Полный текст (410 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ثمَّ الْمرتبَة الثَّانِيَة من الْمُفَسّرين التابعون وَمن أشهر ثقاتهم المصنفين فِي التَّفْسِير مُجَاهِد بن جبر الْمَكِّيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة بن دعامة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَزيد بن أسلم وَكلهمْ مخرج عَنْهُم الحَدِيث فِي دواوين الاسلام السِّتَّة وَغَيرهَا والاسانيد اليهم بتفاسيرهم مُتَّصِلَة كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي أول تَفْسِيره وَغَيره وَقد نقم على بَعضهم أَشْيَاء سهلة لَكِن يَنْبَغِي التيقظ لَهَا عِنْد التَّعَارُض وَالِاخْتِلَاف فان مثلهَا يُؤثر فِي التَّرْجِيح فَينْظر تراجمهم فِي تذكرة الذَّهَبِيّ وميزانه وأبسط مِنْهُمَا تَهْذِيب شَيْخه الْمزي وَكتابه النبلاء وأمثالها من كتب الرِّجَال وتواريخ عُلَمَاء الاسلام وَيلْحق بهؤلاء عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَهُوَ دونهم لوُقُوع الْخلاف فِيهِ فان الْخلاف فِيهِ كثير بَين الصَّدْر الأول لَكِن أَكْثَره رَاجع إِلَى اعْتِقَاده لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى رَأْي الْخَوَارِج فَيكون على مَا يدل على مَذْهَب الْخَوَارِج أَضْعَف
وَقد صنف جمَاعَة فِي الذب عَنهُ وجود ابْن حجر فِي ذَلِك فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ لِأَن البُخَارِيّ احْتج بِهِ وَأهل السّنَن وَالْأَكْثَرُونَ وتجنبه الامام مَالك وَمُسلم فِي صَحِيحه ثمَّ بعده مقَاتل بن حَيَّان وَمُحَمّد بن زيد مهَاجر احْتج بهما مُسلم وَأهل السّنَن دون البُخَارِيّ وَتكلم فيهمَا بَعضهم بِغَيْر حجَّة بَيِّنَة ثمَّ عَليّ بن أبي طَلْحَة وَهُوَ قريب مِنْهُ احْتج بِهِ مُسلم وَأهل السّنَن لَكِن قَالَ أَحْمد لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس تَفْسِيرا كثيرا ممتعا وَالصَّحِيح عِنْدهم أَن رِوَايَته عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس وَإِن كَانَ يرسلها عَن ابْن عَبَّاس فمجاهد ثِقَة يقبل وَقد يعضد تَفْسِيره وَتَفْسِير أَمْثَاله بمفهومات من الْقُرْآن مثل تَفْسِيره لتقدير يَوْم الْقِيَامَة بِخَمْسِينَ الف سنة عَن ابْن عَبَّاس أَنه فِي حق الْكَافِر وَذَلِكَ يعتضد بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ يَوْمًا على الْكَافرين عسيرا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿على الْكَافرين غير يسير﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر﴾
стр. 142
وبأحاديث مَرْفُوعَة فِي ذَلِك مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ من طَرِيق ابْن ابي لَهِيعَة عَن أبي السَّمْح عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد وَمِنْهَا مَا يَأْتِي الْآن فِي النَّوْع الثَّالِث من مَرَاتِب التَّفْسِير ثمَّ السّديّ الْكَبِير يرْوى عَن ابْن عَبَّاس وطبقته بعد هَؤُلَاءِ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي الْكُوفِي وَحَدِيثه عِنْد مُسلم وَأهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَهُوَ تَابِعِيّ شيعي وَرُبمَا كَانَ الْكَلَام فِيهِ لمذهبه عِنْد من يُخَالِفهُ وَأما السّديّ الصَّغِير مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الاعمش فواه جدا وَمِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الانباري أحد مَشَايِخ أبي دَاوُد ورواة سنَنه وَمِنْهُم عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أبي سعيد فِيهِ ضعف وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان واهيان لَا سِيمَا مقَاتل بن سُلَيْمَان فقد كذبه غير وَاحِد وَلم يوثقه أحد واشتهر عَنهُ التجسيم والتشبيه وَلذَلِك لم يرو عَنهُ من أهل الْكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ قَالَ كَانَ لَا يكذب يَعْنِي لَا يتَعَمَّد الْكَذِب وَأثْنى عَلَيْهِ بَعضهم بِمَعْرِِفَة التَّفْسِير وَأما الْكَلْبِيّ فروى عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَحده وَلم يوثقه أحد
وَكَذَلِكَ تنبغي معرفَة من جرح وَكذب من متأخري الْمُفَسّرين مثل أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش توفّي عَام ٣٥١
وَإِنَّمَا سقت لَك ذكرهم لما قيل أَن الْمُفَسّرين أَكْثرُوا من حِكَايَة الاقوال الْمُخْتَلفَة وَالْحق يضيع بَين قَوْلَيْنِ فَصَاعِدا فأرشدت إِلَى طرف من التَّرْجِيح عِنْد الِاخْتِلَاف وَبَقِيَّة الْمُفَسّرين مذكورون فِي كتب الرِّجَال وَلَكِن الْمدَار على من ذكرت فِي الْأَكْثَر فَهَذِهِ مَرَاتِب الْمُفَسّرين فِيمَا يرجع من التَّفْسِير إِلَى الرِّوَايَة
وَأما مَرَاتِب التَّفْسِير فِيمَا يرجع مِنْهُ إِلَى الدِّرَايَة فَهِيَ ترجع إِلَى سَبْعَة أَنْوَاع النَّوْع الأول تَفْسِير المتكررات تكريرا كثيرا مثل آيَات الاسماء الربانية وَالصِّفَات والمشيئة والاسماء الْمَعْرُوفَة بالدينية وَهِي الاسلام وَالْإِيمَان والاحسان والمسلمون والمؤمنون والمحسنون وَكَذَلِكَ أَسمَاء الظَّالِمين والفاسقين والكافرين وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد وَيحْتَاج إِلَى مزِيد بحث وانتقاد مِمَّا تورد فِيهِ الادلة والشبه والورود والمعارضات
стр. 143
وَهَذَا الْقسم يَنْبَغِي أَن يكون مُفردا فِي مُقَدمَات التَّفْسِير حَتَّى يشْبع فِيهِ الْكَلَام من غير تَكْرِير أَو يُؤْخَذ من مظانه من كتب الِاعْتِقَاد على الصّفة الَّتِي أَشرت اليها فِي أول هَذَا الْمُخْتَصر فِي الانصاف وَمَعْرِفَة أَدِلَّة الْجَمِيع وَفِي هَذَا الْمُخْتَصر من ذَلِك كِفَايَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَا هُوَ إِلَّا كالمقدمة للتفسير فان اشْتبهَ الصَّوَاب على أحد فِي هَذَا الْقسم أَو خَافَ وُقُوع فتْنَة من الْخَوْض فِيهِ والبحث عَنهُ والمناظرة ترك ذَلِك وَكَفاهُ الايمان الْجملِي لما ثَبت فِي حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (اقرأوا الْقُرْآن مَا أتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فاذا اختلفتم فَقومُوا عَنهُ) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَله شَوَاهِد قدر خَمْسَة عشر حَدِيثا وَالْمرَاد الِاخْتِلَاف مَعَ التعادي والتفرق كَمَا هُوَ عَادَة أهل الْكَلَام دون الِاخْتِلَاف مَعَ التوالي والتصويب كَمَا هُوَ عَادَة الْفُقَهَاء وَسَائِر أهل الْعُلُوم وَذَلِكَ لما فِي حَدِيث عمر مَعَ هِشَام ابْن حَكِيم فِي اخْتِلَافهمَا فِي الْقِرَاءَة وَتَقْرِير النَّبِي ﷺ لَهما على الِاخْتِلَاف فِي الْقِرَاءَة ونهيهما عَن الِاخْتِلَاف فِي التخطئة والمناكرة خرجه الْجَمَاعَة وَهُوَ متواتر أَو مَشْهُور عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث فقد رَوَاهُ ثَمَانِيَة عشر صحابيا وَمَا تقدم من حَدِيث جُنْدُب وشواهده مِمَّا هُوَ زِيَادَة بَيَان بعد قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ وأمثالها وَهِي كَافِيَة شافية مغنية عَن الاحاديث لَكِن فِي اجْتِمَاع الْكتاب وَالسّنة قُرَّة عُيُون الْمُؤمنِينَ وطمأنينة قُلُوب الموقنين وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن مَسْعُود نَحوه وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي وصنف فِيهِ كتاب الْجُمْلَة والالفة وَذكره عَن الكبراء من عُلَمَاء العترة وَغَيرهم وَأنكر على أهل الْكَلَام مَا اختصوا بِهِ من التعادي عِنْد الِاخْتِلَاف فِي الدقائق الْخفية وَهَذَا عَارض هُنَا وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعه
النَّوْع الثَّانِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَذَلِكَ حَيْثُ يتَكَرَّر فِي كتاب الله تَعَالَى ذكر الشَّيْء وَيكون بعض الْآيَات أَكثر بَيَانا وتفصيلا وَقد جمع من هَذَا الْقَبِيل تَفْسِير مُفْرد ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة وَلم اقف عَلَيْهِ وَقد يذكر الْمُفَسِّرُونَ مِنْهُ أَشْيَاء مُتَفَرِّقَة فَمِنْهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمن ﴿وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾
стр. 144
بِأَنَّهُ الْعَذَاب الْأَدْنَى الْمُعَجل فِي الدُّنْيَا لقَوْله سُبْحَانَهُ فِي آخر هَذِه السُّورَة ﴿فإمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فإلينا يرجعُونَ﴾ وَقد تكَرر هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَمِنْه تَفْسِير ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ بقوله تَعَالَى ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي﴾ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما﴾ بِأَهْل الْكتاب كَقَوْل مُجَاهِد لقَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يشْتَرونَ الضَّلَالَة ويريدون أَن تضلوا السَّبِيل﴾ ويقويه ان عصاة الْمُسلمين لَا يُرِيدُونَ فجور صالحيهم وَالْآيَة وَردت بضمير الْغَائِب فِي المريدين وَضمير الْخطاب فِي المائلين فقوى ذَلِك وَمِنْه تَفْسِير ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ بقوله ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ فَقَوله فِيهَا وَيَعْفُو عَن كثير مُخَصص لعُمُوم من يعْمل سوءا يجز بِهِ ومقيد لاطلاقها كَأَنَّهُ قَالَ الا أَن يعْفُو بِدَلِيل هَذِه الْآيَة مثل مَا انها مخصصة بآيَات التَّوْبَة فانه مُقَدّر فِيهَا إِلَّا أَن يتوبوا بالاجماع وبالنصوص فِي التائبين وَهَذِه الْآيَة دَالَّة على اشْتِرَاط عدم الْعَفو وعَلى اعْتِبَار مصائب الدُّنْيَا فِي عَذَاب الْمُسلمين ووعيدهم كَمَا دلّ على ذَلِك حَدِيث عَليّ ﵇ فِي تَفْسِيرهَا وَحَدِيث أبي بكر ﵁ فِي تَفْسِير ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَلذَلِك طرق شَتَّى وَفِيه أَحَادِيث كَثِيرَة مجمع على مَعْنَاهَا وَأَحَادِيث الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو وطرقه صَحِيحَة كَثِيرَة كَمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد
وَمِنْه حمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَالْعَام على الْخَاص كنفي الْخلَّة والشفاعة فِي آيَة مُطلقًا وَقد اسْتثْنى الله الْمُتَّقِينَ من نفي الْخلَّة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
стр. 145
) وَاسْتثنى مَا أذن فِيهِ من الشَّفَاعَة بقوله فِي آيَة ﴿من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى﴾
وَمِنْه الْجمع بَين مَا يتَوَهَّم أَنه مُخْتَلف كخلق بني آدم من تُرَاب كَمَا فِي الْكَهْف وَمن طين فِي غير آيَة وَهُوَ تُرَاب مختلط بِالْمَاءِ فَفِيهِ زِيَادَة على التُّرَاب الْمُطلق وَكَذَلِكَ خلقه من صلصال فانه أخص من الْجَمِيع لِأَنَّهُ طين مَخْصُوص وَمِنْه تَقْدِيم الْمَنْطُوق على الْمَفْهُوم وَأوجب مِنْهُ تَقْدِيم تَفْصِيل القَوْل الْمَنْطُوق على عُمُوم الْمَفْهُوم لِأَن الْخَاص يقدم على الْعَام الْمَنْطُوق فَكيف لَا يقدم على عُمُوم الْمَفْهُوم
النَّوْع الثَّالِث التَّفْسِير النَّبَوِيّ وَهُوَ مَقْبُول بِالنَّصِّ والاجماع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَفِي الحَدِيث لَا يَأْتِي رجل مترف متكئ على أريكته يَقُول لَا أعرف إِلَّا هَذَا الْقُرْآن مَا أحله أحللته وَمَا حرمه حرمته إِلَّا واني أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه أَلا وان الله حرم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير وَيدل على ذَلِك أَن الاجماع قد انْعَقَد على نسخ وجوب الْوَصِيَّة للوارثين بِحَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث وَهُوَ حَدِيث حسن وَإِذا وَجب قبُول ذَلِك فِي نسخ فَرِيضَة منصوصة فِيهِ فَكيف بِسَائِر الْبَيَان والتخصيص وقبوله فِي نسخ وجوب الْوَصِيَّة اجماع العترة وَالْأمة
وَقد اشْتَمَلت على ذَلِك الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَجمع بِحَمْد الله تَعَالَى وجمعت مِنْهُ الَّذِي فِي جَامع الاصول وَمجمع الزَّوَائِد ومستدرك الْحَاكِم أبي عبد الله وَيلْحق بذلك أَسبَاب النُّزُول وَقد أفرده الواحدي وَغَيره بالتأليف وَهُوَ مُفِيد جدا لِأَن الْعُمُوم الْوَارِد على سَبَب مُخْتَلف فِي تعديه عَن سَببه وَهُوَ نَص فِي سَببه ظَنِّي فِي غَيره وَقد يقصر عَلَيْهِ بالاجماع كَمَا ثَبت فِي قَوْله تَعَالَى فِي ذمّ الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي الْيَهُود وفرحهم بِمَا أَتَوا من التَّكْذِيب بِالْحَقِّ فلولا ذَلِك أشكلت وتناولت من فَرح
стр. 146
بِمَا عمله من الْخَيْر وَقد صَحَّ أَن الْمُؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته والفرح بِالْخَيرِ وَالطَّاعَة من ضروريات الطباع والعقول
وَمِنْه تَفْسِير ﴿والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ سَببهَا وَهُوَ فتْنَة من أسلم حَتَّى يعود إِلَى الشّرك وَلَوْلَا ذَلِك وَقع الْغَلَط الْفَاحِش فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَمِنْه تَخْصِيص العمومات مثل تَحْرِيم الصَّلَاة على الْحَائِض وَسَائِر مَا فِي السّنَن من أَحْكَام الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وشروط قطع السَّارِق وَنَحْو ذَلِك واستيعابه فِي التفاسير غير مُعْتَاد
وَمِنْه تَقْدِيم ذَوي السِّهَام على الْعَصَبَات وَمنع الْكَافِر من مِيرَاث الْمُسلم وَعَكسه واسقاط الْأَقْرَب للأبعد من الْعَصَبَات والاقوى للأضعف
وَمِنْه الْجمع بَين آيتي الْكَلَالَة فان الاولى فِي الاخوة من الام والاخرى فِيمَن عداهم وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا غنى عَنهُ ولابد وَلَا خلاف فِيهِ
وَمِنْه الزِّيَادَة فِي الْبَيَان كَصَلَاة الْخَوْف وَالْبَغوِيّ مكثر من هَذَا وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ وَدَلِيل على المبتدعة حَيْثُ يمْنَعُونَ من بَيَان السّنة لِلْقُرْآنِ
وَمِنْه مَا يتقوى بالشواهد ومفهومات من الْقُرْآن كَحَدِيث أبي سعيد فِي تَخْفيف طول يَوْم الْقِيَامَة على الْمُؤمن كَمَا تقدم الان من رِوَايَة الْبَغَوِيّ وَقد أخرجه أَحْمد وَأَبُو يعلى بِسَنَد الْبَغَوِيّ الْمُقدم وَحسنه الهيثمي لشواهده وَذكر مثله عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وبسندين جَيِّدين وَعَن ابْن عَمْرو أَيْضا باسناد فِيهِ رجل لم يعرف وَقد تقدّمت شواهده من الْقُرْآن
النَّوْع الرَّابِع الْآثَار الصحابية الْمَوْقُوفَة عَلَيْهِم وأجودها مَا لَا تمكن مَعْرفَته بِالرَّأْيِ سَوَاء رَجعْنَا بِالرَّأْيِ إِلَى الْعقل أَو إِلَى الاستنباط من اللُّغَة وَقد كَانَت عَادَتهم الاشعار بِالرَّأْيِ فِي ذَلِك وَأَمْثَاله كَمَا ذكره أَبُو بكر ﵁ حِين فسر الْكَلَالَة بِرَأْيهِ ذكره الْبَغَوِيّ وَغَيره
وَقد ذكر السَّيِّد أَبُو طَالب ﵇ فِي المجزى ان عَادَتهم الاشعار بِالرَّأْيِ فاذا جزموا بِالتَّحْرِيمِ وَنَحْوه كَانَ دَلِيلا على رَفعه وَكَذَلِكَ ذهب كثير من الْمُفَسّرين إِلَى مثل ذَلِك فِي تفاسيرهم المجزومة لَا سِيمَا من ثَبت عَنهُ تَحْرِيم
стр. 147
التَّفْسِير بِالرَّأْيِ كَابْن عَبَّاس ﵁ وَلذَلِك اشْتَمَلت على هَذَا النَّوْع من تفاسيرهم تفاسير أهل السّنة لَكِن يحْتَاج إِلَى معرفَة الاسناد اليهم فِيمَا لم يكن مصححا عَنْهُم فِي دواوين الاسلام الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة وَمن مظان ذَلِك الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم فَفِيهِ من ذَلِك الْكثير الطّيب وَقد نقلته بِحَمْد الله مَعَ التَّفْسِير النَّبَوِيّ
النَّوْع الْخَامِس مَا يتَعَلَّق باللغة والعربية على جِهَة الْحَقِيقَة فَأَما المتعلقات اللُّغَوِيَّة فَهِيَ جلية وَقد صنف فِيهَا مصنفات مختصرة على جِهَة التَّقْرِيب مثل كتاب العزيزي وَلَيْسَ فِيهِ تَنْقِيح كثير وأوضح مِنْهُ وأخصر كتاب أبي حَيَّان فِي ذَلِك لكنه رُبمَا أهمل بعض مَا يحْتَاج اليه وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك كتب اللُّغَة البسيطة دون مَا يُؤْخَذ من كثير من الْمُفَسّرين كَمَا ذكره أَبُو حَيَّان فِي أول كِتَابه وَنبهَ عَلَيْهِ
وَأما الْعَرَبيَّة فقد جود أَبُو حَيَّان فِي ذَلِك وَجمع الَّذِي فِي تَفْسِيره فجَاء كتابا جيدا مُسْتقِلّا وَهُوَ الْمَعْرُوف بالمجيد فِي اعراب الْقُرْآن الْمجِيد وَقد اشْتَمَل على مَا فِي الْكَشَّاف مَعَ زِيَادَة أضعافه وَيَنْبَغِي التَّنْبِيه فِي هَذَا النَّوْع لتقديم الْمَعْرُوف الْمَشْهُور على الشاذ وَتَقْدِيم الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة ثمَّ الْعُرْفِيَّة ثمَّ اللُّغَوِيَّة وَمَعْرِفَة الْمُشْتَرك لما فِيهِ من الاجمال وَأخذ بَيَانه من غَيره كتفسير عسعس بادبر لَان عسعس مُشْتَرك بَين اقبال اللَّيْل وادباره وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاللَّيْل إِذْ أدبر﴾ وَفِي قِرَاءَة إِذا أدبر فَدلَّ على ان أفضل اللَّيْل السحر كَمَا دلّت على هَذَا أَشْيَاء كَثِيرَة فيفسر بذلك عسعس وان كَانَ مُشْتَركا ويتفطن هُنَا لامور
أَحدهَا الحذر من تَفْسِير الْمُشْتَرك بكلا معنييه كتفسير عسعس بِأول اللَّيْل وَآخره كَمَا توهم مثل ذَلِك فِي الالفاظ الْعَامَّة فانه لم يتَحَقَّق وُرُود اللُّغَة بذلك وَلذَلِك لم يقل أحد بِاعْتِبَار ثَلَاث حيض وَثَلَاثَة أطهار جَمِيعًا فِي الْعدة لما كَانَت القروء مُشْتَركَة
وَثَانِيها معرفَة مَا يظنّ انه حَقِيقَة وَهُوَ مجاوز من مظانه كتاب أساس
стр. 148
البلاغة للزمخشري فانه جود القَوْل فِيهِ بل لَا أعلم أحدا بَين ذَلِك كَمَا بَينه وَلذَلِك قيل انه من روائع مصنفاته وبدائع مخترعاته فاذا عرفت حَقِيقَة الْكَلِمَة ومجازها لم يُفَسر فيهمَا مَعًا أَيْضا
وَثَالِثهَا الْفرق بَين دلَالَة الْمُطَابقَة والتضمن والالتزام فالمطابقة هِيَ اللُّغَوِيَّة دونهمَا وَهِي دلَالَة اللَّفْظ على مَعْنَاهُ الْمَوْضُوع لَهُ كدلالة غسل أَعْضَاء الْوضُوء عَلَيْهَا جملَة وان دلّ اللَّفْظ على جُزْء الْمَعْنى فَهُوَ التضمن كدلالة آيَة الْوضُوء على غسل الْعين لانها بعض الْوَجْه وَمَا تَحت الاظفار والخاتم لانه بعض الْيَد وان دلّ اللَّفْظ على لَازم مَا وضع لَهُ فدلالة الِالْتِزَام كدلالة آيَة الْوضُوء على وُجُوبه وهما عقليتان فَيقدم عَلَيْهِمَا مَا عارضهما مِمَّا هُوَ أرجح مِنْهُمَا من الدَّلَائِل اللفظية على حسب الْقُوَّة أَلا تراهم رجحوا دَلَائِل رفع السِّرّ والحرج على دلَالَة غسل الْعين من الْوَجْه وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِيمَا تَحت الاظفار والخاتم لذَلِك
النَّوْع السَّادِس الْمجَازِي وَتعْتَبر فِيهِ قَرَائِن الْمجَاز الثَّلَاث الموجبات للعدول اليه وَلَا حرم القَوْل بِهِ والعدول اليه الاولى الْعَقْلِيَّة الَّتِي يعرفهَا الْمُخَاطب والمخاطب كَقَوْلِه ﴿واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا﴾ أَي أهملهما وَمِنْه ﴿جنَاح الذل﴾ و ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ وَهُوَ كثير وَلَيْسَ هُوَ من الْمُتَشَابه بل تعرفه أجلاف الْعَرَب الثَّانِيَة الْعُرْفِيَّة مثل ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا﴾ أَي مر من يَبْنِي لَان مثله فِي الْعرف لَا يَبْنِي الثَّالِثَة اللفظية نَحْو ﴿مثل نوره﴾ فانها دَلِيل على أَن الله غير النُّور ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ فانها دَلِيل على أَن المُرَاد نور الْهدى ويتيقظ هُنَا لما كَانَ من جنس تَأْوِيل الباطنية فَيرد وان صدر من غَيرهم فقد كثر جدا
وَأما الدَّعْوَى الْبَاطِلَة تجردها عَن أحد هَذِه الْقَرَائِن وَأما مَا يَدعِيهِ أهل الْكَلَام من الادلة الَّتِي لم يتفقوا على صِحَة دَلِيل وَاحِد مِنْهَا فَلَا يجوز
стр. 149
تقليدهم فِي ذَلِك لَا عِنْدهم وَلَا عِنْد غَيرهم بل يجب الْبَحْث التَّام أَو الامساك عَن التَّأْوِيل حَتَّى يَقع الاجماع كَمَا مر موضحا
وَمن الْعقلِيّ الْجَلِيّ الْمجمع عَلَيْهِ تَخْصِيص ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ على مَا يُنَاسب مُلُوك الْبشر من الْمُعْتَاد فِي الدُّنْيَا دون الْعَالم الْعلوِي وَأُمُور الْآخِرَة وَالْمَلَائِكَة والنبوة وَنَحْو ذَلِك
النَّوْع السَّابِع مَا لم يَصح فِيهِ شَيْء من جَمِيع مَا تقدم وَيخْتَلف فِيهِ أهل التَّفْسِير وَأهل الْعلم مثل تَفْسِير الْحُرُوف الَّتِي فِي فواتح السُّور وَتَفْسِير الرّوح وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لم يَصح دَلِيل لنا على تَفْسِيره وَلَا مَعنا ضَرُورَة عملية تلجئ إِلَى وجوب الْبَحْث عَنهُ وَقد يرتكب فِيهِ مُخَالفَة الظَّوَاهِر ويبتني على أَسبَاب مُخْتَلف فِي صِحَّتهَا فالحزم الْوَقْف فِيهِ لما تقدم من حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي وَعِيد من فسر الْقُرْآن بِرَأْيهِ وَعَن جُنْدُب مثله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وأوضح مِنْهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَهَذَا النَّوْع السَّابِع قِسْمَانِ
قسم فِيهِ مخاطرة كَبِيرَة وَخَوف الْبِدْعَة وَالْعَذَاب وَهُوَ مَا يتَعَلَّق بِذَات الله تَعَالَى وَنَحْوه من المتشابهات وَقد تقدم القَوْل فِيهِ فِي هَذَا الْمُخْتَصر وَقد بسطته فِي تَرْجِيح أَسبَاب الْقُرْآن على أساليب اليونان وَقسم دونه مثل تعْيين الشَّجَرَة الَّتِي أكل مِنْهَا آدم وَاسْمهَا وَأَسْمَاء أهل الْكَهْف وَأَسْمَاء سَائِر المبهمات وَتَطْوِيل الْقَصَص والحكايات فَهَذَا لَا بَأْس بنقله مَعَ بَيَان انه لم يَصح فِيهِ شَيْء وَعدم تعلق مفْسدَة بِهِ وَلَا دُخُول شُبْهَة فِي تَحْلِيل أَو تَحْرِيم وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
وَأما التأويلات الَّتِي يدعى الاجماع على وُجُوبهَا سَوَاء كَانَت من اجماع الامة أَو العترة فَاعْلَم أَن الاجماعات نَوْعَانِ أَحدهمَا تعلم صِحَّته بِالضَّرُورَةِ من الدّين بِحَيْثُ يكفر مخالفه فَهَذَا اجماع صَحِيح وَلكنه مُسْتَغْنى عَنهُ بِالْعلمِ الضَّرُورِيّ من الدّين وَثَانِيهمَا مَا نزل عَن هَذِه الْمرتبَة وَلَا يكون الا ظنا لانه لَيْسَ بعد التَّوَاتُر الا الظَّن وَلَيْسَ بَينهمَا فِي النَّقْل مرتبَة قَطْعِيَّة بالاجماع وَهَذَا هُوَ حجَّة من يمْنَع الْعلم بِحُصُول الاجماعات بعد انتشار الاسلام كَمَا
стр. 150
نَص عَلَيْهِ الامام الْمَنْصُور بِاللَّه فِي مَجْمُوعه والامام يحيى بن حَمْزَة فِي المعيار والرازي وَغَيرهم بسطته فِي غير هَذَا الْموضع
وَهَذَا آخر القَوْل فِي الْقسم الاول من هَذَا الْمُخْتَصر وَهُوَ فِي ذكر الْمُقدمَات الْعَامَّة الجميلة وَلَو أفرد لاستقل بِنَفسِهِ كتابا مُفِيدا ويتلوه الْقسم الثَّانِي وَهُوَ الْكَلَام فِي الْمُبْهم من الْمسَائِل التفصيلية الْمُخْتَلف فِيهَا بَين أهل الاسلام وَذكر طرف صَالح مِمَّا فِيهَا من المباحث السمعية الْقَرِيبَة الَّتِي لَا خطر فِي النّظر فِيهَا وَلَا غنى لاهل الْمرتبَة الْوُسْطَى عَن معرفَة مثلهَا لتقر عقائدهم إِذْ يَسْتَحِيل من أهل هَذِه الْمرتبَة أَن يطمأنوا إِلَى التَّقْلِيد الْمَحْض وَإِنَّمَا يطمئن اليه من لم يدر قطّ مَا لتقليد وَلَا دري انه مقلد ومعظمها مهان
المهم الأول مقَام معرفَة كَمَال هَذَا الرب الْكَرِيم وَمَا يجب لَهُ من نعوته وأسمائه الْحسنى وَذَلِكَ من تَمام التَّوْحِيد الَّذِي لابد مِنْهُ لَان كَمَال الذَّات باسمائها الْحسنى ونعوتها الشَّرِيفَة وَلَا كَمَال لذات لَا نعت لَهَا وَلَا اسْم وَلذَلِك عد مَذْهَب الْمَلَاحِدَة فِي مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للاسلام فانهم عكسوا الْمَعْلُوم عقلا وسمعا فذموا الامر الْمَحْمُود ومدحوا الامر المذموم الْقَائِم مقَام النَّفْي والجحد الْمَحْض وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة قَالَ الله ﷻ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ وَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَنْصُوصا فِي كتاب الله وَجب الايمان بِهِ على الْجَمِيع والانكار على من جَحده أَو زعم ان ظَاهره اسْم ذمّ لله سُبْحَانَهُ وَمَا كَانَ فِي الحَدِيث وَجب الايمان بِهِ على من عرف صِحَّته وَمَا نزل عَن هَذِه الْمرتبَة أَو كَانَ مُخْتَلفا فِي صِحَّته لم يَصح اسْتِعْمَاله فان الله أجل من ان يُسمى باسم لم يتَحَقَّق انه تسمى بِهِ
وَعَادَة الْمُتَكَلِّمين أَن يقتصروا هُنَا على الْيَسِير من الْأَسْمَاء وَلَا يَنْبَغِي
стр. 151
ترك شَيْء مِنْهَا وَلَا اختصاره فان ذَلِك كالاختصار لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم وَلَو كَانَ مِنْهَا شَيْء لَا يَنْبَغِي اعْتِقَاده وَلَا ذكره مَا ذكره الله تعالي فِي الْقُرْآن الْعَظِيم
وَعَادَة بعض الْمُحدثين أَن يوردوا جَمِيع مَا ورد فِي الحَدِيث الْمَشْهُور فِي تعدادها مَعَ الِاخْتِلَاف الشهير فِي صِحَّته وحسبك ان البُخَارِيّ وَمُسلمًا تركا تَخْرِيجه مَعَ رِوَايَة أَوله واتفاقهما عَليّ ذَلِك يشْعر بِقُوَّة الْعلَّة فِيهِ كَمَا أوضحته فِي العواصم وَلَكِن الاكثرين اعتمدوا ذَلِك تعرضا لفضل الله الْعَظِيم فِي وعده من أحصاها بِالْجنَّةِ كَمَا اتّفق عَليّ صِحَّته وَلَيْسَ يستيقن احصاؤها بذلك الا لَو لم يكن لله سُبْحَانَهُ اسْم غير تِلْكَ الاسماء فَأَما إِذا كَانَت أسماؤه سُبْحَانَهُ أَكثر من أَن تحصي بَطل الْيَقِين بذلك وَكَانَ الاحسن الِاقْتِصَار عَليّ مَا فِي كتاب الله وَمَا اتّفق عَليّ صِحَّته بعد ذَلِك وَهُوَ النَّادِر كَمَا يَأْتِي
وَقد ثَبت أَن أَسمَاء الله تعالي أَكثر من ذَلِك الْمَرْوِيّ بِالضَّرُورَةِ وَالنَّص أما الضَّرُورَة فان فِي كتاب الله أَكثر من ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه ان شَاءَ الله تعالي وَأما النَّص فَحَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ عَن رَسُول ﷺ وَآله وَسلم أَنه قَالَ مَا قَالَ عبد أَصَابَهُ هم أَو حزن (اللَّهُمَّ اني عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن امتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همي وغمي) الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكَان حزنه فَرحا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَهَذَا اسناد أَحْمد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الحَدِيث الاربعين من مُسْند ابْن مَسْعُود من جَامع المسانيد أخبرنَا يزِيد ابْن هَارُون انا فُضَيْل بن مَرْزُوق أَنا أَبُو سَلمَة الْجُهَنِيّ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عبد الله ابْن مَسْعُود بِالْحَدِيثِ وَقَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلا والبرار وَرِجَال أَحْمد وَأبي يعلا رجال الصَّحِيح غير أبي سَلمَة الْجُهَنِيّ وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالقَاسِم هَذَا هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن مَسْعُود وَلَيْسَ هُوَ الدِّمَشْقِي الْمُخْتَلف فِيهِ بل هُوَ ثِقَة لم يتَكَلَّم عَلَيْهِ وَهُوَ من رجال البُخَارِيّ وَأهل السّنَن وَلم يذكرهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان إِلَّا للتمييز بَينه وَبَين
стр. 152
الْمُخْتَلف فِيهِ وَكَذَلِكَ لم يذكرهُ ابْن حجر فِيمَن انتقد على البُخَارِيّ وَأَبوهُ عبد الرَّحْمَن من رجال الْجَمَاعَة مُتَّفق عَلَيْهِ الا أَن سَمَاعه من أَبِيه لَيْسَ بِمَشْهُور فَحَدِيثه عَنهُ فِي السّنَن الْأَرْبَع وَقَالَ ابْن معِين والمزي قد سمع من أَبِيه وَمن علم حجَّة على من لم يعلم وَأَبُو سَلمَة هُوَ الْجُهَنِيّ وثقة ابْن حبَان وَلم يذكرهُ فِي الْمِيزَان وَعدم ذكره فِي الْمِيزَان دَلِيل على ثقته لَا سِيمَا مَعَ تَصْحِيح أبي عوَانَة للْحَدِيث وبقيتهم رجال الصِّحَاح فَثَبت هَذَا الحَدِيث
وَثَبت ان حصر الاسماء التِّسْعَة وَالتسْعين لَا ينَال الا بِتَوْفِيق الله تَعَالَى كساعة الاجابة يَوْم الْجُمُعَة لانها مجملة فِي أَسمَاء الله فلنذكر هُنَا مَا وَجَدْنَاهُ مَنْصُوصا من الْأَسْمَاء فِي كتاب الله بِالْيَقِينِ من غير تقليلد فانها أصح الْأَسْمَاء وأحبها إِلَى الله تَعَالَى حَيْثُ اخْتَارَهَا فِي أفضل كتبه لَا فضل أنبيائه وَالَّذِي عرفت مِنْهَا إِلَى الْآن بِالنَّصِّ صَرِيحًا دون الِاشْتِقَاق فِي الْقُرْآن مائَة وَخَمْسَة وَخَمْسُونَ غير الممادح السلبية كَمَا سَيَأْتِي وفيهَا اسْم وَاحِد بِالْمَفْهُومِ الْمَعْلُوم وَهُوَ الاعز ذكره ابْن حجر فِي تلخيصه وَلم أَجِدهُ بنصه فَذَكرته فِيهَا وَلم أَحْسبهُ فِي الْعدَد الْمَذْكُور وَهُوَ أَخذه من قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ جَوَابا على قَول الْمُنَافِقين ليخرجن الاعز مِنْهَا الْأَذَل وَهِي هَذِه وَهِي الِاعْتِقَاد مَتى سَأَلَ عَنهُ سَائل
هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الا لَهُ الصَّمد الْوَاحِد الاحد الرَّحْمَن الرَّحِيم ذُو الرَّحْمَة الواسعة أرْحم الرَّاحِمِينَ خير الرَّاحِمِينَ الْعَفو الغفور الغافر الْغفار وَاسع الْمَغْفِرَة أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة خير الغافرين الْحَاكِم الحكم الْحَكِيم الاحكم أحكم الْحَاكِمين خير الْحَاكِمين الْعَالم الْعَلِيم الاعلم علام الغيوب الرب الْبر الْوَاسِع الموسع الْملك المليك الْمَالِك مَالك الْملك الرازق الرَّزَّاق خير الرازقين الْخَالِق الخلاق أحسن الْخَالِقِينَ النَّاصِر نعم النصير خير الناصرين الْحَافِظ الحفيظ خير الحافظين النَّاصِر نعم النصير خير الناصرين الْحَافِظ الحفيظ خير الحافظين الْقوي الاقوى ذُو الْقُوَّة المتين الْعلي الاعلى المتعال الْقَادِر الْقَدِير المقتدر نعم الْقَادِر الْعَزِيز الاعز الشاكر الشكُور قَابل التوب التواب الْمُجيب الْقَرِيب
стр. 153
الاقرب الْحَيّ القيوم الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت الْفَاعِل الفعال لما يُرِيد الْوَارِث خير الْوَارِثين الْكَرِيم الاكرم فالق الاصباح فالق الْحبّ والنوى الْعَظِيم الاعظم الْوَلِيّ نعم الْمولى الشَّاهِد الشَّهِيد الْكَبِير الاكبر القاهر القهار نعم الْقَادِر نعم الماهد الْكَفِيل نعم الْوَكِيل المستمع السَّمِيع الْبَصِير البديع الرؤوف الْحَلِيم الرشيد السَّرِيع الْمُبين الْخَبِير المبرم الْغَنِيّ الحميد الْمجِيد الْوَهَّاب الْجَامِع الْمُحِيط الْكَافِي الحسيب الحاسب المقيت الرَّقِيب كاشف الضّر الفاطر الْكَاتِب المبتلي اللَّطِيف الصَّادِق الْحق الْوَدُود الحفي الْمُسْتَعَان الفاتح الفتاح نور السَّمَوَات وَالْأَرْض الْهَادِي رفيع الدَّرَجَات الرافع المنتقم الزَّارِع الْمنزل المنشئ الاول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْجَبَّار المتكبر البارئ المصور مخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ جَاعل اللَّيْل سكنا الْمُنْذر الْمُرْسل خير الفاصلين أسْرع الحاسبين خير المنزلين عَدو للْكَافِرِينَ ولي الْمُؤمنِينَ خير الماكرين المتم نوره الْغَالِب على أمره الْبَالِغ أمره ذُو الطول ذُو المعارج ذُو الْفضل الْعَظِيم ذُو الْعَرْش الْعَظِيم ذُو الانتقام ذُو الْجلَال والاكرام انْتهى مَا عَرفته من الاسماء الْحسنى نفعنا الله بهَا وببركاتها وَهِي مائَة ونيف وَخَمْسُونَ
وَقد تركت التّكْرَار فاكتفت باسم الرب عَن رب كل شَيْء وَرب الْعَالمين وَرب الْعِزَّة وَرب الْعَرْش الْعَظِيم وَرب الْمَلَائِكَة وَالروح واكتفيت بالواسع عَن وَاسع الْمَغْفِرَة وواسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما وَنَحْو ذَلِك وَتركت مَا كَانَ من صِفَات أَفعاله وأسمائه مثل شَدِيد الْعقَاب وسريع الْحساب وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ لم يسم نَفسه بهَا وَلَا علمت أحدا عدهَا فِي أَسْمَائِهِ بل عدت فِي أَفعاله لِأَنَّهُ لَا فرق فِي الْمَعْنى بَين قَوْله إِن الله شَدِيد الْعقَاب وَبَين قَوْله إِن عَذَاب الله لشديد فَتَأمل ذَلِك
وَذكر الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الاسى أَن مَا كَانَ يُطلق على الْعباد من أَسْمَائِهِ تَعَالَى على جِهَة الْحَقِيقَة مثل الزَّارِع وَالْكَاتِب لم يُطلق على الله مُجَرّد بل يُطلق حَيْثُ أطلقهُ على لَفظه مَعَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من السِّيَاق وَهَذَا حَيْثُ يخَاف اللّبْس
стр. 154
والتشبيه وَاجِب وَحَيْثُ يُؤمن أدب حسن واحتياط جيد وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
وَقد يدق على بعض النَّاس كَون بَعْضهَا فِي الْقُرْآن كالكفيل لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من قَوْله ﴿وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ وكالرافع من قَوْله ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ وَالْهَادِي من قَوْله ﴿لهاد الَّذين آمنُوا﴾ وَنَحْو ذَلِك وكالمبرم لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ مُفردا إِنَّمَا ذكر بِصِيغَة الْجمع فِي قَوْله ﴿أم أبرموا أمرا فَإنَّا مبرمون﴾ وَكَذَلِكَ الموسع والمنزل قَالَ تعالي ﴿وَإِنَّا لموسعون﴾ وَقَالَ ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نَحن المنزلون﴾ وَكَذَلِكَ الزَّارِع فِي قَوْله تعالي ﴿أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ والمبتلي فِي قَوْله تعالي ﴿وَإِن كُنَّا لمبتلين﴾ وَنَحْو ذَلِك ﴿وَكفى بِنَا حاسبين﴾ ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ ﴿وَهُوَ وليهم﴾ ﴿أَنْت ولينا﴾ وَكَذَلِكَ الاقرب إِنَّمَا وجدته فِي قَوْله تعالي ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقد ذكرت الْقَادِر مرَّتَيْنِ وَلَيْسَ تَكْرَارا بل الْقَادِر الاول من الْقُدْرَة وَلذَلِك ذكرته مَعَ الْقَدِير والمقتدر والقادر الثَّانِي من التَّقْدِير وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تعالي ﴿فَنعم القادرون﴾ وَقد ذكرت فِيهَا مخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَهُوَ فِي الْقُرْآن بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت لوَجْهَيْنِ احدهما إِنِّي ذكرت مخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وَهُوَ فِي الْقُرْآن بِالْمِيم وَلم أستحسن فرقة من صَاحبه وملازمة خَاصَّة
стр. 155
وَهُوَ أبهر مِنْهُ وأكبر وَأعظم مدحا وَأكْثر وَثَانِيهمَا أَن لفظ مخرج قد ثَبت فِي الْقُرْآن وَلم أرد الا اضافته إِلَيّ ذَلِك الْمَدْح الباهر وَالثنَاء الفاخر
وَيَنْبَغِي أَن يختمها الدَّاعِي بهَا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُقدم لعمومه لما لم يذكر وَمِمَّا يَنْبَغِي تِلَاوَته لمن تعرض لرحمة الله سُبْحَانَهُ فِي فضل احصاء التِّسْعَة وَالتسْعين اسْما الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ قد قيل أَنَّهَا أَسمَاء الله تعالي أَو رمز إِلَيّ اسماء شريفة وَلم يَصح وَلَيْسَ هَذَا موضعهَا لعدم صِحَة ذَلِك وَإِنَّمَا ذكرت ذَلِك ارشادا لمن يحب الْفَائِدَة وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب الله تعالي إِلَّا الْمُقدم والمؤخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي دُعَاء النَّبِي ﷺ حِين يقوم من اللَّيْل وَالْوتر ومنهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي سردت الاسماء الحسني فِي آخِره
وَزَاد ابْن حزم مِمَّا ادعِي صِحَّته السَّيِّد السبوح الْحق الْوتر الدَّهْر المسعر المحسن المحسان الْجَمِيل الرفيق الشافي الْمُعْطِي وَلم ينسبها إِلَيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَكِن تتبعها من أَحَادِيث مُتَفَرِّقَة وَكَذَلِكَ الطَّبِيب خرجه دوت وس باسناد عَليّ شَرط الشَّيْخَيْنِ لَكِن قَالَ التِّرْمِذِيّ أَنه غَرِيب من حَدِيث عبد الله بن اياد عَن أبي رمثة الصَّحَابِيّ مَرْفُوعا وَمِنْهَا مُقَلِّب الْقُلُوب لِأَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقسم بِهِ وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي الحَدِيث الْمُخْتَلف فِيهِ مِمَّا لم أَجِدهُ بنصه فِي الْقُرْآن خَمْسَة وَعشْرين اسْما وَهِي الْقَابِض الباسط الْخَافِض الْمعز المذل الْعدْل الْجَلِيل المحصي المبديء المعيد المحيي المميت الْوَاجِد بِالْجِيم الْمَاجِد الْمُقدم الْمُؤخر الْوَالِي المقسط الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع الْبَاقِي الرشيد الصبور وَزَاد ابْن مَاجَه عَليّ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا الراشد الْبُرْهَان الواقي الْقَائِم النَّاظر السَّامع الابد الْعَالم الْمُنِير التَّام الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فِي اطلاق بعض هَذِه نظر مَعَ عدم صِحَة الاسناد وَزَاد الْحَاكِم عَليّ التِّرْمِذِيّ فِي الْمُسْتَدْرك فِي هَذَا الحَدِيث الْمُخْتَلف فِيهِ بِعَيْنِه الحنان المنان الدَّائِم الْجَمِيل الْقَدِيم الْوتر الْمُدبر الشاكر الرافع وَزَاد عَلَيْهِ أَيْضا بِمَا فِي الْقُرْآن الاله الرب الفاطر المليك الْمَالِك الاكرم وَذكرت الرفيع فِيهَا إِذْ لم يَجعله مثل رفيع الدَّرَجَات
стр. 156
وَفِي حَدِيث آخر ان الله المسعر رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيّ وَصَحِيحه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس ذكره صَاحب المنتقي فِي التسعين
وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم مِنْهَا الْوتر الْمُقدم الْمُؤخر وَفِي مُسلم مِنْهَا الرفيق وَصحح ابْن مَاجَه مِنْهَا السَّيِّد السبوح الْجَمِيل المحسان المسعر الْقَابِض الباسط الشافي الْمُعْطِي الدَّهْر قَالَ ابْن مَاجَه بعد سردها ثمَّ قَالَ زُهَيْر وبلغنا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن راويها يفْتَتح بقول لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير لَا اله الا الله لَهُ الاسماء الْحسنى وَأكْثر هَذِه أَو كثير مِنْهَا صَحِيح الْمَعْنى بالاجماع فَلَا بَأْس بالحاق الْمجمع عَلَيْهِ مِنْهَا بِمَا فِي الْقُرْآن لما تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود من قَوْله ﷺ أَو عَلمته أحدا من خلقك
وَأما المشتقات من الافعال الربانية الحميدة فَلَا تحصى وَقد جمع بَعضهم مِنْهَا ألف اسْم مثل كَاتب الرَّحْمَة على نَفسه الْمَحْمُود الْعَادِل المعبود الْمُحكم الْمُنعم متم النِّعْمَة الْمطعم الْمُقدر القَاضِي الْمُدبر الْحق الشافي الْبَارِي الماحي الْمُثبت الْمُؤَيد الْكَافِي الْقَاسِم العاصم القاصم الدَّافِع المدافع المملي الْآخِذ المجير الْمُزَكي الْمُوفق الْمصرف الْمُمكن مُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار الصَّانِع الواقي الْمُتَكَلّم المريد المرجو الْمخوف المخشى المرهوب السَّابِق الديَّان المستجار المستعاذ المعاذ الملجأ المنجا المنجي وَلَو ذكر مِنْهَا مَا كَانَ من خَواص الربوبية كَانَ حميدا وَذَلِكَ مثل المحيي المميت خَاصَّة مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن صلَة للَّذي وَنَحْوه كَقَوْل الْخَلِيل ﵇ (وَالَّذِي يميتني ثمَّ يحيين) لِأَن الْمَوْصُول وصلته فِي حكم الْوَاحِد وَالله أعلم
وَأما أَنْوَاع الثَّنَاء من غير اشتقاق من أَلْفَاظ الْقُرْآن فَلَا تحصى مثل قديم الاحسان دَائِم الْمَعْرُوف المستغاث المأمول وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا منع لما أجمع عَلَيْهِ مِنْهُ وَالظَّاهِر جَوَاز هذَيْن النَّوْعَيْنِ لِأَنَّهُمَا من الاخبار الصادقة وَالله أعلم وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ مجمعا عَلَيْهِ على أَنه حسن لَا قبح فِيهِ وثناء جميل لَا ذمّ فِيهِ وَلَا تَمْثِيل وَلَا تَشْبِيه والا فالاقتصار على المنصوصات عِنْد الِاخْتِلَاف لَازم وَهُوَ مَوْضُوع الْكتاب
стр. 157
واما الممادح السلبية فِي كتاب الله تَعَالَى فاعتقادها لَازم وان لم تكن أَسمَاء فِي عرف أهل الْعَرَبيَّة لَكِنَّهَا نعوت حق وَاجِبَة بِنَصّ الْقُرْآن لله تَعَالَى وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَلَيْسَ لَهُ سمي فانه مَعْلُوم من قَوْله تَعَالَى ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ وان الْعباد لَا يحيطون بِهِ علما كَمَا قَالَ فِي سُورَة طه بل لَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وَإِنَّمَا اسْتثْنى فِي معلوماته المخلوقة وَإِمَّا فِي ذَاته المقدسة العزيزة فاطلق النَّفْي وَلم يسْتَثْن أحدا وَلَا شَيْئا وَلَو كَانَ يُرِيد أَن يخْتَص أحدا بذلك لاستثناه كَمَا اسْتثْنى من الاحاطة بِعِلْمِهِ
وَمن ذَلِك أَنه لَا تُدْرِكهُ الابصار وَهُوَ يُدْرِكهُ الابصار وَأَنه لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَأَنه وسع كرسيه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا يؤده حفظهما وانه خلقهما فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسّه من لغوب وَإنَّهُ لَيْسَ بظلام للعبيد وَإنَّهُ لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَلَا يُرِيد بِنَا الْعسر وَمَا جعل علينا فِي الدّين من حرج وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ اللّعب والعبث وخلو أَفعاله عَن الْحِكْمَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ وَقَوله ﴿رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار﴾ وأمثال هَذِه الْآيَات فِي حكمته فِي خلق الارضين وَالسَّمَوَات وَأَنه تَعَالَى لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَا يحب الْفساد وَلَا يُبدل القَوْل لَدَيْهِ تبديلا قبيحا بِخِلَاف التبديل الْحسن لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة وَالله أعلم بِمَا ينزل﴾ ولآيات النّسخ وانه لَا يخلف الميعاد وَأَنه تَعَالَى يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ وَيطْعم وَلَا يطعم وَأَنه لَا شريك لَهُ فِي الْملك وَلَا ولي لَهُ من الذل وان هَذِه الْآيَات دلّت على مَا أَجمعت عَلَيْهِ الامة اجماعا ضَرُورِيًّا وَعلم من الدّين علما ضَرُورِيًّا انه تَعَالَى منزه عَن كل نقص وعيب مِمَّا يَقع فِي أَسمَاء المخلوقين سَوَاء كَانَ من أَسمَاء الذَّم لَهُم كالظلم واللعب وَالْجهل أَو من أَسمَاء النَّقْص فيهم كالفقر والضعف وَالْعجز وَسَائِر مَا يجوز على الانبياء الاولياء وَأهل الصّلاح
стр. 158
وَأما أَسمَاء الْمَدْح الَّتِي تطلق على الْعباد على وُجُوه تَسْتَلْزِم النَّقْص وَتطلق على الله تَعَالَى على وُجُوه تَسْتَلْزِم الْكَمَال وَهِي صِفَات الْعلم وَالْقُدْرَة وَالرَّحْمَة والحياة وَنَحْو ذَلِك فانها تطلق على الله تَعَالَى على جِهَة الْكَمَال كَمَا اطلقها مُجَرّدَة عَن نقائص المخلوقين الَّتِي تعرض فِيهَا بِأَسْبَاب تخصهم دونه تَعَالَى فَهَذَا هُوَ اعتقادنا واعتقاد أهل الْحق وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
стр. 159
فصل فِي مَعَانِيهَا
اعْلَم أَنه قد تكلم على مَعَانِيهَا جمَاعَة من أهل الْعلم وَالتَّفْسِير وأكثرها وَاضح والعصمة فِيهَا عدم التَّشْبِيه واعتقاد أَن المُرَاد بهَا أكمل مَعَانِيهَا الْكَمَال الَّذِي لَا يُحِيط بحقيقته إِلَّا الله تَعَالَى كَمَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولابد من الاشارة هُنَا إِلَى أَمر جملي وَهُوَ أصل عَظِيم وَبَيَان نفع مَعْرفَته فِي تَفْسِير اسْمَيْنِ مِمَّا ورد مِنْهَا اسْم من صحيحها وَاسم من الْمُخْتَلف فِي صِحَّته مِنْهَا
أما الاصل الْعَظِيم فَهُوَ تَفْسِير الْحسنى جملَة وَذَلِكَ أَنَّهَا جمع الاحسن لَا جمع الْحسن وَتَحْت هَذَا سر نَفِيس وَذَلِكَ أَن الْحسن من صِفَات الالفاظ وَمن صِفَات الْمعَانِي فَكل لفظ لَهُ مَعْنيانِ حسن وَأحسن فَالْمُرَاد الاحسن مِنْهُمَا حَتَّى يَصح جمعه على حسنى وَلَا يُفَسر بالْحسنِ مِنْهُمَا إِلَّا الاحسن لهَذَا الْوَجْه
مِثَال الاول وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي لَهُ مَعْنيانِ اسْم النُّور وَقد ثَبت فِي سُورَة النُّور ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي دُعَاء رَسُول الله ﷺ فِي قيام اللَّيْل وَلَك الْحَمد أَنْت نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَهَذَا الِاسْم الشريف لَهُ مَعْنيانِ معلومان لَا خلاف فيهمَا وهما نور الابصار وَنور البصائر وَلَا خلاف بَين الْعُقَلَاء أَجْمَعِينَ دع عَنْك الْمُسلمين ان نور البصائر هُوَ أشرفهما وأكرمهما وخيرهما وأحسنهما وَذَلِكَ مَعْلُوم من ضَرُورَة الْعقل وَالدّين وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى فِي بَيَان تَعْظِيمه وتشريفه وتكريمه ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ أَي لَا تعمي الابصار الْعمي الضار الضّر المذموم المستعاذ مِنْهُ المهلك لمن وَقع فِيهِ وَإِنَّمَا تعمي هَذَا الْعمي الْعَظِيم الْمضرَّة الْقُلُوب الَّتِي هِيَ مَحل نور البصائر
стр. 160
فاذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَن الْقُرْآن الْكَرِيم قد دلّ على تَفْسِير هَذَا الِاسْم الشريف فِي حق الله تَعَالَى بذلك أوضح دلَالَة وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى بعد قَوْله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ فَدلَّ على أَنه نور الْهدى لِأَن نور الابصار مبذول مُشْتَرك بَين الْكفَّار وَالْمُسْلِمين بل بَين جَمِيع الْحَيَوَانَات الانسانية والبهيمية وَكَذَلِكَ ثَبت فِي الحَدِيث هَذَا الْمَعْنى فَخرج الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي تَفْسِير سُورَة النُّور من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ يَقُول مثل نور من آمن بِاللَّه كمشكاة وَقَالَ صَحِيح الاسناد
قلت الْوَجْه فِيهِ أَنه مَعْلُوم أَن الله لم يرد تَشْبِيه النُّور بالمشكاة نَفسهَا وان هُنَا محذوفا فاما ان يكون الْمَحْذُوف نور الْمشكاة حَتَّى يشبه النُّور بِالنورِ أَو يكون الْمَحْذُوف مَحل النُّور الَّذِي يَصح تشبيهه بالمشكاة نَفسهَا حَتَّى يشبه مَحل النُّور الَّذِي هُوَ الْمُؤمن أَو قلبه بالمشكاة نَفسهَا الَّتِي هِيَ مَحل تِلْكَ الْأَنْوَار الموصوفة فِي الْآيَة
وَقد كنت أتوقف فِي أَي التَّقْدِيرَيْنِ أولى حَتَّى وقفت على كَلَام ابْن عَبَّاس ﵁ فاتبعته لِأَنَّهُ مَنْصُوص على تَقْدِيمه فِي الْقُرْآن وتعليمه التَّأْوِيل بالدعوة النَّبَوِيَّة ثمَّ جَاءَ من طَرِيقه عَن رَسُول الله ﷺ تَحْرِيم تَفْسِير الْقُرْآن بِالرَّأْيِ ثمَّ ظهر لي بِالنّظرِ صِحَّته وَتبين أَنه لَا يُمكن سواهُ وَذَلِكَ أَنا لَو جعلنَا الْمَحْذُوف نور الْمشكاة لَكَانَ الْمُشبه بنورها هُوَ نور الله الْكُلِّي الاعظم وَهُوَ أجل من أَن يشبه بِنور الْمشكاة وَيدل على ذَلِك أَن الله تَعَالَى شبه ذَلِك النُّور الَّذِي شرفه باضافته اليه بالمشكاة المترادفة الانوار وَهَذَا التَّشْبِيه لَا يَلِيق إِلَّا مَتى كَانَ الْمُشبه قلب الْمُؤمن لِأَن النُّور الَّذِي فِيهِ من مواهب الله تَعَالَى هُوَ نصيب الْوَاحِد من الْمُؤمنِينَ الْمَخْصُوص بِهِ وَلذَلِك جَازَ تشبيهه يُوضحهُ أَنه لَا يجوز تَشْبِيه الله وَلَا تَشْبِيه شَيْء من صِفَاته بِشَيْء من مخلوقاته
وَأما أَن هَذَا النُّور هُوَ نور البصائر لَا نور الابصار فبدل عَلَيْهِ فِي هَذِه الْآيَات أَمْرَانِ أَحدهمَا قَوْله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾
стр. 161
) كَمَا تقدم وَثَانِيهمَا مُقَابلَته لذَلِك بتشبيه أَعمال الْكفَّار بالظلمات المترادفة ومقابلته لقَوْله ﴿نور على نور﴾ فِي حق الْمُؤمنِينَ بقوله ﴿ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض﴾ فِي حق الْكَافرين ومقابلته لقَوْله تَعَالَى ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ فِي حق الْمُؤمنِينَ بقوله (وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور) فِي حق الْكَافرين وَيدل على ذَلِك أَيْضا فِي هَذِه الْآيَات قَوْله تَعَالَى ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه﴾ فان فِيهَا بَيَان أَن هَذَا النُّور هُوَ نور الْهِدَايَة والاعمال الصَّالِحَة الَّتِي محلهَا فِي هَذِه الْبيُوت الشَّرِيفَة على الْخُصُوص وَلَيْسَ بِنور الْكَوَاكِب والابصار الَّتِي هِيَ تعم كل مَحل شرِيف وخسيس وكل مبصر مُؤمن وَكَافِر وَيدل على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة الْمُنْفَصِلَة عَن هَذِه الْآيَات مَا لَا يكَاد يُحْصى مثل قَوْله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس﴾ وَقَالَ فِي حق مُحَمَّد ﷺ ﴿فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون﴾
وَمن أوضحه ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ وَقَوله فِيهِ بافواههم من ترشيح الإستعارة أما نور الابصار وَالشَّمْس وَنَحْو ذَلِك فَلم يُنكر ذَلِك الْكفَّار وَلَا يُمكن أَن يهموا باطفائه وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي صفة رَسُول الله ﷺ ﴿وسراجا منيرا﴾
стр. 162
وَمن الاحاديث الصَّحِيحَة قَوْله ﷺ الصَّلَاة نور وَالصَّدَََقَة برهَان خرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ وَذَلِكَ يُنَاسب كَونهَا تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَهَذَا معنى نور الْهَدْي وَالله أعلم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ عِنْد أَن يقوم من اللَّيْل (اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا وَفِي سَمْعِي نورا وَفِي بَصرِي نورا وَفِي لساني نورا إِلَى قَوْله وَاجعَل لي نورا) قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة أَرَادَ ضِيَاء الْحق وَبَيَانه كَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ اسْتعْمل هَذِه الْأَعْضَاء مني فِي الْحق وَفِي حَدِيث آخر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ تمّ نورك فهديت فلك الْحَمد رَوَاهُ الْجَزرِي فِي الْعدة وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُقدم من رِوَايَة أَحْمد وَأبي عوَانَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي ذَلِك الدُّعَاء (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك إِلَى قَوْله أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وَفِي رِوَايَة وَنور بَصرِي فكون الْقُرْآن نور الْبَصَر هُنَا يدل على أَن المُرَاد بصر الْهدى وَالْحق أَيْضا كَمَا فسرته الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي قَوْله وَنور صَدْرِي وكل هَذَا دَلِيل على أَن الْهدى أصيل فِي التَّسْمِيَة بِهَذَا الِاسْم الشريف وَأَنه أشرف مَعَانِيه
فَظهر أَن معنى النُّور فِي أَسمَاء الله تَعَالَى هُوَ الْهَادِي لكل شَيْء إِلَى مَصَالِحه والمرشد لكل حَيّ إِلَى مَنَافِعه الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى حَتَّى هدى الطِّفْل الْمَوْلُود إِلَى الالتقام من الثدي وامتصاص اللَّبن
وأعجب من ذَلِك هِدَايَة أَوْلَاد الْبَهَائِم الَّتِي لَا تحسن أمهاتها شَيْئا من مُقَدمَات المعاونة على تَعْلِيم الرَّضَاع وَالْهِدَايَة إِلَى مَوضِع اللَّبن فَهَذَا من أَوَائِل هِدَايَة الله سُبْحَانَهُ لمن لَا هِدَايَة لَهُ وَلَا تمكن الاشارة إِلَى نهايات هداياته وَاخْتِلَاف أَنْوَاعهَا ومقاديرها
وَفِي كتاب العبر وَالِاعْتِبَار للجاحظ وَكتاب حَيَاة الْحَيَوَان من ذَلِك الْكثير الطّيب وَالْمُكثر من ذَلِك مقل فالهداية من الله تَعَالَى وَهُوَ الْهَادِي باجماع
стр. 163
الْمُسلمين وَقد خرج اسْم الْهَادِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَغَيرهم فِي حَدِيث الاسماء الْحسنى فالتفسير بهَا صَحِيح وان كَانَ الله تَعَالَى هُوَ رب الانوار كلهَا أنوار الابصار وأنوار البصائر فاللفظة لَا يُرَاد بهَا إِلَّا أحد مَعَانِيهَا على الصَّحِيح وَلم أتبع فِي هَذَا التَّفْسِير الرَّأْي وَإِنَّمَا اتبعت فِيهِ الْقُرْآن وَالسّنة كَمَا تقدم بَيَانه
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته هُوَ الَّذِي يبصر بنوره ذُو العماية ويرشد بهداه ذُو الغواية وَأما حَدِيث نور أَنِّي أرَاهُ فانه حَدِيث معل مُتَكَلم فِيهِ عِنْد أَكثر أَئِمَّة الحَدِيث وَهُوَ من رِوَايَة يزِيد بن ابراهيم التسترِي عَن قَتَادَة عَن عبد الله ابْن شَقِيق عَن أبي ذرانة سَأَلَ النَّبِي ﷺ هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ نور أَنى أرَاهُ
والقدح فِيهِ من وُجُوه الأول قدح أَئِمَّة الحَدِيث فِيهِ وَقد سُئِلَ إِمَام الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ مَا زلت مُنْكرا لَهُ روى ذَلِك عَن أَحْمد الْخلال فِي الْعِلَل وَابْن الْأَثِير فِي تَفْسِيره النُّور من النِّهَايَة وَابْن الْجَوْزِيّ بعد رِوَايَة الحَدِيث فِي جَامع المسانيد وَهُوَ الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ وَكَذَلِكَ روى ابْن الْجَوْزِيّ وَابْن الْأَثِير كِلَاهُمَا عَن امام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ فِي الْقلب من صِحَة هَذَا الحَدِيث شَيْء وَأَن الله شَقِيق لم يكن يثبت أَبَا ذَر ذكره ابْن الْأَثِير زَاد ابْن الْجَوْزِيّ لِأَنَّهُ قَالَ أتيت فاذا رجل قَائِم فَقَالُوا هَذَا أَبُو ذَر فَسَأَلته الحَدِيث
الثَّانِي أَن ابْن شَقِيق كَانَ ناصيا يبغض عليا ﵁ كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ وَذكر أَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ كَانَ سيء الرَّأْي فِيهِ قلت وَكَانَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ أحد أَئِمَّة الاسلام الْكِبَار وَرِجَال الْجَمَاعَة وَأهل المناقب الْمَشْهُورَة من سَادَات التَّابِعين معاصرا لِابْنِ شَقِيق خَبِيرا بِهِ فَقَوله فِيهِ مَقْبُول وَإِنَّمَا قبله من قبله على قاعدتهم فِي قبُول أهل الصدْق من الْخَوَارِج مَتى ظنُّوا صدقهم بالتجربة فِي مَوَاضِع سهلة يكون فِي قبولهم فِيهَا احْتِيَاط والمرجح آخر على مَا هُوَ مَبْسُوط فِي الْأُصُول وعلوم الحَدِيث وَهَذَا مقَام عَزِيز وَمحل رفيع لَا يقبل فِي مثله حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ
стр. 164
الثَّالِث أَن يزِيد بن إِبْرَاهِيم الرَّاوِي لَهُ عَن قَتَادَة ضَعِيف فِي قَتَادَة ضعفه فِيهِ يحيى بن معِين وَابْن عدي وهما من أجل أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَقد حكى ابْن حجر فِي عُلُوم الحَدِيث عَن الذَّهَبِيّ أَنه مَا اجْتمع اثْنَان من أَئِمَّة هَذَا الْعلم على جرح أَو تَوْثِيق إِلَّا كَانَ كَمَا قَالَا قَالَ ابْن حجر بعد ذَلِك والذهبي من أهل التتبع التَّام قلت لَعَلَّه يُرِيد حَيْثُ لم يعارضهما أحد مثل هَذَا الْموضع على أَن ابْن عدي قَالَ أَنهم أَنْكَرُوا على يزِيد هَذَا أَحَادِيث رَوَاهَا عَن قَتَادَة وَكَلَامه هَذَا يدل على أَنَّهُمَا لم ينفردا بتضعيفه فِي قَتَادَة بل فِيهِ نِسْبَة ذَلِك إِلَى أهل الحَدِيث وَأما أهل الصَّحِيح فَلم يخرجُوا حَدِيثه عَن قَتَادَة وَسَيَأْتِي عذر مُسلم فِي ذَلِك
الرَّابِع أَن الحَدِيث معل بِالِاضْطِرَابِ فانه رَوَاهُ تَارَة كَمَا تقدم وَتارَة رَأَيْت نورا وَهَاتَانِ رِوَايَتَانِ متضادتان فِي احداهما اثبات الرُّؤْيَة للنور وَفِي الْأُخْرَى انكار ذَلِك بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام وَهِي فِي هَذَا الْمقَام أَشد فِي الانكار وَالْعلَّة تقدح فِي حَدِيث الثِّقَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ فَاجْتمع فِيهِ الضعْف والاعلال وَأَحَدهمَا يَكْفِي فِي عدم تَصْحِيحه
الْخَامِس أَن أصح روايتي الحَدِيث إِن قَدرنَا صِحَّته هِيَ رِوَايَة رَأَيْت نورا وَلَيْسَ فِيهَا أَن ذَلِك النُّور هُوَ الله عَن ذَلِك وَإِنَّمَا كَانَت أصح الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهَا رِوَايَة هِشَام وَهَمَّام كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة الَّذِي هُوَ شيخ يزِيد بن ابراهيم المضعف فِي قَتَادَة وهما أوثق مِنْهُ مُطلقًا فَكيف فِي قَتَادَة فَلم يبْق لتصحيح رِوَايَته وَجه
فان قلت فَكيف خرج مُسلم الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا فِي الصَّحِيح قلت الَّذِي عِنْدِي أَنه إِنَّمَا خرجهما شَاهِدين على قُوَّة حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي نفي رُؤْيَة رَسُول الله ﷺ لله سُبْحَانَهُ لَيْلَة الاسراء فانه خرج حَدِيثهَا وَطول فِي ذكر طرقه ثمَّ أردفه بِمَا يُنَاسِبه ويقوى مَعْنَاهُ فَذكر هَذَا الحَدِيث من طريقيه مَعًا أردفه بِمَا يُنَاسِبه وَذكر بعده حَدِيث حجابه النُّور كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أبي مُوسَى شَاهدا لهَذَا الْمَعْنى وَمُسلم يتساهل فِي الشواهد هُوَ وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث وَقد تَأَوَّلَه غير وَاحِد على تَقْدِير صِحَّته بِأَن المُرَاد حجابه النُّور كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أبي مُوسَى مِمَّن تَأَوَّلَه ابْن الْأَثِير
стр. 165
فِي نهايته وَابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامعه بعد رِوَايَته وَذكر الْحجاب قرآني صَحِيح كَمَا يَأْتِي فِي آيَات الصِّفَات قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو من وَرَاء حجاب﴾ وَقَالَ فِي الْكَافرين ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ والحجاب حَاجِب للعباد لَا لله سُبْحَانَهُ كَمَا نبهت عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة فانه بَين فِيهَا انهم المحجبوبون لَا هُوَ وَهَذِه نُكْتَة شريفة فتأملها وَقد طَال الْكَلَام فِي هَذَا الِاسْم الشريف وَهُوَ مَوْضِعه لِأَن الْخطر من أَسمَاء الله سُبْحَانَهُ جليل وَالْكثير من الْبَحْث وَالتَّحْقِيق فِيهَا قَلِيل
وَمِثَال الثَّانِي اسْم الضار وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما ثَبت بالأدلة أَنه لَا يَصح أَن يُرِيد الشَّرّ لكَونه شرا بل إِنَّمَا يُريدهُ لما علم من الْخَيْر كَمَا بَينه الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الْأَسْنَى وسوف نبين أدلته فِي اثبات حِكْمَة الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَفعاله من هَذَا الْمُخْتَصر ثَبت أَن كل ضرّ من الله تَعَالَى هُوَ خير ونفع بِالنّظرِ إِلَى الْحِكْمَة فِيهِ وَبِذَلِك فسر النَّوَوِيّ الحَدِيث الصَّحِيح فِي التَّوَجُّه الْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ اليك أَي لَيْسَ بشر بِالنّظرِ إِلَى حكمتك فِيهِ وَمن هُنَا سمى الله تَعَالَى الْقصاص حَيَاة وَهُوَ قتل وَقطع وَنَحْو ذَلِك وَمن هُنَا لم يسْتَحق الطَّبِيب الَّذِي يكوي وَيقطع اسْم الضار فَثَبت أَن كل ضرّ مِنْهُ يسْتَحق أَن يُسَمِّي الله مِنْهُ أَسمَاء حَسَنَة مثل الديَّان والمنتقم والمبتلى وَهَذِه خير من اسْم الضار لِأَنَّهُ يفهم مِنْهَا المجازاة على أَفعَال مُتَقَدّمَة يسْتَحق أَهلهَا ذَلِك لأَجلهَا بِخِلَاف الضار وَكَذَلِكَ عَذَاب الله فِي الْآخِرَة فانه مُشْتَمل على ذَلِك وَإِلَى ذَلِك الاشارة بقوله ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون إِنَّه كَانَ فريق من عبَادي يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ فاتخذتموهم سخريا حَتَّى أنسوكم ذكري وكنتم مِنْهُم تضحكون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاء لمن كَانَ كفر﴾ بِضَم الْكَاف وَكسر الْفَاء وأمثال ذَلِك كثير مِمَّا يدل على نفع الْمُؤمنِينَ بِعَذَاب الْكَافرين والانتصاف لَهُم فَيجب أَن يكون فِي الِاسْم
стр. 166
الْمُشْتَقّ لله تَعَالَى من ذَلِك مَا يدل على حكمته بل هُنَا سر لطيف أنفس من ذَلِك وَهُوَ أَن كل ضرّ وَشر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فانما هُوَ بذنوب الْعباد وَمَا تستوجبه وتستدعيه من الْعُقُوبَات
أما شرور الدُّنْيَا فَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَفِي قِرَاءَة بِمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم فَإِن الْإِنْسَان كفور﴾ وَفِي آيَة ﴿إِذا هم يقنطون﴾ وَفِي قَوْله ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ مَعَ مَا فِي الحَدِيث من ذَلِك
وَأما عَذَاب الْآخِرَة فَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَقيل للظالمين ذوقوا مَا كُنْتُم تكسبون﴾ وَقَوله ﴿وَيَقُول ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَسَماهُ كسبا لَهُم وَعَملا وَمِنْه قَول أَيُّوب ﵇ ﴿أَنِّي مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ لما كَانَ عُقُوبَة ذَنبه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ فنسب الاخراج إِلَى الشَّيْطَان لذَلِك
وَمن أجل ذَلِك صَحَّ أَن يُقَال أَن الْعَذَاب ظلم وضر من الْعباد لأَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَأما من الله تَعَالَى فانما هُوَ مِنْهُ عدل وَحِكْمَة أما الْعدْل فلوقوعه جَزَاء وفَاقا بعد التَّمَكُّن والانذار وَقطع الاعذار والاشهاد وَالْكِتَابَة وَالْوَزْن بموازين الْحق وأمثال ذَلِك وَأما الْحِكْمَة فللنص على حَاجَة الْمُتَشَابه إِلَى التَّأْوِيل
وَفِي قصَّة مُوسَى وَالْخضر ﵉ بَيَان أَن التَّأْوِيل بَيَان وُجُوه خُفْيَة تناسب عقول الْعُقَلَاء وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنى مَبْسُوطا وَاضحا فِي مَسْأَلَة
стр. 167
الْحِكْمَة من هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الافعال بَيَان أَن الْمعاصِي من الْعباد وَمَا ورد فِي ذَلِك من نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنة الجمة الَّتِي لَا نزاع فِيهَا وَلَا معَارض لَهَا ومجموع ذَلِك يَقْتَضِي نسبتها وَنسبَة جَمِيع مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَيتَفَرَّع عَنْهَا من شرور الدَّاريْنِ إِلَى الْعباد الْمُسْتَحقّين للذم وَالْعَذَاب عَلَيْهَا بالنصوص والاجماع
وَأما تَقْدِير الله تَعَالَى لوقوعها بِاخْتِيَار الْعباد لحكمة فَهُوَ مثل سبق علمه بذلك لَا يُوجب لله تَعَالَى إِلَّا وصف الْقُدْرَة والعزة كَمَا يَأْتِي أَيْضا مَبْسُوطا فِي مَوْضِعه من هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فان قيل فَكيف جَازَ اطلاق الضار عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن اسْم الضار لم يرد فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته فَمن لم يتَحَقَّق الاذن فِيهِ وَلم يَصح لَهُ كالبخاري وَمُسلم وَمن شَرط فِي الصِّحَّة شَرطهمَا لم يجب عَلَيْهِ ادخاله فِي الاسماء الْحسنى وَقد بسطت القَوْل فِيهِ فِي العواصم فِي آخر مَسْأَلَة الْعباد وَذكرت فَوَائِد تسْتَحقّ الرحلة اليها إِلَى أبعد مَكَان فلتطلب من مَكَانهَا وَثَانِيهمَا على تَقْدِير صِحَة أَن اسْم الضار لَا يجوز افراده عَن النافع فحين لم يجز افراده لم يكن مُفردا من أَسمَاء الله تَعَالَى وَإِذا وَجب ضمه إِلَى النافع كَانَا مَعًا كالاسم الْوَاحِد الْمركب من كَلِمَتَيْنِ مثل عبد الله وبعلبك فَلَو نطقت بالضار وَحده لم يكن اسْما لذَلِك الْمُسَمّى بِهِ وَمَتى كَانَ الِاسْم هُوَ الضار النافع مَعًا كَانَ فِي معنى مَالك الضّر والنفع وَذَلِكَ فِي معنى مَالك الْأَمر كُله وَمَالك الْملك وَهَذَا الْمَعْنى من الْأَسْمَاء الْحسنى وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر﴾ الْآيَة وَهُوَ فِي معنى الْقَدِير على كل شَيْء
وميزان الاسماء الْحسنى يَدُور على الْمَدْح بِالْملكِ والاستقلال وَمَا يعود إِلَى هَذَا الْمَعْنى وعَلى الْمَدْح بِالْحَمْد وَالثنَاء وَمَا يعود إِلَى ذَلِك وكل اسْم دلّ هذَيْن الْأَمريْنِ فَهُوَ صَالح دُخُوله فِيهَا والضار النافع يرجع إِلَى ذَلِك مَعَ على الْجمع وَعدم الْفرق وَمَعَ الْقَصْد فَيلْزم من أطلقهُ قصد ذَلِك مَعَ الْجمع
стр. 168
وَقد ذكر غير وَاحِد من الْعلمَاء أَنه لَا يجوز افراد الضار وَلم يلخصوا هَذَا التَّلْخِيص وَقد وفْق الله لَهُ من كره الشذوذ عَن الْجُمْهُور فِي قبُوله وَإِن لم يكن من الاسماء القرآنية وَلَا مِمَّا صَحَّ سَنَده وَالله الْمُسْتَعَان وَالْهَادِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
فَائِدَة هَل يجوز تَسْمِيَة محامد الرب تَعَالَى وأسمائه الْحسنى صِفَات لَهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ وَذكر أهل التَّفْسِير واللغة أَنه الْوَصْف الا على وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي كَلَام عَليّ ﵇ أَنه قَالَ فَعَلَيْك أَيهَا السَّائِل بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن من صفته ذكره السَّيِّد أَبُو طَالب فِي الأمالي باسناده وَالسَّيِّد الرضي فِي النهج كِلَاهُمَا فِي جَوَابه ﵇ على الَّذِي قَالَ لَهُ صف لنا رَبنَا وَهَذَا لَا يُعَارض قَوْله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ﴾ لِأَنَّهُ لم ينزه ذَاته عَن الْوَصْف مُطلقًا حَتَّى يعم الْوَصْف الْحسن وَإِنَّمَا ينزه عَن وَصفهم لَهُ بِالْبَاطِلِ الْقَبِيح
وَمِمَّا يحْتَاج إِلَى ذكر الشَّاهِد فِي هَذِه الاسماء الْمُخْتَلف فِي صِحَة سندها اسْم الصبور لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى وَقد خرج البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث أبي مُوسَى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا أحد أَصْبِر على أَذَى سَمعه من الله إِنَّه ليشرك بِهِ وَيجْعَل لَهُ الْوَلَد ثمَّ يعافيهم ويرزقهم ذكره ابْن الْأَثِير فِي آخر كتاب الصَّبْر من حرف الصَّاد من جَامعه وَيشْهد لذَلِك مَا ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من نِسْبَة الْغَضَب فعلا لَا اسْما إِلَى الله تَعَالَى وكل ذَلِك مَعَ الْقطع بِانْتِفَاء نقائص المخلوقين اللَّازِمَة لهَذِهِ الامور عَن جلال الله باجماع الْمُسلمين فِي الْمَعْنى وَإِن اخْتلفت عباراتهم
وَالَّذِي فِي كتاب الله تَعَالَى اسْم الْحَلِيم وهما فِي الْمَعْنى متقاربان قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة هُوَ الَّذِي لَا يعاجل العصاة وَمَعْنَاهُ قريب من معنى الْحَلِيم وَالْفرق بَينهمَا أَن المذنب لَا يَأْمَن الْعقُوبَة كَمَا يأمنها فِي صفة الْحَلِيم كَذَا قَالَ وَفِيه نظر فانه لَا أَمَان لمذنب من الْعقُوبَة بالاجماع من الوعيدية وَأهل الرَّجَاء واهل الارجاء لجهل الْخَوَاتِم والنصوص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن عَذَاب رَبهم غير مَأْمُون﴾ وَفِي آيَة ﴿إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا﴾
стр. 169
وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا﴾ وَغير ذَلِك وَالله أعلم وَلذَلِك قَالَت المرجئة بِبَقَاء الْخَوْف فِي حَال التَّكْلِيف
وَأما المنان فَقَالَ ابْن الاثير فِي النِّهَايَة وَغَيره أَنه الْمُنعم من الْمَنّ وَهُوَ الاحسان الَّذِي لَا يطْلب عَلَيْهِ جَزَاء لَا من الْمِنَّة وَهُوَ من تَفْسِير اللَّفْظ الْمُشْتَرك بِأَحْسَن مَعَانِيه لما قَدمته وَإِن كَانَت الْمِنَّة حَسَنَة من الله تَعَالَى كَمَا قَالَ ﴿بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وَلَكِن الاسماء الْحسنى جمع الاحسن لَا جمع الْحسن كَمَا تقدم فَتَأمل ذَلِك يفتح لَك بَاب الْفِقْه فِي أَسمَاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
стр. 170
فصل
فِي التَّعْرِيف بالقصور عَن الاحاطة بِحَقِيقَة معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ ونعوته الجليلة من جَمِيع الْوُجُوه على مُقْتَضى مَا أرشدنا اليه رَبنَا فِي قَوْله ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ وكما اشْتهر عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ابْن أبي طَالب ﵇ حَتَّى روته الْخُصُوم عَنهُ وَكفى بِهِ أُسْوَة وسلفا صَالحا فِي ذَلِك كَيفَ وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف من أهل عصره وَمن بعدهمْ بل اعْترف الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد المعتزلي أَنه قَول لم تزل فضلاء الْعُقَلَاء مائلين اليه وَقد اخْتَرْت ايراد كَلَام الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الْأَسْنَى فِي شرح اسماء الله الْحسنى لحسن عِبَارَته ووضوح أَمْثَاله فِي ذَلِك فَأَقُول
قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْفَصْل الرَّابِع من مُقَدمَات الْمَقْصد الْأَسْنَى وَقد حث على الترقي فِي الْمَرَاتِب الشَّرِيفَة الكمالية من الْعلم وَالرَّحْمَة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِيهِ تخلق بِبَعْض أَسمَاء الله
فان قلت ظَاهر هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى مشابهة بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء
فَأَقُول مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله تَعَالَى عرفت أَنه لَا مثل لَهُ وَيَنْبَغِي أَن لَا تظن أَن الْمُشَاركَة بِأَيّ لفظ توجب الْمُمَاثلَة أَلا ترى أَن الضدين بَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون فَوْقه بعد وهما متشاركان فِي أَوْصَاف كَثِيرَة فالسواد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه مدْركا وَفِي كَونه لونا فِي كَونه مَوْجُودا ومرئيا ومعلوما وَفِي أُمُور أخر إِلَى قَوْله
стр. 171
وَلَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية فالفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للانسان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ بالنوع وَإِنَّمَا يشابهه بالكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة المقومة للذات الانسانية والخاصية الالهية أَنه سُبْحَانَهُ الْمَوْجُود الْوَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ الَّتِي عَنْهَا يُوجد مَا فِي الامكان وجوده على أحسن الْوُجُوه فِي النظام والكمال وَهَذِه الْخَاصَّة لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة أَلْبَتَّة والمماثلة لَا تحصل إِلَّا بهَا فكون العَبْد صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سمعيا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا بل أَقُول خاصية الالهية لَيْسَ إِلَّا لله وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ أَو مثله لَو كَانَ لَهُ مثل فحين لم يكن لَهُ مثل فَلَا يعرفهَا غَيره فاذا الْحق مَا قَالَه الْجُنَيْد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يعرف الله إِلَّا الله إِلَى قَوْله بل أَزِيد فَأَقُول لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَالْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْت وَدخُول الْجنَّة وَالنَّار لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يدْرك قطّ لَذَّة لم يمكننا أصلا أَن نفهمه الْجنَّة تفهيما يرغبه فِيهَا وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئا من اللَّذَّات فغايتنا أَن نفهمه الْجنَّة بأعظم مَا ناله من تِلْكَ اللَّذَّات فان كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمها أصلا إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ الْمُخَالفَة لَهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة النِّكَاح بحلاوة السكر مَتى طالبنا الصَّغِير وَمن لَا يَشْتَهِي النِّكَاح أَن نعرفه ذَلِك بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَن الْجنَّة أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
فَكيف يتعجب من قَوْلنَا لم يحصل أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض من معرفَة الله تَعَالَى إِلَّا على الاسماء إِلَى قَوْله فان قلت فاذا لم يعرف حَقِيقَة ذَاته فَهَل تعرف حقائق الاسماء قُلْنَا هَيْهَات ذَلِك لَا يعرفهُ بالكمال إِلَّا هُوَ لأَنا إِذا علمنَا ذاتا عَالِمَة فقد علمنَا شَيْئا مُجملا لَا نَدْرِي مَا حَقِيقَته لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم فان كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة كَانَ علمنَا بهَا علما تَاما وَإِلَّا فَلَا وَلكنه لَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله إِلَّا من لَهُ مثل علمه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه وَعلم الله لَا يُشبههُ علم الْخلق أَلْبَتَّة فَلَا يكون معرفتهم بِعِلْمِهِ معرفَة تَامَّة بل إلهامية تشبيهية فَلَا تعجبن من
стр. 172
هَذَا بل أَقُول لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه انْتهى كَلَامه
وَالْقَصْد تقريب الافهام من معنى قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ وَعَن أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فِي عجز الْعُقُول عَن ذَلِك امْتنع عَنْهَا بهَا واليها حاكمها وَقد ذكرت كَلَام الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد المعتزلي عَنْهَا فِي ذَلِك وأشعاره ومبالغته فِي نصرته قَرِيبا وَكَذَلِكَ نض الامام الْمُؤَيد بِاللَّه يحيى بن حَمْزَة فِي شَرحه لنهج البلاغة وَاحْتج بِكَلَامِهِ ﵇ على ضعف كَلَام أبي هَاشم
وَحكى الرَّازِيّ قَول عَليّ ﵇ عَن جُمْهُور الْمُحَقِّقين وَابْن أبي الْحَدِيد عَن فضلاء الْعُقَلَاء وَهُوَ قَول الباقلاتي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ والكيا الهراسي وَالْغَزالِيّ والصوفية حكى ذَلِك الزَّرْكَشِيّ فِي شرح جمع الْجَوَامِع وجود الْكَلَام احتجاجا وجوابا وَقد نقلته وزدت عَلَيْهِ فِي تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن وَيدخل فِيمَا ذكرته مَسْأَلَة الْقُرْآن وَمَسْأَلَة الرُّؤْيَة وَقد بسطت القَوْل فيهمَا فِي العواصم فِي المجلد الثَّانِي فِي مِقْدَار ثَمَانِينَ ورقة وجودت القَوْل فِي أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ على الانصاف وَللَّه الْحَمد وتقصيت كَلَام أهل المعقولات ومعارضة بَعضهم بَعْضًا ونقلته من كتبهمْ الحافلة الَّتِي هِيَ النِّهَايَة فِي ذَلِك ليخرج الْوَاقِف على ذَلِك من ظلمات التَّقْلِيد والعصبية وَهُوَ يَأْتِي جُزْءا مُفردا لمن أحب أَن يضمه إِلَى هَذَا أَو مجلدا وَاحِدًا مَعَ هَذَا لمن أحب
وَيلْحق بِهَذَا الاشارة إِلَى مَذْهَب أهل السّنة فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ قَالُوا المُرَاد نفي التَّشْبِيه بتعظيم الاسماء الْحسنى واثباتها لَا بنفيها كَمَا قَالَت القرامطة مِثَاله أَنه عليم لَا يعرب عَن علمه شَيْء وَلَا يَزُول علمه وَلَا يتَغَيَّر وَلَا يكْتَسب بِالنّظرِ الَّذِي يجوز فِيهِ الْخَطَأ وَيتَعَلَّق بالماضي والمستقبل والغيب وَالشَّهَادَة وَيعلم خَائِنَة الاعين وَمَا تخفي الصُّدُور وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وأمثال ذَلِك فِي كل اسْم
стр. 173
وَيدل على قَوْلهم وُجُوه الأول قَوْله فِي آخر الْآيَة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَهُوَ أوضح دَلِيل على ذَلِك الثَّانِي تمدحه تَعَالَى بِكُل اسْم على انْفِرَاده الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي الْوَصْف الاعلى على أَلْسِنَة أهل السَّمَوَات والارض وَهُوَ كَمَال الثَّنَاء بأسمائه الْحسنى كَمَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ وَالْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا وَأما نفي الاسماء عَنهُ وتأويلها فَلَا يدل عَلَيْهِ عقل وَلَا سمع بل هُوَ خلاف الْمَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين وَلَيْسَ فِيهِ من الشُّبْهَة غير تسميتهم لَهُ تَنْزِيها وَهُوَ اسْم حسن على مُسَمّى قَبِيح فَالْوَاجِب تَنْزِيه الله تَعَالَى مِنْهُ
الرَّابِع اجماع أهل الاسلام على مدحه تَعَالَى باثبات الاسماء الْحسنى لَا بنفيها فان تَسْمِيَة الْمَلَاحِدَة نَفيهَا تَنْزِيها لله تَعَالَى من مكائدهم للاسلام وَالْمُسْلِمين وَكم فعلت الزَّنَادِقَة فِي الاسلام من نَحْو ذَلِك يسترون قبائح عقائدهم بتحسين الْعبارَات قَاتلهم الله تَعَالَى وَبِذَلِك تمّ الْكَلَام فِي الذَّات والاسماء الْحسنى وَالله الْهَادِي وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل ويتلوه الْكَلَام فِي الْحِكْمَة والمشيئة وَالْقَضَاء وَالْقدر وأفعال الْعِبَادَة وتمكينهم والاسماء الدِّينِيَّة والوعد والوعيد والتكفير والتفسيق وَمَا يجب من حب الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة وَسَائِر الْمُؤمنِينَ
تمّ الْجُزْء الْمُبَارك من إِيثَار الْحق على الْخلق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم
стр. 174
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله وَحده المهم الثَّانِي الْكَلَام فِي حِكْمَة الله تَعَالَى تمّ فِي مَشِيئَته ومحبته وأفعال الْعباد وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الْكفْر وَالْفِسْق والوعد والوعيد
وَهَذَا المهم يخْتَص بِمن قد عرف من علم الْكَلَام وَالِاخْتِلَاف مَا أمرض قلبه أَو منع يقينه بالاعتقاد الْجملِي أَو من رسخت فِي قلبه العصبية وَلم يسْتَطع دَفعهَا من غير حجَّة حِين بقيت بِلَا معَارض أَو من ضل بالتقليد وَمن كَانَ فِي عَافِيَة من ذَلِك فَلَا يحْتَاج اليه وَالله أعلم
ولنبدأ بالْقَوْل فِي الْحِكْمَة لِأَنَّهَا الاساس فانها نوع مَخْصُوص من علم الله تَعَالَى بالمنافع الْخفية والعقول الحميدة والمصالح الراجحة وَبهَا تبرز أَفعاله تَعَالَى من الْقُدْرَة إِلَى الْوُجُود ويتبين عجز الْعُقُول عَن مدارك جَمِيع مَا لَهُ من الْحِكْمَة وَالْكَرم والجود فَنَقُول وَبِاللَّهِ نستعين وَهُوَ حسيبنا وَنعم الْوَكِيل
الْمَسْأَلَة الأولى فِي إِثْبَات حِكْمَة الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَفعاله وَأَن ذَلِك أحوط وَمَعْنَاهَا هَهُنَا الْعلم بِأَفْضَل الاعمال وَالْعَمَل بِمُقْتَضى ذَلِك الْعلم مِثَاله الْعلم بِأَن الصدْق أولى من الْكَذِب وَالْعدْل أولى من الْجور والجود أولى من الْبُخْل والاحسان أولى من الاساءة وَلَا خلاف فِي تَسْمِيَة هَذَا الَّذِي ذكرته حِكْمَة فِي حق الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء من الْخلق وَإِنَّمَا ادّعى بعض الغلاة أَن مثل ذَلِك مِنْهَا محَال فِي حق الرب كَمَا يَأْتِي فَسَاده وتختلف الْعبارَات عَمَّا ذكرنَا وَالْمعْنَى وَاحِد
وَقد ذكر ابْن الاثير فِي النِّهَايَة فِي غَرِيب الحَدِيث أَن الْحِكْمَة الْعلم
стр. 175
بِأَفْضَل الاعمال وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ فان النَّبِي ﷺ لم يكن يعلمهُمْ الصناعات بالاجماع وَإِنَّمَا كَانَ يعلمهُمْ أفضل الْأَعْمَال من أحسن الْأَخْلَاق وعَلى هَذَا التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن اشكر لله وَمن يشْكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا أنزل عَلَيْكُم من الْكتاب وَالْحكمَة يعظكم بِهِ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَقَول عِيسَى ﵇ ﴿وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فانه لَا يَصح تَأْوِيل الْحَكِيم فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ وَغَيرهمَا بالمحكم لعدم الْمُنَاسبَة كَمَا سَيَأْتِي
وَعبارَة أهل الْكَلَام فِي تَفْسِير الْحِكْمَة أَنَّهَا اثبات دَاع رَاجِح إِلَى جَمِيع مَا فعله الله وأراده وان خَفِي على خلقه أَو كثير مِنْهُم والمرجع بِهَذَا الدَّاعِي إِلَى علم الله تَعَالَى بالمصالح والغايات الحميدة وَسبب وُقُوع الْخلاف فِي ذَلِك أَن قوما مِمَّن أثبت الْحِكْمَة غلوا فِي ذَلِك فأوجبوا معرفَة الْعُقُول للحكمة بِعَينهَا على جِهَة التَّفْصِيل فجاؤا بأَشْيَاء ركيكة فَرد عَلَيْهِم ذَلِك طَائِفَة من الاشعرية وغلوا فِي الرَّد وَأَرَادُوا حسم مواد الِاعْتِرَاض بِنَفْي التحسين الْعقلِيّ واستلزم ذَلِك نفي الْحِكْمَة فتجاوزوا الْحَد فِي الرَّد فوقعوا فِي أبعد مِمَّا ردُّوهُ وَأَشد وَخير الامور أوسطها
وَالْقَوْل بحكمة الله تَعَالَى أوضح من أَن يرْوى عَن صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو مُسلم سَالم من تَغْيِير الْفطْرَة الَّتِي فطر الله خلقه عَلَيْهَا وَلذَلِك تقر بِهِ الْعَوام من كل فرقة ويقر بِهِ كل من لم يَتَلَقَّن خِلَافه من اتِّبَاع غلاة بعض الْمُتَكَلِّمين على مَا فيهم من الشذوذ وَقد اجتهدوا واحتالوا فِي تَحْسِين مَذْهَبهم بِمُجَرَّد عِبَارَات مزخرفة لَيْسَ تحتهَا أثارة من علم مثل تَسْمِيَة الْحِكْمَة الْعلَّة وإبهام
стр. 176
أَن القَوْل بالحكمة يقْدَح فِي كَون الله غَنِيا وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل وَلَو كَانَ ذَلِك يقْدَح فِي غناهُ وَجب أَن يقْدَح فِي غناهُ وجوب وَصفه بِكَوْنِهِ عليما قَدِيرًا سميعا بَصيرًا إِلَى سَائِر أَسْمَائِهِ الْحسنى خُصُوصا كَونه تَعَالَى مرِيدا وَلزِمَ مَذْهَب الْمَلَاحِدَة فِي نفي جَمِيع أَسْمَائِهِ وَكَانَ الْمَعْدُوم والجماد أغْنى الْأَغْنِيَاء وَقد تقرر فِي قَوَاعِد أهل الاسلام نفي التَّشْبِيه عَن ذَات الله تَعَالَى وصفات وأفعاله وتقرر أَن المُرَاد بِنَفْي التَّشْبِيه تَعْظِيم الرب جلّ وَعز فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله لَا نفي الصِّفَات والاسماء والممادح
فَمن الْوَاجِب فِي نفي التَّشْبِيه عَن أَفعاله أَن تكون أكمل من أَفعَال المخلوقين من جَمِيع الْوُجُوه لَا أَنَّهَا تكون أخس وَلَا أنقص فِي وَجه وَاحِد من الْوُجُوه المحمودة
وَلَا ريب وَلَا شُبْهَة أَن قَاعِدَة الْكَمَال فِي الافعال أَن يكون صدورها عَن الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي توجيهها إِلَى الْمصَالح الراجحة والعواقب الحميدة فَكلما ظهر ذَلِك فِيهَا كَانَت أدل على حِكْمَة فاعلها وَعلمه وَحسن اخْتِيَاره ومحامده وَكلما بَعدت عَن ذَلِك كَانَت أشبه بالآثار الاتفاقية وَمَا يتَوَلَّد عَن الْعِلَل الْمُوجبَة وأشبهت أَفعَال الصّبيان فِي ملاعبهم والمجانين فِي خيالاتهم فَلَا يُوجد فِي أَفعَال المخلوقين أخس وَلَا أنقص من أَفعَال الصّبيان والمجانين لخلوها عَن الْحِكْمَة مَعَ أَنَّهَا لم تخل من مُوَافقَة شهواتهم وَلم تجرد عَن كل دَاع فَمن نفي عَن أَفعَال الله كل دَاع وَحِكْمَة فقد جعلهَا من هَذِه الْجِهَة أنقص قدرا من أَفعَال الصّبيان والمجانين فِي ملاعبهم وجنونهم
وأصل أهل الاسلام تَحْرِيم تَشْبِيه أَفعَال الله بِأَفْعَال الْعُقَلَاء والحكماء فِي كمالها وَعدم مداناتهم لَهَا فِي ذَلِك لزيادتها فِي الْكَمَال فِي ذَلِك وبلوغها فِي الزِّيَادَة إِلَى منزلَة لَا تبلغها عقول الاذكياء والحكماء كَمَا أَن الْحَيَوَان البهيمي لَا يبلغ بِمَا لَهُ من الالهام إِلَى تعرف حِكْمَة الْحُكَمَاء وتصانيف الأذكياء ومعارف الفطناء وَلَا يتَمَكَّن من معرفَة مِقْدَار زيادتهم عَلَيْهِ فَكَذَلِك الْحُكَمَاء لَا يعْرفُونَ جَمِيع حِكْمَة الله تَعَالَى وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يعرفوا مِقْدَار زيادتها على حكمتهم كَمَا وضح فِي قصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر ﵉ وَللَّه
стр. 177
الْمثل الْأَعْلَى وَكَيف تجْعَل أَفعَال أحكم الْحَاكِمين أنقص رُتْبَة فِي خلوها عَن الْحِكْمَة وَأبْعد عَنْهَا من مرتبَة أَفعَال الصّبيان والمجانين والساهين
وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنهم جعلوها أنقص فِي ذَلِك لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنهم قطعُوا بخلوها كلهَا عَن كل حِكْمَة وداع وَسبب وَمنعُوا أَن تكون أَفعاله كلهَا أرجح من أضدادها إِلَّا فِي الاقوال فأوجبوا الصدْق فِي أَقْوَال الله تَعَالَى وَمنعُوا ضِدّه وَهُوَ الْكَذِب ولزمهم بذلك الْمُوَافقَة على ثُبُوت مثل ذَلِك فِي الافعال إِذْ لم يفرقُوا بَين الْأَفْعَال والأقوال بِحجَّة بَيِّنَة وَلَكِن خَافُوا من تَجْوِيز الْكَذِب على الله صَرِيح الْكفْر وَإِنَّمَا الاقوال نوع من الْأَعْمَال
وَقد أَجمعت الامة على دُخُول الاقوال والاعمال فِي الْوَعْد والوعيد على الاعمال وَفِي الصَّحِيح أَن أفضل الْعلم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة أَنه لَا تردد فِي دُخُول الاقوال فِي حَدِيث (الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وأمثال ذَلِك كَثِيرَة جدا هَذَا فِي اللُّغَة وَالنَّص والاجماع وَأما الْعقل فَلَا ريب فِي تساويهما فِي ذَلِك فَمَا بالهم أوجبوا صِيَانة الاقوال الربانية عَن النقائص وَأما فِي الْأَفْعَال الربانية فحكموا بِأَنَّهُ تَعَالَى لَو عكس الحكم فِي جَمِيع أوامره العادلة الْمصلحَة الحكيمة فِي شرائعه وَأَحْكَامه فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي يَوْم الْقِيَامَة أَو عذب الْأَنْبِيَاء والأولياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غَيرهم ثمَّ أَدخل أعداءه وأعداءهم الْجنَّة بحسناتهم واكرامهم وعظمهم مَا كَانَ هَذَا الْحَال عَلَيْهِ بأبعد عَن حكمته ومحامدة فِي الْعقل والسمع مِمَّا هُوَ فَاعله مِمَّا تمدح بِهِ وَسَماهُ حَقًا وعدلا وَحِكْمَة وصوابا وتمدح لذَلِك بِأَنَّهُ لَا معقب لحكمه وَلَا مبدل لكلماته وَبِأَنَّهُ إِذا بدل آيَة مَكَان آيَة لَا يبدلها إِلَّا بِمَا هُوَ خير مِنْهَا أَو مثلهَا فزعموا أَن التَّسْوِيَة بَين أَحْكَامه وأضدادها هُوَ مُقْتَضى الْعُقُول والشرائع لَكِن الشَّرَائِع وَردت بالْخبر عَن وُقُوع أحد الجائزين المتماثلين فِي الْحِكْمَة مثل تماثلهما فِي الْقُدْرَة بل المتماثلين فِي الْقُدْرَة بِلَا حِكْمَة عِنْدهم إِلَّا الصدْق فِي الْخَبَر فَوَاجِب وَحده فانا لله إِن كَانَت ذهبت الْعُقُول فَأَيْنَ الْحيَاء من الله تَعَالَى وَكتبه وَرُسُله وَالْمُسْلِمين
وَمن الْعجب ظنهم أَن هَذَا كُله جَائِز عَلَيْهِ فِي أَفعاله عقلا وَلَا يجوز فِي أَقْوَاله عقلا أدنى نقص وَلَا لغب وَهُوَ كَمَا قَالُوا فِي الْأَقْوَال لَكِن الصَّوَاب
стр. 178
صِيَانة أَفعاله كأقواله من الاهمال بل إهمال الافعال من الْحِكْمَة أضرّ وأقبح من إهمال الْأَقْوَال وَكم بَين التخليد فِي عَذَاب جَهَنَّم بِلَا ذَنْب بل بذنب الْغَيْر وَبَين الْخلف فِي وعد بمثوبة عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء فَمن لم يجز عَلَيْهِ هَذَا الْخلف كَيفَ يجوز عَلَيْهِ ذَلِك التعسف
وَثَانِيهمَا أَنهم جعلُوا صُدُور الافعال مِنْهُ تَعَالَى عَن حِكْمَة محالا عَلَيْهِ غير مُمكن لَهُ وَلَا دَاخل فِي مقدوره كاحالة الْأكل وَالشرب عَلَيْهِ وصدورها عَن حِكْمَة غير محَال فِي حق الصّبيان والمجانين والغافلين والنائمين والمفسدين عِنْد الْجَمِيع بل يلْزمهُم أَن الله تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا لَو عكس الصدْق وَالْحق وَبعث الْكَاذِبين المفسدين وأيدهم بالمعجزات مَا كَانَ أولى من عكس ذَلِك وَلم ينفصلوا عَن هَذَا الالزام بِوَجْه بَين وَإِنَّمَا خرموا قاعدتهم فِيهِ خوفًا من صَرِيح الْكفْر فَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا يمْتَنع الْكَذِب فِي كَلَام الله تَعَالَى لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا قد جوز أَن الْكَذِب من حَيْثُ هُوَ كذب قَبِيح لكنه مَعَ ذَلِك نسب إِلَى الله تَعَالَى عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَجمع بَين تجويزه نقصين نقص الْكَذِب لَو دخل فِي قدرَة الله تَعَالَى وَنقص الْعَجز عَنهُ تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
وَلذَلِك أبْطلهُ الرَّازِيّ بِأَن الْقدَم يخْتَص الْكَلَام النَّفْسِيّ لَا الْأَصْوَات عِنْدهم وَقَالَ الرَّازِيّ إِنَّمَا يمْتَنع الْكَذِب على الله تَعَالَى لِأَن صفة النَّقْص لَا تجوز على الله تَعَالَى وَهَذَا كَلَام صَحِيح لَكِن كَون الْكَذِب صفة نقص اعْتِرَاف بالتحسين والتقبيح وَثُبُوت الْحِكْمَة عقلا وَإِذا وَقع الاجماع على أَن الْكَذِب صفة نقص وعَلى أَنه إِنَّمَا امْتنع على الله لكَونه صفة نقص فَكَذَلِك تَعْذِيب الانبياء بذنوب أعدائهم وإثابة أعدائهم بحسناتهم فِي يَوْم الْقِيَامَة وَيَوْم الدّين وَالْحق وَالْعدْل فانه محَال على الله تَعَالَى عقلا وسمعا من الْجِهَة الَّتِي اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْكَذِب مِنْهَا وَمن زعم أَن بَينهمَا فرقا فِي النَّقْص على الْعدْل الْحَكِيم فقد أبطل وَالله يحب الانصاف على أَن بعثة الرُّسُل الصَّادِقين دون الْكَذَّابين من محسنات الافعال الَّتِي نازعوا فِيهَا وَلَيْسَت من صدق الاقوال الَّذِي أوجبوه فلزمهم تَجْوِيز بعثة الْكَذَّابين وتأييدهم بالمعجزات وَلذَلِك لما قرر هَذَا بعض أَئِمَّة المعقولات مِنْهُم لم ينْفَصل عَنهُ إِلَّا بالزام
стр. 179
خصومهم مثله وَترك ذَلِك كَذَلِك غنيمَة بَارِدَة للزنادقة والملاحدة مَتى وقفُوا عَلَيْهِ أَو ظفروا بِهِ وَالله الْمُسْتَعَان
وَقد أَجمعت الامة وَعلم من الدّين ضَرُورَة أَن الله تَعَالَى تمدح بِأَنَّهُ الْملك الحميد وَإِلَى هذَيْن الاسمين الشريفين ترجع متفرقات أَسْمَائِهِ الْحسنى فَمَا كَانَ مِنْهَا يَقْتَضِي كَمَال الْعِزَّة وَالْقُدْرَة والجبروت والاستقلال والجلال دخل فِي اسْم الْملك وَعَاد اليه وَمَا كَانَ مِنْهَا يَقْتَضِي الْجُود وَالرَّحْمَة واللطف والصدق وَالْعدْل وكشف الضّر وأمثال ذَلِك من الممادح دخل فِي اسْم الحميد وَعَاد اليه وَرُبمَا عبر عَنْهُمَا بِمَا رادفهما أَو أَحدهمَا مثل قَول النَّبِي ﷺ أهل الثَّنَاء وَالْمجد وَقَوله إِنَّك حميد مجيد فان الْمجد هُوَ الْملك وَالثنَاء هُوَ الْحَمد فَمن النَّاس من نظر إِلَى اسْم الْملك فَعَظمهُ ووفاه حَقه بِالنّظرِ إِلَى معارف الْبشر وَقصر فِي اسْم الحميد وَمَعْنَاهُ بِنَفْي الْحِكْمَة عَن أَفعاله كلهَا كَمَا أَن من النَّاس من عكس فَبَالغ فِي اسْم الحميد وَقصر فِي تَعْظِيم ملكه وَقدرته وعزته فَلم يَجْعَل لَهُ قدرَة على اللطف بِعَبْد وَاحِد من جَمِيع عباده العصاة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة وَجَمِيع أَئِمَّة الاسلام العارفين جمعُوا بَين تَعْظِيم هذَيْن الاسمين الشريفين ووفوا كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقه على حسب قوى الْبشر فِي ذَلِك وَمِمَّا قلته فِي ذَلِك فِي الاجادة
(فَمن قَاصد تنزيهه لَو رعى لَهُ ... من الجبروت الْحق عز التعاظم)
(وَمن قَاصد تَعْظِيمه لَو رعى لَهُ ... محامد ممدوح بِأَحْكَم حَاكم)
(وحافظ كل العارفين عَلَيْهِمَا ... وَهَذَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم لقائم)
ذَلِك أَن اسْم الْملك يَقْتَضِي تفرده بالخلق والامر والعزة وَعلم الغيوب وَالْقُدْرَة على كل شَيْء ثمَّ أَن الْكَمَال الاعظم فِي ذَلِك كُله يَقْتَضِي نُفُوذ الْمَشِيئَة وَسبق الْقَضَاء من غير جبر كَيْلا يفوت عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مُرَاد واسْمه الحميد يَقْتَضِي كَمَال الْحَمد وَالْعدْل وَالْحكمَة وَالْفضل والصدق والجود وَالثنَاء وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس ثمَّ أَن الْكَمَال الْأَعْظَم فِي ذَلِك كُله يَقْتَضِي أوفر نصيب لأفعاله الحميدة وَأَحْكَامه العادلة من التَّنْزِيه عَن اللّعب والعبث والخلو عَن الْحِكْمَة والمساواة بَينهَا وَبَين أضدادها وَهَذَا مَا لَا شُبْهَة
стр. 180
فِيهِ وَلذَلِك نَص عَلَيْهِ كثير من أَئِمَّة الْآثَار بل من عُلَمَاء الْكَلَام الَّذين رُبمَا اتهمهم خصومهم أَنهم من نفاة الْحِكْمَة
وَأَنا أورد من ذَلِك الْيَسِير على قدر هَذَا الْمُخْتَصر فَمن ذَلِك أَن ابْن الْحَاجِب جزم فِي كِتَابه مُخْتَصر مُنْتَهى السؤل والامل باجماع الْفُقَهَاء على أَن أَفعَال الله تَعَالَى فِي الشَّرَائِع معللة ذكره فِي دَلِيل الْعَمَل بالسير وَتَخْرِيج المناط من الْقيَاس وَذكر فِي مسالك الْعلَّة أَنَّهَا صَرِيح وتنبيه وإيماء فالصريح مثل لعِلَّة كَذَا أَو بِسَبَب أَو لاجل أَو لكَي أَو اذن أَو مثل لكذا أَو ان كَانَ كَذَا أَو بِكَذَا أَو مثل فانهم يحشرون أَو فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا وَمثل سَهَا فَسجدَ ثمَّ ذكر أَقسَام التَّنْبِيه والايماء بعد ذَلِك وَجَمِيع الاشعرية يتابعونه على ذَلِك فِي أصُول الْفِقْه كالرازي فِي الْمَحْصُول وَالْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى وَجَمِيع من أثبت الْقيَاس فِي الْفُرُوع وَكَذَلِكَ شرَّاح كِتَابه مِنْهُم وَمن غَيرهم مَعَ كثرتهم وَأَكْثَرهم أشعرية قرروا ذَلِك وَلم يعترضوه وَقد قيل أَنه شرح بسبعين شرحا
وَأما قَول عضد الدّين فِي شَرحه وجوبا عِنْد الْمُعْتَزلَة وتفضلا عِنْد غَيرهم فانما أَرَادَ ارسال الرُّسُل لَا تَعْلِيل الاحكام الشَّرْعِيَّة وَإِلَّا بَطل الْقيَاس وَلِأَن هَذَا النَّقْل عَن الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم بَاطِل فِي تَعْلِيل الاحكام الشَّرْعِيَّة وَكَذَلِكَ ذكر الْحَافِظ أسعد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالزنجاني أَن ذَلِك مَذْهَب أهل السّنة وَهُوَ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ذكره فِي شرح قصيدته الشهيرة فِي الْحَث على السّنة وَهِي الَّتِي أَولهَا (تمسك بِحَبل الله وَاتبع الْخَبَر) وَذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عِكْرِمَة من الْمِيزَان مَا يدل على ذَلِك وَكَذَلِكَ الامام الْخطابِيّ والعلامة الدَّمِيرِيّ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَأهل السّنة ذكرا حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلق الدَّاء والدواء فِي جناحي الذُّبَاب والهامة تَقْدِيم مَا فِيهِ الدَّاء وَتَأْخِير مَا فِيهِ الدَّوَاء ردا على من من طعن فِي الحَدِيث بذلك ونصا على أَن لله حِكْمَة فِي كل شَيْء وطولا فِي ذَلِك ذكره الدَّمِيرِيّ فِي كِتَابه حَيَاة الْحَيَوَان فِي ذكر الذُّبَاب من حرف الذَّال
وَشرح ابْن الْأَثِير الْحَكِيم بالحاكم وبذى الْحِكْمَة مَعًا وَلم يُنكر تَفْسِيره بِذِي الْحِكْمَة ويجعله من الْبدع وَفسّر الْحِكْمَة بِمَعْرِِفَة أفضل الْأَشْيَاء بِأَفْضَل الْعُلُوم فَجعل الاشياء متفاضلة فِي أَنْفسهَا وَالْحكمَة معرفَة ذَلِك وَهَذَا هُوَ المُرَاد وَإِذا كَانَ للاسم الشريف مَعْنيانِ صَحِيحَانِ مشتملان على الْحَمد
следующие страницы →