← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أ/ تمني الموت على الإطلاق لا يجوز؛ لما فيه من الإعتراض على قضاء الله وقدره، وعليه يحمل النص الصريح في النهي. ب/ تمني الموت لضر نزل به في الدنيا لا يجوز، لنص النبي ﷺ على النهي عن هذه الصفة. قال ابن حجر في شرح حديث النهي عن تمني الموت: (حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا " (١) على أن [في] في هذا الحديث سببية، أي: بسبب أمر من الدنيا) (٢). ج/ تمني الموت لمن خاف ضياع دينه جائز، ويدخل في ذلك وقت ظهور الفتن وغلبتها (٣)، وكذلك لمن قيده بما إذا كان الموت خيراً له، فإن هذا فيه تسليم لقضاء الله وقدره. قال ابن عطية: (فيشبه أن قول النبي ﷺ لضر نزل به، إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك، ويبقي تمني الموت مخافة فساد الدين مباحاً، ويدلك على هذا قول النبي ﷺ : " يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، ليس به الدين، لكن ما يرى من البلاء والفتن " (٤)) (٥).

стр. 317

ويدل على هذا قوله تعالى عن مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم:٢٣]، حينما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيفتنها ذلك (١). وكذلك قوله ﷺ : " إن ربي أتاني فقال: قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون " (٢). وهذا التفصيل لا بد منه في هذه المسألة؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وهذا أمر مطلوب، فيحمل التمني على ما جاز، وهو فيما إذا كان الموت خيراً له، ويتأكد ذلك عندما يخاف المرء على دينه، وهذا مستفاد من نص الحديث. ومن الأمثلة التي يمكن حملها على هذا التفصيل: - تمني يوسف للوفاة على قول من قال: إنه يريد الوقت الحاضر، فهو خير له من البقاء في الدنيا (٣). - فعل جماعة من الصحابة، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) (٤). والله أعلم.

стр. 318

سورة الرعد قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد:١١]. ٨١/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، مكان: بأمر الله اهـ) (١). الدراسة: أراد ابن عقيل تفسير [من] في هذه الآية. ومن المعلوم أن الحرف له ارتباط من ناحية المعنى بما قبله وما بعده، وقد وفَّى المفسرون ما قيل في معنى: معقبات، وفي المقصود: بالحفظ، وفي المراد: بأمر الله (٢). لكن خلاصة الخلاف في معنى [من] ما يلي: القول الأول: أن [من] بمعنى [الباء] كما هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن قتادة (٣)، وهو ما عليه أكثر المفسرين (٤)، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، والمعنى: يحفظونه بأمر الله.

стр. 319

القول الثاني: أن [من] بمعنى [عن]، أي: يحفظونه عن أمر الله، والقولان متقاربان معنى، ومؤداهما واحد كما قال القرطبي: (يحفظونه من أمر الله أي: بأمر الله وبإذنه فـ[من] بمعنى [الباء] وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقيل: [من] بمعنى [عن] أي: يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي: حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري، ومن عري، ومنه قوله : ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش:٤] أي: عن جوع) (١). القول الثالث: أن [من] باقية على بابها، والمعنى: يحفظونه من أمر الله. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد حيث قالا: (الملائكة من أمر الله) (٢). والذي يظهر لي أن المعاني كلها متقاربة؛ لأن هذا المعنى أيضاً لا يخرج عما قبله، فالملائكة (٣) يحفظونه بأمر الله أو من أمر الله حتى يأتي أمر الله، أما من ناحية اللفظ فبقاء الحرف على بابه هو الأولى. وكل حرف من حروف الصفات له عدة معاني، وتؤدي بعض الحروف معنى الآخر، دون إخلال بالمعنى، والنصوص دالة على صحة هذا الاستعمال: فـ[من] تأتي بمعنى [الباء]، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥]، أي: بطرف خفي. وتأتي بمعنى [عن]، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، أي: عن ذكر الله (٤).

стр. 320

ومما يؤيد جواز كل المعاني: أن كلاً من [الباء] و [من] و [عن] تأتي بمعنى التعليل، فبينها معنى مشترك، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: بسببها. وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠]، أي: بسببه. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣]، أي بسببه (١). فلو جعل معنى الآية التي معنا إجمالاً: يحفظونه بسبب أمر الله، لكان ذلك صواباً. ومن المعاني التي ذكرها الزمخشري في الآية قوله: (يحفظونه من أجل أمر الله) (٢). وذكر ابن الجوزي من المعاني: (يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له) (٣). وبهذا تجتمع الأقوال. والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥]. ٨٢/ ٢ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥]: بمعنى عليهم اللعنة اهـ) (٤). الدراسة: فسر ابن عقيل [اللام] بـ[على]، وهذا هو ما قال به جمع من العلماء (٥).

стр. 321

قال السمعاني: (قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] أي: عليهم اللعنة) (١). ومثله قال ابن الجوزي (٢)، والرازي (٣). وذكروا لذلك شواهد منها: قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾ [الإسراء:١٠٧] أي: على الأذقان (٤)، وقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس:١٢] أي: على جنبه (٥)، قال ابن قتيبة: (والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي: على فيه) (٦). أقول: وإن جاز استعمال اللام بمعنى [على] حسب دلالة السياق إلا أن الأولى البقاء على المعنى الأصلي لللام: وهو الاستحقاق والاختصاص (٧) ما دام له محمل صحيح دون معارض (٨)، فتقول: للكافرين اللعنة، أي: يستحقون اللعنة، وهي خاصة بهم دون غيرهم. قال الراغب: (ولام الاستحقاق نحو قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥] ... وقال بعض النحويين: اللام في قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] بمعنى: على، أي: عليهم اللعنة، وفي قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور:١١]، وليس ذلك بشيء) (٩). وقال الزركشي ضمن كلامه على معاني اللام: (وتأتي للاستحقاق، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين:١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد:٢٥]) (١٠). والله تعالى أعلم.

стр. 322

سورة الحجر قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]. ٨٣/ ١ - قال ابن عقيل: (فَصْلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر:٤٢]، ذهب كثير من الوعاظ والقصاص إلى أنها خاصة في صلحاء عباده والأنبياء، وليس على ما وقع لهم (١)؛ لأن ظاهر القرآن يشهد بأنه لا سلطان له على الكفار، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فأقر في آخر الأمر بنفي السلطان تصديقاً لقوله سبحانه في أول الأمر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، ولأن السلطان الذي نفاه يعم؛ إذ ليس كل مستجيب له يكون له عليه سلطان؛ لأن الشيطان يسوّل ويغيّر، ويخلف (٢) فيكذب، ومن كان أمره كذا لم يكُ سلطاناً، إنما السلطان من أَمَرَ وكَشَف أمْرَه وحرّمه فأُطِيع، دون أن يدلّس ويلبّس، فإن من سوّل كان متلصّصاً وخادعاً وغارّاً، لا سلطاناً اهـ) (٣).

стр. 323

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن فهم كثير من الوعاظ لنفي السلطان عن الشيطان بأنه خاص بالمؤمنين غير صواب (١)، ولكنه يميل إلى تعميم نفي السلطان للشيطان عن المؤمنين وغيرهم؛ لما ذكر، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، ولأنه ليس للشيطان حجة وإلزام على ما يدعو إليه. وهذا الكلام لا يخرج عما ذكره العلماء والمفسرون، وذلك للنفي العام لسلطان الشيطان في بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، وقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، والتصريح بأن له سلطان على أوليائه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، وعلى أتباعه الغاوين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر:٤٢]. والجمع في ذلك أن يقال: إن السلطان المثبت عليهم غير السلطان المنفي عنهم، وذلك من وجوه /

стр. 324

الأول: أن السلطان المنفي: هو سلطان الحجة والبرهان والإقناع وإخراجهم عن دينهم، والسلطان المثبت: هو وسوسته وتحسينه وتزيينه لهم ما فيه ضلالهم (١). الثاني: أن السلطان المنفي: هو ابتداء التسلط فإن الله لم يثبت له عليهم السلطان ابتداء، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فتسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم، وهذا هو السلطان المثبت (٢). الثالث: أن السلطان المنفي: فيمن آمن بالله وتوكل عليه، وحفظه الله وأخلصه، والسلطان المثبت: فيمن تولاه وأشرك بالله وضل وغوى (٣). الرابع: أن السلطان المنفي: هو الأصل وفي أكثر الأوقات والأحوال، والسلطان المثبت: هو الطارئ ممن شذ وتنكب الصراط المستقيم (٤). وبهذا يتبين أن قول ابن عقيل موافق لما أشار إليه المفسرون كما سبق في التوجيه الأول دون تعارض أو عدم فهم (٥). والله أعلم.

стр. 325

سورة النحل قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ [النحل:٩]. ٨٤/ ١ - قال ابن عقيل: (الجور: هو الميل عن الحق، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال اهـ) (١). الدراسة: فسر ابن عقيل الجور في الآية بالميل عن الحق، وهذا هو ما اتفق عليه أهل اللغة والتفسير. قال ابن فارس: (الجيم والواو والراء أصل واحد، وهو الميل عن الطريق) (٢). وقال الطبري: (وقوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]، يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، فالقاصد من السبل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية (٣)، والنصرانية (٤)، وغير ذلك من ملل الكفر كلها، جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة ... ) إلى أن قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٥). وقال النحاس: (قال جل وعز: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]، أي: ومن السبل جائر، أي: عادل عن الحق) (٦). وقال الرازي: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]، أي: عادل مائل، ومعنى الجور في اللغة: الميل عن الحق) (٧). هذا هو الأصل في معنى الجور. وذكر المفسرون أمثلة للسبل الجائرة (٨):

стр. 326

قال ابن كثير: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]، أي: حائد مائل زائغ عن الحق، قال ابن عباس وغيره: (هي الطرق المختلفة، والآراء والأهواء المتفرقة، كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية (١)) (٢)، وبنحوه قال ابن عطية (٣)، وشيخ الإسلام (٤)، وغيرهم (٥). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل:٤٣]. ٨٥/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذا يعم ما يسوغ، وما لا يسوغ، ومن يعلم علة الحكم، ومن لا يعلم اهـ) (٦). الدراسة: استدل ابن عقيل بعموم اللفظ على أن العامي يسأل أهل الذكر في عموم المسائل مما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ فيه، ولمن يعلم علة الحكم ومن لا يعلمها. وهذا المسألة لا بد فيها من التفصيل فأقول: إن كان يستطيع الاجتهاد والنظر في الأدلة فلا يعذر بتركه؛ ولو كان في بعض المسائل (٧).

стр. 327

قال شيخ الإسلام: (ولهذا اتفق العلماء: على أنه إذا عرف الحق، لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في: جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه) (١). وإن كان عامياً لا يستطيع الاجتهاد ولا البحث ولا النظر في الأدلة، فهذا لا يكلف إلا ما يستطيع، وهو تقليد العلماء وهذا فرضه، وهو قول ابن عقيل، وعليه عامة العلماء (٢)؛ لأن هذا غاية ما يستطيعه، وتكليفه بالبحث تكليف بما لا يطاق (٣). قال ابن عبدالبر: (ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل:٤٣]، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بمَيْزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به، لا بد له من تقليد عالمه) (٤). وقال شيخ الإسلام: (والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد) (٥). وأقوى الحجج: الآية التي معنا، فأمر سبحانه من لا علم له؛ أن يسأل من هو أعلم منه.

стр. 328

وقد أرشد النبي ﷺ من لا يعلم: إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة: " ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العِيِّ السؤال " (١). وأجمع الصحابة والتابعون ﵃ على عدم تكليف العامة الاجتهاد في الفروع، ولم ينكروا على عامي اتبع مفتياً سواء ذكر له الدليل أو لم يذكره (٢). هذا ما ذَكَرت كتب الأصول، ولكن نجد في المقابل قول الشوكاني، الذي جعل عدم جواز التقليد للعامي قول الجمهور، ونقل دعوى ابن حزم الإجماع عليه (٣)، وقال في إجماع الصحابة إن سؤال العالم ليفتيه بالنصوص ليس تقليداً، بل هو من طلب حكم الله في المسألة، والتقليد هو العمل بالرأي، ورد على الاستدلال بالآية التي معنا: بأن الآية غير عامة، ولو سلم بالعموم، فالمراد السؤال عن حكم الله لا حكم الرجال (٤). وكل هذا غير مسلم، فقد سبقه من حكى رأي الجمهور، واستدل له ونقله، وسؤال العامي للمفتي هو عين التقليد لأن المجتهد لا يفتي إلا مستنداً لدليل نصاً أو استنباطاً، فالمقلد يسأل عن حكم الله، والمفتي يستنبط الحكم من نصوص الشرع، وهو حكم الله في حقه وحق من اتبعه. وأدلة من حرم التقليد لا تنهض للاستدلال في المسألة المختلف فيها، ويحمل أكثرها على تحريم التقليد المذموم الخارج من محل النزاع (٥).

стр. 329

ومن أقوى ما احتجوا به: ما ورد من النصوص التي تنهى عن القول على الله بلا علم، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة:١٦٩]، وأن التقليد قول على الله بلا علم. والجواب واضح: فالتقليد ليس قولاً على الله بلا علم؛ بل هو قول بعلم، ومستنده ما سبق من الأدلة على جواز التقليد. وقالوا: المجتهد قد يخطئ فكيف يؤمر المقلد باتباع الخطأ، والجواب: أنه حتى لو بين المجتهد دليله فإن احتمال الخطأ وارد (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل:٦٩].

стр. 330

٨٦/ ٣ - قال ابن عقيل: (قال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]، وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء:٨٠]، فالأحق أن يكون الشفاء حقيقة مضافاً إلى الخالق سبحانه، والعسل عنده الشفاء، والماء يوجد عند نزوله الإنبات، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقول: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ [فاطر:٩]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:١١]، وقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠]، يعني: أنبتنا لكم عنده، وقد أضاف الله سبحانه الإضلال إلى الأصنام (١) والسامري (٢)، والضلال فيهم لا بهم اهـ) (٣). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه على الآيات إلى أن الفعل يضاف إلى الله حقيقة، والمخلوق يكون عنده الفعل لا به (٤)، وهذا مبني على قول من يعطل الأسباب والعلل، وهذا يؤدي إلى إبطال حكمة الله في مخلوقاته. قال شيخ الإسلام: (ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها (٥) فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع) (٦).

стр. 331

وقال أيضاً: (ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسباباً، أو أن وجودها كعدمها، فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها ... ) إلى أن قال: (وهذا خلاف الكتاب والسنة، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية [الأعراف:٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢]) (١). والآيات في هذا الباب كثيرة، والأحاديث كذلك، وبهذا يتبين خطأ ما قرر ابن عقيل؛ لأنه يخالف القرآن والسنة، وما عليه سلف الأمة (٢).

стр. 332

فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وجعل هذا سبباً لهذا، وما قدره الله فهو بسبب، وهذا قول وسط بين قول الجبرية: الذين يقولون: إن العبد مجبر على عمله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، والله خالق فعله حقيقة، وإضافة الفعل إلى العبد مجازاً (١)، والقدرية: الذين يقولون: إن العبد قادر على إيجاد فعله، وليس لله - تعالى الله عن قولهم - دخل في ذلك، لا قدرة ولا مشيئة ولا قضاء (٢)، والقول الوسط هو الحق. قال شيخ الإسلام في صفات الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة: (وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل:٧٢]. ٨٧/ ٤ - قال ابن العربي: (سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول: إنما تبع الولد الأم في المالية، وصار بحكمها في الرق والحرية؛ لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له، ولا مالية فيه، ولا منفعة مثبوتة عليه، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها، فلأجل ذلك تبعها، كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل، فسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة؛ لأنها انفصلت من الآكل ولا قيمة لها اهـ) (٤).

стр. 333

الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه إلى نكتة لطيفة من لطائف التفسير، وقد استحسنها بعض العلماء ممن جاء بعده ونقلها عنه، كابن العربي حيث قال بعدها: (وهذه من البدائع) (١). وبيان هذه المسألة: أن الأصل في وجود الأبناء أن يكون من الأب والأم معاً، ولكنه في هذه الآية نسبه للأم، وأضافه إليها؛ لأن المراد بالأزواج في الآية النساء. قال السمرقندي: (﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ﴾ [النحل:٧٢] أي: خلق لكم من نسائكم بنين) (٢). فذكر ابن عقيل هذه اللطيفة، ووافقه عليها ابن العربي، والقرطبي (٣)، وخلاصتها: أنه لما كان تخلق المولود في الأم، ووجوده ذا روح وصورة بها، وانفصاله كذلك عنها، أضيف إليها؛ ولأجله تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية (٤). وذكر مسألة فقهية لها شبه بها في باب آخر، فقال: كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل، فسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة؛ لأنها انفصلت من الآكل ولا قيمة لها (٥).

стр. 334

ولهذا ذكر العلماء أن من حِكَم النهي عن التزوج بالأمة: أن الولد يكون تبعاً لها في الرق، وإنما أبيح التزوج منها عند عدم الطول وخوف العنت، بيان ذلك في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥]. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل:٨٩].

стр. 335

٨٨/ ٥ - قال ابن عقيل: (﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وهذا يعم بيانَ قولِ النبي ﷺ ، وبيانَ كلِّ مشكل ومجمل (١)، إلا ما خصه الدليل من المتشابه الذي انفرد بعلمه، وكلِّف الإيمان به من غير بيان معناه (٢) اهـ) (٣). __ الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن القرآن بيان لسنة الرسول ﷺ وغيرها مما يحتاج إلى بيان؛ بدلالة ألفاظ العموم في الآية، إلا ما خصه الدليل مما تفرد الله بعلمه. وهذا هو ما عليه جمهور العلماء (٤)، استدلالاً بهذه الآية، وأمثلة ذلك كثيرة منها:

стр. 336

قوله ﷺ : " ما قطع من حي فهو ميت " (١)، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل:٨٠]، فما قطع من الحي مما ذكر في الآية فهو طاهر، وليس له أحكام الميتة (٢). قال العلماء: هذه لا يلحقها حكم الموت فلا تحتاج إلى ذكاة (٣). وقوله ﷺ : " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٤)، وهذا عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فالحكم في الحديث عام في كل النساء، ولكن لما خُصَّت الأمة بحكم أقل في الآية وهو أنها على النصف من عذاب الحرة، صار حكم الحديث خاصاً في الحرائر بالآية (٥).

стр. 337

وقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله .. " (١)، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩] (٢)، والتخصيص لا يَخْرُج عن كونه مُبَيِّناً. فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] كل نوع من أنواع البيان (٣)، ويعم أيضاً أنواع المبيَّنات (٤)، وكل ما يحتاجه الناس، إلا ما خصه الدليل (٥)، مثل أمور الغيب وما يكون في الآخرة. قال القرطبي: (أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]) (٦).

стр. 338

وقال السعدي: (﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعان جلية) (١). وذهب قوم إلى منع بيان السنة بالقرآن (٢)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ووجه الاستدلال من وجهين: ١ - أن الله جعل النبي ﷺ هو المبَيِّن، وليس القرآن. والجواب: أن يقال: إن المراد به بيان النبي ﷺ لما يحتاج إلى بيان، أما ما بينه القرآن فهو كاف لبيان المراد. وكذلك يجاب: بأن النبي ﷺ إنما يبين القرآن من القرآن. ٢ - قالوا: لو جعلنا القرآن مبيِّناً لكان تبعاً، وهذا فيه نقصان للقرآن، فلا بد أن نجعل القرآن هو المبيَّن ليكون هو الأصل. والجواب: أنه لا يسلم لهم بهذا، لأن الأقوى يقضي على الأدنى، كما أنه لم يقل أحد في بيان أخبار الآحاد بأخبار التواتر؛ بأن أخبار الآحاد أصل، وأخبار التواتر تبع (٣). وكذلك: نجد أن القرآن بعضُه مبيِّن لبعض، ولم أر أحداً قال: إن بيان بعضه لبعض يجعل المبيِّن تبعاً للمبيَّن، ولم يقل أحد بأن هذا البيان يُنقِص المبيِّن. وبهذا يتضح لنا صحة القول بأن بيان القرآن عام لكل ما يحتاج إلى بيان (٤). والله أعلم.

стр. 339

قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل:١٠٦]. ٨٩/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]، يعني: من اعتقد الكفر، وإنما لم يعف عن أعمال القلوب ها هنا؛ لأن الإكراه لم يتسلط عليها اهـ) (١). الدراسة: بين ابن عقيل في هذه الآية: أن المكره على الكفر يُعفى عنه، إذا لم يعتقد ذلك في قلبه، فإن اعتقده في قلبه كفر، لأن الإكراه لا يتصور على القلوب. وبهذا فسرها جماهير العلماء. قال الطبري: (فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوحِ الصدرِ بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدراً فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعاً، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم) (٢). وقال البغوي: (وأجمع العلماء: على أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً، وإن أبى أن يقول حتى يقتل، كان أفضل) (٣). وقال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان) (٤).

стр. 340

وقال السعدي: (من أكره على الكفر، وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ راغب فيه، فإنه لا حرج عليه، ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها) (١). وحكى القرطبي قولاً آخر ورده فقال: (غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر المرء الشرك كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتَبِين منه امرأته، ولا يصلَّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية [النحل:١٠٦]، وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء:٩٧]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية [النساء:٩٨]، فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا مستضعفاً غير ممتنع من فعل ما أمر به؛ قاله البخاري) (٢). كل هذا مما يرجح لنا أن المكره معذور فيما يكون عليه الإكراه، وهو القول والفعل، أما العقيدة القلبية فلا يتصور الإكراه فيها (٣). والله أعلم.

стр. 341

سورة الإسراء قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء:٣٧]. ٩٠/ ١ - قال القرطبي: (قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص، فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧] اهـ) (١). الدراسة: فسر العلماء قول الله تعالى: ﴿مَرَحًا﴾ بمعان متقاربة: فقال بعضهم: المرح: هو شدة الفرح المجاوز حده (٢). وقال بعضهم: التكبر والاختيال (٣). وقال بعضهم: الأشر والبطر (٤). قال القرطبي: (وهذه الأقوال متقاربة) (٥). قال ابن منظور: (المرح: شدة الفرح والنشاط حتى يجاوز قدره، وقيل: المرح التبختر والاختيال، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧] أي: متبختراً مختالاً، وقيل: المرح الأشر والبطر، ومنه قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ [غافر:٧٥]) (٦). وهو صالح لهذه المعاني جميعاً. قال السمرقندي: (﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧] يعني: لا تمشي بالخيلاء والمرح والبطر والأشر، كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم) (٧). والأصل فيه: زيادة الفرح عن حده، وما بعده لازم له. قال ابن فارس: (الميم والراء والحاء أصل يدل على مسرة لا يكاد يستقر معها طرباً، قال تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥]) (٨).

стр. 342

وهذا هو ما عليه عامة العلماء؛ فزيادة الفرح عن حده المعقول يؤدي إلى ا لكبر والفخر والخيلاء والأشر والبطر (١). فمشية المارح دليل على كبره وخيلائه لما فيها من تمايل وتبختر. قال الرازي: (المرح: شدة الفرح، يقال: مرَحَ يمْرَح مَرَحاً فهو مَرِح، والمراد من الآية: النهي عن أن يمشي الإنسان مشياً يدل على الكبرياء والعظمة) (٢). وأما استدلال ابن عقيل في هذه الآية على ذم الرقص، فهو من اللطائف التي لم أجد من نص عليها ممن سبق ابن عقيل، وهذا الاستدلال في محله؛ فإن المتأمل للرقص يرى أنه بسبب الفرح الزائد عن حده، وهذا هو ما تدل عليه أصل كلمة المرح، فاستنبط ابن عقيل حالة يقع فيها من زاد فرحه وهي الرقص؛ فيكون في الآية النص في النهي عما هو من وسائل الرقص، والنهي عن الوسيلة نهي عما توصل إليه من باب أولى. وقد نقل هذه اللفتة الإمام القرطبيُّ عن ابن عقيل مؤيِّداً لها حيث قال: (والرقص أشد المرح والبطر) (٣). وقال الشنقيطي: (واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧] على منع الرقص وتعاطيه؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحاً) (٤). فائدة: سئل الشيخ محمد بن عثيمين عن حكم رقص المرأة على الدف؟. فأجاب بقوله: (الرقص مكروه ولا سيما إذا كان يخشى منه فتنة؛ لأنه أحياناً تكون الراقصة شابة جميلة، ويثير رقصها الشهوة حتى عند النساء) (٥). وإذا كان هذا في حق المرأة، فالكراهة في حق الرجال أكبر وأشد. والله أعلم.

стр. 343

قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء:٧٨]. ٩١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، لما كنى عن الصلاة به (١)، دل على وجوبه فيها اهـ) (٢). وقال ابن النجار (٣): (وإن كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها، نحو تسمية الصلاة قرآناً في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، ونحو التعبير عن الإحرام بالنسك بأخذ الشعر في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] دل على فرضية المكنى به عن تلك العبادة. فيدل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] على فرضية القراءة في الصلاة، ويدل قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح:٢٧] على فرضية الحلق في الحج؛ لأن العرب لا تكني عن الشيء إلا بالأخص به، وكذا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق:٣٩] يدل على وجوب التسبيح في الصلاة، ذكره القاضي وابن عقيل اهـ) (٤). الدراسة: استنبط ابن عقيل من الآية قاعدة: وهي أن تسمية العبادة ببعض ما فيها يدل على وجوبه فيها، والأصل فيها: أن العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، وهذا هو ما ذكره عامة العلماء، ومن أقوالهم ما يلي:

стр. 344

قال الزجاج: (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: فأقم قرآن الفجر، وفي هذا الموضع فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لأن قوله: أقم الصلاة، وأقم قرآن الفجر، قد أمر أن نقيم الصلاة بالقراءة حتى سميت الصلاة قرآناً، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة) (١). وقال النحاس: (ثم قال جل وعز: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، فسمى الصلاة قرآناً؛ لأنها لا تكون إلا بالقرآن) (٢). وقال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة؛ لأنه سمى الصلاة قرآناً) (٣). وقال ابن كثير: (قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء:٧٨]، والمراد: صلاة الفجر كما جاء مصرحاً به في الصحيحين (٤)، من أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فدل ذلك كله على أنه لابد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء) (٥). وقال بعض العلماء: تسمية صلاة الفجر قرآناً؛ لمشروعية إطالة القراءة فيها. ولا تعارض في هذا القول مع ما قبله، فلا تكون الإطالة إلا بالقراءة.

стр. 345

قال السمرقندي: (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: صلاة الغداة، وإنما سميت صلاة الغداة قرآناً؛ لأن القراءة فيها أكثر وأطول) (١). وقال ابن جزي: (وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر؛ لأن القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها) (٢). وقريباً منهم ذكر ابن عطية (٣)، والسعدي (٤)، وبهذا يتضح لي أن تسمية الصلاة قرآناً دليل على وجوبه فيها، كما سميت ركوعاً أو سجوداً أو قنوتاً أو تسبيحاً (٥). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ٩٢/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، زيادة في عملك، وهي في الشرع: ما في فعله ثواب، ولا يلام تاركه، وقيل: ما رُغِّب فيه مما لا يقبح تركه اهـ) (٦). _ الدراسة: فسر ابن عقيل النافلة بالزيادة، وهذا هو المعنى اللغوي لها (٧)، قال ابن فارس: (النون والفاء واللام أصل صحيح يدل على عطاء وإعطاء، منه النافلة: عطِيَّة الطَّوْعِ من حيث لا تجب، ومنه نافلة الصلاة) (٨).

стр. 346

وقال الراغب: (﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية [الأنفال:١]، وأصل ذلك من النفل، أي: الزيادة على الواجب، ويقال له النافلة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]) (١). وأما النافلة في الشرع، فقد عرفها: بما يثاب فاعله ولا يلام تاركه، وهذا هو تعريف كثير من الأصوليين (٢)، وأُورِد عليه أنه تعريف بالحكم، والأولى أن يقال: هو ما أمر الشارع به من غير إلزام (٣)، وهذا قريب في المعنى من تعريف ابن عقيل الثاني، والترغيب الذي أشار إليه إنما يكون من الشارع. ومن هنا: يتقوى كلام ابن عقيل في التعريف الشرعي حيث عرفه بحكمه وبذاته، فجمع بينهما حتى يتضح المعرَّف أكثر وأكثر. والله أعلم. سورة الكهف قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف:٢١]. ٩٣/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف:٢١]، يقال: حققت الشيء وأحققته فهو حق، إذا كنت منه على يقين اهـ) (٤). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى معنى لغوي من معاني: الحق، وهو الشيء الذي تكون منه على يقين.

стр. 347

قال ابن فارس: (يقال: حقَقْتُ الأمرَ وأحقَقْتُه، أي: كنت على يقين منه) (١). وكذا قال الجوهري (٢)، وابن منظور (٣). وأشار الراغب إلى أن من معاني الحق: (الاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق) (٤). وهذا هو ما عليه المفسرون في تفسير هذه الآية (٥). قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف:٢١] .. فيعلموا أن وعد الله حق، ويوقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل) (٦). والله أعلم. قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ [الكهف:٣٣]. ٩٤/ ٢ - قال ابن عقيل: (والظلم هو الانتقاص قال سبحانه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣]، وتقول العرب: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما انتقص من حق الشبه، ومن قال: إنه وضع الشيء في غير موضعه (٧)، فما خرج بهذا عن الانتقاص اهـ) (٨).

стр. 348

الدراسة: عرف ابن عقيل الظلم في الآية بالانتقاص، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين. قال الزجاج: (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: لم تنقص منه شيئاً) (١). وقال النحاس: (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: ولم تنقص) (٢). ومثلهما قال البغوي (٣)، والزمخشري (٤)، والرازي (٥)، والقرطبي (٦)، وابن منظور (٧)، وغيرهم (٨)، بل لم أجد من خالف في هذا المعنى. قال ابن فارس: (ظلمه يظلمه ظلماً، والأصل: وضع الشيء في غير موضعه؛ ألا تراهم يقولون: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما وضع الشبه غير موضعه) (٩)، ومثله قال الجوهري (١٠). وهذا المعنى كما ذكر ابن عقيل لا يخرج عن معنى الانتقاص. قال الراغب: (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣]، أي: لم تنقص، والظلم ثلاثة: الأول: ظلم بين العبد وربه وأعظمه الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]، والثاني: ظلم بينه وبين الناس وهو المقصود في قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢]، والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وهو المقصود في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢]، وكلها في الحقيقة ظلم للنفس، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٧]، يتناول الأنواع الثلاثة من الظلم) (١١).

стр. 349

وكل هذه الأنواع وضع للشيء في غير موضعه، ومن حصل منه أي نوع منها فقد نقص في حق هذا الشيء، فترجع جميعاً إلى النقص، ومعنى ﴿تَظْلِمْ﴾ في الآية التي معنا أقرب إلى النقص ليناسب سياق الكلام، فهو الأولى في تفسيرها، وهو الذي وجدت اتفاق المفسرين عليه عند هذه الآية. والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠] [الكهف:٥٠]. ٩٥/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] يعني: خرج؛ فهذا حد الفسق أصلاً في اللغة اهـ) (١). الدراسة: أبان ابن عقيل حد الفسق لغة: بأنه الخروج، وهذا هو تعريف أهل اللغة والتفسير. قال الفراء: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، أي: خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة من جلدها وقشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت: فويسقة لخروجها من جحرها على الناس) (٢). وقال ابن فارس: (الفاء والسين والقاف كلمة واحدة، وهي الفسق، وهو الخروج عن الطاعة) (٣). قال الطبري: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، يعني به: خرج عن طاعته واتباع أمره) (٤). فيشمل كل معصية صغرت أو كبرت، وهو أعم من الكفر.

стр. 350

قال الراغب: (فسق فلان: خرج عن حجر الشرع، وذلك من قولهم: فسق الرطب، إذا خرج عن قشره، وهو أعم من الكفر) (١). وقال البغوي: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، أي: خرج) (٢). وعلى هذا التفسير إجماع المفسرين (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ [الكهف:٨٠]. ٩٦/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:٨٠]، يرجع إلى الخضر، وأنه لما اطلع على ما يكون منه، خشي أن يبلغ فيكفر، ويكفِّر أبويه اهـ) (٤). وقال ابن الجوزي: (وقال ابن عقيل: المعنى: فعلنا فعل الخاشي اهـ) (٥). _ الدراسة: اختلف العلماء على من يعود الضمير في قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:٨٠]؟ على قولين، ذكرهما أكثر العلماء (٦): القول الأول: أنه يرجع إلى الخضر (٧) وهو أحد قولي ابن عقيل، والدليل عليه، قوله تعالى في الآية التالية لها: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الكهف:٨١]، فصرح بذكر الرب مما يدل على أن المتكلم هو الخضر.

стр. 351

القول الثاني: أنه يعود إلى الله، واختلفوا في تفسير الخشية: فذهب الفراء، والطبري: إلى أنها بمعنى العلم (١)، كما أن الظن يأتي بمعنى العلم (٢). وقال الزجاج: (الخشية من الله: بمعنى: الكراهة) (٣). وقال ابن عقيل: المعنى: فعلنا فعل الخاشي (٤). وقال ابن عطية: (الخشية إنما هي من جهة المخاطبين) (٥). قلت: والراجح الذي يشهد له سياق الكلام هو القول الأول: أن المتكلم هو الخضر. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف:٨٠] قيل: هو من كلام الخضر ﵇، وهو الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين) (٦). وقال الشوكاني: (قيل: ويجوز أن يكون: ﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:٨٠]، من كلام الله، ويكون المعنى: كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغَيَّره، وهذا ضعيف جداً، فالكلام كلام الخضر) (٧). ومما يؤيد هذا: أن الأصل البقاء على ظاهر معنى الخشية الأصلي، ولا حاجة إلى التأويل. ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: وجوب حمل نصوص الوحي على الحقيقة، وكذلك: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى غير مذكور (٨)، والذي له سابق ذكر هو الخضر. وأما استعماله لضمير الجمع فيقال فيه ما يُقال في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ [الكهف:٨١]. قال ابن عطية: (والضمير عندي: للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه) (٩).

стр. 352

ويجوز أن يكون أشرك معه موسى وفتاه للصحبة التي كانت بينهما. ويجوز كون الضمير جمعاً للتعظيم. قال ابن عثيمين: (وأُتي بضمير الجمع للتعظيم) (١). فعود الضمير إلى الخضر واضح جداً، بدلالة الآية بعدها: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف: ٨١] [الكهف:٨١]، فالتصريح بذكر الرب يدل على أن المتكلم هو الخضر، وأما عود الضمير إلى الله فغير صحيح؛ لأن الخشية لا تُنسب إلى الله تعالى، فلا نحتاج إلى الاحتمالات التي وضعها هؤلاء؛ لأنها مبنية على ظنهم أن الضمير يعود إلى الله، وهذا تفسير لا يناسب السياق أولاً ولا يليق بالله ثانياً. والله تعالى أعلم. سورة مريم قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]. ٩٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿بِقُوَّةٍ﴾ يعني: بفهم وعلم لما يفهم، ويقين لما يسمع اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل [القوة] في الآية بالفهم والعلم واليقين، وهو القول الأول (٣)، وهذا هو لازم ما فسره به عامة المفسرين في القول الثاني: حيث جعلوا معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾، أي: بجد واجتهاد (٤)، فإذا حصل منه هذا كانت النتيجة: الحفظ لألفاظ الكتاب، وفهم معانيه، والعمل بما فيه. فالفهم والعمل، حاصلُ الجد والاجتهاد، ومصدر هذه القوة واحد، وهو القلب، وهذه الصفة هي التي تفيد المدح. قال السمعاني: (وقوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، أي: بجد واجتهاد) (٥).

стр. 353

وقال الراغب: (﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، أي: بقوة قلب) (١). وقال الرازي: (قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] ليس المراد منه: القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح: وهو الجد والصبر) (٢). وقال السعدي: (دل الكلام السابق على ولادة يحيى وشبابه وتربيته؛ فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب، أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة؛ فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة ما لا يوجد في غيره، ولهذا قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم:١٢]) (٣). وبهذا يتبين أنه وإن اختلفت ألفاظهم فالمعنى واحد، فتفسير بعضهم بلازم قول الآخر (٤). والله أعلم. سورة طه قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]. ٩٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]، على مرأى مني؛ بدليل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه:٤٦] اهـ) (٥).

стр. 354

الدراسة: فسر ابن عقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] بمعنى: على مرأى مني، وهذا التفسير هو ما عليه المفسرون جميعاً (١)، وأهل اللغة كذلك (٢). ومن نصوصهم ما يلي: قال الطبري: (وعنى بقوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى مني، ومحبة، وإرادة) (٣). وقال السمرقندي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ يقول: ما يصنع بك على منظر مني، وبعلمي وبإرادتي) (٤). وقال البغوي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]، يعني: لتربى بمرآي، ومنظر مني) (٥). ومثله قال ابن عطية (٦). وقال القرطبي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: تربى وتغذى على مرأى مني، قاله قتادة. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة، يقال: صنعت الفرس وأصنعته، إذا أحسنت القيام عليه) (٧). تنبيه: هذا هو تفسير السلف مع التزامهم بإثبات صفة العين حقيقة لله سبحانه على ما يليق بجلاله (٨). فأهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات صفة العين لله تعالى (٩)، ولا يقتضي إثباتها تشبيهاً بأعين المخلوقين (١٠). ومن أدلتهم هذه الآية: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.

стр. 355

وممن استدل بها: ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وغيرهم (٣). قال ابن تيمية: (ولله تعالى ذكره عين ووجه .. ) إلى أن قال: ( ... وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقال : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، وقال تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فأخبر عن سمعه ورؤيته وبصره) (٤). قال تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ [طه:٧١]. ٩٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، بدلاً من: على جذوع النخل اهـ) (٥). _ الدراسة: فسر ابن عقيل [في] بـ[على]، وهذا هو القول الأول في تفسيرها، وهو قول الأكثر (٦)؛ لما في الكلام من معنى الاستعلاء (٧).
следующие страницы →