Полный текст (1 160 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الْجُمْلَة لَا كل وَاحِد وَاحِد من أَحَادِيثه على كل وَاحِد من أَحَادِيث الآخر وَمَعَ ذَلِك فَلَا يَسْتَقِيم من المُصَنّف إِطْلَاق تَرْجِيح مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ على مُسلم
٦٦ - (قَوْله) الرَّابِع صَحِيح على شَرطهمَا
هَذَا يتَوَقَّف على معرفَة المُرَاد بشرطهما وَقد اخْتلف فِي ذَلِك قَالَ الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين إِذا قَالُوا على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن ذَلِك مخرج على نَظِير رجال الصَّحِيحَيْنِ واصطلاح الْمُتَأَخِّرين إِذا كَانَ (أ ٣٥) على رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبِهَذَا جزم النَّوَوِيّ وَغَيره فَقَالَ المُرَاد بشرطهما أَن يكون رجال إِسْنَاده فِي كِتَابَيْهِمَا على مَا ذكرنَا
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمدْخل لما كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ إِيدَاع الصَّحِيح فِي كِتَابه صَار من يروي عَنهُ رِوَايَة موثوقا بِهِ فَجَائِز لمن حذا حذوه أَن يحْتَج بِهِ بِعَيْنِه وَإِن كَانَ فِي غير ذَلِك الْخَبَر فَإِذا روى مَالك وَاللَّيْث بن سعد وَعقيل وَيُونُس
стр. 247
وَشُعَيْب وَمعمر وَابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ فقد صَار هَؤُلَاءِ بأجمعهم من شَرطه فِي الزُّهْرِيّ حَيْثُ وجدوا إِذا صحت الرِّوَايَة عَنْهُم فَأَيهمْ جِيءَ بَدَلا عَن الاخر كَانَ شَرط البُخَارِيّ فِيهِ مَوْجُودا ورأيته قصد فِي أَكثر حَدِيث ابْن عُيَيْنَة إِلَى الرِّوَايَة عَن الْحميدِي وَعلي بن الْمَدِينِيّ لذكرهما عِنْد الْخَبَر فِي أَكثر مَا روياه عَنهُ ثمَّ قد روى عَن غَيرهمَا مَا لَا يذكر فِيهِ الْخَبَر فَصَارَ ذكر تِلْكَ الرِّوَايَات الَّتِي أَتَى بهَا عَن ابْن عُيَيْنَة من روايتهما مُتَّصِلَة وَإِن لم يذكر وَصلهَا من يرويهِ هَذَا الْإِسْنَاد عَنهُ اسْتِدْلَالا بروايته ذَلِك الْخَبَر مُتَّصِلا
وَأما الْحَاكِم فَقَالَ فِي الإكليل شَرطهمَا أَلا يذكرَا إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور لَهُ راويان ثقتان [فَأكْثر] ثمَّ يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن
стр. 248
الصَّحَابَة لَهُ [أَيْضا] راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من أَتبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور (على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك) قَالَ وَالْأَحَادِيث المروية بِهَذَا الشَّرْط لَا يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف وَوَافَقَهُ صَاحبه الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ فِي السّنَن فِي عُقُوبَة كاتم مَاله عَن الزَّكَاة لم يخرج الشَّيْخَانِ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده جَريا على عَادَتهمَا فِي أَن الصَّحَابِيّ اَوْ التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد لم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح وَمُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي لم يثبت عَنْهُمَا رِوَايَة ثِقَة عَنهُ غير ابْنه فَلم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح انْتهى
стр. 249
وَقَالَ فِي رسَالَته للجويني رَأَيْت الشَّيْخ حكى عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه اشْترط فِي قبُول الْأَخْبَار رِوَايَة عَدْلَيْنِ حَتَّى يصل بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِي عندنَا من مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَنَّهُمَا إِنَّمَا يشترطان أَن يكون للصحابي الَّذِي روى الحَدِيث راويان فَأكْثر ليخرج بذلك عَن حد الْجَهَالَة وَهَكَذَا من دونه إِن انْفَرد أحد الراويين عَنهُ بِحَدِيث وَانْفَرَدَ الآخر بِحَدِيث آخر قبلاه وَإِنَّمَا يتوقفان فِي رِوَايَة صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ لَا يكون لَهُ إِلَّا راو وَاحِد كصفوان بن عَسَّال لم يرو عَنهُ ثِقَة إِلَّا زر بن حُبَيْش وَعُرْوَة بن مُضرس لم يرو عَنهُ غير الشّعبِيّ
стр. 250
وعَلى هَذَا انْتهى
قد رد على الْحَاكِم الْأَئِمَّة فِي ذَلِك قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي الْإِلْمَام هَذِه الدَّعْوَى لم تثبت وَقد أبطل ذَلِك الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْمصْرِيّ فِي الْكتاب الَّذِي بَين فِيهِ أَوْهَام الْمدْخل للْحَاكِم
قلت وَكَذَلِكَ رد على الْحَاكِم الْحَازِمِي وَابْن طَاهِر وَابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ هَذَا غير صَحِيح وَلم يصب الْحَاكِم فِي هَذَا الظَّن
стр. 251
وَقَالَ الْحَازِمِي هَذَا قَول من لم يمعن الغوص فِي خبايا الصَّحِيح وَلَو عكس الْقَضِيَّة كَانَ أسلم قَالَ وَقد صرح بِنَحْوِ مَا قلت من هُوَ أمكن مِنْهُ فِي الحَدِيث هُوَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ قَالَ وَأما الْأَخْبَار فَإِنَّهَا كلهَا أَخْبَار آحَاد لِأَنَّهُ لَيْسَ يُوجد عَن النَّبِي ﷺ خبر من رِوَايَة عَدْلَيْنِ روى كل وَاحِد مِنْهُمَا [عَن] عَدْلَيْنِ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رول الله ﷺ فَلَمَّا اسْتَحَالَ هَذَا وَبَطل ثَبت أَن الْأَخْبَار كلهَا أَخْبَار آحَاد فَمن رد خبر الْوَاحِد فقد رد السّنة كلهَا
قَالَ الْحَازِمِي (أ ٣٦) وَمن سبر مطالع الْأَخْبَار عرف صَوَاب مَا ذكره ابْن حبَان
وَأما قَوْله إِن الْمَوْجُود على هَذَا الشَّرْط قريب من عشرَة آلَاف فَهَذَا ظن مِنْهُ بِأَنَّهُمَا لم يخرجَا إِلَّا على مَا رسم بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن أقْصَى مَا يُمكن اعْتِبَاره فِي الصِّحَّة هُوَ شَرط البُخَارِيّ وَلَا يُوجد فِي كِتَابه من النَّحْو الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِلَّا الْقدر الْيَسِير
وَأما قَوْله إِن شَرطهمَا إِخْرَاج الحَدِيث عَن عَدْلَيْنِ وهلم جرا فَلَيْسَ كَذَلِك فَفِي الْكِتَابَيْنِ أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لَيْسَ لَهُم غير راو وَاحِد كمرداس بن مَالك الْأَسْلَمِيّ فِي حَدِيث يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَلَيْسَ
стр. 252
لمرداس فِي كتاب البُخَارِيّ غَيره قلت وَوهم الْحَاكِم فِي قَوْله إِن مرداسا لم يخرج لَهُ الشَّيْخَانِ شَيْئا
وَمِنْهُم حزن بن أبي وهب المَخْزُومِي خرج لَهُ البُخَارِيّ حديثين وَقد انْفَرد بهما عَنهُ [ابْنه] الْمسيب وَعَن الْمسيب ابْنه سعيد
[وَمِنْهُم رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فِي مُسلم وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله بن الصَّامِت
وَحَدِيث أبي رِفَاعَة الْعَدوي لم يرو عَنهُ غير حميد بن هِلَال وَحَدِيث الْأَغَر الْمُزنِيّ وَلم يرو عَنهُ غير أبي بردة] قَالَ وَمن مفاريد الْكِتَابَيْنِ حَدِيث
стр. 253
إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَرد من غرائب الصَّحِيح إِذْ لم يروه عَن عمر سوى عَلْقَمَة انْتهى مُلَخصا
قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر فِي كتاب اليواقيت هَذَا الشَّرْط لم يشترطاه (د ٢٥) وَلَا نقل عَن وَاحِد مِنْهُمَا أَنه قَالَه وَالْحَاكِم ظن ذَلِك ولعمري إِنَّه شَرط حسن لَو كَانَ مَوْجُودا فِي كِتَابَيْهِمَا لكنه منتقض بِأَحَادِيث روياها عَن أَقوام لَيْسَ لَهُم غير راو وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم فَبَطل هَذَا الأَصْل
وَقد صرح الإِمَام المتقن أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَنْدَه بِأَن شَرطهمَا خلاف مَا قَالَه الْحَاكِم فَقَالَ وَمن حكم الصَّحَابِيّ إِذا روى عَنهُ تَابِعِيّ وَإِن كَانَ مَشْهُورا مثل الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب ينْسب إِلَى الْجَهَالَة فَإِذا روى عَنهُ رجلَانِ صَار مَشْهُورا وَاحْتج بِهِ وعَلى هَذَا بنى البُخَارِيّ وَمُسلم كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا أحرفا تبين أمرهَا [انْتهى]
стр. 254
واعتنى ابْن الْأَثِير بالحاكم فَقَالَ مَا حكم على الْكِتَابَيْنِ بِهَذَا الحكم إِلَّا بعد الاختبار وَغَايَة مَا قيل عَلَيْهِ إِن فِي الْكِتَابَيْنِ أَحَادِيث على غير هَذَا الشَّرْط وَهَذَا ناف وَالْحَاكِم مُثبت على أَنه يُمكن تَأْوِيله بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الحَدِيث قد رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية راويان وَرَوَاهُ عَن ذَيْنك الراويين أَرْبَعَة عَن كل راو راويان [وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَن كل وَاحِد من الْأَرْبَعَة راويان] وَكَذَلِكَ إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم
الثَّانِي أَن يكون للصحابي راويان يروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا ثمَّ يكون لهَذَا الرَّاوِي راويان ويروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا وَكَذَلِكَ لكل وَاحِد مِمَّن روى ذَلِك الحَدِيث [راويان] وَيكون الْغَرَض من هَذَا الشَّرْط تَزْكِيَة الروَاة واشتهار ذَلِك الحَدِيث لصدوره عَن (قوم مشهورين بالرواية) انْتهى
وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين مُرَاد الْحَاكِم بقوله وَله راويان ثقتان أَي للراوي
стр. 255
راويان لَا للْحَدِيث الْمَذْكُور لأَنا وجدنَا أَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يَرْوِيهَا إِلَّا راو وَاحِد فِي مَرَّات مُتعَدِّدَة كَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِن كَانَ أَرَادَ أَن كل حَدِيث يرويهِ الرَّاوِي يكون لَهُ راويان فالاعتراض عَلَيْهِ مُتَوَجّه وَإِن كَانَ أَرَادَ أَن رَاوِي كل حَدِيث مَشْرُوط بِأَن يكون لَهُ راويان سَوَاء كَانَ فِي هَذَا الحَدِيث أَو غَيره فالاعتراض غير وَارِد
وَأغْرب مِمَّا قَالَه الْحَاكِم قَول أبي حَفْص الميانشي إِن شَرطهمَا فِي صَحِيحَيْهِمَا أَلا يدخلا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدهمَا وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ اثْنَان فَصَاعِدا وَمَا نَقله عَن كل وَاحِد من الصَّحَابَة (أ ٣٧) أَرْبَعَة من التَّابِعين فَأكْثر
وَقَالَ ابْن طَاهِر إِن الْأَئِمَّة الْخَمْسَة البُخَارِيّ وَمُسلمًا وَأَبا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ لم ينْقل عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه قَالَ شرطت فِي كتابي أَن أخرج على كَذَا لَكِن لما سبرت كتبهمْ علم بذلك كل وَاحِد مِنْهُم فَشرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة نقلته إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور فَأن كَانَ للصحابي راويان فَصَاعِدا فَحسن وَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد وَصَحَّ ذَلِك الطَّرِيق إِلَى ذَلِك الرَّاوِي أَخْرجَاهُ إِلَّا أَن مُسلما أخرج حَدِيث قوم وَترك البُخَارِيّ حَدِيثهمْ لشُبْهَة وَقعت فِي نَفسه كحماد بن سَلمَة وَسُهيْل بن أبي صَالح وَدَاوُد بن
стр. 256
أبي هِنْد وَأبي الزبير والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم
وَالْبُخَارِيّ لما تكلم فِي هَؤُلَاءِ بِمَا لَا يزِيل الْعَدَالَة والثقة ترك إِخْرَاج حَدِيثهمْ اسْتغْنَاء بغيرهم فتكلموا فِي سُهَيْل من سَمَاعه من أَبِيه فَقيل صحيفَة وَتَكَلَّمُوا فِي حَمَّاد بِأَنَّهُ أَدخل فِي حَدِيثه مَا لَيْسَ مِنْهُ
وَعند مُسلم مَا صَحَّ هَذَا النّظر فَأخْرج أَحَادِيثهم لإِزَالَة الشُّبْهَة عِنْده انْتهى
وَقَالَ الْحَازِمِي مَذْهَب من يخرج الصَّحِيح أَن يعْتَبر حَال الرَّاوِي الْعدْل فِي مشايخه وفيمن روى عَنْهُم وهم ثِقَات أَيْضا وَحَدِيثه عَن بَعضهم صَحِيح ثَابت يلْزمهُم أخراجه وَعَن بَعضهم مَدْخُول لَا يصلح إِخْرَاجه إِلَّا فِي الشواهد والمتابعات وَهَذَا بَاب فِيهِ غموض وَطَرِيقه معرفَة طَبَقَات الروَاة عَن رَاوِي
стр. 257
الأَصْل ومراتب مداركهم ولنوضح ذَلِك بمثال وَهُوَ أَن تعلم مثلا أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على خمس طَبَقَات مُتَفَاوِتَة فَالْأولى فِي غَايَة الصِّحَّة نَحْو مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَعبيد الله بن عمر وَيُونُس وَعقيل وَنَحْوهم وَهِي مقصد البُخَارِيّ
الثَّانِيَة شاركت الأولى فِي الْعَدَالَة غير أَن الأولى جمعت بَين الْحِفْظ والإتقان وَبَين طول الْمُلَازمَة لِلزهْرِيِّ حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يزامله فِي السّفر ويلازمه فِي الْحَضَر وَالثَّانيَِة لم تلْزم الزُّهْرِيّ إِلَّا مُدَّة يسيرَة وَلم تمارس حَدِيثه وَكَانُوا فِي الإتقان دون الطَّبَقَة الأولى [وهم] شَرط مُسلم نَحْو الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد والنعمان بن رَاشد وَعبد الرَّحْمَن بن مُسَافر وَنَحْوهم
وَالثَّالِثَة جمَاعَة لزموا الزُّهْرِيّ كالطبقة الأولى غير أَنهم لم يسلمُوا من غوائل الْجرْح فهم بَين الرَّد وَالْقَبُول وَهُوَ شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ نَحْو سُفْيَان بن حُسَيْن وجعفر بن برْقَان وَعبد الله بن عمر الْعمريّ وَزَمعَة بن صَالح
стр. 258
الْمَكِّيّ وَغَيرهم
وَالرَّابِع قوم شاركوا أهل الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لأَنهم لم يصاحبوا الزُّهْرِيّ كثيرا وهم شَرط التِّرْمِذِيّ وَقَالَ وَفِي الْحَقِيقَة شَرط التِّرْمِذِيّ أبلغ من شَرط أبي دَاوُد لِأَن الحَدِيث إِذا كَانَ ضَعِيفا أَو مطلعه فِي حَدِيث أهل الطَّبَقَة الرَّابِعَة فَإِنَّهُ يبين ضعفه وينبه عَلَيْهِ فَيصير الحَدِيث عِنْده من بَاب الشواهد والمتابعات وَيكون اعْتِمَاده على مَا صَحَّ عِنْد الْجَمَاعَة وَمن هَذِه الطَّبَقَة إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ وَمُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة الْمدنِي وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد الْمَكِّيّ والمثنى بن الصَّباح
стр. 259
وَنَحْوهم
الْخَامِسَة قوم من الضُّعَفَاء والمجهولين لَا يجوز لمن يخرج الحَدِيث على الْأَبْوَاب أَن يخرج لَهُم إِلَّا على سَبِيل الِاعْتِبَار والاستشهاد عِنْد أبي دَاوُد فَمن دونه فَأَما عِنْد الشَّيْخَيْنِ فَلَا كبحر بن كنيز السقاء وَالْحكم بن عبد الله الْأَيْلِي وَعبد القدوس بن حبيب وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب وَغَيرهم
وَقد يخرج البُخَارِيّ أَحْيَانًا عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَمُسلم عَن أَعْلَام الطَّبَقَة
стр. 260
الثَّالِثَة وَأَبُو دَاوُد عَن مشاهير الرَّابِعَة وَذَلِكَ لأسباب تَقْتَضِيه وَبِهَذَا (أ ٣٨) يعْتَذر لمُسلم فِي إِخْرَاج حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ لم يخرج رواياته إِلَّا عَن الْمَشْهُورين كثابت الْبنانِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَذَلِكَ لِكَثْرَة ملازمته ثَابتا وَطول صحبته إِيَّاه بِخِلَاف أَحَادِيث حَمَّاد عَن آحَاد الْبَصرِيين فَإِن مُسلما لم يُخرجهَا لِكَثْرَة غرائبها ولقلة ممارسته لحديثهم وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يسبر حَال الشَّخْص فِي الرِّوَايَة بعد ثُبُوت عَدَالَته فمهما حصل الْفَهم بِحَالَة (د ٢٦) الرَّاوِي على النَّحْو الْمَذْكُور وَكَانَ الرَّاوِي محتويا على الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة تعين إِخْرَاج حَدِيثه مُنْفَردا بِهِ كَانَ أَو مشاركا وَلَا يُقَال يلْزم البُخَارِيّ ان يخرج عَن أَعْلَام الطَّبَقَة الثَّانِيَة لوُجُود الصِّحَّة لأَنا نقُول هُوَ لم يلْتَزم إِخْرَاج كل صَحِيح كَمَا مر بَيَانه
وَأعلم أَن مُسلما ذكر فِي أول صَحِيحه أَنه يقسم الحَدِيث ثَلَاثَة أَقسَام وَاخْتلف الْحفاظ هَل ذكرهَا أَو ذكر الأول فَقَط واخترمته الْمنية قبل الثَّانِي فَقَالَ القَاضِي عِيَاض بِالْأولِ
стр. 261
وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ بِالثَّانِي
стр. 262
٦٧ - (قَوْله) السَّابِع صَحِيح عِنْد غَيرهمَا وَلَيْسَ على شَرط أَحدهمَا
جعل غَيره السَّابِع مَا حكم بِصِحَّتِهِ أهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَمن المهم معرفَة شرطهم وَقد سبق من كَلَام الْحَازِمِي شَيْء مِنْهُ وَقَالَ ابْن طَاهِر أما أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فَإِن كتابهما يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام
الأول الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحكمه مَا ذكرنَا
وَالثَّانِي الصَّحِيح على شَرطهمَا قَالَ ابْن مَنْدَه شَرطهمَا إِخْرَاج أَحَادِيث أَقوام لم يجمع على تَركهم إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الْإِسْنَاد من غير قطع وَلَا إرْسَال فَيكون هَذَا الْقسم من الصَّحِيح لما بَينا أَن الشَّيْخَيْنِ تركا كثيرا من
стр. 263
الصَّحِيح الَّذِي حفظاه
الثَّالِث أَحَادِيث أَخْرَجَاهَا من غير قطع مِنْهُمَا بِصِحَّتِهَا وَقد أَبَانَا بِمَا يفهمهُ أهل الْمعرفَة فأورداها وَبينا سقمها لتزول الشُّبْهَة
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ فِي كِتَابه الممهد وَإِذا الْتفت إِلَى (غير مَا يُخرجهُ) أهل الصَّحِيح فَمَا خرجه النَّسَائِيّ أقرب بِالصَّحِيحِ مِمَّا خرجه غَيره بل من النَّاس من يعده من أهل الصَّحِيح لِأَنَّهُ يبين علل الْأَسَانِيد فَإِنَّهُ أدخلها فِي كِتَابه وَقد حَدثنَا عَنهُ أَنه قَالَ لم أخرج فِي كتاب السّنَن
стр. 264
[عَن] من يتَّفق على تَركه فَإِن خرج مِنْهُم وَاحِد بَينته وَهَذِه رُتْبَة فِي الْعلم شريفة
قَالَ ابْن طَاهِر وَأما التِّرْمِذِيّ فقسم كِتَابه على أَرْبَعَة أَقسَام صَحِيح مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ مَا أوردهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (وَقسم على شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كَمَا بَينا فِي الْقسم الثَّانِي لَهما)
وَقسم آخر كالثالث لَهما أخرجه وَأَبَان عَنهُ ورابع أبان [هُوَ] [عَنهُ] وَقَالَ مَا أخرجت فِي كتابي إِلَّا حَدِيثا قد عمل بِهِ بعض الْفُقَهَاء [مَا خلا حديثين] فعلى الأَصْل كل حَدِيث احْتج بِهِ مُحْتَج أَو عمل بِهِ عَامل أخرجه سَوَاء صَحَّ طَرِيقه أم لم يَصح وَقد أزاح عَن نَفسه بِأَنَّهُ تكلم على كل حَدِيث بِمَا فِيهِ وَكَانَ من طَرِيقه أَن يترجم الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث مَشْهُور عَن صَحَابِيّ [فِي حكم] قد صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِ وَأخرج حَدِيثه فِي الْكتب الصِّحَاح ويورد فِي
стр. 265
الْبَاب ذَلِك الحكم عَن صَحَابِيّ آخر لم يخرجوه من حَدِيثه [وَلَا يكون الطَّرِيق إِلَيْهِ] كالطريق إِلَى الأول إِلَّا أَن الحكم صَحِيح ثمَّ يتبعهُ بِأَن يَقُول وَفِي الْبَاب عَن فلَان ويعد جمَاعَة فيهم الصَّحَابِيّ فالأكثر [الَّذِي أخرج ذَلِك الحكم من حَدِيثه] وَمَا سلك هَذِه الطَّرِيقَة إِلَّا فِي أَبْوَاب مَعْدُودَة
٦٨ - (قَوْله) إِن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهَا لتلقي الْأمة لَهَا بِالْقبُولِ وَالْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة انْتهى
وَقَالَ فِي جُزْء لَهُ مَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاجه فَهُوَ مَقْطُوع بِصدق مخبره ثَابت يَقِينا لتلقي الْأمة ذَلِك بِالْقبُولِ وَذَلِكَ يُفِيد الْعلم النظري [وَهُوَ فِي إِفَادَة الْعلم كالمتواتر إِلَّا أَن الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ وتلقي الْأمة بِالْقبُولِ يُفِيد الْعلم النظري] وَقد اتّفقت الْأمة على أَن مَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على صِحَّته
стр. 266
(أ / ٣٩) فَهُوَ حق وَصدق انْتهى
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن هَذَا الَّذِي قَالَه المُصَنّف قد أنكرهُ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ وَأَبُو مُحَمَّد بن عبد السَّلَام فَقَالَ النَّوَوِيّ خَالف الشَّيْخ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ وَقَالُوا يُفِيد الظَّن مَا لم يتواتر لِأَن أَخْبَار الْآحَاد لَا تفِيد إِلَّا الظَّن وَلَا يلْزم من إِجْمَاع الْأمة على الْعَمَل بِمَا فيهمَا إِجْمَاعهم على أَنه مَقْطُوع بِهِ من كَلَام رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين هُوَ مَبْنِيّ على قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْأمة إِذا عملت
стр. 267
بِحَدِيث اقْتضى ذَلِك الْقطع بِصِحَّتِهِ قَالَ وَهُوَ مَذْهَب رَدِيء
وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين قد تكلم جمَاعَة من الْحفاظ على بعض أحاديثهما فَأَيْنَ التلقي بِالْقبُولِ وَفِيهِمَا المتعارض والقطعي لَا تعَارض فِيهِ
وَنقل عَن ابْن برهَان الأصولي أَنه أنكر القَوْل بِأَن عمل الْأمة بِحَدِيث يَقْتَضِي الْقطع بِهِ وَأَيْضًا فَإنَّا نقطع بِالْفرقِ بَين حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَهُوَ من أشهر الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَبَين غزَاة النَّبِي ﷺ بَدْرًا وأحدا وحنينا والعمليات لَا تَتَفَاوَت حَتَّى يظْهر الْفرق بَين بعض أَخْبَارهَا وَبَعض وَإِذا كَانَت خطْبَة حجَّة الْوَدَاع لم يحصل الْعلم بوقوعها بل هِيَ فِي عداد الْآحَاد مَعَ وُقُوعهَا فِي الْعَالم المجتمعين فِي الْحَج فَمَا الظَّن بِبَقِيَّة الْأَخْبَار الَّتِي لم يسْمعهَا إِلَّا وَاحِد أَو اثْنَان قَالَ وَالْحق أَن أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ تفِيد الظَّن الْقوي واحتجاجه على ذَلِك بتلقي الْأمة بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ عِنْد عدم الْمعَارض يَقْتَضِي الْقطع فَهَذِهِ الْحجَّة لَا تخْتَص بالصحيحين وَقد تلقت الْأمة الْكتب الْخَمْسَة أَو السِّتَّة بِالْقبُولِ وَسَيَأْتِي نقل الْإِجْمَاع فِي ذَلِك
стр. 268
وَأَيْضًا فَقَوله إِن الْأمة تلقت الْكِتَابَيْنِ بِالْقبُولِ إِن أَرَادَ كل الْأمة فَلَا يخفى فَسَاده لِأَن الْكِتَابَيْنِ إِنَّمَا صنفا فِي الْمِائَة الثَّالِثَة بعد عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وأئمة الْمذَاهب المتبعة ورؤوس حفاظ الْأَخْبَار ونقاد الْآثَار وَإِن أَرَادَ بالأمة الَّذين وجدوا بعد الْكِتَابَيْنِ فهم بعض الْأمة لَا كلهم فَلَا يَسْتَقِيم دَلِيله الَّذِي قدره من تلقي الْأمة وَثُبُوت الْعِصْمَة لَهُم والظاهرية إِنَّمَا يعتدون بِإِجْمَاع الصَّحَابَة خَاصَّة وَأَيْضًا فَإِن أَرَادَ أَن كل حَدِيث مِنْهَا تلقوهُ بِالْقبُولِ فَهُوَ غير مُسْتَقِيم فقد تكلم جمَاعَة من الْحفاظ فِي أَحَادِيث مِنْهَا كالدارقطني بل أدعى ابْن حزم أَن فيهمَا حديثين مَوْضُوعَيْنِ وَلَكِن الْحفاظ انتقدوه عَلَيْهِ وَقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاج حَدِيث مُحَمَّد بن بشار بنْدَار وأكثرا من الِاحْتِجَاج بِهِ وَتكلم فِيهِ غير وَاحِد من الْحفاظ وَغير ذَلِك من رجالهما الَّذين تكلم فيهم فَتلك الْأَحَادِيث عِنْد هَؤُلَاءِ لَا يتلقونها بِالْقبُولِ وَإِن أَرَادَ أَن غَالب مَا فيهمَا سَالم من ذَلِك لم تبْق لَهُ حجَّة فَإِنَّهُ إِنَّمَا احْتج بتلقي الْأمة وَهِي معصومة على مَا قَرَّرَهُ وَأَيْضًا فقد حكى فِيمَا سبق عَن أبي عَليّ الْحَافِظ أَن كتاب مُسلم أصح ورد عَلَيْهِ فِيهِ القَوْل فقد أجْرى فيهمَا التَّرْجِيح وَالتَّرْجِيح لَا يكون مَعَ الْقطع بِصِحَّة
стр. 269
الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ (د ٢٧) قَالَه وَأَيْضًا فينقض بِفعل الْعلمَاء فِي سالف الْأَعْصَار من تعرضهم لأحاديث الصَّحِيحَيْنِ وترجيح بَعْضهَا على بعض بِاعْتِبَار من سلم من الْكَلَام على من لم يسلم مِنْهُ وَغير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات فَلَو كَانَ الْجَمِيع مَقْطُوعًا بِهِ لَا نسد بَاب التَّرْجِيح فَهَذَا تعَارض الْإِجْمَاع الَّذِي قَالَه ابْن الصّلاح سلمنَا دَعْوَى الْإِجْمَاع لَكِن يمْتَنع تنَاوله مَحل النزاع لِأَن ابْن الصّلاح بنى صِحَّته على أَن الْأمة إِذا ظنت شَيْئا لزم أَن يكون فِي نفس الْأَمر (أ / ٤٠) فَيكون عِنْده الظَّن الْمجمع عَلَيْهِ فَيصير الْإِجْمَاع مَعْلُوما وَإِلَّا لم يتم لَهُ مقْصده وَنحن نمْنَع ذَلِك ونقول إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا إِذا اجْتمعت على شَيْء أَنه مظنون وظنها مَعْصُوم لِئَلَّا يلْزم خطؤها فِي ظَنّهَا وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم مَا قَالَه
هَذَا حَاصِل مَا ردوا بِهِ
وَاعْلَم أَن هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن الصّلاح هُوَ قَول جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم قد جزم بِهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني فَقَالَ فِي كِتَابه أصُول الْفِقْه الْأَخْبَار الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوع بِصِحَّة أُصُولهَا ومتونها وَلَا يحصل الْخلاف فِيهَا بِحَال وَإِن حصل فِي ذَلِك اخْتِلَاف فِي طرقها أَو رواتها فَمن خَالف حكمه خَبرا مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيل سَائِغ للْخَبَر نقضنا حكمه لِأَن هَذِه الْأَخْبَار تلقتها الْأمة بِالْقبُولِ هَذَا لَفظه
стр. 270
وَجزم بِهِ أَيْضا القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ فِي شرح الْكِفَايَة وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي اللمع وسليم الرَّازِيّ فِي التَّقْرِيب وَحَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الْأُسْتَاذ أبي بكر بن فورك فَقَالَ الْخَبَر الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ يقطع بصدقه وَأَنه أَشَارَ فِي مَوضِع آخر إِلَى تلقيهم قولا لَا عملا لأَنهم متعبدون بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْوَاحِد وَأَن القَاضِي أَبَا بكر
стр. 271
لم يسلم الْقطع وَلَو تلقوهُ بِالْقبُولِ وَنَقله الْغَزالِيّ فِي عَن الْأُصُولِيِّينَ ثمَّ خالفهم وَنَقله الكيا الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بتلويح مدارك الْأَحْكَام عَن الْأَكْثَرين قَالَ لِأَن الْأمة لَا يجوز أَن تنطق عَن التَّصْدِيق بِالْكَذِبِ لِأَن فِي ذَلِك إِجْمَاعًا على الْبَاطِل وَهُوَ منفي عَنْهَا قَالَ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر هَذَا لَا يتَصَوَّر عِنْدِي فَإِن الْخَبَر الْوَاحِد إِذا لم يُوجب الْعلم فَلَا يتَصَوَّر اتِّفَاق الْأمة على انْقِطَاع الِاحْتِمَال حَيْثُ لَا يَنْقَطِع وَالْإِجْمَاع إِنَّمَا يتَصَوَّر فِيمَا يجوزه الْعقل وَهَذَا لَا يجوزه الْعقل قَالَ وَالْحق مَا قَالَه القَاضِي وَمن خَالفه فِي ذَلِك لم يحصل على علم مَا قَالَه
وَقَالَ أَبُو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع خبر الْوَاحِد قد يُوجب الْعلم فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَن يتلقاه الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ لأَجله فَيقطع بصدقه قَالَ وَسَوَاء فِي ذَلِك عمل الْكل أَو الْبَعْض كَخَبَر حمل بن مَالك فِي الْجَنِين وَخبر ابْن
стр. 272
عَوْف فِي الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَخبر أبي هُرَيْرَة فِي تَحْرِيم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ذهب أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث إِلَى أَن الْأَخْبَار الَّتِي حكم أهل الصَّنْعَة بِصِحَّتِهَا وَرَوَاهَا الثِّقَات الْأَثْبَات مُوجبَة للْعلم
стр. 273
وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص إِذا تلقت الْأمة الْخَبَر بِالْقبُولِ وصدقت بِهِ فَهُوَ دَلِيل على صِحَّته لقِيَام الدَّلِيل فِي انْتِفَاء الْخَطَأ من إجماعها وَلم يحك فِي ذَلِك خلافًا
وَقَالَ صَاحب الْوَاضِح من الْمُعْتَزلَة ذهب الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ إِلَى أَن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت على الْعَمَل بِمُجَرَّد خبر دلّ على أَن الْخَبَر كَانَ متواترا فِي الأَصْل مَعْلُوما وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هَذِه الْعَادة غير مَعْلُومَة فقد قبلوا أَخْبَار الاحاد أَيْضا انْتهى
стр. 274
وَنَقله بَعضهم عَن السَّرخسِيّ من الْحَنَفِيَّة وَجَمَاعَة من الْحَنَابِلَة كَأبي يعلى وَأبي الْخطاب وَابْن حَامِد وَابْن الزَّاغُونِيّ وَأكْثر أهل الْكَلَام من
стр. 275
الأشعرية وَغَيرهم وَأهل الحَدِيث قاطبة وَمذهب السّلف عَامَّة وَقد تبين مُوَافقَة ابْن الصّلاح لِلْجُمْهُورِ وَهُوَ لَازم للمتأخرين فَإِنَّهُم صححوا أَن خبر الْوَاحِد إِذا احتفت بِهِ الْقَرَائِن أَفَادَ الْقطع وَاخْتَارَهُ الإِمَام وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب (أ / ٤١) وَغَيرهم
[و] الثَّانِي مَا جزم بِهِ من كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة قد اعْترض عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنَّهُ إِن وصل إِلَيْنَا بالآحاد فَهُوَ ظَنِّي أَو بالتواتر - وَهُوَ قَلِيل - فظني عِنْد الإِمَام والآمدي
قلت صرح ابْن برهَان وَغَيره من أَئِمَّتنَا بِأَن الْإِجْمَاع قَطْعِيّ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَلِهَذَا لم يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَالظَّاهِر الثَّالِث
стр. 276
٦٩ - (قَوْله) سوى أحرف يسيرَة
قد صرح بِالِاسْتِثْنَاءِ أَيْضا فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ على مُسلم فَقَالَ وَهَذَا مُسْتَثْنى مِمَّا ذَكرْنَاهُ بعد الْإِجْمَاع على تلقيه بِالْقبُولِ
وَقَالَ النَّوَوِيّ قد أجَاب عَن تِلْكَ الأحرف آخَرُونَ
قلت وَأكْثر اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ [يرجع إِلَى المسانيد من غير تَرْجِيح الْمُتُون وَقد أجَاب عَن بعضه أَبُو مَسْعُود إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الدِّمَشْقِي
قَالَ الدراقطني] اجْتمعت بِأبي مَسْعُود فتذاكرنا مَعَه الصَّحِيحَيْنِ ومشينا مَعَه ثمَّ فتحنا عَلَيْهِ جَوَاب غرائب فَلم يُوجد
стр. 277
قَالَ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي سَمِعت أَبَا عبد الله الْحميدِي بِبَغْدَاد يَقُول قَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد بن حزم وَمَا وجدنَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم فِي كِتَابَيْهِمَا شَيْئا لَا يحْتَمل مخرجا إِلَّا حديثين لكل وَاحِد مِنْهُمَا حَدِيث تمّ عَلَيْهِ فِي تَخْرِيجه الْوَهم مَعَ اتصافهما وحفظهما وَصِحَّة معرفتهما قلت وَقد رَأَيْت ذكرهمَا هُنَا لتتم الْفَائِدَة
الأول خرجه مُسلم عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم وَأحمد بن جَعْفَر المعقري عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي عَن عِكْرِمَة هُوَ ابْن عمار عَن أبي
стр. 278
زميل سماك الْحَنَفِيّ عَن ابْن عَبَّاس هُوَ عبد الله بن عَبَّاس قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ للنَّبِي ﷺ يَا نَبِي الله ثَلَاث أعطنيهن قَالَ نعم قَالَ عِنْدِي أحسن الْعَرَب وأجمله أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان أزَوّجكَهَا قَالَ نعم قَالَ [و] مُعَاوِيَة تَجْعَلهُ كَاتبا قَالَ نعم قَالَ وَتُؤَمِّرنِي حَتَّى أقَاتل الْكفَّار كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين قَالَ نعم قَالَ أَبُو زميل وَلَوْلَا أَنه طلب ذَلِك من النَّبِي ﷺ مَا أعطَاهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يسْأَل شَيْئا إِلَّا قَالَ نعم
قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَلَا شكّ فِي وَضعه والآفة فِيهِ من عِكْرِمَة ابْن عمار وَلَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الْمعرفَة بالأخبار أَن النَّبِي ﷺ لم يتَزَوَّج أم حَبِيبَة إِلَّا قبل الْفَتْح بدهر وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة وأبوها أَبُو سُفْيَان يَوْمئِذٍ كَافِر هَذَا مِمَّا لَا شكّ فِيهِ وَإِنَّمَا أسلم يَوْم الْفَتْح
وَأما الَّذِي فِي كتاب البُخَارِيّ وَتَابعه مُسلم عَلَيْهِ (٢٨) فَهُوَ قبل تَمام الْكتاب بأوراق فِي كتاب تَرْجَمَة ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ فساق عَن
стр. 279
شريك بن عبد الله قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول لَيْلَة أسرِي بِالنَّبِيِّ ﷺ من مَسْجِد الْكَعْبَة جَاءَهُ ثَلَاثَة نفر قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ هَكَذَا قَالَ ثمَّ مضى فِي الحَدِيث وَفِيه حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهى ودنا الْجَبَّار رب الْعِزَّة فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قاب قوسين أَو أدنى فَأوحى إِلَيْهِ مَا يُوحى خمسين صَلَاة قَالَ ابْن حزم فَهَذِهِ أَلْفَاظ مُعْجمَة مُنكرَة أَولهَا قَوْله إِن ذَلِك قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ وَأَنه حِينَئِذٍ فرضت عَلَيْهِم الْخَمْسُونَ صَلَاة وَهَذَا بِلَا خلاف بَين أحد من أهل الْعلم أَنه كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنة وَبعد أَن أُوحِي إِلَيْهِ بِنَحْوِ اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَكَيف يكون قبل الْوَحْي ثمَّ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن هبة الله بن عبد الله حميد الْبَصْرِيّ الْبَزَّار - رَحمَه الله تَعَالَى - بِمصْر وَمَا كتبت عَنهُ غير هَذِه الْحِكَايَة [حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن النَّيْسَابُورِي
стр. 280
ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد القَاضِي] ثَنَا عَليّ بن أَحْمد بن النَّضر قَالَ سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ - وَدخل عَلَيْهِ رجلَانِ عَلَيْهِمَا هَيْئَة من اللبَاس فَقَالَا لَهُ يَا أَبَا الْحسن أما تحجم وَقد هجم هَذَا الشَّهْر الْمُبَارك فَقَالَ لَهما عَليّ بن الْمَدِينِيّ قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم فَقَالَ لَهُ أَحدهمَا يَا أَبَا الْحسن
стр. 281
إنَّهُمَا كَانَا يغتابان فَقَالَ عَليّ هَذَا رَوَاهُ الحجامون وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم (أ / ٤٢) ثمَّ قَالَ لعَلي ثَلَاثَة أَحَادِيث لَا تصح عَن رَسُول الله ﷺ لَو صدق السَّائِل مَا أَفْلح من رده وأنهما كَانَا يغتابان
стр. 282
وَأَن النَّبِي ﷺ واجهه تِلْقَاء وَجهه انْتهى كَلَام ابْن حزم
وَمَا ذكره مَرْدُود وَأما الأول فَفِيهِ أَوْهَام أَحدهَا قَوْله الآفة من عِكْرِمَة بعد قَوْله إِنَّه مَوْضُوع وَلم يقل أحد إِن عِكْرِمَة يضع الحَدِيث وَلَا يكذب وَهُوَ وَإِن تكلم فِيهِ فَلم يصل أحد فِيهِ إِلَى هَذَا الْقدح قَالَ قد قَالَ يحيى بن معِين ثِقَة وَكَانَ مجاب الدعْوَة
قلت وَالظَّاهِر أَن الآفة فِيهِ من الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة وَهُوَ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن فَإِن لَهُ عَن عِكْرِمَة مَنَاكِير كَمَا قَالَه الْحفاظ فَإِن قيل فَإِن مُسلما
стр. 283
لم يُخرجهُ عَنهُ وَإِنَّمَا أخرجه عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي قيل وَالظَّاهِر أَن مُسلما وهم فِي ذَلِك بِسَبَب اشْتِرَاك اسمهما فَظن أَن النَّضر هَذَا الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة هُوَ ابْن مُحَمَّد الثِّقَة وَلَيْسَ كَذَلِك هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الضَّعِيف وَهَذَا أسهل من وهمه فِي متن الحَدِيث وإدخاله إِيَّاه فِي صَحِيحه مَعَ أَنه كذب
الثَّانِي نَقله الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ لم يتَزَوَّج أم حَبِيبَة إِلَّا قبل الْفَتْح لَيْسَ بِصَحِيح فقد حكى الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم أَنه تزَوجهَا بِالْمَدِينَةِ بعد قدومها من الْحَبَشَة غير أَن الْمَشْهُور الأول وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي السّنة الَّتِي تزَوجهَا فِيهَا فَقيل سنة خمس من الْهِجْرَة وَقيل سنة سِتّ وَدخل بهَا فِي سنة سبع
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي صَدَاقهَا فَقيل أصدقهَا النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَقيل مِائَتي دِينَار وَقيل / أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم
الثَّالِث أَن هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قد أجَاب عَنهُ الْعلمَاء بأجوبة
مِنْهَا أَن أَبَا سُفْيَان لما اسْلَمْ ظن أَن النِّكَاح يَتَجَدَّد بِإِسْلَام الْوَلِيّ وخفي ذَلِك عَلَيْهِ كَمَا خَفِي على ابْن عمر طَلَاق الْحَائِض وخفي على عَليّ - رَضِي الله تَعَالَى
стр. 284
عَنهُ - حكم الْمَذْي مَعَ تقدم صحبته وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي انتصاره إِن قَوْله أزَوّجكَهَا أَي أجدد عقدك عَلَيْهَا وَكَأن أَبَا سُفْيَان رأى غَضَاضَة عَلَيْهِ أَن زوجت قبل إِسْلَامه بِغَيْر إِذْنه أَو أَنه اعْتقد أَن بِإِسْلَامِهِ يَنْفَسِخ نِكَاح ابْنَته وَهَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ وَمعنى قَوْله ﷺ تطييب لِقَلْبِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل تَجْدِيد قطّ وَهَذَا تَأْوِيل بعيد مَعَ قَوْله عِنْدِي أجمل الْعَرَب وَأحسنه وَهِي تَحت رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا أَنه يحْتَمل أَن تكون مَسْأَلته الأولى إِيَّاه فِي تَزْوِيج أم حَبِيبَة وَقعت فِي
стр. 285
بعض خرجاته إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ كَافِر حِين سمع نعي زوج أم حَبِيبَة بِأَرْض الْحَبَشَة ومسألته الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقعتا بعد إِسْلَامه فجمعهما الرَّاوِي قبل ذَلِك [كَمَا] فِي حَدِيث عَليّ نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة وَلُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر
وعَلى هَذَا الْجَواب اقْتصر الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ لَا يحْتَمل إِن كَانَ الحَدِيث مَحْفُوظًا إِلَّا ذَلِك
وَمِنْهَا انه يحمل الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه ﷺ تزوج أم حَبِيبَة بِمَسْأَلَة أَبِيهَا لما أسلم وَيقدم على تزَوجه ﷺ بهَا بِأَرْض الْحَبَشَة فَإِن تَزْوِيجهَا بِأَرْض الْحَبَشَة جَاءَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار مُرْسلا وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الِاحْتِجَاج بمسانيده فَكيف بمراسيله [و] قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن
следующие страницы →