← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

القول الثاني: أنه يعود إلى الله، واختلفوا في تفسير الخشية: فذهب الفراء، والطبري: إلى أنها بمعنى العلم (١)، كما أن الظن يأتي بمعنى العلم (٢). وقال الزجاج: (الخشية من الله: بمعنى: الكراهة) (٣). وقال ابن عقيل: المعنى: فعلنا فعل الخاشي (٤). وقال ابن عطية: (الخشية إنما هي من جهة المخاطبين) (٥). قلت: والراجح الذي يشهد له سياق الكلام هو القول الأول: أن المتكلم هو الخضر. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف:٨٠] قيل: هو من كلام الخضر ﵇، وهو الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين) (٦). وقال الشوكاني: (قيل: ويجوز أن يكون: ﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:٨٠]، من كلام الله، ويكون المعنى: كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغَيَّره، وهذا ضعيف جداً، فالكلام كلام الخضر) (٧). ومما يؤيد هذا: أن الأصل البقاء على ظاهر معنى الخشية الأصلي، ولا حاجة إلى التأويل. ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: وجوب حمل نصوص الوحي على الحقيقة، وكذلك: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى غير مذكور (٨)، والذي له سابق ذكر هو الخضر. وأما استعماله لضمير الجمع فيقال فيه ما يُقال في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ [الكهف:٨١]. قال ابن عطية: (والضمير عندي: للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه) (٩).

стр. 352

ويجوز أن يكون أشرك معه موسى وفتاه للصحبة التي كانت بينهما. ويجوز كون الضمير جمعاً للتعظيم. قال ابن عثيمين: (وأُتي بضمير الجمع للتعظيم) (١). فعود الضمير إلى الخضر واضح جداً، بدلالة الآية بعدها: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف: ٨١] [الكهف:٨١]، فالتصريح بذكر الرب يدل على أن المتكلم هو الخضر، وأما عود الضمير إلى الله فغير صحيح؛ لأن الخشية لا تُنسب إلى الله تعالى، فلا نحتاج إلى الاحتمالات التي وضعها هؤلاء؛ لأنها مبنية على ظنهم أن الضمير يعود إلى الله، وهذا تفسير لا يناسب السياق أولاً ولا يليق بالله ثانياً. والله تعالى أعلم. سورة مريم قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]. ٩٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿بِقُوَّةٍ﴾ يعني: بفهم وعلم لما يفهم، ويقين لما يسمع اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل [القوة] في الآية بالفهم والعلم واليقين، وهو القول الأول (٣)، وهذا هو لازم ما فسره به عامة المفسرين في القول الثاني: حيث جعلوا معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾، أي: بجد واجتهاد (٤)، فإذا حصل منه هذا كانت النتيجة: الحفظ لألفاظ الكتاب، وفهم معانيه، والعمل بما فيه. فالفهم والعمل، حاصلُ الجد والاجتهاد، ومصدر هذه القوة واحد، وهو القلب، وهذه الصفة هي التي تفيد المدح. قال السمعاني: (وقوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، أي: بجد واجتهاد) (٥).

стр. 353

وقال الراغب: (﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، أي: بقوة قلب) (١). وقال الرازي: (قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] ليس المراد منه: القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح: وهو الجد والصبر) (٢). وقال السعدي: (دل الكلام السابق على ولادة يحيى وشبابه وتربيته؛ فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب، أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة؛ فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة ما لا يوجد في غيره، ولهذا قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم:١٢]) (٣). وبهذا يتبين أنه وإن اختلفت ألفاظهم فالمعنى واحد، فتفسير بعضهم بلازم قول الآخر (٤). والله أعلم. سورة طه قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]. ٩٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]، على مرأى مني؛ بدليل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه:٤٦] اهـ) (٥).

стр. 354

الدراسة: فسر ابن عقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] بمعنى: على مرأى مني، وهذا التفسير هو ما عليه المفسرون جميعاً (١)، وأهل اللغة كذلك (٢). ومن نصوصهم ما يلي: قال الطبري: (وعنى بقوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى مني، ومحبة، وإرادة) (٣). وقال السمرقندي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ يقول: ما يصنع بك على منظر مني، وبعلمي وبإرادتي) (٤). وقال البغوي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه:٣٩]، يعني: لتربى بمرآي، ومنظر مني) (٥). ومثله قال ابن عطية (٦). وقال القرطبي: (﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: تربى وتغذى على مرأى مني، قاله قتادة. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة، يقال: صنعت الفرس وأصنعته، إذا أحسنت القيام عليه) (٧). تنبيه: هذا هو تفسير السلف مع التزامهم بإثبات صفة العين حقيقة لله سبحانه على ما يليق بجلاله (٨). فأهل السنة والجماعة مجمعون على إثبات صفة العين لله تعالى (٩)، ولا يقتضي إثباتها تشبيهاً بأعين المخلوقين (١٠). ومن أدلتهم هذه الآية: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.

стр. 355

وممن استدل بها: ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وغيرهم (٣). قال ابن تيمية: (ولله تعالى ذكره عين ووجه .. ) إلى أن قال: ( ... وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقال : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، وقال تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فأخبر عن سمعه ورؤيته وبصره) (٤). قال تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ [طه:٧١]. ٩٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، بدلاً من: على جذوع النخل اهـ) (٥). _ الدراسة: فسر ابن عقيل [في] بـ[على]، وهذا هو القول الأول في تفسيرها، وهو قول الأكثر (٦)؛ لما في الكلام من معنى الاستعلاء (٧).

стр. 356

قال الطبري: (قول الله تعالى ذكره: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، يعني به: على جذوع النخل، وكما يقال: فعلت كذا في عهد كذا وعلى عهد كذا، بمعنًى واحد) (١). وذلك أن العرب تضع [في] موضع [على]، و [على] موضع [في]، فحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، أي: على الأرض. قال أبو يعلى: (قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على جذوع النخل) (٢). وقال ابن منظور: (وتجيء [في] بمعنى [على]، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، المعنى: على جذوع النخل) (٣). ويستدل كثير من المفسرين بهذه الآية على أن [في] تكون بمعنى [على]. قال السمعاني: (وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور:٣٨]، أي: عليه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على جذوع النخل) (٤). والقول الثاني: أن [في] على بابها (٥)، واستعمالها في هذا الموضع إشارة إلى أن تمكن المصلوب من الجذع كتمكن المظروف بالظرف، ويحتجون بأن لكل حرف معناه. قال البيضاوي: (﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف) (٦).

стр. 357

وقال النحاس: (وذهب بعض أهل اللغة: إلى أن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، قالوا معنى: [في] معنى: [على]، وهذا القول عند أهل النظر لا يصح؛ لأن لكل حرف معناه، وإنما يتفق الحرفان لتقارب المعنى، فقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، كان الجذع مشتملاً على من صلب، ولهذا دخلت [في]؛ لأنه قد صار بمنزلة الظرف) (١). وهذا الذي ذكره النحاس معنى دقيق، وهو أن الحرفين لا يتفقان في المعنى اتفاقاً كلياً، بحيث إن لفظ [في] هو معنى [على] سواء بسواء، وإنما يتقاربان في المعنى فيفيد استعمال أحدهما في موضع الآخر معنى زائداً عن استعمال كل منهما في موضعه (٢). ولذا قال الرازي: (ثم قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، فشبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قال: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، والذي يقال في المشهور: أن [في] بمعنى [على] فضعيف) (٣). والقول بأن القولين يجتمعان هو القول الصحيح، وأن [في] تأتي بمعنى [على]، و يفيد هذا الاستعمال معنى زائداً يدل عليه سياق الكلام، ولا ينافي استقلال كل منهما بمعناه. قال أبو السعود: (﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: عليها، وإيثار كلمة [في] للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً، تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه) (٤).

стр. 358

وقال الزركشي عن [في] في الآية: (وقيل: ظرفية؛ لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور فلذلك جاز أن يقال: [في]) (١). والله تعالى أعلم. سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء:٧٧]. ١٠٠/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾، أي: على القوم اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل [من] بـ[على]؛ لأن [نصر] إنما يعدى بـ[على]، وهذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية، وهو قول الجوهري (٣)، والثعالبي (٤). قال ابن قتيبة: (قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم) (٥). والقول الثاني: أن [من] على معناها الأصلي، وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٧٧] مضمن معنى آخر، وهو قول النسفي (٦)، وابن كثير (٧).

стр. 359

قال ابن تيمية: (قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء:٧٧]، ضمن معنى: نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، ضمن: يروى بها، ونظائره كثيرة) (١). وكلا القولين صحيح؛ لأن الجميع قالوا بالتضمين في الآية (٢)، فأصحاب القول الأول ضمنوا [من] معنى [على]، وأصحاب القول الثاني ضمنوا [النصر] معنى يناسب تعديته بـ[من] كالإنجاء والتخليص ونحوها، وليس أحد التضمينين بأولى من الآخر. ولذا لم أجد من جزم بترجيح أحد القولين، بل جمع الطبري بينهما حيث قال: (يقول: ونصرنا نوحاً على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين) (٣). والذي عليه أكثر المفسرين وغيرهم: ذكر القولين دون ميل لأحدهما مما يدل على تساويهما (٤). قال السمرقندي: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم الذين كذبوا بآياتنا، يعني: كذبوا نوحاً بما أنذرهم من الغرق، ويقال: نصرناه من القوم، أي: نجيناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا) (٥). وقال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء، وقيل [من] بمعنى [على]) (٦).

стр. 360

وقال الزركشي: (﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٧]، أي: على القوم، وقيل: على التضمين، أي: منعناه منهم بالنصر) (١). وحكى الآلوسي قولاً يؤيد ما ذكرت وهو: (أن النصر يتعدى بـ[على]، و [من]؛ ففي الأساس نَصَرَه الله تعالى على عدوه، ونَصَرَه من عدوه، وفُرِّق بينهما: بأن المتعدي بـ[على]: يدل على مجرد الإعانة، والمتعدي بـ[من]: يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار) (٢). وقال الزمخشري: (هو نَصَرَ الذي مُطاوِعُه انتصر) (٣). وبهذا يتبين أن لا خلاف في الآية بين القولين؛ بل كل ما ذكر فيها يصح تفسيرها به، ... ومن قواعد التفسير: أنه إذا احتمل لفظ الآية معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حُمِل عليها (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]. ١٠١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، إنما أراد به: حكم الأنبياء كلهم، ويحتمل: أنه أراد داود وسليمان والمحكوم له اهـ) (٥).

стр. 361

الدراسة: جاء في بداية الآية ذكر داود وسليمان حيث يقول تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾، ثم ختمت بالجمع في قوله جل وعلا: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ [الأنبياء:٧٨] فقال بعض العلماء في الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان (١)، ومنهم الفراء (٢)، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] (٣)، وترجح لي خلافه. والإجابة عن هذا الاستدلال بما ذكر ابن عقيل وغيره فيُقال: أولاً: هذا ليس صريحاً في كون أقل الجمع اثنان، ومن الاحتمالات عليه: ١ - أن يكون المراد حكم الأنبياء كلهم. ٢ - أن يكون المراد داود وسليمان والمحكوم له؛ لأن ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له (٤). ٣ - أن يكون المراد: الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، يريد به: الحكم المشروع لهم (٥).

стр. 362

٤ - أن يكون الجمع على سبيل التفخيم والتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، وهو واحد سبحانه لا شريك له، وقال: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [النور:٢٦]، وأراد به عائشة ﵂ وصفوان بن المعطل (١)، قال ابن العربي: (قد ينطلق لفظ الجماعة على الواحد، تقول العرب: نحن فعلنا، وتريد القائل لنفسه خاصة) (٢). وإذا دخل الدليل الاحتمال بطل فيه الاستدلال. ثانياً: على فرض صحة الدلالة لما جاء في بعض النصوص من إطلاق الجمع على الاثنين؛ فإنما هو بدلالة أخرى غير اللفظ؛ ولو كان الاثنان جمعاً في اللغة لما احتاج النبي ﷺ إلى بيان جماعة الصلاة بقوله ﷺ : " اثنان فما فوقهما جماعة " (٣)، وإنما حُجبت الأم بالأخوين مع أن نص الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] لإجماع الصحابة على ذلك (٤). وأيضاً فإن أهل اللغة فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع فقالوا: رجل ورجلان ورجال، وجعلوا للإفراد باباً، وللتثنية باباً، وللجمع باباً، ولو كان الاثنين جمعاً كالثلاثة، لقالوا في الاثنين: رجال، كما قالوا: رجال في الثلاثة (٥). فإذا قامت الدلالة على إرادة الاثنين بلفظ الجمع فلا خلاف في قبول ذلك عند الجميع، وإذا كان اللفظ بالجمع المطلق فالأكثر على أن المراد الثلاثة فما فوقها.

стр. 363

وبعد التأمل في أدلة من قال: أقل الجمع اثنان، لم أجد دليلاً على أنه إذا أُطلق لفظ الجمع المطلق انصرف إلى اثنين، بل كل أدلتهم قامت القرائن ودل السياق على أنه أُريد بلفظ الجمع الاثنين، وهذا ليس محلاً للنزاع فيما ظهر لي، مع إمكان توجيه أدلتهم، كما في الآية التي معنا. قال ابن عقيل: (ولا خلاف بيننا وبين من خالفنا من أصحاب الشافعي أنه إذا قال: له علي دراهم، أنه يلزمه ثلاثة فصاعداً، حسب ما يُفَسِّر، ولو فسره بدرهمين؛ لم يقبل، ولو كان أقل الجمع اثنين لقبل منه التفسير بهما) (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩]. ١٠٢/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم اهـ) (٢). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن النص بالتفهيم لسليمان لا بد أن يدل على أحد أمرين: إما نفيه عن داود مطلقاً (٣)، أو نفيه عنه في هذه المسألة، وإلا سقطت فائدة التخصيص، وهذا خلاف ما عليه العرب. أقول إن هذه الآية مما اختلف فيها العلماء على قولين:

стр. 364

القول الأول: أن سليمان أصاب الحق في هذه المسألة باجتهاده دون داود مع عدم نفي العلم عنه في غيرها من المسائل، وهذا هو قول ابن عقيل، وهو ما عليه جمهور العلماء (١). واستدلوا: بالآية التي معنا، ووجه الاستدلال: تخصيص سليمان بالفهم دون داود. القول الثاني: أنهما مصيبان جميعاً؛ لأنهما حكما بوحي؛ لكن ما حكم به داود كان منسوخاً، وما حكم به سليمان كان ناسخاً؛ فعلم سليمان النص الناسخ وغاب عن داود (٢). واستدلوا: بالآية نفسها، ووجه الاستدلال: أن الله آتى كلاً منهما حكماً وعلماً. والقول الراجح هو قول جمهور العلماء: أن سليمان أصاب باجتهاده وأثنى الله عليه بذلك، أما داود ﵇ فقد اجتهد وأخطأ (٣)، وذلك لأمور منها: ١ - أن في الآية قرائن تدل على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لوماً ولا ذماً بعدم إصابته، ومنها: أ/ قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ [الأنبياء:٧٩] دليل على أنه فهمها من نصوص ما عنده من الشرع لا أنه نزل عليه وحي جديد ناسخ. ب/ أن داود لم يفَهَّم هذه المسألة ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفَهَّماً إياها (٤). ج/ أن في سياق الآية دلالة على أن كل واحد منهما حكم بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحياً لما ساغ الخلاف (٥).

стр. 365

٢ - ما قاله ابن عقيل: وهو أن تخصيص سليمان بالفهم لا بد أن يكون له فائدة، وهو دليل على رجحان قول سليمان، ولا يلزم من هذا انتقاص داود فخطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهداً، بل هو فضيلة راجعة إلى داود لأن الوالد تسره زيادة ولده عليه، وقد مدحه الله بأن له حكماً وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة (١). ٣ - أن القول بالنسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولو كان فيه نص ناسخ لحكم لما خفي على نبي تلك الشريعة، والقول به تأويل بعيد (٢). ٤ - أن الخطأ يجوز على الأنبياء؛ لكن لا يقرون عليه (٣). ٥ - أن الحق عند الله في واحد من أقوال المجتهدين والباقي باطل وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء والأصوليين، وقد اختلف حكم داود وسليمان فلا بد من كون أحدهما أصاب والآخر أخطأ (٤).

стр. 366

٦ - أن الحاكم قد يصيب الحق وقد يخطئ ولا يلام على خطئه إذا اجتهد وتحرى وإلا تحرج الحكام وتركوا الحكم، وهذا هو ما دلت عليه نصوص الشريعة، ومنها: قوله ﷺ : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر " (١)، وكونه مخطئاً ليس براجع إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحق بدليله؛ وإنما يرجع إلى أنه لم يصب حكم الله، كأن يقتطع المحكوم له مال خصمه أو حقه بذلك الحكم؛ لكذب الشهود، أو كون الخصم ألحن بحجته (٢). ولذا قال الشافعي: (قال الحسن بن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا لصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده) (٣)، وفي رواية ذكرها القرطبي: (ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده) (٤). ٧ - أن كثيراً من أصحاب القول الثاني يرون أن سليمان ﵇ فهم القضية وأفتى بالأرجح لا أن الحكم الأول خطأ، فكلاهما مصيب، ولكن حكم سليمان أولى، وهنا يجتمع القولان ويزول الخلاف (٥)، قال ابن عطية: (وكثيراً ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين، إلا أن ذلك الشفوف يشَرِّف القول، وكثيراً ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر) (٦). والله أعلم.

стр. 367

قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. ١٠٣/ ٤ - قال ابن عقيل: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى (١): لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١] (٢)، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (٣). _ الدراسة: بين ابن عقيل في كلامه على هذه الآية مسألتين:

стр. 368

المسألة الأولى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]. وهذا السبب هو ما ذكره عامة المفسرين، ومنهم: الطبري (١)، والسمرقندي (٢)، والسمعاني (٣)، والبغوي (٤)، وابن عطية (٥)، وغيرهم (٦). المسألة الثانية: أن صيغة العموم تدل على الاستغراق، بدليل استدلال ابن الزبعرى بعموم اللفظ، ولم ينكر عليه النبي ﷺ هذا الفهم؛ بل أنزل الله الآية التي تبين حكم الله فيمن ذكر كعيسى والملائكة، وهذا استدلال صحيح؛ فلا بد لإخراج شيء من لفظ العموم من دليل خاص. قال الزركشي: (وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيراً؛ فنزلت الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ، فلما قال المشركون: هذا المسيح وعزير قد عُبِدا من دون الله أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]) (٧). وقال الرازي: (هب أنه ثبت العموم، لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير؛ لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة) (٨). وذهب بعض العلماء إلى أن الصيغة لا تفيد العموم. وأجابوا عن سؤال ابن الزبعرى بأجوبة منها:

стр. 369

١ - أن الخطاب لأهل مكة، و [ما] في الآية لغير العاقل فلا يدخل إلا الأصنام التي عبدوها، وفي إدخالها النار زيادة ذل ومهانة لعابديها، فكيف يورد هذا على المسيح والملائكة (١). ٢ - أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة؛ لقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء:٩٩] (٢). وهذه الأجوبة وإن كانت محتملة في هذه الآية؛ إلا أن بقاء اللفظ العام على عمومه هو الأولى والأقوى والأظهر (٣) لأمور منها: ١ - أن ابن الزبعرى استدل بـ[ما] في الآية على العموم، وهو حجة في اللغة (٤). ٢ - أكد ذلك أنه لم ينكر عليه النبي ﷺ ، بل جاءت الآية الأخرى مبينة لها. ٣ - أن لفظة [ما] وإن كان استعمالها لغير العاقل فقد تستعمل للعاقل، كما قال تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون:٢ - ٣]. ٤ - أنه على فرض خطأ استدلال ابن الزبعرى كما ذكر بعض العلماء، فلا يمنع من بقاء الاستدلال بالعموم على عمومه، ويكون المانع له في هذا الدليل صوارف غير لفظ العموم. والله تعالى أعلم.

стр. 370

سورة الحج قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦]. ١٠٤/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (فَصْلٌ في الوجوب، وأصله في اللغة السقوط، يقال: وجبت الحائط إذا سقط، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ اهـ) (١). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: أبان ابن عقيل أن أصل الوجوب في اللغة: السقوط، وهو الذي تدل عليه مادته (٢). قال ابن فارس: (الواو والجيم والباء: أصل واحد، يدل على سقوط الشيء ووقوعه ثم يتفرع) (٣). ومنه قولهم: وجب الحائط وجبة، إذا سقط ووقع. وقال الجوهري: (وجب الشيء، أي: لزم) (٤). ومنه قولهم: وجب البيع، إذا لزم. فالواجب في اللغة: الساقط واللازم (٥)، ويحدد ذلك سياق الكلام. المسألة الثانية: معنى وجبت جنوبها في هذه الآية: فسرها ابن عقيل بسقوطها، وعلى هذا التفسير عامة المفسرين (٦).

стр. 371

قال الطبري: (﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر .. ) ثم قال: ( ... وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (١). ومن أقوالهم ما يلي: قال الزجاج: (﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] أي: سقطت إلى الأرض) (٢). وقال الراغب: (وجبت الشمس: إذا غابت، كقولهم: سقطت ووقعت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]) (٣). وقال البغوي: (يعني: سقطت بعد النحر؛ فوقعت جنوبها على الأرض) (٤). وفي تفسير الوجوب هنا بالسقوط فائدتان: الأولى: أن الإبل تنحر قائمة؛ لأن السقوط لا يكون إلا من قيام. الثانية: أن فيه دليلاً لمن قصر البدن في الإبل، وقال: لا تطلق على البقر لأن البقر تذبح مضجعة ولا تنحر من قيام. والله أعلم.

стр. 372

سورة النور قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢]. ١٠٥/ ١ - قال ابن عقيل: (فهذه الآية عامة في كل زان وزانية، قضينا عليها بالآية الخاصة في الإماء وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥] اهـ) (١). الدراسة: في هذا الموضع فسر ابن عقيل العام في القرآن بالخاص فيه، فعموم الحكم بجلد الزاني والزانية الحُرَّين غير المحصنين مائة جلدة مخصوص بالآية الأخرى وهي أن الإماء على النصف من العذاب، وهو قول الطبري (٢)، والجصاص (٣)، والواحدي (٤)، وكافة العلماء إلا ما ندر. قال الآمدي: (اتفق العلماء على تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافاً لبعض الطوائف) (٥). والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية (٦)، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ، فلا يكون إلا بالسنة؛ لقوله : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان العام هو المتقدم كان الخاص المتأخر ناسخاً لبعضه، وإن كان العام هو المتأخر كان ناسخاً لجميع الخاص (٧). واحتجوا: بأن بيان العموم لا يجوز تأخيره عن حال وروده، فإذا ورد متأخراً عنه، لم يجز أن يقع موقع البيان، فلم يبق إلا أن يكون ناسخاً له. وأقول: إن تخصيص الكتاب بالكتاب عموماً هو ما عليه جمهور العلماء، بل نُقل الإجماع في هذه الآية على هذا التخصيص.

стр. 373

قال ابن عقيل: (وإجماع الأُمَّةِ على تخصيص الأولى بالثانية، إجماع على حمل العام على الخاص، فهو حجة لنا، ولا عذر لهم) (١)، يعني: تخصيص آية النور بآية النساء. ويجاب عن استدلال الظاهرية بأن البيان إنما يكون من النبي ﷺ لما لم يبينه القرآن، وأيضاً: فبيان النبي ﷺ للقرآن إنما هو من القرآن (٢). وأما استدلال الحنفية، فيقال: إن العموم، يشمل كل ما يدل عليه بظاهر لفظه، فيحتمل دخول الخاص وعدمه، وأما الخاص فيتناول ما نص عليه بصريح اللفظ دون احتمال، فوجب إعمال الصريح والقضاء على المحتمل والظاهر، وأما تأخير البيان للعموم فيجوز إذا كان للمصلحة (٣)، وفيه هنا فائدة كبيرة، منها: اعتقاد المكلف ذلك، والعزم على فعله، فيقع له الثواب، إلى أن يأتي دليل الخصوص (٤)، ويجوز تأخير البيان حتى يأتي وقت الحاجة عند جمهور العلماء (٥). ولهذا فالقول الراجح هو ما عليه جمهور العلماء: وهو جواز تخصيص الكتاب بالكتاب؛ وذلك لأمور منها: ١ - أن القول بالتخصيص جمع بين الدليلين وعمل بهما، ومن قال بالنسخ عطل أحدهما، وإعمالهما جميعاً أولى من ترك أحدهما.

стр. 374

٢ - أن القرآن مبني بعضه على بعض فيُجعل مفَرَّقُه كالمتصل فإذا قال: اجلدوا الزناة مائة جلدة والأمة على النصف من ذلك وجب إعمال الخصوص، فكذلك إذا كان النصان متفرقين (١). ٣ - أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص أولى؛ لأنه حمل له على الأغلب (٢). وإذا قيل: فما الحكمة من تخصيص الأمة بالنصف من العذاب؟. فقد قال القرطبي: (والفائدة في نقصان حدهن: أنهن أضعف من الحرائر، ويقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، وكذلك الإماء لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور:٤ - ٥]. ١٠٦/ ٢ - قال ابن عقيل: (إن الاستثناء يعود إلى جميعها، فكأنه يقول بمقتضى الظاهر: فلا تجلدوهم، واقبلوا شهادتهم، ولا تفسقوهم، إلا أن الحد استوفي بدليل انفرد به اهـ) (٤). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين: المسألة الأولى:

стр. 375

الاستثناء إذا تعقب جملاً هل يعود إليها جميعاً، أم إلى الجملة الأخيرة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الاستثناء إذا تعقب جملاً قد عطف بعضها على بعض وصلح عوده إلى كل منها فإنه يعود إلى جميعها إلا أن يرد دليل بخلافه، وهو قول الشافعية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). واستدلوا بأدلة منها: ١ - أن الشرط يعود إلى جميع ما تقدم ذكره؛ لأنه لو قال: نساؤه طوالق وعبيده أحرار وماله صدقة إن شاء زيد لم يقع شيء من ذلك قبل مشيئته، وكان الشرط بنفسه راجعاً إلى الجميع، فكذلك الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه، بل هو متعلق بما قبله من الكلام، ويجب أن يكون متصلاً به، وإذا انفصل سقط حكمه، والشرط بمثابته في ذلك، فكانا سواء (٤)، والاستثناء والشرط متحدان من حيث المعنى لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٤ - ٥] جار مجرى: (وأولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا) (٥). قال أبو حيان: (اختار ابن مالك أن يعود إلى الجمل كلها كالشرط) (٦). ٢ - وقالوا: إن حمل الاستثناء على كل الجمل لا طريق له إلا بذكر الاستثناء عقيب الجملة الأخيرة، وإلا صار في الكلام عيّاً (٧)، فيصير رجوع الاستثناء إلى الجمل جميعاً هو الأصل ما لم يوجد مانع (٨).

стр. 376

القول الثاني: أنه يعود إلى أقرب مذكور، وهو قول لأبي حنيفة (١)، واختاره أبو حيان (٢). واحتجوا بما يلي: ١ - أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل لو رجع إلى جميعها لم يخل: إما أن يضمر مع كل جملة استثناء يعقبها، أو لا يضمر، فيرجع الاستثناء المصرح به في آخر الجمل إلى جميعها، والأول باطل؛ لأن الاضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة هنا. والثاني: أيضاً باطل؛ لأن العامل في نصب ما بعد حرف الاستثناء هو ما قبله من فعل أو تقدير فعل؛ فإذا فرضنا رجوع ذلك الاستثناء إلى كل الجمل كان العامل في نصب المستثنى أكثر من واحد، وهذا لا يجوز. ٢ - أن الاستثناء من الاستثناء مختص بما يليه، فكذا في سائر الصور دفعاً للاشتراك في الوضع. والذي ترجح لدي بعد النظر في الأدلة ما قاله الجمهور: وهو أن الاستثناء يرجع إلى جميع ما تقدمه من الجمل ما لم يمنع منه مانع، فإن منع منه مانع فيقدر بقدره. وسبب الترجيح أمور منها: ١ - أن الاستثناء عقيب الجمل إذا صلح رجوعه لجميعها فلا تخصص جملة دون أخرى إلا بدليل هو قول أكثر العلماء.

стр. 377

٢ - أن غالب الاستثناءات بعد الجمل ترجع للجميع والعمل بالغالب أولى من غيره، قال ابن النجار: (واحتج الشيخ تقي الدين فقال: من تأمل غالب الاستثناءات في الكتاب والسنة واللغة وجدها للجميع، والأصل إلحاق المفرد بالغالب) (١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]، وقول العباس للنبي ﷺ لما حرم شوك مكة وشجرها: إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي ﷺ : " إلا الإذخر " (٢)،

стр. 378

وقوله ﷺ : " ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " (١)، فالاستثناء فيها يعود إلى جميع ما سبقه. ولو قال القائل: له علي خمسة وخمسة إلا سبعة، كان مقراً بثلاثة اتفاقاً، فعاد الاستثناء إلى الجملتين، ولو عاد إلى الأخيرة منهما لزمه عشرة، ولغا الاستثناء، إذ هو مستغرق (٢). ٣ - أن الواو العاطفة بين الجمل تجعل بينها نوعاً من الاتحاد في الحكم وتدل على أن المتكلم لم يستوف غرضه من الجملة المتقدمة، فيكون الاستثناء راجعاً إلى جمل مترابطة في الحكم والمعنى فيشملها جميعاً (٣). ٤ - أن رد الاستثناء إلى الجملة الأخيرة تحديد بلا دليل، وإلغاء الاستثناء من باقي الجمل مع وقوعه عليها باطل، فيتعين رده إلى جميع الجمل احتياطاً وبقاء على الأصل.

стр. 379

٥ - إمكان الإجابة على أدلة القول الثاني، أما دليلهم الأول: وهو أنه لا يجوز أن يجتمع على المعمول الواحد عاملان، فهذا ليس إجماعاً (١)، بل على قول من قال: إن العامل في الاستثناء عقب الجمل أكثر من واحد (٢)، وعلى القول به فإنما يوافقون عليه إذا تضاد العاملان، أو اختلف عملهما، أما إذا اتحدا فليس هناك ما يمنع، وهو محل خلافنا، والمعروف في اللغة أن الجمل المتعاطفة التي يعقبها استثناء يجعلها في حكم الواحدة (٣)، لا سيما والاستثناء يصلح عوده على الجميع. وأما دليهم الثاني: فلا يُسلم لهم أيضاً قياس الاستثناء من الجمل على الاستثناء من الاستثناء للفارق بينهما، وذلك أن الاستثناء من الاستثناء لو عاد إليه وإلى المستثنى معاً للزم منه التناقض، ولأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فلا يمكن اجتماع النفي والإثبات معاً، وذلك غير حاصل في الاستثناء من الجمل (٤)، ويجاب أيضاً: بأن قول القائل: خمسة وخمسة إلا ستة. يقع على الجميع إجماعاً، فدل على أن المراد بالجمل ما يقبل الاستثناء (٥) (٦). المسألة الثانية: بيان كلام العلماء في آية القذف التي معنا، أقول:

стр. 380

أولاً: لا خلاف بين العلماء أن الجلد لا يسقط عن القاذف إلا بعفو المقذوف، كالقصاص لا يسقط إلا بالعفو (١). قال الطبري: ( ... ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحد؛ لأن ذلك حق لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به) (٢). وقال ابن العربي: (إن إقامة الحد سقط بالإجماع) (٣) - يعني من الاستثناء -. ثانياً: لا خلاف بين العلماء أن التوبة ترفع الفسق عن القاذف، لأن أقرب جملة للاستثناء يرتفع حكمها باتفاق العلماء. قال ابن تيمية: (التوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف، وترفع الفسق بلا تردد، وهل ترفع المنع من قبول الشهادة؟ فأكثر العلماء قالوا ترفعه) (٤). ثالثاً: هل تقبل شهادة من تاب من القذف؟ هذا محل خلاف بين العلماء، وهو مبني على الخلاف السابق:

стр. 381

فالقول الأول: أن شهادة التائب من القذف مقبولة بعد توبته، وهذا على قول من قال: إن الاستثناء إذا تعقب جملاً متعاطفة وصلح أن يعود إلى كل واحد منها لو انفرد؛ فإنه يعود إلى جميعها، وهو قول جمهور العلماء (١)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب (٢)، وعطاء ومجاهد، وطاووس (٣). القول الثاني: أن شهادة القاذف لا تقبل أبداً، وهذا على قول من قال: أن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور، وهذا مروي عن الحسن، والنخعي (٤)، وهو قول لأصحاب أبي حنيفة (٥). واستدلوا بأن عدم قبول الشهادة قد أُبِّد في الآية. والقول الراجح هو القول الأول بناء على ترجيح أن الاستثناء يعود على كل ما قبله إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، ولا يُشكل على هذا: الاتفاق على أن الاستثناء لا يرفع الحد لأنه ثبت بدليل منفرد (٦)، وإذا جاء دليل اقتضى عود الاستثناء إلى أحد الجمل أو رفعه عن بعضها، فلا خلاف في عودها إلى ما قام له الدليل (٧). والقول بقبول شهادة القاذف إذا تاب هو الصحيح لما يلي:

стр. 382

١ - أن الصحيح أن الاستثناء عقيب الجمل يعود إلى جميعها، قال ابن العربي: (والصحيح رجوعه إلى الجميع لغة وشريعة) (١). ٢ - الإجماع على أن من قذف وهو كافر ثم أسلم وتاب، وكان بعد إسلامه عدلاً قبلت شهادته، وإن كان قاذفاً، والقياس قبول شهادة القاذف إذا تاب، فليس القاذف بأشد جرماً من الكافر (٢). قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الاستثناء من المعنيين جميعاً؛ أعني من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ النور:٤]، ومن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور:٤]، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحد في القذف حتى تاب ... إلى أن قال: بل توبته بعد إقامة الحد عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه) (٣). ٣ - أنها تقبل توبة من هو أكبر منه ذنباً، وتقبل شهادتهم كالقاتل، والمرتد، والزاني، وشارب الخمر فهلا تقبل توبة القاذف وشهادته (٤). قال ابن الجوزي: (وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا أصح؛ لأن المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرماً من راكبها، فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته فالرامي أيسر جرماً، وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر، فإنه إذا أسلم قبلت شهادته) (٥). وقال السعدي: (فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحساناً زال عنه الفسق وكذلك تقبل شهادته على الصحيح) (٦).

стр. 383

٤ - أنه لا يوجد مانع في هذه الآية من رجوع الاستثناء إلى كل ما تقدمه إلا جملة الحد، فإن الدليل منع رجوع الاستثناء إليه، وهو أن حد القذف يسقط بالبينة لا بالتوبة بدليل قوله ﷺ للذي قذف امرأته: " البينة وإلا حَدٌّ في ظهرك " (١)، ولو كان يسقط بالتوبة لأمره بها لأنها أسهل من البينة. ٥ - أن قول الحنفية في الآية: يلزم رفع الفسق عن القاذف بالتوبة وعدم قبول شهادته غير صحيح؛ لأن التائب عادل، وشهادة العادل مقبولة؛ ولأن رد الشهادة مترتب على الفسق، فبزواله تعود الشهادة لمكانتها (٢). فإن قيل: فما فائدة وجود التأبيد في الآية؟. فقد ذكر الزجاج الفائدة من ذلك حيث قال: (فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله: ﴿أَبَدًا﴾ [النور:٤]، قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياته، ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا يُقبل منه شيء أبداً فمعناه، ما دام كافراً فلا يقبل منه شيء، وكذلك إذا قلت: القاذف لا تقبل منه شهادة أبداً، فمعناه ما دام قاذفاً، فإذا زال عنه الكفر فقد زال أبده، وكذلك القاذف إذا زال عنه القذف فقد زال عنه أبده، ولا فرق بين هذا وذلك) (٣). والله أعلم.

стр. 384

سورة الفرقان قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان:٥٩]. ١٠٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ بمعنى: فاسأل عنه خبيراً اهـ) (١). الدراسة: اختلف العلماء في معنى [الباء] في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن [الباء] بمعنى [عن]، كما قال ابن عقيل وهو قول أكثر المفسرين (٢)، وغيرهم، وهو جائز ومستعمل عند العرب (٣)، بل قيل: إن هذا المعنى لـ[الباء] يختص بالسؤال (٤)، والمعنى: فاسأل عن الله عالماً به، أي: بأسمائه وصفاته (٥). قال ابن قتيبة: (﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان:٥٩] أي: عنه، قال علقمة بن عَبَدة: فَإِن تَسْأَلُونِي بالنِّسَاءِ فإِنَّنِي ... بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ (٦). أي: عن النساء) (٧). قال النحاس: (قال أبو إسحاق (٨) أي: اسأل عنه، وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن [الباء] بمعنى [عن] كما قال جل وعز: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج:١] وقال الشاعر: هَلا سَأَلْتِ الخَيْلَ يَا ابْنَة مَالِكٍ ... إنْ كنتِ جَاهِلةً بما لم تَعْلَمي (٩)) (١٠).

стр. 385

القول الثاني: أن [الباء] على معناها الأصلي وهو الإلصاق (١)، والمعنى: واسأل بسؤالك خبيراً وهو الله سبحانه. قال النحاس: (قال علي بن سليمان (٢): أهل النظر ينكرون أن تكون [الباء] بمعنى [عن]؛ لأن في هذا فساد المعاني، قال: ولكن هذا مثل قول العرب: لو لقيت فلاناً للقيك به الأسد، أي: للقيك بلقائك إياه الأسد، والمعنى: فاسأل بسؤالك) (٣). والمراد: اسأل خبيراً بذلك الذي سبق في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان:٥٩]؛ لأهميته وعظمته. قال الطبري: (﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان:٥٩] يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيراً بخلقه) (٤). ومثله قال البغوي (٥). وقال ابن جزي: (والمعنى الثاني: أن المراد: اسأل بسؤاله خبيراً، أي: إن سألته تعالى تجده خبيراً بكل شيء فانتصب خبيراً على الحال، وهو كقولك: لو رأيت فلاناً رأيت به أسداً، أي: رأيت برؤيته أسداً) (٦). القول الثالث: أن [الباء] صلة، والمعنى: فسله خبيراً (٧). وهو لا يبعد عن المعنى الذي قبله؛ فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهو إفادة الاهتمام بالمسؤول عنه لمّا كان عظيماً. والقول المقدم والأولى هو البقاء على المعنى الأصلي لـ[الباء]، لا سيما والمعنى صحيح، مع عدم الحاجة إلى تقدير، فالخطاب من الله: بأن لا تطلب العلم بهذا إلا من خبير فيه.

стр. 386

قال الآلوسي: (والجار والمجرور: صلة اسأل، والسؤال كما يعدى بـ[عن] لتضمنه معنى التفتيش يعدى بـ[الباء] لتضمنه معنى الاعتناء) إلى أن قال: (والمعنى: فاسأل معتنياً به خبيراً عظيم الشأن محيطاً بظواهر الأمور وبواطنها، وهو الله يُطلِعك على جَلِيَّة الأمر) (١)، وعليه يحمل ما جاء عن العرب في الشواهد. ولكن لا نرد المعاني الأخرى، لجواز استعمالها في اللغة، ولكون المعنى في سياق الآية صحيحاً على جميع التقديرات (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]. ١٠٨/ ٢ - قال ابن عقيل: (فظاهر هذه الآية مقابلة ما ذكره من العقاب في مقابلة ما عدَّدَه من الذنوب والجرائم، لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان:٦٩]، فذكر المضاعفة إنما وقع لمكان مضاعفة جرائمهم جريمة بعد جريمة؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨] يعود إلى الجمل المتقدمة كلها، وما ذكر المضاعفة إلا مقابلة اهـ) (٣). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن ظاهر آية العقاب جاءت مقابل ما ذُكر من جرائمهم، وأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨] عائد إلى جميع الجمل السابقة، وهذا ما يدل عليه سياق الآية.

стр. 387

قال السمرقندي مؤيداً أن سبب تضعيف العذاب كونه يرجع إلى الجميع: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨]، يعني: الشرك، والقتل، والزنى يلقَ أثاماً) (١). وقال الرازي: (سبب تضعيف العذاب: أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عُذِّب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً؛ فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقَب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع) (٢). وقال الشوكاني: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨]، أي: شيئاً مما ذكر) (٣). ويتفرع على هذا مسألة مشهورة وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ فأقول: اختلف العلماء في هذه المسألة - بعد اتفاقهم على أنهم مخاطبون بالإيمان الذي هو الأصل (٤) - على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بشرط تقدم الإيمان (٥)، وهو قول ابن عقيل، وجماعة من الحنفية (٦)، والراجح عند الشافعية (٧)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٨). واستدلوا بأدلة منها: ١ - الآية التي معنا، ووجه الاستدلال: أنه رتب الوعيد فيها على مجموع ترك الأصل والفرع فكانت الفروع جزءاً من سبب الوعيد، وذلك يلزم أنهم مكلفون بها (٩).

стр. 388

٢ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ (٧)﴾ [فصلت:٦ - ٧]، فتوعد المشركين على شركهم، وعلى ترك إيتاء الزكاة، فدل على أنهم مخاطبون بهما؛ لأنه لا يُتَوعَّد على ما لا يجب على الإنسان، ولا يخاطب به. ٣ - قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦]، ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر هو عدم الصلاة وترك إطعام المسكين والخوض مع الخائضين، وهي من الفروع. القول الثاني: أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، وهو قول بعض الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد قدمها ابن قدامة في روضة الناظر (٢). قالوا: لا معنى لوجوب الأوامر مع استحالة فعلها في الكفر وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وما لا فائدة من التكليف به عبث محال على الشرع (٣). القول الثالث: أنهم غير مكلفين بشيء سوى الأصل الذي هو الإيمان، وهو المشهور عن أصحاب الرأي (٤)، وبعض الشافعية (٥). واستدلوا بأدلة منها: ١ - ما احتج به أصحاب القول الثاني.

стр. 389

٢ - أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " (١) فلو كان هؤلاء مكلفون لأمرهم بفروع الشريعة، مع أمرهم بالإيمان. ٣ - أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٢) .. " (٣). ومن خلال استقراء أقوالهم وأدلتهم يتبين لي أن العلماء متفقون على أن الكفار مكلفون كالمسلمين إلا أن الخلاف قد وقع في نقطة واحدة وهي: هل هم ملزمون بالأوامر أم لا؟

стр. 390

أما تكليفهم بالنواهي فقد نُقل الاتفاق عليه كما قال الزركشي: (وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا خلاف في تكليفهم بالنواهي، وإنما الخلاف في تكليفهم بالأوامر) (١). فيتلخص الخلاف في قولين: التكليف بالأوامر أو عدمه، وإذا عُرف هذا فما القول الراجح. قلت: والذي يترجح عندي هو القول الأول لقوة أدلته، وإمكان الإجابة على أدلة المخالفين. فقولهم: إن تكليف الكفار بالأوامر عبث، لا يوافقون عليه بل فيه فائدة وهي: أنه لو مات عُوقِب على تركه (٢)، وهم مخاطبون بفروع الشرع وبما لا تصح إلا به وهو الإيمان (٣). وكذلك يُقال: إنه وإن كان لا يتمكن من فعلها مع الكفر، فقد جُعِل له السبيل الذي يوصله إليها؛ بأن يقدم الإيمان ثم يفعل العبادات، كالمُحْدِث الذي لا تقبل صلاته إلا إذا توضأ، وإنما الذي يستحيل فعله هو ما لا طريق يُوصِل إليه. فإن قيل: صحيح أن المحدِث مخاطب بفعل الصلاة وإن لم تصح منه؛ لأن الحدث يمنع فعل الصلاة؛ لكن إذا تطهر لم تسقط عنه الصلاة التي لزمته حال الحدث، بخلاف الكافر فإنه لا يتأتى منه في حال كفره، ويسقط عنه القضاء حال إسلامه، فلا يفعله مطلقاً.
следующие страницы →