← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

انه قَالَ قطّ قطّ ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أُخْرَى فَقَالَ نازهير بن حَرْب ناعفان ناحماد يَعْنِي ابْن سَلمَة ناثابت قَالَ سَمِعت أنسا يَقُول عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبقي من الْجنَّة مَا شَاءَ الله ان يبْقى ثمَّ ينشئ الله لَهَا خلقا مِمَّا يَشَاء وَخرج مُسلم أصل الحَدِيث من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي مُحَاجَّة الْجنَّة وَالنَّار الى قَوْله لكل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَلم يذكر مَا بعده من الزِّيَادَة فقد تبين بِهَذَا ان حَدِيث ابراهيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن الاعرج عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيث مُنْقَلب لم يُتَابع عَلَيْهِ فَأَما أَبُو هُرَيْرَة فقد تخلص من الْوَهم بِرِوَايَة الثِّقَات للْحَدِيث عَنهُ على الصَّوَاب وَكَذَلِكَ الاعرج قد خرجه عَنهُ مُسلم من طَرِيق أبي الزِّنَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِغَيْر ذكره لتِلْك الزِّيَادَة الْمُنكرَة وَأَبُو الزِّنَاد فِي الْأَعْرَج من ابراهيم فانه رَاوِيه الْمَشْهُور وَفِي كتب الْجَمَاعَة السِّتَّة عَنهُ قدر ثَلَاثمِائَة حَدِيث وَلَيْسَ لابراهيم عَن صَالح عَنهُ الا سَبْعَة أَحَادِيث لم يتَّفقَا على وَاحِد مِنْهَا خرج البُخَارِيّ ثَلَاثَة مِنْهَا أَحدهَا فِي الابراد بِالصَّلَاةِ فِي شدَّة الْحر وَهُوَ مَعْرُوف من غير طَرِيقه وَالثَّانِي لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقاتلوا التّرْك وَهُوَ كَذَلِك وَالثَّالِث هَذَا الحَدِيث وَغَيره فِيهِ أثبت مِنْهُ وأحفظ لَهُ كَمَا نبين لَك ان شَاءَ الله وَأما مُسلم فَلم يخرج لَهُ عَن صَالح عَن الاعرج الا فِي الْفَضَائِل ثَلَاثَة أَحَادِيث وَالسَّابِع من هَذِه التَّرْجَمَة خرجه ابْن ماجة فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد التَّكْبِير وَهُوَ مَعْرُوف وَقد ذكر ابْن حجر ابراهيم بن سعد فِيمَن اخْتلف فِيهِ من رجال البُخَارِيّ وَحكى بعد توثيقه عَن ابْن عدي انه رُوِيَ عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل عَن أَبِيه انه ذكر ابراهيم بن سعد عِنْد يحيى بن سعيد فَجعل يَقُول ابراهيم بن سعد كَأَنَّهُ يُضعفهُ وَقَالَ ابْن عدي كَلَام من تكلم فِيهِ تحامل فَأفَاد انه قد تكلم فِيهِ وَقَالَ ابْن دارة كَانَ صَغِيرا حِين سمع من الزُّهْرِيّ فَهَذَا مَا ذكره ابْن حجر فِي تَرْجَمته وَلم يذكرهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان والاعلال وَالْحكم بالانقلاب والادراج وَنَحْو ذَلِك لَا يخْتَص بالضعفاء بل يجوز الحكم بِهِ بمخالفة الاوثق والاكثر مَعَ الْقَرَائِن وَقد اجْتمع ذَلِك كُله بل ذكر ابْن قيم الجوزية فِي حادي الارواح ان ذَلِك من المقلوب وان البُخَارِيّ قد نبه

стр. 212

على ذَلِك قَالَ وَالرِّوَايَات الصَّحِيحَة وَنَصّ الْقُرْآن يردهُ فان الله تَعَالَى أخبر أَنه يمْلَأ جَهَنَّم من إِبْلِيس وَأَتْبَاعه وَأَنه لَا يعذب الا من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة وَكذب رسله قَالَ تَعَالَى ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء﴾ قلت وَيدل على هَذَا وُجُوه مِنْهَا ان رَاوِي هَذَا الحَدِيث المقلوب جعل تَنْزِيه الله تَعَالَى من الظُّلم عِنْد ذكره الْجنَّة فأوهم بذلك ان من أدخلهُ الله تَعَالَى الْجنَّة بِغَيْر عمل كَانَ ظلما وَهَذَا من أفحش الْخَطَأ فان الْحور الْعين فِي الْجنَّة والاطفال بِغَيْر عمل وَهَذَا هُوَ الْموضع الَّذِي لَا يُسمى ظلما عِنْد أحد من الْمُسلمين وَلَا من الْعُقَلَاء أَجْمَعِينَ وَلَا أَشَارَ الى ذَلِك شَيْء من الحَدِيث وَلَا من السّنة وَلَا من اللُّغَة وَلَا من الْعرف وانما ذكر هَذَا فِي النَّار اشارة الى أَن التعذيب بِغَيْر ذَنْب هُوَ شَأْن الظَّالِمين من الْخلق وَالله تَعَالَى حرم الظُّلم على نَفسه وَجعله بَين خلقه محرما كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَر عَن رَسُول الله ﷺ عَن ربه فِي الحَدِيث الصَّحِيح بل كَمَا تمدح بذلك رب الْعَالمين فِي كِتَابه الْمُبين الْوَجْه الثَّانِي انه قصر فِي سِيَاقه الْمَتْن فَقَالَ وَقَالَت النَّار وَلم يذكر مَا قَالَت وَلَا سكت من قَوْله قَالَت قَالَ ابْن بطال فِي شَرحه وَهُوَ كَذَلِك فِي جَمِيع النّسخ وَذكر هَذَا الرَّاوِي قَول الله تَعَالَى للجنة أَنْت رَحْمَتي وَلم يتمم قَوْلهَا لَهَا أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي وَالنَّقْص فِي الْحِفْظ والركة فِي الرِّوَايَة بَين على حَدِيثه الْوَجْه الثَّالِث تجنب الْمُحدثين لاخراج هَذِه الرِّوَايَة مثل مُسلم وَالنَّسَائِيّ مَعَ روايتهما الحَدِيث وَمثل أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده مَعَ توسعه فِيهِ وَكَذَلِكَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جمعه أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم ومسند أَحْمد وَكَذَلِكَ ابْن الاثير فِي جَامع الاصول وَهُوَ يعْتَمد الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للحميدي والْحميدِي انما يتْرك مَا لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ مِمَّا ذكره فِي صَحِيحه مثل حَدِيث الْفَخْذ عَورَة فانه ترك ذكره لذَلِك كَمَا ذكر ابْن الصّلاح فِي عُلُوم

стр. 213

الحَدِيث والامر أوضح من أَن يطول فِي بَيَانه وانما ذكرت هَذَا لَان صَاحب الْقَوَاعِد احْتج بِهِ وَنسبه الى الصَّحِيح وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا أصلا وَكَذَلِكَ الْمُهلب فَعرفت انهما قد غَلطا فِي ذَلِك كَيفَ من هُوَ أقل معرفَة مِنْهُمَا بِسَبَب ذكره فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقد رأى ذكره فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقد ذكر ابْن الصّلاح وَغَيره ان فِي البُخَارِيّ أَحَادِيث كَثِيرَة على غير شَرطه وَلَا شَرط غَيره من أهل الصَّحِيح وان ذَلِك مَعْلُوم وَذكر من ذَلِك حَدِيث بهز بن حَكِيم فِي ان الْفَخْذ عَورَة وَقد ذكر غَيره من ذَلِك شَيْئا كثيرا فقد ذكر ابْن حجر فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ بعض مَا اعْترض على البُخَارِيّ فَذكر مائَة حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث وانما قلت انه الْبَعْض لانه ذكر ان من ذَلِك عنعنة المدلسين الَّتِي فِي الصَّحِيح وَأَحَادِيث الرِّجَال الْمُخْتَلف فيهم وَذَلِكَ شئ كثير الْوَجْه الرَّابِع انه قد ثَبت بالنصوص والاجماع ان سنة الله تَعَالَى انه لَا يعذب أحدا بِغَيْر ذَنْب وَلَا حجَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذكرى وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله من أجل ذَلِك أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَمن جحدان هَذِه سنة الله فقد جحد الضَّرُورَة وَإِذا تقرر أَنَّهَا سنة الله تَعَالَى فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَأحسن مَا أنزل الله الينا هُوَ الثَّنَاء عَلَيْهِ وتسبيحه وتقديس أَفعاله وأقواله من جَمِيع صِفَات النَّقْص فَكيف يعدل عَن هَذَا كُله مَعَ مُوَافقَة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة لَهُ إِلَى رِوَايَة سَاقِطَة مغلوطة مَقْلُوبَة زل بهَا لِسَان بعض الروَاة كَمَا زل لِسَان الَّذِي اراد أَن يَقُول اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك فغلط من شدَّة الْفَرح بِوُجُود رَاحِلَته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه بعد الْيَأْس كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح وَلَو كَانَ

стр. 214

الْغَلَط يحكم بِهِ لوَجَبَ كفر ذَلِك الغالط وتكفيرنا لَهُ لأجل غلطه وَعَكسه مَا أَرَادَ ونجعله مذهبا لَهُ الْوَجْه الْخَامِس أَنه لَو قدر مَا لَا يتَقَدَّر من وُرُود حَدِيث صَحِيح بذلك الْغَلَط لم يدل على مُخَالفَة جَمِيع مَا عَارضه من الْأَدِلَّة القاطعة والحجج الساطعة لِأَنَّهُ مُحْتَمل لموافقتها فانه لم يُصَرح فِيهِ بِأَنَّهُ ينشيء للنار خلقا لَا ذنُوب لَهُم وَلَا قَالَ فيدخلهم النَّار قبل أَن يذنبوا ويستحقوا الْعَذَاب وَإِذا لم ينص على ذَلِك وَجب تَقْدِير ذَلِك لموافقة سنة الله تَعَالَى الَّتِي لَا تَبْدِيل لَهَا وَلَا تَحْويل وَذَلِكَ على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون هَؤُلَاءِ الَّذين أنشأهم الله لَهَا هم قوم من كفار بني آدم الَّذين تقدم كفرهم وَقدم ادخارهم لَهَا بعد كفرهم وسمى اعادتهم لَهَا انشاء لِأَنَّهَا انشاء حَقِيقِيّ لصورهم وردهم على مَا كَانُوا أَو لِأَنَّهُ كَانَ قد أعدمهم وَهَذَا اخْتِيَار كثير من أهل السّنة بل من الأشعرية فقد نَص عَلَيْهِ ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فِي شرح هَذَا الحَدِيث فَأصَاب فِي وَجه وَأَخْطَأ فِي وَجه أما صَوَابه فَفِي تنزيهه الله تَعَالَى مِمَّا توهمه غَيره جَائِزا على الله سُبْحَانَهُ وَأما خطأه فَفِي إيهامه أَن الحَدِيث صَحِيح وَهُوَ مقلوب بِغَيْر شُبْهَة وَإِنَّمَا خَفِي ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يكن من أَئِمَّة الحَدِيث وَإِنَّمَا كَانَ من عُلَمَاء الْفِقْه وَالْكَلَام وَإِمَّا أَن يكون الله تَعَالَى خلق للنار خلقا مستأنفا فكلفهم بعد خلقهمْ فَكَفرُوا فاستحقوها كَمَا ورد فِي بعض أَحَادِيث الاطفال وَفِي هَذَا مبَاحث قد استوفيت هُنَالك وَإِمَّا أَن يكون خلق لَهَا خلقا لَا يتألم بهَا أَو يتلذذ بهَا أَو من الجمادات كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ وَجَاء فِيهَا بضمير الْعُقَلَاء لأَنهم بدل مِنْهُم كَمَا قَالَ يُوسُف ﵊ ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ أَو لغير ذَلِك وَمَعَ الِاحْتِمَال بعض هَذِه الْوُجُوه فِي بَيَان غلط بعض الروَاة الَّذِي قَامَت الْأَدِلَّة على غلطه كَيفَ يعدل إِلَى ظَاهره وَيُسمى صَحِيحا ويحتج بِهِ مثل الْمُهلب وَصَاحب الْقَوَاعِد وَغَيرهمَا فَالله الْمُسْتَعَان

стр. 215

وَمن ذَلِك قَالُوا الاسباب والدواعي خلق الله فَلَو كَانَ الله لَا يفعل إِلَّا لَهَا لم يخلقها إِلَّا لمثلهَا دَاع وَسبب وَأدّى هَذَا إِلَى التسلسل أَو إِلَى تعجيز الله تَعَالَى من خلق شَيْء بِغَيْر دَاع وَالْجَوَاب أَن هَذَا من أفحش الْوَهم والغلط فان الْمرجع بالأسباب والدواعي وَالْحكم إِلَى الله تَعَالَى بذلك وَمَا كَانَ من الْمَخْلُوقَات خيرا مَحْضا فانه يُرَاد خلقه لنَفسِهِ لَا لِمَعْنى آخر وَلَا لسَبَب ثَان وَمَا كَانَ شرا فانه يُرَاد لخير فِيهِ أَو خير يستلزمه أَو يتعقبه لما اجْتمعت عَلَيْهِ الْفطر وأقرته الشَّرَائِع من قبح ارادة الشَّرّ لكنه شرا وَأما تعجيز الرب فأعظم فحشا فِي الْوَهم وَأَيْنَ نفى الْقُدْرَة من نفي الْفِعْل وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وَلم يقل وَهُوَ لكل شَيْء فَاعل فَنحْن لم نقل أَن الله لَا يقدر على الْعَبَث وَلَا اللّعب وَلَا الظُّلم وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه لَا يَفْعَلهَا ومدحناه بذلك كَمَا مدح بِهِ نَفسه فِي كِتَابه الْكَرِيم وَلَو لم يكن قَادِرًا على ذَلِك لم يكن ممدوحا بِتَرْكِهِ كَمَا أَن الجمادات غير ممدوحة بترك ذَلِك وَهِي لَا تَفْعَلهُ وَإِنَّمَا لم تمدح بِتَرْكِهِ مَعَ عدم فعلهَا لَهُ لعجزها عَن فعله وَتَركه وَهَذَا شَيْء تفهمه الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا والعوام فِي أسواقها وباديتها وَالْعجب من قوم ادعوا كَمَال الْمعرفَة بالحقائق والغوص على لطائف الدقائق ثمَّ عموا أَو تعاموا عَن هَذِه الْأَحْكَام الظَّاهِرَة والأدلة الباهرة نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَأما بَيَان أَن القَوْل بحكمة الله تَعَالَى أحوط فِي الدّين من النَّفْي لَهَا والتأويلات المتعسفة فَلَا شكّ فِيهِ لوجوه الْوَجْه الأول أَن وصف الله تَعَالَى بالحكيم مَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين متكرر النَّص عَلَيْهِ فِي كتاب الله تَعَالَى تَكْرَارا كثيرا وَمَعْلُوم أَن الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه وَالسَّلَف الْمجمع عَلَيْهِم مَا تأولوه وَمَعْلُوم تمدحه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 216

بالحكمة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر﴾ وأمثالها وَهِي مَانِعَة من تأويلهم الْحَكِيم بِأَنَّهُ ذُو الْأَحْكَام فِي الْمَخْلُوقَات لَا ذُو الْحِكْمَة فِيهَا وَلَا شكّ أَن إِثْبَات الْحَكِيم بِأَنَّهُ ذُو الْأَحْكَام فِي الْمَخْلُوقَات لَا ذُو الْحِكْمَة فِيهَا وَلَا شكّ أَن إِثْبَات الْأَحْكَام لَهَا وَالْحكمَة فِيهَا أَكثر مدحا وَأَنه تَعَالَى أولى بِكُل مدح الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَا بِدعَة فِي إِثْبَات الْحِكْمَة لله تَعَالَى وَعدم تَأْوِيل الْحَكِيم بالاجماع لِأَن الْبِدْعَة احداث مَا لم يعْهَد فِي عصر النُّبُوَّة وَالصَّحَابَة وَمَا كَانَ مَنْصُوصا فِي كتاب الله تعالي فَهُوَ مَوْجُود فِي عصرهم ضَرُورَة وَإِنَّمَا الَّذِي لم يُوجد فِي عصرهم نفي ذَلِك أَو تَأْوِيله وَالْقَوْل بِأَنَّهُ صفة ذمّ أَو يسْتَلْزم ذَلِك الْوَجْه الثَّالِث أَنه يخَاف الْكفْر بجحد ذَلِك لما قَرَّرْنَاهُ من أَنه مَعْلُوم ضَرُورَة وَكَذَلِكَ يخَاف الْكفْر فِي تَأْوِيله وَإِن كُنَّا لَا نكفرهم احْتِيَاطًا للاسلام وَأَهله لما سَيَأْتِي ولمعارضة الْأَدِلَّة الْمُوجبَة لاسلامهم كَمَا تقدم وَلِأَن قصدهم إِنَّمَا هُوَ حسم مواد الِاعْتِرَاض عَليّ الله تعالي لكِنهمْ أساؤا النّظر بِالْتِزَام مثل مَا فروا مِنْهُ وَأما القَوْل بذلك فَلَا وَجه لخوف الْكفْر فِيهِ أبدا حتي عِنْد نفاة الْحِكْمَة لِأَن الْكفْر هُوَ جحد الضرورات من الدّين أَو تَأْوِيلهَا وَلم تأت فِي نَفيهَا آيَة قرآنية وَلَا حَدِيث آحادي فضلا عَن متواتر وَأما مُخَالفَة غلاة الْمُتَكَلِّمين فِي دقائقهم فَلم يقل أحد أَنَّهَا كفر وَإِلَّا لوَجَبَ تَكْفِير أَكثر أهل الاسلام بل خَيرهمْ وَإِنَّمَا أوضحت هَذَا لأتي بنيت هَذَا الْكتاب عَليّ لُزُوم الْأَحْوَط فِي الدّين مهما وجدت اليه سَبِيلا وَترك كل مَا يخَاف من القَوْل بِهِ الْعَذَاب أجارنا الله تعالي مِنْهُ وَعلي تَقْدِيم عبارَة الْقُرْآن وَنَصه وَلَفظه لقَوْله تعالي ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ وَقَوله تعالي ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ وَلِأَنَّهُ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾

стр. 217

وَلِأَنَّهُ أشرف وأبرك وَأَصَح وأنجي وأولي وأحري وأعلي وأهدي بالاجماع فان قبل تَجْوِيز بعض مَا يستقبح فِي عقول الْعُقَلَاء لحكمة لَا يعلمونها يسْتَلْزم تَجْوِيز بعثة الْكَذَّابين وَالْكذب وَالْخلف فِي الْوَعْد والوعيد وَنَحْو ذَلِك لحكمة لَا يعلمهَا إِلَّا الله تعالي قُلْنَا هَذَا مَمْنُوع لوَجْهَيْنِ الْوَجْه الاول أَن تقبيح الْعُقُول يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ ضَرُورِيّ وظني وَنحن مَا جَوَّزنَا أَن يصدر من الله تَعَالَى كل قَبِيح على الاطلاق لحكمة خُفْيَة إِنَّمَا جَوَّزنَا ذَلِك فِي الْقسم الَّذِي التقبيح فِيهِ ظَنِّي يَقع فِي مثله الِاخْتِلَاف بَين الْجَاهِل والعالم وَبَين الْعَالم والاعلم وَلَا شكّ أَن اخْتِيَار الْكَذِب وَبَعثه الْكَذَّابين بالمعجزات وَالْخلف فِي الْوَعْد بِالْخَيرِ مِمَّن هُوَ على كل شَيْء قدير وَبِكُل غيب عليم وترجيحه على الصدْق وبعثة الصَّادِقين مَعَ أَن قدرته عَلَيْهِمَا على السوَاء قَبِيح قبحا ضَرُورِيًّا قبحا أَشد الْقبْح فِي عقول الْعُقَلَاء أما أَن لم يجوز فِي ذَلِك خير فَظَاهر وَأما أَن جوز فِيهِ شَيْء من الْخَيْر فَلَا شكّ أَن الصدْق وبعثة الصَّادِقين أَكثر خيرا ودفعا للْفَسَاد والمفاسد وجلبا للصلاح والمصالح وتجويز خلاف ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يوثق لله تَعَالَى بِكَلَام وَلَا لأحد من رسله الْكِرَام فِي دين وَلَا دنيا وَلَا جد وَلَا هزل وَلَا حَلَال وَلَا حرَام وَلَا وعد وَلَا وَعِيد وَلَا عهد وَلَا عقد وَلَا أعظم فَسَادًا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى هَذَا بِحَيْثُ أَن كثيرا من السُّفَهَاء والظلمة والمفسدين لَا يرضون لنفوسهم بِمثل ذَلِك الْوَجْه الثَّانِي إِن الَّذِي يحسن حِينَئِذٍ لبَعض القبائح لبَعض الْعُقَلَاء إِنَّمَا هُوَ الِاضْطِرَار إِلَى عدم الْخَلَاص من أحد قبيحين فيختار حِينَئِذٍ الأهون مِنْهُمَا قبحا كَمَا قيل حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض مِثَاله من لم يسْتَطع حقن دم مَعْصُوم أَو مُسلم مظلوم إِلَّا بكذب أَو خلف وعد أَو نَحْو ذَلِك حسن مِنْهُ دفع الشَّرّ الْأَعْظَم بِالشَّرِّ الْأَقَل وَمثل هَذَا لَا يتَصَوَّر فِي حق الرب ﷻ لما ثَبت من أَنه على كل شَيْء قدير وَبِكُل شَيْء عليم وَأما الْخلف فِي الْوَعيد فَلَيْسَ هُوَ فِي مرتبَة الْقَبِيح الضَّرُورِيّ لشهرة الْخلاف فِيهِ بَين الْعُقَلَاء وَصِحَّة تَسْمِيَته فِي اللُّغَة عفوا لَا خلفا كَمَا قَالَ كَعْب بن زُهَيْر فِي قصيدته الْمَعْرُوفَة

стр. 218

(نبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول) وَلم يقل وَالْخلف عِنْد رَسُول الله مأمول وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس والخدري وَأبي ذَر وَأبي رزين الْعقيلِيّ لَكِن حَدِيثه عِنْد أَحْمد ولقيط بن صبرَة وَحَدِيثه عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَعبد الله بن أَحْمد وَله مسندان مُسْند ومرسل وَرِجَال الْمسند ثِقَات ذكره الهيثمي فِي بَاب جَامع فِي الْبَعْث وَعَن سلمَان عِنْد الْبَزَّار بِرِجَال مُخْتَلف فِي بَعضهم ذكر فِي بَاب حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى من مجمع الزَّوَائِد أَن الله تَعَالَى يَقُول الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو وَيشْهد لذَلِك حَدِيث معَاذ الَّذِي فِيهِ دعهم يعملوا وَعَن عَليّ ﵇ نَحوه فِي فضل قتال الْخَوَارِج وَمثل حَدِيث إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي التَّعَرُّض يَوْم الْقِيَامَة للشفاعة لِأَبِيهِ آزر وَقَول النَّبِي ﷺ وَقد سُئِلَ عَن أمه أَن رَبِّي وَعَدَني مقَاما مَحْمُودًا وأمثال ذَلِك مِمَّا قد جمع فِي غير هَذَا الْموضع وَيشْهد لَهُ من كتاب الله تَعَالَى قَول الْخَلِيل ﴿فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وَقَول عِيسَى ﵇ ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ لَكِن عَارض هَذِه الادلة قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلا لَا مبدل لكلماته﴾ وَللَّه تَعَالَى من كل حسن أحْسنه فَلَمَّا كَانَ الْعَفو بعد الْوَعيد حسنا كَانَ الْعَفو قبل الْوَعيد الْقَاطِع أحسن كَانَ الاحسن أولى بِاللَّه تَعَالَى من الْحسن لَكنا نقُول أَن الله تَعَالَى قد اشْترط عدم الْعَفو فِي الْوَعيد فِي آيَات كَثِيرَة وَفِي أَخْبَار كَثِيرَة وَالشّرط الْوَاحِد فِي آيَة وَاحِدَة وَحَدِيث وَاحِد كَاف فِي الْخُرُوج من ذَلِك مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ وَالْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة وَكَلَام الْخَلِيل والمسيح عَلَيْهِمَا السَّلَام

стр. 219

وَأما المرجئة وَغَيرهم من أهل السّنة فقد أجابوا عَن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ بِأَنَّهَا عُمُوم مَخْصُوص بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وأمثالها كَمَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ مَخْصُوص بهَا وعضدوا ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ بِأَنَّهَا فِي خطاب الْكفَّار كَمَا هُوَ مَعْلُوم من الْآيَات الَّتِي قبلهَا قَالُوا وتعدية مَا لَهُ سَبَب إِلَى غير سَببه ظنية بالاجماع لَكِن يُقَوي ويضعف على حسب الْقَرَائِن وَالْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة وَكَلَام الْخَلِيل والمسيح قَرَائِن تقوى عدم التَّعْدِيَة وَالْجمع بذلك بَينهمَا أولى من الطرح وعضدوا ذَلِك بِأَن التبديل لم يقبح لذاته وَلَا لِأَنَّهُ تَبْدِيل قَول مُطلقًا لِأَنَّهُ تَبْدِيل قَول مَخْصُوص فقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ وَقَالَ ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ والنسخ من تَبْدِيل القَوْل لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وَقد بدل الله ذبح اسماعيل بالكبش وَضرب امْرَأَة أَيُّوب بالضغث وَبدل صُورَة عِيسَى بِمِثْلِهَا مرَّتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَفِي يَوْم الْقِيَامَة وَبدل اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس بِالْكَعْبَةِ وذم من قبح ذَلِك وَسَمَّاهُمْ سُفَهَاء حَيْثُ قَالَ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يُوضحهُ النُّصُوص الْمُتَّفق على صِحَّتهَا والاجماع من أهل الْعلم الْمَشَاهِير من جَمِيع الْمذَاهب على أَن من حلف يَمِينا فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فالمستحب لَهُ أَن يفعل الَّذِي هُوَ خير وَيكفر عَن يَمِينه اسْتِحْبَابا لَا وجوبا وَهِي مَسْأَلَة اخلاف الْوَعيد بِعَينهَا فَتَأمل ذَلِك يُوضحهُ أَحَادِيث لم تمسه النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم وَقَوله ﷺ فِيهَا وَاثْنَانِ بعد قَوْله ثَلَاثَة فَدلَّ على أَن التبديل المذموم تَبْدِيل مَخْصُوص لَا كل تَبْدِيل يُوضحهُ أَنه قد ثَبت أَن عَذَاب الْكفَّار رَاجِح قطعا للاجماع على عدم تَجْوِيز الْعَفو الْمُطلق عَنْهُم وَلما فِيهِ من حُقُوق الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ ونصرهم عَلَيْهِم وشفاء غيظ قُلُوبهم مِنْهُم وَلم يثبت مثل ذَلِك فِي عَذَاب الْمُسلمين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾

стр. 220

وللاحاديث المخصصة للعمومات المتواترة عِنْد أهل الحَدِيث وَلِأَن الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ شفعاؤهم لَا خصماؤهم وَأما قصَّة قوم يُونُس فتأتي فِي مَسْأَلَة الْوَعيد فان قيل إِنَّمَا يحسن الْخلف فِي الْوَعيد منا للْجَهْل بِالْغَيْبِ مَعَ نِيَّة الصدْق فاما عَالم الْغَيْب فَلَو أخلف لم يَصح ارادة الصدْق عِنْد الْوَعيد لعلمه بالعاقبة فَلَو أخلف كَانَ كذبا قبيحا وَهَذَا السُّؤَال قوي إِلَّا أَن قُوَّة التباسه بالانشاء هُوَ الَّذِي غرهم فَالْأولى ترك تَجْوِيز ذَلِك ولسنا نحتاج فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى تجويزه لَا سِيمَا وَهَذَا الْكتاب مَبْنِيّ على الأسلم والأحوط فقس ذَلِك على هَذِه الْقَاعِدَة وَلَا تعدها فَمن نهج السَّلامَة نَالَ السَّلامَة وَكَثِيرًا مَا يلتبس التَّخْصِيص بالخلف على من بعد عَن تَأمل السّمع فأفرق بَينهمَا فَهُوَ وَاضح وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة طَوِيل وموضعه مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد وَهُوَ يَأْتِي فِي آخر هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَعَ مَا قَدمته من وُقُوع الشَّرْط فِي الْوَعيد لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا وَلَا يُمكن تقبيح الْعَفو من أكْرم الأكرمين وأرحم الرَّاحِمِينَ عَن أحد من الْمُوَحِّدين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين لكنه لَا سَبِيل إِلَى الْأمان لِأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى الْفساد والطغيان وَالله أحكم من أَن يُؤمن المفسدين من تبوء الْجَزَاء فِي الْآخِرَة كَمَا لم يسمح لَهُم الْحُدُود فِي الدُّنْيَا بل أوجب قطع يَد السَّارِق فِي ربع الدِّينَار لحفظ الْأَمْوَال ومصلحة الْخلق فِي ذَلِك وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم الحميد الْمجِيد الفعال لما يُرِيد وَبِهَذَا السُّؤَال وَجَوَابه تعلم سَبَب الْخلاف فِي دوَام الْعَذَاب فَمن توهمه من المرجوحات الضرورية فِي عقول الْعُقَلَاء وَحِكْمَة الْحُكَمَاء رجح الْخُصُوص الَّذِي هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ على عمومات الْوَعيد بالخلود وَمن ذهب إِلَى أَنه من المرجوحات الظنية المستندة إِلَى مُجَرّد الاستبعاد رجح العمومات وعضدها بتقرير أَكثر السّلف لَهَا على مَا تكَرر أَن مَا لم يتأولوه فتأويله بِدعَة وَلما كَانَ تأويلهم لذَلِك فِي حق الْمُسلمين متواترا عَنْهُم وأدلته متواترة عِنْد الْبَعْض صَحِيحَة شهيرة عِنْد الْجَمِيع كَانَ هُوَ الْمَنْصُور وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه الْوَجْه فِي أَنه أحوط الْأَقْوَال وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

стр. 221

الْكَلَام على مَسْأَلَة الارادة وفيهَا مبَاحث الْبَحْث الأول فِي مَعْنَاهَا وَهِي الْأَمر الَّذِي يَقع بِهِ فعل الْفَاعِل الْمُخْتَار على وُجُوه مُخْتَلفَة فِي الْحسن والقبح وعَلى مقادير مُخْتَلفَة فِي الْكَثْرَة والقلة وَسَائِر الهيئات والأشكال من السرعة والبطؤ وموافقة الْغَرَض ومنافرته فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَهَذَا هُوَ الْقدر الْمجمع عَلَيْهِ فِي مَعْنَاهَا وَبَقِيَّة المباحث فِيهَا فِي علم اللَّطِيف وَكلهَا مِمَّا لَا تَكْلِيف فِي الْخَوْض فِيهِ وَلَا حَاجَة اليه بل هُوَ يُؤَدِّي إِلَى محارات أَو محالات الْبَحْث الثَّانِي فِي معرفَة مَا ورد فِي السّمع مِمَّا يتَعَلَّق بالارادة ويظن فِيهِ أَنه متعارض وَبَيَان أَنه غير متعارض وَأَن اتِّبَاعه أحوط وَهُوَ نَوْعَانِ النَّوْع الأول وَردت النُّصُوص الْمَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ من كتاب الله تَعَالَى أَنه يكره الْمعاصِي وَلَا يُحِبهَا وَذَلِكَ وَاضح قَالَ تَعَالَى بعد ذكر كثير مِنْهَا ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ وَقَالَ ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ فَهَذَا النَّوْع من السّمع مَعْلُوم وَقد قَالَ بِهِ أهل الْأَثر وجماهير أهل النّظر واتفقت عَلَيْهِ الأشعرية والمعتزلة النَّوْع الثَّانِي مَا ورد من التمدح بِكَمَال قدرَة الله تَعَالَى على هِدَايَة العصاة خُصُوصا وعَلى كل شَيْء عُمُوما والتمدح بنفوذ ارادته كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَمَا شَاءَ الله كَانَ وجودا وعدما وَهُوَ الْمَعْلُوم من الْقُرْآن وَيلْزم مِنْهُ إِن شَاءَ لم يكن وَهُوَ أصح من قَوْلهم وَمَا لم يَشَأْ لم يكن إِلَّا أَن يَصح الحَدِيث الَّذِي فِيهِ وَفِيه أَحَادِيث لم يخرج البُخَارِيّ

стр. 222

وَلَا مُسلم مِنْهَا شَيْئا عَاما وَإِنَّمَا خرجا حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة يَمِين سُلَيْمَان ﵇ وَهِي خَاصَّة بِتِلْكَ الْوَاقِعَة وَلذَلِك اخْتَرْت فِي الْعبارَة فِي الِاعْتِقَاد مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا شَاءَ لم يكن ومعناهما مَا شَاءَ أَن يكون كَانَ وَمَا شَاءَ أَن لَا يكون لم يكن وَهَذَا مَعْلُوم من السّمع وَفِيه مَا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل بِالْإِكْرَاهِ دون غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَقَوله تَعَالَى جَوَابا على من قَالَ ارجعنا نعمل صَالحا ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَغَيرهمَا مِمَّا ذكره يطول وَقد أوضحت الْوَجْه فِي امْتنَاع تأويلهم لهَذِهِ الْآيَات بِمَشِيئَة القسر والالجاء فِي كتاب العواصم وَهُوَ لَا يخفى على النبيه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْعقل يعضد السّمع فِي قدرَة الله تَعَالَى على ذَلِك كَمَا أوضحته هُنَالك وَقد رجعت اليه الْمُعْتَزلَة كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَيْثُ نبين أَن الْأمة رجعت إِلَى الاجماع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْعُظْمَى بعد إِيهَام الِاخْتِلَاف الشَّديد وَهُوَ اخْتِيَار الامام الْمُؤَيد بِاللَّه يحيى بن حَمْزَة ﵇ أَعنِي قدرَة الله على اللطف بالعصاة وَأَنه غير وَاجِب عَلَيْهِ فَتبقى الْآيَات فِي التمدح بذلك على ظَاهرهَا ذكره الامام فِي كتاب التَّمْهِيد فِي أَوَائِل الْبَاب السَّابِع فِي النبوات وَاحْتج عَلَيْهِ وَهُوَ قَول الامام النَّاصِر مُحَمَّد ابْن عَليّ ﵉ وَهُوَ قَول قدماء العترة كَمَا ذكره صَاحب الْجَامِع الْكَافِي ويعتضد بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا قَوْله تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وَحَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَمذهب الْمُعْتَزلَة مَبْنِيّ على أَن اللطف إِنَّمَا تعذر فِي حَقهم لِأَن الله بناهم بنية لَا تقبل اللطف وَثَانِيهمَا أَن تَجْوِيز خلق الله لَهُم على هَذِه البنية يُنَاقض إيجابهم اللطف بل يجوز فعل الْمَفَاسِد وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ فَالْجَوَاب عَن الِاحْتِجَاج بهَا على مَذْهَبهم من وُجُوه

стр. 223

الاول أَنَّهَا فِي الْكَافرين الَّذين قد غيروا الْفطْرَة واستحقوا الْعقُوبَة بالخذلان وسلب الالطاف فَهِيَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ﴾ وَنَحْوهَا وكلامنا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُكَلف فِي أول أَحْوَال تَكْلِيفه وابتلائه وَهَذَا بَين الثَّانِي أَنَّهَا خبر عَن صفتهمْ الَّتِي هم عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهَا نفي قدرَة الله تَعَالَى على تَغْيِير صفتهمْ بالطافه الْخفية وَهُوَ اللَّطِيف لما يَشَاء الْقَائِل ﴿قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا﴾ الْآيَة المتمدح بِأَنَّهُ لَو شَاءَ لجعل مِنْهُم مَلَائِكَة وَجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَنَحْو ذَلِك وَالْآيَة تَقْتَضِي أَن الله مَا علم فيهم خَبرا لَا أَنه مَا علم أَنه يقدر على هدايتهم وَكم بَين الْأَمريْنِ وَأَيْنَ أَحدهمَا من الآخر الثَّالِث أَن الْآيَة لَهُم فَيجب حملهَا على مَا يرجع إِلَى كسبهم الِاخْتِيَارِيّ من الاصرار والعناد الَّذِي يسْتَحقُّونَ الذَّم عَلَيْهِ لَا على مَا يرجع إِلَى خلقتهمْ الَّتِي هِيَ فعل الله تَعَالَى يغيرها كَيفَ يَشَاء وَلَا ذمّ عَلَيْهِم فِيهَا جمعا بَينهمَا وَبَين جَمِيع مَا تقدم من نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى وَالْعَذَاب بالمغفرة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ وَقد مر مُسْتَوفى الرَّابِع سلمنَا أَن الْآيَة تحْتَمل مَا ظنُّوا وَمَا ذكرنَا يمْتَنع لَكِن مَا ذَكرُوهُ بِسَائِر الْآيَات المبينات لقدرة الله تَعَالَى على كل شَيْء ولكونه مَا يضل إِلَّا الْفَاسِقين ولكونه خلق الْخلق على الْفطْرَة حَتَّى غَيرهم آباؤهم وَلَا يجوز الْعُدُول عَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة الْبَيِّنَة بِمُجَرَّد احْتِمَال لَا حجَّة عَلَيْهِ وَالله أعلم وَهنا ظن بعض الأشعرية أَن الْآيَات الَّتِي فِي نُفُوذ الْمَشِيئَة فِي قُوَّة أَن الله تَعَالَى مُرِيد للموجودات بأسرها سَوَاء كَانَت حَسَنَة أَو قبيحة وَأَنه غير مُرِيد لما لم يُوجد سَوَاء كَانَ حسنا أَو قبيحا وَلَيْسَ هُوَ تَحْقِيق مَذْهَبهم كَمَا أَن عدم قدرَة الرب على اللطف بالعصاة لَيْسَ هُوَ تَحْقِيق مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا قَالَ بعض الاشعرية الْمعاصِي مُرَادة مجَازًا لَا حَقِيقَة عِنْدهم يَعْنِي أَن أَسبَابهَا الَّتِي هِيَ أَفعَال الله تَعَالَى مُرَادة لله تَعَالَى مثل الْقُدْرَة والدواعي فتنزلت الْمعاصِي

стр. 224

عِنْدهم منزلَة غَرَض الْغَرَض وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ تَحْقِيق مَذْهَبهم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن كثيرا مِنْهُم لَا يجيزون الاغراض على الله تَعَالَى كَمَا ذكر فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة وَثَانِيهمَا أَن غَرَض الْغَرَض لَا يكون إِلَّا خيرا مَحْضا كالحياة فِي الْقصاص والعافية فِي الفصاد والقبائح أَو وُقُوعهَا لَا يَصح أَن يكون غَرَض الْغَرَض لحكيم قطّ كَيفَ أحكم الْحَاكِمين فلابد أَن يكون غَرَض الْغَرَض فِي عدم اللطف الزَّائِد بالعصاة هُوَ خير مَحْض وَهُوَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يُعلمهُ على التَّفْصِيل إِلَّا الله على الصَّحِيح كَمَا تقدم فِي مُقَدمَات هَذَا الْمُخْتَصر وَمِثَال الْغَرَض الأول قَول الْخضر ﵇ فَأَرَدْت أَن أعيبها وغرض الْغَرَض هُوَ سلامتها لأَهْلهَا من أَخذ الْملك لَهَا وَمن أدب الْخضر عَلَيْهِ أفضل السَّلَام إِضَافَة هَذَا الْغَرَض لنَفسِهِ دون الله وَمِثَال غَرَض الْغَرَض هُوَ مَا أَضَافَهُ الْخضر إِلَى ربه تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿فَأَرَادَ رَبك أَن يبلغَا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾ ومثاله أَيْضا مَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي أَيُّوب وَأبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم وَله شَوَاهِد عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فَلم يَجْعَل الذُّنُوب القبيحة غَرَض الْغَرَض بل جعله مغفرتها بالاستغفار وَمن لَا يغْفر لَهُ فقد دلّ الْقُرْآن على أَن غَرَض الْغَرَض فِي عَذَابه الانتصاف للْمُؤْمِنين من أعدائهم الْكَافرين وَنَحْو ذَلِك من الْمصَالح والعواقب الحميدة كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَالْمرَاد الْمُحَقق هُوَ غَرَض الْغَرَض وَهُوَ الثَّانِي فِي الْوُقُوع وَالْأول فِي الارادة أَلا ترى أَن أول مَا وَقع فِي همة الْخضر ﵇ سَلامَة السَّفِينَة ثمَّ عابها لتسلم فَالْمُرَاد الْمُحَقق هُوَ سلامتها لَا عيبها فَاعْتبر ذَلِك فِي جَمِيع الْمُتَشَابه من هَذَا الْجِنْس تَجدهُ بَينا وَاضحا وَللَّه الْحَمد فَهَذَا كُله إِذا ثَبت أَن شَيْئا من الشَّرّ مُرَاد فانه لَا يجوز أَن يكون الشَّرّ مُرَاد الْحَكِيم لكَونه شرا فَقَط وَأما الْخَيْر فيراد لنَفسِهِ لَا لشَيْء آخر فَلَا يلْزم فِيهِ غَرَض الْغَرَض وَإِن جَازَ من غير لُزُوم لزِيَادَة الْخَيْر مثل أَن يُرَاد

стр. 225

خير لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اضعافه من الْخيرَات وَلَو أُرِيد لنَفسِهِ كَانَ صَحِيحا فاذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن تِلْكَ الْآيَات فِي قُوَّة التمدح بِكَمَال الْقُدْرَة لَا بارادة القبائح ومرادنا بِالْقُوَّةِ هُنَا هُوَ مَا سيقت لافادته وَهُوَ الْمَعْنى اللّغَوِيّ الَّذِي يُسَمِّيه أهل الْمعَانِي دلَالَة الْمُطَابقَة فقد وهم من ظن أَنَّهَا فِي قُوَّة أَن القبائح مُرَادة لله تَعَالَى وأفحش مِنْهُ غَلطا من ظن أَنَّهَا مُرَادة لله تَعَالَى وَأَن المرادة فِي قُوَّة المحبوب فاطلق القَوْل بِأَن الْمعاصِي محبوبة لله تَعَالَى فَأَما أهل الْآثَار فَلَا يَقُول بِهَذَا مِنْهُم أحد لِأَن الْمحبَّة عِنْدهم غير الارادة حَقِيقَة وَلَا يُطلق أَحدهمَا حَيْثُ يُطلق الآخر إِلَّا بِدَلِيل خَاص وَأما بعض الأشعرية فقد أجَاز ذَلِك بِنَاء على أَنه مجَاز لِأَن الْمحبَّة عِنْدهم لَا تجوز على الله تَعَالَى إِلَّا مجَازًا كَمَا تَقوله الْمُعْتَزلَة وَهَذَا وَإِن كَانَ أَهْون فِي الْقبْح إِلَّا أَنه خطأ وقبيح لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن شَرط الْمجَاز هُنَا مَفْقُود وَهُوَ العلاقة المسوغة الْمُقْتَضِيَة للتشابه وَلَوْلَا ذَلِك لصَحَّ تَسْمِيَة الْبَخِيل غيثا وبحرا كالجواد والجبان أسدا كالشجاع يُوضحهُ أَن الْمعاصِي مسخوطة من حَيْثُ كَانَت معاصي بالاجماع وَأَهْلهَا إِنَّمَا يغْضب الله عَلَيْهِم من هَذِه الْجِهَة المسخوطة فَلَا يَصح أَن تكون الْمعاصِي مرضية محبوبة مجَازًا من هَذِه الْجِهَة بِعَينهَا قطعا باجماع من يعرف الْمجَاز وشروطه المخرجة لَهُ عَن الْكَذِب والمناقضة وتجويز ذَلِك خُرُوج عَن قانون اللُّغَة وتجويزه يُؤَدِّي إِلَى تَجْوِيز مجازات الْمَلَاحِدَة وَقد أَخطَأ من روى عَنْهُم ذَلِك على الاطلاق وَلم يُقَيِّدهُ بانه مجَاز عِنْدهم وَمن أَخطَأ فِي رِوَايَة ذَلِك مِنْهُم افحش غَلطا فِي الْخَطَأ والغلط مِمَّن رَوَاهُ من خصومهم وَهَذَا مَعَ دقته قد وَقع فِيهِ بعض الْمُعْتَزلَة بل علامتهم فِي علم البلاغة والادب الزَّمَخْشَرِيّ وَلذَلِك زعم فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا﴾ أَي أمرناهم بِالْفِسْقِ مجَازًا فالامر بِالْفِسْقِ مجَازًا أبعد من الرِّضَا بِهِ مجَازًا وَغلط الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ بَينته فِي العواصم وَالْمُخْتَار فِيهِ أمرناهم بالتكليف على السّنة الرُّسُل كَقَوْلِه

стр. 226

تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَثَانِيهمَا ان قوما من الجهلة الاتحادية قد ظنُّوا قَول بعض الاشعرية ان الْمعاصِي مُرَادة وَالْمرَاد فِي قُوَّة المحبوب فَهِيَ محبوبة مرضية على الْحَقِيقَة فزادوا على هَذَا انه يَسْتَحِيل فِي المُرَاد المحبوب ان يكون مَعْصِيّة لمن أَرَادَهُ وأحبه فزعموا انه لَا يَصح وجود مَعْصِيّة لله وان معنى ﴿سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ أَي الى الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش لَان الْمَغْفِرَة لَا تتمّ إِلَّا بذلك وَكَانَ بَعضهم يَقُول كفرت بِرَبّ يعْصى وَأنْشد بَعضهم فِي ذَلِك (أَصبَحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كُله طاعات) وَهَذَا إلحاد فِي الدّين صَرِيح وانما وَقع فِيهِ أَهله من ترك عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة وتبديلها بِمَا ظنوه مثلهَا وَلَيْسَ مثلهَا والسر فِي ذَلِك أَن المُرَاد الْمُطلق هُوَ المُرَاد لنَفسِهِ من جَمِيع الْوُجُوه الَّذِي لَا يكره من وَجه قطّ والمعاصي لَيست من هَذَا بالاجماع فان كَرَاهَة الْمُكَلّفين لَهَا وَاجِبَة وفَاقا مَعَ وجوب الرضى عَلَيْهِم بِقَضَاء الله تَعَالَى ولان الله تَعَالَى يكره الْمعاصِي بِالنَّصِّ فَلم تكن الْمعاصِي من هَذَا الْجِنْس من المرادات وَلَكِن الَّذين قَالُوا انها مُرَادة وَالْمرَاد بهَا غَيره عنوا نوعا آخر من المرادات الَّتِي يُرَاد لغيره وَيكرهُ لنَفسِهِ فَهُوَ مَكْرُوه حَقِيقَة وَالْمرَاد بِهِ غير كاليمين الْغمُوس كَمَا يَأْتِي وَلما لم يوضحوا ذَلِك دَائِما ويكثروا من ذكره وَبَيَانه أوهموا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَلذَلِك لم يرد السّمع بذلك أَلا نصا وَلَا نَص عَلَيْهِ السّلف الصَّالح أَلا ترى ان إِرَادَة الْقَبِيح لَيست صفة مدح بالاجماع بِخِلَاف مَا ورد السّمع بِهِ من نُفُوذ الْمَشِيئَة فِي كل شَيْء وَقد نَص أَئِمَّة الاشعرية أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِصفة نقص وَلَا بِصفة لَا مدح فِيهَا وَلَا نقص فارادة الْقَبِيح لغير وَجه حسن ان لم تكن نقصا كَانَت مِمَّا لَا مدح فِيهِ قطعا فَيجب ان لَا يُوصف بهَا الرب على قَوَاعِد الْجَمِيع

стр. 227

وَقد بنيت هَذَا الْكتاب على الْمَنْع من ذَلِك لَان عبارَة الْكتاب وَالسّنة ان كَانَت وَاضِحَة فَهِيَ أَحَق أَن يعبر بهَا وَأولى وَلَا حَاجَة الى تَركهَا وتبديلها بِعِبَارَة وَاضِحَة مثلهَا وان كَانَت خُفْيَة لم تبدل أَيْضا بِعِبَارَة وَاضِحَة لانه لَا يُؤمن الْغَلَط فِي تبديلها الا ترى أَن بعض الاشعرية لما بدل وَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ بَان الْمعاصِي مُرَادة بدل بَعضهم المُرَاد بالمرضى المحبوب مجَازًا ثمَّ جَاءَ من بدل المرضي المحبوب مجَازًا بالمرضي المحبوب حَقِيقَة ثمَّ بِالطَّاعَةِ الْمَأْمُور بهَا فَحرم التبديل هُنَا كَمَا تحرم الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى الْجَلِيّ حَيْثُ يكون الْمَعْنى خفِيا بالاجماع بل هُنَا أولى لانه من مهمات الاسلام وَذَلِكَ فِي فروعه وَأَيْضًا فان الرضاء بِمُرَاد الله وَاجِب كالرضاء بِفِعْلِهِ ولان كَرَاهَة مَا أَرَادَ مضادة لَهُ تَعَالَى ومعارضة وَذَلِكَ خلاف مُقْتَضى الْعُبُودِيَّة والرضاء بِالْمَعَاصِي حرَام بالاجماع الْقَاطِع من الْجَمِيع والنصوص الجمة فَيلْزم من ذَلِك ان لَا تكون الْمعاصِي مُرَادة لله تَعَالَى وَهَذَا معيار صدق وميزان حق فِي مضايق هَذِه الْمسَائِل كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال ان شَاءَ الله تَعَالَى الْبَحْث الثَّالِث فِي كَيْفيَّة الْجمع بَين السّمع الْوَارِد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَنْوَاع فنوعان تقدما وهما مَا يدل على كَرَاهِيَة الله تَعَالَى للقبائح ومحبته لِلْخَيْرَاتِ وَمَا يدل على قدرته على هِدَايَة العصاة ونوعان نذكرهما هُنَا وهما عَام وخاص أما الْعَام فَهُوَ أَن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ مَعْلُوم كثير وَهُوَ بِمَنْزِلَة يعذب من يَشَاء وَيغْفر لمن يَشَاء فِي انهما مجملان قد علم فِي الْقُرْآن بيانهما بالنصوص الْكَثِيرَة الْبَيِّنَة الْوَاضِحَة فَللَّه الْحَمد وَمن عجائب أهل التَّأْوِيل تكلّف وَجه يحسن ذَلِك من ابائهم وَترك الْوَجْه الْمَنْصُوص وَهُوَ الْعقُوبَة كَمَا نذكرهُ الْآن وتبديل لَفْظَة بِلَفْظَة وهما على سَوَاء فِي الْمَعْنى كتأويل الاضلال بالخذلان لم يبعد ان يبدلوه بِلَفْظ آخر وَلَا أصح من لفظ الْقُرْآن وَلَا أبرك وَلَا أطيب وَأما الْخَاص فَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ وَمِنْه ﴿كَذَلِك حقت كلمة رَبك على الَّذين فسقوا أَنهم لَا يُؤمنُونَ﴾

стр. 228

) وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وَقد خلقُوا على الْفطْرَة بِدَلِيل الْكتاب وَالسّنة وَفِي الرَّعْد نَحْوهَا وَأَيْضًا فالهدى أعظم النعم وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ مَعَ قَوْله ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَقَوله ﴿إِن علينا للهدى﴾ وَقَوله ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ وَقَوله ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَقَوله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر﴾ فالهداية أعظم النعم وَأول الْحجَج على العَبْد وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ وَقَوله ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ مَعَ حَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَهُوَ مُتَّفق على صِحَّته من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَمَعَهُ حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد الْمُجَاشِعِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي خطبَته أَلا ان رَبِّي أَمرنِي عَلَيْكُم أَن أعلمكُم مَا جهلتم مِمَّا عَلمنِي الى قَوْله حاكيا عَن الله تَعَالَى وانى خلقت عبَادي حنفَاء كلهم وانهم أَتَتْهُم الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم

стр. 229

وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا الحَدِيث رَوَاهُ م وس من حَدِيث جمَاعَة عَن قَتَادَة عَن مطرف بن عبد الله الشخير عَنهُ وَمرَّة عَن جمَاعَة ذكر مِنْهُم ثقتين عَن مطرف عَنهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ وَقَوله ﴿إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا وَيَوْم لَا يسبتون لَا تأتيهم كَذَلِك نبلوهم بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ وَقَوله ﴿فَمَا كَانُوا ليؤمنوا بِمَا كذبُوا بِهِ من قبل كَذَلِك نطبع على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ وفيهَا رد قَوْلهم انها غلف فِي أصل الْخلقَة حَتَّى عوقبوا على الْكفْر واستحقوا الْعقُوبَة وَقَوله ﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى وَالْعَذَاب بالمغفرة﴾ وَمَا أحسن هَذِه الْعبارَة وأبلغها مَعَ تقدم التَّمْكِين واقامة الْحجَّة وَقطع الْأَعْذَار وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء كَذَلِك يَجْعَل الله الرجس على الَّذين لَا يُؤمنُونَ وَهَذَا صِرَاط رَبك مُسْتَقِيمًا قد فصلنا الْآيَات لقوم يذكرُونَ﴾ وَقَوله ﴿فريقا هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة إِنَّهُم اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ وَمِنْه ﴿فَمَا كَانُوا ليؤمنوا بِمَا كذبُوا من قبل كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين﴾ وَمِنْه ﴿قل إِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي إِلَيْهِ من أناب﴾ وَمِنْه ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين﴾ وَقَوله بعْدهَا ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ دَلِيل على ان الْمُبين لَا يُنَاقض الْمُجْمل وَهِي

стр. 230

كآية الْحَج بعد السَّجْدَة لَا تقتضى خلاف مَا قبلهَا قَالَ الْبَغَوِيّ مَا يَشَاء من التَّوْفِيق والخذلان والتثبيت وَعَدَمه وَالْوَجْه فِيهِ عِنْدِي أَن يُفَسر اجماله بِالْآيَاتِ الْبَينَات فِي الْقُرْآن مثل ﴿ليجزي الله الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ﴾ وَمثل ﴿ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء﴾ بعد ذكر الْكَافرين وَمِنْه الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو والمعني انه لما قَالَ ويضل الله الظَّالِمين اسْتثْنى من ذَلِك من يَشَاء أَن يَتُوب عَلَيْهِ وَهَذَا من تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الَّذِي يُنَاسب جلال عدله وجمال فَضله وَحسن أَسْمَائِهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يفسره بِمَا لم يشْهد لَهُ كتاب الله بل بِمَا صرح بتنزيهه عَنهُ من نفي الْحِكْمَة فِي أَفعاله وَمَا سمى لعبا وعبثا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وأمثال ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَبِذَلِك جَاءَت السّنة كَمَا احْتج رَسُول الله ﷺ على الْقدر بِالْآيَةِ فِي سُورَة اللَّيْل الْمُقدمَة وَهِي مصرحة بِتَأْخِير التَّيْسِير لليسرى عَن الْعِصْيَان حَتَّى وَقع التَّيْسِير بعد الْعِصْيَان عُقُوبَة عَلَيْهِ وكما قَالَ فِي حَدِيث الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وكل ذَلِك فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَعند مُسلم من حَدِيث عِيَاض الْمُجَاشِعِي يَقُول الله تَعَالَى إِنِّي خلقت عبَادي حنفَاء فَجَاءَت الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ الحَدِيث كَمَا مضى وَعِنْده أَيْضا حَدِيث أبي ذَر فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد شرا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَعند مُسلم أَيْضا من حَدِيث عَليّ ﵇ الْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك وَسَنَده على شَرط الْجَمَاعَة وَله شَاهد آخر أخرجه الْحَاكِم أَحْسبهُ من حَدِيث أبي بكر ﵁ وَمعنى ذَلِك لَيْسَ اليك الذَّم عَلَيْهِ واللوم فِيهِ كَقَوْلِه وَمن وجد شرا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه فان الله مكن بِالْقُدْرَةِ وَبَين بِالْعقلِ وَالرسل وأزاح الْعِلَل وَقطع الاعذار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله تَعَالَى من أجل ذَلِك أنزل الْكتب وَأرْسل الرُّسُل وَهَذَا كُله متطابق تطابقا يُفِيد الْعلم على أَن الله

стр. 231

تَعَالَى لَا يُرِيد الشَّرّ لكَونه شرا وانه عدل حَكِيم فِيمَا أَمر وَنهى وَمَا علمنَا وَمَا جهلنا كَمَا مضى فِي مَسْأَلَة حَكِيم فَيجب أَن يبْنى الْعَام على الْخَاص فِي هَذِه الْآيَات كَمَا يَبْنِي فِي آيَات الْوَعْد والوعيد أَلا ترى أَنه قَالَ فِيهَا ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ ثمَّ فسر من يعذبه بالمشركين وَنَحْوهم وَمن يغْفر لَهُ بِالْمُؤْمِنِينَ فَلم يجز بعد تَفْسِيره أَن تخلى الْمَشِيئَة مُطلقَة حَتَّى تخَاف الْعَذَاب على الانبياء وَنَرْجُو الرضْوَان لمن مَاتَ مُشْركًا وَكَذَلِكَ فِي آيَات الضلال وَالْهدى الْخَاص الزَّائِد على الْفطْرَة لما بَينهَا الله تَعَالَى وَبَين أَن هَذَا الْهدى الْخَاص مثل الثَّوَاب يخْتَص أهل الْخَيْر بالوعد الْحق وَمن شَاءَ الله من غَيرهم بمحض الرَّحْمَة وَالْفضل وان الضلال يخْتَص بِمن يسْتَحقّهُ من الأشرار وَجب أَن يحكم بِأَن الله تَعَالَى لَا يضل المهتدين وَلَا يضل أحدا إِلَّا الْفَاسِقين كَمَا دلّ عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْمُبين وَالْعَمَل على هَذَا من قَوَاعِد عُلَمَاء الاسلام الْمَعْلُومَة وَأما كَرَاهَة القبائح فعلى ظَاهرهَا وَأما ارادتها ومحبتها فَلم يرد بِهِ سمع مَنْصُوص جلي وَلَا قُرْآن وَلَا سنة وَلَا متواتر وَلَا آحَاد فَلَا تعَارض هُنَا أَلْبَتَّة بل جَاءَ فِي كتاب الله تَعَالَى أَن الله لَا يُرِيد ظلما للعباد وَفِي آيَة أُخْرَى للْعَالمين وَإِن كَانَ أظهر التفسيرين أَن الْمَعْنى لَا يُرِيد سُبْحَانَهُ ظلما مِنْهُ لَهُم تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَذَلِكَ مثل تمدحه ﷻ بِأَنَّهُ لَيْسَ بظلام للعبيد وَقد أوضحت وَجهه فِي العواصم فِي الْبَحْث الْعَاشِر من هَذِه الْمَسْأَلَة لكنه يُقَال أَنه تَعَالَى إِنَّمَا نفي أَرَادَتْهُ ظلم الْعباد لفبح الظُّلم وقبح ارادته لَا لكَونه محالا فِي قدرته لِأَنَّهُ لَا معنى للتمدح بترك الْمحَال فِي الْقُدْرَة لَان الْمحَال لَا تنبغي ارادته وَصِحَّته وَبِكُل حَال فقواعد أهل السّنة تَقْتَضِي الايمان بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَقَول من يَقُول أَن الله يُرِيد الظُّلم الْوَاقِع وَسَائِر القبائح يُخَالف مفهومهما فَيتَعَيَّن تَركه احْتِيَاطًا ومحاذرة من مُخَالفَة مَفْهُوم كتاب الله تَعَالَى الَّذِي لم يعارضة مَنْطُوق صَرِيح فِي العقائد الَّتِي لَا ضَرُورَة بِنَا إِلَى النَّص فِيهَا على مَا لم ينصه الله تَعَالَى وَرَسُوله وَسَيَأْتِي أَن من ادّعى أَن الْمعاصِي مُرَاده إِنَّمَا أطلق ذَلِك مجَازًا على مَا سَيَأْتِي من نُصُوص الأشعرية عَلَيْهِ وَالْحَاصِل فِي الْجمع وُجُوه الْوَجْه الاول دَعْوَى عدم التَّعَارُض الْمُوجب للْجمع على وَجه دَقِيق وَإِنَّمَا هُوَ من قبيل الْعَام وَالْخَاص وَهُوَ جلي لَا يُسمى متشابها لوضوحه

стр. 232

الْوَجْه الثَّانِي التَّعْبِير بِعِبَارَة الْكتاب وَالسّنة عُمُوما وخصوصا وَترك الابتداع بِالنَّصِّ فِي مَوضِع الْعُمُوم مِثَاله تَقول أَن الله تَعَالَى خلق كل شَيْء على الْعُمُوم وتترك مَا اخْتلف فِيهِ من خلق الْقُرْآن وَخلق أَفعَال الْعباد لِأَن الله تَعَالَى لم ينص عَلَيْهِمَا وَقد قَالَ بِكُل مِنْهُمَا طَائِفَة وتمسكوا بِالْعُمُومِ والانصاف إِن تمْتَنع من مساعدة كل من الطَّائِفَتَيْنِ على مَا ابتدع النَّص عَلَيْهِ فان النَّص على جزيئات الْعَام إِنَّمَا يحْتَاج اليه فِي العمليات لضَرُورَة الْعلم وَأما هُنَا فقد نَص عُلَمَاء الْمعَانِي واللغة على أَن دلَالَة الْمُطَابقَة اللُّغَوِيَّة فِي الْعُمُوم لَا تدل على أَبْعَاضه وجزئياته كَمَا تدل على جملَته وَأَن فهم تِلْكَ الأبعاض الْجُزْئِيَّة هُوَ من دلَالَة التضمن وَأَنَّهَا عقلية لَا لغوية فَالْوَاجِب فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد الَّتِي يَقع فِيهَا الِاخْتِلَاف وَتجوز المخصصات الْمَانِعَة لبَعض الْأَجْزَاء من الدُّخُول فِي الْعُمُوم الِاقْتِصَار على دلَالَة الْمُطَابقَة اللُّغَوِيَّة الْعَرَبيَّة الَّتِي قَصدهَا الْمُتَكَلّم قطعا وَكم للنَّاس فِي هَذَا من الأوهام أَلا ترى أَن كثيرا من النَّاس يتَوَهَّم أَن آيَات الْمَشِيئَة تدل على مَذْهَب الجبرية مَا لم تصرف بالتأويل عَن ظَاهرهَا مثل ﴿فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْلنَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن بَيَان أَن ذَلِك لَا يلْزم إِلَّا لَو تبين بِدَلِيل آخر أَن الله شَاءَ أَن يكون الْعباد مجبورين على أفعالهم لكنه قد ثَبت أَنه شَاءَ أَن يَكُونُوا مختارين فبهما بمشيئتهم لَهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَلم يقل وَمَا تشاؤون من غير اسْتثِْنَاء كَمَا قَالَت الجبرية فقد كَانَ الِاخْتِيَار الَّذِي شَاءَ الله أَن يكون الْعباد عَلَيْهِ لَكِن بعد مَشِيئَة الله تَعَالَى لذَلِك وَلم يكن الْجَبْر الَّذِي لم يَشَأْ الله تَعَالَى فَتَأمل غلطهم فِي ذَلِك بل قد وهم نوح ﵇ بِسَبَب عدم النّظر إِلَى احْتِمَال الْعُمُوم للتخصيص حَيْثُ قَالَ ﴿إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق﴾ فَكيف بِغَيْرِهِ وَقد نقم الله تَعَالَى على الْمُشْركين جدالهم لعيسى ﵇ حِين نزل ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ وَقَالَ ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون﴾

стр. 233

) فليتق طَالب الْحق أَمْثَال ذَلِك وَليكن مِنْهُ على أَشد حذر وَلذَلِك تَجِد هَذَا الْجِنْس متمسك أَكثر أهل الضلالات وَلَا تَجِد صَاحب بَاطِل وَلَا تَجِد فِي العمومات مَا يساعده حَتَّى منكري الضرورات كغلاة الاتحادية فانهم قد تمسكوا بِتَصْدِيق النَّبِي ﷺ لقَوْله لبيد (أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل) وَقد اخْتَار هَذَا صَاحب الْفِقْه الْأَكْبَر وَنسبه إِلَى الشَّافِعِي وَهُوَ على مَذْهَب الأشعرية وَعقد لَهُ فصلا قَالَ فِيهِ لَا يُقَال أَن الله تَعَالَى يُرِيد الْكفْر وَسَائِر الْمعاصِي على الاطلاق لِأَنَّهُ يُوهم الْخَطَأ لَكِن نقُول أَن جَمِيع مَا يجْرِي فِي سُلْطَانه بارادته إِلَى قَوْله وَيجب الِاحْتِرَاز عَمَّا يُوهم الْخَطَأ كَمَا يجب عَن الْخَطَأ نَفسه وَمَا أحسن هَذَا لَو لزم عبارَة الْكتاب وَالسّنة فَقَالَ ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ مَكَان قَوْله جَمِيع مَا يجْرِي فِي سُلْطَانه بارادته لِأَن كَلَام الله تَعَالَى يسْتَلْزم كَمَال الْعِزَّة وَالْقُدْرَة وَكَلَامه يسْتَلْزم ارادة الْكفْر وَذَلِكَ عين مَا فر مِنْهُ وَهُوَ يسْتَلْزم حب الْكفْر وَالرِّضَا بِهِ أَو يُوهِمهُ وَذَلِكَ يسْتَلْزم الامر بِهِ وإباحته أَو يُوهِمهُ كَمَا مر تَحْقِيقه فِي الْبَحْث الثَّانِي فَرَاجعه مِنْهُ وَقد صرح بِوُجُوب الاجتناب لما يُوهم الْخَطَأ كوجوب الاجتناب للخطأ نَفسه وَلَا شكّ أَن عِبَارَته توهم الَّذِي خافه وفر مِنْهُ بل يستلزمه تحقيقها وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مبتدعة فَلَزِمَ مَا ذَكرْنَاهُ من ترك الْبدع أَلا ترى كَيفَ ورد النَّص والاجماع بِأَنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَلم يرد أَنه لَا كفر وَلَا مَعْصِيّة إِلَّا بِاللَّه فَبين الْعبارَات أبعد مِمَّا بَين الارضين وَالسَّمَوَات وَحَدِيث مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن مَحْمُول على مَا تمكن مَشِيئَته لَهُ وَلَا تمْتَنع وَلَفظه يُعْطي ذَلِك وَإِنَّمَا أَحْبَبْت أَن أنبه عَلَيْهِ وعَلى أَنه إِجْمَاع فِي صُورَتَيْنِ احداهما أَنه لَا يدْخل فِي ذَلِك الْمحَال فِي نَفسه كوجود ثَان فِي الربوبية وَجعل أَنه لَا يدْخل فِي ذَلِك الْمحَال الْحَوَادِث بعد حدوثها قديمَة وَنَحْو ذَلِك وَثَانِيهمَا

стр. 234

أَنه لَا يدْخل فِيهِ مَا تمنع مِنْهُ الْحِكْمَة من قلب صدق الاقوال الربانية إِلَى الْكَذِب وبعثة الرُّسُل كَذَا بَين على مَا مر محققا فِي إِثْبَات الْحِكْمَة وان الامة أَجمعت على امْتنَاع النَّقْص فِي كَلَام الله تَعَالَى وَامْتِنَاع ارادته وَأَن ذَلِك يسْتَلْزم امْتنَاع النَّقْص فِي أَفعاله كامتناعه فِي أَقْوَاله ويوضحه اجْتِمَاع الْكَلِمَة من الأشعرية والمعتزلة على أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف إِلَّا بِمَا يسْتَلْزم الْمَدْح دون مَا يسْتَلْزم الذَّم أَو مَا لَا يسْتَلْزم لَا مدحا وَلَا ذما أما الأشعرية فنصوا على ذَلِك وَأما الْمُعْتَزلَة فنصوا على امْتنَاع الْعَبَث واللعب على الله تَعَالَى وعَلى اعْتِبَار التحسين الْعقلِيّ وهما يستلزمان ذَلِك وَالله سُبْحَانَهُ أعلم الْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه الْجمع تَوْجِيه الْجمع إِلَى الْوُقُوع وَالْوَاقِع وَهُوَ مثل الْفرق بَين الْوُقُوع وَالْوَاقِع وَهُوَ مثل الْفرق بَين التِّلَاوَة والمتلو والحكاية والمحكي كَمَا أوضحت بَيَانه فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن وَهُوَ قَول الامام الْمَنْصُور بِاللَّه ﵇ وَبَين ذَلِك الْفرق بَين الْوُقُوع وَالْوَاقِع أَنه لما ورد الشَّرْع بِجَوَاز ارادة الْيَمين الْغمُوس الْفَاجِرَة من جَاحد الْحُقُوق الْوَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال والدماء والقسامة وَاللّعان وَنَحْو ذَلِك فانه يجوز لصَاحب الْحق ارادة هَذِه الْيَمين من حَيْثُ أَنَّهَا حق لَهُ وَاجِب وان كَانَ يعلم أَنَّهَا يَمِين فاجرة مَعْصِيّة لله تَعَالَى وَمَعَ ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ أَن يُحِبهَا ويرضاها من حَيْثُ أَنَّهَا قبيحة مَعْصِيّة لله تَعَالَى فَتبين أَن هَذِه الْيَمين ذَات وَجْهَيْن وَجه جَازَت مِنْهُ ارادتها وَوجه وَجَبت مِنْهُ كراهتها فَالْوَجْه الَّذِي جَازَت مِنْهُ ارادتها وُقُوعهَا من خَصمه الظَّالِم من حَيْثُ هِيَ حق لَهُ على من ظلمه على جِهَة الْعقُوبَة للظالم وَالْوَجْه الَّذِي وَجَبت مِنْهُ كراهتها هُوَ ذَاتهَا الْوَاقِعَة مَعْصِيّة لله تَعَالَى فافترقت الجهتان اللَّتَان يتَوَهَّم عدم افتراقهما بذلك فَمَتَى وَردت النُّصُوص مُخْتَلفَة فِي نَحْو ذَلِك أمكن حملهَا على مثل ذَلِك مِثَال ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي الْمُسْتَحقّين للعقوبة دون غَيرهم ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ وَقَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 235

فِي المرحومين من الْعباد لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَجَاء بِقوم يذنبون كي يغْفر لَهُم رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي أَيُّوب وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه بِزِيَادَة وَهِي كي يَسْتَغْفِرُوا فَيغْفر لَهُم وَله شَوَاهِد عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ذكرتها فِي العواصم وَهَذَا الْقسم أوضح الْقسمَيْنِ فِي الْحِكْمَة أَعنِي قسم المرحومين من الْخلق فَهَذِهِ الْآيَة الْمُتَقَدّمَة ظَاهرهَا ارادة وُقُوع الضلال مِنْهُ مَعَ أَنه عبارَة عَن الْمعاصِي الْمَكْرُوهَة بِنَصّ قَوْله تَعَالَى ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ فَجعلُوا معاصي المعاقبين ذَات وَجْهَيْن كاليمين الْغمُوس الْوَاجِبَة فِي الْحُقُوق وَهِي حرَام ووجوبها وتحريمها مجمع عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ يُوجب صِحَة اعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ فِي هَذِه الْأُمُور لِأَن الْوُجُوب والقبح ضدان يَسْتَحِيل أَن يتوهما إِلَى جِهَة وَاحِدَة وَالْجَوَاب أَن الْآيَة غير نَص فِيمَا قَالُوا لاحْتِمَال أَن المُرَاد هُوَ جعل صَدره ضيقا حرجا وَذَلِكَ هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهُوَ حسن لَا قبح فِيهِ لِأَنَّهُ عُقُوبَة مُسْتَحقَّة بل ذَلِك بَين فان الاضلال غير الْمعاصِي بل سَبَب لَهَا وفاعله غير فاعلها لَكِن ظنُّوا أَنَّهَا غَرَض الْغَرَض وَقد مر بُطْلَانه فِي الْبَحْث الثَّانِي وَسَيَأْتِي أَن مَذْهَب أهل السّنة أَن الارادة لَا تعلق بِفعل الْغَيْر وَإِنَّمَا تتَعَلَّق بِهِ الْمحبَّة وَتسَمى ارادة مجَازًا وَقد بنيت هَذَا الْكتاب على أَنا لَا نبدل الظَّوَاهِر بالنصوص أَلا ترى أَن اضلاله الَّذِي نَص على ارادته لَا يجوز أَن يُفَسر إِلَّا بِفعل أَشْيَاء من أَفعَال الله الْحَسَنَة يَقع عِنْدهَا مِنْهُم معاص قبيحة كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي بسط الرزق فِي آيَات كَثِيرَة وَكَذَلِكَ الحَدِيث النَّبَوِيّ لَيْسَ بِنَصّ فِيمَا ذَكرُوهُ لجَوَاز أَن المُرَاد مثل ذَلِك من أَفعَال الله الْحَسَنَة الَّتِي تكون وَسِيلَة إِلَى أفضل أَخْلَاق الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ الْعَفو بعد الاساءة والاحسان إِلَى الْمُسِيء كَمَا أوضحته واستوعبت مَا ذكر فِيهِ فِي العواصم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَمن ذَلِك ارادة خلق الْكفَّار وبقاؤهم مَعَ كَرَاهَته لَهُم فانهما لم يتناقضا لاخْتِلَاف الْجِهَات الَّتِي تعلّقت بهَا وَمن ذَلِك أَنه حسن من المذنب

стр. 236

الْمُسلم أَن يكره عَذَاب الله تَعَالَى لَهُ مَعَ أَنه يعْتَقد حسنه من الله تَعَالَى وَعدل الله فِيهِ لكنه لم يكرههُ من هَذِه الْجِهَة إِنَّمَا كرهه من حَيْثُ أَنه لَا يصبر عَلَيْهِ وَلَا يقوى لَهُ وَنَحْو ذَلِك فَوجه بعض أهل النّظر كَرَاهَة الله تَعَالَى للمعاصي والقبائح إِلَى ذواتها الْوَاقِعَة من العصاة وارادتها إِن قَدرنَا وُرُود شَيْء من السّمع بهَا إِلَى الْوُقُوع لحكمة من عُقُوبَة وَسخط على من اسْتحق ذَلِك أَو غير ذَلِك وَهَذَا جيد فِي النّظر لَوْلَا أَنا لم نضطر اليه لعدم صِحَة وُرُود السّمع بارادة الْمعاصِي وَلَا شَيْء مِنْهَا وان ظن ذَلِك من لم يكثر النّظر والتأويل التَّام لمعاني الْآيَات القرآنية وَالله الْهَادِي وَأقرب الْآيَات مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ وَقَول مُوسَى ﵇ ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَمن الحَدِيث حَدِيث جِبْرِيل ﵇ حَيْثُ رُوِيَ أَنه جعل يَأْخُذ من حَال الْبَحْر فيدخله فِي فَم فِرْعَوْن خشيَة أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَتُدْرِكهُ الرَّحْمَة وَإِذا صَحَّ وُرُود السّمع بِهَذَا فالدليل على من ادّعى قبحه لِأَن قبحه لَيْسَ بضروري بالاجماع وتلخص أَن حسن ذَلِك أَن ورد بِهِ النَّص مَشْرُوط بِثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن يتَعَلَّق بالوقوع دون الْوَاقِع مثل مَا ذكرنَا فِي الْيَمين الْغمُوس وَثَانِيها أَن يكون بعد اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَنَحْوهَا مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَثَالِثهَا أَن لَا يَجْعَل ذَلِك غَرَض الْغَرَض الَّذِي هُوَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه وَإِن لَاحَ لنا مِنْهُ شَيْء لم نقصر عَلَيْهِ التَّأْوِيل الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ المُرَاد على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا أَرَادَ الله تَعَالَى بِمَا قبله أَن يكون سَببا لَهُ لحكمة الله تَعَالَى فِي تَرْتِيب المسببات على أَسبَابهَا فَتَأمل ذَلِك حَتَّى تخلص بِهِ من ارادة القبائح وارادة وُقُوعهَا جَمِيعًا كَمَا تقدم فِي قَول الْخضر فَأَرَدْت أَن أعيبها أَي أجعَل عيبها سَبَب سلامتها من الْملك الظَّالِم وَإِلَّا فَالْمُرَاد الْمُحَقق سلامتها لاعيبها

стр. 237

الْوَجْه الرَّابِع أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَمَا فِي مَعْنَاهَا من آيَات هَذَا النَّوْع كلهَا أَدِلَّة خَاصَّة تدل على أَن أول مَا يَقع من الْمُكَلف من الذُّنُوب كَائِن بِالتَّخْلِيَةِ بَينه وَبَين نَفسه لاقامة الْحجَّة حجَّة الْعدْل عَلَيْهِ وَقطع أعذاره الْبَاطِلَة من دون اضلال من الله تَعَالَى فِي هَذِه الْحَال وَلَا تيسير للعسرى وَلم يبْق من الله تَعَالَى فِي مثل هَذَا الْحَال إِلَّا القدرالذي بِمَعْنى الْعلم وَالْكِتَابَة وارادة الْعَاقِبَة الْمُسْتَحقَّة بِالْعَمَلِ وارادة اقامة الْحجَّة على العَبْد فِي تِلْكَ الْعَاقِبَة كَمَا يذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ فان ارادة الله تَعَالَى عَذَابهمْ لم تعلق بِهِ إِلَّا حِين يكون حَقًا مُسْتَحقّا عَلَيْهِم بذونهم بالاجماع وَإِنَّمَا الْخلاف فِي جَوَاز تقدم الارادة للعقاب الْمُسْتَحق لَا فِي أَنَّهَا تعلّقت بِغَيْر مُسْتَحقّ فَمن فسر الارادة بِالْعلمِ من الْمُعْتَزلَة كالبغدادية وَأبي الْحُسَيْن لَا يُمكنهُم تقبيح تقدمها وَكَذَلِكَ من يَجْعَل تقدمها أمرا وَاجِبا مستحيلا خِلَافه كالأشعرية وَقَوْلنَا أَنه لَا يجوز الاضلال فِي أول أَحْوَال التَّكْلِيف حَتَّى يسْتَحق العَبْد ذَلِك بِالْمَعَاصِي يُنَاسب قَول أبي عَليّ بِالْمَنْعِ من الزِّيَادَة فِي الدَّوَاعِي إِلَى الْقَبِيح الَّتِي يعلم الله تَعَالَى عِنْدهَا أَن الْمُكَلف يخْتَار الْقَبِيح بِخِلَاف أبي هَاشم فانه يُجِيز ذَلِك كالأشعرية لَكِن لَا يُسَمِّيه اضلالا إِنَّمَا يُسَمِّيه امتحانا وابتلاء لَكنا لم نقل ذَلِك بِالنّظرِ الْعقلِيّ وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ بتأمل كتاب الله تَعَالَى وقضينا بِأَنَّهُ مُحكم الْقُرْآن لموافقة الْعقل وَالنَّظَر فَهُوَ مُحكم عقلا وسمعا أما الْعقل فَلِأَنَّهُ من قبيل الْجَزَاء وَالْعَذَاب الاخروي وَقد ورد السّمع بِجَوَاز تَقْدِيم بعضه وَهُوَ الْمُسَمّى بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى فِي كتاب الله تَعَالَى وَنَصّ على ذَلِك الامام الْمَنْصُور بِاللَّه من الْأَئِمَّة وَأما أَحْكَامه سمعا فَلِأَنَّهُ الْمَنْصُوص فان قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ نَص فِي ذَلِك والمعارض لَهُ غير صَحِيح فِي ارادة الله تَعَالَى وُقُوع ذَنْب العَبْد قبل اسْتِحْقَاقه الْعقُوبَة بذلك وَهنا تَلْخِيص جيد مُفِيد وَهُوَ أَنه لَا خلاف أَن الله تَعَالَى لَا يُعَاقب إِلَّا بعد الِاسْتِحْقَاق بالمعصية لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل﴾

стр. 238

) الْآيَة فَمن فهم من الاضلال أَنه من جنس الْعُقُوبَات لم يجزه إِلَّا بعد الذُّنُوب وَمنع أَن يَقع من الله تَعَالَى ابْتِدَاء قبل أول مَعْصِيّة وسمى مَا يَقع فِي ذَلِك الْوَقْت من أَسبَاب الْمعاصِي ابتلاء وامتحانا إِن كَانَ مِمَّن يُجِيزهُ وهم الأشعرية وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَمن فهم من الاضلال معنى الِابْتِلَاء والامتحان اجازه مُطلقًا قبل الذُّنُوب وَبعدهَا لَكِن الْآيَات الْمُتَقَدّمَة ظَاهِرَة فِي الدّلَالَة على أَنه من جنس الْعُقُوبَات مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ إِلَى سَائِر مَا تقدم وَالله أعلم وَجَمِيع المعارضات لذَلِك نَوْعَانِ أَحدهمَا يخْتَص بِغَيْر الْمعاصِي عِنْد التَّأَمُّل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى﴾ الْآيَة فانها فِي امْتنَاع الايمان إِلَّا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وعونه ولطفه وَذَلِكَ صَحِيح وَدَلِيل ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي آخرهَا ﴿مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فانها فِي مَشِيئَة الطَّاعَة لقَوْله تَعَالَى فِي أَولهَا ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ وَفِي ذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد شرا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه بل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَالَ ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ فان قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ عَام فِي لَفظه وخصوص أول الْآيَة لَا يسْتَلْزم خُصُوص الْعَام الَّذِي فِي آخرهَا كَمَا أَن خُصُوص السَّبَب لَا يسْتَلْزم خُصُوص الْعُمُوم فِي أحد الْقَوْلَيْنِ فَالْجَوَاب من وُجُوه أَرْبَعَة الأول أَنا لَا نسلم أَن آخرهَا عَام مَنْطُوق لِأَن مفعول يَشَاء الله تَعَالَى مَحْذُوف وَتَقْدِيره الْمَذْكُور فِي أول الْآيَة وَالْمَذْكُور فِي أَولهَا يخْتَص بالطاعات وَهَذَا جيد جدا فَتَأَمّله الثَّانِي أَنا لَو سلمنَا الْعُمُوم اللَّفْظِيّ لما سلمنَا جَوَاز اعْتِقَاد مَعْنَاهُ هُنَا لِأَن فِي الْعَام الْوَارِد على سَبَب خلافًا

стр. 239

قَوِيا فِي الظنيات العمليات فَكيف هَذَا وَهُوَ أولى بِالْوَقْفِ فِيهِ لوجوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن هَذَا فِي الِاعْتِقَاد الْقَاطِع فِي أصُول الاديان وَثَانِيها أَن خُصُوص أول الْآيَة أقوى فِي هَذَا من مُجَرّد نُزُولهَا على سَبَب خَاص وَثَالِثهَا أَن هَذَا من عُمُوم الْمَفْهُوم وَفِيه خلاف الثَّالِث من الأَصْل أَنا لَو سلمنَا الْعُمُوم لم يكن لنا اعْتِقَاد هَذَا لما ذكرنَا من أَنه من دلَالَة التضمن لَا من دلَالَة الْمُطَابقَة اللُّغَوِيَّة وَقد مر تَحْقِيقه الرَّابِع أَنه معَارض لقَوْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ أفضل السَّلَام ﴿لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ فَاكْتفى فِي وُقُوع ضلاله بفقد هِدَايَة الله تَعَالَى وَإِن لم تحصل ارادة ضلال وَلَا ارادة قبائح الافعال وَلذَلِك نَظَائِر فِي الْآيَات كَقَوْل آدم ﵇ ﴿وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقَول نوح ﵇ ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ وَمِنْه حَدِيث دَاوُد ﵇ فِي سَبَب ذَنبه وَقَول الرب لَهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأكلنك إِلَى نَفسك يَوْمًا فأصابته السَّيئَة ذَلِك الْيَوْم رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَصَححهُ فَلم يقف خسراننا على ارادته بل على عدم رَحمته وَنَحْو ذَلِك كثير جدا وَهُوَ بِعُمُومِهِ معَارض بِمَا يسْتَلْزم من استلزام الْآيَات لعمومها لارادة الله القبائح فَوَجَبَ الْوَقْف فِي ذَلِك وَثَمَرَة هَذَا التَّحْقِيق أَن الْقدر الْمُتَيَقن أَن وُقُوع الْمعاصِي مُتَوَقف على عدم الْقُدْرَة امتحان الْفَرد بِعَدَمِ اللطف الزَّائِد لَا بارادة ذنُوبه وَلَا محبتها كَمَا ظن أَنه مُقْتَضى الْآيَات وَظن أَنه قَول أهل السّنة وَلَا مُتَوَقف على عدم الْقُدْرَة وَالْعجز كَمَا ظن أَنه قَول الْمُعْتَزلَة فان قيل ينتفض هَذَا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما على الله توكلنا﴾ لِأَن هَذَا الْكَلَام كَلَام نَبِي مرضِي لَا يسْتَحق الْعقُوبَة بالاضلال وَقد جوز أَن يَشَاء الله ذَلِك فَيَقَع بمشيئته

стр. 240

قُلْنَا لَا نسلم ذَلِك بل هَذَا من شَدِيد خوف الْأَنْبِيَاء ﵈ لأَنهم أعلم الْخلق بِاللَّه تَعَالَى واعلمهم بِهِ أخشاهم لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ أَلا ترى إِلَى قَول الراسخين ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا﴾ بل إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون﴾ وَسبب خوف الْعلمَاء أَنه قد أخبرنَا أَنه خلقنَا ليبلونا أَيّنَا أحسن عملا وكل أحد يَبْتَلِي على قدر صبره وحاله وَكَمَال الِابْتِلَاء لَا يحصل إِلَّا بذلك وَلذَلِك ابتلى ابراهيم الْخَلِيل ﵇ بالامر فِي الْمَنَام بِذبح وَلَده فخاف هَذَا النَّبِي الْكَرِيم أَن يكون لَهُ ذَنْب يسْتَحق عَلَيْهِ الْعقُوبَة ببلوى توقعه فِي أعظم الذُّنُوب خوف هَيْبَة وقمع نفس من الْعجب والأمان لَا خوف تَجْوِيز كَمَا فسر بِهِ خوف الْمَلَائِكَة وَيُؤَيّد ذَلِك أَن كَلَامه خرج مخرج التَّعْظِيم لله تَعَالَى فِي عدم الْقطع بالنجاة دون مَشِيئَته وعد الْقطع على بَرَاءَة نَفسه من الذُّنُوب الْمُوجبَة للعقوبة بالخذلان فقد عُوقِبَ آدم وَدَاوُد حِين وثقا بأنفسهما فأذنبا وَلذَلِك أتبع بِذكر التَّوَكُّل النَّوْع الثَّانِي مِمَّا يتَوَهَّم معارضته لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ كُله عمومات مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ يُوضحهُ أَنَّهَا نزلت على سَبَب غير قَبِيح وَفِي الْعلمَاء من يقصر الْعُمُوم على سَببه وَتَنَاول الْعُمُوم لغير سَببه ظَنِّي بالاجماع وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم﴾ فَلَا يرد علينا هُنَا لِأَنَّهَا فِي كفار بعد الْبعْثَة والتمادي على التَّكْذِيب فهم يسْتَحقُّونَ الاغواء والاضلال وَأما كلامنا هُنَا فِي أول ذَنْب وَأما أَحَادِيث الْقدر وَمَا فِيهَا من قَوْله ﷺ كل ميسر لما خلق لَهُ فَلَا نَص فِيهَا على أول أَحْوَال التَّكْلِيف بل قد جَاءَ بَعْضهَا صَرِيحًا فِي أَن ذَلِك يكون عِنْد الخاتمة وَهِي وَقت الِاسْتِحْقَاق للجزاء وَحَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ يدل على ذَلِك بل قَوْله تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ فَيحْتَمل أَن

стр. 241

يكون أَرَادَ بالتيسير فِي العصاة بعد الْعِصْيَان لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ ولآية سُورَة اللَّيْل الَّتِي احْتج بهَا رَسُول الله ﷺ على الْقدر فَيحْتَمل أَن تكون التَّخْلِيَة تيسيرا لما يَقع بعْدهَا بِاخْتِيَار الْمُكَلف وَحده لما كَانَت سَببا فِي اخْتِيَاره فَيكون للقدر تفسيران أَحدهمَا عَام لكل حَال وَلكُل شَيْء وَهُوَ الْعلم وَالْكِتَابَة وَنَحْوهمَا مِمَّا تقدم كمشيئة الْعَاقِبَة الْمُسْتَحقَّة بِالْمَعَاصِي على مَا سَيَأْتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ وَثَانِيهمَا الاضلال بعد الِاسْتِحْقَاق لَهُ عُقُوبَة من غير اجبار وَلَا سلب للاختيار وَهُوَ خَاص بِمن قد امتحن حَتَّى عصى عِنْد أهل الْجمع بِهَذِهِ الطَّرِيقَة الْوَجْه الْخَامِس أَن الارادة دَائِرَة بَين مَعْنيين إِمَّا أَن تكون حَقِيقَة فيهمَا مَعًا أَو فِي الأول مِنْهُمَا حَقِيقَة وَفِي الآخر مجَازًا الْمَعْنى الأول الارادة الْمُلَازمَة للمحبة للمراد والامر بِهِ والتحسين لَهُ أَو شَيْئا مِمَّا يُقَارب هَذَا الْمَعْنى وَهِي الارادة الشَّرْعِيَّة للواجبات والمستحبات وَهَذِه هِيَ ارادة الشَّيْء لنَفسِهِ من غير مُعَارضَة كَرَاهَة لَهَا بِوَجْه من الْوُجُوه الْمُتَعَلّقَة بذلك الشَّيْء المُرَاد وَهَذِه هِيَ الارادة الْحَقِيقِيَّة بالاجماع فالقبائح لَا تكون مُرَادة بِهَذَا الْمَعْنى وَكَانَ الْمُعْتَزلَة لم يعرفوا أَو لم يعترفوا بِغَيْر هَذَا الْمَعْنى للارادة وَلذَلِك منعُوا تعلقهَا بِجَمِيعِ القبائح وَتقدم فِي الصِّفَات الدَّلِيل على جَوَاز اطلاق الْمحبَّة على الله تَعَالَى من غير تَشْبِيه كالارادة الْمَعْنى الثَّانِي للارادة الارادة الدَّالَّة على نفي مَا يسْتَلْزم الْعَجز من وُقُوع مَا يكره الله تَعَالَى وُقُوعه فِي ملكه من غير سبق قدر مِنْهُ أَو تخلية مُرَادة لحكمة أَو نَحْو ذَلِك وَذَلِكَ لكَمَال قدرته ونفوذ مَشِيئَته وَعُمُوم ربوبيته وكبرياء عَظمته بِحَيْثُ لَا يجوز عَلَيْهِ عدم الْقُدْرَة على اللطف بالعصاة وَلَا البداء وَالرُّجُوع عَمَّا قد قدره وقضاه وانه لَو شَاءَ لهدى النَّاس جَمِيعًا ولجعلهم أمة وَاحِدَة كَمَا تمدح بذلك فِي كِتَابه الْكَرِيم وَلَكِن حكمته اقْتَضَت تَمْكِين الْعباد وتكلفيهم وابتلاءهم كَمَا أخبر فِي كِتَابه وسبقت أقداره بِكُل مَا هُوَ كَائِن عَن علم لَا يتَغَيَّر وَحِكْمَة بَالِغَة وَحجَّة دامغة فوقوع الْمعاصِي بِالنّظرِ إِلَى هَذِه الْمعَانِي هُوَ معنى الْقَضَاء وَالْقدر وَالتَّقْدِير عِنْد الْجَمِيع وَعند طَائِفَة لَا مَانع

стр. 242

من أَن يُسَمِّي ذَلِك الْوُقُوع مرَادا حَقِيقَة أَو مجَازًا وَلَا تسمى الْمعاصِي الْوَاقِعَة مُرَادة مثل وُقُوعهَا بل تسمى مَكْرُوهَة حَقِيقَة وارادة وُقُوع الْمعاصِي الْمَكْرُوهَة هَذِه تسمى عِنْد من يجيزها ارادة ارادة كونية لَا شَرْعِيَّة فِي عرفهم وَإِنَّمَا الشَّرْعِيَّة فِي عرفهم هِيَ النَّوْع الأول الْمُخْتَص بِالطَّاعَةِ وَأعلم أَن تمسيتهم لهَذِهِ ارادة لم يثبت بِالنَّصِّ وَإِنَّمَا ثَبت أَن ذَلِك مُقَدّر وَلم يرد النَّص أَن كل تَقْدِير مُرَاد وَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ الظَّاهِر فِي بادئ الرَّأْي فالتحقيق فِي النّظر وَالِاحْتِيَاط يُخَالِفهُ أما التَّحْقِيق فِي النّظر فان الْمعاصِي بالنصوص مَكْرُوهَة لانفسها فَلَا تسمى مُرَادة لأنفسها لتضاد ذَلِك وَعدم الدَّلِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجوز أَن ترَاد لغَيْرهَا وَمَتى أريدت لغَيْرهَا كَانَت هَذِه الْعبارَة مجازية تحقيقها أَن المُرَاد هُوَ ذَلِك الْغَيْر لَا هِيَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يجوز أَن تسمى مُرَادة مُطلقًا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن ذَلِك يُوهم أَنَّهَا مُرَادة لنَفسهَا محبوبة وَثَانِيهمَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة لنَفسهَا حَقِيقَة وَلَا يجوز أَن تسمى مُرَادة إِلَّا لغَيْرهَا وَتَسْمِيَة الشَّيْء بِوَصْف نَفسه أولى من تَسْمِيَته بِوَصْف غَيره فان سمي بِوَصْف غَيره فَمَعَ قرينَة تشعر بذلك وَإِلَّا أدّى إِلَى قلب الْمعاصِي وَأما الِاحْتِيَاط فَلَمَّا بنينَا عَلَيْهِ هَذَا الْكتاب من الْوُقُوف على النُّصُوص كَمَا تقدم وَمن أقرب الْأَمْثِلَة إِلَى هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ مَا حكى الله عَن مُوسَى ﵇ من قَوْله ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ فكره وُقُوع الايمان مِنْهُم عِنْد الْغَضَب عَلَيْهِم لله تَعَالَى وَهُوَ لَا يتهم فِي محبَّة الايمان بِاللَّه فِي الْجُمْلَة وَابْن تَيْمِية كثير التعويل على الْفرق بَين الارادة الشَّرْعِيَّة وَبَين الارادة الكونية وَكَلَامه فِي هَذَا طَوِيل وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا تعلم صِحَّته وَلَا بُطْلَانه بالنصوص الشَّرْعِيَّة وَلَا بالبداية الْعَقْلِيَّة فالاعتصام بالاعتقاد الْجملِي أحوط مِنْهُ وَأولى وَهُوَ أَن الله يكره القبائح وَلَا يُحِبهَا وَأَنه على كل شَيْء قدير فَلَو شَاءَ لهدى النَّاس جَمِيعًا وَإِن لَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِيمَا فعل وَترك وَقدر وَقضى وَإِن ذَلِك غير متناقض وَلذَلِك ظهر اعْتِقَاد ذَلِك الْجَمِيع عَن السّلف من غير إِشْكَال فِيهِ

стр. 243

الْبَحْث الرَّابِع اتّفق أهل السّنة من أهل الاثر وَالنَّظَر والأشعرية على أَن الارادة لَا يَصح أَن تضَاد الْعلم وَلَا يُرِيد الله تَعَالَى وجود مَا قد علم أَنه لَا يُوجد وَهَذِه الارادة الَّتِي الْمَقْصُود بهَا إِيجَاد المُرَاد لَا إِرَادَة الْمحبَّة الَّتِي تعلق بِالذَّاتِ لَا بايجاد الذَّات فَافْهَم ذَلِك وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِوُجُوه مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله﴾ وَلَا وَجه لإنكار هَذِه الارادة إِلَّا تعلقهَا بِمَا لَا يَقع فِي الْعلم وَمِنْهَا أَن امْتنَاع ذَلِك مدرك عَقْلِي جلي يدْرك بالوجدان من النَّفس كَمَا يدْرك الالم واللذة فانا ندرك من أَنْفُسنَا امتناعها مثل أَن نُرِيد من الله تَعَالَى مَا يقدر عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِمَّا نعلم أَنه لَا يَفْعَله مثل ان لَا يذيقنا الْمَوْت أبدا وَأَن يدخلنا الْجنَّة من غير موت وَلَا حشر مَعَ قدرَة الله تَعَالَى على ذَلِك ومحبتنا لذَلِك وَإِنَّمَا امْتنع أَن نُرِيد ذَلِك من الله تَعَالَى لعلمنا أَن الله تَعَالَى قد كتب الْمَوْت والحشر على جَمِيع الْعباد وَلَا شكّ أَن هَذَا هُوَ الْفطْرَة وَلذَلِك لَا ترى عَاقِلا فِي الدُّنْيَا يسْعَى فِيمَا يعلم أَنه لَا يحصل فَلَا نرى شَيخا فانيا يطْلب دَوَاء لعود أَيَّام الشَّبَاب وَلَا نَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا خَالَفت الْمُعْتَزلَة لشُبْهَة الامر بِخِلَاف الْمَعْلُوم فان الله تَعَالَى يَأْمر بِمَا يعلم أَنه لَا يَقع وَصِحَّة هَذَا إِجْمَاع لَكِن ظنت الْمُعْتَزلَة أَن الْأَمر يلازم الارادة وَإِنَّمَا ظنُّوا ذَلِك لِأَنَّهُ الْأَكْثَر فِي الشَّاهِد فِي حق من لَا يعلم الْغَيْب وَالتَّحْقِيق أَن الْأَمر مَعَ الارادة يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام الْقسم الأول الْأَمر الملازم للارادة وَذَلِكَ فِي حق من غَرَضه بِالْأَمر تَحْصِيل الْمَطْلُوب وَشرط هَذَا الْأَمر أَن يصدر مِمَّن يعلم أَن الْمَطْلُوب سيحصل أَو يكون جَاهِلا بِعلم الْغَيْب الْقسم الثَّانِي لَا تصحبه الارادة قطّ وَلَا محبَّة الْمَطْلُوب وَهُوَ أَمر الِاخْتِيَار للْغَيْر بالعزم على الطَّاعَة مثل أَمر الْخَلِيل ﵇ بِذبح وَلَده فان الله تَعَالَى لم يرد مَا أَمر بِهِ من الذّبْح وَلَا أحبه وَإِنَّمَا ابتلى خَلِيله بالعزم كَمَا قَالَ ﴿فَلَمَّا أسلما وتله للجبين وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 244

الْقسم الثَّالِث لَا تصحبه ارادة الْحُصُول وتصحبه محبَّة الْمَطْلُوب دون ارادة وُقُوعه من الْمَأْمُور وَذَلِكَ مثل أَمر الْكَافِر بالايمان مَعَ علم الله تَعَالَى أَنه لَا يُؤمن أبدا مِثَال ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَعَ أَن الانبعاث مَعَه ﵇ مَأْمُور بِهِ لَكِن كره من وَجه آخر لَا من الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ لأَجله وَفِي هَذَا الْمقَام يذكر أهل السّنة علم الْغَيْب وَمَا ورد فِي الْقدر وَالْقَضَاء وأنهما بمعزل عَن الْجَبْر والاكراه وَنفي الِاخْتِيَار وَقد تقصيت مَا ورد فِي ذَلِك فبلغت أَحَادِيث الأقدار وثبوتها مائَة حَدِيث وَخَمْسَة وَخمسين حَدِيثا وَأَحَادِيث وجوب اعْتِقَاد ذَلِك اثْنَيْنِ وَسبعين حَدِيثا صَار الْجَمِيع مِائَتي حَدِيث وَسَبْعَة وَعشْرين حَدِيثا من غير الْآيَات القرآنية والقدرية الْمجمع على ذمهم عِنْد أهل السّنة من يَقُول من قدماء المبتدعة أَن الله لَا يعلم الْغَيْب وَلَا يُوجد الْآن من هَؤُلَاءِ أحد وسياتي الْكَلَام فِي تَفْسِير الْقَدَرِيَّة الْبَحْث الْخَامِس وَهُوَ أنفس هَذِه المباحث ومغن عَنْهَا وَذَلِكَ أَن ظواهر عِبَارَات الْمُعْتَزلَة والأشعرية فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي غَايَة المنافرة وَتَحْقِيق مذاهبهم يقْضِي باجتماع كلمتهم على أَن الله تَعَالَى قَادر على هِدَايَة من يَشَاء باللطف والتيسير وعَلى أَن الله تَعَالَى لَا يُرِيد الْمعاصِي والقبائح وَهَذَا عَجِيب لَا يكَاد أحد يصدق بِهِ إِلَّا بعد شدَّة الْبَحْث والتنقير وَسبب اجْتِمَاعهم فِي الْمَعْنى أَن الْخَطَأ مِنْهُم الْجَمِيع لما فحش من الْجَانِبَيْنِ لم يخف عَلَيْهِم وَمَا زَالُوا ينظرُونَ ويناظرون ويعتذرون عَن شنيع الْعبارَات حَتَّى اجْتَمعُوا وهم لَا يقصدون ذَلِك الِاجْتِمَاع وَأَنا أبين ذَلِك من نصوصهم وكتبهم الْمَعْرُوفَة فَأَما الْمُعْتَزلَة فَاعْتَرفُوا بقدرة الله تَعَالَى على ذَلِك عِنْدهم وعَلى أصولهم فِي مَسْأَلَتَيْنِ احدهما أَن اللطف إِنَّمَا امْتنع فِي حق بعض الْمُكَلّفين لأجل البنية الَّتِي خلقهمْ الله تَعَالَى عَلَيْهَا وَهِي بنية مَخْصُوصَة فِيهَا غلظة وقساوة وَهُوَ قَادر عِنْد جَمِيع الْمُعْتَزلَة على تَغْيِير بنيتهم وخلقهم على بنية الانبياء وَالْمَلَائِكَة ذكر ذَلِك ابْن الملاحمي فِي كِتَابه الْفَائِق وَقد ذكرت الْوَجْه فِي لُزُوم ذَلِك على أصُول

стр. 245

الْمُعْتَزلَة من الْعقل والسمع وتقصيته فِي العواصم قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم﴾ وفيهَا حجَّة على ثُبُوت حِكْمَة الله تَعَالَى فِيمَا تعرف الْعُقُول حسنه من هدايتهم وَمَا لَا تعرفه من تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا فانها لَا تعرف حسن ذَلِك كَمَا عَرفْنَاهُ الْآن إِلَّا بتعريف الشَّرْع كَمَا مضى فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة لِأَن كل بنية قَابِلَة للطف أَو غير قَابِلَة فانها عارضة يُمكن تغييرها لَا ذاتية وَلِأَن الاجسام عِنْدهم كلهَا متماثلة فِي ذواتها وَإِنَّمَا تخْتَلف بِالصِّفَاتِ وَالْأَحْوَال الْعَارِضَة وتغيير ذَلِك كُله مُمكن لله تَعَالَى وَلِأَن قدرَة الله تَعَالَى على كل شَيْء عُمُوما وعَلى هِدَايَة كل أحد خُصُوصا منصوصة قَطْعِيَّة مَعْلُومَة من الدّين وَمن إِجْمَاع الْمُسلمين قَالَ ابْن الملاحمي فان قيل فَلم خلقه الله تَعَالَى على هَذِه البنية الَّتِي لَا تقبل اللطف قُلْنَا لحكمة لَا نعلمها وَيَكْفِينَا علمنَا بِأَنَّهُ أَو كَمَا قَالَ وَهنا نعلم أَن الْخلاف لَفْظِي لِأَن تَغْيِير هَذِه البنية يسير على من هُوَ على كل شَيْء قدير وَإِنَّمَا هُوَ تليين تِلْكَ الْقُلُوب القاسية أَو تَعْلِيم تِلْكَ النُّفُوس الْجَاهِلِيَّة وَلَو أَرَادَ الله تَعَالَى قلب جبال حَدِيد مَاء عذبا أَو هباء منثورا لم يزدْ على أَن يَقُول لذَلِك كن فَيكون كَيفَ وَلَيْسَ إِلَّا تقليب الْقُلُوب القاسية وتليين القساوة وترقيق الطَّبْع الغليظ فَثَبت أَن الله تَعَالَى قَادر عِنْدهم على هِدَايَة العصاة عِنْد الْجَمِيع لَكِن الْمُعْتَزلَة شرطُوا أَن تكون هدايتهم بتغيير بنيتهم وَسَائِر النَّاس قَالُوا إِن ذَلِك مُمكن من غير تَغْيِير بنية وثانيتهما قَالَت الْمُعْتَزلَة إِلَّا أَبَا عَليّ الجبائي أَنه يجوز أَن يزِيد الله تَعَالَى فِي شهوات الْمُكَلّفين ويخلق من أَسبَاب الْمعاصِي مَا يعلم أَن الْمعاصِي تقع عِنْده وَلَو لم يخلقه لم تقع وقاسوا ذَلِك على ابْتِدَاء التَّكْلِيف فان الله تَعَالَى كلف أهل النَّار وَهُوَ يعلم أَن تكليفهم يكون سَببا لوُقُوع معاصيهم وَلَو لم يكلفهم لم تقع مِنْهُم الْمعاصِي وعَلى هَذَا يجوز أَن جَمِيع الْمعاصِي مَا وَقعت إِلَّا

стр. 246

لزيادات فِي الشَّهَوَات والدواعي وَقع الامتحان بهَا لشدَّة الِابْتِلَاء وَمن ذَلِك خلق الشَّيَاطِين عِنْد هَؤُلَاءِ وَحِينَئِذٍ تَجْوِيز أَن الله تَعَالَى قَادر على هِدَايَة من وَقعت مِنْهُ الْمعاصِي بتسبب هَذِه الزِّيَادَات وَالْقُدْرَة وَوجه الْقُدْرَة على اللطف بِهِ وَاضح وَذَلِكَ أَن يتْرك الله هَذِه الزِّيَادَات وتجويز قدرَة الله تَعَالَى على اللطف بِهَذَا الْمَعْنى بَين فَثَبت أَن تأويلهم لآيَات الْمَشِيئَة بالاكراه ومحافظتهم على ذَلِك وقطعهم بتعينه وَعدم احْتِمَال غَيره مُجَرّد لجاج مَعَ الْخُصُوم وَزِيَادَة فِي المراء المذموم وَالله الْمُسْتَعَان وَأما مُوَافقَة الاشعرية وَأهل الْأَثر لَهُم فِي أَن الله تَعَالَى لَا يُرِيد الْمعاصِي فان ذَلِك ثَبت بِالنَّصِّ مِنْهُم والاقرار لَا بالالزام والاستنباط وَذَلِكَ أَن إِمَام علومهم الْعَقْلِيَّة صَاحب نِهَايَة الاقدام الْمَعْرُوف بالشهرستاني ذكر فِي كِتَابه هَذَا أَن ارادة الله تَعَالَى عِنْدهم لَا يَصح أَن تعلق إِلَّا بأفعاله سُبْحَانَهُ دون كسب الْعباد سَوَاء كَانَ طَاعَة أَو مَعْصِيّة وَأَن معنى قَوْلنَا إِن الطَّاعَات مُرَادة ومحبوبة ومرضية هُوَ أَن الله تَعَالَى يُرِيد أَفعاله الَّتِي تعلق بهَا وَهِي الْأَمر وَالثنَاء فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب وَالثنَاء فِي الْآخِرَة وَمعنى قَوْلنَا أَن الْمعاصِي مَكْرُوهَة ومسخوطة هُوَ أَن الله تَعَالَى يُرِيد أَفعاله الْمُتَعَلّقَة بهَا وَهِي النَّهْي والذم فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَاب والذم فِي الْآخِرَة وَطول فِي هَذَا وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن الارادة هِيَ الَّتِي تخصص الْفِعْل بِوَقْت دون وَقت وَقدر دون قدر وَوجه دون وَجه قَالَ ويستحيل أَن تخصص فعل الْغَيْر وَأَن تقع غير مخصصة فيختلف عَنْهَا أَثَرهَا وَذَلِكَ محَال ثمَّ قَالَ وَأَنت إِذا عرفت هَذَا هَانَتْ عَلَيْك تهويلات الْقَدَرِيَّة وتمويهات الجبرية وَبَين أَيْضا وميز فعل العَبْد الَّذِي هُوَ كَسبه عَن فعل الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ خلقه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَسْأَلَة الافعال وَاعْلَم أَن كَلَامه فِي ذَلِك قوي لِأَنَّهُ لَو صَحَّ تعلق الارادة بِفعل الْغَيْر لصَحَّ أَن يَنْوِي للْغَيْر لِأَن النِّيَّة ارادة مُقَارنَة وَكَذَلِكَ كَانَ يلْزم أَن يعزم لَهُ لِأَن الْعَزْم ارادة مُتَقَدّمَة فان قيل فَنحْن نحس ارادة فعل الْغَيْر بِالضَّرُورَةِ قُلْنَا تِلْكَ محبَّة لَا إِرَادَة لَكِن الْمحبَّة قد تسمى ارادة كَمَا قَالَ الشَّاعِر

стр. 247

(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطي مناه ... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَا) وَالْبَيْت عَرَبِيّ فصيح من شعر الحماسة وعَلى الْجُمْلَة أَن هَذَا نقل لمَذْهَب الأشعرية من بَصِير بِهِ بل من إِمَام فِيهِ فقد صَحَّ أَن هَذَا مَذْهَبهم سَوَاء كَانَ صَحِيحا أَو بَاطِلا قَوِيا أَو ضَعِيفا وعبارتهم فِي جَمِيع تصرفاتهم فِي تَأْوِيل الْآيَات وَالْأَحَادِيث مُخَالفَة لهَذَا ومصرحة بارادة الْمعاصِي فحين علمنَا أَن هَذَا حَقِيقَة قَوْلهم وَإِن ذَلِك مجَاز لم نوجب حملهَا على الْحَقِيقَة بل لم نجوز ذَلِك كَمَا أَن الزَّمَخْشَرِيّ قَالَ إِن الله يَأْمر بِالْفِسْقِ مجَازًا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا﴾ وَمَعَ ذَلِك لَا يحل لمُسلم أَن يحملهُ على الْحَقِيقَة لما كَانَ قد نَص على أَن ذَلِك مجَاز فَكَذَلِك هَؤُلَاءِ وَلَكِن هَذَا مِنْهُم مُجَرّد لجاج وَشدَّة مراء وجدل قابلوا بِهِ مَا وَقع من خصومهم من مثل ذَلِك وَقد نهى الله تَعَالَى عَن التَّفْرِيق بِنَصّ الْقُرْآن وَإِجْمَاع الْمُسلمين فَوَاجِب على كل من عرف هَذَا من الْفَرِيقَيْنِ ترك هَذِه الْعَادة الْمَكْرُوهَة فِي ابتداع الْعبارَات المفرقة بَين الْجَمَاعَة والمخالفة للطاعة وَلذَلِك نهى الامام ابراهيم بن عبد الله بن الْحسن عَن تَسْمِيَة الْفرق بِهَذِهِ الاسماء المبتدعة وَأمر أَن يسموا بِالْمُسْلِمين فانهم إِذا اجْتَمعُوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الاسماء المبتدعة وَأمر أَن يسموا بِالْمُسْلِمين فانهم إِذا اجْتَمعُوا فِي ذَلِك كَانَ أدعى إِلَى محو آثَار الحمية وَترك التعادي والعصبية وَلذَلِك أثنى الله تَعَالَى على الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولاخواننا الَّذين سبقُونَا بالايمان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم وَقد كنت هَمَمْت أَن أقتصر على هَذَا الْبَحْث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثمَّ رَجَوْت أَن يكون فِي ذكر سَائِر المباحث مزِيد فَائِدَة وَإِلَّا فَهَذَا أنفعها وأجلها وَهُوَ يَكْفِي صَاحب الْجمل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد بَالغ فِي تَحْرِيم التَّفَرُّق وَترك التَّكْفِير بالاختلاف فِي مسَائِل الْكَلَام مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي محب أهل الْبَيْت وصنف فِيهِ كتاب الْجُمْلَة والالفة فأجاد رَحمَه الله تَعَالَى وَنقل فِيهِ القَوْل المفيدة عَن كبراء أهل الْبَيْت ﵈ بِاخْتِيَار ذَلِك وَنقل صَاحب الْجَامِع الْكَافِي مِنْهُ جملَة شافية فِي آخِره يَنْبَغِي مَعْرفَتهَا ذكرهَا فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن ومذاهب النَّاس فِيهِ

стр. 248

وَهنا تَحْقِيق بَالغ وَهُوَ أَن مُرَاد أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الارادة أَن يكون الله تَعَالَى غَالِبا غير مغلوب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله غَالب على أمره﴾ وَلم يصادم هَذِه الْقُدْرَة الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا خالفوا فِي الْعبارَة حَيْثُ قَالُوا إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ مُجَرّد تَعْرِيض الاشقياء للخير فقد حصل مُرَاده الَّذِي هُوَ التَّعْرِيض فَلم يكن مَغْلُوبًا على مُرَاده كَمَا مضى وَمَا يرد عَلَيْهِ قَالُوا وَأَرَادَ تَمْكِين الْعباد مَعَ علمه بِأَنَّهُ يكون وَسِيلَة إِلَى الْمعاصِي فقد أَرَادَ عِنْدهم سَببهَا لعلمه بذلك بل أجَاز جمهورهم أَن يَبْتَلِي الله تَعَالَى الْمُكَلّفين بعد تَمام التَّكْلِيف بِزِيَادَة فِي خلق الشَّهَوَات وَالشَّيَاطِين ومضلات الْفِتَن بِحَيْثُ تقع عِنْدهَا الْمعاصِي وَهُوَ يعلم أَنه لَو لم يفعل ذَلِك أطيع وَمَا عصى وَهَذَا هُوَ الاضلال الَّذِي تجيزه الأشعرية وتظن الْمُعْتَزلَة أَنَّهَا تَمنعهُ وَهُوَ الَّذِي قد يُسَمِّيه بعض الأشعرية ارادة لوُقُوع الْمعاصِي أَولهَا وَإِنَّمَا اخْتلفت عباراتهم فانهم الْجَمِيع قد اتَّفقُوا على نفي الْجَبْر وعَلى ثُبُوت الِاخْتِيَار وعَلى أَن الله تَعَالَى ملك عَزِيز غَالب غير مغلوب وعَلى أَن الاضلال إِن كَانَ من جنس الْعُقُوبَات لَا من جنس الِابْتِلَاء والامتحان لم يكن إِلَّا بعد الِاسْتِحْقَاق بِالذنُوبِ كعقاب الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فلولا اللجاج فِي المراء وَتمكن التعادي فِي الْقُلُوب لكانوا فرقة وَاحِدَة واجتمعوا على جِهَاد أعدائهم من الْكفَّار الْمَلَاحِدَة وسر هَذَا التَّحْقِيق أَنه لَا خلاف أَن سَبَب الْمعاصِي مُرَاد وَهُوَ خلق الْقُدْرَة والتمكين والتكليف لكنه لَيْسَ بجبر مَحْض بل الظَّاهِر فِي سَبَب الشَّرّ أَنه شَرّ فَمن نفى الْحِكْمَة قَالَ هُوَ مُرَاد لنَفسِهِ وَمن أثبتها قَالَ لابد من مُرَاد آخر وَهُوَ الْمُسَمّى المُرَاد الأول وغرض الْغَرَض فَمن قَالَ هُوَ الْجنَّة فِي حق الْكفَّار ورد عَلَيْهِ أَن علم الْغَيْب يمْنَع من طلب حُصُول مَا علم أَنه لَا يحصل وَمن قَالَ هُوَ التَّعْرِيض لذَلِك ورد عَلَيْهِ أَن التَّعْرِيض لَيْسَ بِخَير مَحْض مَعَ الْعلم أَنه سَبَب حُصُول نقيض الْمَقْصُود وَمن قَالَ الْمعاصِي فَهُوَ أَجْهَل لِأَن سَببهَا لم يكن شرا إِلَّا لأَجلهَا فَثَبت أَنه اقامة الْحجَّة فِي الظَّاهِر وَتَأْويل الْمُتَشَابه فِي الْبَاطِن وَالْحق أَنه لَا يُعلمهُ إِلَّا الله كَمَا تقدم بدلائله

стр. 249

الْبَحْث السَّادِس فِي ذكر الْفَائِدَة فِي التَّكْلِيف بِالْأَعْمَالِ مَعَ سبق الاقتدار وَقد يذكر هَذَا جَوَابا على من قدح فِي صِحَة أَحَادِيث الاقدار من المبتدعة فَيُقَال الْفَائِدَة فِي الْعَمَل مَعَ الْقدر مثل الْفَائِدَة فِي الْعَمَل مَعَ سبق الْعلم إِذْ كل مِنْهُمَا غير مزيل للقدرة وَلَا مُؤثر فِيهَا وَلَو كَانَ شَيْء من ذَلِك يُؤثر فِيهَا لما تعلق جَمِيع ذَلِك بِأَفْعَال الله تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَلق بهَا وَهِي اختيارية بِالنَّصِّ والاجماع أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَأَنه سُبْحَانَهُ قد علم وَقت وُقُوع ذَلِك بِعَيْنِه وَهُوَ مَوْصُوف بِالْقُدْرَةِ على تَقْدِيمه وتأخيره بل على تَركه لكنه لَا يتْركهُ وَقد قَالَ الرَّازِيّ أَن القَوْل بِأَن سبق الْعلم وَالْقدر يَنْفِي الِاخْتِيَار يسْتَلْزم ذَلِك فِي حق الله تَعَالَى وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى رفع أثر الْقُدْرَة وَإِلَى أَن تقع الْأَشْيَاء بِالْعلمِ دون الْقُدْرَة فينقلب الْعلم قدرَة وَذَلِكَ محَال وَقد يذكر هَذَا على سَبِيل التقوية للايمان الْجملِي بحكمة الله تَعَالَى وَقد ذكرت فِي ذَلِك وُجُوه كَثِيرَة بسطتها فِي العواصم ولنقتصر على شَيْء يسير من الْوَارِد فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَفِي الْفطْرَة أما الْقُرْآن فورد بَان التَّكْلِيف فِي حق الاشقياء اقامة الْحجَّة وَقطع الْعذر قَالَ الله تَعَالَى ﴿فالملقيات ذكرا عذرا أَو نذرا﴾ وَقَالَ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ وَهَذَا الْمَعْنى كثير وَفِيه سر لم أر أحدا تنبه لَهُ وَذَلِكَ أَن لله تَعَالَى حجَجًا مُنَاسبَة لعرف الْعُقَلَاء وَحِكْمَة مُنَاسبَة لعلمه الْحق الَّذِي تقصر عَنهُ عقول الْعُقَلَاء وَهَذِه الْآيَات الَّتِي ذَكرنَاهَا من الْقسم الاول وَمِنْه إِقَامَة الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وإشهاد الْمَلَائِكَة والجوارح وَكِتَابَة الاعمال مَعَ الْغنى عَن ذَلِك كُله بِعلم الله تَعَالَى فَأَما الْحِكْمَة الْمُنَاسبَة لعلمه الْحق فَهِيَ الْحِكْمَة الداعية إِلَى إِظْهَار هَذِه الْحجَج القاطعة للاعذار الباعثة على هَذَا الْعدْل وَهِي الَّتِي لم يعلمهَا سني وَلَا

стр. 250

مُبْتَدع وَلَا أثري وَلَا مُتَكَلم وَمن تعرض لَهَا لم يحظ بطائل وَقد يرد الْقُرْآن بِهَذِهِ الْحجَّة الظَّاهِرَة الْمُنَاسبَة لعرف الْعُقَلَاء وَحدهَا مثل آيَات الْوَعيد وَقد يرد بِمَا يَقْتَضِي التَّعْلِيل بِحِكْمَتِهِ الْحَقِيقِيَّة الْمُنَاسبَة لعلمه الْحق وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة هود ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ فانا نعلم أَن هَذِه لم تكن سدى خَالِيَة عَن الْحِكْمَة وَقد يرد الْقُرْآن بهما جَمِيعًا كَقَوْلِه تَعَالَى جَوَابا على من قَالَ ﴿فارجعنا نعمل صَالحا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نسيتم لِقَاء يومكم هَذَا إِنَّا نسيناكم وذوقوا عَذَاب الْخلد بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَجمع بَينهمَا حَيْثُ أجَاب على الْكفَّار قَوْلهم ﴿أخرجنَا نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ استدراكا مِنْهُم لما فَاتَ فَأخْبرهُم أَنه كَانَ قَادِرًا على تَحْصِيل ذَلِك مِنْهُم فِيمَا مضى وَلَو أرادوه لم يفته حَتَّى يحْتَاج إِلَى الملافاة والاستدراك وَحين علمنَا حكمته فِي ذَلِك حسن أَن نشِير اليها فِي الْجُمْلَة من غير بَيَان معِين كَمَا قَالَ للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ جَوَابا على قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ وَأما مَا ورد فِي ذَلِك من السّنة فأنواع مِنْهَا حَدِيث لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله تَعَالَى من أجل ذَلِك أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَمِنْهَا عَمَلهم بِمُقْتَضى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ وَقَوله ﴿وخذوا حذركُمْ﴾
следующие страницы →