← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لزيادات فِي الشَّهَوَات والدواعي وَقع الامتحان بهَا لشدَّة الِابْتِلَاء وَمن ذَلِك خلق الشَّيَاطِين عِنْد هَؤُلَاءِ وَحِينَئِذٍ تَجْوِيز أَن الله تَعَالَى قَادر على هِدَايَة من وَقعت مِنْهُ الْمعاصِي بتسبب هَذِه الزِّيَادَات وَالْقُدْرَة وَوجه الْقُدْرَة على اللطف بِهِ وَاضح وَذَلِكَ أَن يتْرك الله هَذِه الزِّيَادَات وتجويز قدرَة الله تَعَالَى على اللطف بِهَذَا الْمَعْنى بَين فَثَبت أَن تأويلهم لآيَات الْمَشِيئَة بالاكراه ومحافظتهم على ذَلِك وقطعهم بتعينه وَعدم احْتِمَال غَيره مُجَرّد لجاج مَعَ الْخُصُوم وَزِيَادَة فِي المراء المذموم وَالله الْمُسْتَعَان وَأما مُوَافقَة الاشعرية وَأهل الْأَثر لَهُم فِي أَن الله تَعَالَى لَا يُرِيد الْمعاصِي فان ذَلِك ثَبت بِالنَّصِّ مِنْهُم والاقرار لَا بالالزام والاستنباط وَذَلِكَ أَن إِمَام علومهم الْعَقْلِيَّة صَاحب نِهَايَة الاقدام الْمَعْرُوف بالشهرستاني ذكر فِي كِتَابه هَذَا أَن ارادة الله تَعَالَى عِنْدهم لَا يَصح أَن تعلق إِلَّا بأفعاله سُبْحَانَهُ دون كسب الْعباد سَوَاء كَانَ طَاعَة أَو مَعْصِيّة وَأَن معنى قَوْلنَا إِن الطَّاعَات مُرَادة ومحبوبة ومرضية هُوَ أَن الله تَعَالَى يُرِيد أَفعاله الَّتِي تعلق بهَا وَهِي الْأَمر وَالثنَاء فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب وَالثنَاء فِي الْآخِرَة وَمعنى قَوْلنَا أَن الْمعاصِي مَكْرُوهَة ومسخوطة هُوَ أَن الله تَعَالَى يُرِيد أَفعاله الْمُتَعَلّقَة بهَا وَهِي النَّهْي والذم فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَاب والذم فِي الْآخِرَة وَطول فِي هَذَا وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن الارادة هِيَ الَّتِي تخصص الْفِعْل بِوَقْت دون وَقت وَقدر دون قدر وَوجه دون وَجه قَالَ ويستحيل أَن تخصص فعل الْغَيْر وَأَن تقع غير مخصصة فيختلف عَنْهَا أَثَرهَا وَذَلِكَ محَال ثمَّ قَالَ وَأَنت إِذا عرفت هَذَا هَانَتْ عَلَيْك تهويلات الْقَدَرِيَّة وتمويهات الجبرية وَبَين أَيْضا وميز فعل العَبْد الَّذِي هُوَ كَسبه عَن فعل الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ خلقه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَسْأَلَة الافعال وَاعْلَم أَن كَلَامه فِي ذَلِك قوي لِأَنَّهُ لَو صَحَّ تعلق الارادة بِفعل الْغَيْر لصَحَّ أَن يَنْوِي للْغَيْر لِأَن النِّيَّة ارادة مُقَارنَة وَكَذَلِكَ كَانَ يلْزم أَن يعزم لَهُ لِأَن الْعَزْم ارادة مُتَقَدّمَة فان قيل فَنحْن نحس ارادة فعل الْغَيْر بِالضَّرُورَةِ قُلْنَا تِلْكَ محبَّة لَا إِرَادَة لَكِن الْمحبَّة قد تسمى ارادة كَمَا قَالَ الشَّاعِر

стр. 247

(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطي مناه ... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَا) وَالْبَيْت عَرَبِيّ فصيح من شعر الحماسة وعَلى الْجُمْلَة أَن هَذَا نقل لمَذْهَب الأشعرية من بَصِير بِهِ بل من إِمَام فِيهِ فقد صَحَّ أَن هَذَا مَذْهَبهم سَوَاء كَانَ صَحِيحا أَو بَاطِلا قَوِيا أَو ضَعِيفا وعبارتهم فِي جَمِيع تصرفاتهم فِي تَأْوِيل الْآيَات وَالْأَحَادِيث مُخَالفَة لهَذَا ومصرحة بارادة الْمعاصِي فحين علمنَا أَن هَذَا حَقِيقَة قَوْلهم وَإِن ذَلِك مجَاز لم نوجب حملهَا على الْحَقِيقَة بل لم نجوز ذَلِك كَمَا أَن الزَّمَخْشَرِيّ قَالَ إِن الله يَأْمر بِالْفِسْقِ مجَازًا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا﴾ وَمَعَ ذَلِك لَا يحل لمُسلم أَن يحملهُ على الْحَقِيقَة لما كَانَ قد نَص على أَن ذَلِك مجَاز فَكَذَلِك هَؤُلَاءِ وَلَكِن هَذَا مِنْهُم مُجَرّد لجاج وَشدَّة مراء وجدل قابلوا بِهِ مَا وَقع من خصومهم من مثل ذَلِك وَقد نهى الله تَعَالَى عَن التَّفْرِيق بِنَصّ الْقُرْآن وَإِجْمَاع الْمُسلمين فَوَاجِب على كل من عرف هَذَا من الْفَرِيقَيْنِ ترك هَذِه الْعَادة الْمَكْرُوهَة فِي ابتداع الْعبارَات المفرقة بَين الْجَمَاعَة والمخالفة للطاعة وَلذَلِك نهى الامام ابراهيم بن عبد الله بن الْحسن عَن تَسْمِيَة الْفرق بِهَذِهِ الاسماء المبتدعة وَأمر أَن يسموا بِالْمُسْلِمين فانهم إِذا اجْتَمعُوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الاسماء المبتدعة وَأمر أَن يسموا بِالْمُسْلِمين فانهم إِذا اجْتَمعُوا فِي ذَلِك كَانَ أدعى إِلَى محو آثَار الحمية وَترك التعادي والعصبية وَلذَلِك أثنى الله تَعَالَى على الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولاخواننا الَّذين سبقُونَا بالايمان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم وَقد كنت هَمَمْت أَن أقتصر على هَذَا الْبَحْث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثمَّ رَجَوْت أَن يكون فِي ذكر سَائِر المباحث مزِيد فَائِدَة وَإِلَّا فَهَذَا أنفعها وأجلها وَهُوَ يَكْفِي صَاحب الْجمل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد بَالغ فِي تَحْرِيم التَّفَرُّق وَترك التَّكْفِير بالاختلاف فِي مسَائِل الْكَلَام مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي محب أهل الْبَيْت وصنف فِيهِ كتاب الْجُمْلَة والالفة فأجاد رَحمَه الله تَعَالَى وَنقل فِيهِ القَوْل المفيدة عَن كبراء أهل الْبَيْت ﵈ بِاخْتِيَار ذَلِك وَنقل صَاحب الْجَامِع الْكَافِي مِنْهُ جملَة شافية فِي آخِره يَنْبَغِي مَعْرفَتهَا ذكرهَا فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن ومذاهب النَّاس فِيهِ

стр. 248

وَهنا تَحْقِيق بَالغ وَهُوَ أَن مُرَاد أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الارادة أَن يكون الله تَعَالَى غَالِبا غير مغلوب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله غَالب على أمره﴾ وَلم يصادم هَذِه الْقُدْرَة الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا خالفوا فِي الْعبارَة حَيْثُ قَالُوا إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ مُجَرّد تَعْرِيض الاشقياء للخير فقد حصل مُرَاده الَّذِي هُوَ التَّعْرِيض فَلم يكن مَغْلُوبًا على مُرَاده كَمَا مضى وَمَا يرد عَلَيْهِ قَالُوا وَأَرَادَ تَمْكِين الْعباد مَعَ علمه بِأَنَّهُ يكون وَسِيلَة إِلَى الْمعاصِي فقد أَرَادَ عِنْدهم سَببهَا لعلمه بذلك بل أجَاز جمهورهم أَن يَبْتَلِي الله تَعَالَى الْمُكَلّفين بعد تَمام التَّكْلِيف بِزِيَادَة فِي خلق الشَّهَوَات وَالشَّيَاطِين ومضلات الْفِتَن بِحَيْثُ تقع عِنْدهَا الْمعاصِي وَهُوَ يعلم أَنه لَو لم يفعل ذَلِك أطيع وَمَا عصى وَهَذَا هُوَ الاضلال الَّذِي تجيزه الأشعرية وتظن الْمُعْتَزلَة أَنَّهَا تَمنعهُ وَهُوَ الَّذِي قد يُسَمِّيه بعض الأشعرية ارادة لوُقُوع الْمعاصِي أَولهَا وَإِنَّمَا اخْتلفت عباراتهم فانهم الْجَمِيع قد اتَّفقُوا على نفي الْجَبْر وعَلى ثُبُوت الِاخْتِيَار وعَلى أَن الله تَعَالَى ملك عَزِيز غَالب غير مغلوب وعَلى أَن الاضلال إِن كَانَ من جنس الْعُقُوبَات لَا من جنس الِابْتِلَاء والامتحان لم يكن إِلَّا بعد الِاسْتِحْقَاق بِالذنُوبِ كعقاب الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فلولا اللجاج فِي المراء وَتمكن التعادي فِي الْقُلُوب لكانوا فرقة وَاحِدَة واجتمعوا على جِهَاد أعدائهم من الْكفَّار الْمَلَاحِدَة وسر هَذَا التَّحْقِيق أَنه لَا خلاف أَن سَبَب الْمعاصِي مُرَاد وَهُوَ خلق الْقُدْرَة والتمكين والتكليف لكنه لَيْسَ بجبر مَحْض بل الظَّاهِر فِي سَبَب الشَّرّ أَنه شَرّ فَمن نفى الْحِكْمَة قَالَ هُوَ مُرَاد لنَفسِهِ وَمن أثبتها قَالَ لابد من مُرَاد آخر وَهُوَ الْمُسَمّى المُرَاد الأول وغرض الْغَرَض فَمن قَالَ هُوَ الْجنَّة فِي حق الْكفَّار ورد عَلَيْهِ أَن علم الْغَيْب يمْنَع من طلب حُصُول مَا علم أَنه لَا يحصل وَمن قَالَ هُوَ التَّعْرِيض لذَلِك ورد عَلَيْهِ أَن التَّعْرِيض لَيْسَ بِخَير مَحْض مَعَ الْعلم أَنه سَبَب حُصُول نقيض الْمَقْصُود وَمن قَالَ الْمعاصِي فَهُوَ أَجْهَل لِأَن سَببهَا لم يكن شرا إِلَّا لأَجلهَا فَثَبت أَنه اقامة الْحجَّة فِي الظَّاهِر وَتَأْويل الْمُتَشَابه فِي الْبَاطِن وَالْحق أَنه لَا يُعلمهُ إِلَّا الله كَمَا تقدم بدلائله

стр. 249

الْبَحْث السَّادِس فِي ذكر الْفَائِدَة فِي التَّكْلِيف بِالْأَعْمَالِ مَعَ سبق الاقتدار وَقد يذكر هَذَا جَوَابا على من قدح فِي صِحَة أَحَادِيث الاقدار من المبتدعة فَيُقَال الْفَائِدَة فِي الْعَمَل مَعَ الْقدر مثل الْفَائِدَة فِي الْعَمَل مَعَ سبق الْعلم إِذْ كل مِنْهُمَا غير مزيل للقدرة وَلَا مُؤثر فِيهَا وَلَو كَانَ شَيْء من ذَلِك يُؤثر فِيهَا لما تعلق جَمِيع ذَلِك بِأَفْعَال الله تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَلق بهَا وَهِي اختيارية بِالنَّصِّ والاجماع أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَأَنه سُبْحَانَهُ قد علم وَقت وُقُوع ذَلِك بِعَيْنِه وَهُوَ مَوْصُوف بِالْقُدْرَةِ على تَقْدِيمه وتأخيره بل على تَركه لكنه لَا يتْركهُ وَقد قَالَ الرَّازِيّ أَن القَوْل بِأَن سبق الْعلم وَالْقدر يَنْفِي الِاخْتِيَار يسْتَلْزم ذَلِك فِي حق الله تَعَالَى وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى رفع أثر الْقُدْرَة وَإِلَى أَن تقع الْأَشْيَاء بِالْعلمِ دون الْقُدْرَة فينقلب الْعلم قدرَة وَذَلِكَ محَال وَقد يذكر هَذَا على سَبِيل التقوية للايمان الْجملِي بحكمة الله تَعَالَى وَقد ذكرت فِي ذَلِك وُجُوه كَثِيرَة بسطتها فِي العواصم ولنقتصر على شَيْء يسير من الْوَارِد فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَفِي الْفطْرَة أما الْقُرْآن فورد بَان التَّكْلِيف فِي حق الاشقياء اقامة الْحجَّة وَقطع الْعذر قَالَ الله تَعَالَى ﴿فالملقيات ذكرا عذرا أَو نذرا﴾ وَقَالَ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ وَهَذَا الْمَعْنى كثير وَفِيه سر لم أر أحدا تنبه لَهُ وَذَلِكَ أَن لله تَعَالَى حجَجًا مُنَاسبَة لعرف الْعُقَلَاء وَحِكْمَة مُنَاسبَة لعلمه الْحق الَّذِي تقصر عَنهُ عقول الْعُقَلَاء وَهَذِه الْآيَات الَّتِي ذَكرنَاهَا من الْقسم الاول وَمِنْه إِقَامَة الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وإشهاد الْمَلَائِكَة والجوارح وَكِتَابَة الاعمال مَعَ الْغنى عَن ذَلِك كُله بِعلم الله تَعَالَى فَأَما الْحِكْمَة الْمُنَاسبَة لعلمه الْحق فَهِيَ الْحِكْمَة الداعية إِلَى إِظْهَار هَذِه الْحجَج القاطعة للاعذار الباعثة على هَذَا الْعدْل وَهِي الَّتِي لم يعلمهَا سني وَلَا

стр. 250

مُبْتَدع وَلَا أثري وَلَا مُتَكَلم وَمن تعرض لَهَا لم يحظ بطائل وَقد يرد الْقُرْآن بِهَذِهِ الْحجَّة الظَّاهِرَة الْمُنَاسبَة لعرف الْعُقَلَاء وَحدهَا مثل آيَات الْوَعيد وَقد يرد بِمَا يَقْتَضِي التَّعْلِيل بِحِكْمَتِهِ الْحَقِيقِيَّة الْمُنَاسبَة لعلمه الْحق وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة هود ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ فانا نعلم أَن هَذِه لم تكن سدى خَالِيَة عَن الْحِكْمَة وَقد يرد الْقُرْآن بهما جَمِيعًا كَقَوْلِه تَعَالَى جَوَابا على من قَالَ ﴿فارجعنا نعمل صَالحا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نسيتم لِقَاء يومكم هَذَا إِنَّا نسيناكم وذوقوا عَذَاب الْخلد بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَجمع بَينهمَا حَيْثُ أجَاب على الْكفَّار قَوْلهم ﴿أخرجنَا نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ استدراكا مِنْهُم لما فَاتَ فَأخْبرهُم أَنه كَانَ قَادِرًا على تَحْصِيل ذَلِك مِنْهُم فِيمَا مضى وَلَو أرادوه لم يفته حَتَّى يحْتَاج إِلَى الملافاة والاستدراك وَحين علمنَا حكمته فِي ذَلِك حسن أَن نشِير اليها فِي الْجُمْلَة من غير بَيَان معِين كَمَا قَالَ للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ جَوَابا على قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا﴾ وَأما مَا ورد فِي ذَلِك من السّنة فأنواع مِنْهَا حَدِيث لَا أحد أحب اليه الْعذر من الله تَعَالَى من أجل ذَلِك أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَمِنْهَا عَمَلهم بِمُقْتَضى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ وَقَوله ﴿وخذوا حذركُمْ﴾

стр. 251

وَمِنْهَا حَدِيث أبي خزامة قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت رقي نسترقي بهَا ودواء نتداوى بِهِ وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا قَالَ هُوَ من قدر الله تَعَالَى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من طرق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ قَالَ الْمزي فِي أَطْرَافه وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالك وَيُونُس بن يزِيد وَعَمْرو ابْن الْحَارِث والاوزاعي عَن الزُّهْرِيّ وَمِنْهَا أَن هَذَا السُّؤَال مِمَّا سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَتَوَلَّى جَوَابه كَمَا ثَبت فِي أَحَادِيث الاقدار فَقَالَ فِي الْجَواب اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ الْآيَتَيْنِ وَالْمعْنَى فِي الْجَواب النَّبَوِيّ أَن الله تَعَالَى قدر الْجَزَاء وأسبابه وَقدر أَن تكونه أَسبَابه اختيارية من أَفعَال العَبْد وَمَا قدره الله لابد أَن يَقع كَمَا قدره فارتفع توهم الاشكال فانا لَو لم نعمل مَعَ سبق الْعلم بعملنا وَسبق الْمَقَادِير لَكَانَ محارة للعقول بل محالا فِيهَا فَوَجَبَ أَن لَا يكون الْعَمَل محارة وَلَا محالا وَلَا مَوضِع شُبْهَة فَلَا اشكال وَأما مَا دلّت عَلَيْهِ الْفطْرَة من ذَلِك فَهُوَ أَن الله تَعَالَى قدر الْجَزَاء فِي الْآخِرَة مُرَتبا على أَسبَاب وَقدر وُقُوع تِلْكَ الْأَسْبَاب على اختيارنا فِي الْأَعْمَال وَتارَة على اخْتِيَاره تَعَالَى فِي أَسبَاب الاعمال وَفِي الآلام وَنَحْوهَا وَذَلِكَ كَمَا قدر السَّبع بِالْأَكْلِ والري بالشرب وهما عملان اختياريان وَكَذَلِكَ قدر الْوَلَد بالوطئ وَحُصُول الزَّرْع بالبذر وَخُرُوج روح الْحَيَوَان بِالذبْحِ ذكر ذَلِك الْغَزالِيّ مُخْتَصرا وَابْن قيم الجوزية وَطوله وجوده هَذَا الْمَعْنى اسماعيل المقرى من عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة فِي قصيدة لَهُ وعظية بليغة فَقَالَ وأجاد (تَقول مَعَ الْعِصْيَان رَبِّي غَافِر ... صدقت وَلَكِن غَافِر بِالْمَشِيئَةِ) (وَرَبك رزاق كَمَا هُوَ غَافِر ... فَلم لم تصدق فيهمَا بِالسَّوِيَّةِ) (فانك ترجو الْعَفو من غير تَوْبَة ... وَلست براجي الرزق إِلَّا بحيلة) (على أَنه بالرزق كفل نَفسه ... لكل وَلم يكفل لكل بجنة) فَثَبت أَنه يلْزم فِي قَضِيَّة الْعقل من احْتج بسبق الْقدر وَسبق الْعلم على

стр. 252

ذنُوبه وتفريطه فِي عمل الْخَيْر إِن يتْرك الاكل وَالشرب وَالْبذْر والوطئ والتوقي من الْحر وَالْبرد وَسَائِر المضار وَإِلَّا فقد فضل الدُّنْيَا على الْآخِرَة حَيْثُ توكل فِي الْآخِرَة وَمَا سعى لَهَا سعيها وَترك التَّوَكُّل فِي الدُّنْيَا وسعى لَهَا أَكثر من سعيها ثمَّ احْتج على ضلاله بِالْبَاطِلِ وهيهات ثمَّ أَنه لابد مَعَ التَّوَكُّل من السَّعْي كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ وَذكر الزَّرْكَشِيّ فِي شرح جمع الْجَوَامِع عَن الْجُنَيْد ﵀ أَنه قَالَ كلمت يَوْمًا رجلا من الْقَدَرِيَّة فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل رَأَيْت فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول مَا يُنكر هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَن يكون الله قبل خلقه لِلْخلقِ علم أَنه لَو خلق الْخلق ثمَّ مكنهم أُمُورهم ثمَّ رد الِاخْتِيَار اليهم للَزِمَ كل امْرِئ مِنْهُم بعد أَن خلقهمْ مَا علم أَنهم لَهُ مختارون قلت بل قد أوجب ذَلِك الرَّازِيّ بِنَظَر عَقْلِي مَعْنَاهُ أَن الْعلم تَابع للمعلوم فِي الرُّتْبَة لَا فِي الْوُجُود مثل تبع حَرَكَة الْخَاتم للاصبع فَلَا يتَصَوَّر حُصُول الْعلم مُتَعَلقا بالمعلوم إِلَّا وللمعلوم ثُبُوت فِي الذِّهْن لَا فِي الْخَارِج والنكتة فِي هَذَا أَن الله تَعَالَى غير مُخْتَار فِي علمه إِجْمَاعًا فان كَونه قَادِرًا عَالما من صِفَات الْكَمَال اللَّازِمَة الْوَاجِبَة وَإِنَّمَا يخْتَار سُبْحَانَهُ فِي كَونه فَاعِلا فان شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك وَلَيْسَ يُقَال إِن شَاءَ علم وَإِن شَاءَ جهل فَكَذَلِك لَا يُقَال إِن شَاءَ علم الْمَوْجُود مَعْدُوما والمعدوم مَوْجُودا وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا يُقَال لَو شَاءَ لجعل ذَلِك كَذَلِك لكنه لَا يَشَاء خلاف مَا علم كَمَا سبق تَقْرِيره لكنه يُقَال إِن كَانَ الْمَعْلُوم أسبق فِي الرُّتْبَة فانه رَاجع إِلَى أَفعَال الله تَعَالَى وَهِي اختيارية وَكَانَ الِاخْتِيَار تَابعا للحكمة فَهِيَ أسبق فِي الرُّتْبَة وَهَذَا نَفِيس جدا فَتَأَمّله وَسبق فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة طرف صَالح من الْكَلَام فِي الْحِكْمَة فِي خلق الاشقياء فيراجع من هُنَالك وَمن ذَلِك أَن يُقَال انما يلْزم فِي قَضِيَّة الْعقل قطع أعذار الْخلق فِي الربوبية وتقديسها عَن كل عيب وَنقص وظلم وعبث وَلعب فَمن أنكر شَيْئا من ذَلِك قَامَت عَلَيْهِ الْبَرَاهِين كَمَا تقدم وَمن اعْترف بِهَذَيْنِ الامرين فقد اعْترف بَان الله حَكِيم نَافِذ الْمَشِيئَة غَنِي كريم فَلَا يَصح مِنْهُ بعد هَذَا ان يُنَازع ربه تَعَالَى فِي حِكْمَة خُفْيَة لوَجْهَيْنِ

стр. 253

أَحدهمَا أَن علمه الْجملِي بحكمة ربه كَاف شاف وَثَانِيها ان علمه بِكَمَال ربه فِي جَمِيع أَسْمَائِهِ الْحسنى مَعَ نقص العَبْد فِي كل معنى وَكَثْرَة جهالاته وظلمه وخبث كثير من طباعه وغلبتها عَلَيْهِ يَكْفِيهِ وازعا عَن اتِّبَاع سنة الشَّيْطَان لَعنه الله تَعَالَى حَيْثُ نَازع ربه تَعَالَى فِي حسن سُجُوده لآدَم وَهَذِه هِيَ سنة السُّفَهَاء من النَّاس الَّذين قَالُوا ﴿مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ وَلَو كَانَت تجب ازاحة كل عذر بَاطِل لازاح الله تَعَالَى اعذارهم حَيْثُ قَالُوا ﴿فارجعنا نعمل صَالحا﴾ واقتراحهم على الرَّسُول أَن يكون ملكا وان يفجر لَهُم الْأَنْهَار تفجيرا وَنَحْو ذَلِك على ان الله تَعَالَى لم يخل كِتَابه الْكَرِيم من الاشارة الى مَا تحمله عقول الْبشر ويليق بعلومهم من ذَلِك فَنَقُول بِقدر مَا وهب الله لنا من ذَلِك ان الله تَعَالَى خلق الاشياء لحكم كَثِيرَة شاهدة لَهُ بالنزاهة من الظُّلم واللعب والعبث بل شاهدة لَهُ بالحكمة الْبَالِغَة وَالنعْمَة السابغة وَالْحجّة الدامغة فَمن قَالَ ان الله تَعَالَى مَا خلق الاشقياء الا لعمل القبائح فِي الدُّنْيَا وللعذاب فِي الْآخِرَة أَو كَانَت عِبَارَته توهم ذَلِك فَمَا أصَاب الْحق وَلَا أحسن التَّرْجَمَة عَن الْكتاب وَالسّنة وَمن أَرَادَ اصابة الْحق فِي ذَلِك تتبع متفرقات الْحِكْمَة المنصوصة بألفاظها وأداها بهَا والمعقولة بمعانيها وَجَمعهَا بل جمع مَا يسر الله لَهُ مِنْهَا لَا يُمكن الْبشر الاحاطة بجميعها وَالَّذِي حضرني مِنْهَا سَبْعَة أُمُور تفصيلية لفظية ومعنوية وَأمر جملي يعمها أما الْأَمر الْجملِي فَمَا تقرر بالبراهين الجمة سمعا وعقلا من حِكْمَة الله تَعَالَى كَمَا قَالَ للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى ﴿أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا أَن كُنْتُم قوما مسرفين﴾ وَأما التفصيلية فانها وان رجعت فِي الْمَعْنى الى أقل من ذَلِك الْعد فقد أدّيت مَا أمكنني تأديته بِلَفْظِهِ عَسى أَن أنال الدعْوَة النَّبَوِيَّة لمن أدّى مَا سمع كَمَا سمع من الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي ذَلِك

стр. 254

الأول خلق الله تَعَالَى الاشقياء لعبادته بِالنّظرِ إِلَى أوامره اجماعا ونصا وبالنظر الى محبته للخير من حَيْثُ هُوَ خير على الصَّحِيح كَمَا مر فِي اثبات الْحِكْمَة وَقد أوضحت هَذَا فِي العواصم فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور أهل السّنة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ فانهم أقروهما وَفرقُوا بَين الرضى والمحبة وَمعنى الارادة والمشيئة وَلذَلِك قَالَ السُّبْكِيّ فِي جمع الْجَوَامِع فِي آخِره فِي الِاعْتِقَاد مَا لَفظه والمحبة غير الْمَشِيئَة والارادة فَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ وَلم يحك خلافًا لشذوذه عِنْده وَمن لم يبْحَث حوافل أهل السّنة يظنّ ان هَذَا يُخَالف قواعدهم الثَّانِي الِابْتِلَاء بِالنّظرِ الى عدله وحجته كَمَا يظْهر من قَوْله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ كَمَا مر فِي الْحِكْمَة فِي الْعَمَل مَعَ الْقدر الثَّالِث لما يُوجب عَلَيْهِم شكره من احسانه اليهم بعظيم نعمه وسوابع مواهبه بِالنّظرِ الى تكليفهم شكر نعْمَته وَقد ذكر غير وَاحِد من الائمة الأذكياء ان فرار الْحَيَوَانَات من الْمَوْت وحرصها على الْحَيَاة من أعظم الْأَدِلَّة على عظم النِّعْمَة بهَا وعَلى وجوب الشُّكْر عَلَيْهَا ثمَّ نعْمَة الْعَافِيَة والتمكين من الْخَيْر والمعارف باكمال الْعُقُول والاسماع والابصار وَالْأَيْدِي والبنية السوية الصَّحِيحَة والانفاس والارزاق الْجَارِيَة الرَّابِع لما شَاءَ بِالنّظرِ الى عزة ملكه وعظيم سُلْطَانه وقاهر قدرته الْخَامِس لما لم يحط بِجَمِيعِهِ الا هُوَ بِالنّظرِ الى وَاسع علمه وَرَحمته السَّادِس للعذاب الْمُسْتَحق بِكفْر نعْمَته وَجحد حجَّته بِالنّظرِ الى علمه واختياره وَقدرته وقضائه وكتابته

стр. 255

السَّابِع الْحِكْمَة المرجحة فيهم بعقابه على عَفوه وعدله على فَضله الراجعة بعدله الى فَضله الَّتِي هِيَ تَأْوِيل المشابه وَهُوَ الْخَيْر الْمَقْصُود بِمَا ظهر للعقلاء من ارادة وُقُوع مَا قبلهَا من الْمُتَشَابه وَهُوَ الشرور الَّتِي لَا يعلم فِيهَا خير ان سلم وُقُوع ذَلِك وَهَذَا النَّوْع السَّابِع هُوَ بِالنّظرِ الى خَفِي حكمته مُنْتَهى مُتَعَلق ارادته ومشيئته الَّذِي هُوَ المُرَاد الاول وَهُوَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يُعلمهُ الا هُوَ على الْمُخْتَار كَمَا سبق بَيَانه وَدَلِيله فِي مُقَدمَات هَذَا الْمُخْتَصر وزادت الْمُعْتَزلَة على هَذِه الامور السَّبْعَة ثَلَاثَة انْفَرَدت بهَا دون أهل السّنة أَحدهَا تَعْرِيض الاشقياء لدرك ثَوَابه الْعَظِيم وَسُكُون جنَّات النَّعيم فان التَّعْرِيض لذَلِك نعْمَة وان لم يقبلوها كَمَا ورد فِي حَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة كل أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة الا من أبي قَالُوا وَمن يَأْبَى ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ من عَصَانِي فقد أَبى وَثَانِيها ارادة وُقُوع الطَّاعَة مِنْهُم لظَاهِر قَوْله تَعَالَى (وَمَا خلقت الْجِنّ والانس الا ليعبدون) ومنعت هذَيْن الاشعرية وَغَيرهم كَمَا تقدم وَثَالِثهَا مصلحَة الْخَوْف لَان الْعُقَلَاء اذا علمُوا ان الله مَا يخلق الا سعيدا غير معذب تجرؤا على الْفساد والفسوق ذكرته البغدادية مِنْهُم وَمَا هُوَ بالضعيف وَلَا بالمخالف للقواعد فقد نَص الله تَعَالَى على أَن بسط الرزق مفْسدَة للعباد فَكيف يرفع الْخَوْف والامان من التَّبعَات فِي الدَّاريْنِ كَذَلِك نَص على أَنه تَخْصِيص الْكَافرين بالتوسيع الْكثير فِي الْغنى مفْسدَة وانه انما تَركه لذَلِك كَمَا فِي سُورَة الزخرف وَلذَلِك قَالَ ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فابهم المغفور لَهُ ليبقى الْخَوْف وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حق الْكفَّار أَيْضا فِي التَّوْفِيق للتَّوْبَة فِي الدُّنْيَا ﴿لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة بِأَنَّهُم كَانُوا مجرمين﴾ فَلم يقنطهم الْجَمِيع وَلم يؤمنهم لانهما جَمِيعًا مفسدتان وتركهم فِي مَحل الْخَوْف والرجاء لانهما جنَاحا الدَّوَاعِي الناهضة للعباد الى طَاعَة رَبهم وفيهَا الْحجَّة الدامغة لمن عصى

стр. 256

مِنْهُم وَورد فِي السّنة النَّبَوِيَّة مَعَ ذَلِك كُله غَيره مِمَّا لَا غنى عَن ذكره فان الشَّيْء قد يحسن مَعَ غَيره وَلَا يحسن وَحده كَمَا ذكره كثير من أهل الْعلم فِي جَمِيع الآلام والمصائب لعَظيم الْجَزَاء مَعَ عَظِيم الِاعْتِبَار فَمن أحسن مَا ورد فِي ذَلِك فِي السّنة حَدِيث فدَاء كل مُسلم من النَّار بِيَهُودِيٍّ أَو نَصْرَانِيّ خرجه مُسلم واسناده على شَرط الْجَمَاعَة كلهم وَله طرق جَيِّدَة كَمَا أوضحته فِي العواصم والاجادة وَغَيرهمَا وأوضحت مَا فِيهِ من الْحِكْمَة وَالْعدْل واجماع الْعُقَلَاء على نَظَائِره فَمن الْعدْل فِي ذَلِك أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَادوا الْمُسلمين فِي الدُّنْيَا وظلموهم وكذبوهم وفعلوا مَا أمكنهم من مضارهم وَمن لم يسْتَطع ذَلِك مِنْهُم ورد انه تمكن مِنْهُ وَأَنه فعله ووالى من فعله من أَصْحَابه وَقد ثَبت وجوب الْقصاص بَين الْمُسلمين بَعضهم من بعض بل بَين الشَّاة الْجَمَّاء وَالشَّاة القرناء فَكيف لَا ينتصف للْمُسلمين من أكفر الْكَافرين المكذبين الْبغضَاء الْمُعْتَدِينَ وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ وَقد صَحَّ فِي الْأَحَادِيث الثَّابِتَة ان الْقصاص بِالْحَسَنَاتِ والسيئات ان كَانَ للظالم حَسَنَات أَخذ مِنْهَا للمظلوم وان لم يكن حمل الظَّالِم من ذنُوب الْمَظْلُوم بِقدر مظلمته وَهَذَا عدل مَعْقُول وَلَيْسَ فِيهِ مناقضة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ لَان الْمَعْنى انها تظلم لَا بتحميلها وزر الاخرى لَا انه لَا ينتصف مِنْهَا بِالْحَقِّ وان شقّ فَمَا كَانَ على وَجه الانتصاف من الظَّالِم للمظلوم لم يكن من تحميل الذُّنُوب من لم يَفْعَلهَا ظلما وعدوانا بل هُوَ من الْعدْل الْوَارِد فِي السّمع الْمَعْلُوم لقَوْله تَعَالَى ﴿وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ وَقَول ابْن آدم الصَّالح لِأَخِيهِ الْكَافِر ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك﴾ وَهَذِه أَدِلَّة خَاصَّة مفسرة لما أجمل من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَكَذَلِكَ وَردت الْأَحَادِيث الصِّحَاح بِأَن من سنّ سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ اثمها واثم من عمل بهَا من غير أَن

стр. 257

ينقص من آثامهم وان على ابْن آدم اثم من قتل الى يَوْم الْقِيَامَة لانه أول من سنّ الْقَتْل بل قد أَشَارَ الْقُرْآن الْعَظِيم الى هَذَا الحَدِيث الْعَظِيم الى هَذَا حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل أَنه من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ وَكَذَلِكَ لَا يُنَاقض هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ لانه عُمُوم مَخْصُوص بالاجر على الآلام والاقتصاص من الظَّالِم وَيجوز أَن يفضل الرب على من يَشَاء كَمَا قَالَ ﴿ويزيدهم من فَضله﴾ لَان فَضله لَيْسَ هُوَ مِمَّا هُوَ حق لَهُم حَتَّى يدْخل فِي قَوْله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ فَهَذَا مَا فِي فدَاء الْمُسلمين بالكافرين من الْعدْل وَأما مَا فِيهِ من الْحِكْمَة فَفِيهِ صدق وَعِيد العصاة من الْمُسلمين بذلك وَعدم الْخلف كَمَا أَشَارَ اليه قَوْله تَعَالَى ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ فانه لَا معنى للْفِدَاء الا انه قد كَانَ لزم ذبحه بالامر لَان البداء لَا يجوز على الله سُبْحَانَهُ وَذبح الْفِدَاء يقوم مقَام ذبح الذَّبِيح ﵇ وَمِنْه فدَاء وَالِد رَسُول الله ﷺ بِمِائَة من الابل كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل﴾ أَي فديَة لَكِنَّهَا فِي الْكَافرين كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَة الْحَدِيد فِي خطاب الْمُنَافِقين ﴿فاليوم لَا يُؤْخَذ مِنْكُم فديَة وَلَا من الَّذين كفرُوا﴾ وَفِي تخصيصهم بِالذكر اشارة الى الْقبُول من الْمُسلمين بمقتضي مَفْهُوم الصّفة والمسلمون أَيْضا باقون على الإصل فِي حسن ذَلِك كَمَا قرر فِي مَوْضِعه وَيَأْتِي مِنْهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَا فِيهِ كِفَايَة وَقد استوفيت مُطَابقَة ذَلِك لعمل الْحُكَمَاء والعقلاء من جَمِيع الْمُسلمين بل من جَمِيع النَّاس أَجْمَعِينَ فِي كتاب العواصم وَمِمَّا جَاءَ فِي السّنة من حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلق الْكَافرين فِي الدُّنْيَا ونفع الْمُسلمين بهم مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سَلمَة بن نفَيْل الْكِنْدِيّ قَالَ كنت

стр. 258

جَالِسا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقيل أَزَال النَّاس الْخَيل وَوَضَعُوا السِّلَاح وَقَالُوا لَا جِهَاد قد وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا فاقبل رَسُول الله بِوَجْهِهِ ﷺ وَقَالَ كذبُوا الْآن جَاءَ الْقِتَال وَلَا تزَال من أمتِي أمة يُقَاتلُون على الْحق ويزيغ الله قُلُوب أَقوام ويرزقهم مِنْهُم حَتَّى تقوم السَّاعَة وَحَتَّى يَأْتِي وعد الله الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر الى يَوْم الْقِيَامَة الحَدِيث قَالَ الْمزي فِي أَطْرَافه رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْخَيل باسنادين الى أبي عَلْقَمَة والوليد بن عبد الرَّحْمَن الجرشِي كِلَاهُمَا عَن جُبَير بن نفَيْل عَن سَلمَة قلت واسناد النَّسَائِيّ جيد قوي رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند بطرِيق أُخْرَى الى الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن فصح الحَدِيث وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَيشْهد لذَلِك من كتاب الله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا من الْمُجْرمين وَكفى بِرَبِّك هاديا ونصيرا﴾ وَمَا اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ فِي ذَلِك من الحكم والعنايات الحميدة أَكثر وَأعظم وَالله سُبْحَانَهُ أعز وَأعلم وَأجل وَأحكم آمنا بِهِ وبجميع أَسْمَائِهِ ومحامده وَله الْمِنَّة علينا فِي ذَلِك وَله الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء الْبَحْث السَّابِع قد ظهر من جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين استقباح الظَّوَاهِر السمعية مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ فأوجبوا تَأْوِيلهَا وأمثالها وشنعوا على من آمن بهَا من غير تَأْوِيل الا التَّأْوِيل الَّذِي اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ على مَا تقدم وَالْعجب من المقبحين لذَلِك من الْمُخَالفين أَنهم قبحوا خلق أهل النَّار لَهَا وارادة ذَلِك لَهُم فِي الِابْتِدَاء مَعَ تحسينهم لفعل ذَلِك بهم فِي الِانْتِهَاء بل أوجبوا ذَلِك على الله تَعَالَى فِي الِانْتِهَاء وأوجبوا عَلَيْهِ تخليدهم فِي النَّار وقبحوا مِنْهُ الْعَفو عَن أحد مِنْهُم فَكيف قبحوا ارادة ذَلِك الْوَاجِب عِنْدهم فِي الِابْتِدَاء مَعَ ان الارادة لَا تزيد على المُرَاد فِي الْحسن والقبح عقلا وَشرعا فان كَانَ عَذَاب الْآخِرَة من الْحق الرَّاجِح الْمُشْتَمل على الْعدْل والمصالح كَمَا هُوَ الْحق عقلا وسمعا كَمَا يَأْتِي فَلَا يَنْبَغِي تقبيح ارادته وَلَا تقبيح خلق أَهله لَهُ فِي الِابْتِدَاء لَان مَا حسن فعله حسنت ارادته فَكيف بِمَا وَجب

стр. 259

فعله والارادة أَهْون من التعذيب نَفسه وَأَقل مضرَّة مِنْهُ فَكيف يعقل أَن يكون التعذيب وَاجِبا على الله تَعَالَى وارادته مِنْهُ قبيحة فان قَالُوا انما قبحناها اذا وَقعت مُتَقَدّمَة لمعاصيهم لانهم حِينَئِذٍ غير مستحقين لذَلِك قُلْنَا انها لم تعلق بهم حِينَئِذٍ وانما تعلّقت بهم حِين الِاسْتِحْقَاق لانه لم يرد أَن يُوقع بهم الْعَذَاب قبل ذَلِك بل بعده والعزم على مثل ذَلِك من مثلنَا حسن عقلا فَكَذَلِك الارادة الْمُتَقَدّمَة فِي حَقه تَعَالَى وَقد ورد السّمع بتقدمها وَالدَّلِيل على من ادّعى قبح ذَلِك وَالْقَوْل بَان عَذَاب الْآخِرَة حق رَاجِح مُشْتَمل على الْعدْل والمصالح الَّتِي هِيَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه هُوَ قَول البغدادية وَطَائِفَة كَثِيرَة من السّلف وَالْخلف وَمن تَبِعَهُمْ من أهل السّنة كَمَا نَصره ابْن تيمة وَأَصْحَابه وَأَجَازَ ذَلِك الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الاسنى وَاحْتج عَلَيْهِ كَمَا تقدم وَيدل على ذَلِك اقسام الله تَعَالَى فِي غير آيَة على وُقُوعه وتسميته حَقًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم﴾ وانما يخْتَلف هَؤُلَاءِ فِي قدر الْعَذَاب الْمُشْتَمل على الْمصَالح الراجحة فَمنهمْ من جوز ذَلِك فِيهِ مُطلقًا وَلَو مَعَ الخلود والدوام الَّذِي لَا نِهَايَة لَهُ وَمِنْهُم من جوزه فِيهِ مُطلقًا الا فِي الخلود وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل دلَالَة السّمع على الخلود قَاطِعَة أم لَا لوُرُود الِاسْتِثْنَاء فِيهِ فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الا تَحِلَّة الْقسم ولغير ذَلِك كَمَا تقدّمت اليه الاشارة فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة وَهُوَ مَبْسُوط فِي موَاضعه فقد صنفت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مصنفات مُسْتَقلَّة وَالْعجب مِنْهُم كَيفَ يمْنَعُونَ تقدم إِرَادَته مَعَ مثل هَذِه الْأَقْسَام الْمُؤَكّدَة السَّابِقَة من الله تَعَالَى على فعله وتسميته حَقًا وَلم يبْق بَينهم خلاف وَبَين أهل السّنة الا فِي تَجْوِيز تقدم ارادته لذَلِك والنصوص شاهدة لاهل السّنة بتقدمها وَكَذَلِكَ الْعُقُول أما النُّصُوص فَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميرا﴾

стр. 260

) وَهِي وَاضِحَة فِي تقدم الارادة قبل وَقت قطع الاعذار وَالْعَذَاب لَا يَقع قبل ذَلِك فِي حكم الله تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَفِي آيَة اخرى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ الاية وَفِي هَذِه الْآيَات الثَّلَاث دلَالَة وَاضِحَة على أَن عَذَاب الاخرة من قبيل الْحق الرَّاجِح المتضمن للْمصَالح وَهَذِه الْعبارَات الْمُؤَكّدَة فِي وُقُوعه كَلَام من قد أَرَادَ ذَلِك فَكيف يقسم عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُريدهُ وَأما دَلِيل الْعُقُول على ذَلِك فلَان الارادة انما تتأخر فِي حَقنا لتأخر الْعلم بالمرجحات وَعدم الْعلم بِانْتِفَاء الْمَوَانِع والمعارضات وَلذَلِك قَالَ أَبُو الْحُسَيْن انها هِيَ الدَّاعِي الرَّاجِح الرَّاجِع الى الْعلم لملازمة الْفِعْل لذَلِك ولملازمة الارادة لَهُ وَذَلِكَ مِنْهُ يُفْضِي الى نَحْو قَول الاشعرية فِي قدم الارادة وَأما الاثري السّني فَلَا حَاجَة لَهُ الى الْخَوْض فِي ذَلِك كَمَا تقدم الْبَحْث الثَّامِن ان ارادة الله تَعَالَى نَافِذَة وانه لَا راد لما أَرَادَ وَقد تقدم كثير مِنْهَا وَلَكِن فِي هَذَا الْبَحْث فَوَائِد مهمة لم تقدم وَلَا بَأْس بِبَعْض التّكْرَار للتَّأْكِيد والفائدة وَلذَلِك ورد بِهِ كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ أَكثر الْكتب حِكْمَة وأحكاما وَهَذَا الْبَحْث مَبْنِيّ على ان الله تَعَالَى على كل شَيْء قدير وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَلَكِن أَكثر الْمُعْتَزلَة زَعَمُوا ان الله تَعَالَى مُرِيد لفعل جَمِيع مَا يقدر عَلَيْهِ من هِدَايَة الْمُكَلّفين واللطف بهم بل اعتقدوا ان ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ ولاجل اعْتِقَادهم وُجُوبه عَلَيْهِ قطعُوا حِين لم يَفْعَله انه غير قَادر عَلَيْهِ تَنْزِيها لَهُ من الاخلال بِالْوَاجِبِ

стр. 261

وَقد صرح الامام يحيى بن حَمْزَة بابطال قَوْلهم فِي كِتَابه التَّمْهِيد فِي أَوَائِل الْبَاب السَّابِع من النبوات على ذَلِك وَهُوَ قَول جمَاعَة من قدماء مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي وَالسَّيِّد أَبُو عبد الله الْحُسَيْنِي فِي كِتَابه الْجَامِع الْكَافِي وَهُوَ قَول غير وَاحِد مِمَّن عاصرت من أئمتهم ﵇ وَهَذِه الْمَسْأَلَة هفوة الْمُعْتَزلَة الْكُبْرَى فِي مُقَابلَة هفوة الجبرية فِي نفسى الِاخْتِيَار وَبهَا تمكن خصومهم مِنْهُم وَمن سلم مِنْهُم من هَذِه الْمَسْأَلَة قَارب أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال بل كَانَ مِنْهُم فان أَمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ مَا وَافق أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال الا فِيهَا فعدوه من أئمتهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك وَلَا شكّ فِي صِحَة قدرته على هِدَايَة الْخلق أَجْمَعِينَ باللطف وَالِاخْتِيَار عقلا وسمعا وَلَا شكّ انه أحوط وَأولى من قَول الْمُعْتَزلَة فانه يُمكن فِي الْعقل أَن يكون الله تَعَالَى انما ترك ذَلِك لحكمة اسْتَأْثر بعلمها مثل حكمته فِي خلق أهل النَّار والعقول تقصر عَن الاحاطة بِجَمِيعِ حِكْمَة الله تَعَالَى ومعلوماته فَيحسن فِي بعض مَا لَا تعرف الْعُقُول حسنه أَن يكون حسنا عِنْد الله لحكمة اخْتصَّ بعلمها فَيجب قصر استقباح الْعُقُول على من لم يعلم من الحكم فِي الغيوب المحجوبة الا مَا يُعلمهُ وَلَيْسَ يحسن أَن يُقَال ان الله لَا يقدر على شَيْء لوجه حسن اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلَا نَحْو ذَلِك من الاعذار لَان عدم الْقُدْرَة نقص فِي الربوبية وان مثل الْجَهْل بِبَعْض الامور وَأما التحسين والتقبيح فبابه وَاسع وتفاوت المعارف فِيهِ غير وَاقِف على حد وَلَا نِهَايَة لانه مَوْقُوف على الْوُجُوه والاعتبارات وَمَعْرِفَة العواقب الحميدة والغاية الغيبية الْبَعِيدَة والمرجحات الْخفية عِنْد تعَارض الْمصَالح والمفاسد وَهَذَا بَاب وَاسع يدْخلهُ التَّأْوِيل الْقَرِيب والبعيد بل قد اخْتلفُوا فِي هَذَا أَحْوَال المخلوقين كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن مُوسَى وَالْخضر ﵉ وَلَا يزَال الْعَالم يُنكر على الاعلم كَيفَ الْجَاهِل على الْعَالم كَيفَ الْمَخْلُوق الظلوم الجهول على علام الغيوب كَمَا تقدم فِي الْحِكْمَة فِي خلق الأشقياء فَكَمَا أَن الْحِكْمَة فِي خلق الأشقياء لما خفيت لم يحسن من أحد أَن يَقُول انه تَعَالَى غير مُخْتَار فِي وجودهم ورد أهل الاسلام ذَلِك على الفلاسفة فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا

стр. 262

ثمَّ ان الْمُعْتَزلَة رجعُوا إِلَى قَول أهل السّنة فِي هَذَا بعد التعسف الشَّديد فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالسّنة وَاجْتمعت الْكَلِمَة فِي الْحَقِيقَة على ان الله تَعَالَى على كل شَيْء قدير وعَلى مَا يَشَاء لطيف وَمَا بَقِي الا اللجاج فِي المراء بَين أهل الْكَلَام كَمَا أوضحت ذَلِك فِي الْبَحْث الْخَامِس من هَذِه الْمَسْأَلَة أَعنِي مَسْأَلَة الارادة ونزيد هُنَا وَجها لم نذكرهُ هُنَاكَ وَهُوَ ان الله تَعَالَى قد نَص على دين الاسلام انه الْفطْرَة قَالَ تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾ وَاتفقَ أهل الحَدِيث على صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وانما أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه وَقد ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة عَن أَكثر أهل السّنة أَن الْآيَة على عمومها فِي السُّعَدَاء والاشقياء وَاحْتج لَهُم بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَغَيره وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقَوله ﷺ وانما يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه انما هُوَ فِي الاشقياء فَلَزِمَ الْمُعْتَزلَة أَن يَقُولُوا بِهِ ويتركوا قَوْلهم ان الله بني الاشقياء على بنية علم مَعهَا انه لم يبْق لَهُم لطف فِي مقدوره وَلزِمَ أهل السّنة أَن يَقُولُوا بِهِ وَلَا يعتقدوا ان أَحَادِيث الْقَضَاء وَالْقدر مبطلة للاختيار وَلَا لحجة الله تَعَالَى وَفِي الْحَقِيقَة ان الْجَمِيع قد فعلوا بِمُقْتَضَاهُ لَكِن أهل السّنة بالنصوص الصَّرِيحَة الْكَثِيرَة والمعتزلة فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا تقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس على ان هَذِه الْآيَة وَهَذَا الحَدِيث عِنْد الْمُعْتَزلَة مِمَّا يصولون بِهِ على أهل السّنة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هما على الْمُعْتَزلَة لَا لَهُم وانما ظنُّوا ذَلِك لانهما حجتان على الجبرية وهم يَعْتَقِدُونَ الا العارفين مِنْهُم ان أهل السّنة كلهم جبرية فَهَذَا سَبَب وهمهم وَأما كَونهمَا على الْمُعْتَزلَة فلقولهم ان اللطف غير مَقْدُور لله تَعَالَى وتعليلهم ذَلِك بانه تَعَالَى بنى الاشقياء على بنية لَا تقبل اللطف ثمَّ ان أهل السّنة يلزمونهم تعجيز الرب تَعَالَى بذلك وهم يأبون ذَلِك وَيَقُولُونَ انه غير قَادر على اللطف وَلَا يُوصف بِالْعَجزِ وانما قَالُوا ذَلِك لاعتقادهم أَن اللطف بالاشقياء محَال كوجود ثَان لله تَعَالَى عَن ذَلِك

стр. 263

والقادر على كل شَيْء لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على المحالات لانها لَيست بِشَيْء والا لزم أَن يُوصف بِالْقُدْرَةِ على لَا شَيْء وَقَوْلهمْ هَذَا ضَعِيف لَان الاحالة لم تبين فِي اللطف بالعصاة وَلَو تبين ذَلِك لقبح تكليفهم على أصُول الْمُعْتَزلَة فان خلقهمْ على تِلْكَ البنية مفْسدَة فِي التَّكْلِيف وهم لَا يجيزون الْمُفْسد فِيهِ وَلَو جوزوها فِيهِ مَا أوجبوا اللطف فِيهِ والا لتناقض انما الْمحَال مَا لَا يُمكن تصَوره مثل كَون الشَّيْء قَدِيما حَادِثا كَمَا فِي تقديرهم ان الله لَو خلق مثله تَعَالَى عَن ذَلِك لم يكن مثله قطّ لَان الْمَخْلُوق حَادث مربوب بِالضَّرُورَةِ وَالله تَعَالَى رب قديم فَقِيَاس هَذَا باللطف بالعصاة واه لَا يرضى فِي الْفُرُوع الظنية وَقد اعتذرت الفلاسفة بِمثل عذرهمْ فِي هَذَا فِي قَول الفلاسفة انه لَيْسَ فِي مقدورالله تَعَالَى أحسن من هَذَا الْعَالم مَعَ انه على كل شَيْء قدير لانهم زَعَمُوا انه لَو كَانَ فِي مقدوره لَا وجده على الْفَوْر والا كَانَ بَخِيلًا تَعَالَى عَن ذَلِك وَأجِيب عَلَيْهِم بِمثل مَا أُجِيب على الْمُعْتَزلَة من ان حِكْمَة الله تَعَالَى أعظم من أَن يُحِيط بهَا خلقه وانه قد بَين مِنْهَا انه يبلو عباده ليميز الْخَبيث من الطّيب كَمَا صرحت بِهِ الْآيَات القرآنية وَاعْلَم ان قَول أهل السّنة فِي الْمَشِيئَة وَالْقَضَاء وَالْقدر وسبقها للاعمال لَا يَقْتَضِي الْجَبْر كَقَوْل الْجَمِيع فِي سبق الْعلم بل كثير من أهل السّنة فسروا الْقَضَاء وَالْقدر بِعلم الْغَيْب السَّابِق مِنْهُم القَاضِي عِيَاض فِي شَرحه لمُسلم وَالنَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ وَابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ وَغَيرهم وانما وَقع الْخلاف فِيمَا تعلق بِهِ الارادة السَّابِقَة كَمَا تقدم تَحْقِيقه فِي المباحث الْمُتَقَدّمَة وانما مَقْصُود أهل السّنة بذلك نفي الْعَجز والقصور عَن قدرَة الله تَعَالَى فقد وَقع الِاتِّفَاق على نَفْيه فِي الْحَقِيقَة ان شَاءَ الله تَعَالَى وَقد وضح بِذكر هَذِه المباحث للْخلاف هُنَا خمس مَرَاتِب قد بسطتها فِي العواصم وَلَا غنى عَن الرَّمْز اليها على سَبِيل الايجاز الْكثير الْخلاف الأول هُوَ الْخلاف فِي قدرَة الله تَعَالَى على هِدَايَة الله العصاة مَا داموا على بنيتهم الَّتِي خلقُوا عَلَيْهَا حَتَّى يغيرها الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي فَرغْنَا

стр. 264

من ذكره وَبَيَان الْحجَّة على بُطْلَانه وعَلى ان الْمُخَالف فِيهِ أَخطَأ فِي الْعبارَة وَوَافَقَ فِي الْمَعْنى لَا قدرته تَعَالَى على تَغْيِير البنية هِيَ قدرته على اللطف بِعَينهَا فارتفع الْخلاف وَللَّه الْحَمد الْخلاف الثَّانِي القَوْل بِنَفْي قدرته تَعَالَى على ذَلِك مُطلقًا ادَّعَاهُ بعض أهل الْعَصْر على أَصْحَاب أبي هَاشم المعتزلي وَلم ينصوا عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ان يصدق عَلَيْهِم حَتَّى ينصوا عَلَيْهِ لمُخَالفَته الْأَدِلَّة الجلية من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول كَمَا أوضحته فِي العواصم وانما حمل هَذَا على دَعْوَاهُ مَا رأى فِي اعْتِرَاف الْمُعْتَزلَة بِخِلَافِهِ من لُزُوم مُوَافقَة أهل السّنة ففر من مُوَافقَة خصومه الى مَا هُوَ شَرّ مِنْهَا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار وَقد تمدح الرب بانه لَو شَاءَ لجعل منا مَلَائِكَة وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَالَ ﴿كونُوا حِجَارَة أَو حديدا أَو خلقا مِمَّا يكبر فِي صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الَّذِي فطركم أول مرّة﴾ وَقد علم من الدّين واجماع الْمُسلمين انه تَعَالَى قَادر على تَغْيِير صِفَات الْأَجْسَام مثل قلب خبث الْحَدِيد فضَّة أَو ذَهَبا وقلب الْبَهَائِم نَاسا وَالنَّاس بهائم مثل مَا خسف باليهود قردة بقوله لَهُم ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ فَكَذَلِك لَو شَاءَ خلق من الاشقياء أَنْبيَاء وملائكة وَمَا السِّرّ فِي تَغْيِير شَيْء مِنْهُم الا تليين قساوة قُلُوبهم كَمَا أوضحته فِي العواصم فَليُرَاجع اذا احْتِيجَ الى ذَلِك الْخلاف الثَّالِث خلاف من منع عُقُوبَة العصاة بالاضلال وَقد توهم كثير مِنْهُم أَن ذَلِك يُؤَدِّي الى الْجَبْر فيتأولونه بالخذلان وَلَا يعلم أَن الاضلال لَيْسَ من الْجَبْر فِي شَيْء انما هُوَ الخذلان وسلب الالطاف أَلا ترى أَن من هداه الله تَعَالَى فَلم يَقْهَرهُ وَلم يجْبرهُ على الْهدى فَكَذَلِك من أضلّهُ فَلم يَقْهَرهُ وَلم يجْبرهُ على الضلال انما هُوَ التَّيْسِير للعسرى عُقُوبَة كَمَا ان الْهدى هُوَ

стр. 265

التَّيْسِير لليسرى مثوبة وَأما من خَالف فِي هَذَا فُلَانُهُ لم يستحسن ارادة وُقُوع الذَّنب عُقُوبَة مَعَ كَرَاهَة الذَّنب نَفسه وَقد تقدم القَوْل فِيهِ مُسْتَوْفِي فِي الْوَجْه الثَّالِث من المبحث الثَّالِث الْخلاف الرَّابِع خلاف من يُخَالف فِي تَجْوِيز ارادة وُقُوع الذَّنب مَعَ كَرَاهَة الْوَاقِع ليظْهر كثير من اسمائه تَعَالَى الْحسنى مثل اسمائه تَعَالَى الْعَفو الغفور التواب الْوَاسِع الْحَلِيم الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقد صحت النُّصُوص النَّبَوِيَّة بِمَا يَقْتَضِي هَذَا كَمَا خرجه مُسلم عَن أبي أَيُّوب الانصاري وَعَن أبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون كي يغْفر لَهُم وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة كي يَسْتَغْفِرُوا فَيغْفر لَهُم وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غَيرهمَا كَمَا ذكرته فِي العواصم وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَبعد وُرُود السّمع بِهَذَا فالحجة على من ادّعى قبحه لَان قبحه لَا يعلم بِالضَّرُورَةِ بالاجماع فَإِن الاجماع انما ينْعَقد على مثل قبح الْكَذِب الضار وَحسن الصدْق النافع أما مثل الْكَذِب النافع والصدق الضار فانه استدلالي والسمع فِيهِ مقدم مَقْبُول الْخلاف الْخَامِس قَالَ أهل السّنة وَأَبُو هَاشم وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة يجوز أَن يَبْتَلِي الله تَعَالَى العَبْد فِي أول أَحْوَال تَكْلِيفه قبل أَن يَعْصِي وَيسْتَحق الْعقُوبَة بِمَا يعلم انه يَعْصِي عِنْده مُخْتَارًا لحكمة لَا يعلمهَا الا هُوَ كَمَا يحسن ان يكلفه وَهُوَ يعلم ان يَعْصِي حِينَئِذٍ وَلَو لم تقع مِنْهُ الْمعاصِي وَلم يفرقُوا بَينهمَا وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو عَليّ الجبائي من الْمُعْتَزلَة وَغَيره وَهَذِه مسَائِل الْخلاف بَين أبي عَليّ وَبَين وَلَده أبي هَاشم فانه فِي هَذِه وَأَصْحَابه مَعَ أهل السّنة وَالْمرَاد بِهَذَا التجويز انه لَو ورد بِهِ نَص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَجب قبُوله وَلَو ورد بِهِ ظَاهر يحْتَمل التَّأْوِيل لم يجب تَأْوِيله بل لم يحل وَقيل فِي هَذَا مَا دلّ عَلَيْهِ السّمع والسمع أقوى الادلة فِي مثل هَذِه المحتملات فِي الْعُقُول وَقيل انه لَا يجوز فِي هَذِه الْحَال من الله تَعَالَى الا التَّخْلِيَة بَين العَبْد وَبَين نَفسه بعد التَّمْكِين وَمعنى التَّخْلِيَة ترك اللطف والخذلان مَعًا وَقد دلّ السّمع على ان العَبْد لَا يخْتَار حِينَئِذٍ إِلَّا الْمعْصِيَة وَدلّ على ان فعل اللطف حِينَئِذٍ فضل من الله يؤتيه من يَشَاء كَمَا يخْتَص برحمته من يَشَاء بِالنَّصِّ وَذَلِكَ التَّخْصِيص لحكمة بَالِغَة

стр. 266

وَيدل على ذَلِك قَول يُوسُف ﵇ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ بل قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لكنتم من الخاسرين﴾ وَأَبُو عَليّ يحمل ذَلِك فِي الِابْتِدَاء على فَضله الْعَام بخلقه وروى الْحَاكِم فِي تَفْسِير سُورَة (ص) من حَدِيث ابْن عَبَّاس ان سَبَب ذَنْب دَاوُد ﵇ انه قَالَ اللَّهُمَّ انك تعلم انه لَا يمْضِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار الا وَهُوَ يصعد اليك عمل صَالح من آل دَاوُد يَعْنِي نَفسه فعتب الله تَعَالَى ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ أما علمت انه لَوْلَا اعانتي لَك الحَدِيث وروى نَحْو ذَلِك فِي سَبَب ذَنْب آدم ﵇ وَرُوِيَ الْحَاكِم وَأحمد من حَدِيث زيد بن أَرقم مَرْفُوعا وان تَكِلنِي الى نَفسِي تَكِلنِي الى ضَيْعَة وَضعف وذنب وخطيئة وَقَالَ الْحَاكِم فِيهَا كلهَا انها صِحَاح وَالْقُرْآن يدل على ذَلِك ويغني عَنهُ كَمَا تقدم وَهَذِه التَّخْلِيَة فِي الِابْتِدَاء لَا تسمى اضلالا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ كَمَا تقدم وانما تسمى ابتلاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَالله تَعَالَى لم يقل انه لَا يَبْتَلِي بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين انما قَالَ ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ كَمَا انه لَا يعذب غَيرهم فالاضلال من جنس الْعقَاب وَقد دلّ السّمع على ان الله خلق الْخلق فِي الِابْتِدَاء على الْفطْرَة نعْمَة وَرَحْمَة للأوليائه ونقمة وَحجَّة على اعدائه كَمَا خلقهمْ كَذَلِك فِي الْخلق الأول فِي عَالم الذَّر كَمَا جَاءَ فِي الاحاديث الَّتِي لَا مَانع من صِحَّتهَا وَقد أوضحتها فِي كتاب العواصم فِي الْوَهم الثَّلَاثِينَ مِنْهُ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ ثمَّ دلّ الْقُرْآن على ان الله تَعَالَى يبْدَأ باللطف ثمَّ يُعَاقب من يَشَاء مِمَّن لم يقبل اللطف

стр. 267

قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ وَقَالَ ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي بَيَان ذَلِك ﴿وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَبِي إِلَّا أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يضرعون ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا وَقَالُوا قد مس آبَاءَنَا الضراء والسراء فأخذناهم بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَدلّ السّمع أَيْضا على انه تَعَالَى يبتدي بالاحسان من غير اسْتِحْقَاق وَلَا يبتدي بالعقوبة من غير اسْتِحْقَاق بل يُمْهل بعد الِاسْتِحْقَاق وَيحكم ويكرر الْحجَّة ويعذر وَيَعْفُو عَن كثير كَمَا قَالَ تَعَالَى ثمَّ ينْتَقم مِمَّن يَشَاء بالحكمة الْبَالِغَة وَيَعْفُو عَمَّن يَشَاء بِالرَّحْمَةِ الواسعة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ والمصيبة فِي الدّين أعظم المصائب وَقد جَاءَ ذَلِك فِي أُمُور الدّين مَنْصُوصا فِي قَوْله ﴿فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم﴾ ﴿وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ وَقَوله ﴿وأضله الله على علم﴾ أَي علم باستحقاقه الاضلال وأصرح من ذَلِك قَوْله ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ فَمَا كَانَ على جِهَة الْعقُوبَة لم يَفْعَله الله بِهِ ابْتِدَاء قبل الِاسْتِحْقَاق وَمَا كَانَ على جِهَة الِابْتِدَاء الَّذِي لَا يَصح التَّكْلِيف إِلَّا بِهِ فعله وَمَا زَاد على ذَلِك مِمَّا يَقع عِنْده الْمعاصِي فَهُوَ مَسْأَلَة الْخلاف فان قيل إِن القَوْل ان العَبْد يضل فِي الِابْتِدَاء بِاخْتِيَارِهِ بِغَيْر اضلال من الله يُؤَدِّي إِلَى أَنه يملك لنَفسِهِ نفعا وضرا على جِهَة الِاسْتِقْلَال وَهَذَا مِمَّا يمنعهُ السّمع فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن الأول أَنه لَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك إِلَّا لَو قُلْنَا أَنه الَّذِي خلق نَفسه فسواها فألهمها فجورها وتقواها وَخلق قدرته وتمكنه وَقدر لنَفسِهِ أَفعاله ومبدأه ومصيره وهداها النجدين ومكنها الْأَمريْنِ وَأما إِذا

стр. 268

كَانَ ذَلِك فعل الله فَمن أَيْن لَهُ الِاسْتِقْلَال وَللَّه الْخلق وَالْأَمر واليه يرجع الْأَمر كُله وَلَكِن الله قد اسْتثْنى من تعجيز الْعباد حَيْثُ قَالَ ﴿قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء هُوَ الَّذِي رددنا بِهِ قَول الجبرية حَيْثُ احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فانهم تمسكوا بِنَفْي الْمَشِيئَة ونسوا الِاسْتِثْنَاء وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تؤاخذني فِيمَا لَا أملك وَقَالَ مُوسَى ﵇ ﴿رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي﴾ وَذَلِكَ مثل كوننا لَا نعلم إِلَّا مَا علمنَا يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وَلم يؤد إِلَى اسْتِقْلَال العَبْد فِي الْعلم فَلَا بِدعَة فِي القَوْل بِأَن العَبْد يملك بعض الامور بِتَمْلِيك الله لَهُ ذَلِك لاقامة حجَّته أَو سَعَة رَحمته أَو خَفِي حكمته وَالْقطع بِأَن ذَلِك محَال غير مُمكن يُؤَدِّي إِلَى تعجيز الله عَنهُ وَرُجُوع الْقَهْقَرِي من مَذْهَب السّنة وَالْمُسْلِمين فَانْظُر إِلَى الغلو فِي الْأُمُور كَيفَ يَنْتَهِي إِلَى الْوُقُوع فِيمَا كَانَ الْفِرَار مِنْهُ فان السّني إِنَّمَا يحاول الْبَقَاء على تَعْظِيم الْقُدْرَة لله فاذا غلا فِي مَذْهَب رَجَعَ إِلَى تعجيز الله الَّذِي كَانَ يشنع بِهِ على المبتدعة فَصَارَ هَذَا التَّمْلِيك من الله تَعَالَى لمن يَشَاء من عباده من جملَة أَحْكَام ملكه وعطاياه الَّتِي لَا مَانع لما أعْطى وَلَا معطى لما منع على معنى مَا كَانَ يَقُول رَسُول الله ﷺ لَيْسَ لنا من أمرنَا مَا شِئْنَا وَإِنَّمَا نَأْخُذ مَا أعطينا فَجعل أَخذهم مَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى من فعلهم ليَكُون فرق بَين الْحَيَوَان الْمُخْتَار والجماد المسخر وَهُوَ فرق مَعْلُوم ضَرُورَة وعقلا وَشرعا مدرك بالفطرة الَّتِي فطر الله الْخلق وَلنْ تَجِد لسنة تبديلا فنسأل الله الِاعْتِدَال وَترك بدع الْجَبْر والاعتزال وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل الْوَجْه الثَّانِي إِن العَبْد لَا يسْتَقلّ فِي الْخَيْر لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا﴾ وَلِحَدِيث أبي ذَر ﵁ من وجد خيرا فليحمد الله وأمثال ذَلِك كثير وَأما الشَّرّ فَسَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال وَالظَّاهِر أَن اللطف

стр. 269

يَنْقَسِم فَمِنْهُ لطف هِدَايَة وَمِنْه لطف حجَّة وازاحة عذر فَمن وضح لَهُ فِي هَذِه الْمرتبَة الْخَامِسَة من مواقع الْخلاف شَيْء قَالَ بِهِ وَإِلَّا فالموقف مَعَ الْقطع بِصِحَّة الْقَوَاعِد الثَّلَاث وَهِي عُمُوم قدرَة الله تَعَالَى ونفوذ مَشِيئَته وَكَمَال حجَّته بالتمكين وَالْبَيَان وَبِالْجُمْلَةِ فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة على العصاة فِي الِابْتِدَاء والانتهاء علمنَا تفاصيلها أَو لم نعلمها مَعَ مَا لَهُ عَلَيْهِم من النعم وَله الْمِنَّة الْبَالِغَة على المطيعين فِي الِابْتِدَاء والانتهاء علمنَا تفاصيلها أَو لم نعلمها مَعَ تجاوزه عَنْهُم من الذُّنُوب وكل هَذَا مَعْلُوم من الدّين وَإِنَّمَا نسعى فِي تَقْرِيره فِي الْقُلُوب وَزِيَادَة الْيَقِين بِهِ وَنفي الشُّبُهَات عَنهُ وَرفع الْخُصُومَات فِيهِ وَالله أعلم وَاعْلَم أَن طَرِيق الْمُتَكَلِّمين فِي مثل هَذِه المشكلات المسارعة إِلَى الْقطع بِأحد الِاحْتِمَالَيْنِ وان خَفِي الامر وَالْأولَى عِنْدِي عدم المسارعة إِلَى ذَلِك وَعدم الجراءة عَلَيْهِ لما ذكره الْمُؤَيد ﵇ أَن الْخَطَأ فِي ذَلِك قد يَنْتَهِي إِلَى حد الْكفْر وَالْخُلُود فِي الْعَذَاب وَهَذَا خطر عَظِيم لَا يُسَارع إِلَى مَا يحْتَملهُ أدنى احْتِمَال عَاقل فان كَانَ لابد من اخْتِيَار كَانَ القَوْل الْمُخْتَار أَكثر الاقوال ملاءمة للسمع وأكثرها ثَنَاء على الله تَعَالَى وأبعدها من المتشابهات لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَقد ذكرت هَذَا غير مرّة الْبَحْث التَّاسِع فِي الْفرق بَين الْمحبَّة والرضى والارادة والمشيئة فَاعْلَم أَن الْفرق بَينهمَا فِي اللُّغَة وَاضح فالمحبة والرضى نقيض الْكَرَاهَة والارادة والمشيئة مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَهُوَ مَا يَقع الْفِعْل بِهِ على وَجه دون وَجه كَمَا تقدم فِي أول المباحث بَيَان ذَلِك أَن الصَّائِم العاطش يحب شرب المَاء فِي حَال صَوْمه بالطبيعة وَلَا يُريدهُ بالعزيمة وَنَحْو ذَلِك فاذا عرفت ذَلِك فَاعْلَم أَن الْمحبَّة قد يعبر عَنْهَا بِالْمَشِيئَةِ والارادة كَمَا تقدم قَول الشَّاعِر

стр. 270

(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطي مناه ... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَ) أَي يحب أَن يعْطى مناه فَتَأمل ذَلِك لتعرف موَاضعه حَيْثُ يتعارض السّمع فانه قد تقدم قَول الشهرستاني أَن الارادة الْمَحْضَة الَّتِي لَيست بِمَعْنى الْمحبَّة لَا تعلق بِأَفْعَال الْغَيْر وَإِنَّمَا تعلق من كل مُرِيد بِأَفْعَال نَفسه وَأَن الارادة الَّتِي تعلق بِفعل الْغَيْر هِيَ الْمحبَّة لَكِن أهل الْكَلَام من الأشعرية والمعتزلة لَا يجيزونها على الله تَعَالَى وَأهل السّنة والمتكلمون مِنْهُم كَابْن تَيْمِية وَمن تَابعه يجيزونها مُجَرّدَة من نقائصها المختصة بالمخلوقين كَسَائِر الصِّفَات صِفَات الله تَعَالَى اتبَاعا مِنْهُم لنصوص الْكتاب وَالسّنة وَالسَّلَف وَقد تقدم طَرِيق أهل السّنة فِي هَذَا وَأَمْثَاله عِنْد الْكَلَام على الرَّحْمَن الرَّحِيم وَسَائِر الْأَسْمَاء الْحسنى وَإِن مُجَرّد الِاشْتِرَاك فِي لفظ مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى لَا يَقْتَضِي التشيبه وَقد تقدم كَلَام الْغَزالِيّ فِي ذَلِك الْمَنْقُول من المعصد الْأَسْنَى وَهُوَ كَلَام مجود وأجود مِنْهُ كَلَام ابْن تَيْمِية فِي ذَلِك وَمِثَال ذَلِك صفة الْوُجُود والحي فانهما يطلقان على الله تَعَالَى على صفة الْكَمَال الَّذِي لَا يسْتَلْزم صفة نقص وعَلى عباده على وُجُوه تَسْتَلْزِم جَوَاز الفناء وَالْمَوْت وَالْمَرَض وَاعْتِرَاض الْآفَات والعلل وَلم يسْتَلْزم ذَلِك تَشْبِيها وَكَذَلِكَ محبَّة الله تَعَالَى وَرَحمته وَسَائِر مَا ورد مَنْصُوصا فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَكَلَام سلف هَذِه الْأمة الصَّالح وشاع بَينهم وذاع وَكثر وَاسْتمرّ من غير تَأْوِيل وَلَا تحذير من اطلاقه بِغَيْر قرينَة الله سُبْحَانَهُ أعلم وَأما مَوضِع الِاحْتِيَاط فِي هَذِه المباحث فانه مُلَاحظَة إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله تَعَالَى وَنفي صِفَات النَّقْص بتبين وَفِي الْوَقْف حَيْثُ يخفى فَمن صِفَات الْكَمَال الْبَيِّنَة الْمَعْلُومَة من الدّين وَمن إِجْمَاع الْمُسلمين أَن الله على كل شَيْء قدير وَإِن مَا شَاءَ كَانَ وانه يهدي من يَشَاء وَأَن لَهُ الْحجَّة الدامغة وَالْحكمَة الْبَالِغَة وَمن صِفَات النَّقْص المنفية عَنهُ فِي كِتَابه الْكَرِيم أَنه لَا يحب الْفساد وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَيْسَ بظلام للعبيد وَلَا يُرِيد ظلما للعباد وَلَا يُرِيد ظلما للْعَالمين كَمَا قَالَ فِي ذَلِك كُله وانه لم يخلق السَّمَوَات والارض بَاطِلا وَلَا لعبا وَلَا عَبَثا بل خلق ذَلِك وَغَيره بِالْحَقِّ

стр. 271

وللحق وَيَقْضِي الْحق وَلذَلِك تسمى بِالْحَقِّ وَكَانَ قَوْله الْحق وَحكمه الْحق فَهُوَ الْحق اسْما وَمعنى وَقَضَاء وقصصا وفعلا وقولا وخلقا وأمرا وعدلا وفصلا وَابْتِدَاء وانتهاء وَدُنْيا وآخرة كل ذَلِك حَقِيقَة لَا مجَازًا وَلَا تخبيلا وَلَا اسْتِعَارَة وَلَا مُبَالغَة وتفاصيل ذَلِك مَا لَا يُحْصِيه الحاسبون وَلَا يجمعه الكاتبون وَلَا يُحِيط بِهِ الراسخون وَلَا يبلغهُ العارفون ولايستقصيه الحامدون وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ سُبْحَانَكَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَهَذَا كَلَام سيد ولد آدم وَالَّذِي تقدم للشفاعة حِين تَأَخّر من تقدم فَكيف أَيهَا الْعُقَلَاء يكون هَذَا كَلَامه ﷺ وَهُوَ إمامنا وقدوتنا ومعلمنا وَرَسُوله ثمَّ نتأول ممادح الرب الحميد الْمجِيد نَحن ونقول أَنَّهَا تَقْتَضِي بحقائقها الذَّم وَهُوَ الَّذِي لَا أحد أحب اليه الْمَدْح مِنْهُ وَلذَلِك مدح نَفسه فَاتَّقُوا الله وتأدبوا مَعَ كتب الله وَلَا تضربوا بَعْضهَا بِبَعْض وَلَا تبَادرُوا إِلَى الْقدح فِي ظواهرها والتحكم فِي تأويلاتها وَالله هادينا الْجَمِيع وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَهَذَا آخر الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الارادة ومباحثها على حسب هَذَا الْمُخْتَصر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَيتَعَلَّق بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْقَضَاء وَالْقدر وَأَنه لَا يدل على الْجَبْر بِالنَّصِّ والاجماع وَقد كثرت الاحاديث فِي وجوب الايمان بِهِ كَثْرَة توجب التَّوَاتُر فقد ذكرت مِنْهَا فِي العواصم أَكثر من سبعين حَدِيثا وَذكرت مَعَ ذَلِك نَحْو مائَة وَخمسين حَدِيثا فِي صِحَة ذَلِك مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذكر وجوب الايمان بِهِ وَذكرت مِمَّا ورد من كتاب الله تَعَالَى نَحْو مائَة آيَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا امْرَأَته قدرناها من الغابرين﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ وَقَوله تَعَالَى

стр. 272

﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأهْلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ وَقَوله ﴿قضي الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان﴾ وَقَوله فِي هود وَفِي السَّجْدَة ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم﴾ وأمثال ذَلِك وَإِنَّمَا المهم من ذَلِك معرفَة معنى الْقَضَاء وَالْقدر وَأَن أحدا لم يقل أَن مَعْنَاهُمَا هُوَ الْجَبْر وسلب الِاخْتِيَار وَكَيف يكون كَذَلِك وَقد ثَبت تعلق الْقَضَاء وَالْقدر بِأَفْعَال الله تَعَالَى كَمَا قَالَ ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُخْتَار بِغَيْر شكّ وَلَا خلاف وَاعْلَم أَن أَكثر الاخبار وأقوال السّلف تدل على أَن الْقَضَاء يرجع إِلَى كِتَابَة مَا سبق فِي علم الله تَعَالَى وتيسير كل لما خلق لَهُ على مَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ على مَا مضى تَفْصِيله فِي الْخلاف الْخَامِس من المبحث الثَّامِن فِي الارادة وَقد ذكر الطَّبَرِيّ أَن الْجَبْر هُوَ الاكراه على الشَّيْء كالمسحوب على وَجهه وَأَن أهل الْمعاصِي يأتونها برغبتهم اليها وهم مستلذون بهَا بل مِنْهُم من يُقَاتل من دَفعه عَنْهَا وَهَذَا نقيض الْجَبْر فِي اللُّغَة وَبطلَان الْجَبْر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ على الصَّحِيح وَهُوَ قَول أبي الْحُسَيْن من الْمُعْتَزلَة وَأكْثر أهل السّنة وَالله أعلم وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة الافعال بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله

стр. 273

تَعَالَى ثمَّ أَنه ورد النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر وَفِي أَحَادِيث عرفت مِنْهَا عشرَة وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء مُتَّفق على صِحَّته وَلَا خرج البُخَارِيّ وَلَا مُسلم مِنْهَا شَيْئا لَكِن خرج أَحْمد بن حَنْبَل مِنْهَا حَدِيثا من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَهِي طَرِيق مُخْتَلف فِيهَا اخْتِلَافا كثيرا وَهُوَ يصلح مَعَ الشواهد وَخرج التِّرْمِذِيّ مِنْهَا حَدِيثا عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ غَرِيب وَفِي سَنَده صَالح الْمزي لَكِن خرج الْبَزَّار لَهُ اسنادين آخَرين قَالَ الهيثمي رجال أَحدهمَا رجال الصَّحِيح غير عمر بن أبي خَليفَة وَهُوَ ثِقَة وَإِن لم يكن من رجال الصَّحِيح وَخرج الطَّبَرَانِيّ فِي المعجمين الاوسط وَالْكَبِير وَالْحَاكِم حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا نعلم لَهُ عِلّة قلت رَوَاهُ السُّبْكِيّ مَوْقُوفا وَلم يذكر رَفعه وَإِن سلم من الاعلال بذلك كَانَ أصلحها اسنادا وَمعنى ذَلِك إِذا صَحَّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى التحذير من مجاراة المبتدعة فِي الْقدر والمراء بِغَيْر علم على وَجه يُؤَدِّي إِلَى إثارة الشَّرّ وَالشَّكّ كَمَا هُوَ ظَاهر حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأخر الْكَلَام فِي الْقدر لشرار أمتِي فِي آخر الزَّمَان فَالَّذِي أخر هُوَ مَا ذكرته فَأَما الْخَوْض فِيهِ على جِهَة التَّعَلُّم والتعرف لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة ثمَّ الايمان بِهِ بعد مَعْرفَته على الْوَجْه الْمَشْرُوع فان هَذَا لم يُؤَخر لشرار الامة بل قد تَوَاتر أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ سَأَلُوا النَّبِي ﷺ وخاضوا فِي مَعْرفَته وَفِي وجوب الايمان بِهِ فَلم يزجرهم ﷺ عَن ذَلِك الْقدر وَلم يتْرك الْجَواب عَلَيْهِم بِالْقدرِ الْوَاجِب على بَيَان ذَلِك وَقد احْتج ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد على ذَلِك بمحاجة آدم ومُوسَى وَهُوَ من أثبت الاحاديث وَأَصَح مَا قيل فِي مَعْنَاهُ أَن لوم مُوسَى لآدَم كَانَ على الْخُرُوج من الْجنَّة واخراجه ذُريَّته مِنْهَا على جِهَة الأسف على فَوَات هَذِه النِّعْمَة وَتلك فِي الْحَقِيقَة مُصِيبَة من فعل الله قدرهَا بِسَبَب ذَنْب آدم ﵇ لحكمته فِي ذَلِك وَلما قد علمه وقضاه من خلَافَة آدم ﵇ فِي الأَرْض وَإِلَّا فذنب آدم ﵇ صَغِير لِأَنَّهُ نَبِي مَعْصُوم عَن الْكَبَائِر وَقد تَابَ أَيْضا والمذنب التائب لَا تجب عَلَيْهِ الْعقُوبَة بِالْخرُوجِ من دَاره وَلَا بِغَيْر ذَلِك فاحتج آدم بسبق الْقَضَاء فِي الْخُرُوج الْحسن لِأَنَّهُ من فعل الله تَعَالَى

стр. 274

وَلم يحْتَج بِهِ على حسن ذَنبه أبدا وَهُوَ الَّذِي قَالَ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقد أجمع أهل الاسلام على أَن الْقدر يتعزى بِهِ أهل المصائب وَلَا يحْتَج بِهِ فِي المعائب فَهَذَا معنى الحَدِيث وَوَجهه وَقد بسط فِي مَوْضِعه وَحَدِيث الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة ضَعِيف عِنْد الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَعند الْمُحدثين وَقَول الْحَاكِم أَنه صَحِيح على شَرطهمَا إِن صَحَّ سَماع أبي حَازِم مَعَ ابْن عمر شَره فِي التَّصْحِيح فانه لم يَصح ذَلِك وَتَصْحِيح كل ضَعِيف على شُرُوطه مَعْدُوم وَإِن فسر الْقدر بِالْعلمِ وَنَحْوه فالمذموم من نَفَاهُ وَإِن فسر بالجبر والاكراه فالمذموم من أثْبته وَقد بسط هَذَا فِي مَوْضِعه القَوْل فِي مَسْأَلَة الْأَفْعَال وَهِي مَسْأَلَة خلية عَن الْآثَار وَإِنَّمَا خلت عَنْهَا لِأَن لَهَا طرفين أَحدهمَا جلي وَكَانُوا لَا يسْأَلُون عَن الْجَلِيّ لجلائه وَالْآخر خَفِي وَكَانُوا لَا يتعرضون لأمثاله تَارَة لعدم الْحَاجة اليه وَتارَة لعدم الْوُقُوف عَلَيْهِ وَلِأَن مَا لَا يُوقف عَلَيْهِ لَا يحْتَاج اليه وهما داخلان فِي الْبِدْعَة الَّتِي نهوا عَنْهَا وَكَانُوا أبعد النَّاس مِنْهَا وَلِأَن الِاشْتِغَال بتقرير قَوَاعِد الاسلام وَجِهَاد أعدائه الطغام وَعبادَة الْملك العلام وأمثال هَذِه الْمُهِمَّات الْعِظَام كَانَت قد استغرقت السّلف ﵃ وَأعَاد علينا من بركاتهم وردنا عَن الزيغ والغلو إِلَى الِاقْتِدَاء بهم وَأَنا أذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى طرفا صَالحا من بَيَان هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَبَيَان أَقْوَال النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لفائدتين فِي الدّين احداهما معرفَة مَا ابتدع فِي ذَلِك من الْأَقْوَال حَتَّى يجْتَنب عَن بَصِيرَة فَرُبمَا ظن بعض النَّاس فِي بعض الْبدع أَنَّهَا سنة لعدم اهتمامه بتمييز السّنة من الْبِدْعَة وَعدم تفرغه أَو صلاحيته للبحث عَن ذَلِك وثانيتهما ليترك الْجَاهِل التَّكْفِير من غير بَصِيرَة حِين يعلم

стр. 275

أَنه لم يحط علما يَقِينا بماهية الاقوال أَو يحكم بِعلم حِين يتَحَقَّق ذَلِك وَالله الْمُوفق وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أفضل النَّاس أفضلهم عملا إِذا فقهوا فِي دينهم وأعلمهم أبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتلف النَّاس وَإِن كَانَ مقصرا فِي الْعلم وَإِن كَانَ يزحف على أسته الحَدِيث خرجه النَّاس وَإِن كَانَ مقصرا فِي الْعَمَل وَإِن كَانَ يزحف على أسته الحَدِيث خرجه الْحَاكِم فِي التَّفْسِير فِي سُورَة الْحَدِيد وَقَالَ صَحِيح الاسناد وَهُوَ كَمَا قَالَ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم فَأَما الطّرف الْجَلِيّ الَّذِي لم يبحثوا عَنهُ لجلاله فَهُوَ أَن لنا أفعالا متوقفة على هَمنَا بهَا ودواعينا اليها واختيارنا لَهَا وَلذَلِك شَذَّ الْمُخَالف لذَلِك من الجبرية وَنسب إِلَى مُخَالفَة الضَّرُورَة وَلم يُخَالف فِي ذَلِك أحد من أهل السّنة وَلَا من طوائف الأشعرية بل نسب الرَّازِيّ الجبرية إِلَى الْبَرَاءَة من ذَلِك وانما أَرَادَ من تسمى باسم الجبرية من الاشعرية وَهُوَ شَيْء يخْتَص بِهِ الرَّازِيّ وَحده فِيمَا علمت فانه يصحح الْجَبْر فِي كثير من عباراته ويعنى بِهِ وجوب وُقُوع الرَّاجِح من الْفَاعِل الْمُخْتَار وَصرح بِبَقَاء الِاخْتِيَار مَعَ تَسْمِيَته جبرا وَأما الْخَفي الَّذِي عظم فِيهِ الِاخْتِلَاف ودق وَكثر فَهُوَ معرفَة حَقِيقَة أَفعَال الْعباد على جِهَة التَّعْيِين والتمييز لَهَا عَن سَائِر الْحَقَائِق وَقد اخْتلف فِي ذَلِك على أَرْبَعَة عشر قولا أَو يزِيد للمعتزلة مِنْهَا ثَمَانِيَة وللسنية والاشعرية أَرْبَعَة وللجبرية قَولَانِ وَهِي هَذِه مسرودة الأول من أَقْوَال الْمُعْتَزلَة أَن الذوات كلهَا ثَابِتَة فِي الْعَدَم أزلية غير مقدورة لله تَعَالَى وَلَا بخلقه الاجسام مِنْهَا والاعراض وَذَوَات أَفعَال الله تَعَالَى وَذَوَات أَفعَال الْعباد أَعنِي ذَوَات الحركات والسكنات وَأَنَّهَا فِي الْعَدَم وَالْأَزَلُ ثَابِتَة ثبوتا حَقِيقِيًّا فِي الْخَارِج ثبوتا يُوجب تماثلها فِيهِ واختلافها عَنهُ وَأَن الْمَقْدُور لله تَعَالَى ولعباده أَمر آخر غير الذَّات وَلَا وجودهَا وَلَا مجموعهما بل جعل الذَّات على صفة الْوُجُود وَقد ادّعى الرَّازِيّ وَغَيره من أَصْحَاب أبي الْحُسَيْن من الْمُعْتَزلَة أَنه غير مَعْقُول فانه لَا يتَصَوَّر إِلَّا برده إِلَى أحد الْأُمُور الثَّلَاثَة وَهُوَ أَيْضا يبتني على ثُبُوت الذوات فِي الازل والعدم وعَلى الْفرق بَين الثُّبُوت والوجود وعَلى ثُبُوت الدَّلِيل الْقَاطِع على أَن الْوُجُود أَمر

стр. 276

حَقِيقِيّ زَائِد على الْمَوْجُود وعَلى أَن الأكوان من الْحَرَكَة والسكون ذَوَات حَقِيقِيَّة لَا صِفَات اضافية فِي ذَلِك كُله نزاع طَوِيل كثير دَقِيق بَين الْعُقَلَاء جملَة تمّ بَين الْمُسلمين ثمَّ بَين الْمُعْتَزلَة وَقد جود أَبُو الْحُسَيْن مِنْهُم وَأَصْحَابه رد ذَلِك على أَصْحَابهم من البهاشمة فِي كتبهمْ الثَّانِي لَهُم أَيْضا أَن فعل الله تَعَالَى وَفعل الْعباد هُوَ صفة الْوُجُود لَا ذَات الْمَوْجُود وَهَؤُلَاء مثل الْأَوَّلين إِلَّا أَنهم اشْتَركُوا فِي اثبات الامر الرَّابِع الَّذِي عده خصومهم محالا فعينوا مَقْدُور الْقَادِر وَبَقِي عَلَيْهِم سَائِر مَا يرد على أَصْحَابهم وَقد ألزموا جَمِيعًا أَن الله تَعَالَى لَا يخلق شَيْئا قطّ على أصولهم لِأَن الشَّيْء عِنْدهم هُوَ الثَّابِت فِي الْأَزَل والقدم وَصفَة الْوُجُود عِنْدهم لَيست شَيْئا لأَنهم قضوا بالأزلية فِي الْقدَم للشَّيْء وللذات ولصفاتها الذاتية وَلم يبْق إِلَّا صفاتها المقتضاة وَهِي التحيز ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ فَمنهمْ من قضى أَنه ثَابت فِي الْأَزَل أَيْضا حَكَاهُ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى وَابْن متويه فِي التَّذْكِرَة وَلم يقبحه على قَائِله مِنْهُم وَالْقَائِل بِهِ مِنْهُم جرى على مُقْتَضى دليلهم الْعقلِيّ وَذَلِكَ لِأَن الصّفة المقتضاة لَا تخلف عَن مقتضيها وتخلفها عَنهُ محَال أَلا ترى أَن صِفَات القادرية والعالمية وَنَحْوهَا لما كَانَت مقتضاة عِنْدهم من الصّفة الاخص لم تخلف عَنْهَا كَانَت غير حَادِثَة فَكَذَلِك هَذَا لكِنهمْ خَافُوا أَن يتفاحش الامر هُنَا بِلُزُوم قدم الْعَالم جهارا فاعتذروا بِأَن هَذَا التحيز لَا يظْهر إِلَّا بِشَرْط الْوُجُود والوجود بالفاعل وَهُوَ الله تَعَالَى فقد زَعَمُوا أَن التحيز فِي الاجسام لَيْسَ بِهِ تَعَالَى فَلذَلِك لَزِمَهُم أَن الله غير خَالق لشَيْء وَلَا مُؤثر فِيهِ وَقد حاول ابْن متويه الْجَواب عَن هَذَا فِي تَذكرته بِأَن خلق الشَّيْء واحداثه هُوَ إيجاده وَالله هُوَ الَّذِي حصل لَهُ صفة الْوُجُود وَهَذَا الْجَواب غير مخلص لِأَن معنى الالزام ان اتصاف الشَّيْء عِنْدهم بِأَنَّهُ مُحدث ومخلوق على قواعدهم مجَاز لَا حَقِيقَة لِأَن الشَّيْء عِنْدهم ثَابت فِي الازل غير مَقْدُور لله وَإِنَّمَا الْمَخْلُوق الْمَقْدُور حُدُوثه ووجوده وليسا بِشَيْء عِنْدهم لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا شَيْئا كَانَا ثابتين فِي الازل وَذَلِكَ تَصْرِيح بقدم الْعَالم فَلذَلِك قضوا أَنَّهُمَا ليسَا بِشَيْء وَلذَلِك صرح الزَّمَخْشَرِيّ فِي أساس البلاغة أَن الله لَا يُسمى خَالِقًا إِلَّا مجَازًا وكل هَذَا مِمَّا يعترفون بِهِ ويذكرونه فِي مصنفاتهم

стр. 277

وَحكى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَنْهُم ابْن المطهر الْحلِيّ فِي شرح مُخْتَصر مُنْتَهى السؤل فِي الْكَلَام على الِاشْتِقَاق لاسم الْفَاعِل مِمَّا لم يقم بِهِ وَأما قَوْلهم ان ثُبُوت الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل حَقِيقِيّ فِي الْخَارِج لَا فِي الذِّهْن فَذكره مِنْهُم الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فِي الْفَصْل الرَّابِع من الصِّفَات الذاتية وَهُوَ عَنْهُم صَحِيح وكلماتهم توافقه لَكِن بِغَيْر هَذِه الْعبارَة الثَّالِث لَهُم أَنه لَا فعل للْعَبد إِلَّا الارادة قَالَه الجاحظ وثمامة بن الأشرس الرَّابِع لَهُم أَن أَفعَال الْعباد حوادث لَا مُحدث لَهَا وَهَذَا وَالَّذِي قبله مَعَ غرابتهما معروفان فِي كتب الْمُعْتَزلَة من روايتهم عَن شيوخهم لَا من رِوَايَة خصومهم الْخَامِس أَن أَفعَال الْعباد لَا تتعدى مَحل الْقُدْرَة والمتعدي فعل الله تَعَالَى وَإِنَّهَا حركات كلهَا وَأَن السّكُون حَرَكَة اعْتِمَاد والعلوم والارادات حَرَكَة النَّفس حَكَاهُ الشهرستاني فِي الْملَل والنحل عَن النظام قَالَ وَلم يرد بالحركة النقلَة وَإِنَّمَا الْحَرَكَة عِنْده مُبْتَدأ كل تغير وَهُوَ قَول المطرفية من الزيدية دون الحركات السَّادِس مثل الَّذِي قبله لَكِن قَالُوا أَن المتولدات أَفعَال لَا فَاعل لَهَا السَّابِع مثل الثَّالِث أَنه لَا فعل للْعَبد إِلَّا الارادة لَكِن قَالُوا فِيمَا عدا الارادة أَنَّهَا حدث لَا مُحدث لَهَا وَأهل الثَّالِث نسبوا ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى فهم كغلاة الاشعرية الَّذين يسميهم الرَّازِيّ جبرية أَعنِي أهل القَوْل الثَّالِث من الْمُعْتَزلَة وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ السَّادِس وَالسَّابِع حَكَاهُمَا الشهرستاني عَن ثُمَامَة أَيْضا فَكَانَ لَهُ أَقْوَال ثَلَاثَة الثَّامِن قَول أبي الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَابْن تَيْمِية وَأَصْحَابه أَن أَفعَال الْعباد هِيَ الاكوان أَعنِي الْحَرَكَة والسكون والاجتماع والافتراق وَأَنَّهَا لَيست أَشْيَاء حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا لَا ثُبُوت لَهَا وَلَا لشَيْء من الاجسام فِي الازل والعدم وَإِن الثُّبُوت والوجود شَيْء وَاحِد وَكَذَلِكَ الازل والقدم وَهُوَ مَذْهَب أَكثر أهل الْبَيْت قَالَ الشَّيْخ مُخْتَار وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْمَشَايِخ وَمِمَّنْ نَص على

стр. 278

اخْتِيَاره من أهل الْبَيْت الامام يحيى بن حَمْزَة وَهُوَ الَّذِي فِي فطْرَة كل عَاقل لم تغير فطرته بتغيير الْمَشَايِخ وَالله أعلم التَّاسِع وَهُوَ أول أَقْوَال أهل السّنة والأشعرية مثل الَّذِي قبله سَوَاء إِلَّا أَن الأكوان عِنْدهم ذَوَات حَقِيقِيَّة وَهُوَ قَول الْجُوَيْنِيّ وَأَصْحَابه وَهُوَ أقرب فَوق الأشعرية إِلَى الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَاشِر القَوْل بمقدور بَين قَادِرين مَعَ عدم تَمْيِيزه إِلَّا بالوجوه والاعتبارات الْحَادِي عشر قَول أهل الْكسْب أَن الأكوان ذَوَات ثبوتية هِيَ فعل الله تَعَالَى وَفعل العَبْد كسب يتَعَلَّق بهَا وَهِي متميزة مِنْهُ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقه الثَّانِي عشر أَنه لَا فعل للْعَبد إِلَّا الِاخْتِيَار فَمَتَى اخْتَار الطَّاعَة خلقهَا الله عقيب اخْتِيَاره وَكَذَلِكَ الْمعْصِيَة وَسَيَأْتِي بَيَانه أَيْضا الثَّالِث عشر قَول الْجَهْمِية وهم الجبرية وحدهم فانهم زَعَمُوا أَن للْعَبد قدرَة غير أَنه لَا أثر لَهَا أَلْبَتَّة وأفعاله مخلوقة لله وَحده وَلم يثبتوا كسبا للْعَبد وَلَا مَقْدُورًا بَين قَادِرين الرَّابِع عشر أَنه لَا قدرَة للْعَبد وَلَا فعل أَلْبَتَّة وَإِنَّمَا حركته منسوبة اليه مثل نِسْبَة حَرَكَة الشَّجَرَة اليها وَهَذَا مَا حَكَاهُ الشهرستاني فِي الْملَل والنحل عَن غلاة الجبرية وَأما الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى فَأنْكر وجود من يَقُول بذلك فَهَذِهِ الاقوال الَّتِي عرفت فِي تفاصيل هَذِه الْمَسْأَلَة لاهل الْملَّة وَسَيَأْتِي ذكر مَذْهَب الفلاسفة وَأهل القَوْل الْعَاشِر وَمن بعدهمْ يطلقون على أَفعَال الْعباد أَنَّهَا مخلوقات وَإِن اخْتلفُوا فِي تَفْسِير ذَلِك وتفصيله كَمَا يَأْتِي وَقد ظهر أَن تَحْقِيق الْمَقَاصِد فِي أَكْثَرهَا يبتني على مسَائِل صعبة غامضة من مسَائِل علم اللَّطِيف كالفرق بَين الذوات وَالصِّفَات والاحوال وَبَين الْحَقَائِق والاضافات وَبَين الثُّبُوت والوجود وَمَا الَّذِي يَصح مِنْهُمَا فِي الْعَدَم الْفرق بَين الْوُجُود وَالْمَوْجُود وَبَين الارادة وَالِاخْتِيَار وَهُوَ يتَوَقَّف على

стр. 279

معرفَة الارادة وأقسامها وَمَعْرِفَة الاسباب والمسببات وَالْفرق بَين الْأَسْبَاب المؤثرة المولدة وَغَيرهمَا فمدار الْخلاف وَأَصله فِي أَن الافعال هَل هِيَ ذَوَات أَو صِفَات أَو أَحْوَال أَو مَجْمُوع أَمريْن من ذَلِك أَو أَمر رَابِع غير ذَلِك أَو أَسبَاب فَقَط مُؤثرَة كَالْقَتْلِ أَو غير مُؤثرَة كالارادة وَهِي أَسبَاب ومسببات أَو متعدية أَو لَازِمَة أَو هِيَ تسمى مخلوقة أَولا وَإِذا كَانَت تسمى بذلك فَمن الْخَالِق لَهَا وَهل يَصح مَقْدُور بَين قَادِرين أَو هُوَ محَال وَإِذا كَانَ يَصح فَهَل أَفعَال الْعباد مِنْهُ أَو لَا وَإِذا كَانَت مِنْهُ فَهَل أحد الْفِعْلَيْنِ المقدورين متميز عَن الآخر فِي أَفعَال الْعباد وكسبهم مَعَ خلق الله تَعَالَى بِالذَّاتِ أَو بالوجود وَهل يَصح حَادث لَا مُحدث لَهُ أم لَا وَإِذا صَحَّ هَل الْمَوْصُوف بذلك أَفعَال الْعباد كلهَا غير الارادة أم المتولدات فَقَط أم جَمِيع أَفعَال الْعباد من غير اسْتثِْنَاء وَإِذا كَانَت ذَوَات فَمَا هِيَ هَل هِيَ حركات كلهَا أَو أكون مُخْتَلفَة وَإِن كَانَت صِفَات فَهَل هِيَ حَقِيقِيَّة أَو اضافية وَهل الْقُدْرَة مُتَقَدّمَة أَو مُقَارنَة وَتصْلح للضدين أم لَا وَالْقَصْد بذكرها معرفَة الْبِدْعَة مِنْهَا وَمَعْرِفَة بُطْلَانهَا وَذَلِكَ لَا يَصح مِمَّن لم يعرف حقائق مقاصدهم وَمن لم يرسخ فِي علم اللَّطِيف لم يعرف ذَلِك وَمن لم يعرف ذَلِك كَيفَ يتَمَكَّن من معرفَة أَن هَذَا القَوْل كفر أَو غير كفر وَهُوَ لم يتَحَقَّق مَاهِيَّة القَوْل وَمَعْنَاهُ القَوْل فِي بَيَان أَن مُرَاد من قَالَ أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى وانها مَعَ ذَلِك وَاقعَة على اخْتِيَار الْعباد جملَة ثمَّ بَيَان اخْتلَافهمْ فِي الْقدر الْمَخْلُوق مِنْهَا وَفِي تَفْسِير الْخلق وَبَيَان الاحوط فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أما مُرَادهم الاول الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ جملَة فَهُوَ الايمان بِمُقْتَضى مَا تقدم فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة من الْآيَات وَالْأَحَادِيث المصرحة بِأَن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا شَاءَ أَن لَا يكون لم يكن وَإنَّهُ لَو شَاءَ مَا عصى وَإنَّهُ يهدي من يَشَاء باللطف وَالِاخْتِيَار ثمَّ أَنه تعَارض عِنْد هَؤُلَاءِ السّمع فِي نِسْبَة كسب الافعال إِلَى الْعباد

стр. 280

وَنسبَة تقديرها إِلَى الله تَعَالَى هَذِه مُعَارضَة خَاصَّة من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ مُعَارضَة أُخْرَى وَهِي نِسْبَة أَفعَال الْعباد بخصوصها اليهم ونسبتها إِلَى الله تَعَالَى مدرجة فِي عمومات أَن الله تَعَالَى خَالق كل شَيْء وَرُبمَا تتوهم بَعضهم النصوصية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا سَيَأْتِي فتعارضت عِنْدهم الدَّلَائِل السمعية وَكَذَلِكَ الأنظار الْعَقْلِيَّة فان وقُوف الافعال على الدَّوَاعِي مَعْلُوم صَحِيح الْبُرْهَان بل وفاقي على الصَّحِيح وَهُوَ دَلِيل الْمُعْتَزلَة على أَن الله تَعَالَى عدل لَا يفعل الْقَبِيح والدواعي هِيَ الْعُلُوم بالمصالح وَالْمَنَافِع والمضار والظنون لذَلِك والشهوة والنفرة والمرجع بهَا إِلَى فعل الله تَعَالَى تَارَة بِوَاسِطَة وَتارَة بِغَيْر وَاسِطَة ويعارض هَذَا أَن الْفرق بَين حَرَكَة الْمُخْتَار وحركة المفلوج والمسحوب على وَجهه فرق ضَرُورِيّ وَهُوَ يَقْتَضِي اخْتِيَار الْعباد وَبطلَان الْجَبْر بِالضَّرُورَةِ وَزَاد وضوحا أَن الْجَبْر فِي اللُّغَة هُوَ الاكراه الَّذِي يُنَافِي اللَّذَّة والشهوة وَالرِّضَا وَأهل الْمعاصِي يفعلونها متلذذين بهَا مشتهين لَهَا راضين مسرورين وَهَذَا كُله يضاد الْجَبْر والاكراه وينافيه بِالضَّرُورَةِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها﴾ فَفرق بَينهمَا والجبر يُؤَدِّي إِلَى عدم ذَلِك فَأَما الجبرية فتركوا الْجمع بَين الظَّوَاهِر وركبوا اللجاج الشَّديد والعناد الْبعيد وجحدوا الضرورات الْعَقْلِيَّة والبينات السمعية وَأجْمع أهل السّنة وَأهل الْكَلَام من الشِّيعَة والأشعرية والمعتزلة على ضلالهم وَالرَّدّ لقَولهم لأَنهم نفوا مَشِيئَة العَبْد وَالله تَعَالَى لم ينفها مُطلقًا لَكِن جعلهَا بعد مَشِيئَته فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ والجبرية نفوها واطرحوا قَوْله إِلَّا أَن يَشَاء الله وَكَذَلِكَ قَوْلنَا مَا شَاءَ الله كَانَ يَقْتَضِي ذَلِك لِأَنَّهُ قد شَاءَ وَكَذَلِكَ نفوا أَن يكون المكلفون مختارين غير مجبورين فَكَانَ مَا شَاءَ من اختيارهم وَأما الأشعرية فراموا الْجمع بَين هَذِه المتعارضات بِنِسْبَة الْفِعْل إِلَى الله تَعَالَى من وَجه وَإِلَى الْعباد من وَجه آخر كالمفسرين بذلك لما ورد السّمع بِهِ وَمن ذَلِك التَّعَارُض الْمُتَقَدّم وَأَمْثَاله مثل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾

стр. 281

) بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا فالفتح نِسْبَة إِلَى الله تَعَالَى وَالْكَسْر نِسْبَة إِلَى العَبْد وَقَوله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ وَقَوله ﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون﴾ مَعَ أَنَّهُمَا فعل قوم فِرْعَوْن حَقِيقَة وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يزكون أنفسهم بل الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَول الله تَعَالَى حاكيا عَن يُوسُف ﵇ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ مَعَ قَوْله ﴿لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ وَقَوله ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان﴾ مَعَ نِسْبَة الايمان إِلَى فعل الْمُؤمنِينَ فِي آيَات كَثِيرَة وَهَذَا بَاب وَاسع فِي السّمع وَهُوَ صَرِيح فِي الطَّاعَات كَمَا تقدم تَحْقِيقه وَأما فِي الْمعاصِي فَالَّذِي تحقق فِي السّمع أَنه لَو شَاءَ مَا عصى على مَا مر مُلَخصا فِي الارادة وَإِضَافَة أَفعَال الْعباد اليهم أَكثر وأوضح فأرادوا الْجمع بِنِسْبَة مَا يسى خلقا إِلَى الله تَعَالَى وَنسبَة مَا يُسمى كسبا وَطَاعَة ومعصية إِلَى الْعباد وَلم يُرِيدُوا بِكَوْن الافعال خلق الله تَعَالَى نفي كَونهَا أَفعَال الْعباد كَمَا لم يُرِيدُوا بِكَوْنِهَا كسبا للعباد نفي أَنَّهَا خلق الله وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يُرِيدُوا نسبتها إِلَى الله تَعَالَى وَحده من كل جِهَة إِذْ لم تكن كسبا وَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة فان الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة من الله تَعَالَى وَحده محالان وَلَا أَرَادوا نسبتها إِلَى الْعباد وحسم لاعتقادهم أَنَّهَا تسمى مخلوقة وَأَن الْخلق من الْعباد محَال

стр. 282

قَالَ الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى قَالَ صَاحب الْمُعْتَمد يَعْنِي أَبَا الْحُسَيْن أَن الجهم بن صَفْوَان ذهب إِلَى أَن الله تَعَالَى خَالق لأفعال الْعباد فيهم وَلَيْسوا محدثين لَهَا وَلَا مكتسبين لَهَا وَذهب النجار والاشعري إِلَى أَنه خَالِقهَا وهم يكسبونها وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَبهم وَبِه قَالَ أَكثر أهل السّنة فنفرد لكل طَائِفَة من الجبرية الخالقية والكسبية مَسْأَلَة على حِدة وَالْحَاصِل أَن الْمُخَالفين كلهم قَالُوا بقدرة العَبْد لَكِن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْقُدْرَة هِيَ عِلّة الْفِعْل مَعَ الدَّاعِي والاسفرايني زعم أَنَّهَا جُزْء من عِلّة الْفِعْل الْمَوْجُود بالقدرتين والباقلاني زعم أَنَّهَا عِلّة الْكسْب والجهم زعم أَنَّهَا معنى لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْفِعْل أصلا لكنه يُوجد مُتَعَلقا بِهِ اه وَفِيه تَحْقِيق بَالغ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَمثله ذكر ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فانه يُسَمِّي الجبرية جهمية ويخص الْجَهْمِية بالجبر وَيُوجه الردود اليهم خَاصَّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي شَرحه لأبواب الْقدر وَقَالَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره مفاتح الْغَيْب ان اثبات الاله يلجئ الى القَوْل بالجبر واسال الرُّسُل يلجئ الى القَوْل بِالْقدرِ بل هَهُنَا سر آخر وَهُوَ فَوق الْكل وَهُوَ أَنا لما رَجعْنَا الى الْفطْرَة السليمة وَالْعقل الأول وجدنَا مَا اسْتَوَى الْوُجُود والعدم بِالنِّسْبَةِ اليه لَا يتَرَجَّح أَحدهمَا الا بمرجح وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَبْر ونجد أَيْضا تفرقه بديهية بَين الحركات الاختيارية والاضطرارية وجزما بديهيا بِحسن الْمَدْح والذم والامر وَالنَّهْي وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَكَانَ هَذِه الْمَسْأَلَة وَقعت فِي حيّز التَّعَارُض بِحَسب الْعُلُوم الضرورية وبحسب الْعُلُوم النظرية وبحسب تَعْظِيم الله تَعَالَى نظرا الى قدرته وبحسب تَعْظِيمه نظرا الى حكمته وبحسب التَّوْحِيد والنبوة وبحسب الدَّلَائِل السمعية فَلهَذَا الَّذِي شرحناه والاسرار الَّتِي كشفنا حقائقها صعبت الْمَسْأَلَة وعظمت فنسأل الله الْعَظِيم أَن يوفقنا للحق وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي كِتَابه طوالع الْأَنْوَار وَقد ذكر احتجاج الْمُعْتَزلَة

стр. 283

بِالْآيَاتِ الدالات على أَن أَفعَال الله تَعَالَى لَا تُوصَف بِصِفَات أَفعَال الْعباد من الظُّلم وَنَحْوه فَيجب الْفرق بَينهمَا ثمَّ قَالَ مَا لَفظه واجيب بَان كَونه ظلما اعْتِبَار يعرض فِي بعض الْأَحْوَال بِالنِّسْبَةِ الينا لقُصُور ملكنا واستحقاقنا وَذَلِكَ لَا يمْنَع صُدُور أصل الْفِعْل عَن الْبَارِي تَعَالَى مُجَردا عَن هَذَا الِاعْتِبَار وَأعلم أَن أَصْحَابنَا لما وجدوا تَفْرِقَة بديهية بَين مَا نزاوله وَبَين مَا نحسه من الجمادات وَزَادَهُمْ قَائِم الْبُرْهَان عَن اضافة الْفِعْل الى العَبْد مُطلقًا جمعُوا بَينهمَا وَقَالُوا الْأَفْعَال وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَكسب العَبْد على معنى أَن العَبْد إِذا صمم الْعَزْم فَالله يخلق الْفِعْل فِيهِ وَهُوَ أَيْضا مُشكل ولصعوبة هَذَا الْمقَام أنكر السّلف على الناظرين فِيهِ اهـ بِحُرُوفِهِ وَأعلم أَن تَسْمِيَة الرَّازِيّ لمَذْهَب الأشعرية جبرا شَيْء تفرد بِهِ دونهم وَدون غَيرهم وَهُوَ خلاف مِنْهُ فِي الْعبارَة فقد صرح فِي نِهَايَة الْعُقُول بِبَقَاء اخْتِيَار العَبْد مَعَ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيه جبرا والمرجع بِهِ عِنْده إِلَى وُقُوع الرَّاجِح بالدواعي فانه فِي النِّهَايَة لما ذكر انه يلْزمهُم قبح الْمَدْح والذم والامر وَالنَّهْي أجَاب بَان مَذْهَبهم ان الِاخْتِيَار الى العَبْد فان اخْتَار الطَّاعَة خلقهَا الله فِيهِ عقيب اخْتِيَاره وَكَذَلِكَ الْمعْصِيَة كَمَا تَقول الْمُعْتَزلَة فِي المسببات كلون المداد وصبغ الثِّيَاب وازهاق الارواح وَالسحر وَنَحْو ذَلِك وَقد تطابق الرَّازِيّ والبيضاوي والشهرستاني على نِسْبَة هَذَا الى الاشعرية قَالَ الرَّازِيّ وَهُوَ الْوَجْه فِي تَوْجِيه الْأَمر وَالنَّهْي اليهم فقد أَجمعُوا بِنَقْل أَئِمَّة مَذْهَبهم هَؤُلَاءِ على ثُبُوت الِاخْتِيَار للْعَبد وان كَانَ الِاخْتِيَار وَاجِبا بالداعي قَالَ الرَّازِيّ مثل مَا أَجمعت الْمُعْتَزلَة على ثُبُوت الِاخْتِيَار لله تَعَالَى وان كَانَت أَفعاله وَاجِبَة بالدواعي فانه لَا يجوز عَلَيْهِ اخلال بِوَاجِب وَلَا فعل لقبيح قطعا مَعَ ثُبُوت الِاخْتِيَار مِنْهُ فِي ذَلِك وَاعْلَم أَن هَذَا الْقدر كَاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة دون زِيَادَة عَلَيْهِ أَعنِي معرفَة اخْتِيَار الْعباد وتمكين الله تَعَالَى لَهُم وَقيام حجَّته بذلك عَلَيْهِم مَعَ سبق قَضَائِهِ وَقدره وَقدرته على هدايتهم أَجْمَعِينَ وحكمته فِي ذَلِك كُله وَأما بَيَان أَقْوَالهم التفصيلية فِي ذَلِك فَاعْلَم انهم اخْتلفُوا فِي الْقدر الْمُقَابل بالجزاء وَالْقدر الْمَخْلُوق على قَوْلَيْنِ القَوْل الأول ان فعل العَبْد الِاخْتِيَارِيّ كسب للْعَبد مَخْلُوق لله تَعَالَى

стр. 284

مَقْدُور بَين قَادِرين وَكَذَلِكَ اخْتِيَاره لذَلِك الْكسْب وَهُوَ مُخَاطب بالامر وَالنَّهْي مجازى على أَفعاله بالثواب وَالْعِقَاب لما لَهُ فِي فعله واختياره من الْكسْب الِاخْتِيَارِيّ لَا لما الله فيهمَا من الْخلق وَالتَّقْدِير السَّابِق من غير تَمْيِيز للقدر المكسوب من الْقدر الْمَخْلُوق الا بالوجوه والاعتبارات فان الْفرق بهَا ضَرُورِيّ لَان معنى ذَلِك ان العَبْد فعل مَا فعله من ذَلِك طَاعَة وعصيانا وَلَوْلَا انه اوقفه على ذَلِك بارادته لذَلِك وَنِيَّته لم يُوصف بذلك وَلَا تميزت الطَّاعَة من الْمعْصِيَة وَالله سُبْحَانَهُ فعل مَا فعل من ذَلِك امتنانا وامتحانا على مَا يَأْتِي وَلَو فعله على الْوَجْه الَّذِي فعله العَبْد لسمى مُطيعًا وعاصيا وَذَلِكَ محَال فِي حَقه وانما يُسمى بأفعاله خَالِقًا ومحسنا ومبتليا وحكيما وانما قَالُوا ذَلِك وَتركُوا التَّمْيِيز جمعا بَين الْأَدِلَّة المتعارضة الْمُتَقَدّمَة وفرارا من الْخَوْض فِيمَا لم يخض فِيهِ السّلف من الفروق الدقيقة بَين هَذِه الْمعَانِي على نَحْو قَول أبي عَليّ الجبائي فِي تلاوتنا لِلْقُرْآنِ انه كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة وكلامنا حَقِيقَة وَأَن الله يتَكَلَّم مَعَ كل قَارِئ سَوَاء كَانَ صَادِق النِّيَّة مُطيعًا أَو مرائيا عَاصِيا قَالَ بذلك جمعا بَين الادلة أَدِلَّة الْعقل على ان التِّلَاوَة فعلنَا وكلامنا وَدلَالَة الاجماع على ان كَلَام الله تَعَالَى هُوَ المتلو فِي المحاريب الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَلذَلِك الْتزم أَن كَلَام الله فِي الْمَصَاحِف حَقِيقَة وان الصَّوْت كامن فِي الْحُرُوف كَمَا نَقله عَنهُ ابْن متوية فِي التَّذْكِرَة وَغَيره فَلم تلْزمهُ الْمُعْتَزلَة الْجَبْر بذلك وَلَا الضلال وَالْكفْر فَكَذَلِك كثير من أهل الحَدِيث والاثر اعتقدوا مثل ذَلِك فِي سَائِر أَفعَال الْعباد على جِهَة الايمان بِأَن الله خَالق كل شَيْء وَاخْتَارَ هَذَا من متكلميهم جمَاعَة وَهُوَ ظَاهر عبارَة الْبَيْضَاوِيّ فِي الطوالع والسبكي فِي جمع الْجَوَامِع وَالْغَزالِيّ فِي الاحياء فانه نَص فِيهِ على بطلَان الْجَبْر بِالضَّرُورَةِ وعَلى خلق الِاخْتِيَار وَالْفِعْل وروى هَذَا صَاحب الْجَامِع الْكَافِي من عُلَمَاء أهل الْبَيْت الْمُتَقَدِّمين عَن الامام أَحْمد بن عِيسَى بن زيد بن عَليّ ﵈ وروى فِيهِ عَن أَحْمد بن عِيسَى انه روى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ ان رجلا سَأَلَهُ عَن أَفعَال الْعباد فَقَالَ هِيَ من الله خلق وَمن الْعباد فعل لَا تسْأَل عَنْهَا أحدا بعدِي قَالَ أَحْمد بن عِيسَى بعد رِوَايَته انما يعذب الله الْعباد على فعلهم لَا على خلقه

стр. 285

قلت رَوَاهُ مُنْقَطِعًا بِغَيْر اسناد وَلَو صَحَّ مثل هَذَا عَن عَليّ ﵇ أَو عَن غَيره من الصَّحَابَة ﵃ مَا غفل عَن تدوينه أهل الحَدِيث قاطبة وَظَاهر كَلَام السَّيِّد أبي عبد الله الحسني فِي الْجَامِع الْكَافِي ان هَذَا مَذْهَب أهل ذَلِك الْعَصْر من أهل الْبَيْت وشيعتهم فانه ذكر ذَلِك عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن أَحْمد ابْن عِيسَى وَلم يذكر خلافًا لأحد فاما الطَّاعَة وَالْخَيْر فَلَا نَكَارَة فِي مُشَاركَة الرب لعَبْدِهِ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَلَكِن لَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك على عدم تَمْيِيز فعل العَبْد من فعل الله أصلا بل ظَاهر الْآيَات يُعْطي التَّمْيِيز بَينهمَا وَأكْثر مَا يلتبس مثل قَول عِيسَى ﵇ ﴿وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ وَلَا شكّ ان الَّذِي من عِيسَى ﵇ انما هُوَ الدُّعَاء الى الله تَعَالَى أَو الْأَمر لَهُنَّ بذلك كَمَا قَالَ لابراهيم ﵇ ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ بل كَمَا قَالَ عِيسَى فانفخ فِيهِ طائرا باذن الله فميز فعله الَّذِي هُوَ النفخ فِي الصُّورَة فَقَط وَأما فِي الْمعاصِي فَهُوَ الْمُشكل وَالَّذِي وجهوا فِيهِ انه يُمكن من طَرِيق الِابْتِلَاء ان يفعل الله من ذَلِك مَا يتم بِهِ تَمْكِين العَبْد من فعل الْقَبِيح كخلقه للقدرة عِنْد الْجَمِيع لَكِن عِنْد هَؤُلَاءِ انه لَا يتم التَّمْكِين بهَا وَحدهَا لِاسْتِحَالَة ذَلِك عِنْدهم عقلا وسمعا فلابد من أَمر زَائِد على خلق الْقُدْرَة لحكمة الله تَعَالَى فِي تَمام الِابْتِلَاء وَمِثَال ذَلِك قَوْله فِي السحر ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَقَوله ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون﴾ وَتسَمى فِي الْمعاصِي ابتلاء وامتحانا وَفِي الطَّاعَات لطفا ومعونة وَمِثَال ذَلِك عِنْد الْجَمِيع فعل
следующие страницы →