← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال الآلوسي: (والجار والمجرور: صلة اسأل، والسؤال كما يعدى بـ[عن] لتضمنه معنى التفتيش يعدى بـ[الباء] لتضمنه معنى الاعتناء) إلى أن قال: (والمعنى: فاسأل معتنياً به خبيراً عظيم الشأن محيطاً بظواهر الأمور وبواطنها، وهو الله يُطلِعك على جَلِيَّة الأمر) (١)، وعليه يحمل ما جاء عن العرب في الشواهد. ولكن لا نرد المعاني الأخرى، لجواز استعمالها في اللغة، ولكون المعنى في سياق الآية صحيحاً على جميع التقديرات (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]. ١٠٨/ ٢ - قال ابن عقيل: (فظاهر هذه الآية مقابلة ما ذكره من العقاب في مقابلة ما عدَّدَه من الذنوب والجرائم، لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان:٦٩]، فذكر المضاعفة إنما وقع لمكان مضاعفة جرائمهم جريمة بعد جريمة؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨] يعود إلى الجمل المتقدمة كلها، وما ذكر المضاعفة إلا مقابلة اهـ) (٣). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن ظاهر آية العقاب جاءت مقابل ما ذُكر من جرائمهم، وأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨] عائد إلى جميع الجمل السابقة، وهذا ما يدل عليه سياق الآية.

стр. 387

قال السمرقندي مؤيداً أن سبب تضعيف العذاب كونه يرجع إلى الجميع: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨]، يعني: الشرك، والقتل، والزنى يلقَ أثاماً) (١). وقال الرازي: (سبب تضعيف العذاب: أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عُذِّب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً؛ فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقَب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع) (٢). وقال الشوكاني: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:٦٨]، أي: شيئاً مما ذكر) (٣). ويتفرع على هذا مسألة مشهورة وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ فأقول: اختلف العلماء في هذه المسألة - بعد اتفاقهم على أنهم مخاطبون بالإيمان الذي هو الأصل (٤) - على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بشرط تقدم الإيمان (٥)، وهو قول ابن عقيل، وجماعة من الحنفية (٦)، والراجح عند الشافعية (٧)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٨). واستدلوا بأدلة منها: ١ - الآية التي معنا، ووجه الاستدلال: أنه رتب الوعيد فيها على مجموع ترك الأصل والفرع فكانت الفروع جزءاً من سبب الوعيد، وذلك يلزم أنهم مكلفون بها (٩).

стр. 388

٢ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ (٧)﴾ [فصلت:٦ - ٧]، فتوعد المشركين على شركهم، وعلى ترك إيتاء الزكاة، فدل على أنهم مخاطبون بهما؛ لأنه لا يُتَوعَّد على ما لا يجب على الإنسان، ولا يخاطب به. ٣ - قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦]، ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر هو عدم الصلاة وترك إطعام المسكين والخوض مع الخائضين، وهي من الفروع. القول الثاني: أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، وهو قول بعض الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد قدمها ابن قدامة في روضة الناظر (٢). قالوا: لا معنى لوجوب الأوامر مع استحالة فعلها في الكفر وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وما لا فائدة من التكليف به عبث محال على الشرع (٣). القول الثالث: أنهم غير مكلفين بشيء سوى الأصل الذي هو الإيمان، وهو المشهور عن أصحاب الرأي (٤)، وبعض الشافعية (٥). واستدلوا بأدلة منها: ١ - ما احتج به أصحاب القول الثاني.

стр. 389

٢ - أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " (١) فلو كان هؤلاء مكلفون لأمرهم بفروع الشريعة، مع أمرهم بالإيمان. ٣ - أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٢) .. " (٣). ومن خلال استقراء أقوالهم وأدلتهم يتبين لي أن العلماء متفقون على أن الكفار مكلفون كالمسلمين إلا أن الخلاف قد وقع في نقطة واحدة وهي: هل هم ملزمون بالأوامر أم لا؟

стр. 390

أما تكليفهم بالنواهي فقد نُقل الاتفاق عليه كما قال الزركشي: (وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا خلاف في تكليفهم بالنواهي، وإنما الخلاف في تكليفهم بالأوامر) (١). فيتلخص الخلاف في قولين: التكليف بالأوامر أو عدمه، وإذا عُرف هذا فما القول الراجح. قلت: والذي يترجح عندي هو القول الأول لقوة أدلته، وإمكان الإجابة على أدلة المخالفين. فقولهم: إن تكليف الكفار بالأوامر عبث، لا يوافقون عليه بل فيه فائدة وهي: أنه لو مات عُوقِب على تركه (٢)، وهم مخاطبون بفروع الشرع وبما لا تصح إلا به وهو الإيمان (٣). وكذلك يُقال: إنه وإن كان لا يتمكن من فعلها مع الكفر، فقد جُعِل له السبيل الذي يوصله إليها؛ بأن يقدم الإيمان ثم يفعل العبادات، كالمُحْدِث الذي لا تقبل صلاته إلا إذا توضأ، وإنما الذي يستحيل فعله هو ما لا طريق يُوصِل إليه. فإن قيل: صحيح أن المحدِث مخاطب بفعل الصلاة وإن لم تصح منه؛ لأن الحدث يمنع فعل الصلاة؛ لكن إذا تطهر لم تسقط عنه الصلاة التي لزمته حال الحدث، بخلاف الكافر فإنه لا يتأتى منه في حال كفره، ويسقط عنه القضاء حال إسلامه، فلا يفعله مطلقاً.

стр. 391

فيُقال: إنما لم يجب القضاء على الكافر؛ لأن الإسلام جُعِل مسقطاً لما سلف، لئلا يكون وجوب القضاء تنفيراً عن الإسلام؛ فقد يسلم بعد كبر، فإذا علم أنه يلزمه قضاء ما ترك في عمره من صلاة أو صيام أو زكاة، نفَّره ذلك عن اختيار الإسلام واعتقاده، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقوله ﷺ لعمرو بن العاص ﵁: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله " (١)، فهذا يدل على أن الإسلام هو المسقط لما سبقه من الواجب. وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ لمعاذ ﵁ وكتابه إلى قيصر؛ فالجواب عنه أن يُقال: إنه ﷺ لم يأمره بأن يدعوهم لفروع الشريعة أولاً؛ لأنه لا يصح منهم فعله في حال كفرهم، فبدأ بما يصح فعله وهو الإيمان، ويؤيد هذا: أنه ثنى في حديث معاذ: بالأمر بالصلاة وغيرها من فروع الشريعة (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].

стр. 392

١٠٩/ ٣ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠]: (يرجع إلى سائر الجمل، فترفع حكمها التوبة اهـ) (١). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: استدل ابن عقيل بالآية على أن الاستثناء يعود إلى كل ما سبقه من الجمل، فيرفع حكمها التوبة، وقد سبق خلاف العلماء في الاستثناء إذا جاء بعد جمل عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور:٤ - ٥]، وتبين أن الراجح هو عود الاستثناء إلى جميع الجمل التي يصلح عوده إليها ما لم يدل دليل على خلاف ذلك (٢). قال السمرقندي: (ثم قال : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان:٧٠]، يعني: تاب من الشرك والزنى والقتل وصدق بتوحيد الله تعالى وعمل صالحاً ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، يعني: مكان الشرك الإيمان، ومكان القتل الكف، ومكان الزنى العفاف، ومكان المعصية العصمة والطاعة، ويقال: إنه يبدل في الآخرة مكان عمل السيئات الحسنات) (٣). المسألة الثانية: لا خلاف بين العلماء في أن التوبة ترفع حكم الكفر والزنى، واختلفوا في حكم قتل النفس التي حرم الله.

стр. 393

قال ابن عطية: (وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ لَا﴾ الآية [الفرقان:٧٠]، لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل من المسلمين) (١).القول الأول: المشهور من مذهب ابن عباس ﵁، وإحدى الروايتين عن أحمد: أن توبة القاتل غير مقبولة (٢). ... وقد ناظر ابن عباس في هذه المسألة أصحابه، فقالوا: أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان:٧٠]، فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية (٣)، وذلك أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن الذي تدعو إليه لَحَسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة؛ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان:٦٨]، فهذه في أولئك، وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء:٩٣]، فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه، ثم قتل، فجزاؤه جهنم (٤).

стр. 394

وصح عن ابن عباس أن آية الفرقان مكية، وآية النساء مدنية، نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء (١). واستدلوا: بأن التوبة من قتل المؤمن عمداً متعذرة، إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله، أو إعادة نفسه إلى جسده وكلاهما متعذر (٢). القول الثاني: ذهب جمهور العلماء (٣) إلى أن توبة قاتل النفس مقبولة، واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالآية عامة، وهي مذكورة في هذه السورة بعد آية الوعيد وقبلها؛ لتقوية الرجاء. ٢ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]، فهذه عامة في جميع التائبين. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه:٨٢]، فإذا تاب القاتل وآمن وعمل صالحاً، فإن الله غفار له (٤).

стр. 395

٤ - ... قصة قاتل المائة لما تاب نفعته توبته وأُلحِق بالقرية الصالحة التي خرج إليها (١). ٥ - ... أن الكفر أعظم ذنباً من القتل، والكافر إذا تاب قبلت توبته، فالقاتل إذا تاب من باب أولى. والراجح في هذه المسألة ما عليه جمهور العلماء؛ لصراحة وقوة أدلتهم، وإمكان الإجابة عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي: أولاً: أن يكون ابن عباس استبعد أن يكون للقاتل عمداً توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، أو يحمل على أنه لا توبة للقاتل فيما يتعلق بحق المقتول (٢)، ويأتي الجواب عن هذا. ثانياً: دعوى النسخ لآية الفرقان غير مقبول؛ لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ بإجماع؛ لأن الخبر لو نسخ لكان تكذيباً له، ويتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فالآيتان محكمتان (٣). وروي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ لَا﴾ الآية [الفرقان:٧٠] قال: نزلت في أهل الشرك (٤). قال ابن حجر: (ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القتل متعمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه) (٥). ثالثاً: أنه روي عن ابن عباس القول بقبول توبة القاتل وأنه تحت مشيئة الله (٦).

стр. 396

قال ابن عطية: (وروي عن بعض العلماء: أنهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف أحياناً؛ فيطلقون: لا تقبل توبة القاتل، منهم ابن شهاب: كان إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل، قال له: توبتك مقبولة، وإذا سأله من لم يفعل، قال له: لا توبة للقاتل، ومنهم ابن عباس، وقع عنه في تفسير عبد بن حميد: أن رجلاً سأله أللقاتل توبة؟ فقال له: لا توبة للقاتل وجزاؤه جهنم، فلما مضى السائل، قال له أصحابه: ما هكذا كنا نعرفك تقول إلا أن للقاتل التوبة، فقال لهم: إني رأيته مغضباً وأظنه يريد أن يقتل، فقاموا فطلبوه وسألوا عنه فإذا هو كذلك) (١). رابعاً: آية النساء في القتل محمولة على أحد المعاني التي ذكرها العلماء ومن أظهرها: أ/ أن يكون معناها: فجزاؤه إن جازاه، روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] قال: " هو جزاؤه إن جازاه " (٢)، والله سبحانه إذا وعد بالعذاب جاز أن يعفو (٣). قال الطبري: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه - إن جزاه - جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو، ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها) (٤). ب/ أن يُقال: إن هذا جزاؤه إذا لم يتب، فإن تاب فقد بَيَّن الله أمره في آيات التوبة (٥)، وهو قبول توبته.

стр. 397

ج/ وقال بعضهم: إنها نزلت في رجل بعينه من الأنصار ارتد وقتل رجلاً مؤمناً (١). د/ أن ما في الآية وعيد، وإخلاف الوعيد لا يذم، بل يمدح، فيجوز إخلاف الوعيد دون الوعد؛ لأن إخلاف الوعيد عفو وهبة وإسقاط، وذلك موجب كرمه وإحسانه (٢). هـ / أن المراد بالخلود المكث الطويل، وليس المراد المكث الدائم؛ لأن اللغة يطلق فيها الخلود على المكث الطويل كما يقال: فلان خالد خلود الجبال، ومعلوم أن الجبال ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً، والله سبحانه لم يذكر التأبيد في هذه الآية (٣). و/ ومن أحسن المعاني ما ذكره ابن القيم حيث قال: (هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده؛ فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه، وغاية هذه النصوص: الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين، ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتباراً بمقتضى العقاب ومانعه، وإعمالاً لأرجحها) (٤).

стр. 398

خامساً: أن إقامة القصاص عليه كفارة له (١)، كما في حديث عبادة بن الصامت قال كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: " تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه؛ فأمره إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه " (٢). سادساً: قال العلماء: الحقوق في القتل ثلاثة: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فإذا تاب القاتل من حق الله وسلم نفسه طوعاً إلى الوارث ليستوفي منه حق موروثه سقط عنه الحقان، وبقي حق المقتول فلا يضيعه الله، ويجعل من تمام مغفرته للقاتل: أن يعوض المقتول عن مظلمته ويرضيه عن مطالبته، وأن لا يعاقب القاتل التائب (٣)؛ لأن التوبة تهدم ما قبلها. قال ابن القيم: (فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده، والحكم بعد ذلك لله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨]) (٤). والله أعلم.

стр. 399

سورة الشعراء قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء:١٤]. ١١٠/ ١ - قال ابن عقيل: ([على] بمعنى [عند]، قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤]، أي: عندي اهـ) (١). الدراسة: فسر ابن عقيل [على] في هذه الآية بـ[عند] (٢)، وهذا هو ما فسرها به ابن قتيبة حيث قال: (قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤]، أي: عندي) (٣). وقال السمرقندي: (قال القتبي: [عليّ] بمعنى [عندي]، أي: لهم عندي ذنب) (٤). وقال الزركشي: ([على] بمعنى [عند] نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤]، أي: عندي) (٥). وجعلها جماعة من المفسرين على تقدير محذوف. كما قال السمعاني: (وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤]، أي: دعوى ذنب) (٦). وكذا قال البغوي (٧)، وابن الجوزي (٨). وقال الزمخشري: (يعني: ولهم علي تبعة ذنب وهي قود ذلك القتل، فأخاف أن يقتلوني به، فحذف المضاف، أو سمى تبعة الذنب ذنباً كما سمى جزاء السيئة سيئة) (٩). ومثله قال البيضاوي (١٠)، وكثير من المفسرين (١١). والأولى أن يقال: إن [على] في هذه الآية على بابها تفيد الاستعلاء لأمرين: ١ - أن الأصل عدم التضمين أو التقدير ما دام المعنى صحيحاً بدونهما.

стр. 400

٢ - أنه قد يتبادر للذهن أن معنى الاستعلاء لا يكون إلا حسياً، وليس كذلك، بل يأتي ويكون معنوياً، وهو كذلك في هذه الآية (١)، كما قال ابن هشام: (وقد يكون الاستعلاء معنوياً نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤]، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد:٦]) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء:١٥]. ١١١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾، المراد بها: موسى وهارون وفرعون، مستمعون ما تقولا ويقال لكما اهـ) (٣). الدراسة: هذا التفسير من إجابات ابن عقيل على من استدل بالآية على أن أقل الجمع اثنان (٤)، وقد سبق الحديث عن مثل هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، والاستدلال في هذه الآية على أن أقل الجمع اثنان يدخله الاحتمال، كما ذكر العلماء، قال النحاس: (ثم قال جل وعز: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء:١٥]، يحتمل أن يكون ﴿مَعَكُمْ﴾ لموسى وهارون ﵉؛ لأن الاثنين جمع كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١]، ويحتمل أن يكون لموسى وهارون والآيات، ويحتمل أن يكون لموسى وهارون ومن أرسل إليهم، قال أبو جعفر: الأول أولاها؛ ليكون المعنى: إنا معكم ناصرين ومقوين) (٥). والاحتمال يضعف الاستدلال، وكذلك السياق يؤيد كلام ابن عقيل.

стр. 401

قال أبو السعود: (وحيث كان الموعود بمحضر من فرعون اعتبر ههنا في المعية، وقيل: أجريا مجرى الجماعة، ويأباه ما قبله وما بعده من ضمير التثنية) (١). وقال الآلوسي: (والخطاب لموسى وهارون ومن يتبعهما من بني إسرائيل؛ فيتضمن الكلام البشارة بالإشارة إلى علو أمرهما واتباع القوم لهما، وذهب سيبويه إلى أنه لهما ﵉، ولشرفهما وعظمتهما عند الله تعالى عوملا في الخطاب معاملة الجمع، واعترض بأنه يأباه ما بعده وما قبله من ضمير التثنية، وقيل هو لهما ﵉ ولفرعون، واعتبر لكون الموعود بمحضر منه، وإن شئت ضم إلى ذلك قوم فرعون أيضاً ... ) (٢). وأما قوله تعالى: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] فالمراد بالجمع التعظيم والتفخيم، وهو كثير في القرآن (٣)، وهذا ما أشار إليه العلماء (٤). قال السمعاني: (وأما قوله: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قد بينا مثل هذا فيما سبق وذكرنا أنه قد ذكر نفسه بلفظ الجماعة في مواضع على طريق التفخيم والتعظيم) (٥). وقال ابن الجوزي: (﴿مُسْتَمِعُونَ﴾: نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به) (٦). وقال الشنقيطي: (صيغة الجمع في قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] للتعظيم) (٧).

стр. 402

وفي استعمال الجمع أيضاً اهتمام واعتناء وتسلية وضمان للحفظ والنصرة لهما (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ [الشعراء: ٦٣] [الشعراء:٦٣]. ١١٢/ ٣ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾: (كان من فحوى اللفظ (٢): فضربه فانفلق اهـ) (٣). الدراسة: فسر ابن عقيل هذه الآية بما يدل عليه منطوقها مما لا شبهة فيه. قال البغوي: (﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣]، يعني: فضربه فانفلق). وقال الرازي: (﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣] ولا شبهة في أن المراد: فضرب فانفلق؛ لأنه كالمعلوم من الكلام؛ إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب، ومع ذلك يأمره بالضرب؛ لأنه كالعبث، ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا، ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى ﵇ (٤)، وهذا التفسير هو ما تتابع عليه عامة العلماء (٥). فإن قيل: فما الحكمة من هذا الحذف؟. فالجواب من وجوه: ١ - أن هذا من مجاز الحذف المستعمل في اللغة العربية، وهو أسلوب بليغ فصيح.

стр. 403

٢ - أن المعنى واضح جداً ومعلوم بدون ذكر الفعل. ٣ - فيه إشارة إلى سرعة النتيجة، لتدل على عظمة الله وسرعة إنفاذ أمره. ٤ - فيه تعظيم لموسى، حيث أنجاه الله ومن معه بهذه الطريقة العجيبة، بدون تأخير في استجابة الدعاء. والله أعلم. سورة العنكبوت قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ [العنكبوت:٢٩]. ١١٣/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت:٢٩]، المراد: سبيل النسل، والله أعلم اهـ) (١). الدراسة: قال أهل اللغة: السبيل: الطريق (٢)، واختلف المفسرون في السبيل المراد في هذه الآية على قولين: القول الأول: أنه الطريق المعروف قاله ابن زيد (٣)، فالمعنى: أنهم يعملون عمل قطاع الطريق من قتل الأنفس وأخذ الأموال (٤)، أو بفعل الفاحشة بالمارة كما حكاه الطبري وغيره (٥). القول الثاني: أن المراد سبيل النسل، أي: أنهم سيقطعون التناسل، وينتهي التوالد بين الجنسين الذكر والأنثى، وهو قول ابن عقيل وجمع من المفسرين (٦).

стр. 404

والذي يظهر أن الآية شاملة لكلا المعنيين، ويؤيد هذا احتمال الآية لهما، ووجودهما في القوم فيصح حمل الآية على كل ما قيل فيها ولا تعارض بين المعنيين؛ ولذا قال القرطبي: (ولعل الجميع كان فيهم، فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة ويستغنون عن النساء بذلك) (١)، وهذا هو الذي يظهر من كلام المفسرين على الآية (٢). سورة الأحزاب قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب:٣٧]. ١١٤/ ١ - قال ابن عقيل: (فأخبر أنه إنما أباحه ذلك ليكون مبيحاً لجميع الأمة، ولو كان الأمر يخصه لما انتفى عنهم الحرج بنفي الحرج عنه، فصار كأنه يقول: أرخصنا لك في تزويج أزواج أدعيائك؛ لنرخص لأمتك بذلك اقتداء بك، ونزولاً على ما شرع لك، فثبت بهذا أنهم مشاركوه في الحكم الذي يخاطب به اهـ) (٣).

стр. 405

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألة: أن الخطاب للنبي ﷺ في أمور الشرع خطاب لأمته إلا إذا دل الدليل على تخصيصه، وهذه مسألة أصولية مشهورة تكلم فيها الأصوليون (١). وقول ابن عقيل هو قول الحنفية (٢) وبعض المالكية (٣) وبعض الشافعية (٤): أن الله تعالى إذا أمر نبيه ﷺ فإن أمته يشاركونه في ذلك الأمر (٥)، ومن أدلتهم هذه الآية التي استدل بها ابن عقيل: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب:٣٧] (٦)، ووجه الاستدلال بها: أنه لو كان الأمر يخص النبي ﷺ في تزوج زوجة الدعي لما انتفى الحرج عن المؤمنين بانتفائه عنه ﷺ (٧)، وكان التعليل به عبثاً (٨). وهو ما ذهب إليه جمع من المفسرين: قال الجصاص: (قد حوت هذه الآية أحكاماً ... ) إلى أن قال: (والثالث: أن الأمة مساوية للنبي ﷺ في الحكم إلا ما خصه الله تعالى به؛ لأنه أخبر أنه أحل ذلك للنبي ﷺ ليكون المؤمنون مساوين له) (٩).

стр. 406

وقال البيضاوي: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧] علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل) (١). وقال ابن تيمية: (قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الآية [الأحزاب:٣٧] دليل على أن ما أبيح له كان مباحاً لأمته؛ لأنه أخبر أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة في مثل ذلك التزويج، فلولا أن فعله المباح له يقتضي الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر) (٢). وذهب بعض الشافعية (٣) وغيرهم (٤): إلى أن الخطاب لا يعمهم إلا بدليل. قالوا: لأن اللغة تقتضي أن خطاب المفرد لا يتناول غيره. قال الغزالي (٥): (وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ) (٦). ولذا قال الآمدي: (إن رفع الحرج عن النبي ﷺ كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة) (٧). فحكم بدخول الأمة مع النبي ﷺ في الآية لكن بدليل القياس.

стр. 407

وأقول: ما دام أن خطاب النبي ﷺ يشعر بقصد خطاب العموم، وهذا هو المتعارف عليه شرعاً لاشتراكهم في التشريع، والله أمر في غير ما آية باتباعه ﷺ (١) فلا حاجة إلى تكلف القياس. والخلاصة أنه لا خلاف بين القولين في العمل؛ فالجميع متفق على أن خطاب الواحد لا يطلق على الجماعة في اللغة، وكذلك متفقون أن الوقائع الشرعية الخاصة التي استدل بها أصحاب القول الأول عدي حكمها إلى الأمة مع نبيها ﷺ (٢). قال الطوفي: (وكأن الخلاف لفظي ... ) ثم قال: (وحينئذ يكون التقدير: أن اللغة تقتضي أن الخطاب لواحد معين يختص به، ولا خلاف فيه بينهم، والواقعة الشرعية الخاصة، إذا قام دليل على عمومها عمت، ولا خلاف أيضاً فيه بينهم، فعاد النزاع كما قلنا لفظياً) (٣). وقال أيضاً: (أجمع الصحابة ﵃ على الرجوع في قضاياهم العامة إلى قضايا النبي ﷺ الخاصة، كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة ماعز (٤) ... ) (٥). وبهذا يتبين أن ما قاله ابن عقيل في تفسير هذه الآية هو قول عامة العلماء على وجه الإجمال (٦). والله أعلم.

стр. 408

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب:٣٨]. ١١٥/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨]، أي: أوجب اهـ) (١). وقال في موضع آخر: (يعني: أحل له اهـ) (٢). الدراسة: ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى فرض الله له في هذه الآية: أي أوجب. وهو قول لابن عقيل وبه فسرها الزمخشري (٣)، والبيضاوي (٤)، وابن جزي (٥)، وأبو السعود (٦). قال الزمخشري: (فرض الله له: قسم له وأوجب من قولهم فرض لفلان في الديوان كذا، ومنه: فروض العسكر لرزقاتهم) (٧). وفسرها ابن عقيل أيضاً: بأحل له، وهو تفسير الطبري (٨)، والسمرقندي (٩)، والواحدي (١٠)، والسمعاني (١١)، والبغوي (١٢)، وابن عطية (١٣)، وغيرهم (١٤)، وذكره الطبري والنحاس عن قتادة (١٥). قال الطبري: (فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها) (١٦).

стр. 409

ولا تعارض بين القولين فأصل الفرض في اللغة: الحز في الشيء، ومنه كان اشتقاق الفرض للواجب؛ لأن له معالم وحدوداً، ومنه اشتقاقه للتقدير والحل كذلك وغيره من المعاني (١). فلما كان الفرض محتملاً لهذه المعاني كان المختار منها هو ما يحدده السياق، وهو الحل والإباحة والتقدير دون الوجوب لقوله تعالى في أول الآية: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب:٣٨]، ويدل على ذلك تعدية فعل: [فرض] [باللام] الذي يفيد هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف [على] كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] (٢). وهنا سؤال: ما سبب اختيار لفظ الفرض دون غيره؟. والجواب: أنه في مقابل تحريم النبي ﷺ على نفسه فعل هذا الأمر، فجاء بصيغة الفرض، لأنه متضمن لحل ذلك له والأمر به. والله أعلم. قال الراغب: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص:٨٥] أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما أَلزَم الحاكمُ من النفقة: فرض، وكل موضع ورد: فَرَضَ الله عليه ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، وما ورد من: فرض الله له، فهو في أن لا يحْظُرَه على نفسه نحو: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب:٣٨]) (٣). وقد جمع ابن كثير في تفسير الآية ما ذكرته آنفاً فقال: (أي: فيما أحل الله له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دعيه زيد بن حارثة) (٤). والله أعلم.

стр. 410

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب:٥٧]. ١١٦/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾، المراد: أنبياء الله وأولياء الله، وهذا لغة العرب ودأبهم في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ) (١). الدراسة: ذكر العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٧] قولين: القول الأول: أن المراد: يؤذون أولياء الله، فهو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو ما قاله ابن عقيل، واختاره الجصاص (٢)، وذكره النحاس (٣)، والسمعاني (٤)، والبغوي (٥) وغيرهم (٦). قال الجصاص: (قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ المراد: يؤذون أولياء الله) (٧). القول الثاني: أن المراد يؤذون الله بالكفر وغيره من المحرمات، وهذا هو قول الجمهور (٨). قال الطبري: (يعني بقوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ إن الذين يؤذون ربهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرم عليهم) (٩). وقال ابن عطية: (قال الجمهور معناه: بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا يليق به) (١٠).

стр. 411

والذي يظهر لي إمكان الجمع بين القولين، بأن يكون المعنى: أن إيذاء الله يكون بانتقاصه أو مخالفة أمره أو ارتكاب نهيه، ومن هذا الإيذاء إيذاء أوليائه، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب " (١). فيكون من قال بالقول الأول فسر الآية بالمثال، ولكن لا ريب أن التفسير بالعموم أقوى وأولى وأسلم؛ لأن هذا هو ظاهر الآية وتخصيصه بأحد المعاني يحتاج إلى دليل، والأدلة تؤيد القول بالعموم: فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " (٢). وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : " قال الله: كذَّبني بن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي: فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي: فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً " (٣). ففي هذا الحديث تفسير للشتم والتكذيب بأنه: نسبة النقص إلى الله تعالى الله عن ذلك.

стр. 412

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم " (١). قال ابن كثير: (يقول تعالى متهدداً ومتوعداً من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك، وأذَى رسوِله بعيب أو نقص، عياذاً بالله من ذلك ... ) إلى أن قال: (والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله) (٢). وقال السعدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]، وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقص له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى) (٣). والله منزه عن وصول إيذاء أحد له ، وليس أذاه من جنس أذى المخلوقين، ولذا قال البغوي: (ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكَرَه على ما يتعارفه الناس بينهم، والله منزه عن أن يلحقه أذىً من أحد) (٤).

стр. 413

وقال ابن جزي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]: إذاية الله هي بالإشراك به، ونسبة الصاحبة والولد له، وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى؛ لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء، وقيل: إنها على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله، والأول أرجح؛ لأنه ورد في الحديث: " يقول الله تعالى: يشتمني ابن آدم وليس له أن يشتمني، ويكذبني وليس له أن يكذبني، أما شتمه إياي: فقوله إن لي صاحبة وولداً، وأما تكذيبه إياي: فقوله لا يعيدني كما بدأني " (١)) (٢). وقال ابن القيم: (وليس أذاه سبحانه من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أن سخطه وغضبه وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين) (٣). والله أعلم. سورة يس قال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠]. ١١٧/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس:٣٠] راجع إلى حسرتهم على أنفسهم يصدقه قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] اهـ) (٤).

стр. 414

الدراسة: أبان ابن عقيل أن الحسرة إنما هي من العباد واستدل على هذا المعنى بآية الزمر، وهو ما عليه عامة العلماء، قال الطبري: (القول في تأويل قوله : ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس:٣٠] يقول تعالى ذكره: يا حسرة من العباد على أنفسها، وتندماً وتلهفاً في استهزائهم برسل الله، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ من الله، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وذُكِر أن ذلك في بعض القراءة: (يا حسرة العباد على أنفسها) (١). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٢). وقال السمرقندي: (قوله : ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠]، يعني: يا ندامة على العباد في الآخرة، يعني: يقولون يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء ﵈ (٣). وقال البغوي: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠] قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على أنفسهم والحسرة: شدة الندامة، وفيه قولان: أحدهما / يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل، والآخر / أنه من قول الهالكين، قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا يا حسرة) (٤). ويؤيد هذا قوله جل وعلا: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦].

стр. 415

- فإن قيل: ما الفائدة من نداء الحسرة وهي لا تعقل؟ أجاب على ذلك الزجاج بقوله: (﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠] وقرئت: (يا حسرةَ العبادِ) (١) بغير على، ولكني لا أحب القراءة بشيء خالف المصحف البتة، وهذه من أصعب مسألة في القرآن، إذا قال القائل ما الفائدة في مناداة الحسرةِ، والحسرةُ مما لا يجيب؟ فالفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة ما يعقل (٢)؛ لأن النداء باب تنبيه، إذا قلت: يا زيد، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه لغير النداء فلا معنى للكلام، إنما تقول: يا زيد؛ فتنبهه بالنداء، ثم تقول: فعلت كذا وافعل كذا، وما أحببت مما له فيه فائدة، ألا ترى أنك تقول لمن هو مقبل عليك: يا زيد ما أحسن ما صنعت، ولو قلت له: ما أحسن ما صنعت، كنت قد بلغت في الفائدة ما أفهمت به، غير أن قولك: يا زيد، أوكد في الكلام، وأبلغ في الإفهام) (٣). وقال السمعاني: (والجواب عنه: أن معنى قول القائل: يا حسرة، مثل قوله: يا عجباً، وكذلك قوله: يا حسرتاه، مثل قوله: يا عجباه، والعرب تقول هذا على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، فيستقيم فيمن يعقل وفيمن لا يعقل) (٤). والله أعلم.

стр. 416

سورة الصافات قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات:١٠٢]. ١١٨/ ١ - قال ابن رجب: (قال ابن عقيل: قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية والطب والأدعية، ولله تعالى فيّ اختيار، فدعني مع اختياره، قال: فوالله ما أنطق الله ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] إلا وقد اختاره الله تعالى للحظوة اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألة الذبيح من ابني إبراهيم: وقد اختلف العلماء في أي الابنين أُمر إبراهيم بذبحه على قولين: القول الأول: أن الذبيح إسحاق، وهو قول لابن عباس، وابن مسعود، وكعب الأحبار (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، وهو اختيار الطبري (٤)، والقرطبي (٥)، وهو الظاهر من كلام ابن عقيل. واحتجوا بما يلي: ١ - أن البشارة المعروفة لإبراهيم في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات:١٠١] إنما كانت بإسحاق لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود:٧١] والمبشر به هو الذبيح (٦).

стр. 417

٢ - قال الطبري: حدثنا أبو كريب قال: ثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس ابن عبدالمطلب عن النبي ﷺ في حديث ذكره، قال:" هو إسحاق " (١). القول الثاني: أن الذبيح إسماعيل وهو قول لابن عباس أيضاً، وابن عمر، ومجاهد، والحسن (٢)، وهو ترجيح أحمد بن حنبل (٣)، وابن القيم (٤). واحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود:٧١] قالوا: لما بشر بإسحاق بشر بيعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه؟ (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات:١١٢] قالوا: إن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة الذبيح فدل على أنه غيره (٦).

стр. 418

٣ - قول النبي ﷺ : " أنا ابن الذبيحين " (١)، يعنى: أباه عبدالله وإسماعيل. والقول بأن الذبيح إسماعيل هو الراجح لأمور منها: ١ - قوة ما احتج به من قال إن الذبيح إسماعيل. ٢ - إمكان الإجابة على ما احتج به قال إن الذبيح إسحاق. فقولهم: إن المبشر به هو إسحاق والمبشر به هو المأمور بذبحه، غير مسلم؛ لأن من تأمل الآيات تبين له أن إبراهيم بُشر مرتين، فليس المبشر به إسحاق فحسب، فقد بُشر إبراهيم بإسماعيل مرة، وبشر بإسحاق أخرى، وسياق الآيات يؤيد أن المبشر به المأمور بذبحه هو إسماعيل؛ لأنه بشره بالغلام الحليم ثم جاءت قصة ذبحه ثم عطف عليها البشارة بإسحاق، فدل على أن البشارة الأولى غير الثانية، لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه فبشرناه بإسحاق ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات:١١٢]، فهو تكرار لا فائدة فيه، ينزه عنه كلام الله، والتأسيس أولى من التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ومعلوم في اللغة العربية أن العطف يقتضي المغايرة، ففي هذا دلالة واضحة أن الذبيح هو إسماعيل (٢).

стр. 419

وما أحسن توجيه ابن القيم حيث يقول: (سأل إبراهيم ربه الولد فأجاب الله دعاءه وبشره، فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠١] فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولداً، وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعاً بنص القرآن، وأما إسحاق فإنما بشر به من غير دعوة منه، بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [هود:٦٩ - ٧٣] فتأمل سياق هذه البشارة وتلك، تجدهما بشارتين متفاوتتين، مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى، والبشارة الأولى: كانت له، والثانية: كانت لها، والبشارة الأولى: هي التي أمر بذبح من بُشر فيها دون الثانية) (١). وأما ما روي عن النبي ﷺ : أنه إسحاق، فلم يثبت ولو ثبت لأخذنا به.

стр. 420

قال ابن كثير: (وقد ورد في ذلك - أنه إسحاق - حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين، ولكن لم يصح سنده .. ففي إسناده ضعيفان وهما: الحسن بن دينار البصري متروك (١)، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث (٢)) (٣). وقد بين ابن القيم أن لفظة إسحاق تحريف من اليهود حيث قال: (إسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة، وهي باطلة قطعاً من عشرة أوجه ... ) (٤). قال محمد بن كعب القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز يهودياً أسلم فحسن إسلامه وكان يرى أنه من علماء يهود: أيُّ ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه، لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق؛ لأن إسحاق أبوهم فالله أعلم أيهما كان؟ كلٌّ قد كان طاهراً طيباً مطيعاً لربه (٥). قال ابن كثير: (وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحُكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نُقل عن الصحابة أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تُلُقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأُخِذ ذلك مسلماً من غير حجة .. ) (٦). وقال أيضاً: (والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى) (٧).

стр. 421

٣ - ومن المرجحات أيضاً: أن إسماعيل أول ولد بُشر به إبراهيم وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب؛ فالجمع بين كونه مأموراً بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين (١). ٤ - أن الله حكى عن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات:١٠٠] وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، والإجماع أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل (٢). ٥ - أن قصة الذبح كانت بمكة قطعاً ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيراً للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده (٣)، والذي بمكة إسماعيل وليس إسحاق. ٦ - أن إبراهيم ﵊ إنما رزق إسحاق ﵇ على الكبر، وإسماعيل ﵇ رزقه في عنفوانه وقوته، والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أمْيَل وله أحب، بخلاف من يرزقه على الكبر والأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار (٤). ٧ - ومما يستأنس به في ترجيح أن الذبيح هو إسماعيل: أن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم (٥).

стр. 422

قال الكرماني (١): (والأظهر أن الحليم إسماعيل، والعليم إسحاق) (٢). ٨ - أن الله وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [الأنبياء:٨٥]، وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم:٥٤]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر فوفى به (٣). وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (وهو الصحيح المقطوع به) (٤). وقال الشنقيطي: (والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل، وقد دلت على ذلك آيتان (٥) من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها .. ) (٦). وقال أيضاً: (فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك والعلم عند الله تعالى) (٧). سورة ص قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص:٢١]. ١١٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (فيقال: واحدٌ خصم، واثنان خصم، وثلاثة خصم اهـ) (٨).

стр. 423

الدراسة: وضح ابن عقيل أن لفظ الخصم قد يطلق ويراد به الواحد، أو الاثنين، أو الثلاثة، وهذا هو ما عليه عامة العلماء. قال الزجاج: (قال تعالى: ﴿الْخَصْمِ﴾ ولفظه لفظ الواحد، و ﴿تَسَوَّرُوا﴾ لفظ الجماعة؛ لأن قولك: خصم يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى، يُقال: هذا خصم وهي خصم وهما خصم وهم خصم، وإنما صلح لجميع ذلك؛ لأنه مصدر، تقول: خصمته أخصِمُه خَصماً، المعنى: هما ذوا خصم، وهم ذوو خصم) (١). وقال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وهل أتاك يا محمد خبر الخصم، وقيل: عُنِي بالخصم في هذا الموضع ملكان، وخرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر، مثل الزَّوْر والسَّفْر (٢)، لا يثنى ولا يُجمع) (٣). وقال السمعاني: (والخصم: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، وقيل: معناه ذو خصم، وذوا خصم، وذوو خصم، فعلى هذا يتناول الكل) (٤). وتتابع العلماء على هذا التفسير (٥). قال ابن منظور: (يكون الخصم للاثنين والجمع والمؤنث وفي التنزل العزيز: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص:٢١] جعله جمعاً لأنه سمي بالمصدر) (٦).

стр. 424

وعليه فلا ترجيح بهذا اللفظ بين من فسر الخصم باثنين ومن فسره بأكثر، لدلالته عليهما، وهذا من سعة العربية (١). قال الزمخشري: (والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع، كالضيف، قال الله تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات:٢٤]؛ لأنه مصدر في أصله، تقول: خَصَمَهُ خَصْماً، كما تقول: ضافه ضيفاً) (٢). فإذا أردنا الترجيح في عدد الخصم فلا بد من البحث عن مرجح آخر، وأكثر العلماء على أنهما ملكان اثنان. قال النحاس: (ولا اختلاف بين أهل التفسير أنه يراد به ههنا: ملكان) (٣). وقال ابن الجوزي: (كانا ملكين، وقيل: هما جبريل وميكائيل أتياه لينبهاه على التوبة) (٤). وقال ابن جزي: (واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، وروي: أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها) (٥). وبهذا يترجح أنهما اثنان واستخدام الجمع بعدها يجاب عنه من عدة جهات: ١ - أنه نُقل الاتفاق على أن المراد مَلَكان، فيصرف معنى الجمع إلى الاثنين. ٢ - وبالنظر إلى المعنى، فإن الجمع ضم شيء إلى شيء، وهو حاصل في الاثنين (٦). ٣ - وبالنظر إلى اللفظ، فإنه جيء بالجمع لأن الاثنان سميا بالمصدر (٧). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص:٢٧].

стр. 425

وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون:١١٥]. ١٢٠/ ٢ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾، وقال: ﴿عَبَثًا﴾، والعبث والباطل: ما خلا عن فائدة للفاعل أو لغيره اهـ) (١). الدراسة: هنا فسر ابن عقيل العبث والباطل بما خلا عن الفائدة للفاعل أو لغيره، وهو كما قال. قال النحاس: (أي: لما قالوا إنه لا حساب ولا جنة و لا نار، قيل لهم هذا) (٢). ويؤيد هذا سياق الآية بعدها حيث قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [ص:٢٧]، فجاءت بأسلوب التقريع لظن الكفار أن خلق السماوات والأرض بلا فائدة. قال الراغب: (ويقال لما ليس له غرض صحيح عبث، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]) (٣). وقال الزمخشري: (باطلاً: خلقاً باطلاً لا لغرض صحيح وحكمة بالغة، أو مبطلين عابثين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]) (٤). وقال القرطبي: (أي: هزلاً ولعباً، أي: ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا) (٥). وقال السعدي: (يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلاً أي: عبثاً ولعباً من غير فائدة، ولا مصلحة) (٦).
следующие страницы →