← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ثالثاً: أما التفضيل تفصيلاً فهم متفاوتون، والمعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها أن أفضل الصحابة: الخلفاء الأربعة (١)، وأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر (٢)، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (٣)، لما جاء من حديث عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة ". فقلت: من الرجال؟ قال: " أبوها "، فقلت: ثم من؟ فقال: " عمر بن الخطاب " (٤). ثم بعد أبي بكر و عمر: عثمان ثم علي ﵃ أجمعين. قال ابن أبي العز: (وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة) (٥). وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي الله ﷺ لا نفاضل بينهم) (٦).

стр. 282

ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح، ثم من صلى القبلتين، ثم عموم من صحب النبي ﷺ (١). قال محمد بن عبدالوهاب (٢): (وأومن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃) (٣). وهذا التفاضل لا ينقص قدر أحد منهم كما قد يرد عند بعض الناس. قال شيخ الإسلام: (الكلام في تفضيل الصحابة يتقى فيه نقص أحد عن رتبته أو الغض من درجته أو دخول الهوى والفرية في ذلك كما فعلت الرافضة و النواصب الذين يبخسون بعض الصحابة حقوقهم) (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة:١٢٢].

стр. 283

٦٨/ ٨ - قال ابن عقيل: (جعل الله تعالى طلب العلم فرضاً على الكفاية بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢]، بعد قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] اهـ) (١). الدراسة: استفاد ابن عقيل من هذه الآية أن طلب العلم فرض على الكفاية، وهو استنباط صحيح (٢)، ولكنه ليس في كل العلوم بل في نوع منها، فإذا بحثنا عن الحكم الشرعي لطلب العلم وجدنا أنه يختلف باختلاف الحاجة إليه (٣)، فمنه ما هو فرض، ومنه ما هو محرم، والفرض منه ما هو على الكفاية، ومنه ما هو على الأعيان، وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على أن من العلم ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، واختلفوا في تلخيص ذلك (٤). فأقسام العلم الشرعي ثلاثة: القسم الأول: العلوم التي تعلمها فرض عين هي ما لا يسع الإنسان جهله من الفرائض كالشهادتين، والصلاة، وأركان الإسلام وما لا تتم إلا به، والمحرمات التي نص عليها الكتاب، أو السنة، أو أجمعت الأمة على تحريمه. القسم الثاني: العلوم التي تعلمها فرض كفاية هي ما لا بد للناس منها في إقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن والأحاديث، وعلومهما والأصول، والفقه، واللغة والتصريف، ومعرفة رواة الحديث، والإجماع، والخلاف، وكذلك العلوم التي يُحتاج إليها في قوام أمر الدنيا كالطب، والحساب، والصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالخياطة، والفلاحة ونحوهما (٥).

стр. 284

وحجتهم فيه ما احتج به ابن عقيل وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم (١). قال الزمخشري: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] اللام لتأكيد النفي، ومعناه: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح، ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن، ولم يؤد إلى مفسدة لوجب التفقه على الكافة) (٢). وقال القرطبي: (هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي ﷺ مقيم لا ينفر، فيتركوه وحده، فلو لا نفر بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة وتبقى بقيتها مع النبي ﷺ ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموهم، وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان) (٣). القسم الثالث: العلوم التي تعلمها على الاستحباب، كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية.

стр. 285

هذه أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم كتعلم السحر، ومنه ما هو مكروه كأشعار الغزل، ومنه ما هو مباح كالأشعار التي ليس فيها ما يعين على خير ولا شر (١)، وبهذا فقد حوى العلم جميع الأحكام التكليفية على حسب نوع العلم. والله أعلم. سورة يونس قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]. ٦٩/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ بمعنى: والله شهيد على فعلهم حال فعلهم لا مرتباً على فعلهم، ويحتمل أن تكون على أصلها للتراخي بكون شهود الباري متراخياً عن وفاته ﷺ ؛ فإنه قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦] اهـ) (٢). _ الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: أن [ثم] حرف عطف يفيد الترتيب، ويقتضي تأخر ما بعده عما قبله (٣)؛ إما تأخيراً بالذات أو بالمرتبة أو بالوضع (٤)، وهذا هو مذهب الجمهور (٥). وذهب جماعة من العلماء إلى أن [ثم] بمنزلة [الواو] لا ترتب، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] ومعلوم أن هذا الجعل كان قبل الخلق، والجواب على هذا من عدة أوجه:

стр. 286

١ - أن العطف على محذوف، أي من نفس واحدة، أنشأها ثم جعل منها زوجها. ٢ - أن العطف على: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر:٦] على تأويلها بالفعل، أي: من نفس توحدت، أي: انفردت، ثم جعل منها زوجها. ٣ - أن الذرية أخرجت من ظهر آدم ﵇ كالذر، ثم خلقت حواء. ٤ - أن حواء من آدم، ولأنه لم تجر العادة بمثله جيء بـ[ثم] إيذاناً بترتبه في الإعجاب، وظهور القدرة، لا لترتيب الزمان وتراخيه. ٥ - أن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم (١). المسألة الثانية: ذكر ابن عقيل أن [ثم] بمعنى [الواو] في قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]، وهذا هو ما فسر به أكثر العلماء (٢)، قالوا: يتعذر العمل بحقيقة [ثم] لأنه تعالى شهيد على ما يفعلون قبل رجوعهم إليه، كما هو شهيد بعد ذلك فكانت [ثم] بمعنى الواو (٣). وذهب جماعة إلى أن [ثم] على بابها، وأشار ابن عقيل إلى احتماله، وهو الأولى لعدة أمور منها: ١ - ما ذكره ابن عقيل، باحتمال كون الشهادة بعد وفاة النبي ﷺ كما في أول الآية. ٢ - أن الأولى البقاء على أصل معنى [ثم]، وهو الترتيب مع التراخي، وسبق أن الترتيب لا يلزم أن يكون في الذوات فقط. ٣ - أنه لا محذور في هذا التفسير. ٤ - إمكان الإجابة على ما ذكروا من لازم تفسيرها على معناها الأصلي (٤)، وذلك بما يلي:

стр. 287

• أنه لا ينفي شهادة الله تعالى قبل رجوعهم، فإن [ثم] قد تفيد الاستمرار والبقاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه:٨٢]، أي: بقي على ذلك الهدى من التوبة والإيمان والعمل الصالح (١). • أن [ثم] قد تأتي لمجرد الترتيب في الذكر، وذكر الأولى ثم الأولى دون اعتبار الزمن، كما في قول الشاعر: قُل لِمَن سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوه ... قَبْلَهُ ثُمَّ قَبْلَ ذلك جَدُّه (٢) فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح، فابتدأ بسيادته ثم بسيادة أبيه ثم ... بسيادة جده، لأن سيادة نفسه أخص (٣). • ذكر جمع من العلماء أن [ثم] في هذه الآية ذكرت لترتب الأخبار لا لترتيب الوجود (٤)، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب. أي ثم أخبرك أن ما صنعت أمس أعجب (٥). • أن [ثم] تستعمل في الجمل خاصة، لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام:١]، فالإشراك بخالق السماوات والأرض مستبعد، غير مناسب، وهذا المعنى فرع عن التراخي، وهو واقع في الآية التي معنا من الكفار حيث استبعدوا شهادة الله عليهم.

стр. 288

• أن يكون هذا من إقامة العلة مقام المعلول فيكون التقدير: ثم نعذبهم لأن الله شهيد عليهم (١). • أن تكون الشهادة ذكرت والمراد: مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون، أو بإنطاق جوارحهم (٢) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧]. ٧٠/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿قِبْلَةً﴾: جهة للطاعات ومستقبلاً لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأموراً أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقاً، وجعلوا بيوتهم قبوراً اهـ) (٤). __ الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألتين: المسألة الأولى: المراد بالبيوت، وقد ذكر العلماء أقوالاً فيها تداخل، وسأعرض للخلاف من أقرب طريق: فأقول: اختلف العلماء في معنى البيوت على قولين:

стр. 289

القول الأول: أنها المساجد، أي: اجعلوا مساجدكم جهة القبلة، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك (١)، وربما حملهم على هذا وقوع قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس:٨٧] بعده، وأن المساجد تسمى بيوتاً كما في قوله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، وهذا قول محتمل، ولكنه بعيد؛ لأن الله علم أن بني إسرائيل مفارقون مصر قريباً بإذنه، وحالة القوم مع فرعون لا تناسب هذا التفسير (٢). القول الثاني: أنها بيوت السكنى واختلفوا على قولين: الأول: وهو قول ابن عقيل أن المراد: اجعلوا بيوتكم محل صلاتكم وعباداتكم، وهو مروي عن ابن عباس، والنخعي، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد (٣). الثاني: أن المراد اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً، وهو قول سعيد بن جبير (٤). والقول الراجح: هو ما ذكره ابن عقيل بأن المراد: اجعلوا بيوتكم محلاً للطاعة والعبادة؛ وذلك لعدة أمور منها: ١ - أن الأصل في إطلاق لفظ البيوت على بيوت السكنى، ولم يرد دلالة تدل على غير هذا (٥). ٢ - الحال التي كان عليها بنو إسرائيل من الخوف من فرعون وملئه تجعلهم لا يستطيعون الخروج للمساجد، لقوله تعالى قبلها: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣]. ٣ - ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: (كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم) (٦).

стр. 290

٤ - أن فرعون أمر بتخريب المساجد؛ فأُمر موسى وأخوه باتخاذ البيوت مساجد لتخفى عن فرعون (١). ٥ - أن هذا القول هو المناسب للتبوؤ؛ لأن التبوؤ: السكنى (٢). وهذا هو ما رجحه الفراء (٣)، والطبري (٤)، والواحدي (٥)، والسعدي (٦)، وغيرهم (٧). ... وقد جاء في شرعنا الأمر بالإكثار من صلاة النافلة في البيوت وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، كما جاء عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " (٨). قال الشوكاني (٩): (الحديث يدل على استحباب فعل صلاة التطوع في البيوت، وأن فعلها فيها أفضل من فعلها في المساجد، ولو كانت المساجد فاضلة كالمسجد الحرام ومسجده ﷺ ومسجد بيت المقدس) (١٠).

стр. 291

وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً " (١). وقد بوب البخاري في صحيحه: (باب المساجد في البيوت)، وذكر فيه حديث عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدراً من الأنصار ﵁ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله ﷺ : " سأفعل إن شاء الله " قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: " أين تحب أن أصلي من بيتك " قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم ... الحديث (٢). المسألة الثانية: أن المأمور بجعل بيته مكاناً للطاعة أولى أن يَعْقِل ذلك في المساجد. وهذه لفتة لطيفة من ابن عقيل حيث ذكر أنه رأى في أهل زمانه من جعل المسجد سوقاً، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ومما جاء في ذلك:

стр. 292

حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك " (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ : " نهى عن الشراء والبيع في المسجد " (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا " (٣). وكذلك رأى ابن عقيل في وقته من جعل بيته قبراً، وقد جاءت النصوص في النهي عن هذا ومنها قوله ﷺ : " لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " (٤). وقوله ﷺ : " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً " (٥).

стр. 293

قال ابن تيمية: (يعني: أن القبور موضع الموتى، فإذا لم تصلوا في بيوتكم ولم تذكروا الله فيها كنتم كالميت، وكانت كالقبور، فإن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ". وفي لفظ: " مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت " (١)) (٢). ففي مجمل هذه الآية توجيه لمن وقع في ذلك وتنبيه له بأنه قد قصر وخالف وعكس ما أمر به، ولا ريب أن في هذه الفائدة المستنبطة من الآية توجيه لنا أيضاً ولمن بعدنا فقد زاد في وقتنا أضعافاً مما رأى ابن عقيل، والله المستعان. سورة هود قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود:١٤]. ٧١/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، أي: أنزل من علم الله اهـ) (٣).

стр. 294

الدراسة: فسر ابن عقيل [الباء] في الآية بمعنى [من]، وهو مستعمل في العربية، تقول العرب: شربت بماء كذا، أي من ماء كذا (١)، وكقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، أي منها (٢). وفي معنى الآية قولان: أحدهما: أنزله وهو عالم بإنزاله، وعالم بأنه حق من عنده (٣). والثاني: أَنزله فيه عِلْمُه الذي لا يعلمه البشر عما سلف وما سيكون، مما لم يقرأ به النبي ﷺ كتاباً ليدل على أنه من عند الله (٤). أما الأول: وإن كان محتملاً؛ فبعيد؛ لأنه لا يضيف معنى جديداً أن ينزله الله وهو يعلمه. ويبقى الثاني هو الأرجح: وهو قول جمهور العلماء. قال شيخ الإسلام: (وليس معنى مجرد كونه أنزله: أنه هو معلوم له؛ فإن جميع الأشياء معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق، لكن المعنى: أنزله فيه علمه كما يقال: فلان يتكلم بعلم، ويقول بعلم، فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦]) (٥).

стр. 295

ثم إن الجمهور اختلفوا: فبعضهم يفسر [الباء] بـ[من] (١)، أي: إنما أنزل من علم الله، وبهذا فسرها ابن عقيل. قال شيخ الإسلام: (وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، قال الزجاج: أنزله وفيه علمه، وقال أبو سليمان الدمشقي: أنزله من علمه، وهكذا ذكر غيرهما، وهذا المعنى مأثور عن السلف) (٢). وبعضهم يفسر [الباء] بمعناها الأصلي: وهو الإلصاق (٣)، وهو أقرب للصواب، وأقوى في الدلالة؛ فيكون المعنى: أنزله وفيه علمه (٤). قال ابن القيم: (وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، أي: أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر، فالباء للمصاحبة، مثل قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، أي: أنزل وفيه علم الله، وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به، ولم يصنع شيئاً من قال: إن المعنى أنزله وهو يعلمه، وهذا وإن كان حقاً فإن الله يعلم كل شيء، فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوى، فإن الله يعلم الحق والباطل، بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمناً لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه عليه وأعلمه به) (٥). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥].

стр. 296

٧٢/ ٢ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] تمسكاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧]، وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلاً تحت اللفظ اهـ) (١). _ الدراسة: استدل ابن عقيل بالآية على أن صيغة العموم تدل على شمول الجنس الذي أطلقت عليه، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين (٢)، ووجه الاستدلال: أن نوحاً ﵇ دعا ربه نجاة ابنه إتماماً لوعده بنجاة أهله، فأجابه الباري جواب تخصيص لا نكير، إنه ليس ممن وعدت بنجاتهم لأنه ممن سبق عليهم القول، وكانت أعماله غير صالحة، فدل على صحة استدلاله بالعموم، ولولا أن الدليل أخرج ابنه، لكان داخلاً في عموم أهله. وبهذا المعنى فسرها عامة المفسرين.

стр. 297

قال السمعاني: (قوله : ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥]، يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي، وأنت أحكم الحاكمين، يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، معناه: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم) (١). وقال ابن كثير: (هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف؛ فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين، ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود:٤٠]) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:٩١]. ٧٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾، أي: لا نفهم اهـ) (٣). الدراسة: فسر ابن عقيل الفقه: بالفهم، وهذا هو ما فسره به جمع من المفسرين وغيرهم (٤).

стр. 298

قال السمعاني: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، معناه: ما نفهم) (١). وقال الرازي: (يفقهون: يفهمون) (٢). وفسره آخرون: بالعلم (٣). قال الطبري: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول) (٤). ولا اختلاف بين هذا ولا هذا، فالفقه عند التأمل في مواضع وروده في كتاب الله؛ نجد أنه يستعمل بمعنى الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] على القول بأن التسبيح: حقيقة وهو الصواب، ويستعمل بمعنى العلم (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢]، ويستعمل في معنى أخص من العلم والفهم، وهو التوصل إلى علم ما كان غائباً بعلم شاهد (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، وبهذا تنتظم الأقوال، وعند إطلاق العلماء لواحد منها عند تفسير آية فغالباً ما يقيده بما يدل على ما ذكرت. ولذا فسر بعضهم الآية التي معنا بقولهم: لا نعقل ما تقول (٧). قال ابن كثير: (﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]، أي: ما نفهم ولا نعقل كثيراً من قولك) (٨). وقال ابن عطية: (ومعنى: ما نفقه ما تقول، أي: ما نفقه صحة قولك، وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل) (٩).

стр. 299

وقال النسفي: (﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١] أي: لا نفهم صحة ما تقول، وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء) (١). وقال الشوكاني: (ولا نفقه ذلك، أي: نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة) (٢). ولما لم يُفَصَّل هذا التفصيل ذكر بعض العلماء أجوبة عن عدم فهمهم لكلامه، مع أنه يخاطبهم بلسانهم. ومنها: قولهم: إن المراد: ما نفهم كثيراً مما تقول؛ لأنهم كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه. وقول بعضهم: إنهم فهموه بقلوبهم، ولكنهم ما أقاموا له وزناً فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. وقال بعضهم: إن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث، وما يجب من ترك الظلم والسرقة فقولهم ما نفقه أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب (٣). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود:١١٤]. ٧٤/ ٤ - قال ابن عقيل: (نزلت في الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن استمتاعه من المرأة الأجنبية بكل ما يستمتع به الرجل من زوجته إلا الجماع؛ فأنزل الله هذه الآية اهـ) (٤).

стр. 300

الدراسة: ذكر ابن عقيل فيمن نزلت هذه الآية، وهو كما قال، فقد روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى النبي ﷺ فأخبره؛ فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: " لجميع أمتي كلهم " (١). وكلام ابن عقيل يشير إلى ما رواه الترمذي عن معاذ ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً لقي امرأة وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئاً إلى امرأته إلا قد أتى هو إليها، إلا أنه لم يجامعها، قال فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فأمره أن يتوضأ ويصلي، قال معاذ: فقلت يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: " بل للمؤمنين عامة " (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. ٧٥/ ٥ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] قيل في التفسير: الصلوات الخمس يكفرن ما بينهن، والأحاديث في ذلك كثيرة اهـ) (٣).

стр. 301

الدراسة: اختلف العلماء في المراد بالحسنات في هذه الآية على قولين: القول الأول: أنها الصلوات الخمس، وهو قول ابن عقيل، وعليه جمهور العلماء (١). قال ابن عطية: (وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس) (٢). القول الثاني: أن المراد بالحسنات: قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهو مروي عن مجاهد (٣). قال ابن عطية: (وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن أجل أن الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية لفظ عام في الحسنات) (٤). والقول بالعموم قول قوي جداً إلا أن المرجحات للقول الأول - وهو أن المراد بها الصلوات الخمس - تجعله أقوى وأرجح، ومنها: ١ - سبب النزول (٥)، وقد سبق ذكره (٦). قال القرطبي: (سبب النزول يعضد قول الجمهور) (٧). وكما قال شيخ الإسلام: (معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية) (٨). ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: قاعدة (إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (٩). ٢ - كذلك سياق الآيات في أمر الله بإقامة الصلوات؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].

стр. 302

قال الطبري: (فالوعد على إقامتها الجزيلَ من الثواب عقيبها، أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من سائر صالحات الأعمال) (١). ٣ - صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ وتواترها في أن الصلاة مكفرة كما أشار إلى ذلك ابن عقيل، ومنها: حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه توضأ لهم ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وقال: " من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه " (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يُبقِي من دَرَنِه؟ " قالوا: لا يُبْقِي من دَرَنِه شيئاً، قال: " فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " (٣). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " (٤) (٥).

стр. 303

٤ - أن جمهور العلماء على ترجيحه (١)، منهم الطبري حيث قال: (وأولى التأويلين بالصواب في ذلك قول من قال في ذلك: هن الصلوات الخمس) (٢). وقال ابن الجوزي: (والأول أصح لأن الجمهور عليه) (٣). والله أعلم. سورة يوسف قال تعالى: ﴿دَخَلَ وَنَحْنُ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦]. ٧٦/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، يريد به ما يصير خمراً، وإنما يعصر عصيراً اهـ) (٤). الدراسة: فسر ابن عقيل العصر بما يُعْصر، وذِكْر الخمر في الآية اعتباراً لما يؤول إليه العصير. وهذا قول أكثر المفسرين (٥)، وإنما كان المعنى كذلك لأن العرب تستعمل هذا في كلامها (٦)، ومن تسمية الشيء بما يؤول إليه قولهم للمولود: يهنيك الفارس، تفاؤلاً بأن يكون فارساً (٧). وأيدوا كلامهم بقراءة ابن مسعود ﵁: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَباً) (٨).

стр. 304

وذهب بعضهم إلى أن الخمر في لغة أهل عمان: اسم للعنب؛ فيسمون العنب خمراً، وروي هذا عن الضحاك (١). وحكى أكثر المفسرين القولين بلا ترجيح، لأنه لا تعارض بينهما، والتفسير يحتملهما (٢). قال البغوي: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، أي: عنباً، سمي العنب خمراً باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر (٣)، أي: يطبخ اللَّبِن للآجر، وقيل: الخمر العنب بلغة عمان) (٤). وقال الزمخشري: (﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، يعني: عنباً، تسمية للعنب بما يؤول إليه، وقيل: الخمر بلغة عمان: اسم للعنب) (٥). وقال الكلبي: (﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، قيل فيه: سمى العنب خمراً بما يؤول إليه، وقيل: هي لغة) (٦). ومع كون الآية محتملة لما قيل فيها، وصحته فيها (٧)، إلا أن القول الأول أظهر، وأقرب كما قال النحاس: (والأول أبينها، وأهل التفسير عليه) (٨). وهو أسلوب عربي معروف (٩). قال الرازي: (إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، يقولون: فلان يطبخ دبساً (١٠)، وهو يطبخ عصيراً) (١١). والله أعلم.

стр. 305

قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف:٧٦]. ٧٧/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، أردنا به وله اهـ) (١). الدراسة: أشير في البداية إلى المعنى اللغوي للكيد فأقول: قال ابن فارس: (الكاف والياء والدال أصل صحيح يدل على معالجةٍ لشيء بشدة، ثم يتسع الباب، وكله راجع إلى هذا الأصل) (٢). وقال ابن منظور: (والكيد: الاحتيال والاجتهاد، وبه سميت الحرب كيداً) (٣). وقال البغوي: (الكيد: إرادة مضرة الغير الخفية، وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق) (٤). فالكيد يطلق على المكر والحيلة (٥)، كما قال تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، وقال سبحانه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ [طه:٦٠]. قال الراغب: (الكيد: ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموماً وممدوحاً، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محموداً) (٦). وقد فسر السلف الكيد في الآية بالكيد المحمود، وهو ما كان في مقابلة الفاعل بمثل فعله أو أشد، وهنا يكون صفة كمال تليق بالله سبحانه.

стр. 306

قال ابن كثير: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه؛ لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة) (١). وقال ابن القيم: (المكر: إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: ١ - قبيح: وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه. ٢ - وحسن: وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلاً منه وحكمة .. ) (٢). ولوازم قوله تعالى: ﴿كِدْنَا﴾ في هذه الآية كثيرة، ذكرها العلماء، ومنها: الأول / أردنا به وله، وهو تفسير ابن عقيل، وأشار إليه الزركشي (٣). الثاني / احتلنا له، والكيد: الحيلة، ذكره الجصاص وغيره (٤). الثالث / صنعنا ليوسف، قاله الطبري، والقرطبي وغيرهما (٥). الرابع / دبرنا له، ذكره الماوردي، وابن الجوزي (٦). الخامس / علمناه، كما ذكر الزمخشري وغيره (٧).

стр. 307

ونسبة الكيد إلى الله سبحانه من إطلاق الفعل عليه تعالى، والفعل أوسع من الاسم ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء ولم يسم بالمريد والشائي، وكذا مكر ويمكر، وأكيد كيداً، ولا يقال الماكر والكائد؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم (١). قال ابن تيمية: (وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ: المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك؛ بل مسميات هذه الأسماء إذا فُعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] ... ) (٢). وقال أيضاً: (وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف:٨٢].

стр. 308

٧٨/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، معناه: سل أهل، فحذف أهلها المراد سؤالهم، وأقام القرية اهـ) (١). الدراسة: ما ذكره ابن عقيل من التقدير هو المشهور في كتب التفسير (٢)، إذ يستحيل عقلاً أن يوجه السؤال إلى القرية التي هي المباني. قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية)، ولم يذكر فيها خلافاً (٣). وقال الزركشي: (ولما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل؛ احتيج إلى ذكر دليله، والدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين؛ فمنها: أن يدل عليه العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلاً إلا بتقدير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، فإنه يستحيل عقلاً تكلم الأمكنة إلا معجزة) (٤). وعده بعضهم من المجاز (٥)، وليس كذلك عند كثير من الأصوليين القائلين بالمجاز في القرآن، وهذا هو المؤكد عند غيرهم؛ لأن حد المجاز لا يشمل مثل هذه الآية لأمرين: ١ - أن إعراب المضاف إليه إعراب المضاف إذا حذف من أساليب اللغة العربية، ويكون المضاف إليه المذكور بمنزلة المضاف المحذوف (٦).

стр. 309

قال ابن عطية: (إن إسقاط المضاف في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، هو سائغ بسبب ما يُعقل من أن: اسأل القرية. لا تُسأل؛ ففي الظاهر دليل على ما أضمر) (١). وهذا الحذف كثير في اللغة العربية اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام (٢)؛ وهو من إيجاز الحذف المحمود في الحديث، إذ لا يفهم منه غير المراد من غير استطراد (٣). ولأجل تحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل حسن الإيجاز بنوعيه (٤). ٢ - ولأن القرية في هذا الموضع مستعملة في معناها الحقيقي، وإطلاق القرية وإرادة أهلها من أساليب اللغة العربية كذلك (٥)، كما قال الطبري: (وقد تقول العرب: إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم؛ فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله إذا كان معروفاً بشجاعة، أو سخاء، أو ما أشبه ذلك من الصفات) (٦).

стр. 310

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، قالوا المراد به: أهلها؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحال كلاهما داخل في الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان، وتارة على المحل وهو المكان، وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر وهو المحل، وجرى النهر وهو الماء، ووضعت الميزاب وهو المحل، وجرى الميزاب وهو الماء، وكذلك القرية: قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ [الأعراف:٤ - ٥]، وقال في آية أخرى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف:٩٧] فجعل القرى هم السكان، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] وهم السكان، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف:٥٩]، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فهذا المكان لا السكان) (١).

стр. 311

بل كثير من المفسرين لم يذكروا هذا التفسير عند الآية في موضعها (١)؛ لوضوحه، وبعض المفسرين فُهم تفسيرهم من كثرة ضرب المثل بها عند آيات أخرى (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ [يوسف:٨٣]. ٧٩/ ٤ - قال ابن عقيل: (والمراد بقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]، يوسف وبنيامين وشمعون (٣) الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] اهـ) (٤). الدراسة: أبان ابن عقيل أن المراد بالجمع في الآية الثلاثة، أي: يوسف وبنيامين والذي أقام في مصر.

стр. 312

وهذا هو ما عليه عامة أهل التفسير (١). قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ [يوسف:٨٣]. قال أبو جعفر: في الكلام متروك، وهو: فرجع إخوة بنيامين إلى أبيهم، وتخلف روبيل فأخبروه خبره ... ) إلى أن قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٢). قال القرطبي: (وقال: بهم؛ لأنهم ثلاثة: يوسف، وأخوه، والمتخلف من أجل أخيه، وهو القائل: فلن أبرح الأرض) (٣). وقال ابن كثير: (ثم ترَجَّى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وأخاه بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه؛ إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]) (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١].

стр. 313

٨٠/ ٥ - قال ابن الجوزي: (كان ابن عقيل يقول: لم يتمن يوسف الموت، وإنما سأل أن يموت على صفة، والمعنى: توفني إذا توفيتني مسلماً اهـ) (١). الدراسة: تبين من كلام ابن عقيل أنه يرجح عدم جواز تمني الموت، ولذلك وجه الآية التي قد يتبادر منها أن يوسف تمنى الموت. وقد جاء النهي الصريح في شريعة نبينا ﷺ عن تمني الموت حيث قال ﷺ : " لا يتمنين أحدكم الموت في ضر نزل به، فإن كان لا بد متمنياً للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " (٢). ولأجل هذا فقد ذكر العلماء في توجيه كلام يوسف أقوالاً كثيرة منها: ١ - أن المراد: توفني إذا توفيتني مسلماً كما قال ابن عقيل وهو قول جمهور العلماء (٣). قال القرطبي: (وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي: إذا جاء أجلي توفني مسلماً، وهذا قول الجمهور) (٤). فليس في الآية تمني الموت وهذا هو المراد من التوجيه.

стр. 314

وعبر عنه بعضهم بقولهم: إن المراد من قول يوسف: الثبات على الإسلام والوفاة عليه (١). كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:١٠٢]، أي: اثبتوا على هذا الدين حتى الممات (٢). وهذا هو الأرجح كما قال ابن عطية عنه: (وهو الأقوى عندي) (٣). وقال القرطبي: (وهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل) (٤). ٢ - أن هذا التمني من يوسف يجوز أن يكون عند الاحتضار، كما جاء عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول عندما نزل به الموت: " اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثاً " (٥). ٣ - وقيل إن المراد: وفاة الرفعة لا توفي الموت. قال الراغب: (وقد قيل: توفي رفعة واختصاص لا توفي موت، كما قال الله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]) (٦). وقال في موضع آخر: (وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه اجعلني سالماً عن أسر الشيطان) (٧).

стр. 315

٤ - أن تمني الموت جائز في شريعة يوسف ﵇، وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء (١)، قال ابن عباس ﵁: (أول نبي سأل الله الموت يوسف) (٢). قال ابن عطية: (وذكر كثير من المفسرين أن يوسف ﵇ لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) (٣). ومن أضعف الأجوبة التي ذكرها العلماء في توجيه تمني يوسف للموت: ٥ - أن هذه الآية منسوخة، أشار إليه النحاس ورد هذا القول، حيث قال: (رأيت بعض المتأخرين ذكر في قوله تعالى إخباراً عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١] قال: نسخه قول النبي ﷺ : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به .. " وهذا قول لا معنى له، ولولا أنا أردنا أن يكون كتابنا متقصياً لما ذكرناه؛ لأنه ليس معنى توفني مسلما توفني الساعة، وهذا بين جداً لا إشكال فيه، ولو صح أن قول يوسف ﷺ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أنه يريد في ذلك الوقت لما كان منسوخاً؛ لأن النبي ﷺ إنما قال: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " فإذا تمناه إنسان لغير ضر فليس بمخالف النبي ﷺ ، وقد يجوز أن يتمنى الموت من له عمل صالح متخلصاً به من الكبائر) (٤). وبعد التأمل في هذه الإجابات يتضح لي أن حكم تمني الموت يختلف باختلاف الأحوال، فيقال:

стр. 316

أ/ تمني الموت على الإطلاق لا يجوز؛ لما فيه من الإعتراض على قضاء الله وقدره، وعليه يحمل النص الصريح في النهي. ب/ تمني الموت لضر نزل به في الدنيا لا يجوز، لنص النبي ﷺ على النهي عن هذه الصفة. قال ابن حجر في شرح حديث النهي عن تمني الموت: (حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا " (١) على أن [في] في هذا الحديث سببية، أي: بسبب أمر من الدنيا) (٢). ج/ تمني الموت لمن خاف ضياع دينه جائز، ويدخل في ذلك وقت ظهور الفتن وغلبتها (٣)، وكذلك لمن قيده بما إذا كان الموت خيراً له، فإن هذا فيه تسليم لقضاء الله وقدره. قال ابن عطية: (فيشبه أن قول النبي ﷺ لضر نزل به، إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك، ويبقي تمني الموت مخافة فساد الدين مباحاً، ويدلك على هذا قول النبي ﷺ : " يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، ليس به الدين، لكن ما يرى من البلاء والفتن " (٤)) (٥).

стр. 317

ويدل على هذا قوله تعالى عن مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم:٢٣]، حينما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيفتنها ذلك (١). وكذلك قوله ﷺ : " إن ربي أتاني فقال: قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون " (٢). وهذا التفصيل لا بد منه في هذه المسألة؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وهذا أمر مطلوب، فيحمل التمني على ما جاز، وهو فيما إذا كان الموت خيراً له، ويتأكد ذلك عندما يخاف المرء على دينه، وهذا مستفاد من نص الحديث. ومن الأمثلة التي يمكن حملها على هذا التفصيل: - تمني يوسف للوفاة على قول من قال: إنه يريد الوقت الحاضر، فهو خير له من البقاء في الدنيا (٣). - فعل جماعة من الصحابة، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) (٤). والله أعلم.

стр. 318

سورة الرعد قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد:١١]. ٨١/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، مكان: بأمر الله اهـ) (١). الدراسة: أراد ابن عقيل تفسير [من] في هذه الآية. ومن المعلوم أن الحرف له ارتباط من ناحية المعنى بما قبله وما بعده، وقد وفَّى المفسرون ما قيل في معنى: معقبات، وفي المقصود: بالحفظ، وفي المراد: بأمر الله (٢). لكن خلاصة الخلاف في معنى [من] ما يلي: القول الأول: أن [من] بمعنى [الباء] كما هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن قتادة (٣)، وهو ما عليه أكثر المفسرين (٤)، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، والمعنى: يحفظونه بأمر الله.

стр. 319

القول الثاني: أن [من] بمعنى [عن]، أي: يحفظونه عن أمر الله، والقولان متقاربان معنى، ومؤداهما واحد كما قال القرطبي: (يحفظونه من أمر الله أي: بأمر الله وبإذنه فـ[من] بمعنى [الباء] وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقيل: [من] بمعنى [عن] أي: يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي: حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري، ومن عري، ومنه قوله : ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش:٤] أي: عن جوع) (١). القول الثالث: أن [من] باقية على بابها، والمعنى: يحفظونه من أمر الله. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد حيث قالا: (الملائكة من أمر الله) (٢). والذي يظهر لي أن المعاني كلها متقاربة؛ لأن هذا المعنى أيضاً لا يخرج عما قبله، فالملائكة (٣) يحفظونه بأمر الله أو من أمر الله حتى يأتي أمر الله، أما من ناحية اللفظ فبقاء الحرف على بابه هو الأولى. وكل حرف من حروف الصفات له عدة معاني، وتؤدي بعض الحروف معنى الآخر، دون إخلال بالمعنى، والنصوص دالة على صحة هذا الاستعمال: فـ[من] تأتي بمعنى [الباء]، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥]، أي: بطرف خفي. وتأتي بمعنى [عن]، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، أي: عن ذكر الله (٤).

стр. 320

ومما يؤيد جواز كل المعاني: أن كلاً من [الباء] و [من] و [عن] تأتي بمعنى التعليل، فبينها معنى مشترك، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: بسببها. وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠]، أي: بسببه. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣]، أي بسببه (١). فلو جعل معنى الآية التي معنا إجمالاً: يحفظونه بسبب أمر الله، لكان ذلك صواباً. ومن المعاني التي ذكرها الزمخشري في الآية قوله: (يحفظونه من أجل أمر الله) (٢). وذكر ابن الجوزي من المعاني: (يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له) (٣). وبهذا تجتمع الأقوال. والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥]. ٨٢/ ٢ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥]: بمعنى عليهم اللعنة اهـ) (٤). الدراسة: فسر ابن عقيل [اللام] بـ[على]، وهذا هو ما قال به جمع من العلماء (٥).
следующие страницы →