَاهب ويتعجب أَن يكون فِي الْوُجُود عَاقل تسمح نَفسه بِمثل هَذِه الاعتقادات ويلزمهم أَن يجوزوا فِيمَا نشاهده من هَذِه الْأَجْسَام والاعراض أَن تكون كلهَا مَعْدُومَة لِأَن الْوُجُود غير مدرك عِنْدهم وَإِلَّا لزم أَن يرى الله تَعَالَى لوُجُوده بل إِنَّمَا تنَاوله الادراك للصفة المقتضاة عِنْدهم وَهِي صفة التحيز وهيئة السوَاد وَالْبَيَاض فيهمَا غَايَة الامر أَن الجوهرية عِنْد بَعضهم تَقْتَضِي التحيز بِشَرْط الْوُجُود لَكِن التَّرْتِيب فِي أَن الْوُجُود لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي الْعلم كَمَا فِي صفة الْحَيَاة وَالْعلم فيلزمهم أَن يشكوا بعد هَذِه الْمُشَاهدَة فِي وجودهما وكل مَذْهَب يُؤَدِّي إِلَى هَذِه التمحلات والخصم مَعَ هَذَا يزْدَاد سفاهة ولجاجا فَالْوَاجِب على الْعَاقِل الفطن الاعراض عَنهُ والتمسك بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ وَمن ذمّ من السّلف الْكَلَام والمتكلمين إِنَّمَا عنوا أَمْثَال هَؤُلَاءِ ظَاهرا وَالله الْمُوفق اه بِحُرُوفِهِ ذكره عَلامَة الْمُعْتَزلَة الشَّيْخ مُخْتَار بن مَحْمُود فِي كِتَابه الْمُجْتَبى عاضدا لَهُ ومنتصرا بِهِ فَهَذَا كَلَام الْمُتَكَلِّمين بَعضهم فِي بعض بل كَلَام الطَّائِفَة الْوَاحِدَة مِنْهُم بَعضهم فِي بعض وَفِيه الِاعْتِرَاف بذم الْبِدْعَة وَأَهْلهَا وصدور ذللك من السّلف الصَّالح فسبحان من أنطقهم بِالْحجَّةِ عَلَيْهِم كَمَا أنطق جُلُود الجاحدين يَوْم الْقِيَامَة بِمثل ذَلِك
وَلَا شكّ أَن إِيجَاب أَمر كَبِير يجب من أَجله التعسف فِي تَأْوِيل مَا لَا يُحْصى من آيَات كتاب الله وتقبيح ظواهره بل تقبيح ممادحه مثل الحكم بِأَن الرَّحْمَن اسْم ذمّ الله تَعَالَى فِي الظاهرالسابق إِلَى الافهام إِن لم يتَأَوَّل وان نَفْيه عَن الله مدح لَائِق بِجلَال الله من غير قرينَة وَالْقَوْل بتكفير من لم يعرف
стр. 102
هَذَا وَاسْتِحْلَال سفك دَمه وَوُجُوب دوَام عَذَابه فِي الْآخِرَة من غير أَن يجْرِي لذَلِك ذكر فِي زمن النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة هُوَ من أعظم الْبدع وأفحشها وأنكرها
الْوَجْه السَّادِس الاحاديث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن الْبِدْعَة وَلَا حَاجَة إِلَى سردها بِجَمِيعِ ألفاظها وأسانيدها مَعَ الاجماع على صِحَة هَذَا الْمَعْنى كَمَا مر فِي الْوَجْه الَّذِي قبله
الْوَجْه السَّابِع مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من قَول رَسُول الله ﷺ (اتركوني مَا تركتكم فانما أهلك من كَانَ قبلكُمْ كَثْرَة مسائلهم وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ) وَمَا فِي معنى ذَلِك مثل حَدِيث إِن الله حد حدودا فَلَا تعتدوها وَفرض فَرَائض فَلَا تضيعوها وَسكت عَن أَشْيَاء رَحْمَة لكم من غير بَيَان فَلَا تتعرضوا لَهَا وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَحَادِيث جمة مجموعها يُفِيد الْعلم بِأَن الشَّرْع ورد بحصر الْوَاجِبَات والمحرمات وَأَن السُّؤَال عَمَّا لم يرد بِهِ حرَام حَتَّى ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص أَن من أعظم الْمُسلمين إِثْمًا فِي الْمُسلمين من سَأَلَ عَن شَيْء فَحرم من أجل مَسْأَلته وَلَقَد علمهمْ رَسُول الله ﷺ حَتَّى كَيْفيَّة قَضَاء الْحَاجة وَفِي ذَلِك يَقُول السَّيِّد الامام يحيى بن مَنْصُور الهاروي المفضلي ﵇
(مَا باله حَتَّى السِّوَاك أبانه ... وقواعد الاسلام لم تتقرر) فِي أَبْيَات لَهُ طَوِيلَة فِي تَقْرِير هَذَا الْمَعْنى وَقد كتبتها فِي تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن هِيَ وأمثالها فان قيل هَذَا فِي غير العقائد
قُلْنَا العقائد أولى بذلك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَتَجَدَّد فِيهَا للخلف مَا لم يكن وَاجِبا على السّلف بِخِلَاف الْفُرُوع فقد تجدّد الْحَوَادِث وَيَقَع للمتأخر فِيهَا مَا لم يَقع للمتقدم
الْوَجْه الثَّامِن إِن رَسُول الله ﷺ مَا زَالَ يُوصي أمته بِالرُّجُوعِ إِلَى كتاب الله عِنْد الِاخْتِلَاف والتمسك بِهِ عِنْد الِافْتِرَاق وَكَانَ ذَلِك هُوَ
стр. 103
صيته عِنْد مَوته وَجَاء ذَلِك عَنهُ على كل لِسَان حَتَّى اعْترفت بِهِ المبتدعة كَمَا اعْترفت بورود النَّهْي عَن الْبدع وَصِحَّته وَللَّه الْحَمد والْمنَّة بل قد جَاءَ ذَلِك صَرِيحًا فِي كتاب الله تَعَالَى على أبلغ صِيغ التَّأْكِيد قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ ويؤكده قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
وَلَا شكّ أَن الْقُرْآن الْعَظِيم أعظم مَا قضى بِهِ ودعا إِلَيْهِ ثمَّ سنته الَّتِي هِيَ تَفْسِير الْقُرْآن وَبَيَانه كَمَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة فِي تفاصيل الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَسَائِر أَرْكَان الاسلام وَفِي الْمَوَارِيث وَغَيرهَا وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِيمَن لم يحكم بِمَا أنزل الله من الْآيَات الْكَرِيمَة فِي آيَة ﴿فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي آيَة ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَفِي آيَة ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ وَقَوله ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك فَاتَّبعُوهُ وَاتَّقوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَوله ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ وَمَا أبلغ قَوْله فصلناه على علم وَأعظم موقعه عِنْد المتأملين لِأَن الْعُلُوم تقل وتتلاشى فِي جنب علم الله تَعَالَى بِمَا ينفع وَيصْلح من الْبَرَاهِين والأساليب وَمَا يضر وَيفْسد من ذَلِك بل قد جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن علم الْخَلَائق فِي علم الله تَعَالَى كَمَا يَأْخُذهُ الطَّائِر من الْبَحْر بمنقاره وَمِمَّا جَاءَ فِي ذَلِك من طَرِيق أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِيهِ نبأ مَا قبلكُمْ وَخبر مَا بعدكم وَحكم
стр. 104
مَا بَيْنكُم من ابْتغى الْهدى من غَيره أضلّهُ الله إِلَى قَوْله من قَالَ بِهِ صدق وَمن حكم بِهِ عدل وَمن دعى اليه هدى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم الحَدِيث بِطُولِهِ كَمَا تقدم
الْوَجْه التَّاسِع إِن الدّين قد جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَفرغ مِنْهُ بِهِ وَلم يبْق بعد تَصْدِيقه بِهِ بِدلَالَة المعجزات الباهرات إِلَّا اتِّبَاع الدّين الْمَعْلُوم الَّذِي جَاءَ بِهِ لَا استنباطه بدقيق النّظر كَمَا صنعت الفلاسفة الَّذين لم يتبعوا الرُّسُل وعَلى هَذَا درج السّلف وَلذَلِك قَالَ مَالك لمن جادله كلما جَاءَنَا رجل أجدل من رجل تركنَا لجدله مَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ وروى مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ (أَيهَا النَّاس قد سنت لكم السّنَن وفرضت لكم الْفَرَائِض وتركتم على السّنة الْوَاضِحَة لَيْلهَا كنهارها إِلَّا أَن تضلوا بِالنَّاسِ يَمِينا وَشمَالًا وروى ابْن مَاجَه نَحْو هَذَا مَرْفُوعا من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء يُوضحهُ أَنه لَو كَانَ الدّين مأخوذا من النّظر لَكنا قبل النّظر غير عَالمين مَا هُوَ دين الاسلام وَإِنَّمَا نخترعه نَحن وَهَذَا بَاطِل ضَرُورَة
يزِيدهُ وضوحا وَجْهَان أَحدهمَا الاحاديث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة بل المتواترة فِي حصر أَرْكَان الاسلام والايمان والتنصيص عَلَيْهَا وتداول الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ لَهَا يَرْوِيهَا سلفهم لخلفهم وخلفهم عَن سلفهم وَاضِحَة جَامِعَة لشرائط الاسلام والايمان واحترام أَهلهَا وَأَنه لَا يحل دم امْرِئ جمعهَا ودان بهَا وَفِي مَعْنَاهَا من كتاب الله تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾
стр. 105
وَثَانِيهمَا اجماع الامة على تَكْفِير من خَالف الدّين الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَالْحكم بردته إِن كَانَ قد دخل فِيهِ قبل خُرُوجه مِنْهُ وَلَو كَانَ الدّين مستنبطا بِالنّظرِ لم يكن جاحده كَافِرًا فَثَبت أَن الرَّسُول ﷺ قد جَاءَ بِالدّينِ الْقيم تَاما كَامِلا وَأَنه لَيْسَ لأحد أَن يسْتَدرك عَلَيْهِ ويكمل لَهُ دينه من بعده
الْوَجْه الْعَاشِر إِن الله ذمّ التَّفَرُّق بعد مَجِيء الرُّسُل والكتب من قبلنَا وَلَوْلَا أَن فِي مَا جَاءَت بِهِ يُوجب الْوِفَاق مَا خص ذمهم بِتِلْكَ الْحَال قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة﴾ وَقبلهَا ﴿حَتَّى تأتيهم الْبَيِّنَة رَسُول من الله يَتْلُو صحفا مطهرة فِيهَا كتب قيمَة﴾ الْآيَات إِلَى ﴿وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ ففسر الْبَيِّنَة بقوله رَسُول من الله إِلَى آخر الْآيَة وَقَالَ ﴿وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾
الْوَجْه الْحَادِي عشر وَهُوَ أعجبها أَن الْعُقُول بريئة أصح الْبَرَاءَة وأوضحها عَمَّا ادعوا عَلَيْهَا من معرفَة وجوب مَا لم يرد بِهِ كتاب من الله تَعَالَى وَمن معرفَة صِحَة مَا يُنَاقض الْآيَات القرآنية فانه قد وضح للمحققين من نظار الْعُقَلَاء وأذكيائهم أَنه لَا تعَارض بَين صَحِيح السّمع وصحيح الْعقل وَأَن أصل الْبدع كلهَا يُوهم التَّعَارُض بَينهمَا فِي صور أَربع الصُّورَة الأولى أَن جمَاعَة من المشتغلين بِعلم الْمَعْقُول لم يتقنوه فيتوهمون فِي بعض الْأُمُور أَنه صَحِيح فِي دَلِيل عَقْلِي توهموه قَاطعا وَلَيْسَ بقاطع وَفِي معرفَة الْقَاطِع وشروطه اخْتِلَاف بَين المنطقيين وَبَعض الْمُتَكَلِّمين
وَمن مَوَاضِع بَيَان ذَلِك مُقَدّمَة التَّمْهِيد للامام ي بن حَمْزَة ﵇ وَسَبقه إِلَى ذَلِك الرَّازِيّ فِي مُقَدّمَة نِهَايَة الْعُقُول وَبسط أَكثر مِنْهُ فَمن أَرَادَ معرفَة صعوبة هَذَا القام وَقلة وجود رِجَاله فليطالع مَا ذكرته فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ مطالعة شافية وَلَو بحث عَمَّا لم يعرف من ذَلِك
стр. 106
وَمن أشهر مَا لَهُم فِي ذَلِك خمس قَوَاعِد أَحدهَا أَن الجسمية أَمر ثبوتي مُشْتَرك بَين الْأَجْسَام زَائِد عَلَيْهَا وَثَانِيها تماثل الْأَجْسَام وجواهرها وَثَالِثهَا أَن كَون المتحيز فِي الْمَكَان أَمر ثبوتي زَائِد عَلَيْهِ لَا وصف عدمي وَسَوَاء كَانَ حَرَكَة أَو سكونا أَو اجتماعا أَو افتراقا ويسمونه دَلِيل الاكوان وَرَابِعهَا قِيَاس وَاجِب الْوُجُود على مُمكن الْوُجُود فِي أَشْيَاء كَثِيرَة مثل قَول الْمَلَاحِدَة نفاة الاسماء الْحسنى أَن كَونه تَعَالَى على صفة دون أُخْرَى يَقْتَضِي أَن يجْرِي مجْرى الممكنات الحادثات الَّتِي تحْتَاج فِي مثل ذَلِك إِلَى تَخْصِيص مُخَصص وَقد أوضحت مَا أورد بَعضهم على بعض من الاشكالات الصعبة فِي ذَلِك فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة من العواصم وَرُبمَا نقلته مُفردا فِي مَوْضِعه من هَذَا الْمُخْتَصر لينْظر فِيهِ من يفهمهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وخامسها أَن كل مَوْجُود فِي الْخَلَاء العدمي حَتَّى الظلمَة والنور فانه جسم أَو حَال فِيهِ مُحْتَاج اليه
وَخَالفهُم فِي الْقَاعِدَة الأولى أَكثر الْعُقَلَاء من الْمُسلمين وَغَيرهم على مَا نَقله ابْن تَيْمِية فَقَالُوا أَن الْمَاهِيّة الْمُشْتَركَة الْمَعْرُوفَة بالمجردات لَا وجود لَهَا أَلْبَتَّة إِلَّا فِي الاذهان وَلم يقم على وجودهَا برهَان فِي الْخَارِج كَمَا بسط فِي مَوْضِعه
وَخَالفهُم فِي الثَّانِيَة الرَّازِيّ وَالشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي الكعبي وَأَصْحَابه معتزلة بَغْدَاد
وَخَالفهُم فِي الثَّالِث الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَخلق كثير ذكرهم الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى وَخَالف أهل الْقَاعِدَة الرَّابِعَة جُمْهُور أهل الاسلام
وَخَالفهُم فِي الْخَامِسَة أهل اللُّغَة وَأهل الْأَثر وَبَعض أهل الْكَلَام والمعقولات وَالسَّلَف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ظَاهرا لَا رِوَايَة ومستند الظُّهُور نقل أهل اللُّغَة وهم من أَهلهَا بِلَا ريب
وَخَالفهُم فِي الْقَوَاعِد الْخمس كلهَا جَمِيع أهل الْآثَار وسلفهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ظَاهرا مَعَ من ذكرنَا مَعَهم من ذَلِك من أهل المعقولات والمتكلمين كَمَا بسط فِي موَاضعه وَالْحَمْد لله
стр. 107
وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ هَل يجب بِنَاء الدَّلِيل على الضَّرُورَة فِيمَا انْتهى اليه النّظر أَو على سُكُون النَّفس فَعِنْدَ المنطقيين وَأبي الْحُسَيْن من الْمُعْتَزلَة وَأكْثر الْمُحَقِّقين أَنه لابد من الِانْتِهَاء إِلَى الضَّرُورَة وَإِلَّا أدّى إِلَى التسلسل أَو التحكم وَعند جُمْهُور الْمُعْتَزلَة أَنه يَكْفِي أَن يَنْتَهِي إِلَى سُكُون النَّفس وَيرد عَلَيْهِم سُكُون نفوس المبطلين ببواطلهم وَهَذَا مَا عَارض وَالْقَصْد بِذكرِهِ بَيَان أَن كَون الدَّلِيل الْعقلِيّ قَاطعا من الْمَوَاضِع الدقيقة الَّتِي اخْتلف فِيهَا أهل الدَّعْوَى للذكاء والكمال فِي التدقيق فَيجوز أَن يَقع الْخَطَأ على الْمُحَقق فِي مثل هَذَا وَيَنْبَغِي أَن يحذرهُ الْمنصف فان كثيرا من أهل الْعُقُول يقصر فِي هَذَا الْموضع فيظن فِي بعض العقليات أَن دَلِيله قَاطع وَلَيْسَ بقاطع فِي نفس الامر ثمَّ يُعَارضهُ السّمع فَيرى فِي نَفسه أَن التَّأْوِيل يتَطَرَّق إِلَى السّمع لاحْتِمَال اللَّفْظ اللّغَوِيّ لَهُ دون الادلة الْعَقْلِيَّة القاطعة فِي ظَنّه وزعمه أَنَّهَا قَاطِعَة وَلَا يدْرِي أَن قطعه بِأَنَّهَا قَاطِعَة قطع بِغَيْر تَقْرِير وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير وانه مقَام صَعب خطير وَأَنه بطول النّظر والمراجعة فِيهِ جدير وَلَو لم يكن فِي ذَلِك عِبْرَة للمعتبرين إِلَّا مَا جرى لمُوسَى الكليم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وَالتَّسْلِيم حَيْثُ قطع بِالنّظرِ الْعقلِيّ على قبح مَا فعله الْخضر ﵇ فانكشف لَهُ خلاف مَا قطع عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ نوح عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قطع على أَن وَلَده من أَهله فَبَان لَهُ خلاف ذَلِك فاذا كَانَ هَذَا فِي حق أرفع الْبشر مرتبَة فَمن النَّاس بعدهمْ فليتفطن طَالب النجَاة لذَلِك وليحذر أَشد الحذر
وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابْن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده فِي حُقُوق الْقُلُوب وَمَا يجب من معرفَة الله وَتَقْرِير الْعَامَّة على مَا علم أَنهم لم ينفكوا عَنهُ لدقة الْأَمر الْمَانِع مِمَّا هم عَلَيْهِ وصعوبة مَعْرفَته عَلَيْهِم وَذَلِكَ كغلاة الاشعرية فِي نفي حِكْمَة الله تَعَالَى وتقبيح اسْم الْحَكِيم فِي الظَّاهِر وَإِيجَاب تَأْوِيله بالمحكم لصنعه من غير حِكْمَة لَهُ فِي ذَلِك الاحكام وغلاة الْمُعْتَزلَة فِي نفي السَّمِيع الْبَصِير والمريد وتقبيحها فِي الظَّاهِر وَإِيجَاب تَأْوِيلهَا بالعليم لَا سواهُ وَذَلِكَ يضعف فِي مثل ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر﴾ وَقَول الْخَلِيل لِأَبِيهِ ﴿يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾
стр. 108
وَكَذَلِكَ الْجَمِيع من الاشعرية والمعتزلة فِي نفي حَقِيقَة الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من الرؤوف والودود وأرحم الرَّاحِمِينَ وحكمهم بِأَنَّهَا أَسمَاء قبيحة الظَّوَاهِر فِي حق الله تَعَالَى وَأَنَّهَا لَا تلِيق بجلاله إِلَّا بصرفها عَن ظواهرها وتعطيلها عَن حقائقها إِلَى الْمجَاز الْمَحْض وَأَن نِسْبَة الرَّحْمَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ كنسبة إِرَادَة الانقضاض إِلَى الْجِدَار والجناح إِلَى الذل وكل ذَلِك بِمُجَرَّد ظن أَن الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة القاطعة دلّت على ذَلِك وَسَتَأْتِي الاشارة إِلَى تِلْكَ الْأَدِلَّة وَمَا يرد عَلَيْهَا على قَوَاعِد أَئِمَّة المعقولات على حسب هَذَا الْمُخْتَصر مَعَ الارشاد إِلَى مَوَاضِع الْبسط
فَأَما لَوَازِم رَحْمَة المخلوقين المستلزمة للنقص فَوَاجِب تَنْزِيه الله تَعَالَى عَنْهَا قطعا وفَاقا كلوازم علمهمْ وارادتهم وَنَحْو ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه
وَمن مظان بطلَان ذَلِك النّظر فِي كَيْفيَّة بعض صِفَات الله تَعَالَى اللائقة بِهِ بل الْوَاجِبَة لَهُ على التَّفْصِيل الْمُؤَدِّي إِلَى الْقطع بِتَسْمِيَة تِلْكَ الصِّفَات مَعَاني وَإِلَى الْقطع بِالْفرقِ بَينهمَا وَإِلَى الْقطع بِأَن ذَات الله تَعَالَى لَا يَصح وجود الْمعَانِي فِيهَا ومجموع ذَلِك هُوَ الَّذِي اضْطر البهاشمة إِلَى أَنه تَعَالَى مُرِيد بارادة حَادِثَة لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيره وَلَا يحْتَاج فِي خلقهَا إِلَى ارادة والحازم يوازن بَين الممتنعات فَيرد أَشدّهَا امتناعا فِي الْفطر وَلَعَلَّ وجود الْعرض لَا فِي مَحل بل لَا فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وتأثيره لمن لم يُوجد فِيهِ أبعد مِمَّا فروا مِنْهُ
وَقد جود ابْن تَيْمِية وَغَيره من أَئِمَّة الْعلم الجامعين بَين التَّحْقِيق فِي هذَيْن العلمين الْعقلِيّ والسمعي الْكَلَام فِي ذَلِك وَفِي المختصرات من ذَلِك مَا يَكْفِي المقتصد وَأما من أَرَادَ الْغَايَة فِي الْبَحْث فَلَا تكفيه المختصرات وَلَا النّظر فِي كتب بعض الْخُصُوم بل يحْتَاج إِلَى النّظر فِي الْكتب البسيطة للمعتزلة والاشعرية ومتكلمي أهل السّنة وكتبهم أقل الْكتب وجودا
стр. 109
وَمن مشاهيرها منهاج السّنة النَّبَوِيَّة لِابْنِ تَيْمِية على مَا قيل وَلم أَقف عَلَيْهِ وَفِي هَذِه الصُّورَة يتَكَلَّف المتكلمون كلهم التأويلات الْبَعِيدَة تَارَة لما يُمكن تَأْوِيله لَو دلّ دَلِيل قَاطع على امْتنَاع ظَاهره وَلَكِن لَا قَاطع مُحَقّق إِلَّا مُجَرّد دَعْوَى وَتارَة لما لَا يُمكن تَأْوِيله إِلَّا بتعسف شابه تَأْوِيل القرامطة وَرُبمَا استلزم بعض التأويلات مُخَالفَة الضَّرُورَة الدِّينِيَّة وهم لَا يعلمُونَ وَلَا يُؤمن الْكفْر فِي هَذَا الْمقَام فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى وَأَحْكَام الْآخِرَة وَإِن لم نعلمهُ نَحن وتوقفنا لشُبْهَة التَّأْوِيل وَعدم علمنَا بعلمهم بِمَا أنكروه فانه لَا يُؤمن فِي حكم الله وَالله الْمُسْتَعَان
فسبب الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الصُّورَة وَمَا يتركب عَلَيْهَا وَهُوَ مُعظم التَّأْوِيل هُوَ الِاخْتِلَاف فِي أَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة الْمُوجبَة للتأويل عِنْد المتأولين قَطْعِيَّة أم لَا أما من علم بطلَان الْقطع إِمَّا بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ الْقَاطِع أَو بهما مَعًا فَعَلَيهِ الْبَيَان لذَلِك فاذا سَطَعَ الْحق وَجب اتِّبَاعه من أَي الْجَانِبَيْنِ كَانَ
وَأما من لم يعلم ذَلِك لَكِن علم أَن أذكياء الْعُقَلَاء مَا زَالُوا يغلطون فِي اعْتِقَاد الْقطع فِي مثل هَذِه الدقائق وان خوضه فِيهَا أشبه شَيْء بركوب الْبَحْر عِنْد هيجه واضطرابه وان الْجَمِيع قد انْعَقَد اجماعهم على أَن مُخَالفَة الْعقل إِذا تجرد عَن السّمع لَيست بِكفْر وَلَا فسق وَإِن كَانَ فِيهَا مُخَالفَة ضَرُورَة الْعقل فان من اعْتقد فِي حَنْظَلَة مرّة أَنَّهَا حُلْو يكون قد خَالف ضَرُورَة الْعقل وَلَا يكفر بل وَلَا يفسق لقَوْل النَّبِي ﷺ أَن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على غَيْرِي أَنه من يكذب عَليّ يلج النَّار وَإِنَّمَا هَذَا كَاذِب على نَفسه وَلم يكذب على الله وَلَا رَسُوله فَكيف من قَالَ بِغَيْر الْحق فِي دقائق الْكَلَام متأولا
وَكَذَلِكَ انْعَقَد إِجْمَاعهم على أَن مُخَالفَة السّمع الضَّرُورِيّ كفر وَخُرُوج عَن الاسلام وَأَن ذَلِك لَا يُؤمن فِي القَوْل بِأَن الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَكِيم السَّمِيع الْبَصِير لَيست بأسماء مدح الله تَعَالَى بل أَسمَاء ذمّ قبيحة يجب تَأْوِيلهَا وتحذير عوام الْمُسلمين من الاغترار باطلاقها وَأَنَّهَا لَيست أَسمَاء حسنى لِأَن الْحسنى جمع الاحسن لَا جمع الْحسن وَهَذِه لم تدخل فِي الْحسن كَيفَ فِي أحسن الْحسن فان عَامَّة أهل الاثر رجحوا الِاعْتِقَاد الاسلم على الاعلم لِأَن الْمُتَكَلِّمين قد اعْتَرَفُوا بِأَن طَريقَة السّلف أسلم لَكِن ادعوا أَن طريقهم أعلم
стр. 110
وَوجه التَّرْجِيح عِنْدهم أَنهم علمُوا من كَثْرَة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي هَذِه الْأَسْمَاء أَنَّهَا على جِهَة التمدح كَمَا يَأْتِي فِي مَوْضِعه وَظُهُور ذَلِك فِي عصر النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير تحذير لأحد من الاغترار بظاهرها مَعَ اعْتِقَاد الْجَمِيع أَن الله لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته يَقْتَضِي عَادَة الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهَا أَسمَاء مدح وَأَنَّهَا من الاسماء الْحسنى الَّتِي لَا قبح فِيهَا وخافوا الْكفْر فِي مُخَالفَة هَذَا الْعلم
وَأما الادلة الْمُوجبَة للتأويل فَسَوف يَأْتِي الْبَيَان الْوَاضِح أَنَّهَا قد انْتَهَت إِلَى غَايَة الدقة ووردت عَلَيْهَا الشكوك الصعبة حَتَّى اخْتلف فِي صِحَّتهَا أَئِمَّة الْمَعْقُول فمخالفة الْحق فِيهَا على جِهَة التَّأْوِيل لَا يكون كفرا وَلَا فسقا على جَمِيع قَوَاعِد الْعُقَلَاء قَالُوا وَلَا شكّ أَن الْفَوْز بالامان من الْكفْر الْمُوجب الخلود فِي النَّار أرجح من الْفَوْز بالظفر بِالْحَقِّ فِي دقائق الْجَوَاهِر والاعراض كَمَا نَص عَلَيْهِ الْمُؤَيد بِاللَّه فِي الزِّيَادَات من أَئِمَّة العترة وَغَيره مِنْهُم ﵈ فَشد على هَذِه يَديك وَلَا تغفل النّظر فِيهَا
فان قلت فَمَا يعْتَقد أهل الاثر فِي رَحْمَة الله وَهل يجوزون أَنَّهَا رَحْمَة مثل رَحْمَة المخلوقين
قلت كلا فان رَحْمَة المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم فيدخلها الْحَسْرَة والاسف والبكاء والاماني الْبَاطِلَة فتغلبهم فتصرفهم عَن الْعدْل وَالْحق وَقد أجمعنا على أَن الْعَلِيم الْقَدِير محكمان لَا يجب تأويلهما وَلَو قَالَ قَائِل أَنَّهُمَا فِي حق الله مثلهَا فِينَا لَكَانَ كَافِرًا بالاجماع فاذا وَجب نفي التَّشْبِيه فِي المحكمات بالاجماع فَكيف لَا ننفيه فِي غَيرهَا وَسَيَأْتِي إِيضَاح ذَلِك وَإِنَّمَا بسطت القَوْل هُنَا لِأَن أَكثر التَّأْوِيل يَدُور على هَذِه الصُّورَة
فان قيل تَقْدِيم الْعقل على السّمع أولى عِنْد التَّعَارُض لِأَن السّمع علم بِالْعقلِ فَهُوَ أَصله وَلَو بَطل الْعقل بَطل السّمع وَالْعقل مَعًا وَهَذِه من قَوَاعِد الْمُتَكَلِّمين
قُلْنَا قد اعْتَرَضَهُمْ فِي ذَلِك الْمُحَقِّقُونَ بِأَن الْعُلُوم يَسْتَحِيل تعارضها فِي الْعقل والسمع فتعارضها تَقْدِير محَال فانه لَو بَطل السّمع أَيْضا بعد أَن دلّ
следующие страницы →