Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قُلْتُ: وَهُوَ وَإِنْ سَبَقَهُ شَيْخُهُ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْمَيْلِ إِلَيْهِ وَظَنِّ الْغَلَطِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ قَالَ: ثَانِي عَشَرَ. غَلِطَ مِنَ الْمَوْلِدِ إِلَى الْوَفَاةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَذِّرٌ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخِ إِلَّا عَلَى الْمَحْمَلِ الْمَاضِي لَهُ مَعَ خَدْشِهِ، مُسْتَلْزِمٌ لِتَوَالِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي النَّقْصِ، وَكَلَامُهُ أَوَّلًا مُشْعِرٌ بِالتَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرَ، فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. فَمُشْكِلٌ ; لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرَ الْأَرْبِعَاءَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِكَوْنِ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسَ، مَهْمَا فُرِضَتِ الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: ثُمَّ بَدَأَ بِهِ مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرَ. يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ صَفَرَ الْخَمِيسُ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ أَيْضًا.
[الاخْتُلاِفَ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ ثُمَّ مُدَّتِهِ ثُمَّ وَقْتِ وَفَاتِهِ وَدَفْنِهِ]
وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ ثُمَّ مُدَّتِهِ ثُمَّ وَقْتِ وَفَاتِهِ وَدَفْنِهِ ﷺ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ أَوْ يَوْمُ السَّبْتِ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِنَقْصِهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي (الرَّوْضَةِ) ، وَصَدَّرَ بِالثَّانِي، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ. وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ ضُحًى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَأَلْقَى السَّجْفَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ بَعْدَ الضُّحَى، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ النِّصْفِ الثَّانِي، فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الضُّحَى، وَهُوَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنَ النِّصْفِ الثَّانِي، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَتْ عَائِشَةُ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِهَا فَقَالَتْ: ( «مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - ارْتِفَاعَ الضُّحَى
стр. 1332
وَانْتِصَافَ النَّهَارِ» ) . وَنَحْوُهُ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: (تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ حَيْثُ زَاغَتِ الشَّمْسُ) . وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي (النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لَهُ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَقِيلَ: إِنَّهُ سَاعَةَ وَفَاتِهِ وَهِيَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي (الْإِكْلِيلِ) : إِنَّهُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَثْبَتُهَا. وَقِيلَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ. رَوَاهُ سَيْفٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ دُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ. وَصَدَّرَ بِهِ الْحَاكِمُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُمَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ كَمَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ: ( «أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ فِي الضُّحَى يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ الْغَدَ فِي الضُّحَى» ) ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ. كَمَا فِي خَبَرٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ( «مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ» ) .
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ( «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ» ) . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَلَبِثَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَحُبِسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى دُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ، وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ سَلَفًا وَخَلَفًا، مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَحَّحَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ كَمَا أَسْنَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ( «تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَمَكَثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ حَتَّى دُفِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ» ) . وَهَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ( «لَمَّا فَرَغُوا مِنْ غُسْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1333
وَتَكْفِينِهِ وَضَعُوهُ حَيْثُ تُوُفِّيَ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ» .
وَقِيلَ: كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ وَفِيهِ: (ثُمَّ تُوُفِّيَ فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّاسُ أَرْسَالًا أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ تَدْخُلُ الْعُصْبَةُ تُصَلِّي وَتُسَلِّمُ، لَا يَصُفُّونَ، وَلَا يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِمْ مُصَلٍّ، حَتَّى فَرَغَ مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ ثُمَّ دُفِنَ. وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا أُخِّرَ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ ; لِيَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِ ; لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى نِزَاعٍ وَاخْتِلَافٍ، لَا سِيَّمَا فِي مَحَلِّ دَفْنِهِ، وَهَلْ يَكُونُ لَحْدًا أَوْ شَقًّا. (وَقُبِضَا) أَيْ: مَاتَ، (عَامَ ثَلَاثَ عَشْرٍ) بِسُكُونِ ثَانِيهِ أَيْضًا بِالتَّنْوِينِ هُنَاكَ وَدُونِهِ هُنَا مِنَ الْهِجْرَةِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (التَّالِي) لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِخْلَافِ وَالْوَفَاةِ، (الرِّضَا) أَيِ: الْمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا فِي السَّنَةِ، قِيلَ: فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا. وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ وَالْفَلَّاسِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْمِزِّيُّ، وَقِيلَ: فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالذَّهَبِيُّ فِي (الْعِبَرِ) ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْهُ. رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ، فَقِيلَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَقِيلَ: لِلَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْخُلَفَاءِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، بَلْ رُوِيَتْ وَفَاتُهُ فِي مَسَاءِ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ فِي صَحِيحِ
стр. 1334
الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ. وَالْقَائِلُونَ بِالثَّانِي اخْتَلَفُوا أَيْضًا، فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْهُ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ. وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السِّيَرِ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَشِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوْ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ أَوْ عَشِيَّةَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ. زَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَقِيلَ: لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ، شَهِيدًا ; لِقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَالْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَكَلَا خَزِيرَةً، أُهْدِيَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ الْحَارِثُ وَكَانَ طَبِيبًا: ارْفَعْ يَدَكَ، وَاللَّهِ إِنَّ فِيهَا لَسُمُّ سَنَةٍ، فَلَمْ يَزَالَا عَلِيلَيْنِ حَتَّى مَاتَا عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَدُفِنَ مَعَ صَاحِبِهِ بِبَيْتِ عَائِشَةَ.
[وفاة عمر ﵁]
(وَ) مَاتَ (لِثَلَاثٍ) مِنَ السِّنِينَ (بَعْدَ عِشْرِينَ) سَنَةً فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْفَارُوقُ (عُمَرْ) ، بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَدُفِنَ فِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ; وَلِذَا أَرَّخَ الْفَلَّاسُ مَوْتَهُ فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمِزِّيِّ، وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيُّ: إِنَّهُ قُتِلَ لِأَرْبَعٍ أَوْ ثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ حِينَ طَعْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ لَهُ ; فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ. وَقِيلَ: لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
стр. 1335
فَغَلَطٌ. وَدُفِنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵃.
[مقتل عثمان ﵁]
(وَ) عَامَ (خَمْسَةٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ) عَامًا فِي ذِي الْحِجَّةِ أَيْضًا (غَدَرْ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ، أَيْ: تَرَكَ لِلْوَفَاءِ بِعَهْدِ الْإِسْلَامِ، (عَادٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا أَلْفٌ حَيْثُ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي الظُّلْمِ، قِيلَ: إِنَّهُ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، أَوْ سَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ أَوْ رُومَانُ الْيَمَامِيُّ أَوْ رُومَانُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، (بِعُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ ﵁، فَقَتَلَهُ، وَكَوْنُهُ جَبَلَةَ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ كِنَانَةَ مَوْلَى صَفِيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ قَاتِلَ عُثْمَانَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ: جَبَلَةُ. بَاسِطٌ يَدَهُ أَوْ رَافِعٌ يَدَهُ يَقُولُ: أَنَا قَاتِلُ نَعْثَلٍ. يَعْنِي عُثْمَانَ ﵁، وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنَ دَارِمٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ قَامَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ سَبْعَ عَشْرَةَ كَرَّةً يَقْتُلُ مَنْ حَوْلَهُ وَلَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ حَتَّى مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي وَقْتِ قَتْلِهِ فَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي أَوَّلِهَا، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ أَوْ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَقِيلَ: كَمَا فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ. وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: إِنَّهُ خَطَأٌ مِنْ رَاوِيهِ. ثُمَّ عَلَى الْأَشْهُرِ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهِ مِنَ الشَّهْرِ، فَقِيلَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْهُ. كَمَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي (فَضَائِلِ عُثْمَانَ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، وَكَذَا قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَزَادَ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، بَلِ ادَّعَى ابْنُ نَاصِرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ
стр. 1336
لِثَمَانٍ خَلَتْ مِنْهُ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَادَّعَى أَيْضًا الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قُتِلَ عَلَى رَأْسِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا أَوِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ خِلَافَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ثَانِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَقِيلَ: لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ. وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْهُ. وَقِيلَ كَمَا لِأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقِيلَ كَمَا لِلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ. وَقِيلَ: لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ. وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَلَامَهُ.
وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي الْيَوْمِ فَقِيلَ: لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ: يَوْمَهَا. وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ. وَدُفِنَ كَمَا قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي حَشِّ كَوْكَبٍ كَانَ عُثْمَانُ اشْتَرَاهُ فَوَسَّعَ بِهِ الْبَقِيعَ.
وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ عُمُرِهِ، فَقِيلَ كَمَا لِابْنِ إِسْحَاقَ: ثَمَانُونَ. وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ. قَالَهُ أَبُو الْيَقْظَانِ، يَعْنِي وَأَشْهُرًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَادَّعَى الْوَاقِدِيُّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سِتٌّ وَثَمَانُونَ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ وَثَمَانُونَ. وَقِيلَ: تِسْعُونَ. وَزَعَمَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الثَّمَانِينَ.
[مقتل علي بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁]
(كَذَلِكَ) غَدَرَ (بِعَلِي) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَهُ غِيلَةً (فِي) شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ (الْأَرْبَعِينَ) مِنَ الْهِجْرَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ أَحَدُ الْخَوَارِجِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ
стр. 1337
أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَفُرْسَانِ قَوْمِهِ الْمَعْدُودِينَ بِمِصْرَ، وَكَوْنُهُ عَابِدًا قَانِتًا لِلَّهِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، لَكِنَّهُ بِفَتْقِهِ فِي الْإِسْلَامِ هَذَا الْفَتْقَ الْعَظِيمَ الَّذِي زَعَمَ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ، وَهُوَ (ذُو الشَّقَاءِ الْأَزَلِي) أَيِ: الْقَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، بَلْ هُوَ أَشْقَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِقَوْلِهِ مُخَاطِبًا لِعَلِيٍّ: ( «أَشْقَى النَّاسِ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، حَتَّى تُخَضَّبَ هَذِهِ» ) . يَعْنِي لِحْيَتَهُ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ صُهَيْبٍ، بَلْ يُرْوَى أَنَّهُ حِينَ دَعَا عَلِيٌّ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ لِيُبَايِعَ ; فَرَدَّهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ جَاءَ فَرَدَّهُ، ثُمَّ جَاءَ فَبَايَعَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا يُحْبَسُ أَشْقَاهَا، أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخَضِّبَنَّ هَذِهِ. وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ مِنْ هَذِهِ وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ قَتْلُهُ مِنَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ، فَقِيلَ: لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ. حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَاتَ غَدَاةَ الْيَوْمِ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي (الْعِبَرِ) .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ضُرِبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشَرَةَ بَقِيَتْ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ وَالشَّعْبِيُّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّهُ ضُرِبَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَقُبِضَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ. وَقَالَ الْفَلَّاسُ: لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قُتِلَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَقِيَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَمَاتَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ. وَقِيلَ: مَاتَ يَوْمِ الْأَحَدِ. وَشَذَّ ابْنُ زَبْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قُتِلَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعِ عَشَرَةٍ مَضَتْ مِنْهُ، سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ ; وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّهُ وَهِمَ لَمْ أَرَ مَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ. وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ دَفْنِهِ فَقِيلَ: فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ أَوْ فِي رَحْبَةَ الْكُوفَةِ أَوْ بِنَجَفِ الْحِيرَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَجَزَمَ الصَّغَانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ قُتِلَ بِالْكُوفَةِ، وَدُفِنَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ بَابِ كِنْدَةَ فِي
стр. 1338
الرَّحْبَةِ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ جُهِلَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ، وَقَتَلَ أَوْلَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَاتِلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ فَقُطِعَتْ أَرْبَعَتُهُ وَلِسَانُهُ وَسُمِلَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ أُحْرِقَ.
[مقتل طلحة والزبير ﵄]
(وَطَلْحَةٌ) بِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ، هُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: (مَعَ الزُّبَيْرِ) ابْنِ الْعَوَامِّ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْعَشَرَةِ (جُمِعَا) قُتِلَا فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ: (سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) مِنَ الْهِجْرَةِ، بَلْ قِيلَ: فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ وَيَوْمٍ وَاحِدٍ (مَعَا) وَاخْتُلِفَ فِي شَهْرِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ الَّتِي كَانَتْ بِنَاحِيَةِ الطَّفِّ، فَقِيلَ: كَانَتْ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَبِهِ جَزَمَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَالْوَاقِدِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ خَلِيفَةُ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَاللَّذَانِ بَعْدَهُ وَالْجُمْهُورُ: يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَقِيلَ كَمَا لِلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأَوَّلِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ حَيْثُ أَرَّخَ وَفَاتَهُمَا بِهِ، وَعَيَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنْ فِي مَوْضِعَيْنِ ; فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ طَلْحَةَ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي الزُّبَيْرِ عَلَى الثَّانِي، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الْمِزِّيُّ، وَكَذَا قِيلَ فِي قَتْلِ طَلْحَةَ كَمَا لَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ: إِنَّهُ فِي رَبِيعٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَكَمَا لِأَبِي نُعَيْمٍ: إِنَّهُ فِي رَجَبٍ، بَلْ قَالَهُ فِي الزُّبَيْرِ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ صَبِيحَةِ الْجَمَلِ. وَهَذَا يَقْضِي أَنَّهُ فِي حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الْآخَرِ، وَقَاتِلُ طَلْحَةَ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَا خِلَافٍ
стр. 1339
أَخْذًا بِثَأْرِهِ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ فِيمَا قِيلَ: أَعَانَ عَلَى قَتْلِ ابْنِ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، فَبَادَرَ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ: لَا أَطْلُبُ ثَأْرِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ نَزَعَ لَهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي عَيْنِ رُكْبَتِهِ، فَمَا زَالَ الدَّمُ يَسِيحُ إِلَى أَنْ مَاتَ، هَذَا مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ مَرْوَانَ وَطَلْحَةَ كَانَا مَعَ عَائِشَةَ، فَهُمَا فِي حِزْبٍ وَاحِدٍ، وَعُدَّ قَتْلِ طَلْحَةَ مِنْ مُوبِقَاتِ مَرْوَانَ، وَقَاتِلُ الزُّبَيْرِ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ غَدْرًا، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ بِمُعَاوَنَةٍ مِنْ فَضَالَةَ بْنِ حَابِسٍ وَنُفَيْعٍ، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي السِّبَاعِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْجَمَلِ ; فَإِنَّهُ - كَمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى - تَوَافَى فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ هُوَ وَعَلِيٌّ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: (أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ) ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ إِلَى الْآنَ وَانْصَرَفَ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ فَبَلَغَ الْأَحْنَفَ فَقَالَ: حَمَلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا ضَرَبَ بَعْضُهُمْ حَوَاجِبَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ أَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِبَيْتِهِ، فَسَمِعَهَا عَمْرٌو فَانْطَلَقَ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ وَأَعَانَهُ مَنْ ذَكَرْنَا، فَقَتَلُوهُ، وَأَتَى عَمْرٌو بَعْدَ ذَلِكَ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَذَفَهُ فِي السِّجْنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَظَنَنْتَ أَنِّي قَاتِلٌ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ بِالزُّبَيْرِ، خَلِّ سَبِيلَهُ. وَكَانَ مَبْلَغُ سِنِّهِمَا فِيمَا قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ، ثُمَّ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَلْحَةَ خَاصَّةً، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، فَبِالنِّسْبَةِ لَطَلْحَةَ قِيلَ: سِتُّونَ. قَالَهُ الْمَدَايِنِيُّ، وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ. قَالَهُ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ. قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسَبْعُونَ. حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: مَا أَظُنُّ ذَلِكَ. وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلزُّبَيْرِ قِيلَ: بِضْعٌ وَخَمْسُونَ. وَقِيلَ: سِتٌّ وَسِتُّونَ. وَقِيلَ: سَبْعٌ وَسِتُّونَ. قَالَهُمَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَبِالثَّانِي مِنْهُمَا صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسَبْعُونَ.
стр. 1340
[موت سَعْدٌ ابن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁]
(وَعَامَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ) مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (قَضَى) أَيْ: مَاتَ سَعْدٌ، هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ وَآخِرُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مَوْتًا، وَقِيلَ: خَمْسِينَ أَوْ إِحْدَى أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، كُلُّهَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ وَابْنِ سَعْدٍ وَالْهَيْثَمِ ابْنِ عَدِيٍّ وَابْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي مُوسَى الزَّمِنِ وَالْمَدَايِنِيِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ زَبْرٍ عَنِ الْفَلَّاسِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ: إِنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَالثَّانِي: قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالثَّالِثُ: حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْفَلَّاسِ أَيْضًا، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ، وَالرَّابِعُ: حُكِيَ عَنِ الْفَلَّاسِ أَيْضًا وَغَيْرِهِ، وَالْأَخِيرُ قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَلِكَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، وَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى دُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَسِنُّهُ قِيلَ: ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ. وَبِهِ جَزَمَ الْفَلَّاسُ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقِيلَ: اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ. ثَانِيهِمَا قَوْلُ أَحْمَدَ.
[موت سعيد بن زيد ﵁]
(وَقَبْلَهُ سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ ; (فَإِنَّهُ مَضَى) أَيْ: مَاتَ عَلَى الْمَشْهُورِ (سَنَةَ إِحْدَى بَعْدَ خَمْسِينَ) سَنَةً مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَالْهَيْثَمُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَالْمَدَايِنِيُّ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَخَلِيفَةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا.
стр. 1341
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَذَا حَكَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ سَعِيدٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. قَالَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ: وَلَا يَصِحُّ، فَإِنَّ سَعْدًا الَّذِي قَبْلَهُ فِي الذِّكْرِ شَهِدَهُ وَنَزَلَ حُفْرَتَهُ وَوَفَاتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ - كَمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ - بِالْعَقِيقِ أَيْضًا، وَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا، وَقَالَ الْهَيْثَمُ: إِنَّهَا بِالْكُوفَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَدُفِنَ بِهَا وَلَا يَصِحُّ، وَسِنُّهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ; إِمَّا ثَلَاثٌ، فِيمَا قَالَهُ الْمَدَايِنِيُّ وَالْهَيْثَمُ، أَوْ أَرْبَعٌ، فِيمَا قَالَهُ الْفَلَّاسُ.
[موت عبد الرحمن بن عوف ﵁]
(فِي عَامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ) مِنَ الْهِجْرَةِ، (تَفِي) أَيْ: تَتِمُّ وَتَكْمُلُ، (قَضَى) أَيْ: مَاتَ (ابْنُ عَوْفٍ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَحَدُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي قَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْوَاقِدِيُّ وَالْهَيْثَمُ وَالْفَلَّاسُ وَالزَّمِنُّ، وَالْمَدَايِنِيُّ وَخَلِيفَةُ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقِيلَ: إِحْدَى وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَقِيلَ: إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ. قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَمَبْلَغُ سِنِّهِ قِيلَ: اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وَلَدِهِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقِيلَ: خَمْسٌ. قَالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالْوَاقِدِيُّ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ. قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَوْصَى لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا مِائَةَ نَفْسٍ، وَصُولِحَتْ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ عَنْ رُبُعِ الثُّمُنِ بِثَمَانِينَ أَلْفًا.
стр. 1342
[موت أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁]
(وَالْأَمِينُ) لِلْأُمَّةِ وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، (سَبَقَهْ) أَيْ: سَبَقَ ابْنَ عَوْفٍ بِالْوَفَاةِ ; فَإِنَّهُ مَاتَ (عَامَ ثَمَانِي) بِالسُّكُونِ لِلْوَزْنِ (عَشْرَةٍ) بِإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ لُغَةً، وَبِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ حَالَ كَوْنِ وَفَاتِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى مَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ، (مُحَقَّقَهْ) ; لِكَوْنِهِ هُوَ الْمَشْهُورَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ وَالْفَلَّاسُ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ بِفَتَحَاتٍ، وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْمِيمُ، اسْمُ مَوْضِعٍ بِالشَّامِ، وَأَرَّخَهَا ابْنُ مَنْدَهْ وَإِسْحَاقُ الْقِرَابُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقَبْرُهُ بِبَيْسَانَ، وَقِيلَ: بِالْعَادِلِيَّةِ قَرِيبًا مِنْ عَمْتَا الَّتِي بُعْدُهَا عَنْ بَيْسَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (التَّلْقِيحِ) : قُبِرَ بِعَمَوَاسَ، فَلَعَلَّهُ الِاسْمُ الْقَدِيمُ لِلْعَادِلِيَّةِ، فَالْعَادِلِيَّةُ بِلَا رَيْبٍ اسْمٌ مُحْدَثٌ.
[وفيات المعمرين من الصحابة]
وَلَمَّا تَمَّ ذِكْرُ وَفَيَاتِ الْعَشَرَةِ أَرْدَفَ بِالْمُعَمَّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (وَعَاشَ حَسَّانٌ) بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ شَاعِرُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَ (كَذَا حَكِيمُ) بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ ابْنِ أَخِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ، الصَّحَابِيَّانِ الشَّهِيرَانِ (عِشْرِينَ) سَنَةً (بَعْدَ مِائَةٍ) مِنَ السِّنِينِ (تَقُومُ) بِدُونِ نَقْصٍ، وَتَفْصِيلُهَا (سِتُّونَ) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِثْلُهَا (فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ حَضَرَتْ) بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَفَاةُ كُلٍّ مِنْهُمَا (سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ خَلَتْ) أَيْ: مَضَتْ مِنَ الْهِجْرَةِ، كَمَا قَالَ بِهِ فِي مَبْلَغِ سِنِّ أَوَّلِهِمَا عَلَى هَذَا
стр. 1343
التَّفْصِيلِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، بَلْ حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتِّينَ، وَفِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَمَنْ قَالَ بِهِ فِي مُطْلَقِ كَوْنِهِ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ الْجُمْهُورُ، مِنْهُمُ الْوَاقِدِيُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مُمَرَّضًا، وَفِي مَبْلَغِ سِنِّ ثَانِيهِمَا عَلَى التَّفْصِيلِ أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ فِيمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ، وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَمَا قَالَ بِهِ فِي سَنَةِ وَفَاةِ أَوَّلِهِمَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَابْنُ الْبَرْقِيِّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ، وَجَزَمَ بِهِ الذَّهِبِيُّ فِي (الْعِبَرِ) ، وَفِي وَفَاةِ ثَانِيهِمَا الْوَاقِدِيُّ وَالْهَيْثَمُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَالْمَدَايِنِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ قَانِعٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَّا حَسَّانَ، فَحَكَى فِي وَفَاتِهِ قَوْلًا آخَرَ فَقَالَ: وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ. انْتَهَى.
وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا، وَقِيلَ: قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، قَالَهُ خَلِيفَةُ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ. قَالَهُ الْهَيْثَمُ وَالْمَدَايِنِيُّ وَالزَّمِنُ وَابْنُ قَانِعٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: مَاتَ أَيَّامَ قَتْلِ عَلِيٍّ، بَلِ اخْتُلِفَ فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ أَيْضًا، فَقِيلَ: مِائَةٌ وَأَرْبَعُ سِنِينَ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ الْمَدَايِنِيِّ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ نَحْوَهَا. كَمَا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي سَنَةِ وَفَاةِ ثَانِيهِمَا، فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ ـ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ ـ: سَنَةَ سِتِّينَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالتَّحْدِيدُ بِالسِّتِّينَ فِي الزَّمَنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا حَسَّانُ ; فَلِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ بِذَلِكَ مَعَ كُلٍّ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي وَفَاتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سَنَةَ أَرْبَعِينَ يَكُونُ قَدْ بَلَغَ مِائَةً أَوْ دُونَهَا، أَوْ سَنَةَ خَمْسِينَ يَكُونُ بَلَغَ مِائَةً وَعَشْرَةَ، أَوْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ يَكُونُ بَلَغَ مِائَةً وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهُوَ أَقْرَبُهَا ; فَإِنَّهُ
стр. 1344
يَتَمَشَّى عَلَى طَرِيقَةِ جَبْرِ الْكَسْرِ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ ابْنِ الْبَرْقِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَأَمَّا حَكِيمٌ ; فَلِأَنَّهُ كَانَ مَوْلِدُهُ، كَمَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ عَنْهُ قَبْلَ عَامِ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَكَانَ كَمَا حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ أَيْضًا بِذَلِكَ تَحْدِيدًا مَعَ أَقْوَالِ وَفَاتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَتَحْدِيدُ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسٍ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَوْلِدَهُ الشَّرِيفَ عَامَ الْفِيلِ.
(وَفَوْقَ حَسَّانٍ) بِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ، الْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ آبَائِهِ ثَلَاثَةٌ فِي نَسَقٍ، وَهُمْ أَبَوْهُ ثَابِتٌ وَأَبُوهُ الْمُنْذِرُ وَأَبُوهُ حَرَامٌ، (كَذَا عَاشُوا) أَيْ: مِائَةً وَعِشْرِينَ كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَفِيدِ حَسَّانَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَدُ حَسَّانَ إِذَا ذُكِرَ هَذَا اسْتَلْقَى عَلَى فِرَاشِهِ، وَضَحِكَ وَتَمَدَّدَ كَأَنَّهُ لِسُرُورِهِ يَأْمُلُ حَيَاتَهُ كَذَلِكَ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، لَكِنْ قَدْ رُوِّينَا فِي الزُّهْدِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الْأَرْبَعَةِ عَاشَ مِائَةً وَأَرْبَعَ سِنِينَ. قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذَا حَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ أَشْرَأَبَّ لِهَذَا وَثَنَى رِجْلَيْهِ، عَلَى مِثْلِهَا، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ سَلَفُ ابْنِ حِبَّانَ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي أَسْنَانِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: لِكُلِّ
стр. 1345
وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الصَّلَاحِ غَيْرَهُ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: (وَمَا لِغَيْرِهِمْ) أَيِ: الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْعَرَبِ، (يُعْرَفُ) مِثْلُ (ذَا) مُتَوَالِيًا.
(قُلْتُ) : لَكِنْ فِي الصَّحَابَةِ (حُوَيْطِبٌ) بِمُهْمَلَتَيْنِ، الثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، مُصَغَّرٌ (ابْنُ عَبْدِ الْعُزَّى) الْعَامِرِيُّ (مَعَ ابْنِ يَرْبُوعٍ) كَيَنْبُوعٍ، (سَعِيدٍ يُعْزَى) أَيْ: يُنْسَبُ (هَذَانَ مَعْ) بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، (حَمْنَنِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا نُونٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ أُخْرَى بِدُونِ تَنْوِينٍ لِلضَّرُورَةِ كَمَا لِلزُّبَيْرِ فِي النَّسَبِ وَالْأَمِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَضَبَطَهُ الْوَزِيرُ الْمَغْرِبِيُّ: بِزَاءٍ بَدَلَهَا وَقَالَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمِرَةِ وَهِيَ الصُّعُوبَةُ، وَقَالَ: وَنُونُهُ زَائِدَةٌ، ابْنِ عَوْفٍ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (وَ) مَعَ مَخْرَمَةَ (ابْنِ نَوْفَلِ) وَالِدِ الْمِسْوَرِ (كُلُّ) مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ قُرَشِيُّونَ (إِلَى وَصْفِ) حَسَّانَ وَ (حَكِيمٍ) فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمْ صَحَابِيًّا، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، نِصْفُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِصْفُهَا فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي أَوَّلِهِمْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ أَبِيهِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ أَوْ نَحْوِهَا، وَكَمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي ثَانِيهِمْ، وَكَمَا قَالَهُ الزُّبَيْرُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ثَالِثِهِمْ، وَأَنَّهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَمَا قَالَهُ فِي الرَّابِعِ الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ حِينَ مَاتَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ
стр. 1346
سَنَةً. وَبِهِ جَزَمَ أَبُو زَكَرِيَّا ابْنُ مَنْدَهْ فِي جُزْءٍ لَهُ سَمِعْتُهُ فِيمَنْ عَاشَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مِنَ الصَّحَابَةِ (فَاجْمِلِ) عَدَدَهُمْ سِتَّةٌ، غَيْرَ أَنَّ مُدَّةَ الزَّمَنَيْنِ لَيْسَتْ فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكَذَا الْأَخِيرُ عَلَى السَّوَاءِ ; لِأَنَّ وَفَاتَهُمْ كَانَتْ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَإِسْلَامُهُمْ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، فَسَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا زَمَنَ الْإِسْلَامِ بِهِ أَوْ بِالْهِجْرَةِ أَوِ الْبَعْثَةِ، لَا يَلْتَئِمُ التَّحْدِيدُ بِذَلِكَ ; وَلِذَا قِيلَ فِي ثَانِيهِمْ أَيْضًا: إِنَّهُ بَلَغَ مِائَةً وَأَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِوَفَاةِ الْأَرْبَعَةِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ ابْنُ حِبَّانَ، وَبِهَا فِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَقَطِ الْهَيْثَمُ وَابْنُ قَانِعٍ، وَفِي الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ خَلِيفَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِي الْأَوَّلِ فَقَطِ الزَّمِنُ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَفِي الثَّانِي فَقَطِ الْوَاقِدِيُّ، وَفِي الثَّالِثِ فَقَطِ ابْنُ نُمَيْرٍ وَالْمَدَايِنِيُّ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُ فِيهِمْ إِلَّا الْأَوَّلَ، فَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا: إِنَّهَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا الثَّالِثَ فَبِمَكَّةَ، بَلْ قِيلَ فِي الثَّانِي أَيْضًا: إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِهَا، وَكَذَا قِيلَ فِي نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيَلِيِّ: إِنَّهُ عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتِّينَ وَفِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ، وَمِمَّنَ جَزَمَ بِذَلِكَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.
(وَفِي الصَّحَابِ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، جَمْعُ صَاحِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، (سِتَّةٌ) أَيْضًا (قَدْ عُمِّرُوا) هَذَا السِّنَّ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُ نِصْفِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنِصْفِهِ فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَقَدُّمِ وَفَاتِهِمْ عَلَى الْمَذْكُورِينَ أَوْ تَأَخُّرِهَا أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ تَارِيخِهَا، ذَكَرَهُ إِلَّا الثَّالِثَ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ فِي الْجُزْءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَهُمْ سَعْدُ بْنُ
стр. 1347
جُنَادَةَ الْعَوْفِيُّ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ عَطِيَّةَ، ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ عُمُرَهُ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنَ الْجَدِّ الْعَجْلَانِيُّ صَاحِبُ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ فِي قِصَّةِ اللِّعَانِ، حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو زَكَرِيَّا، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَقَدْ بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ بَلَغَ مِائَةً وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَخَلِيفَةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَقِيلَ: سَبْعٍ وَسِتِّينَ. وَاللَّجْلَاجُ الْعَامِرِيُّ ذَكَرَ ابْنُ سُمَيْعٍ وَابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ بَنِي اللَّجْلَاجِ، وَالْمُنْتَجِعُ جَدُّ نَاجِيَةَ، ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: كَانَ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ، وَنَافِعٌ أَبُو سُلَيْمَانَ الْعَبْدِيُّ، رَوَى إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ وَلَدِهِ سُلَيْمَانَ قَالَ: مَاتَ أَبِي وَلَهُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ قَانِعٍ، (كَذَاكَ فِي الْمُعَمَّرِينَ ذُكِرُوا) ، بَلْ نَظَمَهُمُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
مُنْتَجِعٌ وَنَافِعٌ مَعَ عَاصِمِ وَسَعْدٌ لَجْلَاجٌ مَعَ ابْنِ حَاتِمِ قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ وَهُوَ أَحْسَنُ وَسَعْدُ اللَّجْلَاجُ وَابْنُ حَاتِمِ.
стр. 1348
وَفِي الْمُعَمَّرِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ زَادَ سِنُّهُمْ عَلَى الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ، مِنْهُمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي طَبَقَاتِ الْأَصْبَهَانِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. فَأَمَّا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَلَا يَشُكُّونَ فِيهَا، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: وَجَدْتُ الْأَقْوَالَ فِي سِنِّهِ كُلَّهَا دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الزَّائِدِ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ مَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِينَ، كَذَا قَالَ: وَقِرْدَةُ أَوْ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ السَّلُولِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجْسِتَانِيُّ فِي الْمُعَمَّرِينَ: قَالُوا: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي (الزُّهْدِ) لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ جِهَةِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: عَاشَ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا، وَالنَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ الشَّاعِرُ الشَّهِيرُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِ: إِنَّهُ عُمِّرَ مِائَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ مَاتَ وَلَهُ مَائِتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَفِي الْمُخَضْرَمِينَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعِ بْنِ وَهْبٍ الْفَزَارِيُّ جَاهِلِيٌّ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، مِنْهَا سِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ. وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ قَالَ: عِشْتُ مِائَتَيْ سَنَةٍ فِي فَتْرَةِ عِيسَى، وَسِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْقَائِلُ:
إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
وَأَمَّا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قَرٍّ ... فَسِرْبَالٌ خَفِيفٌ أَوْ رِدَاءُ.
стр. 1349
وَفِي اسْتِيفَاءِ ذَلِكَ طُولُ.
[وفيات أصحاب المذاهب]
وَلَمَّا تَمَّ ذِكْرُ الْمُعَمَّرِينَ أَرْدَفَ بِأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، (وَقُبِضَ) أَيْ: مَاتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ (الثَّوْرِيُّ) نِسْبَةً لِثَوْرِ بْنَ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لِثَوْرِ هَمْدَانَ. الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْحُفَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ الْمَتْبُوعِينَ إِلَى بَعْدِ الْخَمْسِمِائَةِ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ فِيهِمُ الْغَزَالِيُّ فِي (الْإِحْيَاءِ) (عَامَ إِحْدَى مِنْ بَعْدِ سِتِّينَ وَقَرْنٍ عُدَّا) أَيْ: سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَمِمَّنْ أَرَّخَهُ كَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَزَادَ: فِي شَعْبَانَ فِي دَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، يَعْنِي بِالْبَصْرَةِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَزَادَ فِي أَوَّلِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ فَقَالَ الْعِجْلِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا: سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ.
(وَبَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ الثَّوْرِيِّ وَذَلِكَ (فِي) سَنَةٍ (تِسْعٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ (تَلِي سَبْعِينَا) بِتَقْدِيمِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ بَعْدِ مِائَةٍ، كَانَتْ (وَفَاةُ) إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَأَحَدِ الْمُقَلَّدِينَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (مَالِكٍ) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ فِيمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَأَحْمَدُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَالْقَعْنَبِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَأَبُو مُصْعَبٍ وَالْمَدَائِنِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَزَادَ فِي صَفَرَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَقَالَ: فِي صَبِيحَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ السَّرْحِ، وَقَالَ: فِي يَوْمِ الْأَحَدِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَقَالَ: لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْهُ. وَهِيَ فِي
стр. 1350
هَذِهِ السَّنَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ، وَشَذَّ هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ فِهْرٍ مِنْ جِهَتِهِ فَقَالَ: سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ تِسْعِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ هَارُونَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَقَبْرُهُ هُنَاكَ عَلَيْهِ قُبَّةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ فَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ، وَقِيلَ: تِسْعِينَ. وَبِهِ جَزَمَ أَبُو مُسْهِرٍ، وَقِيلَ: إِحْدَى. وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ. قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَقِيلَ: ثَلَاثٍ. وَهُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَنُسِبَ لِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، وَبِهِ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَأَنَّهُ سَمِعَهُ كَذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ نَفْسِهِ، وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَزَادَ: فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، بِهَذِهِ السَّنَةِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا أَنَّهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. فِيمَا قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ أَيْضًا، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ. وَمَكَثَ حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي الْأَكْثَرِ وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْهَا. وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ. وَكَانَ مَوْضِعُ مَوْلِدِهِ بِذِي الْمَرْوَةِ فِيمَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ.
(وَفِي الْخَمْسِينَا وَمِائَةٍ) مِنَ السِّنِينَ الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ أَحَدُ مِنْ عُدَّ فِي التَّابِعِينَ (أَبُو حَنِيفَةَ) النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْكُوفِيُّ (قَضَى) أَيْ: مَاتَ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، كَمَا قَالَهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَالْهَيْثَمُ وَقُنَّبُ بْنُ الْمُحَرِّرِ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَسَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، وَزَادَ: فِي رَجَبٍ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: سَنَةَ إِحْدَى، وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ: سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَذَلِكَ بِبَغْدَادَ، وَقَبْرُهُ هُنَاكَ ظَاهِرٌ يُزَارُ، وَمَوْلِدُهُ فِيمَا قَالَهُ حَفِيدُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ: سَنَةَ ثَمَانِينَ.
стр. 1351
(وَ) إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ (الشَّافِعِيُّ بَعْدَ قَرْنَيْنِ) كَامِلَيْنِ (مَضَى) أَيْ: مَاتَ، (لِأَرْبَعٍ) مِنَ السِّنِينَ بَعْدَهُمَا، قَالَهُ الْفَلَّاسُ وَيُوسُفُ الْقَرَاطِيسِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَزَادَ: فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: فِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَأَشْرَفْنَا مِنْ جِنَازَتِهِ فَرَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْمَغْرِبَ، وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ عِنْدَ مَغْرِبَانِ الشَّمْسِ بِالْفُسْطَاطِ، وَرَجَعُوا فَرَأَوْا هِلَالَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إِنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى لَوْحٍ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ، وَرَامُوا تَحْوِيلَهُ فِيمَا قِيلَ بَعْدُ إِلَى بَغْدَادَ وَشَرَعُوا فِي الْحَفْرِ حِينَ عَجْزِ الْمِصْرِيِّينَ عَنِ الدَّفْعِ، فَلَمَّا وَصَلُوا لِقُرْبِ اللَّحْدِ الشَّرِيفِ فَاحَ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبٌ مَا شَمُّوا مِثْلَهُ بِحَيْثُ سَكِرُوا مِنْ طِيبِ رَائِحَتِهِ، وَمَا تَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ التَّوَصُّلِ فَكَفُّوا وَصَارَ ذَلِكَ مَعْدُودًا فِي مَنَاقِبِهِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَعَاشَ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْفَلَّاسُ وَابْنُ حِبَّانَ: وَهُوَ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، وَقِيلَ كَمَا لِابْنِ زَبْرٍ: اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
(ثُمَّ قَضَى) أَيْ: مَاتَ (مَأْمُونًا) مِنْ مِحْنَةِ السُّلْطَانِ وَفِتْنَةِ الشَّيْطَانِ الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (أَحْمَدُ) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ (فِي) سَنَةِ (إِحْدَى وَأَرْبَعِينَا) بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كُلٍّ
стр. 1352
مِنَ الشَّهْرِ وَالْيَوْمِ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ ضَحْوَةً، وَدَفَنَّاهُ بَعْدَ الْعَصْرِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَهَكَذَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَقَالَ نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْفَرَائِضِيُّ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ وَمُطَيَّنٌ: لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ. زَادَ عَبَّاسٌ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِينَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِبَغْدَادَ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ، وَمَوْلِدُهُ - فِيمَا قَالَهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَصَالِحٌ عَنْهُ - فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَكَشَفَ قَبْرَهُ حِينَ دُفِنَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى إِلَى جَانِبِهِ فَوَجَدَ كَفَنَهُ صَحِيحًا لَمْ يَبْلَ، وَجُثَّتَهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ نَحْوًا مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: خَمْسِينَ، أَوْ إِحْدَى أَوْ سِتٍّ بِبَيْرُوتَ مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَكَذَلِكَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ قَدْ كَانَ إِمَامًا مُتَّبَعًا لَهُ طَائِفَةٌ يُقَلِّدُونَهُ وَيَجْتَهِدُونَ عَلَى مَسْلَكِهِ يُقَالُ لَهُمُ: الْإِسْحَاقِيَّةُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِيمَا أَرَّخَهُ الْبُخَارِيُّ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
يَا هَدَّةٌ مَا هَدَدْنَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ ... فِي نِصْفِ شَعْبَانَ لَا تُنْسَى مَدَى الْأَبَدِ.
وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ. وَكَذَلِكَ اللَّيْثُ
стр. 1353
بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ إِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قُلِّدَ وَقْتًا، وَلَكِنْ لَا نُطِيلُ لِوَفَيَاتِهِمْ.
[وفيات أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ]
وَلَمَّا تَمَّ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ أَرْدَفَ بِأَصْحَابِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ مَعَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا، (ثُمَّ) الْإِمَامُ صَاحِبُ الصَّحِيحِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (الْبُخَارِي) بِالْإِسْكَانِ لِلْوَزْنِ، نِسْبَةً لِبُخَارَى، بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِمَا وَرَاءَ النَّهَرِ، عَمِلَ غُنْجَارٌ لَهُ تَارِيخًا، (لَيْلَةَ) عِيدِ (الْفِطْرِ) وَهِيَ لَيْلَةُ السَّبْتِ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، (لَدَى) بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ: عِنْدَ سَنَةِ (سِتٍّ وَخَمْسِينَ) وَمِائَتَيْنِ (بِخَرْتَنْكَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا لِلسَّمْعَانِيِّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، أَوْ كَسْرِهَا كَمَا لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، ثُمَّ سُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ نُونٌ سَاكِنَةٌ وَكَافٌ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى سَمَرْقَنْدَ عِنْدَ أَقْرِبَاءٍ لَهُ فِيهَا، كَانَ الَّذِي نَزَلَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ غَالِبَ بْنَ جِبْرِيلَ، وَقِيلَ: بِمِصْرَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ الْغُرَبَاءِ لَهُ وَهُوَ شَاذٌّ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ السَّمْعَانِيُّ وَغَيْرُهُ، (رَدَى) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: ذَهَبَ بِالْوَفَاةِ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا أَرَّخَهُ مُهِيبُ بْنُ سُلَيْمٍ وَالْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَزَّارُ، وَفِي السَّنَةِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ قَانِعٍ وَابْنُ الْمُنَادَى وَأَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ زَبْرٍ وَآخَرُونَ، قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ مُدَّةُ عُمْرِهِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً إِلَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ
стр. 1354
يَوْمًا ; لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ أَيْضًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ نَظَمَ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ وَفَاتَهُ فَقَالَ:
ثُمَّ الْبُخَارِيُّ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسِتٍّ فَادْرِي.
وَالْإِمَامُ التَّالِي لَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ (مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ صَاحِبُ الصَّحِيحِ أَيْضًا (سَنَةَ إِحْدَى فِي) عَشِيَّةِ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ (رَجَبْ مِنْ بَعْدِ قَرْنَيْنِ) أَيْ: مِائَتَيْنِ (وَسِتِّينَ) سَنَةً (ذَهَبْ) بِالْوَفَاةِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ بِنَيْسَابُورَ، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ، أَرَّخَهُ كَذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ لِلْمُذَاكَرَةِ، فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقُدِّمَتْ لَهُ سَلَّةٌ فِيهَا تَمْرٌ فَكَانَ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ وَيَأْخُذُ تَمْرَةً تَمْرَةً فَأَصْبَحَ وَقَدْ فَنِيَ التَّمْرُ وَوَجَدَ الْحَدِيثَ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَبَبٍ غَرِيبٍ نَشَأَ مِنْ غَمْرَةِ فِكْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَسِنُّهُ قِيلَ: خَمْسٌ وَخَمْسُونَ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ قَارَبَ السِّتِّينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْجَزْمِ بِبُلُوغِهِ سِتِّينَ ; فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 1355
(ثُمَّ) فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ (لِخَمْسٍ) مِنَ السِّنِينَ (بَعْدَ سَبْعِينَ) سَنَةً تَلِي مِائَتَيْ سَنَةٍ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ الْإِمَامُ (أَبُو دَاوُدَ) سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ صَاحِبُ (السُّنَنِ) ، وَمَوْلِدُهُ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرِّيُّ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ.
(ثُمَّ) الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (التِّرْمِذِيُّ) بِتَثْلِيثِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَوْ ضَمِّهَا وَإِعْجَامِ الذَّالِ (يُعْقِبُ) الَّذِي قَبْلَهُ فِي الْوَفَاةِ بِنَحْوِ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ مَاتَ فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ، (سَنَةَ تِسْعٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى السِّينِ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ السَّبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَغْفِرِيُّ وَغُنْجَارٌ وَابْنُ مَاكُولَا، وَالرُّشَاطِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِيِّ فِي (الْإِرْشَادِ) : إِنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ. ظَنٌّ مِنْهُ بِأَنَّ النَّقْلَ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ بِقَرْيَةِ بُوغٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، إِحْدَى قُرَى تِرْمِذَ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْهَا.
(وَ) الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ (ذُو نَسَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ كُوَرِ نَيْسَابُورَ، وَقِيلَ: مِنْ أَرْضِ فَارِسَ. فَهُوَ يُنْسَبُ لِذَلِكَ نَسَائِيٌّ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ، وَقَدْ يُنْسَبُ مَنْ يَكُونُ مِنْهَا نَسَوِيًّا، وَقَالَ الرُّشَاطِيُّ: إِنَّهُ الْقِيَاسُ. صَاحِبُ كِتَابِ السُّنَنِ (رَابِعَ قَرْنٍ لِثَلَاثٍ) مِنَ السِّنِينَ (رُفِسَا) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: ضُرِبَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَذَلِكَ فِي صَفَرَ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ يُونُسَ، وَزَادَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدَرِيُّ الْحَافِظُ،
стр. 1356
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فِي شَعْبَانَ. كَمَا حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ مَشَايِخِهِ، أَعْنِي الرَّفْسَ بِالْأَرْجُلِ فِي حُضْنَيْهِ - أَيْ: جَانِبَيْهِ - مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ حِينَ أَجَابَهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَمَا رُوِيَ فِي فَضَائِلِهِ، كَأَنَّهُمْ لِيُرَجِّحُوهُ بِهَا عَلَى عَلِيٍّ ﵄ بِقَوْلِهِ: أَلَّا يَرْضَى مُعَاوِيَةُ رَأْسًا بِرَأْسٍ حَتَّى يَفْضُلَ؟ وَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ حُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا مَقْتُولًا شَهِيدًا، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالرَّمْلَةِ، وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: إِنَّهُ مَاتَ بِالرَّمَلَةِ بِمَدِينَةِ فِلَسْطِينَ وَدُفِنَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسِنُّهُ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً فِيمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَوْلِدِي فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ صَاحِبُ السُّنَنِ الَّتِي كَمُلَ بِهَا الْكُتُبُ السِّتَّةُ وَالسُّنَنُ الْأَرْبَعَةُ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي اعْتَنَى بِأَطْرَافِهَا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ ثُمَّ الْمِزِّيُّ مَعَ رِجَالِهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كِتَابٌ مُفِيدٌ قَوِيُّ التَّبْوِيبِ فِي الْفِقْهِ. لَكِنْ قَالَ الصَّلَاحُ الْعَلَائِيُّ: إِنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ بَدَلَهُ كَانَ أَوْلَى، وَكَانَتْ وَفَاةُ ابْنِ مَاجَهْ فِيمَا قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ إِدْرِيسَ ثُمَّ الْخَلِيلِيُّ فِي (الْإِرْشَادِ) : فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، زَادَ: أَوَّلُهُمَا فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وُلِدْتُ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَقَدْ نَظَمَهُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ:
стр. 1357
قُلْتُ: وَمَاتَ الْحَافِظُ ابْنُ مَاجَةِ مِنْ قَبْلِ حَبْرِ تِرْمِذٍ بِسَنَةِ.
قَالَ: وَتَجَوَّزْتُ فِي إِطْلَاقِ الْعَامِ عَلَى بَعْضِهِ ; لِأَنَّهُ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، وَشَيْءٌ. انْتَهَى. وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ قَبْلِ تِرْمِذِيٍّ بِنِصْفِ سَنَةِ.
[وفيات أَئِمَّةٍ انْتُفِعَ بِتَصَانِيفِهِمْ]
وَلَمَّا تَمَّ أَصْحَابُ الْكُتُبِ ; أُصُولُ الْإِسْلَامِ، أَرْدَفَ بِأَئِمَّةٍ انْتُفِعَ بِتَصَانِيفِهِمْ مَعَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِمْ مِنْ نَمَطِهِمْ (ثُمَّ لِـ) مُضِيِّ (خَمْسِ وَثَمَانِينَ) عَامًا مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ (تَفِي) بِدُونِ نَقْصٍ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مَاتَ (الدَّارَقُطْنِي) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ آخِرِهِ، نِسْبَةً لِدَارِ الْقُطْنِ، وَكَانَتْ مَحَلَّةً كَبِيرَةً بِبَغْدَادَ، الْبَغْدَادِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ صَاحِبُ السُّنَنِ وَالْعِلَلِ وَغَيْرِهِمَا، أَرَّخَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأَزْجِيُّ وَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَمَوْلِدُهُ كَمَا قَالُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ زَادَ غَيْرُهُ: فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا، فَعَاشَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
(ثُمَّتَ) أَيْ: ثُمَّ، لُغَةٌ فِيهَا، الْحَافِظُ (الْحَاكِمُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَيِّعِ صَاحِبُ (الْمُسْتَدْرَكِ) وَ (التَّارِيخِ) وَ (عُلُومِ الْحَدِيثِ) وَغَيْرِهَا (فِي خَامْسِ قَرْنٍ عَامَ خَمْسَةٍ) تَمْضِي مِنْهُ أَيْ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، (فَنِيَ) أَيْ: مَاتَ بِنَيْسَابُورَ، فِيمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَعَبْدُ الْغَافِرِ فِي السِّيَاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَكِّي، وَزَادَ فِي صَفَرَ، وَمَوْلِدُهُ أَيْضًا، بِنَيْسَابُورَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
стр. 1358
(وَبَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْحَاكِمِ (بِأَرْبَعٍ) مِنَ السِّنِينَ مَاتَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ (عَبْدُ الْغَنِي) بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ صَاحِبُ الْمُؤْتَلِفِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقِيُّ بِمِصْرَ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
(فَـ) بَعْدَهُ (فِي الثَّلَاثِينَ) مِنَ السِّنِينَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي بُكْرَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مَاتَ الْحَافِظُ (أَبُو نُعَيْمِ) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ مُؤَلِّفُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَتَارِيخِ أَصْبَهَانَ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا فِيمَا أَرَّخَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ بِهَا، وَسُئِلَ عَنْ مَوْلِدِهِ فَقَالَ: فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَلِـ) مُضِيِّ (ثَمَانٍ) مِنَ السِّنِينَ مَاتَ مِنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى تَلِي هَذِهِ فِي الزَّمَنِ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِيُّ، (بَيْهَقِيُّ الْقَوْمِ) أَيِ: الْحُفَّاظُ وَأَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِمْ لِتَصَانِيفِهِ الشَّهِيرَةِ وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا، وَنُسِبَ لِبَيْهَقَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ قَافٌ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مُجْتَمِعَةٌ بِنُوَاحِي نَيْسَابُورَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْهَا، وَكَانَتْ قَصَبَتُهَا خَسْرُوَجَرْدَ، (مِنْ بَعْدِ) مُضِيِّ (خَمْسِينَ) وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَذَلِكَ فِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ بِنَيْسَابُورَ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى بَيْهَقَ، قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ، قَالَ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَبَعْدَ) مُضِيِّ (خَمْسَةِ) مِنْ وَفَاةِ الَّذِي قَبْلَهُ مَاتَ (خَطِيبُهُمْ) أَيِ: الْحُفَّاظِ وَالْمُسْلِمِينَ، الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَادِيُّ الشَّافِعِيُّ، (وَ) كَذَا
стр. 1359
(النَّمَرِيُّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ، نِسْبَةً إِلَى النَّمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهِيَ مِنْ شَوَاذِّ النَّسَبِ الَّتِي تُحْفَظُ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، كَالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَيَّةَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَمَوِيٌّ بِفَتْحِهَا، وَأَبِي سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ سَلَمِيٌّ بِفَتْحِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ مُؤَلِّفُ (الِاسْتِيعَابِ) وَجُمْلَةٍ، كِلَاهُمَا (فِي سَنَةِ) وَاحِدَةٍ، وَهِيَ كَمَا عَلِمْتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَالْخَطِيبُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا بِبَغْدَادَ، أَرَّخَهُ ابْنُ شَافِعٍ، وَزَادَ غَيْرُهُ فِي سَابِعِهِ، وَأَنَّ مَوْلِدَهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنِ الْخَطِيبِ نَفْسِهِ، وَالْآخَرُ فِي سَلْخِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا بِشَاطِبَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ عَنْ خَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ طَاهِرُ بْنُ مُفَوَّزٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ الصَّلَاحِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ اشْتَهَرَتْ أَيْضًا تَصَانِيفُهُمْ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; كَأَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ وَأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَإِمَامِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَتِلْمِيذِهِ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ أَيْضًا، وَالطَّبَرَانِيِّ صَاحِبِ الْمَعَاجِمِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ صَاحِبِ (الْكَامِلِ) .
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ لَمْ يَقْصِدِ الْمُكْثِرِينَ خَاصَّةً وَإِنَّمَا أَرَادَ مَعَ انْضِمَامِ تَصَانِيفَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، اشْتَهَرَتْ وَعَمَّ الِانْتِفَاعُ بِهَا،
стр. 1360
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ يَعْتَذِرُ عَنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ لِابْنِ مَاجَهْ، وَهُوَ كَوْنُهُ سَاذَجًا عَمَّا حَرِصَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي بِتَدَبُّرِهَا يَتَمَرَّنُ الْمُحَدِّثُ خُصُوصًا، وَفِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرَةٌ، بَلْ قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ: إِنَّ الْغَالِبَ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ الضَّعْفُ. وَلِذَا لَمْ يُضِفْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَرَزِينٍ السَّرَقُسْطِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ وَغَيْرِهِمَا إِلَى الْخَمْسَةِ.
تَتِمَّةٌ: يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ: فُلَانٌ الْمُتَوَفَّى، وَأَنْتَ فِي فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بِالْخِيَارِ، وَالْكَسْرُ مُوَجَّهٌ بِالْمُتَوَفِّي لِمُدَّةِ حَيَّاتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ فِي فَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ، وَإِنْ حُكِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ كَانَ مَعَ جِنَازَةٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنِ الْمُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الْفَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُ. وَإِنَّهَا كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ لِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِالنَّحْوِ، فَقَدَ قِيلَ يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحِكَايَةِ: إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ وَيَتَعَقَّلُهُ خُصُوصًا، وَهُوَ الْقَائِلُ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ.
[مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ]
[أهمية معرفة هذا النوع والمصنفات فيه]
مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ
٩٧٩ - وَاعْنَ بِعِلْمِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ... فَإِنَّهُ الْمِرْقَاةُ لِلتَّفْصِيلِ
٩٨٠ - بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَاحْذَرِ ... مِنْ غَرَضٍ فَالْجَرْحُ أَيُّ خَطَرِ
٩٨١ - وَمَعَ ذَا فَالنُّصْحُ حَقٌّ وَلَقَدْ ... أَحْسَنَ يَحْيَى فِي جَوَابِهِ وَسَدْ
٩٨٢ - لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ ... مِنْ كَوْنِ خَصْمِي الْمُصْطَفَى إِذْ لَمْ أَذُبْ
٩٨٣ - وَرُبَّمَا رُدَّ كَلَامُ الْجَارِحِ ... كَالنَّسَائِي فِي أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ
٩٨٤ - فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ ... غَطَّى عَلَيْهِ السُّخْطُ حِينَ يَحْرُجُ
(مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ) وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُضَمَّ لِمَرَاتِبَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ
стр. 1361
مَعَ الْقَوْلِ فِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ سَبَبِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَكَوْنِ الْمُعْتَمَدِ عَدَمَهُ مِنَ الْعَالِمِ بِأَسْبَابِهِمَا، وَفِي التَّعْدِيلِ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالْبِدْعَةِ الَّتِي يُجَرَّحُ بِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
(وَاعْنَ) أَيِ: اجْعَلْ أَيُّهَا الطَّالِبُ مِنْ عِنَايَتِكَ الِاهْتِمَامَ (بِعِلْمِ الْجَرْحِ) أَيِ: التَّجْرِيحِ (وَالتَّعْدِيلِ) فِي الرُّوَاةِ، فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَاهَا وَأَنْفَعِهَا ; (فَإِنَّهُ الْمِرْقَاةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْآلَةِ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا وَبِفَتْحِهَا، الدَّرَجَةُ، (لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ الصَّحِيحِ) مِنَ الْحَدِيثِ (وَالسَّقِيمِ) وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، فَفِي الضُّعَفَاءِ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْفَلَّاسِ، وَلِأَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ، وَهُوَ أَكْمَلُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ قَبْلَهُ وَأَجَلُّهَا، وَلَكِنَّهُ تَوَسَّعَ لِذِكْرِ كُلِّ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ; وَلِذَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: الْكَامِلُ. لِلنَّاقِصِينَ، وَذَيَّلَ عَلَيْهِ أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ طَاهِرٍ فِي تَكْمِلَةِ الْكَامِلِ، وَلِأَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ وَهُوَ مُفِيدٌ، وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ وَأَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي زَكَرِيَّا السَّاجِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ وَأَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَاخْتَصَرَهُ الذَّهَبِيُّ، بَلْ وَذَيَّلَ عَلَيْهِ فِي تَصْنِيفَيْنِ وَجَمَعَ مُعْظَمَهُمَا فِي مِيزَانِهِ فَجَاءَ كِتَابًا نَفِيسًا عَلَيْهِ مُعَوَّلُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، مَعَ أَنَّهُ تَبِعَ ابْنَ عَدِيٍّ فِي إِيرَادِ كُلِّ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ ثِقَةً، وَلَكِنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَقَدْ ذَيَّلَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي مُجَلَّدٍ، وَالْتَقَطَ شَيْخُنَا مِنْهُ مَنْ لَيْسَ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ وَضَمَّ إِلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنَ الرُّوَاةِ وَالتَّتِمَّاتِ، مَعَ انْتِقَادٍ وَتَحْقِيقٍ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ (لِسَانَ الْمِيزَانِ) مِمَّا كَتَبْتُهُ وَأَخَذْتُهُ عَنْهُ وَعَمَّ النَّفْعُ بِهِ، بَلْ لَهُ كِتَابَانِ آخَرَانِ هُمَا (تَقْوِيمُ اللِّسَانِ) وَ (تَحْرِيرُ الْمِيزَانِ) ، كَمَا أَنَّ لِلذَّهَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ مُخْتَصَرًا سَمَّاهُ (الْمُغْنِي) ، وَآخَرَ سَمَّاهُ (الضُّعَفَاءَ وَالْمَتْرُوكِينَ) ، وَذَيَّلَ عَلَيْهِ وَالْتَقَطَ بَعْضَهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الْوَضَّاعِينَ فَقَطْ، وَبَعْضَهُمُ الْمُدَلِّسِينَ كَمَا مَضَى فِي بَابَيْهِمَا، وَبَعْضَهُمُ الْمُخْتَلِطِينَ
стр. 1362
كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ.
وَفِي الثِّقَاتِ لِأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ وَهُوَ أَحْفَلُهَا، لَكِنَّهُ يُدْرِجُ فِيهِمْ مَنْ زَالَتْ جَهَالَةُ عَيْنِهِ، بَلْ وَمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ جَرْحٌ كَمَا سَلَفَ فِي الصَّحِيحِ الزَّائِدِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي مَجْهُولِ الْعَيْنِ أَيْضًا، وَذَلِكَ غَيْرُ كَافٍ فِي التَّوْثِيقِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَرُبَّمَا يَذْكُرُ فِيهِمْ مَنْ أَدْخَلَهُ فِي الضُّعَفَاءِ ; إِمَّا سَهْوًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَنَحْوُهُ تَخْرِيجُ الْحَاكِمِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ لِجَمَاعَةٍ، وَحُكْمُهُ عَلَى الْأَسَانِيدِ الَّذِينَ هُمْ فِيهَا بِالصِّحَّةِ، مَعَ ذِكْرِ إِيَّاهُمْ فِي كِتَابِهِ فِي (الضُّعَفَاءِ) ، وَقَطَعَ بِتَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ وَالْمَنْعِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِمْ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ جَرْحُهُمْ، وَلِلْعِجْلِيِّ وَابْنِ شَاهِينَ، وَأَبِي الْعَرَبِ التَّمِيمِيِّ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّمْسُ مُحَمَّدُ بْنُ أَيْبَكَ السَّرُوجِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ، وُجِدَ مِنْهُ الْأَحْمَدُونَ فَقَطْ فِي مُجَلَّدٍ، وَأَفْرَدَ شَيْخُنَا الثِّقَاتِ مِمَّنْ لَيْسَ فِي التَّهْذِيبِ وَمَا كَمُلَ أَيْضًا وَلِلذَّهَبِيِّ مَعْرِفَةُ الرُّوَاةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِمْ بِمَا لَا يُوجِبُ الرَّدَّ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ جَمِيعًا ; كَتَارِيخِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، وَ (الطَّبَقَاتِ) لِابْنِ سَعْدٍ، وَ (التَّمْيِيزِ) لِلنِّسَائِيِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْضُهُ فِي آدَابِ الطَّالِبِ، وَلِلْعِمَادِ ابْنِ كَثِيرٍ (التَّكْمِيلُ فِي مَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ وَالْمَجَاهِيلِ) ، جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ تَهْذِيبِ الْمِزِّيِّ وَمِيزَانِ الذَّهَبِيِّ مَعَ زِيَادَاتٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لِلْفَقِيهِ الْبَارِعِ، وَكَذَا الْمُحَدِّثِ، فَهَذِهِ مَظَانُّ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ غَالِبًا، وَمِنْ مَظَانِّ الثِّقَاتِ التَّصَانِيفُ فِي الصَّحِيحِ بَعْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَكَذَا مَنْ خَرَّجَ عَلَى كِتَابَيْهِمَا ; فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهَا الْكَثِيرُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْكُتُبِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَرُبَّمَا يُسْتَفَادُ مِمَّا يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَسَانِيدِ تَوْثِيقُ بَعْضِ الرُّوَاةِ ; كَأَنْ يَقُولَ الرَّاوِي الْمُعْتَمَدُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَكَانَ ثِقَةً. يَعْنِي وَمَا أَشْبَهَهُ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ
стр. 1363
دَقِيقِ الْعِيدِ.
(وَاحْذَرِ) أَيُّهَا الْمُتَصَدِّي لِذَلِكَ، الْمُقْتَفِي فِيهِ أَثَرَ مَنْ تَقَدَّمَ (مِنْ غَرَضٍ) أَوْ هَوًى يَحْمِلُكَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّحَامُلِ وَالِانْحِرَافِ وَتَرْكِ الْإِنْصَافِ أَوِ الْإِطْرَاءِ وَالِافْتِرَاءِ، فَذَلِكَ شَرُّ الْأُمُورِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْقَائِمِ بِذَلِكَ الْآفَةُ مِنْهَا، وَالْمُتَقَدِّمُونَ سَالِمُونَ مِنْهُ غَالِبًا مُنَزَّهُونَ عَنْهُ ; لِوُفُورِ دِيَانَتِهِمْ، بِخِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي تَوَارِيخِهِمْ، وَهُوَ مُجَانِبٌ لِأَهْلِ الدِّينِ وَطَرَائِقِهِمْ.
(فَالْجَرْحُ) وَالتَّعْدِيلُ خَطَرٌ ; لِأَنَّكَ إِنْ عَدَّلَتْ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ كُنْتَ كَالْمُثْبِتِ حُكْمًا لَيْسَ بِثَابِتٍ، فَيُخْشَى عَلَيْكَ أَنْ تَدْخُلَ فِي زُمْرَةِ مَنْ رَوَى حَدِيثًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَإِنْ جَرَّحْتَ بِغَيْرِ تَحَرُّزٍ أَقْدَمْتَ عَلَى الطَّعْنِ فِي مُسْلِمٍ بَرِيءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَوَسَمْتَهُ بِمِيسَمِ سُوءٍ يَبْقَى عَلَيْهِ عَارُهُ أَبَدًا، وَهُوَ فِي الْجَرْحِ بِخُصُوصِهِ، (أَيُّ خَطَرٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَاطَرَ بِنَفْسِهِ ; أَيْ: أَشْرَفَ عَلَى هَلَاكِهَا ; فَإِنَّ فِيهِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَقَّ آدِمِيٍّ، وَرُبَّمَا يَنَالُهُ إِذَا كَانَ بِالْهَوَى وَمُجَانَبَةِ الِاسْتِوَاءِ الضَّرَرُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَالْمَقْتُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُنَافَرَةُ، كَمَا اتَّفَقَ لِأَبِي شَامَةَ ; فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا رَاسِخًا فِي الْعِلْمِ مُقْرِئًا مُحَدِّثًا نَحْوِيًّا يَكْتُبُ الْخَطَّ الْمَلِيحَ الْمُتْقَنَ مَعَ التَّوَاضُعِ وَالِانْطِرَاحِ، وَالتَّصَانِيفِ الْعِدَّةِ - كَثِيرَ الْوَقِيعَةِ فِي الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَأَكَابِرِ النَّاسِ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَالتَّنَقُّصِ لَهُمْ وَذِكْرِ مَسَاوِيهِمْ، وَكَوْنُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ عَظِيمًا فَصَارَ سَاقِطًا مِنْ أَعْيُنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى امْتِحَانِهِ بِدُخُولِ رَجُلَيْنِ جَلِيلَيْنِ عَلَيْهِ دَارَهُ فِي صُورَةِ مُسْتَفْتِينَ فَضَرَبَاهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا إِلَى أَنْ عِيلَ صَبْرُهُ وَلَمْ يُغِثْهُ أَحَدٌ.
стр. 1364
وَنَحْوُهُ مَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ، مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الَّذِي قَبْلَهُ بِيَقِينٍ ; فَإِنَّهُ أَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَأُبْعِدَ عَنِ الْبَلَدِ وَتَزَايَدَ بِهِ الْأَلَمُ وَالنَّكَدُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا كَفَّ حَتَّى ثَقُلَ عَلَى الْكَافَّةِ وَمَا خَفَّ، وَارْتَقَى لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ ; فَضْلًا عَمَّنْ يَلِيهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْأَعْلَامِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ وَمَا اشْتَفَى مِنْ تِلْكَ النِّكَايَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقِينَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَحَصَائِدَ أَلْسِنَتِنَا.
وَلِمَا فِي الْجَرْحِ مِنَ الْخَطَرِ، لَمَّا جِيءَ لِلتَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ بِالْمَحْضَرِ الْمُكْتَتَبِ فِي التَّقِيِّ ابْنِ بِنْتِ الْأَعَزِّ ; لِيَكْتُبَ فِيهِ، امْتَنَعَ مِنْهَا أَشَدَّ امْتِنَاعٍ مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ، بَلْ وَأَغْلَظَ عَلَيْهِمْ فِي الْكَلَامِ، وَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي أَنِ اكْتُبَ فِيهِ. وَرَدَّهُ، فَتَزَايَدَتْ جَلَالَتُهُ بِذَلِكَ وَعُدَّ فِي وُفُورِ دِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَانْتَفَعَ ابْنُ بِنْتِ الْأَعَزِّ بِذَلِكَ، وَكَيْفَ لَا، وَالتَّقِيُّ هُوَ الْقَائِلُ مِمَّا أَحْسَنَ فِيهِ: أَعْرَاضُ الْمُسْلِمِينَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، وَقَفَ عَلَى شَفِيرِهَا طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: الْمُحَدِّثُونَ وَالْحُكَّامُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: مَنْ أَرَادَ بِي سُوءًا جَعَلَهُ اللَّهُ مُحَدِّثًا أَوْ قَاضِيًا.
[النصح في الدين حق واجب]
(وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ: كَوْنُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ خَطَرًا فَلَابُدَّ مِنْهُ (فَالنُّصْحُ) فِي الدِّينِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِلْمُؤْمِنَيْنِ (حَقٌّ) وَاجِبٌ يُثَابُ مُتَعَاطِيهِ إِذَا قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتِ النَّصِيحَةُ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، وَهَذَا مِنْهُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِأَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ حِينَ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لَا تَغْتَبِ النَّاسَ، وَيْحَكَ، هَذِهِ نَصِيحَةٌ، وَلَيْسَتْ غَيْبَةً) ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩]
стр. 1365
) [الْكَهْفِ: ٢٩] . وَأَوْجَبَ اللَّهُ الْكَشْفَ وَالتَّبَيُّنَ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَرْحِ: ( «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» ) . وَفِي التَّعْدِيلِ: ( «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ» ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَلِذَا اسْتَثْنَوْا هَذَا مِنَ الْغَيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ عُدَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَفْظُهُ فِي قَوَاعِدِهِ: الْقَدْحُ فِي الرُّوَاةِ وَاجِبٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ الشَّرْعِ، وَلِمَا عَلَى النَّاسِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَبَرٍ يُجَوِّزُ الشَّرْعُ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَجَرْحُ الشُّهُودِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحُكَّامِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ ; لِحِفْظِ الْحُقُوقِ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
[المتكلمون في الرجال]
وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ - كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ مِنَ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّابِعِينَ ; أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ بِقِلَّةٍ ; لِقِلَّةِ الضَّعْفِ فِي مَتْبُوعِيهِمْ ; إِذِ اكْثَرُهُمْ صَحَابَةٌ عُدُولٌ، وَغَيْرُ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ أَكْثَرُهُمْ ثِقَاتٌ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي انْقَرَضَ فِي الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ إِلَّا الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ ; كَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَالْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَدَخَلَ الثَّانِي كَانَ فِي أَوَائِلِهِ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، الَّذِينَ ضُعِّفُوا غَالِبًا مِنْ قِبَلِ تَحَمُّلِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ، فَتَرَاهُمْ يَرْفَعُونَ الْمَوْقُوفَ وَيُرْسِلُونَ كَثِيرًا، وَلَهُمْ غَلَطٌ ; كَأَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ - وَهُوَ حُدُودُ الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ - تَكَلَّمَ فِي التَّوْثِيقِ وَالتَّضْعِيفِ طَائِفَةٌ مِنْ
стр. 1366
الْأَئِمَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. وَضَعَّفَ الْأَعْمَشُ جَمَاعَةً، وَوَثَّقَ آخَرِينَ، وَنَظَرَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ وَكَانَ مُتَثَبِّتًا لَا يَكَادُ يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ، وَكَذَا كَانَ مَالِكٌ، وَمِمَّنْ إِذَا قَالَ فِي هَذَا الْعَصْرِ قُبِلَ قَوْلُهُ، مَعْمَرٌ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَاللَّيْثُ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ ; كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُشَيْمٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَالْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيِّ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى فِي زَمَانِهِمْ ; كَابْنِ عُلَيَّةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَوَكِيعٍ، ثُمَّ انْتُدِبَ فِي زَمَانِهِمْ أَيْضًا لِنَقْدِ الرِّجَالِ الْحَافِظَانِ الْحُجَّتَانِ ; يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ، فَمَنْ جَرَّحَاهُ لَا يَكَادُ يَنْدَمِلُ جُرْحُهُ، وَمَنْ وَثَّقَاهُ فَهُوَ الْمَقْبُولُ، وَمَنِ اخْتَلَفَا فِيهِ وَذَلِكَ قَلِيلٌ اجْتُهِدَ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ إِذَا قَالَ، سُمِعَ مِنْهُ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، وَبَعْدَهُمْ طَبَقَةٌ أُخْرَى كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْقَعْنَبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، ثُمَّ صُنِّفَتِ الْكُتُبُ وَدُوِّنَتْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعِلَلِ وَبُيِّنَ مَنْ هُوَ فِي الثِّقَةِ وَالثَّبَتُ كَالسَّارِيَةِ، وَمَنْ هُوَ فِي الثِّقَةِ كَالشَّابِّ الصَّحِيحِ الْجِسْمِ، وَمَنْ هُوَ لَيِّنٌ كَمَنْ تُوجِعُهُ رَأْسُهُ وَهُوَ مُتَمَاسِكٌ يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ، وَمِنْ صِفَتُهُ كَمَحْمُومٍ تَرَجَّحَ إِلَى السَّلَامَةِ، وَمِنْ صِفَتُهُ كَمَرِيضٍ شَبْعَانٍ مِنَ الْمَرَضِ، وَآخَرُ كَمَنْ سَقَطَ قُوَاهُ وَأَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي يَسْقُطُ حَدِيثُهُ، وَوُلَاةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُ وَعِبَارَتُهُ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ كَمَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ الْفُقَهَاءِ وَصَارَتْ لَهُمُ الْأَقْوَالُ وَالْوُجُوهُ، فَاجْتَهَدُوا فِي الْمَسَائِلِ، كَمَا اجْتَهَدَ ابْنُ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ، وَمِنْ طَبَقَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، سَأَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ عَنِ الرِّجَالِ وَكَلَامِهِ فِيهِمْ بِاعْتِدَالٍ وَإِنْصَافٍ وَأَدَبٍ وَوَرَعٍ.
стр. 1367
وَكَذَا تَكَلَّمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتَبُ الْوَاقِدِيِّ فِي طَبَقَاتِهِ بِكَلَامٍ جَيِّدٍ مَقْبُولٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ لَهُ كَلَامٌ كَثِيرٌ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّبِيلُ حَافِظُ الْجَزِيرَةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ أَرَ أَحْفَظَ مِنْهُ. وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْكَثِيرَةُ فِي الْعِلَلِ وَالرِّجَالِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ: هُوَ دُرَّةُ الْعِرَاقِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ صَاحِبُ (الْمُسْنَدِ) ، وَكَانَ آيَةً فِي الْحِفْظِ، يُشَبَّهُ بِأَحْمَدَ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ الَّذِي قَالَ فِيهِ صَالِحٌ جَزَرَةُ: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ رَأَيْتُ بِحَدِيثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ إِمَامُ خُرَاسَانَ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ الْحَافِظُ، وَلَهُ كَلَامٌ جَيِّدٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ حَافِظُ مِصْرَ وَكَانَ قَلِيلَ الْمِثْلِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
ثُمَّ خَلَفَهُمْ طَبَقَةٌ أُخْرَى مُتَّصِلَةٌ بِهِمْ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجُ وَالدَّارِمِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَالْعِجْلِيُّ الْحَافِظُ نَزِيلُ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّانِ، وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجْسِتَانِيُّ وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ لَهُ مُصَنَّفٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، قَوِيُّ النَّفْسِ كَأَبِي حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ الْأَنْدَلُسِيُّ حَافِظُ قُرْطَبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَصَالِحٌ جَزَرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ مِنْ بَعْدَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ وَالْبَرْدِيجِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالدُّولَابِيُّ وَأَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنُ جَوْصَا وَأَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ.
ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى، مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو طَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ شَيْخُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنُ عُقْدَةَ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ وَابْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ
стр. 1368
وَمُصَنَّفُهُ فِي الرِّجَالِ، إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْجَرْحِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَاسَرْجِسِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَلَهُ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ جُزْءٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَبِهِ خُتِمَ (مَعْرِفَةُ الْعِلَلِ) .
ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَأَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فُطَيْسٍ قَاضِي قُرْطَبَةَ، وَلَهُ دَلَائِلُ السُّنَّةِ فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ كَمَا أَسْلَفْتُهُ هُنَاكَ، وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَتَمَّامٌ الرَّازِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ، وَقَدْ كَتَبَ عَنْهُ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ عَشَرَةَ آلَافِ جُزْءٍ، وَخَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ، وَلَهُ كِتَابُ (الطَّبَقَاتِ) فِي أَلْفِ جُزْءٍ، وَأَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ وَأَبُو يَعْقُوبَ الْقِرَابُ وَأَبُو ذَرٍّ الْهَرُوبَانِ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمَّانُ وَأَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيَّانِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ، ثُمَّ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّنْجَانِيُّ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ وَابْنُ مَاكُولَا وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَكَانَ عَلَّامَةً حُجَّةً وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ مُفَوَّزٍ الْمُعَافِرِيُّ الشَّاطِبِيُّ ثُمَّ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ وَشُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ، وَالْمُؤْتَمِنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ السَّاجِيُّ وَشِيرُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ الْهَرَوِيُّ مُصَنِّفٌ (تَارِيخِ هَرَاةَ) وَأَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَالسِّلَفِيُّ وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ بَشْكُوالٍ. ثُمَّ بَعْدَهُمْ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَخَّارِ الْمَالِقِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ
стр. 1369
الْمَقْدِسِيُّ وَالرَّهَاوِيُّ وَابْنُ مُفَضَّلٍ الْمَقْدِسِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ الْأَنْمَاطِيِّ وَابْنُ نُقْطَةَ وَابْنُ الدُّبَيْثِيِّ وَابْنُ خَلِيلٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلْفُونَ الْأَزْدِيُّ وَابْنُ النَّجَّارِ ثُمَّ الزَّكِيُّ الْمُنْذِرِيُّ وَالْبِرْزَالِيُّ وَالصَّرِيفِينِيُّ وَالرَّشِيدُ الْعَطَّارُ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ الْأَبَّارِ وَابْنُ الْعَدِيمِ وَأَبُو شَامَةَ وَأَبُو الْبَقَاءِ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلْسِيُّ وَابْنُ الصَّابُونِيِّ.
ثُمَّ بَعْدَهُمُ الدِّمْيَاطِيُّ وَابْنُ الظَّاهِرِيِّ وَالْمَيْدُومِيُّ وَالِدُ الصَّدْرِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَابْنُ فَرَجٍ وَعُبَيْدٌ الْإِسْعَرْدِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ وَالْمِزِّيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ وَصَفِيُّ الدِّينِ الْقِرَافِيُّ وَابْنُ الْبِرْزَالِيِّ وَالْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ.
فِي آخَرِينَ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ، مِنْهُمْ فِي شُيُوخِ شُيُوخِنَا الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ تِلْمِيذُهُ شَيْخُنَا، وَفَاقَ فِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ أَدْرَكَهُ، وَطُوِيَ الْبِسَاطُ بَعْدَهُ إِلَّا لِمَنْ شَاءُ اللَّهُ، خُتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَعَدَّلُوا وَجَرَّحُوا، وَوَهَّنُوا وَصَحَّحُوا، وَلَمْ يُحَابُوا أَبًا وَلَا ابْنًا وَلَا أَخًا، حَتَّى إِنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي. فَأَعَادُوا ; فَأَطْرَقَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ لِكَوْنِ وَالِدِهِ كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، يُقْرِنُ مَعَهُ آخَرَ إِذَا رَوَى عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ (السُّنَنِ) : ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ كَذَّابٌ، وَإِنْ تَأَوَّلْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ فِي وَلَدِهِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْهُ حَتَّى نَسِيَهُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ: لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي. يَعْنِي يَحْيَى الْمَذْكُورَ بِالْكَذِبِ.
стр. 1370
نَعَمْ فِي الْخُلَفَاءِ وَآبَائِهِمْ وَأَهْلِيِهِمْ كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةَ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ لَهُ: قَوْمٌ أَعْرَضَ أَهْلُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ كَشْفِ حَالِهِمْ ; خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالضَّرْبِ، قَالَ: وَمَا زَالَ هَذَا فِي كُلِّ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ يَصِفُ الْمُؤَرِّخُ مَحَاسِنَهَا وَيُغْضِي عَنْ مَسَاوِئِهَا هَذَا إِذَا كَانَتْ ذَا دِينٍ وَخَيْرٍ ; فَإِنْ كَانَ مَدَّاحًا مُدَاهِنًا لَمْ يَلْتَفَتْ إِلَى الْوَرَعِ، بَلْ رُبَّمَا أَخْرَجَ مَسَاوِئِ الْكَبِيرِ وَهَنَاتِهِ فِي هَيْئَةِ الْمَدْحِ وَالْمَكَارِمِ وَالْعَظْمَةِ، فَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ كَانَ مِنَ الْوَرَعِ بِمَكَانٍ، كَالْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ صَاحِبِ (الْكَمَالِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ) الْمُخَرَّجِ لَهُمْ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ الَّذِي هَذَّبَهُ الْمِزِّيُّ وَصَارَ كِتَابًا حَافِلًا، عَلَيْهِ مُعَوَّلُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وَاخْتَصَرَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ لَمْ يُشَكَّ فِي وَرَعِهِ ; كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، بَلْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَابْنِ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنِ ادْخُلَ الْجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنِ الْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُحَرَّرِ لَاخْتَرْتُ أَنِ الْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَابْنِ مَعِينٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي أُنَاسٍ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ. وَالْبُخَارِيِّ الْقَائِلِ: مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ الْغَيْبَةَ حَرَامٌ. وَحُجَّتُهُمُ التَّوَصُّلُ بِذَلِكَ لِصَوْنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُقَدَّمُ.
(وَلَقَدْ أَحْسَنَ) الْإِمَامُ (يَحْيَى) بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ (فِي جَوَابِهِ) لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ حِينَ قَالَ لَهُ: أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللَّهِ
следующие страницы →