Полный текст (1 160 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
إنَّهُمَا كَانَا يغتابان فَقَالَ عَليّ هَذَا رَوَاهُ الحجامون وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أفطر الحاجم والمحجوم (أ / ٤٢) ثمَّ قَالَ لعَلي ثَلَاثَة أَحَادِيث لَا تصح عَن رَسُول الله ﷺ لَو صدق السَّائِل مَا أَفْلح من رده وأنهما كَانَا يغتابان
стр. 282
وَأَن النَّبِي ﷺ واجهه تِلْقَاء وَجهه انْتهى كَلَام ابْن حزم
وَمَا ذكره مَرْدُود وَأما الأول فَفِيهِ أَوْهَام أَحدهَا قَوْله الآفة من عِكْرِمَة بعد قَوْله إِنَّه مَوْضُوع وَلم يقل أحد إِن عِكْرِمَة يضع الحَدِيث وَلَا يكذب وَهُوَ وَإِن تكلم فِيهِ فَلم يصل أحد فِيهِ إِلَى هَذَا الْقدح قَالَ قد قَالَ يحيى بن معِين ثِقَة وَكَانَ مجاب الدعْوَة
قلت وَالظَّاهِر أَن الآفة فِيهِ من الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة وَهُوَ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن فَإِن لَهُ عَن عِكْرِمَة مَنَاكِير كَمَا قَالَه الْحفاظ فَإِن قيل فَإِن مُسلما
стр. 283
لم يُخرجهُ عَنهُ وَإِنَّمَا أخرجه عَن النَّضر بن مُحَمَّد اليمامي قيل وَالظَّاهِر أَن مُسلما وهم فِي ذَلِك بِسَبَب اشْتِرَاك اسمهما فَظن أَن النَّضر هَذَا الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة هُوَ ابْن مُحَمَّد الثِّقَة وَلَيْسَ كَذَلِك هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الضَّعِيف وَهَذَا أسهل من وهمه فِي متن الحَدِيث وإدخاله إِيَّاه فِي صَحِيحه مَعَ أَنه كذب
الثَّانِي نَقله الْإِجْمَاع على أَنه ﷺ لم يتَزَوَّج أم حَبِيبَة إِلَّا قبل الْفَتْح لَيْسَ بِصَحِيح فقد حكى الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم أَنه تزَوجهَا بِالْمَدِينَةِ بعد قدومها من الْحَبَشَة غير أَن الْمَشْهُور الأول وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي السّنة الَّتِي تزَوجهَا فِيهَا فَقيل سنة خمس من الْهِجْرَة وَقيل سنة سِتّ وَدخل بهَا فِي سنة سبع
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي صَدَاقهَا فَقيل أصدقهَا النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَقيل مِائَتي دِينَار وَقيل / أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم
الثَّالِث أَن هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قد أجَاب عَنهُ الْعلمَاء بأجوبة
مِنْهَا أَن أَبَا سُفْيَان لما اسْلَمْ ظن أَن النِّكَاح يَتَجَدَّد بِإِسْلَام الْوَلِيّ وخفي ذَلِك عَلَيْهِ كَمَا خَفِي على ابْن عمر طَلَاق الْحَائِض وخفي على عَليّ - رَضِي الله تَعَالَى
стр. 284
عَنهُ - حكم الْمَذْي مَعَ تقدم صحبته وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي انتصاره إِن قَوْله أزَوّجكَهَا أَي أجدد عقدك عَلَيْهَا وَكَأن أَبَا سُفْيَان رأى غَضَاضَة عَلَيْهِ أَن زوجت قبل إِسْلَامه بِغَيْر إِذْنه أَو أَنه اعْتقد أَن بِإِسْلَامِهِ يَنْفَسِخ نِكَاح ابْنَته وَهَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ وَمعنى قَوْله ﷺ تطييب لِقَلْبِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل تَجْدِيد قطّ وَهَذَا تَأْوِيل بعيد مَعَ قَوْله عِنْدِي أجمل الْعَرَب وَأحسنه وَهِي تَحت رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا أَنه يحْتَمل أَن تكون مَسْأَلته الأولى إِيَّاه فِي تَزْوِيج أم حَبِيبَة وَقعت فِي
стр. 285
بعض خرجاته إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ كَافِر حِين سمع نعي زوج أم حَبِيبَة بِأَرْض الْحَبَشَة ومسألته الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقعتا بعد إِسْلَامه فجمعهما الرَّاوِي قبل ذَلِك [كَمَا] فِي حَدِيث عَليّ نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة وَلُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر
وعَلى هَذَا الْجَواب اقْتصر الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ لَا يحْتَمل إِن كَانَ الحَدِيث مَحْفُوظًا إِلَّا ذَلِك
وَمِنْهَا انه يحمل الحَدِيث على ظَاهره وَأَنه ﷺ تزوج أم حَبِيبَة بِمَسْأَلَة أَبِيهَا لما أسلم وَيقدم على تزَوجه ﷺ بهَا بِأَرْض الْحَبَشَة فَإِن تَزْوِيجهَا بِأَرْض الْحَبَشَة جَاءَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار مُرْسلا وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الِاحْتِجَاج بمسانيده فَكيف بمراسيله [و] قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا فِيهِ نظر فَإِن
стр. 286
تزَوجه ﷺ بهَا لم يخْتَلف أهل الْمَغَازِي أَنه كَانَ قبل رُجُوع جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه من أَرض الْحَبَشَة ورجوعهم كَانَ زمن خَيْبَر وتزويج أم حَبِيبَة كَانَ قبله وَإِسْلَام أبي سُفْيَان بن حَرْب كَانَ فِي زمن الْفَتْح فتح مَكَّة بعد نِكَاحهَا بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث فَكيف يَصح أَن يكون تزَوجهَا بمسألته (أ / ٤٣)
قلت وَمِمَّنْ حكى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَكَانَ شَيخنَا عماد الدّين بن كثير - رَحمَه الله تَعَالَى - يذكر تَأْوِيلا حسنا وَهُوَ أَن أَبَا سُفْيَان إِنَّمَا أَرَادَ تزوج رَسُول الله ﷺ من ابْنَته الْأُخْرَى عزة أُخْت أم حَبِيبَة فَيحصل لَهُ الشّرف بصهر رَسُول الله ﷺ من وَجْهَيْن وَيشْهد لهَذَا حَدِيث أم حَبِيبَة أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله انكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَان وَفِي بعض طرق مُسلم عزة بنت أبي سُفْيَان فَقَالَ أوتحبين ذَلِك الحَدِيث فَكَأَن أَبَا سُفْيَان اعْتقد أَن ذَلِك يحل لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لأختها أم حَبِيبَة لتساعده على ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تطييبا لِقَلْبِهِ فِي أول الْأَمر ثمَّ بَين لأم حَبِيبَة أَن ذَلِك لَا يحل وَقضى حاجتيه الْأُخْرَيَيْنِ بِأَن استكتب مُعَاوِيَة وَأمر أَبَاهُ وَكَانَ مِمَّن ابتعثه لتخريب طاغوت أهل الطَّائِف وَدخل الْوَهم على عِكْرِمَة أَو غَيره فِي قَوْله أحسن الْعَرَب وأجمله أم
стр. 287
حَبِيبَة وَإِنَّمَا هِيَ عزة وَكَانَ الحَدِيث عِنْده بنت أبي سُفْيَان فَاعْتقد أَنَّهَا أم حَبِيبَة فسماها وَلم يتفطن لذَلِك فَصَارَ الحَدِيث مُنْكرا بذلك ثمَّ قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَطعن بَعضهم فِي الحَدِيث بِأَمْر آخر وَقَالَ لَا أعرف أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا سُفْيَان وَلَو كَانَ الحَدِيث صَحِيحا لأَمره وَفَاء بعهده
وَهَذَا (د ٢٩) مَرْدُود بِمَا سبق عَن شَيخنَا ابْن كثير من تأميره على الطَّائِف وَذكر الزبير بن بكار عَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ سبى يَوْم حنين سِتَّة آلَاف غُلَام وَامْرَأَة فَجعل عَلَيْهِم أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَحكى الزبير أَيْضا أَنه اسْتَعْملهُ على إجلاء الْيَهُود وَقد اخْتلف فِي اسْتِعْمَاله على نَجْرَان
стр. 288
وَأما مَا ذكره فِي الحَدِيث فشريك لم يقل أحد فِيهِ إِنَّه يضع الحَدِيث وَقد رد أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ على من قَالَ حدث بِأَحَادِيث بَوَاطِيلُ قَالَ لَا تقل بَوَاطِيلُ
وَأما مَا تعلق بِهِ من قَوْله قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ فقد حمل جمَاعَة من الْعلمَاء هَذَا الحَدِيث على أَن الرُّؤْيَا كَانَت مناما كَمَا وَقع لعَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة مناما وَمعنى قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ أَي بالإسراء يقظة وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك الْخطابِيّ والوزير ابْن هُبَيْرَة فِي الإفصاح
стр. 289
٧٠ - (قَوْله) إِذا ظهر بِمَا قدمْنَاهُ إِلَى آخِره
حَاصله أَنه يشْتَرط للْعَمَل بِالْحَدِيثِ والاحتجاج بِهِ أَخذه من نُسْخَة مُقَابلَة مَعَ ثِقَة على أصُول مُخْتَلفَة مروية بروايات متنوعة وَقد حَكَاهُ عَنهُ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم ثمَّ قَالَ وَهُوَ مَحْمُول على الِاسْتِظْهَار والاستحباب أَي لعسر ذَلِك غَالِبا وَقَالَ فِي التَّقْرِيب وَلَو قابلها بِأَصْل مُعْتَمد مُحَقّق (فَلَا يبعد الِاكْتِفَاء بِهِ) وَسَيَأْتِي من كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ مَا يشْهد لَهُ
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي قسم الْحسن - لما ذكر اخْتِلَاف نسخ التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله حسن صَحِيح أَو حسن وَنَحْو ذَلِك - فَيَنْبَغِي أَن تصحح أصلك بِجَمَاعَة أصُول وتعتمد على مَا اتّفقت عَلَيْهِ انْتهى
وَفِي كَلَام الْكل أَنه لَا يشْتَرط فِي ذَلِك أَن يكون لَهُ بِهِ رِوَايَة وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان إِذا وجد النَّاظر حَدِيثا مُسْندًا فِي كتاب مصحح وَلم يسترب فِي ثُبُوته وَلم يسمعهُ من شَيْخه فَلَا يرويهِ وَلَكِن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ
стр. 290
وَلَا يتَوَقَّف وجوب الْعَمَل على الْمُجْتَهدين لموجبات الْأَخْبَار على أَن يَنْتَظِم لَهُم الْإِسْنَاد فِي جَمِيعهَا وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك أَن الَّذين كَانَ ترد عَلَيْهِم كتب رَسُول الله ﷺ كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِم الْعَمَل بموجبها وَمن يبلغهُ ذَلِك الْكتاب وَلم يكن مُخَاطبا بمضمونه وَلم يسمعهُ مِمَّن سَمعه فَهُوَ كالمقصود بمضمون الْكتاب قَالَ وَلَو قَالَ رجل رَأَيْت حَدِيثا فِي صَحِيح مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَا وثقت باشتمال الْكتاب عَلَيْهِ فعلى الَّذِي يسمعهُ يذكر ذَلِك أَن يَثِق بِهِ ويلحقه بِمَا تَلقاهُ بِنَفسِهِ أَو رَوَاهُ عَن الشَّيْخ المسمع قَالَ وَلَو عرض مَا ذَكرْنَاهُ على جملَة الْمُحدثين لأبوه فَإِن فِيهِ سُقُوط ثُبُوت الرِّوَايَة عِنْد ظُهُور الثِّقَة وَصِحَّة الرِّوَايَة وهم عصبَة (أ ٤٤) لَا مبالاة بهم فِي حقائق الْأُصُول انْتهى
وَجعل الأبياري - فِي شَرحه - هَذِه الْمَسْأَلَة من تفريعات رد الْمُرْسل لِأَن الِاعْتِمَاد على صِحَة النُّسْخَة فَقَط لَا يحصل مِنْهُ معرفَة الْوَاسِطَة فَإِذا وجد نُسْخَة مصححة - مثلا - من صَحِيح البُخَارِيّ فَمن الَّذِي أوصله إِلَى أَن هَذَا صَحِيح البُخَارِيّ وَلَو ثَبت عِنْده ذَلِك لاحتاج إِلَى أَن يثبت عِنْده الطَّرِيق من البُخَارِيّ إِلَى
стр. 291
النَّبِي ﷺ فَهَؤُلَاءِ لَا يجيزون أبدا الرِّوَايَة وَالْعَمَل بهَا إِلَّا إِذا عرفت الوسائط بِالْعَدَالَةِ وَمَا وَرَاء ذَلِك فَلَا يلْتَفت إِلَى صِحَة النُّسْخَة إِلَّا أَن يَقُول الرَّاوِي أَنا أروي هَذَا عَن فلَان وعينه لَهُ وَعلمه الْفَرْع قَالَ والمحدثون فِي هَذَا الْبَاب هم أهل الْفَنّ على الْحَقِيقَة فَلَا معنى لاطراح أَقْوَالهم
قيل وَمن الْغَرِيب مَا نَقله الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خير بن عمر الْأمَوِي - وَهُوَ خَال أبي الْقَاسِم السُّهيْلي - فِي قَوْله أَي كِتَابه إِنَّه لَا يحل نقل الحَدِيث إِلَّا لمن لَهُ بِهِ رِوَايَة وَنقل الْإِجْمَاع فِي ذَلِك فَقَالَ وَقد اتّفق الْعلمَاء رَحِمهم الله تَعَالَى على أَنه لَا يَصح لمُسلم أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا حَتَّى يكون عِنْده ذَلِك القَوْل مرويا وَلَو على أقل وُجُوه الرِّوَايَات لقَوْله ﷺ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
стр. 292
وَفِي رِوَايَة من كذب عَليّ مُطلقًا من غير تَقْيِيد انْتهى
وَلَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاط ذَلِك بل فِيهِ تَحْرِيم الْجَزْم بِنِسْبَة القَوْل إِلَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى يتَحَقَّق أَنه رُوِيَ فِي كتب الرِّوَايَات بِدَلِيل استدلاله بِالْحَدِيثِ
стр. 293
النَّوْع الثَّانِي معرفَة الْحسن
٧١ - (قَوْله) عَن الْخطابِيّ الْحسن مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا احْتَرز بقوله عرف مخرجه عَن الْمُنْقَطع الَّذِي لم يعرف مخرجه
وَبِقَوْلِهِ واشتهر رِجَاله عَن حَدِيث المدلس قبل أَن يتَبَيَّن تدليسه
وَالْمرَاد بالاشتهار السَّلامَة من وصمة التَّكْذِيب
الثَّانِي مَا ذكره من الاشتهار خلاف الْمَوْجُود بِخَط الجياني قد نقل أَبُو عبد الله ابْن رشيد فِيمَا وجد بِخَط الجياني وَاسْتقر حَاله بمعان من الِاسْتِقْرَار وَتَحْت الْحَاء عَلامَة الإهمال لَكِن المناقشة فِي مثل هَذَا قريبَة وَرِوَايَة ابْن الصّلاح أوضح
الثَّالِث أَنه حد مَدْخُول فَإِن الصَّحِيح أَيْضا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله بِالصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ الضَّعِيف بالضعف فَلَعَلَّ مُرَاده مَا لم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح
стр. 294
لِئَلَّا يدْخل الصَّحِيح فِي حد الْحسن قَالَه الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي
قَالَ التبريزي فِيهِ نظر لِأَنَّهُ سَيَقُولُ إِن الصَّحِيح أخص من الْحسن وَدخُول الْخَاص فِي حد الْعَام ضَرُورِيّ وَالتَّقْيِيد بِمَا يُخرجهُ مخل بِالْحَدِّ
قلت هَذَا إِن جعلنَا الْحَد عِنْد قَوْله واشتهر رِجَاله وَهُوَ الظَّاهِر فَإِن مَا بعده أَحْكَام لِأَن قبُول الحَدِيث والاحتجاج بِهِ فرع ثُبُوت حسنه وَيدل لَهُ تكراره قَالَ فَإِن جعلنَا مَا بعده من تَمام الْحَد انْتَفَى الْإِيرَاد لَكِن يخلفه إِشْكَال آخر وَهُوَ منع أَن يكون الْحسن كَذَلِك إِلَّا أَن يُرِيد ب كَثْرَة مدَار الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَة الطّرق فَإِن غالبها لَا يبلغ رُتْبَة الصَّحِيح
стр. 295
الرَّابِع قَوْله وَهُوَ الَّذِي يقبله أَكثر الْعلمَاء اسْتشْكل الشَّيْخ فِي الاقتراح الِاحْتِجَاج بالْحسنِ وَقَالَ إِن هَا هُنَا أوصافا يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة إِذا [وجدت فِي الرَّاوِي فإمَّا أَن يكون هَذَا الحَدِيث الْمُسَمّى بالْحسنِ الَّذِي] وجدت فِيهِ هَذِه الصِّفَات على أقل الدَّرَجَات الَّتِي يجب مَعهَا الْقبُول أَو لَا فَإِن وجدت فَذَلِك صَحِيح فَإِن لم تُوجد فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن سمي حسنا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يرد هَذَا إِلَى أَمر اصطلاحي وَهُوَ أَن يُقَال إِن الصِّفَات الَّتِي يجب (مَعهَا قبُول الرِّوَايَة) لَهَا مَرَاتِب ودرجات فأعلاها هُوَ الصَّحِيح وَكَذَلِكَ أوسطها وَأَدْنَاهَا الْحسن وَحِينَئِذٍ يرجع الْأَمر فِي ذَلِك (د ٣٠) إِلَى الِاصْطِلَاح [وَيكون الْكل صَحِيحا فِي الْحَقِيقَة وَالْأَمر فِي الِاصْطِلَاح] قريب لَكِن من أَرَادَ هَذِه الطَّرِيقَة فَعَلَيهِ أَن يعْتَبر مَا سَمَّاهُ أهل الحَدِيث حسنا وَتَحْقِيق وجود الصِّفَات الَّتِي يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث
стр. 296
٧٢ - (قَوْله) وروينا عَن أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ
يَعْنِي فِي الْعِلَل الَّتِي فِي آخر الْجَامِع وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَن شَيخنَا ابْن كثير توقف فِي ثُبُوت هَذَا عَنهُ وَقَالَ لَا نعلمهُ فِي كِتَابه وَلَا اصْطلحَ عَلَيْهِ
٧٣ - (قَوْله) أَلا يكون فِي إِسْنَاده من يتهم بِالْكَذِبِ
احْتَرز بِهِ عَمَّا فِي سَنَده مُتَّهم فَإِنَّهُ ضَعِيف
وَقَوله من لَا يتهم بِالْكَذِبِ يتَنَاوَل مَشْهُور الْعَدَالَة لكنه غير مُرَاد بل المُرَاد المستور
وَاحْترز بقوله وَلَا يكون حَدِيثا شاذا عَن الشاذ وَهُوَ مَا خَالف فِيهِ الثِّقَة رِوَايَات الثِّقَات
وَقَوله ويروى من غير وَجه عَمَّا لم يرد إِلَّا من وَجه وَاحِد فَإِنَّهُ لَا يكون حسنا لِأَن تعدد الرِّوَايَات يُقَوي ظن الصِّحَّة واتحادها مِمَّا يُؤثر ضعفا فَإِنَّهُ إِذا رُوِيَ من وَجْهَيْن مُخْتَلفين علم أَنه مَحْفُوظ لَهُ أصل إِذا لم يكن إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ
стр. 297
آخذة عَن الْأُخْرَى ثمَّ قد يكون غَرِيب الْإِسْنَاد فَيكون ذَلِك الْإِسْنَاد غَرِيبا وَقد يكون مَعَ ذَلِك يرْوى من وَجه ثَالِث صَحِيح فَيكون صَحِيحا حسنا غَرِيبا وَحَاصِله اعْتِبَار ثَلَاثَة شُرُوط لِلْحسنِ
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين وَلم يَفِ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا الشَّرْط فِي الْحسن وَقد حكم بِحسن أَحَادِيث لم تجمع هَذِه الصِّفَات
قلت وَمِنْه قَوْله هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه فَأَيْنَ هَذَا من قَوْله ويروى من غير وَجه إِذا علمت ذَلِك فَهَذَا الْحَد معترض بِأُمُور
أَحدهَا أَن الصَّحِيح أَيْضا شَرطه أَلا يكون شاذا وَلَا يكون فِي رِجَاله مُتَّهم إِلَّا أَن يفرق بَينهمَا بِأَن الشَّرْط فِي الصَّحِيح تَعْدِيل الروَاة وَهنا عدم تفسيقهم وَفِيه نظر
الثَّانِي أَن رِوَايَته من غير وَجه لَا يشْتَرط فِي الصَّحِيح فَكيف الْحسن فعلى هَذَا الْأَفْرَاد الصَّحِيحَة لَيست بحسنة عِنْد التِّرْمِذِيّ إِذْ يشْتَرط عِنْده فِي الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه كَحَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَحَدِيث السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب وَحَدِيث نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته
стр. 298
لَكِن الظَّاهِر أَن التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا يشْتَرط فِي الْحسن مَجِيئه من وَجه آخر إِذا لم يبلغ رُتْبَة الصَّحِيح فَإِن بلغَهَا لم يشْتَرط ذَلِك بِدَلِيل قَوْله فِي مَوَاضِع هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب فَلَمَّا ارْتَفع إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة أثبت لَهُ الْعَدَالَة بِاعْتِبَار فرديته وَالْحَاصِل أَن الَّذِي يحْتَاج إِلَى مَجِيئه من غير وَجه مَا كَانَ رَاوِيه فِي دَرَجَة المستور وَإِن لم تثبت عَدَالَته وَأكْثر مَا فِي الْبَاب أَن التِّرْمِذِيّ عرف بِنَوْع مِنْهُ لَا بِكُل أَنْوَاعه وَأَيْضًا فيشكل على قَوْله فِي مَوَاضِع هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه إِلَّا أَن يُرِيد اللَّفْظ دون اعْتِبَار الشَّاهِد للمعنى تَوْفِيقًا بَين كلاميه
الثَّالِث قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن الْمواق لم يخص التِّرْمِذِيّ الْحسن
стр. 299
بِصفة تميزه عَن الصَّحِيح فَلَا يكون صَحِيحا إِلَّا وَهُوَ غير شَاذ وَلَا يكون صَحِيحا حَتَّى يكون رُوَاته غير متهمين بل ثِقَات قَالَ وَظهر بِهَذَا أَن الْحسن عِنْده صفة لَا تخص هَذَا الْقسم بل قد يشركهُ فِيهِ الصَّحِيح قَالَ فَكل صَحِيح عِنْده حسن وَلَيْسَ كل حسن صَحِيحا
٧٤ - (قَوْله) قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين إِلَى آخِره
هَذَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات والعلل المتناهية وَجزم بِهِ ابْن دحْيَة فِي الْعلم الْمَشْهُور فَقَالَ إِنَّه مَا دون الصَّحِيح مِمَّا فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل عَن راو لَا يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الْفسق انْتهى
стр. 300
وَهُوَ ملتبس فَإِن الضعْف الْقَرِيب لَا ضَابِط لَهُ يَنْتَهِي بِهِ الْقدر الْمُحْتَمل من غَيره وَإِذا اضْطربَ هَذَا الْوَجْه لم يحصل الْوَجْه الْمُبين للْحَقِيقَة وَلَا يَجِيء فِي قَوْله حسن صَحِيح
وَوجدت بِخَط الإِمَام الْحَافِظ أبي الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد السالسي الْحسن مَا لَهُ من الحَدِيث منزلَة بَين منزلتي الصَّحِيح والضعيف وَيكون الحَدِيث حسنا هَكَذَا إِمَّا بِأَن يكون أحد رُوَاته مُخْتَلفا فِيهِ وثقة قوم وَضَعفه آخَرُونَ وَلَا يكون مَا ضعف بِهِ مُفَسرًا فَإِن كَانَ مُفَسرًا قدم على تَوْثِيق من وَثَّقَهُ فَصَارَ الحَدِيث ضَعِيفا وَإِمَّا أَن يكون أحد رُوَاته إِمَّا مَسْتُورا وَإِمَّا مَجْهُول الْحَال فَأَما المستور فَمن لم تثبت عَدَالَته مِمَّن قد روى عَنهُ اثْنَان فَأكْثر فَإِن هَذَا يخْتَلف فِي قبُول رِوَايَته من لَا يرى رِوَايَة الرَّاوِي الْعدْل عَن الرَّاوِي بعد إِسْلَامه وَطَائِفَة مِنْهُم يقبلُونَ رِوَايَته وَهَؤُلَاء هم الَّذين لَا يَبْتَغُونَ غير الْإِسْلَام مزيدا فِي حق الشَّاهِد والراوي بل يكتفون بِمُجَرَّد الْإِسْلَام مَعَ السَّلامَة عَن فسق ظَاهر ويتحققون إِسْلَامه بِرِوَايَة عَدْلَيْنِ عَنهُ إِذْ لم يعْهَد أحد مِمَّن يتدين يروي الدّين إِلَّا عَن مُسلم
وَطَائِفَة (أ / ٤٦) يردون رِوَايَته وهم الَّذين يَبْتَغُونَ وَرَاء الْإِسْلَام مزيدا وَهُوَ الْعَدَالَة
стр. 301
٧٥ - (قَوْله) وَقد أمعنت النّظر فِي ذَلِك
قلت الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْعَمت - بِتَقْدِيم النُّون - بِمَعْنى بالغت يُقَال أنعم فِي الشَّيْء إِذا بَالغ فِيهِ وَأنْشد صَاحب الْمُحكم
(سمين الضواحي لم تؤرقه لَيْلَة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها)
وَأما أمعنت فَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الزَّاهِر يُقَال قد أمعن لي بحقي أَي اعْترف بِهِ وأظهره قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هُوَ مَأْخُوذ من المَاء الْمعِين وَهُوَ الْجَارِي الظَّاهِر
стр. 302
وَقَالَ ابْن فَارس فِي المقاييس معن مادته تدل على سهولة فِي جَرَيَان أَو جري يُقَال معن المَاء إِذا جرى وأمعن الْفرس فِي عدوه وأمعن بحقي ذهب بِهِ وأمعنت الأَرْض رويت انْتهى وَعَلِيهِ يتَخَرَّج كَلَام المُصَنّف
٧٦ - (قَوْله) واتضح لي أَن الحَدِيث الْحسن قِسْمَانِ إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن تَنْزِيل كَلَام التِّرْمِذِيّ على الْقسم الأول قد اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سيبين أَن رِوَايَة المستور الَّذِي لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته مَرْدُودَة فَكيف يَجْعَل مَا يرويهِ من قسم الْحسن وَينزل كَلَام التِّرْمِذِيّ عَلَيْهِ وَكَلَامه يدل عَلَيْهِ وَقد يُقَال إِنَّه لم يعْتَبر ذَلِك بِمُجَرَّدِهِ بل أضَاف إِلَيْهِ كَونه رُوِيَ من وَجه آخر وَغير ذَلِك نعم هَذَا بناه على أَن رِوَايَة مَسْتُور الْعَدَالَة مَقْبُولَة وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْن الصّلاح كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين لَكِن الْمَذْهَب أَن مَسْتُور الْعَدَالَة حكمه حكم غير الْعدْل فِي
стр. 303
الرِّوَايَة (د ٣١) فعلى هَذَا لَا تتَحَقَّق الْوَاسِطَة
الثَّانِي أَن مَا ذكره فِي الْقسم الثَّانِي عَجِيب لمنافاته لللأول فَكيف يكون الْحسن حسنا وَغير الْحسن
وَقد قَالَ صَاحب الاقتراح - مُعْتَرضًا على ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْقسم - هَذَا كَلَام فِيهِ مبَاحث ومناقشات على بعض [هَذِه] الْأَلْفَاظ وَقد يُقَال إِن مَا قَالَه المُصَنّف من تغاير كَلَام التِّرْمِذِيّ والخطابي مَمْنُوع من جِهَة أَن قَول الْخطابِيّ مَا عرف مخرجه كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَرُوِيَ نَحوه من غير وَجه وَقَول الْخطابِيّ واشتهر رِجَاله كَقَوْل التِّرْمِذِيّ لَا يكون فِي إِسْنَاده مُتَّهم وَقد بَينا أَن مُرَاد التِّرْمِذِيّ بقوله لَا يتهم المستور وَهُوَ غير المشتهر وَزِيَادَة التِّرْمِذِيّ وَلَا
стр. 304
يكون شاذا غير مُحْتَاج إِلَيْهِ ومردود بِمَا سبق
الثَّالِث أَن مَا اخْتَارَهُ من انحصار الْحسن فِي قسمَيْنِ إِمَّا بِأَن يكون فِيهِ مَسْتُور يقوى بورود مَتنه بمتابعة أَو شَاهد وَإِمَّا بِأَن يشْتَمل على قَاصِر الضَّبْط - غير جيد وَقد تقدم من كَلَام ابْن الصّلاح اخْتِيَار أَن مَا صَححهُ الْحَاكِم وَحده وَلَا عِلّة لَهُ أَنه حسن والأوفق لضبطه أَن مَا اشْتَمَل على مضعف إِمَّا بِضعْف واه وعده بَعضهم صَحِيحا أَو مُعْتَبر ترجح مُقَابلَة فَهُوَ الْحسن حَتَّى أَطْلقُوهُ فِيمَا جرح وَعدل ووقف وَرفع وَنَحْوه وَلِهَذَا علل عبد الْحق تَحْسِين التِّرْمِذِيّ حَدِيث الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فِي منع وضوء الرجل بِفضل الْمَرْأَة بقول البُخَارِيّ الْأَشْهر أَنه قَول الحكم قَالَ عبد الْحق فَمن لَا يرى الْوَقْف عِلّة يُصَحِّحهُ
الرَّابِع حَاصله أَن دَرَجَات الْحسن تَتَفَاوَت كَالصَّحِيحِ بل الضَّعِيف كَذَلِك فالقسم الأول أدنى فِي الرُّتْبَة من الثَّانِي وَقد صرح المُصَنّف بعد ذَلِك فِي الثَّالِث بِأَن
стр. 305
مثل الْقسم الثَّانِي يرتقي إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح فَدلَّ على أَنه أَعلَى من الأول
فَائِدَة
قد يطلقون الْحسن على الْغَرِيب وَالْمُنكر روى ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء عَن ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ كَانُوا يكْرهُونَ إِذا اجْتَمعُوا أَن يخرج الرجل أحسن مَا عِنْده قَالَ [عَنى] النَّخعِيّ بالأحسن الْغَرِيب لِأَن الْغَرِيب غير المألوف مستحسن أَكثر من الْمَشْهُور الْمَعْرُوف قَالَ وَأَصْحَاب الحَدِيث يعبرون عَن الْمَنَاكِير بِهَذِهِ الْعبارَة قَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج - وَقيل لَهُ مَالك لَا تروي عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان وَهُوَ حسن الحَدِيث - قَالَ من حسنه فَرَرْت [أجري]
стр. 306
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي أَبْوَاب التَّسْمِيَة فِي الْوضُوء عَن البُخَارِيّ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب احسن عِنْدِي من حَدِيث (أ / ٤٧) رَبَاح بن عبد الرَّحْمَن قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ وَلَا يلْزم من هَذِه الْعبارَة أَن يكون حسنا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا أحسن مَا جَاءَ فِي الْبَاب وَإِن كَانَ ضَعِيفا ومرادهم أرجحه أَو أَقَله ضعفا
стр. 307
٧٧ - (قَوْله) الْحسن يتقاصر عَن الصَّحِيح إِلَى آخِره
يَعْنِي من جِهَة الرُّتْبَة حَتَّى وَلَو تعَارض حسن وصحيح قدم الصَّحِيح وَإِلَّا فهما مستويان فِي الِاحْتِجَاج بهما كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّاسِع من كَلَامه وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيم التَّاسِع إِلَى هَا هُنَا فَإِنَّهُ أنسب
وَهل مُرَاده بِالصَّحِيحِ الَّذِي يقصر عَنهُ الْحسن مُطلق الصَّحِيح أَو غير أدنى دَرَجَات الصَّحِيح فِيهِ نظر وَحَاصِل مَا ذكره هُنَا مَبْنِيّ على اشْتِرَاط تعدد الْمخْرج فِي الْحسن وَقد سبق أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط
стр. 308
٧٨ - (قَوْله) وَإِذا استبعد ذَلِك
أَي الِاحْتِجَاج بِمَا جَاءَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَإِن لم يكن أَحدهَا كَاف فِي الإحتجاج لما فِي الْهَيْئَة الاجتماعية من الْقُوَّة واستند إِلَى امرين
أَحدهمَا قبُول الْمُرْسل إِذا عضده مُرْسل آخر عِنْد الشَّافِعِي
وَالثَّانِي قبُول رِوَايَة المستور وَإِن لم تقبل شَهَادَته فِيمَا حَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن بعض أَصْحَابنَا
وَقد نُوقِشَ فِي الأول بِأَن الشَّافِعِي لم يقبل مَرَاسِيل التَّابِعين مُطلقًا بل كبارهم وَهَذَا لَا يقْدَح فِي غَرَض ابْن الصّلاح هُنَا وَإِنَّمَا أطلقهُ لَا عتقاده التَّسْوِيَة بَين التَّابِعين فِي ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي
وَأما الثَّانِي فَلم أَجِدهُ فِي القواطع لِابْنِ السَّمْعَانِيّ لَكِن نَقله الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان عَن ابْن فورك وَلَا يظْهر التَّرْجِيح بِهِ لِأَن أحد جزئي الْحسن أَن يكون رَاوِيه مَسْتُورا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بعد التَّفْرِيع على قبُول رِوَايَته وَإِلَّا الْتحق بالضعيف والسمعاني - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة - نِسْبَة إِلَى بطن من تَمِيم هَكَذَا قَيده أَبُو
стр. 309
سعد السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب وَرَأَيْت مَنْقُولًا عَن الْحَافِظ الْمزي أَن الْكسر فِيهِ أشهر قَالَ الْحَافِظ الْبكْرِيّ سَمِعت شَيخنَا أَبَا المظفر السَّمْعَانِيّ - ويسأله بعض الطّلبَة - هَل يُقَال فِيهِ بِكَسْر السِّين فَقَالَ سَمِعت أبي - وَقد سُئِلَ عَن ذَلِك - فَقَالَ لَا أجعَل فِي حل من يَقُوله بِالْكَسْرِ وَذكر ابْن الصّلاح فِي أَمَالِيهِ على حَدِيث المسلسل سمْعَان مِنْهُم من أَتَى فِيهِ بِكَسْر السِّين وَغلط من فتحهَا وَمِنْهُم من لم يعرف إِلَّا فتح السِّين وَأَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ مِنْهُم وَمِنْهُم من ضَبطه بِالْوَجْهَيْنِ مَعًا انْتهى
٧٩ - (قَوْله) لَعَلَّ الباحث الْفَهم إِلَى آخِره
هَذَا من تَتِمَّة مَا سبق ذكره فِي صُورَة سُؤال وَجَوَاب وَمَا ذكره فِي الأول أَن الضعْف إِذا جَاءَ من جِهَة الرَّاوِي مَعَ كَونه من أهل الصدْق والديانة فَإِذا جَاءَ من جِهَة أُخْرَى عرفنَا أَنه لم يخْتل فِيهِ ضَبطه - مَرْدُود من جِهَة كَونه سَمَّاهُ ضَعِيفا فَإِن هَذَا حسن قطعا لانطباق رسمه عَلَيْهِ وَأما قبل الْمُتَابَعَة فَيدْخل فِي رسم الْحسن أَيْضا على رَأْي التِّرْمِذِيّ أَنه الَّذِي لَا يتهم رَاوِيه بِالْكَذِبِ وَالْغَرَض أَن رَاوِي هَذَا من
стр. 310
أهل الصدْق والديانة وَضعف الْحِفْظ على هَذَا ينزله من رُتْبَة الصَّحِيح إِلَى رُتْبَة الْحسن
وَأما قَوْله فِي الضعْف من حَيْثُ الْإِرْسَال بِأَن يُرْسل الْخَبَر إِمَام حَافظ يَزُول بروايته من وَجه آخر فَنَقُول أطلق الْوَجْه الآخر وَلم يشْتَرط فِيهِ أَن يكون عَن ثِقَة وَلَا أقل مِنْهُ فِي مقاومة الإِمَام الْحَافِظ فَإِن كَانَ كَذَلِك وَأرْسل الْخَبَر حَافظ وأسنده ثِقَة فَإِنَّهُ يزْعم أَن الحكم للإسناد
فَإِن ادّعى ذَلِك لِأَن الْإِسْنَاد زِيَادَة وَقد جَاءَت عَن ثِقَة فسبيلها أَن تقبل فَصَحِيح وَإِن زعم هَذَا مصطلح أهل هَذَا الشَّأْن فَلَيْسَ كَذَلِك على الْإِطْلَاق وَأما خبر لَا عِلّة لَهُ إِلَّا أَن إِمَامًا حَافِظًا أرْسلهُ وَقد تبين من وَجه آخر وَقد لزمَه فِي الْوَجْه الآخر أَن يكون عَن ثِقَة وَلَا بُد فَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون صَحِيحا على مذْهبه فِي
стр. 311
أَن الْمسند الثِّقَة مقدم على الْمُرْسل وَلَا عِلّة هُنَاكَ إِلَّا الْإِرْسَال وَقد انْتَفَت
وَقد بحث مَعَه فِي هَذَا الْموضع الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي - رَحمَه الله تَعَالَى - وَقَالَ الْحق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة (أ ٤٨) أَن يُقَال إِمَّا أَن يكون الرَّاوِي المتابع مُسَاوِيا للْأولِ فِي ضعفه أَو منحطا عَنهُ أَو أَعلَى مِنْهُ فَأَما مَعَ الانحطاط فَلَا تفِيد الْمُتَابَعَة شَيْئا (د ٣٢) وَأما مَعَ الْمُسَاوَاة فقد
قلت وَهُوَ تَفْصِيل حسن وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله فِيمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي الْأَحْكَام فَإِن كَانَ من الْفَضَائِل فالمتابعة فِيهِ تقوم على كل تَقْدِير لِأَنَّهُ عِنْد انْفِرَاده مُفِيد
وشذ ابْن حزم عَن الْجُمْهُور فَقَالَ وَلَو بلغت طرق الضَّعِيف ألفا لَا يقوى وَلَا يزِيد انضمام الضَّعِيف إِلَى الضَّعِيف إِلَّا ضعفا وَهَذَا مَرْدُود لِأَن الْهَيْئَة الاجتماعية لَهَا أثر أَلا ترى أَن خبر الْمُتَوَاتر يُفِيد الْقطع مَعَ أَنا لَو نَظرنَا إِلَى آحاده لم يفد ذَلِك فَإِذا كَانَ مَا لَا يُفِيد الْقطع بِانْفِرَادِهِ يفِيدهُ عِنْد الانضمام فَأولى أَن يُفِيد الانضمام الِانْتِقَال من دَرَجَة الضعْف إِلَى دَرَجَة الْقُوَّة فَهَذَا سُؤال لَازم لَا سِيمَا إِذا بلغ مبلغ التَّوَاتُر فَإِن الْمُتَوَاتر لَا يشْتَرط فِي أخباره الْعَدَالَة كَمَا تقرر فِي علم الْأُصُول
وَاعْلَم أَن الصَّوَاب فِي التَّمْثِيل لما ذكره بِحَدِيث المشمس كَمَا مثل بِهِ
стр. 312
النَّوَوِيّ وَقَالَ فِي أربعينه فِي حَدِيث من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا
стр. 313
اتّفق الْحفاظ على أَنه ضَعِيف وَإِن كثرت طرقه
وَأما جعل المُصَنّف حَدِيث الأذنان من الرَّأْس مَحْكُوم بضعفه وَإِن رُوِيَ بأسانيد فقد سبق إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فَقَالَا إِنَّه رُوِيَ بأسانيد ضِعَاف
стр. 314
لَكِن أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن شُعْبَة عَن حبيب بن زيد عَن عباد بن تَمِيم عَن عبد الله بن زيد
وسُويد احْتج بِهِ مُسلم وَحَدِيثه وثقة جمَاعَة وَبَاقِي الْإِسْنَاد على شَرط
стр. 315
الصَّحِيحَيْنِ وَلِهَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْإِلْمَام قَالَ شَيخنَا الْمُنْذِرِيّ وَهَذَا إِسْنَاد مُتَّصِل وَرُوَاته مُحْتَج بهم وَهُوَ أمثل إِسْنَاد فِي هَذَا الْبَاب وَوَافَقَهُ الشَّيْخ وَقَالَ لَعَلَّ أمثل مِنْهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ فِيهِ ابْن الْقطَّان إِسْنَاده صَحِيح لثقة رُوَاته واتصاله قَالَ الشَّيْخ وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يجمع طرقه لِأَنَّهُ يَأْتِي من وُجُوه قَالَ شَيخنَا الْمُنْذِرِيّ قد وَقع لنا هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعَائِشَة وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا يثبت مَرْفُوعا وَعَن عُثْمَان من قَوْله وأشهرها حَدِيث أبي أُمَامَة كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الشَّيْخ وَقد
стр. 316
علم أَن تظافر الروَاة على شَيْء ومتابعة بَعضهم لبَعض فِي حَدِيث مِمَّا يسْندهُ ويقويه وَرُبمَا الْتحق بالْحسنِ وَمَا يحْتَج بِهِ قَالَ وَقد أورد الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو عَمْرو بن الصّلاح كلَاما يفهم مِنْهُ لَا يرى هَذَا الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل مَعَ كَونه رُوِيَ بأسانيد ووجوه - فَذكر كَلَامه هَذَا - ثمَّ قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذكره وَجعله هَذَا الحَدِيث من هَذَا النَّوْع الَّذِي لَا يقويه مجيؤه من طرق - قد لَا يُوَافق على ذَلِك فقد ذكرنَا رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأَن رواتها ثِقَات وَرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَحكم ابْن الْقطَّان لَهَا بِالصِّحَّةِ
وعَلى الْجُمْلَة فَإِن توقف تَصْحِيحه عِنْد أحد على ذكر طَرِيق لَا عِلّة فِيهَا وَلَا كَلَام فِي أحد من رواتها فقد يتَوَقَّف فِي ذَلِك لَكِن اعْتِبَار ذَلِك صَعب ينْتَقض عَلَيْهِم فِي كثير مِمَّا استحسنوه وصححوه من هَذَا الْوَجْه فَإِن السَّلامَة من الْكَلَام فِي النَّاس قَلِيل وَلَو شَرط ذَلِك لما كَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى تَعْدِيل الْحسن بالتظافر والمتابعة والمجيء من طرق أَو وُجُوه فينقلب النّظر وتتناقض العبر وَيَقَع التَّرْتِيب أَو (يخْتَلف التصويب) (فَإِن يكن المهدى من بَاب هَدِيَّة فَهَذَا وَإِلَّا فالهدى ذَا فَمَا
стр. 317
المهدى)
قَالَ وَمَا ذكرته عرض عَلَيْك لَا الْتِزَام أتقلد عهدته وَفِي كَلَامي مَا يُشِير إِلَى الْمَقْصُود (أ ٤٩) انْتهى
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الْحيَاء كم من حَدِيث لَهُ طرق تجمع فِي جُزْء لَا يَصح مِنْهَا حَدِيث وَاحِد كَحَدِيث الطير يرْوى عَن قريب من أَرْبَعِينَ رجلا من أَصْحَاب أنس ويروي عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غَيره وَقد جمع غير وَاحِد من الْحفاظ طرقه للاعتبار والمعرفة كالحاكم أبي عبد الله وَأبي بكر بن مرْدَوَيْه وَأبي نعيم
стр. 318
قلت وَكَذَا حَدِيث من غسل مَيتا فليغتسل
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ جمع بعض الْمُحدثين طرقه فَكَانَت مائَة وَعشْرين طَرِيقا
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أَرْبَعِينَ الْبلدَانِ - وَقد خرج حَدِيث من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا - إِن الْأَحَادِيث الضِّعَاف إِذا انْضَمَّ بَعْضهَا إِلَى
стр. 319
بعض مَعَ كَثْرَة تعاضد وتتابع أحدثت قُوَّة وضارت كالاشتهار والاستفاضة اللَّذين يحصل بهما الْعلم فِي بعض الْأُمُور
٨٠ - (قَوْله) فِي الثَّالِثَة وَذَلِكَ يرقي حَدِيثه من دَرَجَة الْحسن إِلَى الصِّحَّة
هَذَا فِيهِ نظر لِأَن حد الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم لَا يَشْمَلهُ وتمثيله بِحَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو تَابع فِيهِ التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ أخرجه ثمَّ قَالَ وَقد روى هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن زيد بن خَالِد عَن النَّبِي ﷺ وَحَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيح (لِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه) وَأما مُحَمَّد فَزعم
стр. 320
أَن حَدِيث أبي سَلمَة عَن زيد أصح انْتهى
وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن عَمْرو احْتج بِهِ مُسلم
٨١ - (قَوْله) إِن الْحسن يُوجد فِي كَلَام غير التِّرْمِذِيّ من مَشَايِخ الطَّبَقَة
следующие страницы →