← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5956

الغاية فى شرح الهداية فى علم الرواية

السخاوي

Полный текст (294 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اهْتَدَى مِنْهَا لكثير من المتابعات لَا يهتدى بهَا لمعْرِفَة كَون الْمَتْن مرويا عَن صحابى آخر، بل التصانيف المبوبة فى هَذَا أمس، وَقَوله: [وَمَا لشيخ شَيخنَا] يُوجد فى بعض النّسخ، [وَمَا لشَيْخِنَا فشاف كَاف] وَكِلَاهُمَا صَحِيح فَالْأول هُوَ الْحَافِظ جمال الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الزكى عبد الرَّحْمَن المزى فَإِن لَهُ " أَطْرَاف السِّتَّة "، وَعَلِيهِ معول من بعده مَعَ مَا عَلَيْهِ فِيهِ من المؤاخذات الَّتِى أفرد شَيخنَا أَكْثَرهَا فى تصنيف، واستدركت مِمَّا فَاتَهُ كثيرا، والثانى هُوَ [/ ١٣١] الْحَافِظ الْعِمَاد أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن كثير فَإِنَّهُ من شُيُوخ النَّاظِم، وَهُوَ أحد كتاب شَيْخه المزى، وَضم إِلَيْهِ مسانيد أَحْمد، وَالْبَزَّار، وأبى يعلى، ومعجم الطبرانى، عشرَة كتب، وسماها " جَامع المسانيد وَالسّنَن "، وعَلى كلا الْحَالين فَلَيْسَ بكاف، فكم من كتب الحَدِيث متونها ومسندها، بل وفى الْأَجْزَاء المنثورة والمعاجم والمشيخات من طرق لم تودع فى الْكتب الْمشَار إِلَيْهَا، وَذَلِكَ بَحر لَا سَاحل لَهُ.

стр. 142

الشاذ (١٦٨ - (ص) والشاذ أَن يُخَالف الثِّقَة مَا ... يرْوى الثِّقَات فَيرى أَن وهما) (١٦٩ - أَو انْفِرَاد من نقل من لَا يحمل ... إِفْرَاد مثله فَلَيْسَ يقبل) (ش) : [الشاذ] هُوَ أَن يروي الثِّقَة شَيْئا يُخَالف فِيهِ الثِّقَات فيظن أَنه وهم فِيهِ. وَتَفْسِير الشاذ بذلك هُوَ مَذْهَب أهل الْحجاز وَهُوَ معنى قَول الشَّافِعِي ﵀ لَيْسَ من الحَدِيث أَن يرْوى الثِّقَة مَا لَا يرْوى غَيره، إِنَّمَا الشاذ أَن يرْوى الثِّقَة حَدِيثا يُخَالف مَا روى النَّاس. وَخَالف أَبُو يعلى الخليلى حَيْثُ قَالَ: الذى عَلَيْهِ حفاظ الحَدِيث أَن الشاذ: مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد شَذَّ بذلك شيخ ثِقَة كَانَ أَو غير ثِقَة، فَمَا كَانَ من غير ثِقَة فمتروك، وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَوله: وَمَا كَانَ عَن ثِقَة ... إِلَى آخِره، هُوَ شَبيه قَول الْحَاكِم: الشاذ مَا انْفَرد بِهِ ثِقَة، وَلَيْسَ لَهُ أصل متابع وَلَيْسَ إِطْلَاقهم بجيد، فَلَا بُد أَن يكون مَعَ ذَلِك مُخَالفا لما رَوَاهُ غَيره وَإِلَّا فَهُوَ غَرِيب، وَذكر ابْن الصّلاح: أَن الصَّحِيح التَّفْصِيل، فَمَا خَالف فِيهِ الْمُنْفَرد من هُوَ أحفظ مِنْهُ وأضبط فشاذ مَرْدُود وَإِن لم يُخَالف، بل روى شَيْئا لم يروه غَيره [/ ١٣٢] وَهُوَ عدل ضَابِط فَصَحِيح، أَو غير ضَابِط يبعد عَن دَرَجَة الضَّابِط فَحسن، وَإِن بعد فشاذ مُنكر، وَهُوَ تَفْصِيل حسن، وَعَلِيهِ مَشى النَّاظِم حَيْثُ اقْتصر على الْقسم الأول وَالثَّالِث من الثانى، لَكِن كَلَام ابْن الصّلاح مَحل بخالفة الثِّقَة لمن هُوَ مثله فى الضَّبْط، وَبَيَان حكمه.

стр. 143

الْمُنكر (١٧٠ - (ص) وَالْمُنكر الْفَرد لبَعض وَالأَصَح ... تَفْصِيله فَهُوَ بذى الإتقان صَحَّ) (١٧١ - كمالك فى عمر وَعمر ... وكحديث بلح بِتَمْر) (ش) اخْتلف فى الْمُنكر فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر البرديجى: هُوَ الحَدِيث الذى ينْفَرد بِهِ الرجل وَلَا يعرف مَتنه من غير رِوَايَته من الْوَجْه الذى رَوَاهُ مِنْهُ وَلَا من وَجه آخر، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقول النَّاظِم [وَالْمُنكر الْفَرد لبَعض] وَالصَّحِيح: كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح التَّفْصِيل الْمَذْكُور قَرِيبا فى الشاذ، وَأَنه إِن كَانَ الْمُنْفَرد عدلا ضابطا لم يُخَالف فَهُوَ صَحِيح، وَهُوَ معنى قَوْله: [وَالأَصَح تَفْصِيله] فَهُوَ - أى الْمُنْفَرد - بِهِ [ذُو الإتقان صَحَّ] ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مثالين أَحدهمَا: لما انْفَرد بِهِ ثِقَة يحمل تفرده، وَثَانِيهمَا: لما انْفَرد بِهِ ثِقَة لَا يحمل تفرده، فَالْأول هُوَ حَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ، عَن على بن حُسَيْن، عَن عمر بن عُثْمَان، عَن أُسَامَة بن زيد - رضى الله عَنْهُمَا - رَفعه: " لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر " فَإِن مَالِكًا خَالف

стр. 144

فى تَسْمِيَته رِوَايَة: [عمر] بِضَم الْعين غَيره، حَيْثُ هُوَ عِنْدهم [عَمْرو] بِفَتْحِهَا، وَقطع مُسلم وَغَيره على مَالك بالوهم فِيهِ. وَثَانِيهمَا: حَدِيث أَبى زُكَيْرٍ يحيى بن مُحَمَّد بن قيس، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -[/ ١٣٣] مَرْفُوعا: " كلوا البلح بِالتَّمْرِ " الحَدِيث تفرد بِهِ أَبُو زُكَيْرٍ، وَهُوَ شيخ صَالح، أخرج لَهُ مُسلم فى كِتَابه، غير أَنه لم يبلغ فَبلغ مبلغ من يحمل تفرده، وَقد ضعفه ابْن معِين وَابْن حبَان، وَقَالَ ابْن عدى: أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة، سوى أَرْبَعَة عد مِنْهَا هَذَا، إِذا عرف هَذَا فَلَيْسَ فى كَلَام النَّاظِم تبعا لِابْنِ الصّلاح ومختصراته مَا يفصل الشاذ من الْمُنكر، بل اشْترك بَينهمَا فى الْقسمَيْنِ. وَقد فصل بَينهمَا شَيخنَا حَيْثُ قرر أَن الْمُعْتَمد فى تَعْرِيف الشاذ اصْطِلَاحا أَنه: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن هُوَ أولى مِنْهُ، وفى تَعْرِيف الْمُنكر: مَا رَوَاهُ غير المقبول مُخَالفا للثقات، فالصدوق إِذا تفرد بشئ غير تَابع وَلَا شَاهد، وَلم يكن فِيهِ من الضَّبْط مَا يشْتَرط فى الصَّحِيح وَالْحسن؛ كَانَ كَأحد قسمى الشاذ، فَإِن خُولِفَ مَعَ ذَلِك

стр. 145

كَانَ أَشد فى شذوذه، وَرُبمَا سَمَّاهُ بَعضهم مُنْكرا، وَإِن بلغ الشاذ تِلْكَ الرُّتْبَة فى الضَّبْط لكنه خَالف من هُوَ أرجح مِنْهُ فى الْبَقِيَّة والضبط، كَانَ الْمَرْجُوح شاذا، وَهُوَ الْقسم الثانى، وَهُوَ الْمُعْتَمد فى تَسْمِيَته، وَأما إِذا انْفَرد المستور أَو الْمَوْصُوف بِسوء الْحِفْظ، أَو الضعْف فى بعض شُيُوخه دون بعض بشئ لَا متابع لَهُ فِيهِ وَلَا شَاهدا فَهَذَا أحد قسمي الْمُنكر، وَهُوَ الذى يُوجد فى إِطْلَاق كثير من أهل الحَدِيث، وَإِن خُولِفَ مَعَ ذَلِك فَهُوَ الْقسم الثانى، وَهُوَ الْمُعْتَمد على رأى الْأَكْثَرين، قَالَ: فَبَان بِهَذَا فصل الْمُنكر من الشاذ وَأَن كلا مِنْهُمَا قِسْمَانِ يجمعهما مُطلق التفرد، أَو مَعَ قيد الْمُخَالفَة. قلت: [/ ١٣٤] وَبِهَذَا يتَّجه قَوْله فى شرح " النخبة " بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه، لِأَن بَينهمَا اجتماعا فى اشْتِرَاط الْمُخَالفَة وافتراقا فى أَن الشاذ رِوَايَة الثِّقَة أَو صَدُوق وَالْمُنكر رِوَايَة ضَعِيف. المضطرب (١٧٢ - (ص) مُضْطَرب أَن يخْتَلف رَاوِيه ... على التساوى باخْتلَاف فِيهِ) (١٧٣ - مثل مصل لم يحد مَا ينصب ... وَعند تَرْجِيح فَلَا يضطرب) (ش) : أى: [المضطرب] هُوَ الذى يرْوى على أوجه مُخْتَلفَة، متدافعة، مُتَفَاوِتَة، على التساوى فى الِاخْتِلَاف، من وَاحِد أَو أَكثر فى السَّنَد أَو فى الْمَتْن، مثله فى السَّنَد: حَدِيث أَبى هُرَيْرَة - رضى الله عَنهُ - مَرْفُوعا -: - " فى الْمصلى إِذا لم يجد عصى بنصبها بَين يَدَيْهِ فليخط خطا " فقد اخْتلف فى سَنَده على إِسْمَاعِيل بن أُميَّة. فَقيل: عَن أَبى عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث عَن جده حُرَيْث عَن أَبى هُرَيْرَة، وَقيل عَن أَبى عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث

стр. 146

عَن أَبِيه، عَن أَبى هرير ة، وَقيل: عَن أَبى عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث عَن أَبِيه، عَن أَبى هُرَيْرَة، وَقيل: عَن عَمْرو بن حُرَيْث، عَن جده حُرَيْث، وَقيل: عَن حُرَيْث بن عمار، عَن أَبى هُرَيْرَة، وَفِيه من الِاضْطِرَاب غير ذَلِك. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث، وَلم يجِئ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقد خدش شَيخنَا هَذِه الْمقَالة بإيراده من غير هَذَا الْوَجْه، بل حقق انْتِفَاء الِاضْطِرَاب عَن هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ أَنه قَالَ: جَمِيع من رَوَاهُ: عَن إِسْمَاعِيل، عَن هَذَا الرجل إِنَّمَا وَقع بَينهم الِاخْتِلَاف فى اسْمه، أَو كنيته، وَهل رِوَايَته عَن أَبِيه، أَو عَن جده أَو عَن أَبى هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة؟ وَإِذا حقق الْأَمر فِيهِ لم يكن فِيهِ [/ ١٣٥] حَقِيقَة للاضطراب، لِأَن الِاضْطِرَاب هُوَ الِاخْتِلَاف الَّذِي يُؤثر قدحا، وَاخْتِلَاف الرِّوَايَة فى اسْم رجل لَا يُؤثر ذَلِك، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الرجل ثِقَة فَلَا ضير، وَإِن كَانَ غير ثِقَة فضعف الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ من قبل ضعفه لَا من قبل اخْتِلَاف انساب فى اسْمه، وَيُؤَيّد ذَلِك تَصْحِيح ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا لَهُ، بل صنيعهم مُقْتَض لثُبُوت عَدَالَته عِنْدهم فَمَا يضرّهُ مَعهَا أَن لَا يَنْضَبِط اسْمه إِذا عرف ذَاته، قَالَ: على إِن الطّرق الَّتِي ذكرهَا شَيخنَا يعْنى العراقى وَابْن الصّلاح مائلة لترجيح بَعْضهَا على بعض، والراجحة مِنْهَا يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا، فينتفى الِاضْطِرَاب أصلا ورأسا. يعْنى فَإِن الطّرق إِذا اخْتلفت ورجحت إِحْدَى الرِّوَايَات على الْأُخْرَى بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح بِأَن يكون راويها أحفظ، أَو أكبر، أَو أَكثر صُحْبَة

стр. 147

للمروى عَنهُ، أَو غير ذَلِك فَالْحكم للراجحة، وَلَا يكون الحَدِيث مضطربا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [وَعند تَرْجِيح فَلَا يضطرب] وَهُوَ تَصْرِيح بِمَا فهم من قَوْله: على التساوى. والمضطرب ضَعِيف، لإشعاره بِعَدَمِ الضَّبْط، وَفَاتَ النَّاظِم التَّصْرِيح بالتنبيه على ذَلِك، كَمَا أَنه لم يتَعَرَّض لمثال الِاضْطِرَاب فى الْمَتْن، وَكَأَنَّهُ تَركه لعسرة وجوده، مِثَال: تعذر الْجمع بَين الِاخْتِلَاف فِيهِ كالاختلاف فى تعْيين الصَّلَاة من " قصَّة ذى الْيَدَيْنِ ". [ومختلف] بِالنّصب، وَلكنه سكنه للضَّرُورَة. مُحَمَّد بن حُرَيْث عَن جده حُرَيْث عَن أبي هُرَيْرَة، وَقيل: عَن أَبى عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، وَقيل: عَن عَمْرو بن حُرَيْث، عَن جده حُرَيْث، وَقيل: عَن حُرَيْث بن عمار، عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه من الِاضْطِرَاب غير ذَلِك. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث، وَلم يجِئ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقد خدش شَيخنَا هَذِه الْمقَالة بإيراده من غير هَذَا الْوَجْه، بل حقق انْتِفَاء الِاضْطِرَاب عَن هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ أَنه قَالَ: جَمِيع من رَوَاهُ: عَن إِسْمَاعِيل، عَن هَذَا الرجل إِنَّمَا وَقع بَينهم الِاخْتِلَاف فى اسْمه، أَو كنيته، وَهل رِوَايَته عَن أَبِيه، أَو عَن جده أَو عَن جده أَو عَن أَبى هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة؟ وَإِذا حقق الْأَمر فِيهِ لم يكن فِيهِ [/ ١٣٥] حَقِيقَة للاضطراب، لِأَن الِاضْطِرَاب هُوَ الِاخْتِلَاف الذى يُؤثر قدحا، وَاخْتِلَاف الرِّوَايَة فى اسْم رجل لَا يُؤثر ذَلِك، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الرجل ثِقَة فَلَا ضير، وَإِن كَانَ غير ثِقَة فضعف الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ من قبل ضعفه لَا من قبل اخْتِلَاف النساب فى اسْمه، وَيُؤَيّد ذَلِك تَصْحِيح ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا لَهُ، بل صنيعهم مُقْتَض لثُبُوت

стр. 148

عَدَالَته عِنْدهم فَمَا يضرّهُ مَعهَا أَن لَا يَنْضَبِط اسْمه إِذا عرف ذَاته، قَالَ: على إِن الطّرق الَّتِي ذكرهَا شَيخنَا يعْنى العراقى وَابْن الصّلاح مائلة لترجيح بَعْضهَا على بعض، والراجحة مِنْهَا يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا، فينتقى الِاضْطِرَاب أصلا ورأسا. يعْنى فَإِن الطّرق إِذا اخْتلفت ورجحت إِحْدَى الرِّوَايَات على الْأُخْرَى بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح بِأَن يكون راويها أحفظ، أَو أكبر، أَو أَكثر صُحْبَة للمروى عَنهُ، أَو غير ذَلِك فَالْحكم للراجحة، وَلَا يكون الحَدِيث مضطربا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [وَعند تَرْجِيح فَلَا يضطرب] وَهُوَ تَصْرِيح بِمَا فهم من قَوْله: على التساوى. والمضطرب ضَعِيف، لإشعاره بِعَدَمِ الضَّبْط، وَفَاتَ النَّاظِم التَّصْرِيح بالتنبيه على ذَلِك، كَمَا أَنه لم يتَعَرَّض لمثال الِاضْطِرَاب فى الْمَتْن، وَكَأَنَّهُ تَركه لعسرة وجوده، مِثَال: تعذر الْجمع بَين الِاخْتِلَاف فِيهِ كالاختلاف فى تعْيين الصَّلَاة من " قصَّة ذى الْيَدَيْنِ ". [ومختلف] بِالنّصب، وَلكنه سكنه للضَّرُورَة. الْمَوْضُوع (١٧٤ - (ص) وَالْخَبَر الْمَوْضُوع كذب مختلق ... وَهُوَ أَقسَام فبعض اختلق) (١٧٥ - ذَاك احتسابا كفواتح السُّور ... وَلَيْلَة النّصْف وَذَا الْقسم أضرّ) (١٧٦ - وَبَعْضهمْ ظنا وَبَعض للهوى ... وَالْبَعْض للدنيا وَبَعْضهمْ غوى) (١٧٧ - وَلم يجز فى كلهَا رِوَايَة ... إِلَّا على الْبَيَان والحكاية)

стр. 149

(ش) : [الْمَوْضُوع] هُوَ المكذوب على رَسُول الله [ ﷺ ] . وَيُقَال لَهُ: المختلق والمصنوع يعْنى أَن وَاضعه اختلقه وصنعه. وَهُوَ بِحَسب قصد الْوَاضِع أَقسَام فبعض اختلقه وَاضعه، الذى نسب إِلَى الزّهْد والديانة احتسابا للخير، وتقربا إِلَى الله تَعَالَى بِزَعْمِهِ وجهله، كأبى عصمَة نوح بن أَبى مَرْيَم فى وَضعه أَحَادِيث فَضَائِل سور الْقُرْآن، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَلِكَ حَدِيث: أَبى بن كَعْب الطَّوِيل فى " فَضَائِل سور الْقُرْآن سُورَة سُورَة، وَلَقَد أَخطَأ الواحدى وَمن قَلّدهُ فى ذكره فى التَّفْسِير أُميَّة، وكالكرامية من المبتدعة جوزوا الْوَضع فى التَّرْغِيب والترهيب، وخالفوا إِجْمَاع الْمُسلمين الذى يعْتد بإجماعهم فوضعوا حَدِيث: "

стр. 150

صَلَاة النّصْف من شعْبَان " و " صَلَاة الرغائب "، و " فَضَائِل صَوْم رَجَب "، وَهَذَا الْقسم أضرّ لأَنهم لما رَأَوْا فرقة لم يرجِعوا عَنهُ، وَالنَّاس يثقون بهم ويركنون إِلَيْهِم، لما نسبوا إِلَيْهِ من الزّهْد وَالصَّلَاح، فينقلونها عَنْهُم، [وَبَعْضهمْ ظنا] ، كَمَا وَقع لِثَابِت بن مُوسَى الزَّاهِد فى حَدِيث: " من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ " حَيْثُ دخل على شريك القاضى والمستملى بَين يَدَيْهِ وَشريك يَقُول: حَدثنَا الْأَعْمَش

стр. 151

عَن أَبى سُفْيَان، عَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : وَسكت عَن إِيرَاد الْمَتْن فَلَمَّا نظر إِلَى ثَابت وَأَعْجَبهُ سمته لزهده قَالَ: من كَثْرَة صلَاته [/ ١٣٧] [وَسكت عَن إِيرَاد الْمَتْن، فَلَمَّا نظر إِلَى ثَابت و / أعجبه سمته لزهده قَالَ: من كثر صلَاته] بِاللَّيْلِ ... ، وَذكره، فَظن ثَابت أَن هَذَا هُوَ متن الْإِسْنَاد الذى وقف عقبه، ثمَّ سَرقه مِنْهُ جمَاعَة للهوى والتعصب كمأمون بن أَحْمد الهروى فى وَضعه حَدِيث: " يكون فى أمتى رجل يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس، وَقد حكى النَّاظِم فى بعض تصانيفه أَنه رأى رجلا قَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّاس مجتمعون قبل الصَّلَاة، فشرع ليورده فَسقط من قامته مغشيا عَلَيْهِ، وَكَذَا وضع نَحْو هَذَا فى أَبى حنيفَة - رحمهمَا الله تَعَالَى -

стр. 152

وَنَحْو ذَلِك مَا حَكَاهُ القرطبى عَن بعض أهل الرأى: إِنَّمَا وَافق الْقيَاس الجلى جَازَ أَن يعزى إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، وروى ابْن حبَان فى " مُقَدّمَة الضُّعَفَاء " من طَرِيق عبد الله بن يزِيد المقرى أَن رجلا من أهل الْبدع رَجَعَ عَن بدعته فَجعل يَقُول: انْظُرُوا هَذَا الحَدِيث عَمَّن تأخذونه فَإنَّا كُنَّا إِذا رَأينَا جعلنَا لَهُ حَدِيثا. [وَالْبَعْض للدنيا] والتقرب للملوك كغياث بن إِبْرَاهِيم النخعى فى وَضعه حَدِيث: " الْمُسَابقَة بالجناح للمهدى "، وَنَحْو ذَلِك من يكْسب بهَا من الْقصاص وَشبهه، كأبى سعيد المدائنى [وَبَعض غوى] كمحمد بن سعيد الشامى المصلوب وَغَيره من الزَّنَادِقَة، حَيْثُ وضعوها زندقة ليضلوا النَّاس إِلَى غير ذَلِك من الْمَقَاصِد، وَلَا يجوز رِوَايَة شَيْء من ذَلِك فى أى معنى كَانَ من الْأَحْكَام، أَو الْقَصَص، أَو الْأَمْثَال، أَو التَّرْغِيب، أَو التَّرْهِيب، مَعَ الْعلم بِهِ إِلَّا مَعَ الْبَيَان لَهُ من قبل نَفسه إِن كَانَ أَهلا، أَو الْحِكَايَة لذَلِك عَن غَيره من الْأَئِمَّة مَعَ غير بَيَان، لَكِن بِشُرُوط [/ ١٣٨] فى غير هَذَا الْمحل.

стр. 153

طرق معرفَة الْوَضع (١٧٨ - (ص) وَيعرف الْمَوْضُوع لَا بِأَن يقر ... وَاضعه بل من نبى الله سر) (١٧٩ - وَقد يكون بِفساد الْمَعْنى ... وركة اللَّفْظ وَغير معنى) (١٨٠ - فَبين النقاد كل هَذَا ... وميزوا من مان أَو من هَذَا) (ش) : أى وَيعرف هَذَا الْمَوْضُوع لَا بِإِقْرَار وَاضعه كَمَا ذكر، فَإِنَّهُ قد يكذب فى إِقْرَاره بِوَضْعِهِ مَعَ ردنا لخبره هَذَا، أَو غَيره من رواياته، بل ذَلِك سر من أسرار النُّبُوَّة، قَالَ الرّبيع بن خثيم: إِن للْحَدِيث ضوء كضوء النَّهَار يعرفهُ، وظلمة كظلمة اللَّيْل مُنكرَة وَقد يسْتَدلّ لذَلِك بِفساد مَعْنَاهُ من مُخَالفَة أصُول الشَّرْع، والمعلوم الْمَقْطُوع بِهِ وثواب النَّبِيين وَالصديقين على عمل قد لَا يكون فِيهِ عبَادَة أَو فِيهِ عبَادَة مَا فيجازف فى الْوَعيد وَكَذَا [بركَة لَفظه] ، وَرُبمَا يجْتَمع الْفساد والركة مَعًا، قَالَ ابْن الصّلاح: قد وضعت أَحَادِيث طَوِيلَة يشْهد لوضعها ركة ألفاظها ومعانيها، وَكَذَا بِغَيْر مَا ذكره من

стр. 154

الْمعَانى كقرينة حَال الراوى، مثل مَا يحْكى عَن مَأْمُون ابْن أَحْمد أَنه ذكر بِحَضْرَتِهِ الْخلاف فى كَون الْحسن سمع من أَبى هُرَيْرَة فساق فى الْحَال إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: سمع من أَبى هُرَيْرَة، وَنَحْوه قصَّة غياث ابْن إِبْرَاهِيم حَيْثُ دخل على المهدى، فَوَجَدَهُ يلْعَب بالحمام، فساق فى الْحَال إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] إِنَّه قَالَ: " لَا سبق إِلَّا فى نصل أَو خف أَو حافر أَو جنَاح "، وَلم يخف صَنِيعه فِيهِ على المهدى الذى وَضعه من أَجله، ثمَّ المروى طارة يخترعه [/ ١٣٩] الْوَاضِع، وَتارَة يَأْخُذ كَلَام غَيره كبعض الْإسْرَائِيلِيات، أَو يَأْخُذ حَدِيثا ضَعِيف الْإِسْنَاد فيركب عَلَيْهِ إِسْنَادًا صَحِيحا، ليروج، فَبين النقاد جزاهم الله خيرا كل هَذَا وميزوا عَن حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] الْكَذِب والهذيان، وَلم تعدم الْأمة المحمدية فى كل عصر من يقوم بِحِفْظ السّنة، وينفى عَنْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا وَقد توسع ابْن الجوزى فى إِيرَاد كثير من الْأَحَادِيث الَّتِى لَا ترتقى إِلَى الْوَضع، بل وفى بَعْضهَا مَا هُوَ صَحِيح وَنَحْوه، بل أغرب من هَذَا إِدْخَاله لكثير مِمَّا حكم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ فى تصانيفه الوعظية وَغَيرهَا، ساكتا عَلَيْهِ، فَلم يمش فى الطَّرِيق على سنَن وَاحِد مَعَ جلالته وإمامته، وَقَوله

стр. 155

[مان] هُوَ فى الْمَتْن، وَهُوَ الْكَذِب، [وَهَذَا] من الهذيان، وَهُوَ الْكَلَام السَّاقِط، وَفِيه وفى السطر قبله الجناس التَّام. المقلوب (١٨١ - (ص) وَالْخَبَر المقلوب أَن يكون عَن ... سَالم يأتى نَافِع ليرغبن) (ش) : [المقلوب] : وَهُوَ من أَقسَام الضَّعِيف: أَن يكون حَدِيث مَشْهُور عَن راو كسالم مثلا، فَيجْعَل مَكَانَهُ راو أخر فى طبقاته نَحْو نَافِع، ليصير لغرابته مرغوبا فِيهِ، فَقَوله: [يأتى نَافِع] بدل سَالم وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَله من الوضاعين إِسْمَاعِيل بن أبي حَيَّة اليسع، وبهلول ابْن عبيد الكندى، وَحَمَّاد بن عَمْرو النصبى، وَقد يَنْقَلِب الحَدِيث على راو بِدُونِ قصد وَيَقَع الْقلب فى الْمَتْن أَيْضا، لكنه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّنَد، وَقد أفرده النَّاظِم فى

стр. 156

نوع [/ ١٤٠] سَمَّاهُ المنقلب، وَخَالف شَيخنَا حَيْثُ جعل مَا كَانَ فى الْمَتْن المقلوب وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء الْمُبدل. (١٨٢ - وَقيل فى فَاعل هَذَا سرق ... ثمَّ مركب على ذَا أطْلقُوا) (١٨٣ - قلت وعندى أَنه الذى وضع ... إِسْنَاد ذَا لغيره كَمَا وَقع) (١٨٤ - لِلْحَافِظِ البخار فى بَغْدَاد ... والمز أَيْضا بِابْن عبد الهادى) إِنَّه قد قيل فى فَاعل هَذَا سرق، كَمَا وصف بهَا جمَاعَة، وعدت فى أَلْفَاظ التجريح، وَقد أطلق بَعضهم على هَذَا النَّوْع، وَهُوَ مَا كَانَ مَشْهُورا براو فَجعل مَكَانَهُ رَاوِيا آخر: الْمركب. وإخبار النَّاظِم أَنه غَيره، وَهُوَ - أى الْمركب - وضع متن إِسْنَاده آخر وَمَتنه لإسناد متن آخر كَمَا وَقع للبخارى الْحَافِظ، حِين قدم بَغْدَاد فامتحنه محدثوها وَوَضَعُوا لَهُ مائَة حَدِيث، مركبة الْأَسَانِيد، كل سَنَد لمتن آخر، وجعلوها عشرَة عشرَة، مَعَ كل مُحدث، وحضروا مَجْلِسه فأورد كل من الْعشْرَة حَدِيثا بِالْإِسْنَادِ الْمركب حَتَّى تمت الْمِائَة، وَهُوَ يُجيب فى كل حَدِيث: [بِلَا أعلمهُ] ، ثمَّ الْتفت إِلَى الأول، فَقَالَ: حَدِيثك الأول أوردته كَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَذَا، حَتَّى أَتَى على الْمِائَة، فَرد كل سَنَد إِلَى مَتنه، وكل متن إِلَى سَنَده، فأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ، وكما وَقع لِلْحَافِظِ أَبى الْحجَّاج المزى صَاحب " الْمُحَرر " وَقَالَ لَهُ: انتخبت من روايتك أَرْبَعِينَ حَدِيثا، أُرِيد قرَاءَتهَا عَلَيْك، وَقَرَأَ الحَدِيث

стр. 157

الأول وَكَانَ الشَّيْخ مُتكئا فَجَلَسَ، فَلَمَّا [/ ١٤١] أَتَى على الثانى تَبَسم الشَّيْخ، وَقَالَ: مَا هُوَ أَنا، ذَاك البخارى حَكَاهَا النَّاظِم فى بعض تعاليقه عَن شَيْخه ابْن كثير، قَالَ: والبخارى قَالَ لى: شَيخنَا - يعْنى ابْن كثير -: وَكَانَ هَذَا عندنَا أحسن من رده كل حَدِيث إِلَى سَنَده انْتهى، قَالَ: وَعِنْدِي إِنَّه بالمركب أشبه وَلَا مشاحة فى الِاصْطِلَاح، وَهَذَا يقْصد بِهِ الإغراب فَيكون كالوضع، وَقد يفعل اختبارا لحفظ الْمُحدث، وَهل يقبل التَّلْقِين أم لَا؟ وَتوقف العراقى فِيهِ، فَقَالَ: وفى جَوَازه نظر إِلَى أَنه إِذا فعله أهل الحَدِيث لَا يسْتَقرّ حَدِيثا، والأعمال بِالنِّيَّاتِ، وَحذف النَّاظِم يَاء النّسَب من كل من [البخارى] و [المزى] لضَرُورَة النّظم. (١٨٥ - مُنْقَلب واصله كَمَا يحب ... لسبق لفظ الراو فِيهِ يَنْقَلِب) (١٨٦ - كَمثل للفارس سَهْمَيْنِ الْفرس ... للنار ينشئ الله خلقا انعكس) (١٨٧ - ان ابْن مَكْتُوم بلَيْل يسمع ... وَقبل جُمُعَة يصلى أَربع) أى المنقلب: وَهُوَ أَن يكون على وَجه فينقلب بعض لَفظه على الراوى فيتغير مَعْنَاهُ، وَرُبمَا انعكس. وَأَشَارَ النَّاظِم بعدة أمثله، مِنْهَا حَدِيث: " أسْهم رَسُول الله [ ﷺ ] للراجل سَهْما، وللفارس سَهْمَيْنِ " فَإِن فِيهِ وللفرس سَهْمَيْنِ بدل وللفارس فَسبق اللَّفْظ من حَيْثُ ذكر الراجل

стр. 158

إِلَى الْفَارِس فَصَارَ منقلبا وَمِنْهَا الحَدِيث الذى رَوَاهُ البخارى فى أَوَاخِر صَحِيحه فى بَاب [/ ١٤٢] : ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ من حَدِيث صَالح بن كيسَان عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة - رضى الله عَنهُ - رَفعه: " اختصمت الْجنَّة وَالنَّار إِلَى ربهما " الحَدِيث وَفِيه: " أَنه ينشئ للنار خلقا " صَوَابه كَمَا رَوَاهُ فى مَوضِع آخر مِنْهَا من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن همام، عَن أَبى هُرَيْرَة، بِلَفْظ: " فَأَما الْجنَّة فينشأ الله لَهَا خلقا " فَسبق لفظ الراوى من الْجنَّة إِلَى النَّار وَصَارَ منقلبا، وَلذَلِك جزم ابْن الْقيم بِأَنَّهُ غلط، وَمَال إِلَيْهِ البلقينى، حَيْثُ أنكر هَذِه وَاحْتج بقوله:

стр. 159

﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ كَمَا بسط فى مَحَله، وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -: " أَن ابْن مَكْتُوم يُؤذن بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان بِلَال " أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَعِنْده أَيْضا، وَكَذَا ابْن حبَان، وَأحمد وَغَيرهمَا، من حَدِيث أنيسَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا " انْقَلب على بعض الروَاة وَصَوَابه: " أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل " مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر،

стр. 160

وَعَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -، وَمِنْهَا: حَدِيث: " الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة أَربع "، فَإِن الصَّوَاب فِيهِ كَمَا أخرجه مُسلم فى " صَحِيحه " من حَدِيث خَالِد بن عبد الله، عَن أَبِيه، عَن أَبى هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَون: " الْأَرْبَع بعْدهَا "، فَانْقَلَبَ على بعض رُوَاته كَمَا أفهمهُ النَّاظِم - وَإِن لم أَقف على ذَلِك إِلَى الْآن - بل الذى رَأَيْته إِنَّمَا هُوَ قلبه فى السَّنَد، نعم رَوَاهُ أَبيض أزابان الثقفى عَن منهل بِلَفْظ: " من كَانَ [/ ١٤٣] مُصَليا فيصل قبلهَا

стр. 161

أَرْبعا وَبعدهَا " وعد فى إِفْرَاده عَن سَائِر الْحفاظ من أَصْحَاب سُهَيْل فَهُوَ شَاذ، وَمِمَّا لم يذكرهُ النَّاظِم حَدِيث: " إِذا صلى أحدكُم فَلَا يبرك كَمَا يبرك الْبَعِير وليضع يَدَيْهِ قبل ركبته " كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والترمذى، وَهُوَ مُنْقَلب على بعض رُوَاته، وَصَوَابه: " وَلَا يضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ " لِأَن أَوله يُخَالف آخِره، فَإِنَّهُ إِذا وضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ

стр. 162

برك كَمَا يبرك الْبَعِير، لَكِن قد ادّعى بَعضهم فى هَذَا النّسخ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يكون من هَذَا الْبَاب، كَمَا فعل ابْن خُزَيْمَة فى ثَالِث الْأَحَادِيث إِذا قَالَ: لَا تضَاد بَين الْحَدِيثين لخبرين، إِذْ من الْجَائِز أَن يكون النبى [ ﷺ ] جعل الْأَذَان بِاللَّيْلِ تناولا بَين بِلَال، وَبَين ابْن أم مَكْتُوم، فحين يكون نوبَة أَحدهمَا لَيْلًا يكون نوبَة الآخر عِنْد طُلُوع الْفجْر، وفى الخبران على حسب الْحَالين، وَأخذ هَذَا ابْن حبَان وَجزم بِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد، قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا بعيد، وَلَو فتحنا بَاب التَّأْوِيل لَا ندفع كثير من علل الْمُحدثين. انْتهى. وَقد أفرد الْجلَال البلقينى ﵀ كثيرا من أَمْثِلَة هَذَا النَّوْع، لَكِن لَا نطيل بإيراداها، وأسلفت قَرِيبا فى المقلوب عَن شَيخنَا، أَنه جعل هَذِه الْأَمْثِلَة للمقلوب، وَمَا كَانَ فى الروَاة سَمَّاهُ الْمُبدل، فعلى هَذَا يكون عِنْد كل من النَّاظِم وَشَيخنَا نوع لم يذكرهُ ابْن الصّلاح. المدبج (١٨٨ - (ص) تدبيجهم أَن يرْوى القرين ... عَن مثله وَهُوَ لَهُ يدين) (١٨٩ - مثل أَبى هر مَعَ الصديقة ... لأوزاع مَعَ مالكهم حَقِيقَة) (ش) : التدبيج بِالدَّال الْمُهْملَة وَالْجِيم: هُوَ أَن يرْوى القرين عَن مثله، والقرين المروى عَن قرينه. [يدين] أى يجازى، يُقَال: " كَمَا تدن تدان "، كَمَا تجازى بفعلك، أَو بِحَسب مَا عملت فَالْحَاصِل: أَنه رِوَايَة كل من القرينين عَن الآخر، مَأْخُوذ من ديباجتى الْوَجْه، وهما صفحتا الْخَدين. قَالَ ابْن الصّلاح: المدبج رِوَايَة الأقران بَعضهم عَن بعض، وهم المتقاربون فى السن والإسناد، وَرُبمَا اكْتفى الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِيهِ بالتقارب فى الْإِسْنَاد، وَإِن لم يُوجد فِيهِ السن.

стр. 163

ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى مثالين لَهُ أَحدهمَا: فى الصَّحَابَة وَهُوَ رِوَايَة كلا من أَبى هُرَيْرَة وَعَائِشَة الصديقة - رضى الله عَنْهُمَا - عَن الآخر فى تابعى التَّابِعين، وَهُوَ رِوَايَة كلا من الأوزعى، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عمر الأوزعى الشامى وَمَالك بن أنس - رحمهمَا الله تَعَالَى - عَن الآخر. وَكَذَلِكَ روى التابعيان كلا من الزهرى، وَعمر بن عبد الْعَزِيز، عَن الْأُخَر. وَمن أَتبَاع الِاتِّبَاع كل من أَحْمد، وَابْن المدينى عَن الآخر، وفى الْمُتَأَخِّرين كل من المزى والبزارالي إِلَى أَحدهمَا عَن الآخر، طول مَعَ كَونه أفرد بالتأليف وَقد روى أحد القرينين عَن الآخر دون عَكسه كسليمان التيمى، حَيْثُ روى مسعر، وَلَا يعلم لمسعر عَن التيمى رِوَايَة، وهما قرينان، وَرُبمَا اجْتمعَا ثَلَاثَة، بل أَرْبَعَة من الأقران فى سلسلة، وَقَوله: [مثل أَبى هر] هُوَ بالتنكير والتذكير، نقلا من التَّأْنِيث والتصغير وَقَوله: [لاوزاع] اسْتَعْملهُ بِنَقْل حَرَكَة همزته إِلَى السَّاكِن قبلهَا، وَحذف الْهمزَة الأولى مَعَ با النِّسْبَة للضَّرُورَة. رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر (١٩٠ - (ص) وَإِن يكن بَينهمَا بعد مدى ... طبقَة ورتبة وأسندا) (١٩١ - أَعلَى عَن أدنى فَهُوَ الأكابر ... يرْوى عَن الْأَوَاخِر الأصاغر) (١٩٢ - مثل النبى عَن تَمِيم الدارى ... وَمَالك عَنهُ روى الأنصارى) (ش) : إِذا كَانَ بَين الرِّوَايَتَيْنِ غَايَة بعيدَة، وهى الْمعبر عَنْهَا بقوله: [بعد مدى] لِأَن المدى الْغَايَة، وَذَلِكَ الْبعد، إِمَّا أَن يكون الراوى أقدم طبقَة، وأكبر سنا من المروى عَنهُ، وَإِمَّا أَن يكون فى الرُّتْبَة فَقَط، بِأَن يكون أكبر قدرا فى الْحِفْظ وَالْعلم والإتقان عَن المروى عَنهُ، وَإِمَّا أَن يكون فيهمَا مَعًا، وَاقْتصر النَّاظِم على التَّصْرِيح بِهِ، وَأسْندَ الْأَعْلَى من هَذِه الْأَقْسَام عَن الْأَدْنَى، فَهَذَا يُسمى رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، وَهُوَ مَعَ الثَّلَاثَة بعده، طول

стр. 164

مَعَ كَونه أفرد بالتأليف، وَقد روى أحد القرينين عَن الآخر دون عَكسه، كسليمان التيمى، حَيْثُ روى عَن مسعر، وَلَا يعلم لمسعر عَن التيمى رِوَايَة، وهما قرينان، وَرُبمَا اجْتمع ثَلَاثَة، بل أَرْبَعَة من الأقران فى سلسلة، وَقَوله [لاوزاع] اسْتَعْملهُ بِنَقْل حَرَكَة همزته إِلَى السَّاكِن قبلهَا، وَحذف الْهمزَة الأولى مَعَ يَاء النِّسْبَة للضَّرُورَة. مِمَّا أدرجه خلال مَا سرده من الْأَقْسَام أَولا، ثمَّ أَشَارَ بالتمثيل بِرِوَايَة النبى [ ﷺ ] عَن تَمِيم الدارى، كَمَا فى صَحِيح مُسلم لحَدِيث " الْجَسَّاسَة " إِلَى الْأَخير مِنْهَا، وَهُوَ أجل مِثَال فى ذَلِك، وَلِهَذَا قدمه، وفى بعض طرقه أَنه [ ﷺ ] رأى تميما، فَقَالَ يَا تَمِيم: " حدث النَّاس بِمَا حدثتنى ". فاستفيد من ذَلِك علو الْإِسْنَاد، وتنبيه الشَّيْخ الطَّالِب على الْأَخْذ عَمَّن حدث عَنهُ، إِذا كَانَ حَيا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا مدْخل لَهُ فى هَذَا الْبَاب، وَنَحْو هَذَا الْمِثَال مَا يرْوى أَن رَسُول الله [ ﷺ ] [/ ١٤٦] قَالَ: أخبرنى عمر بن الْخطاب - رضى الله عَنهُ - أَنه: " مَا سابقت أَبَا بكر فى خير إِلَّا سبقنى " وَكَذَا من أمثلته رِوَايَة العبادلة عَن كَعْب، وَالصَّحَابَة عَن التَّابِعين، وَغير ذَلِك، والتمثيل رِوَايَة الأنصارى، وَهُوَ يحيى بن سعيد، عَن مَالك إِلَى الأول مِنْهَا، فيحيى تابعى مَاتَ بعد الْأَرْبَعين وَمِائَة وَمَالك من أَتبَاع التَّابِعين، لَا رِوَايَة لَهُ عَن أحد من الصَّحَابَة، مَاتَ فى سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، وَلم يشر إِلَى مِثَال لثانيها لكَون التَّقَدُّم فى السَّنَد هُوَ مَطْلُوب الْبَاب. وللخطيب فى هَذَا النَّوْع تصنيف حافل، وَكَذَا لغيره، وَمن فَوَائده: أَن لَا يتَوَهَّم

стр. 165

كَون المروى عَنهُ أكبر، وَأفضل من الراوى، نظرا إِلَى الْأَغْلَب فى ذَلِك فيجهل، وَقد صَحَّ قَول عَائِشَة: " أمرنَا رَسُول الله [ ﷺ ] أَن ننزل النَّاس مَنَازِلهمْ " [والآواخر] صفة للأصاغر وَهُوَ زِيَادَة للنظم. رِوَايَة الْآبَاء عَن الْأَبْنَاء وَالْأَبْنَاء عَن الْآبَاء (١٩٣ - (ص) وَحدث الْآبَاء عَن الْأَبْنَاء ... مثلى وَعَكسه كثير جارى) (ش) : هَذَانِ نَوْعَانِ، فَأَما أَولهمَا: فَهُوَ رِوَايَة الأباء عَن الْأَبْنَاء، وَهُوَ يدْخل فى رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، لكنه أخص مِنْهُ، وَله أَمْثِلَة كَثِيرَة يُؤْخَذ حلهَا من مُصَنف للخطيب فى ذَلِك، وَمن فَائِدَته الْأَمْن من توهم التَّصْحِيف وَنَحْوه، وَقَوله: [مثلى] إِشَارَة إِلَى مَا حَدثهُ بِهِ ابْنه أَبُو الْخَيْر، عَن أَخِيه أَبى الْقَاسِم على، عَن النَّاظِم أَبِيهِمَا عَن أَبى الْبَنَّا مَحْمُود بن خَليفَة قَالَا: نَا أَبى الْحَافِظ عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطى أَنى الْحَافِظ يُوسُف بن الْخَلِيل، هَكَذَا قرأته بِخَط [/ ١٤٧] النَّاظِم فى بعض تعاليقه. وَأما ثَانِيهمَا: فَهُوَ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء، الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: [وَعَكسه] وَقد أفرد بالتصنيف أَيْضا، وَيظْهر أَن من فَوَائده كَون ولد الرجل غَالِبا أمس بحَديثه بِحَيْثُ مَا يقدم مَا يَقع من ذَلِك على رِوَايَة غَيرهم

стр. 166

مِمَّن لم يكن كثير المخالطة لَهُ، أَو أخص مِنْهُ رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه عَن جده، وَأكْثر مَا بلغنَا مَا انْتَهَت الْآبَاء إِلَيْهِ فِيهِ إِلَى أَرْبَعَة عشر أَبَا. وَقد رواينا عَن مَالك ﵀ أَنه قَالَ: فى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ قَالَ: هُوَ قَول الرجل: حَدثنِي أَبى عَن جدى، وَقَالَ غَيره: الْإِسْنَاد بعضه عوالى، وَبَعضه معالى، وَقَول الرجل: حَدَّثَنى أَبى عَن جدى، من المعالى، وللعلائى مُصَنف فى ذَلِك لخصه شَيخنَا فشفى، وَكفى. السَّابِق واللاحق (١٩٤ - (ص) وَذُو اشْتِرَاك سَابق ولاحق ... فى فَرد شيخ وَهُوَ نوع لَائِق) (ش) : [السَّابِق واللاحق] : هُوَ عبارَة عَمَّن اشْترك فى الرِّوَايَة عَنهُ رِوَايَات مُتَقَدّمَة ومتأخر، تبَاين وَقت وفاتهما تباينا شَدِيدا، فَحصل بَينهمَا أمد بعيد، وَأَن الْمُتَأَخر غير مَعْدُود بِهِ من معاصرى الأول وَمن طبقته، وَمن أمثلته الْفَخر بن البخارى روى عَنهُ المنذرى، وَمَات فى سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة، وَالصَّلَاح ابْن أَبى عَمْرو، وَمَات فى سنة ثَمَانِينَ وَسَبْعمائة، وَالصَّلَاح هَذَا سمع مِنْهُ الْحَافِظ الذهبى، وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، وَآخر من لَقيته مِمَّن روى لنا عَنهُ، مَاتَ فى سنة سبعين وثمان مائَة [/ ١٤٨] وَشَيخنَا الْعِزّ ابْن الْفُرَات روى عَنهُ أَبوهُ، وَمَات سنة سبع وثمانى مائَة، وَأَصْحَابه أَرْجُو بقاءهم إِن بقى الزَّمَان إِلَى قرب الْأَرْبَعين من الْقرن الْعَاشِر، قَالَ شَيخنَا: وَأكْثر مَا وقفنا عَلَيْهِ من ذَلِك مَا بَين الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فى الْوَفَاة مائَة وَخَمْسُونَ سنة، وَذَلِكَ أَن الْحَافِظ السلفى سمع مِنْهُ أَبُو على البردانى أحد مشايخه حَدِيثا رَوَاهُ عَنهُ، وَمَات على رَأس الْخَمْسمِائَةِ، ثمَّ كَانَ آخر أَصْحَاب السلفى بِالسَّمَاعِ سبطه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مكى، وَكَانَت وَفَاته سنة

стр. 167

خمسين وسِتمِائَة، وَمن قديم ذَلِك أَن البخارى حدث عَن تِلْمِيذه أَبى الْعَبَّاس السراج بأَشْيَاء فى " التَّارِيخ " وَغير ذَلِك، وَمَات - أى البخارى - سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَآخر من حدث عَنهُ السراج بِالسَّمَاعِ، أَبُو الْحُسَيْن الْخفاف، وَمَات سنة - يعْنى الْخفاف - ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة. وغالب مَا يَقع من ذَلِك أَن المسموع مِنْهُ قد يتَأَخَّر بعد أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ زَمَانا، حَتَّى يسمع مِنْهُ بعض الْأَحْدَاث ويعيش بعد السماع مِنْهُ دهرا طَويلا، فَيحصل من مَجْمُوع ذَلِك نَحْو هَذِه الْمدَّة، وللخطيب - رَحمَه الله تَعَالَى - فِيهِ تصنيف حسن. وَقد استدرك عَلَيْهِ الذهبى وَغَيره بثمان. وَمن فَوَائده تَقْدِير حلاوة الْإِسْنَاد فى الْقُلُوب، وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم: [وَهُوَ نوع لَائِق] ويلتحق بِهِ أَن أَبَا الْقَاسِم البغوى مَاتَ فى شَوَّال سنة سبع عشرَة وثلثمائة، وَمَات الحجار فى سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، فجملة مَا بَين وفاتيهما أَرْبَعمِائَة سنة وَزِيَادَة على عشْرين سنة، وَبَينهمَا فى الْعدَد أَرْبَعَة أنفس، قَالَ الذهبى وَهَذَا [/ ١٤٩] شئ لَا نَظِير لَهُ فى الْأَعْصَار، وَهُوَ متعقب بالفخر على وأبى قلَابَة الرقاشى بَين وفاتيهما أَرْبَعمِائَة سنة وَأَرْبع عشرَة وبابن كُلَيْب بَينه وَبَين ابْن الْمُبَارك أَرْبَعمِائَة وبضع عشر، وبابن طبرزد وَابْن علية بَين وفاتيهما أَرْبَعمِائَة سنة ونيف وَعِشْرُونَ وبعائش بن عبد الهادى، وَابْن عبد الهادى وَابْن أَبى شُرَيْح بَين وفاتيهما نَحْو ذَلِك على الْأَرْبَعَة، تخص كل وَاحِد زِيَادَة على مائَة عَام واتفاق تسلسل مثله نَادِر. الْمُصحف (١٩٥ - (ص) ثمَّ الْمُصحف، واقساماً ورد ... فى الْمَتْن لفظا ثمَّ معنى وَسَنَد) (ش) : [الْمُصحف] : وَهُوَ نوع جليل، قَامَ بِهِ الْأَئِمَّة واعتنى بِهِ الْحفاظ وَلكُل من الدارقطنى والخطابى والعسكرى، وَابْن الجوزى فِيهِ بالتأليف، وَقل من يسلم من الْوُقُوع فِيهِ

стр. 168

، كَمَا صرح بِهِ الإِمَام أَحْمد حَيْثُ قَالَ: وَمن يعرى من الْخَطَأ؟ [والتصحيف] هُوَ التَّغْيِير وَذَلِكَ إِمَّا أَن يكون فى نقط الْحُرُوف، أَو فى حركاتها وسكناتها، وَرُبمَا لقب هَذَا الْبَاب ب (المحرف) وَيَقَع فيهمَا مَا يُسمى تَصْحِيف الْبَصَر، وَقد يَقع فى الْكَلِمَة تَبْدِيل بموازنتها، فيسمى تَصْحِيف السّمع، وَإِذا لَك كل الْإِشَارَة بقوله: [لفظا] أَلا يَقع تَبْدِيل فى صورتهَا بل فى مَعْنَاهَا وَيُسمى تَصْحِيف الْمَعْنى، وَهُوَ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ وَإِلَيْهِ الْإِيمَاء ب [ثمَّ] إِلَى غير ذَلِك الْأَقْسَام، وَلَا اخْتِصَاص للمتن بِوُقُوعِهِ، بل يَقع فى السَّنَد أَيْضا، وَلذَا قَالَ: [وَسَنَد] أى: وَيرد فى السَّنَد، [وأقسام] حَال مقدم، وَاسْتعْمل فى الْبَيْت الْأَقْوَى. (١٩٦ - (ص) مثل حَدِيث جَابر رمى أَبى [/ ١٥٠] ... يزن ذرة وشق الْحَطب) (ش) : هَذِه أَمْثِلَة للتصحيف فى الْمَتْن بِاعْتِبَار الْبَصَر، وهى حَدِيث جَابر - رضى الله عَنهُ -: " رمى أَبى يَوْم الْأَحْزَاب على أكحله، فكواه رَسُول الله [ ﷺ ] " صحفه غنْدر، وَقَالَ: فِيهِ أَبى بِالْإِضَافَة، وَإِنَّمَا هُوَ أَبى بن كَعْب، وَأَبُو جَابر كَانَ قد اسْتشْهد قبل ذَلِك يَوْم

стр. 169

أحد، وَحَدِيث أنس - رضى الله عَنهُ -: " ثمَّ يخرج من النَّار من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَكَانَ فى قلبه من الْخَيْر مَا يزن ذرة " بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة، والشد، قَالَ فِيهِ شُعْبَة [ذرة] بِضَم الْمُعْجَمَة وَالتَّخْفِيف، وأوقعه فى ذَلِك سبق الشّعير، وَالْبر، وَحَدِيث مُعَاوِيَة - رضى الله عَنهُ -: " لعن رَسُول الله [ ﷺ ] الذى يشقون الْخطب " بِضَم الْمُعْجَمَة، شَقِيق الشّعْر، صحفه وَكِيع بن الْجراح بِفَتْح الْمُهْملَة، فَرده عَلَيْهِ أَبُو نعيم بِالْخَاءِ، وَكَذَا صحفه أَبُو حَفْص ابْن شاهين بِجَامِع الْمَنْصُور، فَقَالَ بعض الملاحين: يَا قوم كَيفَ نعمل وَالْحَاجة ماسة. وَمِمَّا لم يذكرهُ النَّاظِم من أَمْثِلَة التَّصْحِيف حَدِيث أَبى ذَر " تعين الصَّانِع "، قَالَ فِيهِ هِشَام بن عُرْوَة: بالضاد الْمُعْجَمَة والتحتانية، وَهُوَ كَمَا رَوَاهُ الزهرى بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون ضد الأخرق هُوَ الذى لَيْسَ بصانع وَلَا يحسن الْعَمَل، وَقَالَ الزهرى: إِن هشاما صحفه، وَكَذَا قَالَ ابْن المدينى: وَصوب الدارقطنى رِوَايَة الزهرى على أَن الرِّوَايَة الأولى وجهت بِأَن المُرَاد بالضايع ذُو الضّيَاع من فقر أَو عِيَال فَيرجع إِلَى معنى الإهمال. قَالَ أهل اللُّغَة: رجل أخرق لَا ضَيْعَة لَهُ، وَحَدِيث: " من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا

стр. 170

[/ ١٥١] من شَوَّال " صحفه أَبُو بكر الصولى، فَقَالَ شَيْئا بِالْمُعْجَمَةِ والتحتانية وَحَدِيث عَائِشَة فى الْكُهَّان: " قر الدَّجَاجَة " بِالدَّال الْمُهْملَة، صحفه أَبُو بكر الإسماعيلى " عُمَيْر " بِالْفَتْح وَالْكَسْر " مَا فعل النغير " بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَة، والمهملة الْمَكْسُورَة، وَحَدِيث " صَلَاة فى أثر صَلَاة كتاب فى عليين " صحفه بَعضهم كتاب فى علميين، وَأكْثر مَا يَقع فى ذَلِك لمن قلد الصُّحُف، وَقد قيل كَمَا سلف لَا تَأْخُذُوا الْعلم من صحفى، وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْخَلِيل: أَن الصحفى يرْوى الْخَطَأ على قِرَاءَة الصُّحُف، باشتباه الصُّحُف، وَقَالَ غَيره: أَصله أَن قوما كَانُوا أخذُوا الْعلم من الصُّحُف، من غير أَن يلْقوا فِيهَا الْعلمَاء، فَكَانَ يَقع فِيمَا يَرْوُونَهُ التَّغْيِير فَيُقَال عِنْده: قد صحفوا، أى رَوَوْهُ عَن الصُّحُف، وهم مصحفون، والمصدر التَّصْحِيف. وَمن أَمْثِلَة التَّصْحِيف فى الْمَتْن بِاعْتِبَار السّمع وَلم يذكرهُ النَّاظِم، مَا رَوَاهُ ابْن لَهِيعَة عَن كتاب مُوسَى بن عقبَة إِلَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَن زيد بن ثَابت - رضى الله عَنهُ - أَنه [ ﷺ ] احْتجم فى الْمَسْجِد وَإِنَّمَا هُوَ بالراء. احتجر فى الْمَسْجِد بخص أَو حصيره " حجرَة يصلى فِيهَا، صحفه ابْن لَهِيعَة، لكَونه أَخذه من كتاب بِغَيْر سَماع.

стр. 171

(١٩٧ - (ص) وَمِنْه تَصْحِيف لحذف قد يجِئ ... كَقَوْلِه صليت قبل أَن تجئ) (١٩٨ - وضده مثل حَدِيث خطبَته ... فى الْعِيد من رجلَيْهِ فى رَاحِلَته) (١٩٩ - وَقيل فى كَانَ إِذا صلى نصب ... عنزة شَاة إِلَى الْمَعْنى ذهب) (٢٠٠ - وَقيل فِيهَا العنزى لنا شرف ... صلى إِلَيْنَا الْمُصْطَفى فاعرف) (ش) : هَذَا مِثَال التَّصْحِيف فى الْمَعْنى مَعَ اللَّفْظ، وَهُوَ مَا ذكر الْحَاكِم أَن أَعْرَابِيًا زعم أَنه [ ﷺ ] كَانَ إِذا صلى نصب بَين يَدَيْهِ شَاة، فبدل معنى الْكَلِمَة، وَهُوَ أَنه [ ﷺ ] : " كَانَ يصلى إِلَى عنزة " بِفَتَحَات، وهى حَرْبَة تركز أَمَامه، يصلى إِلَيْهَا وحرف صورتهَا، حَيْثُ سكن فِيهَا النُّون، فَهُوَ تَصْحِيف للفظ وَالْمعْنَى مَعًا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مِثَال التَّصْحِيف أَن أَبَا مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن شيخ البخارى قَالَ لَهُم يَوْمًا: " نَحن قوم لنا شرف، نَحن قوم لنا شرف، نَحن من عنزة " قد صلى إِلَيْنَا النبى [ ﷺ ] يُرِيد حَدِيث أَنه [ ﷺ ] صلى إِلَى عنزة، توهم أَنه صلى إِلَى قبلتهم، وَإِنَّمَا العنزة حَرْبَة، كَمَا تقدم، فصحف معنى الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء الصُّورَة. (٢٠١ - (ص) وَابْن مُزَاحم كَذَا ابْن الْبذر ... صَوَابه مراجم الندر) (ش) : هَذَا مِثَال للتصحيف فى السَّنَد بِاعْتِبَار الْبَصَر، وَهُوَ حَدِيث شُعْبَة بن الْعَوام بن

стр. 172

مراجم عَن أَبى عُثْمَان النهدى عَن عُثْمَان رَفعه: " لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا " الحَدِيث صحفه ابْن معِين، فَقَالَ: مُزَاحم بالزاى والحاء الْمُهْملَة، وَصَوَابه بالراء وَالْجِيم، وَمن ذَلِك مَا قَالَه ابْن جَعْفَر ابْن جرير الطبرى فِيمَن روى عَن النبى [ ﷺ ] من بنى سليم عتبَة بن الْبذر بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وبالذال الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ ابْن الندر بالنُّون والمهملة. وَمن أَمْثِلَة التَّصْحِيف فى السَّنَد بِاعْتِبَار السّمع وَلم يذكرهُ النَّاظِم مَا رَوَاهُ أَحْمد، حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، حَدثنَا شُعْبَة عَن مَالك بن عرو، عَن عبد خير، عَن عَائِشَة ﵂ أَنه صلى الله عَلَيْهِ [/ ١٥٣] وَسلم " نهى عَن الدُّبَّاء والمزفت " قَالَ احْمَد: صحفه شُعْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِد بن عَلْقَمَة، وَمِمَّا ذكره الدارقطنى فى حَدِيث عَاصِم الْأَحْوَال، رَوَاهُ بَعضهم، فَقَالَ وَاصل الْأَحْدَاث. (٢٠٢ - (ص) وَمِنْه تَصْحِيف لحذف قد يجِئ ... كَقَوْلِه صليت قبل أَن تجئ) (٢٠٣ - وضده مثل حَدِيث خطبَته ... فى الْعِيد من رجلَيْهِ فى رَاحِلَته) (ش) هَذَا مِثَال التَّصْحِيف بِحَذْف الْبَعْض، وَهُوَ حَدِيث جَابر دخل يَوْم الْجُمُعَة والنبى [ ﷺ ] يخْطب، فَقَالَ: " صليت قبل أَن تجْلِس " الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه، فَقَالَ قبل أَن يجِئ

стр. 173

، وهوتصحيف، من بعض مَا نبه عَلَيْهِ الْحَافِظ المزى، وَقَالَ: غلط فِيهِ النَّاسِخ، قَالَ: وَكتاب ابْن ماجة إِنَّمَا تداوله شُيُوخ لم يعتنوا بِهِ، بِخِلَاف الصَّحِيحَيْنِ، فَإِن الْحَافِظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما، وتصحيحهما، ثمَّ ذكر النَّاظِم مِثَالا لضد هَذَا، يعْنى التَّصْحِيف بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ حَدِيث أَبى سعيد الخدرى - رضى الله عَنهُ - فى خطْبَة الْعِيد: " كَانَ [ ﷺ ] يخرج يَوْم الْعِيد فيصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يسلم، فيقف على رَاحِلَته يسْتَقْبل النَّاس وهم جُلُوس الحَدِيث وَالصَّوَاب - وَالله أعلم - فيقف على رجلَيْهِ، زَاد فِيهِ بعض الروَاة ألفا، وَلَا ريب فى أَنه [ ﷺ ] إِنَّمَا كَانَ يخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا، والعنزة بَين يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا خطب على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر.

стр. 174

النَّاسِخ والمنسوخ (٢٠٤ - (ص) وناسخ الْمَنْسُوخ الحَدِيث ... يعرفهُ الْمُجْتَهد الرسوخ) (ش) : [النَّاسِخ والمنسوخ] فن جليل مُهِمّ صَعب، حَتَّى قَالَ الزهرى: إِنَّه أعيى الْفُقَهَاء، وأعجزهم، وَكتابه أَدخل بعض الْمُحدثين فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم [يعرفهُ [/ ١٥٤] الْمُجْتَهد الرسوخ] يعْنى الراسخ وَقد كَانَ للشافعى - رَحمَه الله تَعَالَى - لَهُ فِيهِ الْيَد الطُّولى بِحَيْثُ قَالَ أَحْمد ﵀: مَا علمنَا الْمُجْمل من الْمُفَسّر، وَلَا نَاسخ الحَدِيث من منسوخه، حَتَّى جالسناه وصنف فِيهِ ابْن أَبى دَاوُد، وَابْن الجوزى، والحازمى، وَهُوَ أوسعها، وَقد قرأته بعلو. (٢٠٥ - والنسخ مَا يرفع مَا حكما قدما ... بمتأخر كَمثل احتجما) [النّسخ] لُغَة: الْإِزَالَة، أَو التَّحْوِيل من حَال إِلَى حَال، وَأما فى الِاصْطِلَاح فَفِيهِ عِبَارَات اقْتصر النَّاظِم مِنْهَا على أَنه: رفع حكم مُتَقَدم بمتأخر، وَنَحْوه قَوْله فى بعض تعاليقه: إِنَّه حكم شرعى، بِدَلِيل شرعى، مُتَأَخّر عَنهُ، وَقَالَ: إِنَّه أَجود مَا قيل فِيهِ، احْتَرز [بِالرَّفْع] بَيَان عَن مُجمل، وبالحكم عَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة، وبالمقدم عَن التَّخْصِيص الْمُتَّصِل بالتكليف كالاستثناء وَنَحْوه. ثمَّ إِن المُرَاد بِرَفْع الحكم، قطع تعلقه بالمكلفين، وَإِلَّا فَالْحكم قديم، لَا يرْتَفع، وَلِهَذَا قَالَ شَيخنَا: هُوَ رفع تَعْلِيق حكم إِلَى آخِره، والناسخ مَا دلّ على الرّفْع الْمَذْكُور، تَسْمِيَته نَاسِخا مجَاز، لِأَن النَّاسِخ فى الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى. ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [كَمثل احتجما] إِلَى مِثَال لذَلِك وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس - رضى الله عَنْهُمَا: " أَن النبى [ ﷺ ]

стр. 175

احْتجم وَهُوَ صَائِم " قَالَ الشافعى: قد بَين أَنه نَاسخ لحَدِيث شَدَّاد ابْن أَوْس وَغَيره: " أفطر الحاجم والمحجوم " لكَونه مُتَأَخِّرًا عَنهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فى حجَّة الْوَدَاع سنة عشر، وَالْآخر كَانَ زمن الْفَتْح سنة ثَمَان وَشَدَّاد رضى الله عَنهُ مَعَه حَيْثُ رأى رجلا يحتجم فى رَمَضَان، واستفيد من التَّمْثِيل بِهَذَا أَن النّسخ يعرف بالتاريخ، وَهُوَ كذالك، وَالطَّرِيق لمعرفته. إِمَّا تنصيص الشَّارِع وَهُوَ أصرحهَا كَحَدِيث بُرَيْدَة رضى الله عَنهُ فى صَحِيح مُسلم " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة " أَو يجْزم الصحابى بِأَنَّهُ مُتَأَخّر كَقَوْل جَابر رضى الله عَنهُ " كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله [ ﷺ ] ترك الْوضُوء من مَا مست النَّار " أَو بِالْإِجْمَاع على تَأَخره، وَقيل: أَنه أَعْلَاهَا لإِفَادَة الْإِجْمَاع بِالْعلمِ وَلَا أثر لتأخير إِسْلَام الراوى لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من صحابى آخر قدم من الْمُتَقَدّم الْمَذْكُور أَو مثله فَأرْسلهُ، لَكِن إِن وَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ لَهُ من النبى [ ﷺ ] فَيتَّجه أَن يكون نَاسِخا بِشَرْط أَن يكون لم يتَحَمَّل عَن النبى [ ﷺ ] قبل إِسْلَامه.

стр. 176

وَأما الْإِجْمَاع على الْعَمَل بمضمون خبر فَلَيْسَ بناسخ بل دَال على وجوده، و [مَا] فى الْبَيْت إِمَّا مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة. (٢٠٦ - (ص) مُخْتَلف الحَدِيث معنى مِنْهُ مَا ... يُمكن أَن يجمع مَا بَينهمَا) (٢٠٧ - كَمثل لَا عدوى من المجذوم فر ... وَمرض على مصح فَاعْتبر) (٢٠٨ - وَمِنْه مَا لَا يُمكن الْجمع فَإِن ... لم يظْهر النّسخ وَإِلَّا رجحن) (ش) : هُوَ فن مُهِمّ، يضْطَر إِلَيْهِ جَمِيع الطوائف من الْعلمَاء، وَإِنَّمَا تكفل بِالْقيامِ بِهِ الْأَئِمَّة من أهل الحَدِيث، وَالْفِقْه وَالْأُصُول الغواصون على الْمعَانى، وَقد [/ ١٥٦] تكلم الشافعى ﵀ فى جُزْء من آخر " الْأُم " على جمل مِنْهُ، يُنَبه الْعَارِف على طَريقَة. سمعته وقرأته أَيْضا، ثمَّ صنف فِيهِ ابْن قُتَيْبَة، وَكَذَا للطحاوى فِيهِ تأليف حافل، قَابل للتلخيص فى آخَرين. وَحَقِيقَته أَن يُوجد حديثان متضادان فى الْمَعْنى بِحَسب الظَّاهِر، فَيجمع بَينهمَا بِمَا ينفى التضاد بَينهمَا، كَحَدِيث: " لَا عدوى وَلَا طيرة " مَعَ حَدِيث: فر من المجذوم فرارك من الْأسد " وَحَدِيث: " لَا يُورد ممرض على مصح "

стр. 177

فَإِن ظاهرهما التضاد، لَكِن قد جمع بَينهمَا بِأَن هَذِه الْأَمْرَاض لَا تعدى بطبعها، وَلَكِن الله تَعَالَى جعل مُخَالطَة الْمَرِيض للصحيح سَببا لإعداء بِهِ، بِمَ قد يخْتَلف ذَلِك عَن سَببه، كَمَا فى سَائِر الْأَسْبَاب، ففى الأول نفى مَا يَعْتَقِدهُ الْجَاهِل من كَونه يعدى بالطبع، وَلِهَذَا قَالَ " فَمن أعدى الأول "، وفى الثانى أعلم بِأَن الله تَعَالَى جعل ذَلِك سَببا لذَلِك، وحذر من الضَّرَر الذى يغلب وجوده، عِنْد وجوده، بِفعل الله تَعَالَى، وَهَذَا أى إِمْكَان الْجمع هُوَ أحد الْقسمَيْنِ الْمشَار إِلَيْهِمَا. وَمن جمع الْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة لم يشكل عَلَيْهِ شئ من ذَلِك، وَلِهَذَا كَانَ ابْن جزيمة يَقُول: لَا أعرف حديثين صَحِيحَيْنِ متضادين، فَمن كَانَ عِنْده فليأتنى لأولف بَينهمَا. وَالْقسم الثانى: مَا لَا يُمكن الْجمع فَإِن علمنَا نَاسِخا قدمْنَاهُ، وَإِلَّا عَملنَا بالراجح مِنْهُمَا، ووجوه التَّرْجِيح تزيد على الْمِائَة، كالترجيح بِكَثْرَة الروَاة، أَو بصفاتهم، وَإِن لم يظْهر للمجتهد مَحل التَّرْجِيح، توقف حَتَّى يظْهر، وَقيل: يهجم فيفتى بِوَاحِد مِنْهَا، أَو يُفْتى بِوَاحِد مِنْهَا فى وَقت، كَمَا يفعل [/ ١٥٧] الإِمَام أَحْمد مِمَّا شهد رِوَايَات أَصْحَابه، وَأما الثَّانِيَة زَائِدَة بِخِلَاف مَا قبلهَا، وَمَا بعْدهَا فموصولة.

стр. 178

معرفَة الصَّحَابَة (٢٠٩ - (ص) أما الصحابى فَكل مُسلم ... رأى النبى على الصَّحِيح فيهم) (ش) لما انْتهى النَّاظِم من بَيَان مَا أجمله من الْأَنْوَاع شَيْئا فَشَيْئًا مَعَ إِدْخَال أَشْيَاء كَمَا سبق، شرع فى بَيَان كثير من الْأَنْوَاع المختصة بالرواة، بعد سبق أَنْوَاع لَهَا كالتدليس، والأكابر وَغَيرهمَا، مِمَّا كَانَ ضمه مَعَ مَا سيأتى أليق، وأهمها معرفَة الصَّحَابَة والتصانيف فِيهِ كَثِيرَة وَفَائِدَة معرفَة الصَّحَابَة والتابعى تميز الْمُتَّصِل من الْمُرْسل، وَاخْتلف فى حد الصحابى، الْمَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث، وَجَمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ، أَنه كل من رأى النبى [ ﷺ ] ، وَهُوَ مُسلم وَمِمَّنْ صرح بذلك البخارى فَإِنَّهُ قَالَ فى صَحِيحه: وَمن صحب النبى [ ﷺ ] ، أَو رَآهُ من الْمُسلمين، فَهُوَ من أَصْحَابه، وَسَبقه شَيْخه ابْن المدينى: فَقَالَ وَمن صحب النبى [ ﷺ ] أَو رَآهُ وَلَو سَاعَة من نَهَار، فَهُوَ من أَصْحَاب النبى [ ﷺ ] . وَالتَّقْيِيد بِالْمُسلمِ يخرج من رَآهُ من الْكفَّار، وَلَو اتّفق إِسْلَامه بعد مَوته، وَلَكِن يرد عَلَيْهِ من رَآهُ مُسلما، ثمَّ ارْتَدَّ، وَلم يعد إِلَى الْإِسْلَام، كعبيد الله بن جحش، فَإِنَّهُ لَيْسَ بصحابى اتِّفَاقًا. أما لَو ارْتَدَّ، ثمَّ عَاد، إِلَى الْإِسْلَام، وَلَكِن لم يره ثَانِيًا بعد عوده، كالأشعت بن قيس، فَالصَّحِيح أَنه مَعْدُود فى الصَّحَابَة. وَأما التَّقْيِيد بالرواية فَالْمُرَاد بِهِ مَعَ زَوَال الْمَانِع مِنْهَا، كَابْن أم مَكْتُوم، فَإِنَّهُ كَانَ أعمى، وَهُوَ صحابى جزما [/ ١٥٨] وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فى بعض تعاليقه تبعا لغيره، وَلَو قيل فِيهِ: من لقى يعْنى بدل من رأى، لَكَانَ أحسن؛ ليدْخل فِيهِ الْأَعْمَى كَابْن أم مَكْتُوم وَغَيره وَحِينَئِذٍ فَالْأَحْسَن فى تَعْرِيفه: أَنه من لقى النبى [ ﷺ ] ، وَلَو تخللت ردة على الصَّحِيح، وَكَأن النَّاظِم إِنَّمَا صحّح التَّعْرِيف السَّابِق، بِالنِّسْبَةِ لمن اشْترط طول الصُّحْبَة لَهُ [ ﷺ ] ، وَكَثْرَة المجالسة لَهُ، على طَرِيق التتبع لَهُ، وَالْأَخْذ عَنهُ، ولغير ذَلِك من الْأَقْوَال، كالبلوغ أَو التَّمْيِيز

стр. 179

(٢١٠ - (ص) وهم بِالْإِجْمَاع عدُول أجمع ... أفضلهم فالخلفاء الْأَرْبَع) (٢١١ - فستة فَأهل بدر فأحد ... فبيعة الرضْوَان فالمكثر عد) (٢١٢ - أَبُو هُرَيْرَة ابْن عَبَّاس أنس ... عَائِشَة ابْن عمر جَابر بسر) (ش) الصَّحَابَة بأسرهم عدُول مُطلقًا، لظواهر الْكتاب وَالسّنة، قَالَ تَعَالَى خطابا للموجودين حِينَئِذٍ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أى عُدُولًا وَقَالَ أَيْضا ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ [ ﷺ ] : " لَا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه " وَقَالَ أَيْضا: " خير النَّاس قرنى، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " مُتَّفق عَلَيْهِمَا، أجمع من يعْتد بِهِ على ذَلِك، سَوَاء فى التَّعْدِيل من لَا بس الْفِتْنَة مِنْهُم وَغَيره، لوُجُوب حسن الظَّن بهم حملا للملابس على الِاجْتِهَاد، ونظرا إِلَى مَا عهد بهم من المآثر من امْتِثَال أوامره [ ﷺ ] وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عَنهُ الْكتاب وَالسّنة، وهدايتهم [/ ١٥٩] النَّاس ومواظبتهم على الصَّلَوَات والزكوات، وأنواع القربات مَعَ الشجَاعَة، والبراعة، وَالْكَرم، والإيثار، والأخلاق الحميدة، الَّتِى لم تكن فى أمة من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة، وَلَا يكون أحد بعدهمْ مثلهم فى ذَلِك، كل محلول نظره [ ﷺ ] ، وأفضلهم على الْإِطْلَاق عِنْد أهل السّنة إِجْمَاعًا أَبُو بكر، ثمَّ عمر، وَأما من بعدهمَا فالجمهور على أَنه عُثْمَان، قَالَ ابْن عمر - رضى الله عَنْهُمَا -:

стр. 180

" كُنَّا نخير بَين النَّاس فى زمن النبى [ ﷺ ] فنخير أَبَا بكر ثمَّ عمر، ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان " وفى لفظ " كُنَّا فى زمن النبى [ ﷺ ] لَا نعدل بأبى بكر أحدا ثمَّ عمر، ثمَّ عُثْمَان، ثمَّ نَتْرُك أَصْحَاب النبى [ ﷺ ] لَا نفاضل بَينهم " انْتهى، ثمَّ بعد عُثْمَان على وَحكى الخطابى عَن بعض أهل السّنة من الْكُوفَة تَقْدِيمه على عُثْمَان، وَبَعْضهمْ توقف فيهمَا، وَلَكِن الذى اسْتَقر عَلَيْهِ مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث وَأهل السّنة، كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح تَقْدِيم عُثْمَان، وَهُوَ رأى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، واجتهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فى الشورى ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها، حَتَّى سَأَلَ النِّسَاء فى خُدُورهنَّ، وَالصبيان، فَلم يرهم يعدلُونَ بعثمان أحدا، فقدمه، وَلِهَذَا قَالَ الدارقطنى: من قدم عليا على عُثْمَان، فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار. وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور البغدادى: أَصْحَابنَا مجمعون على أَن أفضلهم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، ثمَّ السِّتَّة، تَمام الْعشْرَة، يعْنى بهم طَلْحَة، وَالزُّبَيْر، وَسعد، وَسَعِيد، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَبا عُبَيْدَة عَامر بن الْجراح، وإليهم أَشَارَ شَيخنَا بقوله [/ ١٦٠] الذى أنشدنيه غير مر ة شعرًا: (لقد بشر الهادى من الصحب زمرة ... بجنات عدن كلهم فَضله اشْتهر) (سعيد، زبير، سعد، طَلْحَة، عَامر ... أَبُو بكر، عُثْمَان، ابْن عَوْف، على، عمر) وَكَذَا عَمَلهم فى بَيت مُفْرد أَبُو الْوَلِيد بن الشّحْنَة، وَلم يثبت عندى أسبقهما، فَقَالَ:
следующие страницы →