← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أَن القَوْل بالحكمة يقْدَح فِي كَون الله غَنِيا وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل وَلَو كَانَ ذَلِك يقْدَح فِي غناهُ وَجب أَن يقْدَح فِي غناهُ وجوب وَصفه بِكَوْنِهِ عليما قَدِيرًا سميعا بَصيرًا إِلَى سَائِر أَسْمَائِهِ الْحسنى خُصُوصا كَونه تَعَالَى مرِيدا وَلزِمَ مَذْهَب الْمَلَاحِدَة فِي نفي جَمِيع أَسْمَائِهِ وَكَانَ الْمَعْدُوم والجماد أغْنى الْأَغْنِيَاء وَقد تقرر فِي قَوَاعِد أهل الاسلام نفي التَّشْبِيه عَن ذَات الله تَعَالَى وصفات وأفعاله وتقرر أَن المُرَاد بِنَفْي التَّشْبِيه تَعْظِيم الرب جلّ وَعز فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله لَا نفي الصِّفَات والاسماء والممادح فَمن الْوَاجِب فِي نفي التَّشْبِيه عَن أَفعاله أَن تكون أكمل من أَفعَال المخلوقين من جَمِيع الْوُجُوه لَا أَنَّهَا تكون أخس وَلَا أنقص فِي وَجه وَاحِد من الْوُجُوه المحمودة وَلَا ريب وَلَا شُبْهَة أَن قَاعِدَة الْكَمَال فِي الافعال أَن يكون صدورها عَن الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي توجيهها إِلَى الْمصَالح الراجحة والعواقب الحميدة فَكلما ظهر ذَلِك فِيهَا كَانَت أدل على حِكْمَة فاعلها وَعلمه وَحسن اخْتِيَاره ومحامده وَكلما بَعدت عَن ذَلِك كَانَت أشبه بالآثار الاتفاقية وَمَا يتَوَلَّد عَن الْعِلَل الْمُوجبَة وأشبهت أَفعَال الصّبيان فِي ملاعبهم والمجانين فِي خيالاتهم فَلَا يُوجد فِي أَفعَال المخلوقين أخس وَلَا أنقص من أَفعَال الصّبيان والمجانين لخلوها عَن الْحِكْمَة مَعَ أَنَّهَا لم تخل من مُوَافقَة شهواتهم وَلم تجرد عَن كل دَاع فَمن نفي عَن أَفعَال الله كل دَاع وَحِكْمَة فقد جعلهَا من هَذِه الْجِهَة أنقص قدرا من أَفعَال الصّبيان والمجانين فِي ملاعبهم وجنونهم وأصل أهل الاسلام تَحْرِيم تَشْبِيه أَفعَال الله بِأَفْعَال الْعُقَلَاء والحكماء فِي كمالها وَعدم مداناتهم لَهَا فِي ذَلِك لزيادتها فِي الْكَمَال فِي ذَلِك وبلوغها فِي الزِّيَادَة إِلَى منزلَة لَا تبلغها عقول الاذكياء والحكماء كَمَا أَن الْحَيَوَان البهيمي لَا يبلغ بِمَا لَهُ من الالهام إِلَى تعرف حِكْمَة الْحُكَمَاء وتصانيف الأذكياء ومعارف الفطناء وَلَا يتَمَكَّن من معرفَة مِقْدَار زيادتهم عَلَيْهِ فَكَذَلِك الْحُكَمَاء لَا يعْرفُونَ جَمِيع حِكْمَة الله تَعَالَى وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يعرفوا مِقْدَار زيادتها على حكمتهم كَمَا وضح فِي قصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر ﵉ وَللَّه

стр. 177

الْمثل الْأَعْلَى وَكَيف تجْعَل أَفعَال أحكم الْحَاكِمين أنقص رُتْبَة فِي خلوها عَن الْحِكْمَة وَأبْعد عَنْهَا من مرتبَة أَفعَال الصّبيان والمجانين والساهين وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنهم جعلوها أنقص فِي ذَلِك لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنهم قطعُوا بخلوها كلهَا عَن كل حِكْمَة وداع وَسبب وَمنعُوا أَن تكون أَفعاله كلهَا أرجح من أضدادها إِلَّا فِي الاقوال فأوجبوا الصدْق فِي أَقْوَال الله تَعَالَى وَمنعُوا ضِدّه وَهُوَ الْكَذِب ولزمهم بذلك الْمُوَافقَة على ثُبُوت مثل ذَلِك فِي الافعال إِذْ لم يفرقُوا بَين الْأَفْعَال والأقوال بِحجَّة بَيِّنَة وَلَكِن خَافُوا من تَجْوِيز الْكَذِب على الله صَرِيح الْكفْر وَإِنَّمَا الاقوال نوع من الْأَعْمَال وَقد أَجمعت الامة على دُخُول الاقوال والاعمال فِي الْوَعْد والوعيد على الاعمال وَفِي الصَّحِيح أَن أفضل الْعلم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة أَنه لَا تردد فِي دُخُول الاقوال فِي حَدِيث (الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وأمثال ذَلِك كَثِيرَة جدا هَذَا فِي اللُّغَة وَالنَّص والاجماع وَأما الْعقل فَلَا ريب فِي تساويهما فِي ذَلِك فَمَا بالهم أوجبوا صِيَانة الاقوال الربانية عَن النقائص وَأما فِي الْأَفْعَال الربانية فحكموا بِأَنَّهُ تَعَالَى لَو عكس الحكم فِي جَمِيع أوامره العادلة الْمصلحَة الحكيمة فِي شرائعه وَأَحْكَامه فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي يَوْم الْقِيَامَة أَو عذب الْأَنْبِيَاء والأولياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غَيرهم ثمَّ أَدخل أعداءه وأعداءهم الْجنَّة بحسناتهم واكرامهم وعظمهم مَا كَانَ هَذَا الْحَال عَلَيْهِ بأبعد عَن حكمته ومحامدة فِي الْعقل والسمع مِمَّا هُوَ فَاعله مِمَّا تمدح بِهِ وَسَماهُ حَقًا وعدلا وَحِكْمَة وصوابا وتمدح لذَلِك بِأَنَّهُ لَا معقب لحكمه وَلَا مبدل لكلماته وَبِأَنَّهُ إِذا بدل آيَة مَكَان آيَة لَا يبدلها إِلَّا بِمَا هُوَ خير مِنْهَا أَو مثلهَا فزعموا أَن التَّسْوِيَة بَين أَحْكَامه وأضدادها هُوَ مُقْتَضى الْعُقُول والشرائع لَكِن الشَّرَائِع وَردت بالْخبر عَن وُقُوع أحد الجائزين المتماثلين فِي الْحِكْمَة مثل تماثلهما فِي الْقُدْرَة بل المتماثلين فِي الْقُدْرَة بِلَا حِكْمَة عِنْدهم إِلَّا الصدْق فِي الْخَبَر فَوَاجِب وَحده فانا لله إِن كَانَت ذهبت الْعُقُول فَأَيْنَ الْحيَاء من الله تَعَالَى وَكتبه وَرُسُله وَالْمُسْلِمين وَمن الْعجب ظنهم أَن هَذَا كُله جَائِز عَلَيْهِ فِي أَفعاله عقلا وَلَا يجوز فِي أَقْوَاله عقلا أدنى نقص وَلَا لغب وَهُوَ كَمَا قَالُوا فِي الْأَقْوَال لَكِن الصَّوَاب

стр. 178

صِيَانة أَفعاله كأقواله من الاهمال بل إهمال الافعال من الْحِكْمَة أضرّ وأقبح من إهمال الْأَقْوَال وَكم بَين التخليد فِي عَذَاب جَهَنَّم بِلَا ذَنْب بل بذنب الْغَيْر وَبَين الْخلف فِي وعد بمثوبة عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء فَمن لم يجز عَلَيْهِ هَذَا الْخلف كَيفَ يجوز عَلَيْهِ ذَلِك التعسف وَثَانِيهمَا أَنهم جعلُوا صُدُور الافعال مِنْهُ تَعَالَى عَن حِكْمَة محالا عَلَيْهِ غير مُمكن لَهُ وَلَا دَاخل فِي مقدوره كاحالة الْأكل وَالشرب عَلَيْهِ وصدورها عَن حِكْمَة غير محَال فِي حق الصّبيان والمجانين والغافلين والنائمين والمفسدين عِنْد الْجَمِيع بل يلْزمهُم أَن الله تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا لَو عكس الصدْق وَالْحق وَبعث الْكَاذِبين المفسدين وأيدهم بالمعجزات مَا كَانَ أولى من عكس ذَلِك وَلم ينفصلوا عَن هَذَا الالزام بِوَجْه بَين وَإِنَّمَا خرموا قاعدتهم فِيهِ خوفًا من صَرِيح الْكفْر فَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا يمْتَنع الْكَذِب فِي كَلَام الله تَعَالَى لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا قد جوز أَن الْكَذِب من حَيْثُ هُوَ كذب قَبِيح لكنه مَعَ ذَلِك نسب إِلَى الله تَعَالَى عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَجمع بَين تجويزه نقصين نقص الْكَذِب لَو دخل فِي قدرَة الله تَعَالَى وَنقص الْعَجز عَنهُ تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلذَلِك أبْطلهُ الرَّازِيّ بِأَن الْقدَم يخْتَص الْكَلَام النَّفْسِيّ لَا الْأَصْوَات عِنْدهم وَقَالَ الرَّازِيّ إِنَّمَا يمْتَنع الْكَذِب على الله تَعَالَى لِأَن صفة النَّقْص لَا تجوز على الله تَعَالَى وَهَذَا كَلَام صَحِيح لَكِن كَون الْكَذِب صفة نقص اعْتِرَاف بالتحسين والتقبيح وَثُبُوت الْحِكْمَة عقلا وَإِذا وَقع الاجماع على أَن الْكَذِب صفة نقص وعَلى أَنه إِنَّمَا امْتنع على الله لكَونه صفة نقص فَكَذَلِك تَعْذِيب الانبياء بذنوب أعدائهم وإثابة أعدائهم بحسناتهم فِي يَوْم الْقِيَامَة وَيَوْم الدّين وَالْحق وَالْعدْل فانه محَال على الله تَعَالَى عقلا وسمعا من الْجِهَة الَّتِي اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْكَذِب مِنْهَا وَمن زعم أَن بَينهمَا فرقا فِي النَّقْص على الْعدْل الْحَكِيم فقد أبطل وَالله يحب الانصاف على أَن بعثة الرُّسُل الصَّادِقين دون الْكَذَّابين من محسنات الافعال الَّتِي نازعوا فِيهَا وَلَيْسَت من صدق الاقوال الَّذِي أوجبوه فلزمهم تَجْوِيز بعثة الْكَذَّابين وتأييدهم بالمعجزات وَلذَلِك لما قرر هَذَا بعض أَئِمَّة المعقولات مِنْهُم لم ينْفَصل عَنهُ إِلَّا بالزام

стр. 179

خصومهم مثله وَترك ذَلِك كَذَلِك غنيمَة بَارِدَة للزنادقة والملاحدة مَتى وقفُوا عَلَيْهِ أَو ظفروا بِهِ وَالله الْمُسْتَعَان وَقد أَجمعت الامة وَعلم من الدّين ضَرُورَة أَن الله تَعَالَى تمدح بِأَنَّهُ الْملك الحميد وَإِلَى هذَيْن الاسمين الشريفين ترجع متفرقات أَسْمَائِهِ الْحسنى فَمَا كَانَ مِنْهَا يَقْتَضِي كَمَال الْعِزَّة وَالْقُدْرَة والجبروت والاستقلال والجلال دخل فِي اسْم الْملك وَعَاد اليه وَمَا كَانَ مِنْهَا يَقْتَضِي الْجُود وَالرَّحْمَة واللطف والصدق وَالْعدْل وكشف الضّر وأمثال ذَلِك من الممادح دخل فِي اسْم الحميد وَعَاد اليه وَرُبمَا عبر عَنْهُمَا بِمَا رادفهما أَو أَحدهمَا مثل قَول النَّبِي ﷺ أهل الثَّنَاء وَالْمجد وَقَوله إِنَّك حميد مجيد فان الْمجد هُوَ الْملك وَالثنَاء هُوَ الْحَمد فَمن النَّاس من نظر إِلَى اسْم الْملك فَعَظمهُ ووفاه حَقه بِالنّظرِ إِلَى معارف الْبشر وَقصر فِي اسْم الحميد وَمَعْنَاهُ بِنَفْي الْحِكْمَة عَن أَفعاله كلهَا كَمَا أَن من النَّاس من عكس فَبَالغ فِي اسْم الحميد وَقصر فِي تَعْظِيم ملكه وَقدرته وعزته فَلم يَجْعَل لَهُ قدرَة على اللطف بِعَبْد وَاحِد من جَمِيع عباده العصاة كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة وَجَمِيع أَئِمَّة الاسلام العارفين جمعُوا بَين تَعْظِيم هذَيْن الاسمين الشريفين ووفوا كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقه على حسب قوى الْبشر فِي ذَلِك وَمِمَّا قلته فِي ذَلِك فِي الاجادة (فَمن قَاصد تنزيهه لَو رعى لَهُ ... من الجبروت الْحق عز التعاظم) (وَمن قَاصد تَعْظِيمه لَو رعى لَهُ ... محامد ممدوح بِأَحْكَم حَاكم) (وحافظ كل العارفين عَلَيْهِمَا ... وَهَذَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم لقائم) ذَلِك أَن اسْم الْملك يَقْتَضِي تفرده بالخلق والامر والعزة وَعلم الغيوب وَالْقُدْرَة على كل شَيْء ثمَّ أَن الْكَمَال الاعظم فِي ذَلِك كُله يَقْتَضِي نُفُوذ الْمَشِيئَة وَسبق الْقَضَاء من غير جبر كَيْلا يفوت عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مُرَاد واسْمه الحميد يَقْتَضِي كَمَال الْحَمد وَالْعدْل وَالْحكمَة وَالْفضل والصدق والجود وَالثنَاء وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس ثمَّ أَن الْكَمَال الْأَعْظَم فِي ذَلِك كُله يَقْتَضِي أوفر نصيب لأفعاله الحميدة وَأَحْكَامه العادلة من التَّنْزِيه عَن اللّعب والعبث والخلو عَن الْحِكْمَة والمساواة بَينهَا وَبَين أضدادها وَهَذَا مَا لَا شُبْهَة

стр. 180

فِيهِ وَلذَلِك نَص عَلَيْهِ كثير من أَئِمَّة الْآثَار بل من عُلَمَاء الْكَلَام الَّذين رُبمَا اتهمهم خصومهم أَنهم من نفاة الْحِكْمَة وَأَنا أورد من ذَلِك الْيَسِير على قدر هَذَا الْمُخْتَصر فَمن ذَلِك أَن ابْن الْحَاجِب جزم فِي كِتَابه مُخْتَصر مُنْتَهى السؤل والامل باجماع الْفُقَهَاء على أَن أَفعَال الله تَعَالَى فِي الشَّرَائِع معللة ذكره فِي دَلِيل الْعَمَل بالسير وَتَخْرِيج المناط من الْقيَاس وَذكر فِي مسالك الْعلَّة أَنَّهَا صَرِيح وتنبيه وإيماء فالصريح مثل لعِلَّة كَذَا أَو بِسَبَب أَو لاجل أَو لكَي أَو اذن أَو مثل لكذا أَو ان كَانَ كَذَا أَو بِكَذَا أَو مثل فانهم يحشرون أَو فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا وَمثل سَهَا فَسجدَ ثمَّ ذكر أَقسَام التَّنْبِيه والايماء بعد ذَلِك وَجَمِيع الاشعرية يتابعونه على ذَلِك فِي أصُول الْفِقْه كالرازي فِي الْمَحْصُول وَالْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى وَجَمِيع من أثبت الْقيَاس فِي الْفُرُوع وَكَذَلِكَ شرَّاح كِتَابه مِنْهُم وَمن غَيرهم مَعَ كثرتهم وَأَكْثَرهم أشعرية قرروا ذَلِك وَلم يعترضوه وَقد قيل أَنه شرح بسبعين شرحا وَأما قَول عضد الدّين فِي شَرحه وجوبا عِنْد الْمُعْتَزلَة وتفضلا عِنْد غَيرهم فانما أَرَادَ ارسال الرُّسُل لَا تَعْلِيل الاحكام الشَّرْعِيَّة وَإِلَّا بَطل الْقيَاس وَلِأَن هَذَا النَّقْل عَن الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم بَاطِل فِي تَعْلِيل الاحكام الشَّرْعِيَّة وَكَذَلِكَ ذكر الْحَافِظ أسعد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالزنجاني أَن ذَلِك مَذْهَب أهل السّنة وَهُوَ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ذكره فِي شرح قصيدته الشهيرة فِي الْحَث على السّنة وَهِي الَّتِي أَولهَا (تمسك بِحَبل الله وَاتبع الْخَبَر) وَذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عِكْرِمَة من الْمِيزَان مَا يدل على ذَلِك وَكَذَلِكَ الامام الْخطابِيّ والعلامة الدَّمِيرِيّ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَأهل السّنة ذكرا حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلق الدَّاء والدواء فِي جناحي الذُّبَاب والهامة تَقْدِيم مَا فِيهِ الدَّاء وَتَأْخِير مَا فِيهِ الدَّوَاء ردا على من من طعن فِي الحَدِيث بذلك ونصا على أَن لله حِكْمَة فِي كل شَيْء وطولا فِي ذَلِك ذكره الدَّمِيرِيّ فِي كِتَابه حَيَاة الْحَيَوَان فِي ذكر الذُّبَاب من حرف الذَّال وَشرح ابْن الْأَثِير الْحَكِيم بالحاكم وبذى الْحِكْمَة مَعًا وَلم يُنكر تَفْسِيره بِذِي الْحِكْمَة ويجعله من الْبدع وَفسّر الْحِكْمَة بِمَعْرِِفَة أفضل الْأَشْيَاء بِأَفْضَل الْعُلُوم فَجعل الاشياء متفاضلة فِي أَنْفسهَا وَالْحكمَة معرفَة ذَلِك وَهَذَا هُوَ المُرَاد وَإِذا كَانَ للاسم الشريف مَعْنيانِ صَحِيحَانِ مشتملان على الْحَمد

стр. 181

وَالثنَاء لم يَصح منع أَحدهمَا على أَن تَفْسِير الْحَكِيم بالحاكم مُطلقًا مِمَّا لم أره فِي كتب اللُّغَة وَلَعَلَّ ابْن الْأَثِير قلد فِيهِ بعض الْمُتَكَلِّمين وَهَذِه كتب اللُّغَة مَوْجُودَة وَالله يحب الانصاف وَذكر ابْن كثير فِي الأول من الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة فِي قصَّة نوح ﵇ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ قَالَ ابْن كثير أَي من يرد الله فتنته فَلَنْ يملك أحد هدايته هُوَ الَّذِي يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء وَهُوَ الفعال لما يُرِيد وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم بِمن يسْتَحق الْهِدَايَة مِمَّن يسْتَحق الغواية وَله الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْحجّة الدامغة اه بِحُرُوفِهِ هُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ فالزنجاني والذهبي وَابْن كثير من أَئِمَّة الاثر وأئمة الشَّافِعِيَّة وَأهل السّنة وَقد تطابقوا على تَعْلِيل أَفعَال الله بالحكمة من غير حِكَايَة خلاف فِي ذَلِك بل ذكر ذَلِك الْغَزالِيّ مَعَ توغله فِي علم الْكَلَام ذكره فِي الْمَقْصد الْأَسْنَى فِي شرح أَسمَاء الله الْحسنى فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم وَكَذَلِكَ ذكر مثل ذَلِك فِي الاحياء فِي سر الْقدر كَمَا تقدم وَمن كَلَامه فِي الْمَقْصد الاسنى مَا لَفظه وَلذَلِك قَالَ الله سبقت رَحْمَتي غَضَبي فغضبه ارادته الشَّرّ وَالشَّر بارادته وَرَحمته ارادته الْخَيْر وَالْخَيْر بارادته وَلَكِن أَرَادَ الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته بل لما تضمنه من الْخَيْر إِلَى قَوْله فَلَا تشكن أصلا فِي أَن الله أرْحم الرَّاحِمِينَ وانه سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر لَا للخير غير مُسْتَحقّ اسْم الرَّحْمَة إِلَى آخر مَا ذكره وَهُوَ كَلَام طَوِيل متداول بَين أهل السّنة وَكَذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم فِي حَدِيث وَالشَّر لَيْسَ اليك أَي لَيْسَ بشر بِالنّظرِ إِلَى حكمتك فِيهِ وَإنَّك لَا تفعل الْعَبَث وَذكره فِي الاذكار أَيْضا وَذكر ذَلِك الْفَقِيه ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي فِي شرح التِّرْمِذِيّ وَمن كَلَامه فِيهِ مَا لَفظه فان البارى لَا يجوز عَلَيْهِ الاهمال بِحَال وَلَا بِوَجْه قَالَ

стр. 182

وَقد وهم فِي ذَلِك المتكلمون من عُلَمَائِنَا فِي بعض الاطلاقات على الله وَذَلِكَ قَبِيح فَلَا تلتفتوا اليه ذكره فِي أول كتاب الصّيام بل قَالَ الرَّازِيّ فِي مَفَاتِيح الْغَيْب إِن مَسْأَلَة الافعال وَقعت فِي حيّز التَّعَارُض بِحَسب تَعْظِيم الله تَعَالَى نظرا إِلَى قدرته وبحسب تَعْظِيمه سُبْحَانَهُ نظرا إِلَى حكمته إِلَى آخر كَلَامه كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الافعال ويعضده كَلَامه فِي وَصيته وَفِي أصُول الْفِقْه وَقَالَ الامام الْعَلامَة مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ إِمَام السّنة مَا لَفظه (فان قَالَ قَائِل) فَمَا معنى قَوْله ﵇ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ إِن كَانَ الامر كَمَا وصفت من أَن الَّذِي سبق لأهل السَّعَادَة والشقاء لم يضْطَر وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الَّذِي كَانَ يعْمل وَلم يجْبرهُ عَلَيْهِ (قيل) هُوَ أَن أهل كل فريق من هذَيْن مسهل لَهُ الْعَمَل الَّذِي اخْتَارَهُ لنَفسِهِ مزين لَهُ ذَلِك كَمَا قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وَالله عليم حَكِيم﴾ وَأما أهل الشقاوة فانه زين لَهُم أَعْمَالهم لإيثارهم لَهَا على الْعَمَل بِطَاعَتِهِ كَمَا قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة زينا لَهُم أَعْمَالهم فهم يعمهون﴾ إِلَى قَوْله لِأَن الْمُضْطَر إِلَى الشَّيْء لَا شكّ أَنه مكره عَلَيْهِ لَا محب لَهُ بل هُوَ لَهُ كَارِه وَمِنْه هارب وَالْكَافِر يُقَاتل دون كفره إِلَى آخر مَا ذكره وَهُوَ كَلَام جيد مطول ذكره بِكَمَالِهِ الْعَلامَة ابْن بطال فِي أَبْوَاب الْقدر من شرح صَحِيح البُخَارِيّ محتجا بِهِ على بطلَان قَول الجبرية الْجَهْمِية وموضحا لبراءة أهل السّنة مِنْهُم وَالْحجّة فِيهِ هُنَا قَوْله لإيثارهم لَهَا على طَاعَته وَفِي الواحدي فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وأضله الله على علم﴾ عَن سعيد بن جُبَير على علمه فِيهِ وَهُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَإِلَّا لم يكن مناسبا وَاحْتَاجَ إِلَى تَفْسِير آخر وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مواعظه بَث الحكم فَلم يُعَارض بلم وَقَالَ ابْن قيم الْجَوْزِيّ الْحَنْبَلِيّ فِي حادي الْأَرْوَاح مَا لَفظه محَال على أحكم الْحَاكِمين وَأعلم الْعَالمين أَن تكون أَفعاله معطلة عَن الحكم

стр. 183

والمصالح والغايات الحميدة وَالْقُرْآن وَالسّنة والعقول وَالْفطر والآيات شاهدة بِبُطْلَان ذَلِك وَقَالَ فِي الْجَواب الْكَافِي وَمَا قدرُوا الله حق قدره من نفي حَقِيقَة حكمته الَّتِي هِيَ الغايات المحمودة الْمَقْصُودَة بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ نصر ذَلِك شَيْخه ابْن تَيْمِية وَبَالغ فِي نصرته وَذكر الزَّرْكَشِيّ فِي شرح جمع الْجَوَامِع نَحْو ذَلِك عَن الْحَنَفِيَّة وَأَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَن ح قَالَ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الزنجاني من أَصْحَابنَا وَأَبُو الْخطاب من الْحَنَابِلَة وَهُوَ الْمَنْصُور لقُوته من حَيْثُ الْفطْرَة وآيات الْقُرْآن الْمجِيد وسلامته من الوهن والتعارض فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة عشر من أكَابِر الاشعرية وَأهل الْكَلَام وَأهل السّنَن والْآثَار من الْمُتَأَخِّرين تيَسّر لي النَّقْل عَنْهُم الْآن مَعَ بعدِي عَن دِيَارهمْ دع عَنْك قدماء السّلف الَّذين صانهم الله وصان أزمنتهم عَن الْبدع فَلَو ادّعى مُدع اجماع الْمُتَأَخِّرين مَعَ اجماع الْمُتَقَدِّمين من الْمُسلمين على ذَلِك لما بعد عَن الصَّوَاب وَالله الْهَادِي أما القدماء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فقد علم ضَرُورَة أَنهم لم يتأولوا اسْم الله الْحَكِيم وَأما الْمُتَأَخّرُونَ فَأَما طوائف الْفُقَهَاء وَأهل الْأَثر والشيعة والمعتزلة على كَثْرَة فرقهم فقد اتَّفقُوا على ذَلِك أما أهل الْأَثر فقد تقدم نَقله عَنْهُم من غير مُعَارضَة وَأما طوائف الْفُقَهَاء فقد نَقله عَنْهُم ابْن الْحَاجِب عُمُوما وَادّعى اجماعهم وَأما كل طَائِفَة مِنْهُم خُصُوصا فقد تقدم نَقله عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَأما الشَّافِعِيَّة فَذكر مِنْهُم جمَاعَة عرفت مِنْهُم وَقت هَذَا التَّعْلِيق عشرَة الْخطابِيّ وَعلي بن خلف بن بطال والزنجاني وَابْن كثير والذهبي وَالْغَزالِيّ وَالنَّوَوِيّ وَابْن الْأَثِير وَالزَّرْكَشِيّ والدميري وَتركت الرَّازِيّ لتعارض كَلَامه فِي ذَلِك وَأما الْمَالِكِيَّة فَذكر مِنْهُم ابْن الْحَاجِب وَابْن الْعَرَبِيّ وصدع بِالْحَقِّ فِي هَذَا الْموضع وَنَصّ على قبح ذَلِك مِمَّن قَالَ بِهِ من متكلميهم وَأما الْحَنَابِلَة فَذكر مِنْهُم أَرْبَعَة ابْن الْجَوْزِيّ وَأَبُو الْخطاب وَابْن قيم الجوزيه وَشَيْخه ابْن تَيْمِية وبالغا فِي نصرته

стр. 184

فصل فِي ذكر الادلة على ذَلِك وَاعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة الجليلة وَإِن كَانَت جلية فقد أحْوج أهل اللجاج والتمسك بالمتشابهات إِلَى التَّطْوِيل فِيهَا لما يتَفَرَّع عَنْهَا ويبتني عَلَيْهَا من الْقَوَاعِد وَقد بسطت الادلة عَلَيْهَا فِي العواصم وَلَكِن لابد من التَّبَرُّك بِذكر طرف صَالح غير الْمَشْهُور فِي علم الْكَلَام يدْفع الله بِهِ فِي نَحْو الْمُخَالفين فَمن ذَلِك مَا ورد فِي تَعْلِيل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأجل مُسَمّى﴾ وَفِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة دلَالَة على أَن الفكرة الْعَقْلِيَّة الصَّحِيحَة تثمر الْمعرفَة بحكمة الله وَالْقطع على تَنْزِيه الله من الْعَبَث واللعب كَمَا أَن الادلة الشَّرْعِيَّة جَاءَت بذلك وَذَلِكَ وَاضح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم﴾ فَهِيَ حجَّة على إِثْبَات التحسين الْعقلِيّ كَقَوْلِه ﴿أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ إِلَى غير ذَلِك وَبَوَّبَ البُخَارِيّ بَابا فِي ذَلِك فَقَالَ فِي التَّوْحِيد وَالرَّدّ على الْجَهْمِية

стр. 185

بَاب قَول الله وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ ثمَّ روى حَدِيث ابْن عَبَّاس كَانَ النَّبِي ﷺ يَدْعُو من اللَّيْل وَذكر دعاءه وَفِيه أَنْت الْحق وقولك الْحق وَوَعدك الْحق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والساعة حق وَذَلِكَ من البُخَارِيّ إِشَارَة إِلَى مَذْهَب أهل السّنة فِي إِثْبَات الْحِكْمَة وَمن ذَلِك مَا ورد فِي تَعْلِيل الْعَذَاب بالاعمال والاستحقاق مثل ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَهُوَ أصرح وَأكْثر وَأشهر من أَن يذكر بل هُوَ من المعلومات من ضَرُورَة الدّين وَكَذَلِكَ جَاءَ صَرِيح التَّعْلِيل فِي الْأَحْكَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل﴾ الْآيَة وَقد ذكرت فِي العواصم فِي هَذِه أَكثر من مائَة آيَة من كتاب الله مِمَّا تقشعر الْجُلُود لمُخَالفَة آيَة وَاحِدَة مِنْهَا وَإِنَّمَا اقتصرت على مَا هُنَالك خوفًا من الاملال وَقد ذكر ابْن قيم الجوزية فِي الْجَواب الْكَافِي أَن فِي ذَلِك قدر ألف آيَة من كتاب الله ذكره فِي فَائِدَة الْعَمَل مَعَ الْقدر فِي تَرْتِيب الاشياء على الاسباب فِي حِكْمَة الله تَعَالَى وَمن ذَلِك قَول نوح عَلَيْهِ أفضل السَّلَام ﴿إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق وَأَنت أحكم الْحَاكِمين﴾ فان لَفْظَة أحكم هُنَا مُبَالغَة فِي الْحِكْمَة الَّتِي هَذَا موضعهَا لما فِي كَلَامه من التلطف بتنزيه الله عَن الْخلف فِي الميعاد وَلَا يَصح أَن يكون أحكم هُنَا مُبَالغَة فِي الاحكام إِذْ لَا مُنَاسبَة لذَلِك بِهَذَا الْمقَام وَلذَلِك كَانَ الْجَواب على نوح ﵇ بِأَنَّهُ عمل غير صَالح فبينت لَهُ الْحِكْمَة على التَّعْيِين لتقرير اعْتِقَاده الْجملِي لَهَا فكشف لَهُ بهَا أَن الْوَعْد سبق لَهُ مُتَعَلق بأَهْله الصَّالِحين وَقد روى أت الْوَجْه فِي اشْتِبَاه ذَلِك على نوح أَن ابْنه كَانَ منافقا وَكَانَ علم نفَاقه من علم الْغَيْب الَّذِي يخْتَص الله بِهِ وَلَو كَانَ عدم صَلَاحه بِأَمْر بَين لم يخف ذَلِك عَلَيْهِ وَهَذَا وَجه جيد وَالله أعلم وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا أم هم قوم طاغون﴾

стр. 186

وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى حاكيا عَن الأشقياء ﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ وَقَوله فِي غير آيَة ﴿أَفلا تعقلون﴾ ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ فانها وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم قبح مَا هم عَلَيْهِ وبطلانه مَعًا إِذْ لَو عرفُوا بُطْلَانه بهَا دون قبحه لم تقم عَلَيْهِم الْحجَّة وَإِنَّمَا أرْسلت الرُّسُل لقطع عذرهمْ لكيلا يَقُولُوا مَا حكى الله تَعَالَى عَنْهُم وَذَلِكَ لزِيَادَة الاعذار لِأَنَّهُ لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله تَعَالَى لَا لِأَنَّهُ لَا حجَّة عَلَيْهِم قبل الرُّسُل أصلا وَلذَلِك صَحَّ عِنْد أهل السّنة أَن تقوم حجَّة الله بالخلق الاول فِي عَالم الذَّر على مَا سَيَأْتِي بَيَانه وَذَلِكَ قبل الرُّسُل وَلم يَخْتَلِفُوا فِي صِحَّته وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي وُقُوعه وَمن ذَلِك سُؤال الْمَلَائِكَة عَن وَجه الْحِكْمَة فِي خلق آدم وَذريته وَلَوْلَا اعْتِقَادهم للْقطع بالحكمة مَا استغربوا ذَلِك وَلَا سَأَلُوا عَنهُ وَلذَلِك كَانَ الْجَواب عَلَيْهِم بقوله تَعَالَى ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَلم يقل اني يصدر مني مَا يفعل المفسدون وأوضح من هَذَا كُله مَا جرى بَين مُوسَى وَالْخضر ﵉ فانه مُنَاد نِدَاء صَرِيحًا على اشْتِمَال أَفعَال الله تَعَالَى على الْمصَالح والغايات المحمودة وَلَوْلَا اعتقادهما لذَلِك مَا استنكر مُوسَى وَلَا أجَاب الْخضر بِوُجُوه الْحِكْمَة الراجعة إِلَى الْمصَالح وَلَا قنع مُوسَى بذلك الْجَواب والخصم يعْتَقد أَن الْمفْسدَة الْبَيِّنَة الْفساد فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة الخالية عَن الْحِكْمَة والمصلحة بَاطِنا وظاهرا جَائِزَة على اتعالى بل مُسَاوِيَة للْمصْلحَة الْبَيِّنَة الصّلاح بَاطِنا وظاهرا بل لَا يجوز أَن يُعلل شَيْء من أَفعاله بحكمة بل يجب الْقطع بخلوهاعن ذَلِك بل يجب الْقطع بِأَن ذَلِك هُوَ الأولى فِي ممادح الرب تَعَالَى حَتَّى صرخوا بِتَأْوِيل اسْمه الْحَكِيم بِمَعْنى الْمُحكم لخلق الْمَخْلُوقَات لَا سواهُ لَا أَن لَهُ فِي ذَلِك الْأَحْكَام حِكْمَة أَلْبَتَّة وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يَقع مِنْهُ الاحكام لِأَنَّهُ لَا يكون أولى بِهِ من عَدمه وَإِن لم يكن أولى بِهِ فَلَا وَلَا أَكثر وقوعا فِي مخلوقاته بل لَو كَانَ كَذَلِك لارتفع التحسين والتقبيح فِي الشَّرْع وَلم يكن الامر بالشَّيْء أولى من النَّهْي عَنهُ وَلَا الْعَكْس لِأَن الْمُمكن لَا يتَرَجَّح وجوده على عَدمه إِلَّا بمرجح وَلَا مُرَجّح فِي ذَلِك كُله إِلَّا دَاعِي الْحِكْمَة وَالْعلم بِفضل بعض الْأُمُور على بعض

стр. 187

ثمَّ إِنَّا قد علمنَا أَن الشَّيْطَان مُحكم لأسباب فَسَاده ووسواسه أَشد الاحكام مَعَ أَنه فِي غَايَة الْقبْح لخلوه عَن الْحِكْمَة وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ أحكموا حربهم وسبهم للأنبياء وَقَالُوا فِي ذَلِك القصائد المحكمة وَإِنَّمَا قبح ذَلِك كُله وسخف قَائِله لِخُرُوجِهِ عَن الْحِكْمَة فَكيف يرد اسْم الْحَكِيم إِلَى مثل ذَلِك وَقد نقل تَفْسِير الْحَكِيم بالمحكم من لم يفهم هَذِه الغائلة من شرَّاح الاسماء الْحسنى حَتَّى نَقله الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره ومصنف سلَاح الْمُؤمن وَأما ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة فَنقل التفسيرين مَعًا وَأما الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الْأَسْنَى فانه اتَّقى فِيهِ من الْمُخَالفين بِغَيْر شكّ لِأَنَّهُ صرح بمخالفتهم فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم لكنه تلطف فِي إخفاء الْمُخَالفَة على الْأَكْثَرين بِكَوْنِهِ جعلهَا فِي الْموضع الَّذِي لم يشْتَهر فِيهِ الْخلاف بَينهم وَبَين خصومهم وَهُوَ تَعْظِيم رَحْمَة الله تَعَالَى وسعتها وَقد أَشَارَ إِلَى مُخَالفَة الْأَكْثَرين للحق فِي خطْبَة هَذَا الْكتاب بل صرح بذلك وَأَيْضًا فَيلْزم أَن لَا يكون الْجُود وَنَحْوه أولى بِاللَّه من أضدادها وَأَيْضًا كل مَقْدُور مُمكن الْوُجُود والبقاء على الْعَدَم وَلَا يتَرَجَّح أحد الممكنين إِلَّا بمرجح وَلَا مُرَجّح إِلَّا الدعي وَأَيْضًا فَيلْزم أَن لَا يحْتَاج الْمُتَشَابه إِلَى تَأْوِيل وَمن ذَلِك أَنه يتَعَذَّر على من نفى حِكْمَة الله تَعَالَى أَن يقطع على صدقه سُبْحَانَهُ وَصدق رسله الْكِرَام ﵈ كَمَا تقدّمت الاشارة اليه وَهَذَا مَبْسُوط فِي كتب الْكَلَام وَلَا يَصح لَهُم عَنهُ جَوَاب إِلَّا مَا يلْزمهُم مَعَه ثُبُوت الْحِكْمَة فِي الافعال والاقوال مَعًا كَمَا تقدم وَمن ذَلِك أَنهم إِنَّمَا أَن يحسنوا نفي الْحِكْمَة بِغَيْر حجَّة أَو لَا يحسنوه إِلَّا بِحجَّة إِن حسنوه بِغَيْر حجَّة أكذبهم قَوْله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَإِن لم يحسنوه إِلَّا بِحجَّة اعْتَرَفُوا بالتحسين الْعقلِيّ وَمن ذَلِك أَنهم اعْتَرَفُوا بِأَن الْعقل يعرف الْحق من الْبَاطِل فَيُقَال لَهُم فاذا تقرر ذَلِك فالمعلوم فِي الْفطر تَرْجِيح الْحق على الْبَاطِل وَقد اجْتَمَعنَا فِي الاقوال على تَرْجِيح الصدْق على الْكَذِب بِخُصُوصِهِ وَالصَّوَاب تَرْجِيح الْحق على الْبَاطِل بِعُمُومِهِ فِي الافعال كالأقوال وَالله يحب الانصاف

стр. 188

فصل فِي الْجَواب عَمَّا اغتروا بِهِ فِي ذَلِك فَمن ذَلِك أَنه ورد فِي السّمع مَا يتَوَهَّم الْجُهَّال مِنْهُ إِن الله تَعَالَى يُرِيد الشَّرّ الْمَحْض لكَونه شرا لَا لحكمة فِيهِ وَلَا غَايَة محمودة وَهَذِه هِيَ مُعظم مَا جرأهم على ذَلِك بل لَيْسَ لَهُم كَبِير شَيْء سواهَا وَهِي شُبْهَة الْمَلَاحِدَة الَّتِي يصولون بهَا على السُّفَهَاء والضعفاء وَذَلِكَ مثل آلام الاطفال والبهائم وَعَذَاب الْآخِرَة الدَّائِم وَالْجَوَاب عَن ذَلِك يَتَّضِح بِذكر أُمُور الامر الأول أَن الاستقباح الَّذِي يُوجد فِي الْعُقُول لذَلِك إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا يعلم تَأْوِيلهَا تَفْصِيلًا وَلَا جملَة لَكِن الله تَعَالَى قد أعلمنَا جملَة أَن لَهَا تَأْوِيلا أَو أَن لَهَا تَأْوِيلا لَا يُعلمهُ سواهُ وَهُوَ الصَّحِيح على مَا مضى تَقْرِيره فِي هَذَا الْمُخْتَصر فاذا ذَلِك الاستقباح الْمَوْجُود فِي عقول الْبشر صَحِيح بِالنّظرِ إِلَى علومهم القاصرة وعقولهم الحائرة لَكِن الراكن اليه غفل عَن كَون مَا أنكر صدر عَمَّن ثبتَتْ حكمته وَثَبت استبداده بِعلم الغيوب وَالْحكم وانه يعلم مَا لَا نعلم من الغيوب وَالْحكم وَقد أخبرنَا فِي كَلَامه الْحق أَن للمتشابه تَأْوِيلا لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ وَلَو كَانَ مَا تشابه علينا حسنا فِي عقولنا لم يحْتَج إِلَى تَأْوِيل وَلَو لم تكن أَفعاله مَوْقُوفَة على الْحِكْمَة لم يرد بذلك التَّنْزِيل بل ورد السّمع بِمَا يدل على أَن الله تَعَالَى فعل ذَلِك للابتلاء كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي تَحْويل الْقبْلَة ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله﴾ وَفِي نَحْو هَذَا يَقُول ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ فَبين سُبْحَانَهُ أَن التَّكْذِيب بِمَا لم

стр. 189

يعلم تَأْوِيله هُوَ عَادَة جَمِيع الْكَافرين الاولين والآخرين وان سَبَب كفرهم وتكذيبهم بِهِ إِنَّمَا هُوَ جهلهم وَعدم احاطتهم بِعِلْمِهِ فليحذر ذَلِك كل الحذر فان طباع الْخلق وَاحِدَة إِلَّا مَا سلم الله تَعَالَى نسْأَل الله الْهِدَايَة والسلامة فعلى هَذَا يكون الايمان بِهِ أفضل الايمان بل محك أهل الْيَقِين والاحسان وَيكون الْخَوْف على المرتابين بِسَبَبِهِ من مكر الله خوفًا عَظِيما نسْأَل الله أَن يثبتنا وَلذَلِك خص الله الراسخين بالاستعاذة من الزيغ بعد ذكر إِيمَانهم بالمتشابه كَأَن ذكره ذكرهم ذَلِك فليطلب الْعَاقِل من طبعه اللجوج وَنَفسه الجاهلة المهلة الْيَسِيرَة حَتَّى ينْكَشف فِي الْآخِرَة ذَلِك التَّأْوِيل كَمَا انْكَشَفَ لمُوسَى تَأْوِيل الْخضر بعد الْقطع على بُطْلَانه أَلا ترى إِذا رَأَيْت رجلا مطيقا يضْرب ولدا ضَعِيفا ضربا مؤلما أَنه أول مَا يسْبق إِلَى طبعك رَحْمَة الصَّغِير والانكار على الْكَبِير حَتَّى تعلم أَن الْكَبِير أَبُو ذَلِك الْمَضْرُوب وَأَنه ساع فِي صَلَاحه وخبير بِهِ فيزول عَنْك مَا كَانَ سبق إِلَى طبعك وَقد جود هَذَا الْوَجْه الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى وَفِي الْبَحْث السَّادِس من مَسْأَلَة الارادة تَمام لهَذَا فِيهِ تَقْرِير وُرُود السّمع بِأَن الله تَعَالَى فِي جَزَاء الاشقياء حجَّتَيْنِ حجَّة ظَاهِرَة وَهِي الْعَمَل وَحجَّة خُفْيَة وَهِي الْحِكْمَة الباعثة على الْجَزَاء دون الْعَفو ثمَّ أَن تَأْوِيل الْخضر لمُوسَى دلّ على أَن تَأْوِيل الْمُتَشَابه يرجع إِلَى رده إِلَى الْمُحكم الَّذِي تُحسنهُ الْعُقُول وَلَا تنكره وَهُوَ جلب الْمَنَافِع والمصالح وَدفع المضار والمفاسد وَيدل على لُزُوم هَذَا فِي التَّأْوِيل أَنه لَو ورد بِخِلَافِهِ كَانَ متشابها آخر يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل وَلم يسْتَحق اسْم التَّأْوِيل وَهَذِه حجَّة قَاطِعَة وَللَّه الْحَمد وَاعْلَم أَن الطَّبْع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة غَالب بقوته على من لم يُعَارضهُ بتذكر كَمَال الربوبية وَنقص الْعُبُودِيَّة ويتضرع إِلَى الله فِي امداده بهدايته أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى بعد ذكره لتحويل الْقبْلَة ﴿وَإِن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله﴾ نسْأَل الله هدايته وَإِن لَا يكلنا إِلَى نفوسنا طرفَة عين

стр. 190

الْوَجْه الثَّانِي أَن يتَذَكَّر الانسان مَا يُعلمهُ من نَفسه من شدَّة الْجَهْل وَقلة الْعلم وتردده فِي الامور وحيرته فِي أَشْيَاء سهلة ورجوعه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مرَارًا ووجدانه للشَّيْء بعد الطّلب الشَّديد الطَّوِيل واليأس من وجدانه فان علم الانسان بأحوال نَفسه ضَرُورِيّ وَهُوَ حجَّة عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة وَلَو ألْقى معاذيره﴾ وَقد وَصفه ربه الْعَلِيم الْخَبِير بِأَنَّهُ ظلوم جهول فِي كِتَابه الْحق وَيعلم من التجربة المستمرة وَمن قصَّة مُوسَى وَالْخضر التَّفَاوُت الْعَظِيم بَين الْخلق فِي البلادة والذكاء وَمَعْرِفَة الدقائق وخفيات الحكم ومحكمات الآراء وحدس عواقب الامور فَكيف التَّفَاوُت بَين الْخلق وخالقهم وَلَو وهب الله لبَعض خلقه نصف علمه سُبْحَانَهُ لجَاز أَن يكون ذَلِك التَّأْوِيل فِي النّصْف الآخر كَيفَ وَقد صَحَّ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْخضر قَالَ لمُوسَى مَا علمي وعلمك وَعلم جَمِيع الْخَلَائق فِي علم الله إِلَّا مثل مَا أَخذ هَذَا العصفور من هَذَا الْبَحْر وَالْفرق بَين هَذَا الْوَجْه وَالَّذِي قبله إِن هَذَا رَاجع إِلَى كَسره لعجبه بِنَفسِهِ فان الِاعْتِرَاض على الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ينشأ من ذَلِك وَالْوَجْه الأول مَبْنِيّ على تَسْلِيم صِحَة إِنْكَاره فِي المتشابهات لَكِن بِالنِّسْبَةِ إِلَى عقولنا ومعارفنا وَالْغَرَض بِهِ اقناع الْخصم كَيْلا يعْتَقد فِينَا العناد بانكار المدارك الْعَقْلِيَّة فانا لَا ننكرها لَكِن ندعي أَنه قد ينْكَشف خلاف السَّابِق إِلَى الْوَهم الْعقلِيّ والحسي كَمَا أَن الانسان أول مَا يرى النُّجُوم يعْتَقد أَنَّهَا سَاكِنة حَتَّى تنكشف لَهُ حركتها بالبرهان لَا بالبصر وَقد يَرَاهَا متحركة حَرَكَة سريعة مَعَ حَرَكَة السَّحَاب الرَّقِيق وينكشف لَهُ بالبرهان عدم ذَلِك الوجد الثَّالِث وَهُوَ القالع لآثار هَذِه الوساوس أَن يعلم الانسان أَنه مَا زَالَ الِاخْتِلَاف بَين أهل الفطن والعلوم من الْمُسلمين فِيمَا بَينهم والفلاسفة فِيمَا بَينهم وَسَائِر الْخَلَائق حَتَّى حكى الله تَعَالَى الِاخْتِلَاف الْيَسِير الَّذِي لَا يضر فِيمَا عَن الْمَلَائِكَة وَبَعض الْأَنْبِيَاء ﵈ فَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملإ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون﴾

стр. 191

) وَحكى سُبْحَانَهُ مَا جرى بَين دَاوُد وَسليمَان ﵉ من الِاخْتِلَاف فِي حكم الْغنم إِذْ نفشت فِي زرع قوم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ففهمناها سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَحكى مَا جرى بَين مُوسَى وَهَارُون ﵉ حَتَّى حكى قَول هَارُون لمُوسَى ﴿لَا تَأْخُذ بلحيتي وَلَا برأسي﴾ و ﴿فَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء﴾ وَثَبت فِي الحَدِيث اختصام مَلَائِكَة الرَّحْمَة وملائكة الْعَذَاب فِي حكم الَّذِي قتل مائَة نفس ثمَّ تَابَ وَبعث الله ملكا يحكم بَينهم فَحكم لملائكة الرَّحْمَة وَثَبت أَيْضا مُحَاجَّة آدم ومُوسَى فِي الْخُرُوج من الْجنَّة لَا فِي الْمعْصِيَة كَمَا يَظُنّهُ كثير من النَّاس كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَصَارَ مَجْمُوع ذَلِك دَلِيلا قَاطعا على أَن الْعَادة قد استمرت على وجوب الِاخْتِلَاف فِي الاحكام عِنْد التَّفَاضُل فِي الْعلم وَالْحكمَة وَذَلِكَ يُوجب استقباح الْجَاهِل لبَعض أَفعَال الأعلم على قدر مَا بَينهمَا من التَّفَاوُت فَأولى وَأَحْرَى أَن يُوجب استقباح الْجَاهِل لبَعض أَفعَال الاعلم وَلما كَانَ التَّفَاوُت بَين علم المخلوقين وَعلم خالقهم لَا يقدر بِمِقْدَار وَلَا يتَوَهَّم بِقِيَاس وَجب أَن يكون بَينهم فِي التحسين والتقبيح لتفاصيل الاحكام أعظم الِاخْتِلَاف وجوبا عاديا يَسْتَحِيل خِلَافه حَتَّى لَو قَدرنَا مَا لَا يتَقَدَّر من موافقتهم لجَمِيع أَحْكَام الله تَعَالَى على جِهَة التَّفْصِيل لَكَانَ هَذَا محارة عظمى لعقول جَمِيع الْعُقَلَاء والأذكياء بل محالا مُمْتَنعا فِي معارف الفطناء وَالْعُلَمَاء ولكان ذَلِك الِاتِّفَاق أعظم شُبْهَة قادحة فِي زِيَادَة علم الله عَلَيْهِم وَمن أدق الْمُتَشَابه المحير لفطنائهم فَلَمَّا جَاءَ السّمع بالمتشابه عَلَيْهِم على الْقَاعِدَة المألوفة وَالْعَادَة الْمَعْرُوفَة فِي أَن الاعلم إِذا تميز شَيْئا قَلِيلا عَن أجناسه وأشباهه لم يكن بُد من أَن يَأْتِي بِمَا لَا يعْرفُونَ وَيفْعل مَا لَا يَقُولُونَ ويستحسن بعض مَا يستقبحون حَتَّى قيلت فِي هَذَا الاشعار وَضربت فِيهِ الامثال وَحَتَّى قيل أَن الِاجْتِمَاع فِي الخفيات محَال مِثْلَمَا أَن الِاخْتِلَاف فِي الجليات محَال وَقد أَجَاد فِي هَذَا الْمَعْنى من قَالَ

стр. 192

(تسل عَن الْوِفَاق فَمر بِنَا قد ... حكى بَين الْمَلَائِكَة الخصاما) (كَذَا الْخضر المكرم والوجيه المكلم ... إِذْ ألم بِهِ لماما) (تكدر صفو جَمعهمَا مرَارًا ... وَعجل صَاحب السِّرّ الصراما) (ففارقه الكليم كليم قلب ... وَقد ثَنَا على الْخضر الملاما) (فَدلَّ على اتساع الامر فِيمَا الْكِرَام فِيهِ خَالَفت الكراما) (وَمَا سَبَب الْخلاف سوى اخْتِلَاف الْعُلُوم هُنَاكَ بَعْضًا أَو تَمامًا) (فَكَانَ من اللوازم أَن يكون الاله ... مُخَالفا فِيهَا الاناما) (فَلَو لم نجهل الاسرار عَنْهَا ... بلغنَا مثله فِيهَا المراما) (فَصَارَ تشابه الاحكام مِنْهُ ... عَلَيْهِ شَاهدا وَلنَا لزاما) (فَلَا تجْهَل لَهَا قدرا وخذها ... شكُورًا للَّذي يحيى العظاما) (وحاذر أَن تكون لَهَا نسيا ... وَتنظر فِي المواقف أَو تراما) (فَلَو لم ينسها مُوسَى ﵇ قضى من الْخضر المراما) (وَلَو لم تنسها الاملاك فِي آدم كَانُوا بهَا اعتصموا اعتصاما) (وَإِن محارة قد حَار فِيهَا الملائك والكليم وَلنْ يسامى) (لقاطعة الْقُلُوب حريَّة أَن ... يكون الابتداع بهَا حَرَامًا) (وَلَا تعجب بِفضل الله يَوْمًا ... فان الْعجب يورثك السقاما) (وَكن لنعال خلق الله تربا ... إِذا مَا شِئْت للنعمى دواما) الْوَجْه الرَّابِع تدبر كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُول الله ﷺ أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا سَوف نصليهم نَارا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾ فعقب ذكر هَذَا الْعَذَاب الْعَظِيم بِذكر مُوجبه من عزته وحكمته الَّتِي هِيَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾

стр. 193

وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى ﵇ ﴿وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَلَا يخفى مَا فِي تَأْوِيل الْحَكِيم بالمحكم هُنَا من التعسف الْبَاطِل وَمَا فِي التَّأْوِيل من غير مُوجب من فتح أَبْوَاب الْبدع والمجاهل وَفِي هَذِه الْآيَات وأمثالها نُكْتَة لَطِيفَة فِي جمعه بَين الْعِزَّة وَالْحكمَة وَذَلِكَ أَن اجْتِمَاعهمَا عَزِيز فِي المخلوقين فان أهل الْعِزَّة من مُلُوك الدُّنْيَا يغلب عَلَيْهِم العسف فِي الاحكام فَبين مُخَالفَته لَهُم فِي ذَلِك فان عَظِيم عزته لم يبطل لطيف حكمته وَرَحمته سُبْحَانَ من لَهُ الْكَمَال الْمُطلق وَالْمجد الْمُحَقق وَبعد فان اثبات حِكْمَة الله تَعَالَى مَعْلُوم فِي كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ بَين لَا يدْفع مَكْشُوف لَا يتقنع مدحا وثناء كَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ النُّصُوص القرآنية والاسماء الْحسنى وأسئلة وجوابات كَمَا تبين فِي قصَّة مُوسَى وَالْخضر وآدَم وملائكة السَّمَوَات أَلا ترى أَنَّك إِذا تَأَمَّلت سُؤال الْمَلَائِكَة وَمَا أُجِيب عَلَيْهِم بِهِ عرفت فِيهِ مَا اتّفق عَلَيْهِ الْعُقَلَاء من تقبيح الشَّرّ الْمَحْض الَّذِي لَا خير فِيهِ وَلَا فِي عواقبه وغاياته دون الشَّرّ المُرَاد لاجل الْخَيْر وَذَلِكَ بَين فِي اظهار الله تَعَالَى لَهُم صَلَاح آدم ﵇ وَعلمه وتقدمه فِي الْقرب من الله تَعَالَى أَلا ترَاهُ يَقُول لَهُم بعد بَيَان ذَلِك لَهُم ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون﴾ فَبين لَهُم أَن خلقا فيهم مثل هَذَا العَبْد الصَّالح وَالنَّبِيّ المكلم المقرب الْمُسْتَخْلف الْمعلم لَا يحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرّ مَحْض وَلَا حِكْمَة فِيهِ وَلَا خير يقْصد بِهِ وَإنَّهُ لَا نَكَارَة فِي شَرّ يكون للخير كالصف للدر والترب للبر والفصاد للعافية وَالْقصاص للحياة وأمثال ذَلِك مِمَّا هُوَ صَحِيح شهير فِي حِكْمَة الْحُكَمَاء وعقول الفطناء وَلذَلِك قيل أَن الْعَالم كالشجرة وَأهل الْخَيْر مِنْهُم كالثمرة من تِلْكَ الشَّجَرَة وَهُوَ أحد الْوُجُوه فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ أَي ليعبدني العابدون مِنْهُم وَقد جَاءَ نَحْو

стр. 194

ذَلِك فِي حَدِيث الْخَلِيل ﵇ حِين جعل يَدْعُو عَليّ من رَآهُ يَعْصِي الله فوحي الله اليه يَا إِبْرَاهِيم دع عبَادي فان قصر عبدى مني احدي ثَلَاث اما أَن يَتُوب فأتوب عَلَيْهِ أَو يستغفرني فَأغْفِر لَهُ أَو أخرج من صلبه من يعبدني رَوَاهُ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَالطَّبَرَانِيّ فَثَبت أَن الانسان مَا يُؤْتِي فِي توهمه نفي حِكْمَة الله إِلَّا من جِهَة جَهله لقدر علمه وَقدر علم الله تعالي وَإِنَّمَا كره علم الْكَلَام لما يُؤَدِّي اليه الْخَوْض فِيهِ من المحارات وَمُخَالفَة الضرورات أَو المشهورات أَلا تري أَن الْمُتَكَلِّمين لما توغلوا فِي هَذِه المباحث أُدي ذَلِك طَائِفَة مِنْهُم إِلَيّ الْقدح فِي الْحِكْمَة وَطَائِفَة إِلَيّ الْقدح فِي الْقُدْرَة عَليّ هِدَايَة العصاة وَطَائِفَة إِلَيّ الْقدح فِي دوَام الْعَذَاب ورجحت كل طَائِفَة تَأْوِيلهَا أما غلاة الأشعرية الَّذين قَدَحُوا فِي معني الْحِكْمَة فرجحوا ذَلِك لصعوبة النّظر فِي حِكْمَة الله تعالي فِي جَمِيع الشرور الدُّنْيَوِيَّة والأخروية وَعجز الْعُقُول عَن دَرك ذَلِك وَأما غلاة الْمُعْتَزلَة فرجحوا قدحهم فِي الْقُدْرَة على اللطف أَنه قد خَاضَ فِي أَمر معِين يحْتَمل أَنه محَال وَلَا بُد من اخراج الْمحَال من المقدورات بالاجماع وَإِلَّا أُدي إِلَيّ تجوير قلب الْقَدِيم حَادِثا والحادث قَدِيما وَغير ذَلِك مِمَّا يستقبح ذكره وَقد أَشَارَ الْغَزالِيّ إِلَيّ مثل كَلَامهم فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم من الْمَقْصد الأمني وَأما الأشعرية فقدحوا فِي الْحِكْمَة بأسرها فَكَانَ مَا ذهبت اليه الْمُعْتَزلَة أَهْون من هَذِه الْجِهَة وَأما ابْن تَيْمِية وَأَصْحَابه فَرَأَوْا أَن الْقدح فِي الْحِكْمَة وَالْقُدْرَة يتَطَرَّق إِلَيّ النَّقْص فِي كَمَال الربوبية وَذَلِكَ يحْتَمل الْكفْر ويضارعه أَو يقرب مِنْهُ وَأما دوَام الْعَذَاب فالقدح فِيهِ عِنْدهم سهل بعد وُرُود الِاسْتِثْنَاء فِي غير آيَة وَحَدِيث وَأثر ومنتهاه تَخْصِيص عُمُوم بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَة الرَّحْمَة وَالْحكمَة وَالْعدْل وَالثنَاء ولي عَليّ الْجَمِيع كَلَام طَوِيل وَقد أَشرت إِلَيّ أَقْوَالهم وشبههم فِي الإجادة بأقصر عبارَة فَقلت فِي ذَلِك شعرًا

стр. 195

(تحير أَرْبَاب النَّهْي مَا المُرَاد بالعصاة ... من الْجِنّ وَأَوْلَاد آدم) (أخيرا أَرَادَ الله بالخلق أَولا ... أم الشَّرّ مَقْصُود لَا حكم حَاكم) (فان كَانَ خيرا هَل يجوز فَوَاته ... عَليّ مَالك مَا شَاءَ بِالْغَيْبِ عَالم) (وَإِن كَانَ شرا هَل أُرِيد لنَفسِهِ ... أم الْخَيْر مَقْصُود بِهِ باللوازم) (وَهل سبق قصد الْخَيْر بِالشَّرِّ يَقْتَضِي ... تطابق ذَاك الْقَصْد حكم الْخَوَاتِم) (وَلما أُتِي ذكر الخلود بناره ... عَليّ جوده فِي ذكره والجوازم) (تعاظم شَأْن الْخلد فِي النَّار كل من ... تفكر فِي أَسمَاء رب العوالم) (فَلَا هُوَ مغلوب وَلَا هُوَ جَاهِل ... وَلَا عابث قطعا وَلَا غير رَاحِم) (فَعَاد إِلَيّ التَّسْلِيم كل مُحَقّق ... لما قَالَه فِي الذّكر رب العوالم) (سَوَاء قضي بالخلد بالنَّار أَو قضي ... بِأَن عَذَاب الأشقياء غير دَائِم) (وَلما أُتِي اسْتِثْنَاؤُهُ فِي كِتَابه ... من الْخلد جَهرا فل حد التعاظم) (وَعَاد مجَال القَوْل فِي ذَاك وَاسِعًا ... وَقد كَانَ ضَاقَ الأمرضيق الْخَوَاتِم) (ورد شكوك الْمُلْحِدِينَ خواسئا ... وَمد بحار العارفين الاكارم) (فَمن قَائِل بالخلد من أجل كَثْرَة ... الْوَعيد بِهِ المنزلات القواصم) (وَمن قَائِل أَن الْخُصُوم مقدم ... وساعده أَسمَاء أحكم حَاكم) (وَثَالِثهَا الْمَنْصُور يرجي لمُسلم ... وَمن عاند الاسلام لَيْسَ بسالم) (وَمن لائم من خَاضَ فِي ذَاك حائر ... وَمن وَاقِف فِي ذَاك لَيْسَ بلائم) (وَمن خائض فِيهِ يكفر خَصمه ... عَليّ مثل مَا يَأْتِي فاليس بسالم) (وَلَا كفر فِي الْأَقْوَال بعد تعَارض ... الصوادع فِي تَنْزِيل أعلم عَالم) (وَلكنه يخشي بتكفير غَيره ... يبوء بِهِ أَو باقتراف المآثم) (فلولا أَرَادَ الله توسيع حكمه ... لما خصّه فِي ذكره غير كاتم) (وَفِي الْجنَّة اسْتثْنِي وَعقبَة بِمَا ... يدل عَليّ خلد الْجنان الدوائم) (عَليّ أَن وصف الْجُود لله دَائِم ... ومستلزم قطعا دوَام المكارم) (وَكَيف يَدُوم الْملك والجود والثنا ... وَيَنْقَطِع الْمَعْرُوف فِي قَول عَالم) (وَجَاءَت أَحَادِيث الصِّحَاح توَافق ... الْعُقُول بثنيا الرب أرْحم رَاحِم)

стр. 196

(إِذا وَردت بعد الثَّوَاب فانها ... لما زَاد جودا فِي ثَوَاب الاكارم) (وَإِن وَردت بعد الْوَعيد فانها ... لعفو وصفح عَن عِقَاب الجرائم) (ووافقها فِي الذّكر ذكر زِيَادَة ... وَذكر مزِيد فِي النُّصُوص الجوازم) (وَطول فِي الثَّانِي ايْنَ تيمة فقف ... عَليّ علمه فِي كتبه والتراجم) (وأسنده عَن سِتَّة نَص قَوْلهم ... أكَابِر من صحب النَّبِي الاكارم) (فَلَا تعتقد ان لم يَصح مقالهم ... وَبَان ضَعِيفا سَاقِطا كفر عَالم) (فَمَا هُوَ الا حسن ظن فان يجب ... فَمَا ينقص الرَّحْمَن رجوى المراحم) (وَقَول خَلِيل الله ثمَّ ابْن مَرْيَم ... دَلِيل على بطلَان لوم اللوائم) (وَقد كَاد جلّ الْخلق يكفر ضلة ... بذلك لَوْلَا فضل أرْحم رَاحِم) (فَمن قَاصد تنزيهه لَو رعى لَهُ ... من الجبروت الْحق عز التعاظم) (وَمن قَاصد تَعْظِيمه لَو رعى لَهُ ... محامد ممدوح بِأَحْكَم حَاكم) (وحافظ كل العارفين عَلَيْهِمَا ... وَهَذَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم لقائم) (وَهَذَا مقَام لَا يخاطر عَاقل ... بِهِ وَله قد كَانَ خلق العوالم) (لتعليل خلق السَّبع والسبع كلهَا ... بتعريف وَصفيه قدير وعالم) (وَإِن مقَاما حَار فِيهِ كليمه ... وَلم يسْتَطع صبرا لخير العوالم) (جدير بتحقيق عَظِيم وريبة ... من الْوَهم عِنْد الْجَزْم من كل عَالم) (ألم تَرَ مَا أدّى اليه الْكَلَام من ... فريقيه لما لججوا فِي الخضارم) (نفوا حِكْمَة الرَّحْمَن فِي الْعدْل والجزا ... وَقدرته عَن هدى أَحْقَر ظَالِم) (فوهى فريق عز أقدر قَادر ... ووهى فريق قدس أحكم حَاكم) (وَذَا عذرهمْ فِي ذِي الْأَقَاوِيل أَنَّهَا ... لمنكرة فِي قَول جلّ الأكارم) (كَأَنَّهُمْ راموا مساعدة النهى ... وثلج نفوس بالغيوب هوائم) (فَلم يَجدوا إِلَّا التأول مخرجا ... لاحدى ثَلَاث فِي الْعُلُوم عظائم) (لحكمة رب الْخلق أَو لاقتداره ... على اللطف أَو تخليد أهل الجرائم) (وَأحسن من ذَا الْوَقْف فِيهِ لقطعنا ... جَمِيعًا بِحسن الحكم من خير حَاكم) (وَذَلِكَ مغن إِذْ سَلامَة جارم ... لَدَى الْخَوْف أولى من اصابة جَازَ)

стр. 197

(وأثن وَلَا تستثن شَيْئا من الثنا ... ودع بدعا أضحت كأضغاث حالم) (وَلَا تخش من عجز وَلَا جهل حِكْمَة ... وَلَا غيظ مظلوم وَلَا عسف ظَالِم) (وَلَا أَنه فِي بره غير قَادر ... عَزِيز وَلَا فِي عزه غير رَاحِم) (وَلَا أَنه فِي حكمه غير عَادل ... حَكِيم لما لم يعلم الْخلق عَالم) انْتَهَت على الِاخْتِصَار فِي هَذَا الْمُخْتَصر فَهَذِهِ نبذة مختصرة من أول الاجادة فِي الارادة وَهِي قدر ألف ومائتي بَيت أَو تزيد عَليّ ذَلِك قلتهَا أَيَّام النشاط إِلَيّ الْبَحْث استعظاما لخوف الْوُقُوع فِي الْخَطَأ أَو الْخطر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة العظمي فاسأل الله التَّوْفِيق والعصمة مِمَّا خفت مِنْهُ انه حسبي وَنعم الْوَكِيل وَقد أفردت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مصنفات حافلة مِنْهَا لِابْنِ تَيْمِية وَمِنْهَا لتلميذه شمس الدّين وَمِنْهَا للذهبي وَمِنْهَا لي فَمن أحب الِاسْتِقْصَاء فِي المباحث وقف عَلَيْهَا وَنظر فِيهَا هُنَالك وَالله الْمُوفق وَيَأْتِي فِي الارادة بضعَة عشر وَجها مِمَّا غالبه مَنْصُوص من الحكم الربانية فِي خلق الاشقياء وَكَانَ هَذَا الْموضع يَلِيق بهَا فَلْتنْظرْ هُنَالك فِي الْبَحْث السَّادِس من مبَاحث الارادة فَهَذَا الْمُعظم المهم مِمَّا خدشت بِهِ الْمَلَاحِدَة فِي الاسلام والمبتدعة فِي حكمه الْملك الحميد الْحَكِيم العلام وَلم يبْق إِلَّا أُمُور يسيرَة مِنْهَا تعلقوا بآلام الاطفال والبهائم وَمن لَا ذَنْب لَهُ وكل مَا أُبِيح فِي الشَّرْع من ذبح الْبَهَائِم وتحميلها وَالْعَمَل بهَا وَالْجَوَاب عَن ذَلِك كُله هُوَ مَا تقدم من الْبَرَاهِين الصَّحِيحَة على ان الله تَعَالَى حَكِيم عليم بل على انه أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ ولعلماء الاسلام فِي هَذَا الْمقَام أجوبة مُخْتَلفَة على حسب قواعدهم وعقائدهم وفطنهم وقرائحهم وَقد رَأَيْت أَن أقتصر هَهُنَا على كَلَام الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الاسنى لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا ليعرف الاشعري ان جُمْهُور أَصْحَابه على القَوْل بحكمة الله تَعَالَى ان لم يكن ذَلِك اجماع الْمُسلمين وَثَانِيهمَا لحسن عبارَة الْغَزالِيّ فِي الِاسْتِدْلَال وَضرب الامثال فَأَقُول

стр. 198

قَالَ فِي شرح الرَّحْمَن الرَّحِيم من الاسماء الْحسنى مَا لَفظه (سُؤال وَجَوَابه) لَعَلَّك تَقول مَا معنى كَونه رحِيما وأرحم الرَّاحِمِينَ وَالدُّنْيَا طافحة بالامراض والمحن والبلايا وَهُوَ قَادر على ازالة جَمِيعهَا وتارك عباده ممتحنين فجوابك ان الطِّفْل الْمَرِيض قد ترثى لَهُ أمه فتمنعه من الْحجامَة وَالْأَب الْعَاقِل يحملهُ عَلَيْهَا قهرا وَالْجَاهِل يظنّ ان الرَّحِيم هُوَ الام دون الاب والعاقل يعلم ان ايلام الاب بالحجامة من كَمَال رَحمته وان الام عدوله فِي صُورَة صديق فان ألم الْحجامَة الْقَلِيل إِذا كَانَ سَببا للذة الْكَثِيرَة لم يكن شرا بل كَانَ خيرا والرحيم يُرِيد الْخَيْر بالمرحوم لَا محَالة وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ إِلَّا وَفِي ضمنه خير وَلَو رفع ذَلِك الشَّرّ لبطل الْخَيْر الَّذِي فِي ضمنه وَحصل بِبُطْلَانِهِ شَرّ أعظم من الشَّرّ الَّذِي يتَضَمَّن ذَلِك الْخَيْر قلت وَمَا أبين هَذَا الْمَعْنى فِي كتاب الله تَعَالَى وَلَو لم يرد فِيهِ إِلَّا قَوْله ﴿وَلَو رحمناهم وكشفنا مَا بهم من ضرّ للجوا فِي طغيانهم يعمهون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي تَعْلِيل أَفعاله بالحكم فِي الْآخِرَة ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ افحاما لسائلي ذَلِك وَمرَّة أجَاب عَلَيْهِم بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾

стр. 199

وَلَا خَفَاء أَن قَوْله حق القَوْل وَاضح فِي مواقفه الْحِكْمَة والا لما كَانَ بَان يحِق أكمل فِي الثَّنَاء على الله تَعَالَى من أَن لَا يحِق فَتَأمل ذَلِك يُوضحهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ الْآيَة إِلَى سَائِر مَا تقدم فِي هَذَا قَالَ الْغَزالِيّ وَالْيَد المتأكلة قطعهَا فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه الْخَيْر الجزيل وَهُوَ سَلامَة الْبدن وَلَو ترك قطعهَا لحصل هَلَاك الْبدن وَلَكِن قطعهَا لِسَلَامَةِ الْبدن شَرّ وَفِي ضمنه الْخَيْر لَكِن المُرَاد الأول السَّابِق إِلَى نظر الْقَاطِع هُوَ السَّلامَة الَّتِي هِيَ خير مَحْض وَهِي مَطْلُوبَة لذاتها ابْتِدَاء وَالْقطع مَطْلُوب لغيره ثَانِيًا لَا لذاته فهما داخلان تَحت الارادة لَكِن أَحدهمَا يُرَاد لذاته وَالْآخر يُرَاد لغيره فَالْمُرَاد لذاته قبل المُرَاد لغيره ولاجل ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿سبقت رَحْمَتي غَضَبي﴾ فغضبه ارادته الشَّرّ وَالشَّر بارادته وَرَحمته ارادته الْخَيْر وَالْخَيْر بارادته وَلَكِن اراد الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته فالخير مُقْتَضى بِالذَّاتِ وَالشَّر مُقْتَضى بِالْعرضِ وكل بِقدر وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يُنَافِي الرَّحْمَة أصلا والآن ان خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى فِيهِ خيرا أَو خطر لَك انه كَانَ يُمكن حُصُول ذَلِك الْخَيْر لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي كلا الطَّرفَيْنِ أما قَوْلك ان بعض الشَّرّ لَا خير تَحْتَهُ فان هَذَا مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن مَعْرفَته مثل أم الصَّبِي الَّتِي ترى الْحجامَة شرا مَحْضا وَمثل الغبي الَّذِي يرى الْقَتْل قصاصا شرا مَحْضا لانه ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول وَأَن الْقَتْل فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي ان التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي لحكيم ان يهمله فاتهم خاطرك وَأما الثَّانِي وَهُوَ قَوْلك انه كَانَ يُمكن تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ فان هَذَا أَيْضا دَقِيق فَلَيْسَ كل محَال وممكن مِمَّا يدْرك استحالته وامكانه بالبديهية وَلَا بِالنّظرِ الْقَرِيب بل يعرف ذَلِك بِنَظَر غامض دَقِيق يقصر عَنهُ الاكثرون فاتهم عقلك فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَلَا تشكن أصلا فِي

стр. 200

انه تَعَالَى أرْحم الرَّاحِمِينَ وانه تَعَالَى سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر أَي لكَونه شرا فَقَط لَا للخير غير مُسْتَحقّ اسْم الرَّحْمَة وَتَحْت هَذَا سر منع الشَّرْع من افشائه فَلَا تطمع فِي الافشاء وَلَقَد نبهت بالايماء وَالرَّمْز ان كنت من أَهله فَتَأمل ارشدك الله (لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي) انْتهى كَلَامه وللشيخ مُخْتَار قريب مِنْهُ فِي كتاب الْمُجْتَبى لَكِن بِغَيْر عِبَارَته بل للامام الْقَاسِم بن ابراهيم ﵇ نَحْو هَذَا الْمَعْنى فِي الْجَواب على الملحد الْمَعْرُوف بِابْن المقفع فَهَذَا معنى حسن شهد لَهُ الْقُرْآن وَالْحكمَة وَفِي الحَدِيث النَّص أَن كل مَا قَضَاهُ الله تَعَالَى لِلْمُؤمنِ فَهُوَ خير لَهُ مِمَّا يحب أَو يكره رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم بِنَحْوِهِ واعتقاده هَذَا من حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَفِي الحَدِيث ان حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى هُوَ من حسن الْعِبَادَة وَفِي الصَّحِيح يَقُول الله تَعَالَى انا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ وَذَلِكَ يُنَاسب قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم﴾ وَهِي الْمُحكم هُنَا وَمَا فِيهِ الْمَدْح من غير ذمّ بالاجماع وَأما السِّرّ الَّذِي ذكر أَن الشَّرْع منع من افشائه فَلَعَلَّهُ أَرَادَ سَعَة الرَّجَاء لرحمة الله تَعَالَى كَمَا جَاءَ عَن عَليّ ﵇ لَوْلَا أَخَاف ان تتكلوا عَن الْعَمَل لاخبرتكم بِمَا لكم من الاجر فِي قَتلهمْ يَعْنِي الْجَوَارِح وَفِي حَدِيث معَاذ لاتخبرهم دعهم يعملوا وَقد تبين ان رَسُول الله ﷺ بَين ذَلِك مرَارًا وَلم يَكْتُمهُ دَائِما وَكثير مِنْهُ فِي كتاب الله تَعَالَى وَاسْتقر الاجماع بعد على تدوينه فِي كتب الاسلام ثمَّ ان ابْن تَيْمِية وتلميذه ابْن قيم الجوزية قد صنفا فِي هَذَا مصنفات ممتعة وللذهبي مُعَارضَة لَهُم ولي توَسط بَينهم وَالله تَعَالَى يمدنا بهدايته وتوفيقه ولي أَيْضا تَكْمِلَة على كَلَام الْغَزالِيّ هَذَا ومناقشة لَطِيفَة تتَعَلَّق بِآخِرهِ

стр. 201

فِي أَمر مُحْتَمل وَمَا أَظُنهُ أَرَادَ فِيهِ إِلَّا الصَّوَاب وَقد ذكرته فِي العواصم وَنَفسه فِي هَذَا الْمقَام نفس طيب قرآني أثري فَأَيْنَ هُوَ من قَول بعض الْمُتَأَخِّرين عَنهُ من الْمُتَكَلِّمين من أَصْحَابه وَمِمَّنْ كَانَ يظنّ انه أقرب إِلَى السّنة مِنْهُ حَيْثُ قَالَ فِي بعض كتبه مَا لَفظه فان قَالَ بعض الأشقياء انما فعل ذَلِك ليثيبهم عَلَيْهِ يَعْنِي الآلام والمصائب الَّتِي تصيب الصّبيان وَمن لَا ذَنْب لَهُ قُلْنَا لَهُ قد ضللت عَن سَوَاء السَّبِيل أما كَانَ فِي قدرَة رب الْعَالمين ان يحسن اليهم عوضا عَن تعذيبهم أه فَانْظُر إِلَى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْبعد عَن الْقُرْآن وَالسّنة والْآثَار فَأول مَا بَدَأَ بِهِ أَنه سمي الْقَائِل بذلك بعض الأشقياء وَهُوَ رَسُول الله ﷺ تَوَاتَرَتْ عَنهُ بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي لَا يجهل مثلهَا مُمَيّز وَالَّتِي اتّفق أهل الْبَصَر بِهَذَا الشَّأْن على صِحَة طرقها وتواترها ودونوها فِي الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد وَكتب الزّهْد وَالرَّقَائِق وَلَيْسَ هِيَ من الْآحَاد بل هِيَ بَاب كَبِير من أَبْوَاب الدّين الَّذِي لم تزل الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ من طَبَقَات الْمُسلمين يروونها قرنا بعد قرن يرْوى ذَلِك السّلف للخلف والاكابر للاصاغر ويعزى بِهِ الْعلمَاء أهل المصائب حَتَّى قَالَ الْعَلامَة أَبُو عمر ابْن عبد الْبر فِي هَذَا الْبَاب فِي كِتَابه التَّمْهِيد ان ذَلِك أَمر مجمع عَلَيْهِ وَهِي دَالَّة على حسن التَّعْلِيل بذلك وان لم يرد فِي الْمحل الَّذِي ذكره على انْفِرَاده أَعنِي الصّبيان والبهائم فان الْخصم انما أنكر حسن التَّعْلِيل بذلك وَمَتى صَحَّ التَّعْلِيل بِهِ فِي مَوضِع صَحَّ فِي غَيره وَبَطل قطعه بِبُطْلَانِهِ فَتَأمل ذَلِك فان الْعِلَل الْعَقْلِيَّة لَا تخصص وَلَا تُوجد غير مُؤثرَة مَعَ ان كثيرا من الْأَحَادِيث تعم الصغار والكبار والمكلفين وَغَيرهم ولنذكر من ذَلِك الْيَسِير تَنْبِيها على الْكثير ليعرف الْحَامِل على هَذَا النكير فَمن ذَلِك مَا خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأحمد فِي الْمسند وَغَيرهم من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 202

لَا تصيب الْمُؤمن شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَخط عَنهُ بهَا خَطِيئَة هَذَا لفظ مُسلم وَفِيه رِوَايَات كَثِيرَة وروى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابْن مَسْعُود قلت يَا رَسُول الله انك توعك وعكا شَدِيدا قَالَ أجل اني أوعك كَمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم قلت ذَلِك بَان لَك أَجْرَيْنِ قَالَ أجل مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من مرض فَمَا سواهُ الا حط الله سيئاته كَمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا وَلمُسلم نَحْو من ذَلِك من حَدِيث جَابر وللبخاري وَمُسلم هَذَا الْمَعْنى من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة ولمالك عَن يحيى بن سعيد وروى التِّرْمِذِيّ عَن أنس حديثين وَمتْن أَحدهمَا عَن انس ان رَسُول الله ﷺ قَالَ ان عظم الْجَزَاء مَعَ عظم الْبلَاء وان الله اذا أحب قوما ابْتَلَاهُم فَمن رَضِي فَلهُ الرضى وَمن سخط فَلهُ السخط وَالْآخر لِلتِّرْمِذِي عَن جَابر وَلَفظه يود أهل الْعَافِيَة يَوْم الْقِيَامَة حِين يُعْطي أهل الْبلَاء ثوابهم لَو ان جُلُودهمْ كَانَت قرضت فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ وروى مَالك وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَأَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن خَالِد السّلمِيّ عَن أَبِيه عَن جده وَله صُحْبَة وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُصعب بن سعيد وَلَفظه أَشد النَّاس بلَاء الانبياء ثمَّ الامثل فالامثل وَمَالك وَالْبُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه من يرد الله بِهِ خيرا يصب مِنْهُ وَالْبُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه مَا لعبدي الْمُؤمن عِنْدِي جَزَاء إِذا قبضت صَفيه من أهل الدُّنْيَا ثمَّ احتسبه الا الْجنَّة وَلِهَذَا الْمَعْنى ثَلَاثَة شَوَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ عَن أبي بكر وَعَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وان كَانَت هَذِه تخْتَص بالمذنبين وَهَذَا فِي جنس الآلام كلهَا وَفِي أَنْوَاعهَا الْخَاصَّة أَحَادِيث كَثِيرَة مثل مَا جَاءَ فِيمَن مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد لم يبلغُوا الْحِنْث أَو اثْنَان لم تمسه النَّار الا تَحِلَّة الْقسم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أَبى سعيدو أبي هُرَيْرَة مَعًا وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن انس وَالنَّسَائِيّ عَن أبي ذَر وَمَالك عَن النَّضر السّلمِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس فَهَذِهِ نَيف وَعِشْرُونَ حَدِيثا من دواوين الاسلام الْمَشْهُورَة وَفِي فضل الْفقر وأجره خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا تركتهَا اختصارا وَفِي سِيَاق الْجَمِيع مَا

стр. 203

يشْهد بَان ذَلِك تَعْلِيل مُنَاسِب للعقول وَلذَلِك قبله أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَلم ينكروه وهم أوفر عقولا وَأَصَح اذهانا وَأسلم من تغير الْفطْرَة الَّتِي فطر الله خلقه عَلَيْهَا وَعند الْخصم ان ذَلِك التَّعْلِيل غير مُنَاسِب وَأَنه ونقيضه سَوَاء مثل أَن يؤلمهم الله فِي الدُّنْيَا ليعاقبهم على آلامهم فِي الْآخِرَة فان اعْترف بِالْفرقِ لزمَه مُنَاسبَة الأول الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة وَتَلَقَّتْهُ الصَّحَابَة بِالْقبُولِ وان ادّعى انهما سَوَاء فقد عاند وجنى على المسموع والمعقول فَكيف يتْرك النّظر فِي ذَلِك كُله عَالم من عُلَمَاء الاسلام ويعارضه بقوله أما كَانَ فِي قدرَة رب الْعَالمين ان يحسن اليهم عوضا عَن تعذيبهم وَجَوَاب أهل الْحق على من ابتلى بِهَذِهِ الوساوس هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَذَلِكَ أَن الأنظار الْعَقْلِيَّة انما تورد على الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وَأما الْعِلَل السمعية فانها صدرت عَمَّن يعلم مَا لَا نعلم وليت شعري اذا أنكر الْخُصُوم هَذَا الْمَعْنى مَا يكون تَفْسِير الْعلم الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ الْخضر دون مُوسَى ﵉ وَقد أوضح الله تَعَالَى أَنه علم الْحِكْمَة الْخفية فِي مثل ذَلِك وَقد أجَاب بعض الْمُتَكَلِّمين بِجَوَاب مُنَاسِب فَقَالَ ان الثَّوَاب على هَذِه الاشياء جُزْء من الْحِكْمَة الْمُسَمَّاة بِالْعِلَّةِ فِي عرف الْمُتَكَلِّمين وَلَيْسَ هُوَ كلهَا والجزء الثَّانِي هُوَ الِاعْتِبَار بذلك وَهَذَا معنى مُنَاسِب وَقد ورد مَا يدل عَلَيْهِ من الحَدِيث وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظ ابْن كثير من طرق فِي خلق آدم من أول الْجُزْء الأول من الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ان الله لما أخرج ذُرِّيَّة آدم ورآهم آدم رأى فيهم الْغنى وَالْفَقِير وَالصَّحِيح والسقيم فَقَالَ يَا رب هلا سويت بَين ذريتي فَقَالَ تَعَالَى اني أردْت أَن تشكر نعمتي الى غير ذَلِك وَكفى بقوله تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ وَهِي شاهدة لقَوْل أهل المعقولات انه لَا يكون فِي مخلوقات الله تَعَالَى مَا هُوَ شَرّ مَحْض من جَمِيع

стр. 204

الْوُجُوه لَان مَا كَانَ كَذَلِك لم يُمكن تَجْوِيز أَنه خير وَلَا أَن فِيهِ خيرا فَافْهَم ذَلِك وَفِي الآلام مَا لَا يُحْصى من الالطاف بالمكلفين والتزهيد فِي دَار الْغرُور وَنَعِيمهَا الزائل وَالتَّرْغِيب فِي خير الْآخِرَة الْمَحْض الْخَالِص من المكدرات وتهذيب الاخلاق وَرَحْمَة أهل الْبلَاء والتدريب على الصَّبْر الَّذِي هُوَ أساس الْفَضَائِل وَمَعْرِفَة قدر النعم بالذوق وتخديد الشُّكْر عَلَيْهِ وحسبك فِي ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ وَفِي ذَلِك من معرفَة الانسان بعجزه وذله وَجمع الْقلب على الله واقباله على الدُّعَاء واللجأ والتضرع ومعرفته باجابة الدُّعَاء وكشف الضّر وَزِيَادَة الْيَقِين بِهِ إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الغايات المحمودة والمصالح الْمَقْصُودَة مَا عَرفته الْعُقُول الصَّحِيحَة وقضت بِهِ التجارب الدائمة حَتَّى ذكر صَاحب عوارف المعارف مَا مَعْنَاهُ ان العَبْد مَخْلُوق ليَكُون ملتجئا إِلَى الله سُبْحَانَهُ على الدَّوَام فَمَا دَامَ كَذَلِك فَهُوَ فِي عَافِيَة وَمَتى غفل عَن ذَلِك سَاقه الله إِلَى ذَلِك بِبَعْض المصائب وَذكر فِي مَوضِع آخر أَن سَبَب فَضِيلَة الْفُقَرَاء أَنهم يذوقون الافتقار إِلَى الله تَعَالَى بقلوبهم وان تِلْكَ من أقرب الْمنَازل إِلَى الله تَعَالَى وروى ابْن قيم الجوزية فِي حادي الْأَرْوَاح ان نَبيا من الْأَنْبِيَاء ﵈ رأى مبتلى فَقَالَ اللَّهُمَّ ارحمه فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كَيفَ أرحمه مِمَّا بِهِ أرحمه هم عبَادي ان أَحْسنُوا فَأَنا حبيبهم وان أساؤا فَأَنا طبيبهم ابتليتهم بالمصائب لاطهرهم من المعائب وَمن ذَلِك الِابْتِلَاء بالايمان وبالثبات عَلَيْهِ عِنْد رُؤْيَة ذَلِك فان ذَلِك يمير الله بِهِ الْخَبيث من الطّيب كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي ابتلاء الْمُسلمين بتحويلهم من اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس إِلَى اسْتِقْبَال الْكَعْبَة وَنجم عَن ذَلِك نفاق بعض الْمُنَافِقين وَنزل قَوْله تَعَالَى﴾ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الْآيَات وَكم عَسى أَن يكْتب الْكَاتِب ويحسب الحاسب من حكم الله سُبْحَانَهُ وفوائده وفوائد أَفعاله الحكيمة وتقديراته اللطيفة فَهَذَا يخرج عَن الْمَقْصُود وَيمْنَع مِمَّا قصدته من الِاخْتِصَار على ان الْمُعْتَرض

стр. 205

لمناسبة هَذِه الْعلَّة الشَّرْعِيَّة والاحاديث النَّبَوِيَّة أَتَى بِمَا يضْحك السامعين وَيُخَالف الاذكياء والبلداء من الْعُقَلَاء أَجْمَعِينَ فَزعم ان الله عذب من لَا ذَنْب لَهُ من الصغار والبهائم بِغَيْر عِلّة وَلَا سَبَب وَلَا حِكْمَة وَلَا دَاع فيا هَذَا الْمُغَفَّل اذا لم يحز على الله الاحسان الْعَظِيم الدَّائِم على سَبَب وَحِكْمَة لم تعقلهما كَيفَ أجزت عَلَيْهِ التعذيب الْعَظِيم بِغَيْر سَبَب وَحِكْمَة واذا أوجبت تَنْزِيه الله تَعَالَى من الاحسان الْعَظِيم الدَّائِم على سَبَب وَحِكْمَة كَيفَ قبحت على غَيْرك تنزيهه من التعذيب الْعَظِيم الدَّائِم بِغَيْر سَبَب وَحِكْمَة واذا اعْترفت ان من اعْترض على الله تَعَالَى فِي الْعَذَاب بِغَيْر ذَنْب فقد زَاد شقاؤه وَعظم بلاؤه فَمن أَبَاحَ لَك اعتراضه فِي أَسبَاب احسانه حِين لم توَافق فهمك الَّذِي اخْتَار نفي الْحِكْمَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال الربانية وَجعل كَمَال الْحِكْمَة نقصا وعكسها عكسا فَجعل زينها شَيْئا وحمدها ذما فَكيف اتَّسع عقله لتجويز تَعْذِيب من لَا ذَنْب لَهُ فِي طَبَقَات النيرَان إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْملك الْغَنِيّ الحميد الْمجِيد الْحَكِيم الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَلِيم ثمَّ مَا اتَّسع عقله أَن يعلم ان الله تَعَالَى فِي تَرْتِيب الثَّوَاب على المصائب وَجه حِكْمَة لم يعلمهَا هُوَ ومنتهى مَا فِي الْأَمر أَن تَرْتِيب ذَلِك الثَّوَاب على تِلْكَ المصائب قَبِيح فِي مُنْتَهى معارف الْعُقُول أَو عَبث لَا فِي علم الله تَعَالَى فَهَلا آمَنت بِهِ مَعَ صِحَّته فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول مثل مَا آمَنت بتعذيب ذَنْب من لَا ذَنْب لَهُ مَعَ قبحه فِي الْمَعْقُول وَعدم صِحَّته فِي الْمَنْقُول وَاعْلَم ان من عَادَة بعض الْمُخَالفين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن يوردوا صورا تحسن من الله تَعَالَى وتقبح من عباده ويوهمون بذلك ان هَذَا مَحل النزاع وَلَيْسَ كَذَلِك وَكفى حجَّة على من نَازع فِي هَذَا قصَّة الْخضر ومُوسَى ﵉ وَلِهَذَا تَجِد كثيرا من أهل السّنة يظنون ان هَذَا الْقدر هُوَ مَحل النزاع فيرجحون قَول من يَنْفِي التحسين الْعقلِيّ وَلَيْسَ مَحل النزاع الا فِي نفي الْحِكْمَة عَن علم الله تَعَالَى لَا عَن معارف عقول الْعُقَلَاء وَمن الْخَطَأ الْبَين مَا يَفْعَله كثير من الْمُخَالفين من تَقْدِير صور فِي غَايَة الْقبْح فِي الشَّاهِد ثمَّ تَقْدِير أَن الله يَفْعَلهَا فَيجب تحسينها مِنْهُ لَو فعلهَا وَمَوْضِع الْقبْح بَين فِي وَجْهَيْن أَحدهمَا فِي ضرب الْأَمْثَال لله وَالله تَعَالَى يَقُول

стр. 206

﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ وَثَانِيهمَا فِي تَجْوِيز ان الله يفعل تِلْكَ الصُّور الشنيعة الْفَاحِشَة الشناعة وَأَنا أذكر من ذَلِك صُورَة وَاحِدَة قد ختم بهَا هَذَا الشَّيْخ المدقق كَلَامه فَجعل ثَوَاب الله الْعَظِيم على فقر عباده وبلائهم بِمَنْزِلَة رجل يقْلع عَيْني فَقير مِسْكين مجذوم مَقْطُوع الاطراف ليطعمه لقْمَة وَاحِدَة فاساء الْأَدَب وأبطل فِي الْمثل وَللَّه الْمثل الاعلى والأسماء الْحسنى وَالله تَعَالَى جعل ثَوَاب العَبْد على ذهَاب بَصَره الخلود الَّذِي لَا آخر لَهُ فِي نعيم الْجنان الَّذِي لَا مثل لَهُ بِحَيْثُ ان من غمس غمسة وَاحِدَة فِيهِ من أهل الْبلَاء يُقَال لَهُ هَل رَأَيْت بؤسا قطّ فَيَقُول مَا رَأَيْت بؤسا قطّ فَهَذَا فِي أول غمسة كَيفَ فِي الدَّوَام الابدي فِيمَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا وكل عَاقل يشترى هَذَا بَان يقطع إربا أربا فِي كل حِين وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ الْآيَة وَورد فِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أنس أَنه لَا يحب الرُّجُوع الى الدُّنْيَا أحد من أهل الْجنَّة الا الشَّهِيد فانه يحب أَن يعود فَيقْتل عشر مَرَّات لما رأى من عَظِيم الْأجر على الشَّهَادَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث ولوددت أَنِّي أقتل فِي سَبِيل الله ثمَّ أَحْيَا ثمَّ أقتل ثمَّ أَحْيَا ثمَّ أقتل ثمَّ أَحْيَا ثمَّ أقتل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَهَذَا لَفظه وَمُسلم وَمَالك وَغَيرهم وَفِي صَحِيح مُسلم ان الله ليغفر للْعَبد بالشربة يشْربهَا فيشكر عَلَيْهَا والأكلة يأكلها فيشكر عَلَيْهَا وَفِيه ان سُبْحَانَ الله نصف الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله يملآن مَا مَا بَين السَّمَوَات والارض فَهَذَا بعض مَا صَحَّ ويسير من كثير بل قَطْرَة من بحار فضل الله الْعَظِيم الَّذِي لَا يقدر بِمِقْدَار وَلَا تمده لَو كتب الانهار وَلَا الْبحار فَكيف بِقدر لقْمَة وَاحِدَة يطْعمهَا فَقير مِسْكين حيران لقلع عَيْنَيْهِ وَقد أَجَاد الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى حَيْثُ أَشَارَ الى الْفرق بَين الْجَزَاء

стр. 207

الْعَظِيم وَغَيره فِي تقبيح هَذِه الامور وتحسينها وَلَو كَانَ يقبل مثل ذَلِك الِاعْتِرَاض على الْعِلَل السمعية وَالْحكم الالهية لَو رد على قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ وَقيل أما كَانَ فِي قدرَة رب الْعَالمين أَن يدخلهم الْجنَّة عوضا عَن بذلهم أنفسهم وَأَمْوَالهمْ الحقيرة مَعَ انها من مبادي مواهبه وَلَو كَانَ هَذَا من الْعلم الْمَحْمُود لسبق اليه السّلف الَّذين هم خير أمة أخرجت للنَّاس ﵃ وَمن ذَلِك احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا ان هَذِه الْآيَة فِي اثبات عزة الله تَعَالَى وَهِي كلمة اجماع بَين الْمُسلمين وَالله أعز من أَن يسئل وَلَيْسَ ذَلِك يَقْتَضِي أَنه غير حَكِيم فقد تمدح بِالْعِزَّةِ بل تمدح بسؤاله وعده الصَّادِق لِلْمُتقين حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين ﴿قل أذلك خير أم جنَّة الْخلد الَّتِي وعد المتقون كَانَت لَهُم جَزَاء ومصيرا لَهُم فِيهَا مَا يشاؤون خَالِدين كَانَ على رَبك وَعدا مسؤولا﴾ فَوَجَبَ الايمان بهما مَعًا فَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم كَمَا جَمعهمَا كثيرا فِي التمدح بهما معافي غير مَوضِع وَاحِد وَذَلِكَ اشارة الى انهما اخوان لَا يفترقان لَا ضدان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلذَلِك بوب البُخَارِيّ عَلَيْهِمَا مجموعين بَابا فِي كتاب التَّوْحِيد من صَحِيحه وَثَانِيهمَا أَن هَذِه الْآيَة فِي الدّلَالَة على بطلَان الشُّرَكَاء الَّذين عبدهم الْمُشْركُونَ وَالْمرَاد انهم يسئلون يَوْم الْقِيَامَة عَن ذنوبهم ويعذبون عَلَيْهَا كَقَوْلِه ﴿وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون﴾ وَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مربوب لَا رب وانما الرب الْحق الَّذِي يسْأَل عباده يَوْم الْقِيَامَة فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء لَا من يخَاف الْعَذَاب وَيُحَاسب أَشد الْحساب وَسِيَاق الْآيَة من أَولهَا وَاضح فِي ذَلِك فالاحتجاج بهَا على نفي الْحِكْمَة غَفلَة عَظِيمَة وانما هِيَ لنفي شريك مغالب يلْزم اظهار الْحِكْمَة ويعاقب على ترك الْبَيَان لَهَا وَنَحْو ذَلِك وَقد أَمر الله رَسُوله ﷺ ان يسْأَله الزِّيَادَة من الْعلم وَلم يعلم مُوسَى

стр. 208

على طلب ذَلِك من الْخضر ﵉ وَالله يحب أَن يسئل وَمن لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ فَمن سَأَلَ الله من أنبيائه عَن خَفِي حكمته لم يدْخل فِي الْآيَة كَمَا سَأَلَهُ آدم ﵇ هلآ سويت بَين ذريتي فَقَالَ فعلت ذَلِك لتشكر نعمتي وانما يلام من سَأَلَ اعتراضا أوشكا أَو استبعادا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَمن ذَلِك شُبْهَة الثَّلَاثَة الاطفال الَّذين فرضوا أَن أحدهم مَاتَ صَغِيرا فَدخل الْجنَّة وأحدهم كبر ووحد الله وَعَبده وَدخل الْجنَّة وأحدهم كبر وَكفر وَدخل النَّار فَرَأى الصَّغِير منزلَة الْمُؤمن الْكَبِير فَوْقه فِي الْجنَّة فَقَالَ يَا رب هلا بلغتني منزلَة هَذَا فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ اني علمت انك لَو كَبرت كفرت وَدخلت النَّار فَيَقُول الَّذِي فِي النَّار فَهَلا أمتني صَغِيرا وَهَذِه هِيَ مَسْأَلَة خلق الاشقياء بِعَينهَا لَكِن غيروا الْعبارَة فِيهَا وَالْجَوَاب ان هَذَا التَّقْدِير خطأ فَاحش فان الْعلَّة فِي امانة الصَّغِير لَيْسَ هِيَ علم الله بانه لَو كبر كفر وَلَو كَانَت هَذِه هِيَ الْعلَّة لأمات جَمِيع الْكَفَرَة والاشقياء كلهم صغَارًا بل لما خلقهمْ صغَارًا حَتَّى يميتهم فان ترك خلقهمْ أولى من اسْتِدْرَاك الْفساد بموتهم بعد خلقهمْ وَلَو كَانَت هَذِه هِيَ العلبة لصاحت الوحوش والطيور وَجَمِيع أَنْوَاع الدَّوَابّ وَقَالَت يَا رب هلا جعلتنا من بني آدم ولصاح الْمُؤْمِنُونَ كلهم وَقَالُوا رَبنَا هلآ عصمتنا وبلغتنا مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء بل جعلتنا كلنا أَنْبيَاء يُوحى الي كل وَاحِد منا ويسري بِنَا الى السَّمَاء وَقَالُوا جَمِيعًا هلا جعلتنا مَلَائِكَة كراما ولقالت الْأَنْبِيَاء هلا ساويت بَيْننَا فانه نَص انه فضل بعض الرُّسُل على بعض ولقالت مثل ذَلِك الْمَلَائِكَة فانه فضل بَينهم وَلَو انْفَتح هَذَا الْبَاب لاعترض تَفْضِيل يَوْم الْجُمُعَة والعيد وَلَيْلَة الْقدر وَلم تكن هَذِه الْأَوْقَات المخصوصات اولى بذلك من غَيرهَا ولاعترض تَخْصِيص السَّمَوَات باماكنها والارضين بسكانها ولاعترض تَخْصِيص ايجاد الْعَالم وكل فَرد مِمَّن فِيهِ بِوَقْت دون وَقت وَتَخْصِيص جَمِيع مَا فِيهِ بِقدر دون قدر فِي جَمِيع أَفعَال الله تَعَالَى ومقادير الاعمال والاجساد والارزاق وَالنعَم والقوى والالوان والتقديم وَالتَّأْخِير والتقليل والتكثير وَلما انْتهى ذَلِك الى حد وَلَا وقف على مِقْدَار الا والاعتراض فِيهِ قَائِم وَالسُّؤَال عَلَيْهِ وَارِد ولقالت القباح هلا جعلتنا حسانا وَالنِّسَاء هلا جعلتنا رجَالًا وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى عَدو وجود

стр. 209

شَيْء من الموجودات بل الى اسْتِحَالَة وجود الممكنات من جَمِيع الْمَخْلُوقَات لعدم رُجْحَان وَقت على وَقت وَمَكَان على مَكَان وَقدر على قدر فَيلْحق الْقَادِر حِينَئِذٍ بالعاجز ويتعذر الِاخْتِيَار على جَمِيع المختارين وانتهينا الى مَسْأَلَة لَا تَنْتَهِي لتعارض الدَّوَاعِي المستدعية للْوَقْف وَترك جَمِيع الْأَفْعَال وَهَذَا خُرُوج من الْمَعْقُول فان العاطش الجيعان لَو حضر عِنْده كيزان كَثِيرَة ورغفان كَثِيرَة وَهُوَ لَا يَأْكُل معتذرا بَان الدَّوَاعِي الى تَخْصِيص كل كوز وكل رغيف تَعَارَضَت عَلَيْهِ حَتَّى لم يتَمَكَّن من الاكل وَالشرب وَدفع الضَّرَر الْعَظِيم لعد من المجانين وَالْجَوَاب عَن هَذِه الوساوس ان الله يخْتَص برحمته من يَشَاء وانه فِي ذَلِك الْعَلِيم الْحَكِيم الْخَبِير الْبَصِير وَمَتى دعت الْحِكْمَة الى أحد الامرين المستويين بَادر جَمِيع الْعُقَلَاء الى تَخْصِيص أَحدهمَا محمودين على ذَلِك غير ملومين سَوَاء كَانَ ذَلِك التَّخْصِيص مُسْتَندا الى مُرَجّح خَفِي أم الى الْحِكْمَة الاولى وَمن ذَلِك الحَدِيث المقلوب الَّذِي خرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد فِي الْبَاب الْخَامِس وَالْعِشْرين فِي قَوْله ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ فانه خرج فِيهِ عَن عبَادَة حَدِيثا مَرْفُوعا انما يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وَحَدِيث انس مَرْفُوعا ليصيبن أَقْوَامًا سفع من النَّار بذنوب أصابوها ثمَّ يدخلهم الله الْجنَّة بِفضل رَحمته ثمَّ أَرَادَ تَأْكِيد هذَيْن الْحَدِيثين فِي رَحْمَة الله تَعَالَى بِحَدِيث ثَالِث لابي هُرَيْرَة وَقد رَوَاهُ على الصَّوَاب قبل هَذَا الْموضع من طَرِيق اتّفق على صِحَّتهَا هُوَ وَمُسلم وَغَيرهمَا ثمَّ جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الْموضع من طَرِيق أُخْرَى لم يُوَافقهُ عَلَيْهَا مُسلم وَلَا غَيره من أهل السّنَن وانما أَرَادَ تَقْوِيَة أصل الحَدِيث وَمَا فِيهِ من معنى الرَّحْمَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَقَالَ حَدثنَا عبيد الله بن سعيد قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي ابْن ابراهيم بن سعد الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنَا أبي عَن صَالح بن كيسَان عَن الاعرج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اختصمت الْجنَّة وَالنَّار الى ربهما فَقَالَت الْجنَّة يَا رب مَالهَا لَا يدخلهَا الا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَقَالَت النَّار فَقَالَ للجنة أَنْت رَحْمَتي وَقَالَ للنار أَنْت عَذَابي أُصِيب بك من أَشَاء وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا

стр. 210

قَالَ فاما الْجنَّة فان الله لَا يظلم من خلقه أحدا وانه ينشئ للنار من يَشَاء فيلقون فِيهَا فَتَقول هَل من مزِيد ثَلَاثًا حَتَّى يضع قدمه فِيهَا فتمتلئ وَيرد بَعْضهَا الى بعض وَتقول قطّ قطّ قطّ فَهَذَا حَدِيث مقلوب انْقَلب على بعض رُوَاته كَمَا خرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله بِظِل عَرْشه يَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا ظلّ الا ظله فَذكر مِنْهُم رجلا تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم يَمِينه مَا تنْفق شِمَاله خرجه مُسلم وانما انْقَلب على بعض الروَاة وَصَوَابه مَا خرجاه مَعًا عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه فَحكم كل عَارِف بانقلابه لما اتفقَا عَلَيْهِ فِي ذَلِك ولانه الْمُنَاسب فان الْيَمين هِيَ المنفقة فخرجه مُسلم كَذَلِك لتقوى أصل الحَدِيث بِهَذَا الاسناد لَا لكَونه ظن صِحَة هَذَا الْمَتْن المقلوب مَعَ مُخَالفَته للمنقول والمعقول وَلم يتهم أحد مُسلما بِجَهْل ذَلِك وَكَذَلِكَ حَدِيث الْجنَّة وَالنَّار فانهما اتفقَا على اخراجه على الصَّوَاب من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجنَّة فَقَالَت النَّار أُوثِرت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَت الْجنَّة مَا لي لَا يدخلني الا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ فَقَالَ الله تَعَالَى للجنة انت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي وَقَالَ للنار أَنْت عَذَابي أعذب بك من أَشَاء من عبَادي وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَأَما النَّار فَلَا تمتلئ حَتَّى يضع رجله فَتَقول قطّ قطّ قطّ فهنالك تمتلئ ويزوي بَعْضهَا الى بعض وَلَا يظلم الله من خلقه أحدا وَأما الْجنَّة فان الله ينشئ لَهَا خلقا خرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فِي تَفْسِير ق وَمُسلم فِي صفة النَّار نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَفِي صفتهَا خرج مُسلم حَدِيث أنس وَالْبُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد فِي الْبَاب السَّابِع مِنْهُ فِي قَول الله ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَخرج مِنْهُ حَدِيث شُعْبَة وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ لَا يزَال يلقى فِيهَا وَهِي تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع فِيهَا رب الْعَالمين قدمه فيزوي بَعْضهَا الى بعض ثمَّ تَقول قد قد بعزتك وكرمك وَلَا تزَال الْجنَّة تفضل حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم الله فضل الْجنَّة هَذَا لفظ البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد وَرَوَاهُ مُسلم من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة بِمثلِهِ الا

стр. 211

انه قَالَ قطّ قطّ ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أُخْرَى فَقَالَ نازهير بن حَرْب ناعفان ناحماد يَعْنِي ابْن سَلمَة ناثابت قَالَ سَمِعت أنسا يَقُول عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبقي من الْجنَّة مَا شَاءَ الله ان يبْقى ثمَّ ينشئ الله لَهَا خلقا مِمَّا يَشَاء وَخرج مُسلم أصل الحَدِيث من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي مُحَاجَّة الْجنَّة وَالنَّار الى قَوْله لكل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَلم يذكر مَا بعده من الزِّيَادَة فقد تبين بِهَذَا ان حَدِيث ابراهيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن الاعرج عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيث مُنْقَلب لم يُتَابع عَلَيْهِ فَأَما أَبُو هُرَيْرَة فقد تخلص من الْوَهم بِرِوَايَة الثِّقَات للْحَدِيث عَنهُ على الصَّوَاب وَكَذَلِكَ الاعرج قد خرجه عَنهُ مُسلم من طَرِيق أبي الزِّنَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِغَيْر ذكره لتِلْك الزِّيَادَة الْمُنكرَة وَأَبُو الزِّنَاد فِي الْأَعْرَج من ابراهيم فانه رَاوِيه الْمَشْهُور وَفِي كتب الْجَمَاعَة السِّتَّة عَنهُ قدر ثَلَاثمِائَة حَدِيث وَلَيْسَ لابراهيم عَن صَالح عَنهُ الا سَبْعَة أَحَادِيث لم يتَّفقَا على وَاحِد مِنْهَا خرج البُخَارِيّ ثَلَاثَة مِنْهَا أَحدهَا فِي الابراد بِالصَّلَاةِ فِي شدَّة الْحر وَهُوَ مَعْرُوف من غير طَرِيقه وَالثَّانِي لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقاتلوا التّرْك وَهُوَ كَذَلِك وَالثَّالِث هَذَا الحَدِيث وَغَيره فِيهِ أثبت مِنْهُ وأحفظ لَهُ كَمَا نبين لَك ان شَاءَ الله وَأما مُسلم فَلم يخرج لَهُ عَن صَالح عَن الاعرج الا فِي الْفَضَائِل ثَلَاثَة أَحَادِيث وَالسَّابِع من هَذِه التَّرْجَمَة خرجه ابْن ماجة فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد التَّكْبِير وَهُوَ مَعْرُوف وَقد ذكر ابْن حجر ابراهيم بن سعد فِيمَن اخْتلف فِيهِ من رجال البُخَارِيّ وَحكى بعد توثيقه عَن ابْن عدي انه رُوِيَ عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل عَن أَبِيه انه ذكر ابراهيم بن سعد عِنْد يحيى بن سعيد فَجعل يَقُول ابراهيم بن سعد كَأَنَّهُ يُضعفهُ وَقَالَ ابْن عدي كَلَام من تكلم فِيهِ تحامل فَأفَاد انه قد تكلم فِيهِ وَقَالَ ابْن دارة كَانَ صَغِيرا حِين سمع من الزُّهْرِيّ فَهَذَا مَا ذكره ابْن حجر فِي تَرْجَمته وَلم يذكرهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان والاعلال وَالْحكم بالانقلاب والادراج وَنَحْو ذَلِك لَا يخْتَص بالضعفاء بل يجوز الحكم بِهِ بمخالفة الاوثق والاكثر مَعَ الْقَرَائِن وَقد اجْتمع ذَلِك كُله بل ذكر ابْن قيم الجوزية فِي حادي الارواح ان ذَلِك من المقلوب وان البُخَارِيّ قد نبه

стр. 212

على ذَلِك قَالَ وَالرِّوَايَات الصَّحِيحَة وَنَصّ الْقُرْآن يردهُ فان الله تَعَالَى أخبر أَنه يمْلَأ جَهَنَّم من إِبْلِيس وَأَتْبَاعه وَأَنه لَا يعذب الا من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة وَكذب رسله قَالَ تَعَالَى ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء﴾ قلت وَيدل على هَذَا وُجُوه مِنْهَا ان رَاوِي هَذَا الحَدِيث المقلوب جعل تَنْزِيه الله تَعَالَى من الظُّلم عِنْد ذكره الْجنَّة فأوهم بذلك ان من أدخلهُ الله تَعَالَى الْجنَّة بِغَيْر عمل كَانَ ظلما وَهَذَا من أفحش الْخَطَأ فان الْحور الْعين فِي الْجنَّة والاطفال بِغَيْر عمل وَهَذَا هُوَ الْموضع الَّذِي لَا يُسمى ظلما عِنْد أحد من الْمُسلمين وَلَا من الْعُقَلَاء أَجْمَعِينَ وَلَا أَشَارَ الى ذَلِك شَيْء من الحَدِيث وَلَا من السّنة وَلَا من اللُّغَة وَلَا من الْعرف وانما ذكر هَذَا فِي النَّار اشارة الى أَن التعذيب بِغَيْر ذَنْب هُوَ شَأْن الظَّالِمين من الْخلق وَالله تَعَالَى حرم الظُّلم على نَفسه وَجعله بَين خلقه محرما كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَر عَن رَسُول الله ﷺ عَن ربه فِي الحَدِيث الصَّحِيح بل كَمَا تمدح بذلك رب الْعَالمين فِي كِتَابه الْمُبين الْوَجْه الثَّانِي انه قصر فِي سِيَاقه الْمَتْن فَقَالَ وَقَالَت النَّار وَلم يذكر مَا قَالَت وَلَا سكت من قَوْله قَالَت قَالَ ابْن بطال فِي شَرحه وَهُوَ كَذَلِك فِي جَمِيع النّسخ وَذكر هَذَا الرَّاوِي قَول الله تَعَالَى للجنة أَنْت رَحْمَتي وَلم يتمم قَوْلهَا لَهَا أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي وَالنَّقْص فِي الْحِفْظ والركة فِي الرِّوَايَة بَين على حَدِيثه الْوَجْه الثَّالِث تجنب الْمُحدثين لاخراج هَذِه الرِّوَايَة مثل مُسلم وَالنَّسَائِيّ مَعَ روايتهما الحَدِيث وَمثل أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده مَعَ توسعه فِيهِ وَكَذَلِكَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جمعه أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم ومسند أَحْمد وَكَذَلِكَ ابْن الاثير فِي جَامع الاصول وَهُوَ يعْتَمد الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للحميدي والْحميدِي انما يتْرك مَا لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ مِمَّا ذكره فِي صَحِيحه مثل حَدِيث الْفَخْذ عَورَة فانه ترك ذكره لذَلِك كَمَا ذكر ابْن الصّلاح فِي عُلُوم

стр. 213

الحَدِيث والامر أوضح من أَن يطول فِي بَيَانه وانما ذكرت هَذَا لَان صَاحب الْقَوَاعِد احْتج بِهِ وَنسبه الى الصَّحِيح وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا أصلا وَكَذَلِكَ الْمُهلب فَعرفت انهما قد غَلطا فِي ذَلِك كَيفَ من هُوَ أقل معرفَة مِنْهُمَا بِسَبَب ذكره فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقد رأى ذكره فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقد ذكر ابْن الصّلاح وَغَيره ان فِي البُخَارِيّ أَحَادِيث كَثِيرَة على غير شَرطه وَلَا شَرط غَيره من أهل الصَّحِيح وان ذَلِك مَعْلُوم وَذكر من ذَلِك حَدِيث بهز بن حَكِيم فِي ان الْفَخْذ عَورَة وَقد ذكر غَيره من ذَلِك شَيْئا كثيرا فقد ذكر ابْن حجر فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ بعض مَا اعْترض على البُخَارِيّ فَذكر مائَة حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث وانما قلت انه الْبَعْض لانه ذكر ان من ذَلِك عنعنة المدلسين الَّتِي فِي الصَّحِيح وَأَحَادِيث الرِّجَال الْمُخْتَلف فيهم وَذَلِكَ شئ كثير الْوَجْه الرَّابِع انه قد ثَبت بالنصوص والاجماع ان سنة الله تَعَالَى انه لَا يعذب أحدا بِغَيْر ذَنْب وَلَا حجَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذكرى وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله من أجل ذَلِك أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَمن جحدان هَذِه سنة الله فقد جحد الضَّرُورَة وَإِذا تقرر أَنَّهَا سنة الله تَعَالَى فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَأحسن مَا أنزل الله الينا هُوَ الثَّنَاء عَلَيْهِ وتسبيحه وتقديس أَفعاله وأقواله من جَمِيع صِفَات النَّقْص فَكيف يعدل عَن هَذَا كُله مَعَ مُوَافقَة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة لَهُ إِلَى رِوَايَة سَاقِطَة مغلوطة مَقْلُوبَة زل بهَا لِسَان بعض الروَاة كَمَا زل لِسَان الَّذِي اراد أَن يَقُول اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك فغلط من شدَّة الْفَرح بِوُجُود رَاحِلَته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه بعد الْيَأْس كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح وَلَو كَانَ

стр. 214

الْغَلَط يحكم بِهِ لوَجَبَ كفر ذَلِك الغالط وتكفيرنا لَهُ لأجل غلطه وَعَكسه مَا أَرَادَ ونجعله مذهبا لَهُ الْوَجْه الْخَامِس أَنه لَو قدر مَا لَا يتَقَدَّر من وُرُود حَدِيث صَحِيح بذلك الْغَلَط لم يدل على مُخَالفَة جَمِيع مَا عَارضه من الْأَدِلَّة القاطعة والحجج الساطعة لِأَنَّهُ مُحْتَمل لموافقتها فانه لم يُصَرح فِيهِ بِأَنَّهُ ينشيء للنار خلقا لَا ذنُوب لَهُم وَلَا قَالَ فيدخلهم النَّار قبل أَن يذنبوا ويستحقوا الْعَذَاب وَإِذا لم ينص على ذَلِك وَجب تَقْدِير ذَلِك لموافقة سنة الله تَعَالَى الَّتِي لَا تَبْدِيل لَهَا وَلَا تَحْويل وَذَلِكَ على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون هَؤُلَاءِ الَّذين أنشأهم الله لَهَا هم قوم من كفار بني آدم الَّذين تقدم كفرهم وَقدم ادخارهم لَهَا بعد كفرهم وسمى اعادتهم لَهَا انشاء لِأَنَّهَا انشاء حَقِيقِيّ لصورهم وردهم على مَا كَانُوا أَو لِأَنَّهُ كَانَ قد أعدمهم وَهَذَا اخْتِيَار كثير من أهل السّنة بل من الأشعرية فقد نَص عَلَيْهِ ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فِي شرح هَذَا الحَدِيث فَأصَاب فِي وَجه وَأَخْطَأ فِي وَجه أما صَوَابه فَفِي تنزيهه الله تَعَالَى مِمَّا توهمه غَيره جَائِزا على الله سُبْحَانَهُ وَأما خطأه فَفِي إيهامه أَن الحَدِيث صَحِيح وَهُوَ مقلوب بِغَيْر شُبْهَة وَإِنَّمَا خَفِي ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يكن من أَئِمَّة الحَدِيث وَإِنَّمَا كَانَ من عُلَمَاء الْفِقْه وَالْكَلَام وَإِمَّا أَن يكون الله تَعَالَى خلق للنار خلقا مستأنفا فكلفهم بعد خلقهمْ فَكَفرُوا فاستحقوها كَمَا ورد فِي بعض أَحَادِيث الاطفال وَفِي هَذَا مبَاحث قد استوفيت هُنَالك وَإِمَّا أَن يكون خلق لَهَا خلقا لَا يتألم بهَا أَو يتلذذ بهَا أَو من الجمادات كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ وَجَاء فِيهَا بضمير الْعُقَلَاء لأَنهم بدل مِنْهُم كَمَا قَالَ يُوسُف ﵊ ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ أَو لغير ذَلِك وَمَعَ الِاحْتِمَال بعض هَذِه الْوُجُوه فِي بَيَان غلط بعض الروَاة الَّذِي قَامَت الْأَدِلَّة على غلطه كَيفَ يعدل إِلَى ظَاهره وَيُسمى صَحِيحا ويحتج بِهِ مثل الْمُهلب وَصَاحب الْقَوَاعِد وَغَيرهمَا فَالله الْمُسْتَعَان

стр. 215

وَمن ذَلِك قَالُوا الاسباب والدواعي خلق الله فَلَو كَانَ الله لَا يفعل إِلَّا لَهَا لم يخلقها إِلَّا لمثلهَا دَاع وَسبب وَأدّى هَذَا إِلَى التسلسل أَو إِلَى تعجيز الله تَعَالَى من خلق شَيْء بِغَيْر دَاع وَالْجَوَاب أَن هَذَا من أفحش الْوَهم والغلط فان الْمرجع بالأسباب والدواعي وَالْحكم إِلَى الله تَعَالَى بذلك وَمَا كَانَ من الْمَخْلُوقَات خيرا مَحْضا فانه يُرَاد خلقه لنَفسِهِ لَا لِمَعْنى آخر وَلَا لسَبَب ثَان وَمَا كَانَ شرا فانه يُرَاد لخير فِيهِ أَو خير يستلزمه أَو يتعقبه لما اجْتمعت عَلَيْهِ الْفطر وأقرته الشَّرَائِع من قبح ارادة الشَّرّ لكنه شرا وَأما تعجيز الرب فأعظم فحشا فِي الْوَهم وَأَيْنَ نفى الْقُدْرَة من نفي الْفِعْل وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وَلم يقل وَهُوَ لكل شَيْء فَاعل فَنحْن لم نقل أَن الله لَا يقدر على الْعَبَث وَلَا اللّعب وَلَا الظُّلم وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه لَا يَفْعَلهَا ومدحناه بذلك كَمَا مدح بِهِ نَفسه فِي كِتَابه الْكَرِيم وَلَو لم يكن قَادِرًا على ذَلِك لم يكن ممدوحا بِتَرْكِهِ كَمَا أَن الجمادات غير ممدوحة بترك ذَلِك وَهِي لَا تَفْعَلهُ وَإِنَّمَا لم تمدح بِتَرْكِهِ مَعَ عدم فعلهَا لَهُ لعجزها عَن فعله وَتَركه وَهَذَا شَيْء تفهمه الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا والعوام فِي أسواقها وباديتها وَالْعجب من قوم ادعوا كَمَال الْمعرفَة بالحقائق والغوص على لطائف الدقائق ثمَّ عموا أَو تعاموا عَن هَذِه الْأَحْكَام الظَّاهِرَة والأدلة الباهرة نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَأما بَيَان أَن القَوْل بحكمة الله تَعَالَى أحوط فِي الدّين من النَّفْي لَهَا والتأويلات المتعسفة فَلَا شكّ فِيهِ لوجوه الْوَجْه الأول أَن وصف الله تَعَالَى بالحكيم مَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين متكرر النَّص عَلَيْهِ فِي كتاب الله تَعَالَى تَكْرَارا كثيرا وَمَعْلُوم أَن الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه وَالسَّلَف الْمجمع عَلَيْهِم مَا تأولوه وَمَعْلُوم تمدحه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
следующие страницы →