← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5978

النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 160 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِن وجد عوام من أهل الْعلم يفتون بِمثل [معنى] مَا روى ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا واهيا فيستدل بذلك على صِحَّته وَيكون (د / ٤٦) إِذا شرك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ فِي هَذِه دَلَائِل على صِحَة مخرج حَدِيثه وَمن خَالف مَا وصفت أضرّ بحَديثه حَتَّى لَا يسع أحدا قبُول مرسله قَالَ وَإِذا وجدت الدَّلَائِل بِصِحَّة حَدِيثه بِمَا وصفت أحببنا أَن نقبل مرسله وَلَا نستطيع أَن نزعم أَن الْحجَّة تثبت بِهِ ثُبُوتهَا بالمتصل وَذَلِكَ أَن بعض المنقطعات وَإِن وَافقه مُرْسل مثله فقد يحْتَمل أَن يكون مخرجها وَاحِدًا من حَيْثُ لَو سمي لم يقبل وَأَن [قَول] بعض الصَّحَابَة إِذا قَالَ بِرَأْيهِ لَو وَافقه (لم يدل على صِحَة) مخرج الحَدِيث دلَالَة قَوِيَّة إِذا نظر فِيهَا وَيُمكن أَن يكون إِنَّمَا غلط بِهِ حِين سمع قَول بعض الصَّحَابَة يُوَافقهُ

стр. 457

قَالَ فَأَما من بعد كبار التَّابِعين فَلَا أعلم أحدا يقبل مرسله لأمور أَحدهَا أَنهم أَشد تجوزا فِيمَن يروون عَنهُ وَالْآخر أَنه تُوجد عَلَيْهِم الدَّلَائِل فِيمَا أرْسلُوا لضعف مخرجه وَالْآخر كَثْرَة الإحالة فِي الْأَخْبَار فَإِذا كثرت الإحالة فِي الْأَخْبَار كَانَ أمكن للوهم وَضعف من يقبل عَنهُ انْتهى كَلَامه بنصه من الرسَالَة وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ فِي كتاب الْمدْخل وَقد تضمن الِاحْتِجَاج بالمرسل فِي مَوَاضِع أَحدهَا مَجِيئه مُسْندًا من وَجه آخر وَأَنه لَا بُد أَن يكون الطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيحا خلافًا لما وَقع فِي الْمَحْصُول وَثَانِيها أَن يُوَافقهُ مُرْسل آخر أرْسلهُ من أَخذ الْعلم عَن غير رجال التَّابِعِيّ الأول وَهَذَانِ الموضعان اقْتصر ابْن الصّلاح على حكايتهما عَن نَص الشَّافِعِي فِي التَّنْبِيه الأول من الْكَلَام [على] الْحسن فَاقْتضى كَلَامه ثمَّ أَن الشَّافِعِي يُسَوِّي بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَنْصُوص فِي الرسَالَة كَمَا سقناه أَن الْمُرْسل الَّذِي يُوَافقهُ

стр. 458

مُرْسل آخر أَضْعَف من الَّذِي وَافقه مُسْند وَهُوَ وَاضح ثَالِثهَا أَن يعضده قَول بعض الصَّحَابَة وَصرح الشَّافِعِي بِأَن هَذَا أَضْعَف من الَّذِي قبله وَأَنه يدل على أَنه لم يَأْخُذ مرسله إِلَّا عَن أصل يَصح رَابِعهَا أَن يعضده قَول جمع من أهل الْعلم وَلم يفصل بَين أَن يتَبَيَّن أَن يكون مستندهم أم لَا وَلَو قيل بالتفصيل لم يبعد خَامِسهَا أَن يكون مرسله لَو سمى من روى عَنهُ لَا يُسَمِّي مَجْهُولا وَلَا ضَعِيفا فيستدل بذلك على صِحَة مَا روى مُرْسلا وَهَذَا من أحسن مَا يُقَال فِي الْمُرْسل وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره تَعْدِيل لَهُ إِذا كَانَ من عَادَته لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة وَهُوَ أصح الْأَقْوَال سادسها أَن يكون إِذا شَارك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد حَدِيثه أنقص كَانَ دَلِيلا على صِحَة مخرج حَدِيثه وَأَن لَهُ أصلا فَإِن هَذَا يدل على حفظه وتحريه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت مُخَالفَته بِزِيَادَة فَإِنَّهُ يُوجب التَّوَقُّف فِيهِ وَالِاعْتِبَار وَمن هُنَا (أ / ٧٣) يُؤْخَذ أَن كَلَام الشَّافِعِي يرى أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة مُطلقًا كَمَا ظَنّه بَعضهم فَإِنَّهُ اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه وَلم يعْتَبر التخالف بِالزِّيَادَةِ وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من

стр. 459

الحَدِيث دَلِيلا على [صِحَة مخرج حَدِيثه] وَأخْبر أَنه مَتى خَالف مَا وصف أضرّ ذَلِك بحَديثه وَلَو كَانَت الزِّيَادَة غير مَقْبُولَة مُطلقًا لم تكن مُخَالفَته بِالزِّيَادَةِ مضرَّة بحَديثه وَزَاد الْمَاوَرْدِيّ سابعا وَهُوَ أَن الْمُرْسل يحْتَج بِهِ إِذا لم يُوجد دلَالَة سواهُ وَنسبه لقَوْل الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد ذكره فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَنَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَشرط فِيهِ الْإِقْرَار بالتعديل على الْإِجْمَال إِذا علمت ذَلِك فَفِي كَلَام الشَّافِعِي فَوَائِد إِحْدَاهَا أَن الْمُرْسل إِذا حصلت فِيهِ هَذِه الشواهد أَو بَعْضهَا [لزم] نوع الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا يلْزم لُزُوم الْحجَّة بالمتصل وَكَأَنَّهُ - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَرَادَ بِهِ أَن لَهُ مدخلًا فِي التَّرْجِيح لإِثْبَات الحكم بِهِ لِأَنَّهُ سوغ الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْجُمْلَة وَلم يُنكر على من خَالفه قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة لم نجد حَدِيثا (ثَابتا مُتَّصِلا) خَالفه جَمِيع أهل الْعلم إِلَّا أَن يكون مَنْسُوخا وَقد وجدنَا مَرَاسِيل أجمع أهل الْعلم على خلَافهَا وَذكر

стр. 460

مِنْهَا حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر الْآتِي قَرِيبا وَلم يقف الْجُمْهُور على هَذَا النَّص فأطلقوا النَّقْل عَن الشَّافِعِي أَنه يحْتَج بالمرسل عِنْد اجْتِمَاع هَذِه الشُّرُوط مِنْهُم القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالُوا وَلِهَذَا احْتج بمرسل سعيد فِي اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَقد تيقظ لهَذَا النَّص القَاضِي أَبُو بكر فَقَالَ فِي كِتَابه التَّقْرِيب قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يقبلهَا من الْمَرَاسِيل أستحب قبُولهَا وَلَا أَسْتَطِيع أَن اقول إِن الْحجَّة تثبت بهَا ثُبُوتهَا بالمتصل قَالَ القَاضِي فقد نَص بذلك على أَن الْقبُول عِنْد تِلْكَ الشُّرُوط مُسْتَحبّ لَا وَاجِب انْتهى وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الشَّافِعِي لم يرد الِاسْتِحْبَاب قسيم الْوُجُوب بل مُرَاده أَن الْحجَّة فِيهَا ضَعِيفَة لَيست كحجة الْمُتَّصِل إِذا انتهضت الْحجَّة وَجب الْأَخْذ لَا محَالة لَكِن الْحجَج مُتَفَاوِتَة فَإِذا عَارضه مُتَّصِل كَانَ الْمُتَّصِل مقدما عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ مُرَاد الشَّافِعِي بقوله أحببنا أَي اخترنا وَهَذَا النَّص يرفع اعْتِرَاض القَاضِي على الشَّافِعِي فِي الْعَمَل بالمرسل إِذا رُوِيَ من وَجه آخر

стр. 461

مُسْندًا إِذْ الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ على الْمسند (و) إِذا علمت مُرَاد الشَّافِعِي زَالَ الِاعْتِرَاض الثَّانِيَة أَن الْمُرْسل العاري عَن هَذِه الاعتبارات والشواهد الَّتِي ذكرهَا لَيْسَ بِحجَّة عِنْده وَلِهَذَا قَالَ أَنا ابْن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن لي مَالا وعيالا وَلأبي مَالا عيالا فيريد أَن يَأْخُذ مَالِي فيطعم عِيَاله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَنْت وَمَالك لأَبِيك قَالَ

стр. 462

الشَّافِعِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر غَايَة فِي الْفِقْه وَالْفضل وَالدّين والورع وَلَكِن لَا نَدْرِي عَمَّن قبل هَذَا الحَدِيث انْتهى وَلَا نسلم خلو هَذَا الْمُرْسل عَن بعض هَذِه الاعتبارات فقد رُوِيَ من وُجُوه (مُسْندًا) الثَّالِثَة أَن مَأْخَذ رد الْمُرْسل عِنْده إِنَّمَا هُوَ احْتِمَال ضعف الْوَاسِطَة وَأَن الْمُرْسل لَو سَمَّاهُ لبان أَنه لَا يحْتَج بِهِ وعَلى هَذَا المأخذ فَإِذا كَانَ الْمَعْلُوم من عَادَة الْمُرْسل أَنه لم يسم إِلَّا ثِقَة وَلم يسم مَجْهُولا كَانَ مرسله حجَّة وَإِن كَانَ يروي عَن الثِّقَة وَغَيره فَلَيْسَ بِحجَّة وَلِهَذَا رد الشَّافِعِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فِي الضحك فِي الصَّلَاة وَقَالَ يَقُولُونَ يحابي وَلَو حابينا لحابينا الزُّهْرِيّ وإرسال الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء وَذَلِكَ أَنا نجده يروي عَن سُلَيْمَان بن أَرقم

стр. 463

وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن رِوَايَة الثِّقَة عَن غَيره هَل هِيَ تَعْدِيل لَهُ أم لَا وَالصَّحِيح التَّفْصِيل (أ / ٧٤) بَين أَن يكون من عَادَته أَنه لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة فَيكون تعديلا [لَهُ] وَإِلَّا فَلَا ولهذه (د / ٤٧) الْعلَّة قبل الشَّافِعِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب [لَا] لِأَنَّهُ اعتبرها فَوَجَدَهَا مسانيد كَمَا ظن الْحَاكِم وَغَيره وَإِلَّا كَانَ الِاحْتِجَاج حِينَئِذٍ بالمسند مِنْهَا وَيَجِيء اعْتِرَاض القَاضِي السَّابِق وَلِهَذَا تقبل مَرَاسِيل الصَّحَابَة وَإِن احتملت روايتهم عَن التَّابِعين لِأَن الْغَالِب أَنهم لَا يروون إِلَّا عَن النَّبِي ﷺ لَا سِيمَا حَالَة الْإِطْلَاق فَحمل على الْغَالِب الرَّابِعَة أَن مُرْسل من بعد التَّابِعين لَا يقبل وَلم يحك عَن أحد قبُوله لتَعَدد الوسائط (وَلِأَنَّهُ لَو قبله يقبل مُرْسل الْمُحدث الْيَوْم) وَبَينه وَبَين رَسُول الله ﷺ مفاوز وَلم يقل بِهِ أحد الْخَامِسَة أَن ظَاهره قبُول مُرْسل [كبار] التَّابِعين دون صغارهم وَلِهَذَا قَالَ فِي الرسَالَة بعد النَّص الْمُتَقَدّم بِكَلَام وَمن نظر فِي الْعلم بخبرة وَقلة غَفلَة استوحش من مُرْسل كل من دون كبار التَّابِعين بدلائل ظَاهِرَة فِيهَا قَالَ لَهُ قَائِل فَلم فرقت

стр. 464

بَين كبار التَّابِعين الْمُتَقَدِّمين الَّذين شاهدوا أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَمن شَاهد بَعضهم دون غَيرهم قَالَ الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى - فَقلت لبعد إِحَالَة من لم يشْهد أَكْثَرهم قَالَ (فَلم لَا تقبل الْمُرْسل) مِنْهُم وَمن كل ثِقَة دونهم فَقلت لما وصفت انْتهى وَمُرَاد الشَّافِعِي بالذين شاهدوا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَي شاهدوا [كثيرا مِنْهُم وبالذين شاهدوا بَعضهم دون بعض أَي شاهدوا] قَلِيلا كَمَا تقدم فِي أبي حَازِم وَيحيى بن سعيد السَّادِسَة أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد بن الْمسيب كَمَا ظن بَعضهم وَسَيَأْتِي مُسْتَنده فِي ذَلِك إِذا علمت ذَلِك ظهر مِنْهُ أَن الشَّافِعِي يقبل الْمُرْسل فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة على التَّرْتِيب السَّابِق وَأَن الْحجَّة بالمتصل وَأَن ذَلِك كُله مُقَيّد بمرسل كبار التَّابِعين لَا مُطلق الْمُرْسل وَظهر بِهِ قُصُور المُصَنّف وَغَيره فِي اقتصارهم على بعض المرجحات وَبطلَان دَعْوَى خلق من الْأَصْحَاب أَن الشَّافِعِي يرى أَنه حجَّة مُسْتَقلَّة عِنْد وجود أحد هَذِه الْأَوْصَاف والموجب لذَلِك عدم اطلاعهم على هَذَا النَّص الْكَبِير الْقَوَاعِد والمذاهب إِنَّمَا تعلم من كَلَام أَرْبَابهَا فاشدد يَديك بِهَذِهِ الْفَائِدَة فَإِنَّهَا تَسَاوِي رحْلَة

стр. 465

الْأَمر الْخَامِس دَعْوَاهُ احتجاج الشَّافِعِي بمرسلات سعيد بن الْمسيب لوجودها مُسندَة من وُجُوه أخر تبع فِيهِ الْحَاكِم غَيره وَقد سبق أَن مأخذه غير ذَلِك نعم أخذُوا ذَلِك من قَول الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي كتاب الرَّهْن الصَّغِير حِين قيل لَهُ كَيفَ قبلتم عَن سعيد مُنْقَطِعًا وَلم تقبلوه عَن غَيره قُلْنَا لَا نَحْفَظ لسَعِيد مُنْقَطِعًا إِلَّا وجدنَا مَا يدل على تسديده وَلَا يُؤثر أحد فِيمَا عَرفْنَاهُ عَنهُ إِلَّا عَن ثِقَة عَن مَعْرُوف وَمن كَانَ مثل حَاله قبلنَا منقطعه ورأينا غَيره يُسَمِّي الْمَجْهُول ويسمي من يرغب عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَيُرْسل عَن النَّبِي ﷺ وَعَن بعض من لم يلْحق من أَصْحَابه الْمُنكر الَّذِي لَا يُوجد لَهُ شَيْء يسدده ففرقنا بَينهم لافتراق أَحَادِيثهم وَلم نحاب أحدا وَلَكنَّا قُلْنَا فِي ذَلِك بِالدّلَالَةِ الْبَيِّنَة على مَا وَصفنَا من صِحَة رِوَايَته وَفِي الْكَامِل لِابْنِ عدي بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ وَلَيْسَ الْمُنْقَطع بِشَيْء مَا عدا مُنْقَطع ابْن الْمسيب انْتهى

стр. 466

لَكِن الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي الْكِفَايَة حكى هَذِه الْعلَّة عَن بعض أَصْحَابنَا ثمَّ ردهَا بِأَن [فِي] مُرْسل سعيد مَا لم يُوجد [مُسْندًا] بِحَال من وَجه يَصح قَالَ وَالصَّحِيح أَنه لَا فرق بَين مُرْسل (أ / ٧٥) سعيد وَغَيره من التَّابِعين وَإِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي [و] التَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح وَإِن لم يكن حجَّة بمفرده وَزعم الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي فِي بَاب بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ أَن الشَّافِعِي اخْتلف قَوْله فِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب فَكَانَ فِي الْقَدِيم يحْتَج بهَا بانفرادها لِأَنَّهُ لَا يُرْسل حَدِيثا إِلَّا يُوجد مُسْندًا وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا مَا سَمعه من جمَاعَة أَو عضده قَول الصَّحَابَة أَو رَآهُ منتشرا عِنْد الكافة أَو وَافقه فعل أهل الْعَصْر وَلِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَن أكَابِر الصَّحَابَة وَأَيْضًا فَإِن مراسيله سبرت فَكَانَت مَأْخُوذَة عَن أبي هُرَيْرَة لما بَينهمَا من الوصلة والصهارة فَصَارَ إرْسَاله كإسناده عَنهُ قَالَ وَمذهب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَن مُرْسل سعيد وَغَيره لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا قَالَ مُرْسل سعيد عندنَا حسن لهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي وَصفنَا استئناسا بإرساله ثمَّ اعْتِمَادًا على مَا قارنه من الدَّلِيل فَيصير الْمُرْسل حِينَئِذٍ [مَعَ مَا قارنه] حجَّة انْتهى

стр. 467

وَسَيَأْتِي من كَلَام الْبَيْهَقِيّ وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق والخطيب وَغَيرهم أَن الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي أَن مُرْسل سعيد عِنْده لَيْسَ بِحجَّة إِنَّمَا يرجح بِهِ لَكِن فِي نِسْبَة ذَلِك إِلَى الْجَدِيد نظر فقد ذكر الشَّافِعِي فِي الْأُم وَهُوَ من الْكتب الجليلة على الْمَشْهُور فِي الرَّهْن الصَّغِير أَن مُرْسل سعيد حجَّة وَكَذَلِكَ من كَانَ مثله فِيمَا ذكر وَهُوَ يُؤَيّد قَول ابْن الصّلاح أَن الشَّافِعِي يقبل مُرْسل سعيد وَغَيره وَلَا يخْتَص عِنْده بإرسال سعيد قلت وَلَا بإرسال كل تَابِعِيّ بل بالتابعي الْكَبِير كَمَا سبق نَصه فِي الرسَالَة وَيرد أَيْضا دَعْوَى ابْن الصّلاح أَن الْعلَّة فِي قبُول مُرْسل سعيد كَونه وجد مُسْندًا فَقَط بل علته غير ذَلِك مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره اشْتهر عِنْد فُقَهَاء أَصْحَابنَا أَن مُرْسل سعيد بن الْمسيب حجَّة عِنْد الشَّافِعِي حَتَّى إِن كثيرا مِنْهُم لَا يعْرفُونَ غير ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ [وإرسال سعيد بن الْمسيب عندنَا حسن فَذكر صَاحب الْمُهَذّب وَغَيره من أَصْحَابنَا فِي أصُول الْفِقْه فِي معنى كَلَامه وَجْهَيْن لأَصْحَابه] مِنْهُم من قَالَ مراسيله حجَّة لِأَنَّهَا فتشت فَوجدت مسانيد

стр. 468

وَمِنْهُم من قَالَ لَيست بِحجَّة عِنْده بل هِيَ كَغَيْرِهَا على مَا نذكرهُ وَإِنَّمَا رجح الشَّافِعِي بِهِ وَالتَّرْجِيح بالمرسل صَحِيح وَحكى الْخَطِيب أَبُو بكر هذَيْن المذهبين لأَصْحَاب الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح مِنْهُمَا عندنَا الثَّانِي لِأَن من مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال من وَجه صَحِيح وَقد جعل الشَّافِعِي لمراسيل كبار التَّابِعين مزية على غَيرهم كَمَا اسْتحْسنَ مُرْسل سعيد وروى الْبَيْهَقِيّ فِي مناقبه بِإِسْنَادِهِ عَن الشَّافِعِي أَنه يقبل مُرْسل التَّابِعِيّ إِذا أسْندهُ حَافظ وَغير ذَلِك من الْوُجُوه السالفة ثمَّ قَالَ فالشافعي يقبل مَرَاسِيل كبار التَّابِعين إِذا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا يؤكدها وَإِلَّا لم يقبلهَا سَوَاء مُرْسل ابْن الْمسيب أَو غَيره قَالَ وَقد ذكرنَا مَرَاسِيل لِابْنِ الْمسيب لم يقل بهَا الشَّافِعِي حِين لم ينصم إِلَيْهَا مَا يؤكدها ومراسيل لغيره قَالَ بهَا حِين انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا أكدها قَالَ وَزِيَادَة ابْن الْمسيب على غَيره (فِي هَذَا) أَنه أصح (د / ٤٨) التَّابِعين إرْسَالًا فِيمَا زعم الْحفاظ

стр. 469

قَالَ فَهَذَا كَلَام الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ وَلَهُمَا الْمُنْتَهى فِي التَّحْقِيق ومحلهما من الْعلم مُطلقًا ثمَّ مَنْصُوص الشَّافِعِي ومذهبه مَعْرُوف وَأما قَول الْقفال فِي أول شرح التَّلْخِيص قَالَ الشَّافِعِي فِي الرَّهْن الْأَصْغَر مُرْسل ابْن الْمسيب عندنَا حجَّة فَهُوَ مَحْمُول على مَا ذكره الْخَطِيب وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ وَهَذَا النَّوْع وَقع فِي ابْن الصّلاح مُخْتَصرا مَعَ أَنه من أجل الْأَنْوَاع انْتهى وَمَا حَكَاهُ عَن الْخَطِيب وَغَيره من تَصْحِيح أَنه لَيْسَ بِحجَّة مُسْتَقلَّة ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وإرسال سعيد عندنَا حسن

стр. 470

فِي بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ (أ / ٧٦) عقب أثر الصّديق فِيهِ وَقَول ثَلَاثَة من التَّابِعين وَظَاهره أَنه رجح بِهِ وَأما تَأْوِيل كَلَامه فِي الرَّهْن الصَّغِير بِمَا سبق فَيدل لَهُ كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة وَلَو جعل على ظَاهره لَكَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ فَحصل فِي كَلَام ابْن الصّلاح أُمُور مِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الشَّافِعِي يرى الِاحْتِجَاج بالمرسل لسَعِيد وَقد عرفت مُرَاد الشَّافِعِي فِي التَّرْجِيح بِهِ وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن الْعلَّة عِنْده فِي قبُول مرسله كَونه رُوِيَ مُسْندًا وَقد سبق من كَلَام الشَّافِعِي أَعم من ذَلِك وَقيل إِنَّمَا رجح بِهِ الشَّافِعِي لكَونه من كبار التَّابِعين وَلم يتفرد بِهِ الشَّافِعِي وَقد قَالَ يحيى بن معِين أصح الْمَرَاسِيل عندنَا مُرْسل سعيد وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَمِنْهَا إِطْلَاقه أَن هَذَا الحكم لَا يخْتَص عِنْده بمرسل سعيد وَقد عرفت أَن الشَّافِعِي خصّه بمراسيل كبار التَّابِعين

стр. 471

وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي رسَالَته إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَن الشَّافِعِي لم يخص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ بل يقبل مرسله ومرسل غَيره من كبار التَّابِعين كالحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسليمَان بن يسَار إِذا اقْترن بهَا مَا يؤكدها من الْأَسْبَاب قَالَ وَإِنَّمَا ترك الشَّافِعِي مَرَاسِيل من بعد كبار التَّابِعين كالزهري وَمَكْحُول وَالنَّخَعِيّ وَمن فِي طبقتهم وَرجح بِهِ بعض قَول الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا وَترك مَرَاسِيل كبار التَّابِعين مَا لم يقْتَرن بِهِ مَا يشده من الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرهَا فِي الرسَالَة أَو وجد من الْحجَج مَا هُوَ أقوى مِنْهَا قَالَ وَقد احْتج الشَّافِعِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن بمرسل الْحسن الْبَصْرِيّ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل

стр. 472

وَقَالَ فَهَذَا وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا دون النَّبِي ﷺ فَإِن أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ بِهِ وَهُوَ ثَابت عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من الصَّحَابَة فأكد مرسله بقول صَحَابِيّ وقوى الْأَكْثَر كَمَا أكد مُرْسل سعيد فِي النَّهْي عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ بقول الصّديق وَبِأَنَّهُ رُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا وَقَالَ بمرسل الْحسن فِي كتاب الصّرْف فِي النَّهْي عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَقَالَ بمرسل طَاوس فِي كتاب الزَّكَاة وَالْحج وَالْهِبَة وَغير

стр. 473

ذَلِك وبمرسل عُرْوَة بن الزبير وَأبي أُمَامَة [أسعد بن] سهل بن حنيف وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَعَطَاء بن يسَار وَسليمَان بن يسَار وَابْن سِيرِين وَغَيرهم من كبار التَّابِعين فِي مَوَاضِع من كتبه حِين اقْترن بهَا مَا يؤكدها وَلم يجد مَا هُوَ أقوى [مِنْهَا] وَترك مَا لم يجد فِيهِ ذَلِك كَمَا ترك ذَلِك فِي مُرْسل سعيد كمرسله أَنه ﵊ فرض زَكَاة الْفطر مَدين من حِنْطَة وَأَنه ﵊ [قَالَ] لَا بَأْس بالتولية فِي الطَّعَام قبل أَن يسْتَوْفى وَأَنه ﵊ قَالَ دِيَة كل ذِي عهد فِي عَهده ألف دِينَار وَأَنه ﵊ قَالَ من ضرب أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ

стр. 474

قَالَ وعَلى هَذَا فتخصيص مُرْسل ابْن الْمسيب بِالْقبُولِ دون من عداهُ من كبار التَّابِعين على أصل الشَّافِعِي وَإِن قَالَه صَاحب التَّلْخِيص انْتهى يَعْنِي ابْن الْقَاص وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الشَّافِعِي أَن مَرَاسِيل الْحسن الْبَصْرِيّ عِنْده مستحسنة حَكَاهُ [عَنهُ] ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فِي الْكَلَام على قبض الْمَبِيع قَالَ وَلِهَذَا احْتج بِهِ فِي الْأُم

стр. 475

وَقَالَ ابْن حزم ادّعى بَعضهم أَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ إِذا حَدثهُ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أرْسلهُ قَالَ فَهُوَ أقوى من الْمسند وَمِنْهَا دَعْوَاهُ أَن [من] مَرَاسِيل سعيد مَا لم يُوجد مُسْندًا بِحَال وَقد سبق كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي ترك الشَّافِعِي بعض مَرَاسِيل سعيد وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح العنوان هَذَا التتبع لم تظهر صِحَّته لوجدان غير حَدِيث مُرْسل من رِوَايَة سعيد لم يُوجد من جِهَة غَيره كَمَا تتبعه الْحفاظ وَإِن وجد فَمن وَجه لَا يَصح [وَقَالَ أَيْضا] ذَلِك الْوَجْه الآخر إِمَّا أَن يكون مُعْتَمدًا أَولا فَإِن كَانَ مُعْتَمدًا فَهُوَ الْحجَّة وَإِلَّا فَلَا أثر لَهُ (أ / ٧٧) وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ قد اشْتهر اسْتثِْنَاء مَرَاسِيل سعيد لِأَنَّهَا وجدت مسانيد فعلى هَذَا لَا معنى للاستثناء لِأَن الِاحْتِجَاج إِنَّمَا وَقع بالمسند لِأَنَّهَا

стр. 476

وجدت مسانيد قَالَ وَلم يقل الشَّافِعِي إِنَّه يحْتَج بمرسل سعيد كَيفَ كَانَ وَإِنَّمَا أثنى على مراسيله لِأَنَّهُ يُرْسل عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره يُرْسل عَمَّن لَا يعرف وَقَالَ الكيا الطَّبَرِيّ لما قَالَ الشَّافِعِي إِن مُرْسل سعيد حجَّة رُوجِعَ فِي الْفرق بَينه وَبَين غَيره فَقَالَ لِأَنِّي تتبعت مراسيله فَوَجَدتهَا مسانيد [فَقيل لَهُ وجدت مجموعها أَو أَكْثَرهَا فَإِن قَالَ وجدت مجموعها مسانيد] فَلَا أثر للمرسل [إِذا] إِذْ الِاعْتِمَاد على الْمسند وَإِن قَالَ وجدت أَكْثَرهَا فَهَذَا مقَام لَا يقنع فِيهِ بالمعظم فَإِن كل حَدِيث يطْلب إِسْنَاده فِي عينه من غير إغفال شَرط لوُجُود الشَّرْط فِي غَيره وَسَيَأْتِي جَوَاب هَذَا ١٣٣ - (قَوْله) وَمن أنكر هَذَا زاعما أَن الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ يَقع على الْمسند دون الْمُرْسل فَيَقَع لَغوا فَجَوَابه أَن بالمسند يتَبَيَّن صِحَة الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ [إِسْنَاد] صَحِيح قلت يُشِير إِلَى اعْتِرَاض القَاضِي أبي بكر على احتجاج الشَّافِعِي بالمرسل إِذا رُوِيَ مُسْندًا من وَجه آخر بِأَن الْعَمَل حِينَئِذٍ على الْمسند وَأجَاب المُصَنّف بِأَنا لَا نسلم أَن الْعَمَل بالمسند فَقَط بل بالمسند يتَبَيَّن صِحَة إِسْنَاد الْإِرْسَال حَتَّى يحكم لَهُ

стр. 477

مَعَ إرْسَاله بِأَنَّهُ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ المُصَنّف فِي حَاشِيَته وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْإِرْشَاد وَقسم مِنْهُ أَن الحَدِيث الَّذِي يَقع عَلَيْهِ ذَلِك فِي إِسْنَاده يكون لَهُ إسنادان صَحِيحَانِ أَحدهمَا الْمُرْسل فيكتسب بذلك قُوَّة لَا وجود لَهَا على تَقْدِير الْمصير إِلَى أَنه لم يَصح إِلَّا ذَلِك الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي زعم الْمُخَالف أَنه [بِهِ] ثَبت الحَدِيث لَا غير وَزَاد النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره من الْفَوَائِد أَنه لَو كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ لَو عارضهما حَدِيث صَحِيح [جَاءَ من طَرِيق وَاحِد وَتعذر الْجمع رجحناهما عَلَيْهِ وعملناهما دونه وَقد اعْترض على هَذَا الْجَواب بِأَن الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ إرْسَال يحْتَمل أَن يكون هُوَ الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل الَّذِي هُوَ صَحِيح] وَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا آخر غير صَحِيح احْتِمَالا على السوَاء وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَال لَا يتَبَيَّن بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل كَون الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال صَحِيحا إِذا بِالشَّكِّ فِي كَونه هُوَ الْإِسْنَاد الصَّحِيح أَو غَيره لَا يرْتَفع عَنهُ الِاحْتِمَال الَّذِي هُوَ قَادِح فِي صِحَّته وَمُوجب لضَعْفه عِنْد من يَقُول

стр. 478

بضعفه فَلَا يتَبَيَّن بِهِ صِحَّته بِوَجْه وَهَذَا ظَاهر عِنْد من لَهُ مذاق بِمَا يصلح أَن يتَبَيَّن بِهِ (د ٤٩) الْأَمر وَمَا لَا يصلح وَقَول النَّوَوِيّ فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ حَتَّى يقدم على مَا صَحَّ من طَرِيق وَاحِدَة عَجِيب فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي النَّوْع الْحَادِي عشر أَن الحَدِيث إِذا رُوِيَ مُسْندًا ومرسلا أَن القَوْل بِأَن ذَلِك لَيْسَ بقادح وَفِي التَّرْجِيح أَيْضا بالرواية من طَرِيقين على مَا رُوِيَ من طَرِيق بعد صحتهما نظر تكَاد تخَالفه استعمالات الْفُقَهَاء واستدلالاتهم فقد أَخذ الشَّافِعِي بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي التَّشَهُّد وَحَدِيث ابْن مَسْعُود أَكثر طرقا وَنَحْوه وَمِنْهُم من أجَاب عَن الْإِشْكَال السَّابِق بِأَن الِاحْتِجَاج بالمسند إِنَّمَا ينْهض إِذا كَانَ فِي نَفسه حجَّة وَلَعَلَّ الشَّافِعِي أَرَادَ بالمسند هُنَا مَا لَا ينْهض بِنَفسِهِ فَإِذا ضم إِلَى الْمُرْسل قَامَ بِهِ الْمُرْسل وَصَارَ حجَّة وَهَذَا لَيْسَ عملا بالمسند بل بالمرسل إِذا زَالَت التُّهْمَة عَنهُ وَسكت المُصَنّف عَن اعتراضهم فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ إِذا جَاءَ من وَجه آخر مُرْسلا فَإِن ضم الضَّعِيف إِلَى مثله لَا يُفِيد كَمَا فِي شَهَادَة الْفَاسِق مثله

стр. 479

وَقد (أ / ٧٨) يُجَاب بِمَا سبق فِي الحَدِيث الضَّعِيف إِذا تعدّدت طرقه أَنه يرتقي إِلَى رُتْبَة الِاحْتِجَاج بِهِ وغرض الشَّافِعِي من هَذِه الْأَشْيَاء حرف وَاحِد وَهُوَ أَنا إِذا جهلنا عَدَالَة الرَّاوِي للْأَصْل لم يحصل عَلَيْهِ الظَّن بِصدق الْخَبَر فَإِذا انضمت هَذِه الْقَرَائِن إِلَيْهِ قوي بعض الْقُوَّة فَيجب الْعَمَل بِهِ دفعا للضَّرَر المظنون ١٣٤ - (قَوْله) فِي رد الْمُرْسل وَهُوَ قَول جَمَاهِير حفاظ الحَدِيث ونقاد الْأَثر هَكَذَا قَالَه الْخَطِيب وَفِي كَلَام ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مَا يَقْتَضِي أَن كلهم مجمعون [عَلَيْهِ] لَكِن قَالَ القَاضِي أَبُو بكر فِي التَّقْرِيب الْجُمْهُور على قبُول الْمُرْسل وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ إِذا كَانَ الْمُرْسل ثِقَة عدلا وَهُوَ قَول مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَأبي حنيفَة وَأهل الْعرَاق وَكَذَلِكَ نَقله الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول عَن الْأَكْثَرين وَيَنْبَغِي أَن يكون مُرَادهم أَكثر أهل الْأُصُول وَمُرَاد ابْن الصّلاح كَذَا قيل وَفِيه نظر فَإِن الْمُرْسل حجَّة عِنْد مَالك كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَغَيرهمَا وَكَذَلِكَ عِنْد أَحْمد كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَالْقَاضِي [أَبُو بكر] وروى

стр. 480

الْخَطِيب فِي الْجَامِع عَن أَحْمد أَنه قَالَ رُبمَا كَانَ الْمُرْسل أقوى من الْمسند وَنقل ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره إِجْمَاع التَّابِعين على قبُول الْمُرْسل لكنه مَرْدُود وغايته أَنهم كَانُوا يرسلون وَلَكِن من قَالَ إِنَّهُم أَجمعُوا على قبُوله فَإِن قلت يُؤَيّد دَعْوَى ابْن الْحَاجِب قَول الإِمَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ إِنْكَار الْمُرْسل بِدعَة حدثت بعد الْمِائَتَيْنِ قلت إِن ثَبت عَنهُ فمراده حدث القَوْل بِهِ لما احْتِيجَ إِلَيْهِ لِأَن أحدا قبل ذَلِك لم يكن يعْمل بِهِ فَلَمَّا تطاول الزَّمن احْتِيجَ إِلَى إِنْكَاره فَكَانَت بِدعَة وَاجِبَة وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيل لعارضناه بِكَلَام مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي نَقله ابْن الصّلاح

стр. 481

وَاعْلَم أَن بعض الْخُصُوم نسب الشَّافِعِي للتفرد برد الْمُرْسل وَقَالَ ابْن عبد الْبر إِن ابْن جرير أَشَارَ بِكَلَامِهِ السَّابِق إِلَيْهِ وَقد حكى أَبُو دَاوُد السجسْتانِي قَرِيبا من ذَلِك فِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل الْأَمْصَار فِي سَبَب كِتَابَة السّنَن فَقَالَ وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بن أنس وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم فِيهِ وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره انْتهى وَهَذَا مَرْدُود فقد قَالَ سعيد بن الْمسيب وَهُوَ إِمَام التَّابِعين إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة كَذَا نَقله عَنهُ [الْحَافِظ أَبُو عبد الله] الْحَاكِم وَنَقله ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول عَن الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ [و] صَحَّ ذَلِك عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره وَفِي مُقَدّمَة صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنه لم يقبل مُرْسل بعض التَّابِعين وَكَانَ من الثِّقَات المحتج بهم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَصَحَّ

стр. 482

فِيهِ أَيْضا عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ كَانُوا لَا يسْأَلُون عَن الْإِسْنَاد فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة قَالُوا سموا لنا رجالكم فَينْظر إِلَى أهل السّنة فَيُؤْخَذ عَنْهُم وَإِلَى أهل الْبدع فَلَا يُؤْخَذ عَنْهُم وَكَانَ يحيى بن سعيد الْقطَّان - ووفاته قبل الشَّافِعِي - شَدِيد الْإِنْكَار للمرسل فروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَحْمد بن سِنَان عَنهُ أَنه كَانَ لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وَيَقُول هَؤُلَاءِ قوم حفاظ كَانُوا إِذا سمعُوا الشَّيْء علقوه وَقَالَ سعيد بن الْمسيب عَن أبي بكر ذَاك شبه الرّيح وَقَالَ مَالك عَن سعيد بن الْمسيب أحب إِلَيّ من سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم وكل ضَعِيف وَقَالَ سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم لَا شَيْء وَقَالَ مرسلات أبي

стр. 483

إِسْحَاق الْهَمدَانِي عِنْدِي لَا شَيْء وَالْأَعْمَش والتيمي وَيحيى بن أبي كثير يَعْنِي مثله وَقَالَ مرسلات أبن أبي خَالِد يَعْنِي إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ مرسلات ابْن عُيَيْنَة شبه الرّيح ثمَّ قَالَ (إِي وَالله) وسُفْيَان بن سعيد وَقَالَ كَانَ شُعْبَة يضعف إِبْرَاهِيم عَن عَليّ هَذِه أَقْوَال يحيى بن سعيد وناهيك بِهِ وَفِي هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه عَن شُعْبَة من تَضْعِيفه (أ / ٧٩) إِبْرَاهِيم عَن عَليّ تعقب على أبي عَمْرو فَإِنَّهُ روى أثرا عَن إِبْرَاهِيم عَن عَليّ فِي الَّذِي يُرَاجع وَلم

стр. 484

تعلم الْبَرَاءَة فَتزوّجت فَإِن الأول أَحَق بهَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَأَجْمعُوا أَن مَرَاسِيل إِبْرَاهِيم صِحَاح وَمرَاده بالمرسل الْمُنْقَطع لما تقدم وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أبي وَأَبا زرْعَة يَقُولَانِ لَا يحْتَج بالمراسيل وَإِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الْمُتَّصِلَة وبقولهما أَقُول وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله والْحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَلَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث قد ضعفه غير وَاحِد مِنْهُم قَالَ وَمن ضعفه فَإِنَّمَا ضعفه من قبل أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قد حدثوا عَن الثِّقَات وَغير الثِّقَات فَإِذا روى أحدهم حَدِيثا وأرسله لَعَلَّه أَخذه عَن غير ثِقَة قَالَ وَقد احْتج بَعضهم بالمراسيل وَحَكَاهُ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ١٣٥ - (قَوْله) وَفِي صدر صَحِيح مُسلم [الْمُرْسل] فِي أصل قَوْلنَا وَقَول أهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة اعْترض عَلَيْهِ فِيمَا نَقله فَإِن مُسلما إِنَّمَا ذكره فِي اثناء كَلَام خَصمه الَّذِي رد

стр. 485

عَلَيْهِ اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء فِي الْإِسْنَاد المعنعن فَقَالَ فَإِن قَالَ قبلته لِأَنِّي وجدت رُوَاة الْأَخْبَار قَدِيما وحديثا يروي أحدهم عَن الآخر الحَدِيث وَلما يعاينه وَمَا سمع مِنْهُ شَيْئا قطّ فَلَمَّا رَأَيْتهمْ استجازوا رِوَايَة الحَدِيث بَينهم هَكَذَا على الْإِرْسَال من غير سَماع والمرسل من الرِّوَايَات فِي أصل قَوْلنَا وَأهل الْعلم بالأخبار لَيْسَ بِحجَّة أحتجت لما وصفت من الْعلَّة إِلَى الْبَحْث عَن سَماع رَاوِي كل خبر عَن رَاوِيه إِلَى آخر كَلَامه وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن حَكَاهُ عَن لِسَان خَصمه لَكِن لما لم يعْتَرض عَلَيْهِ بِشَيْء فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ فَلهَذَا سَاغَ لِابْنِ الصّلاح عزوه إِلَيْهِ وَيُؤَيِّدهُ قَول التِّرْمِذِيّ الحَدِيث إِذا كَانَ مُرْسلا فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث ١٣٦ - (قَوْله) وَابْن عبد الْبر حَافظ الْمغرب مِمَّن حكى ذَلِك عَن (جمَاعَة) أَصْحَاب الحَدِيث أَي فِي كل الْأَمْصَار وَنَقله عَن سَائِر أهل الْفِقْه أَيْضا قَالَ الْإِجْمَاع على

стр. 486

الْحَاجة إِلَى عَدَالَة (د ٥٠) الْمخبر وَأَنه لَا بُد من علم ذَلِك وَقَالَ ابْن خلفون فِي الْمُنْتَقى وَلَا اخْتِلَاف أعلمهُ بَينهم أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل إِذا كَانَ مرسله غير متحرز يُرْسل عَن غير الثِّقَات ١٣٧ - (قَوْله) والاحتجاج بِهِ - أَي مُطلقًا - مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وأصحابهما فِي طَائِفَة وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد فِيهِ أُمُور أَحدهَا هَذَا الْكَلَام يحْتَمل ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا وَهُوَ الظَّاهِر أَنه هُوَ والمسند سَوَاء وَثَانِيها أَنه يحْتَج بِهِ مَعَ احْتِمَال كَونه أولى من الْمسند وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن [ابْن] خويز منداد الْمَالِكِي الْبَصْرِيّ وَلَكِن المُرَاد هُوَ الأول

стр. 487

الْأَمر الثَّانِي أَن ابْن الصّلاح أطلقهُ وَشَرطه عِنْدهم أَن يكون مرسله ثِقَة يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم فَلَا خلاف أَنه لَا يجوز الْعَمَل بالمرسل قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره من الْمَالِكِيَّة وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وعَلى هَذَا (فصل النزاع) فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن الشَّافِعِي يقبله حِينَئِذٍ كَمَا سبق ثمَّ الْخلاف فِي الْمُرْسل الَّذِي لَا عيب فِيهِ سوى الْإِرْسَال فَأَما إِذا انْضَمَّ إِلَى كَونه مُرْسلا ضعف راو من رُوَاته فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسْوَأ حَالا من الْمسند الضَّعِيف لِأَنَّهُ يزِيد عَلَيْهِ بالانقطاع وَلَا خلاف فِي رده وَعدم الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَه أَبُو الْحسن بن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام وَكَذَا أَبُو الْحُسَيْن فِي الْمُعْتَمد وخلائق من الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة مِنْهُم القَاضِي عبد الْوَهَّاب والمازري والباجي وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ

стр. 488

الثَّالِث مَا نَقله عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ فِيمَا نَقله أَبُو دَاوُد وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم وَغَيرهم وَلَكِن نقل أَبُو عبد لله الْحَاكِم عَنهُ أَنه لَيْسَ بِحجَّة ١٣٨ - (قَوْله) ثمَّ (إِنَّا لم) نعد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل إِلَى آخِره فِيهِ أُمُور أَحدهَا حَاصله تَخْصِيص (أ ٨٠) الْخلاف السَّابِق بمرسل التَّابِعين فَمن دونهم أما مُرْسل الصَّحَابَة فمقبول أَي بِالْإِجْمَاع كَمَا صرح بِهِ بَعضهم لَكِن حكى الْخَطِيب وَغَيره عَن بعض الْعلمَاء أَنه لَا يحْتَج بِهِ كمرسل غَيرهم إِلَّا أَن يَقُول لَا أروي إِلَّا مَا سمعته عَن رَسُول الله ﷺ أَو عَن صَحَابِيّ لِأَنَّهُ قد يروي عَن غير صَحَابِيّ قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا مَذْهَب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرائني وَالصَّوَاب

стр. 489

الْمَشْهُور أَنه يحْتَج بِهِ مُطلقًا لِأَن روايتهم عَن غير الصَّحَابِيّ نادرة وَإِذا رووها بينوها قلت وَأغْرب ابْن برهَان فِي الْأَوْسَط فَقَالَ عَن مقَالَة الْأُسْتَاذ إِنَّهَا الصَّحِيح وَأغْرب ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فحكاه عَن الشَّافِعِي وَاخْتِيَار القَاضِي أبي بكر كَذَا ذكره فِي بَاب التناوب فِي الْعلم قَالَ لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يسمع مِمَّن لَا يضْبط كواحد أَو أَعْرَابِي لَا حجَّة لَهُ وَلَا تعرف عَدَالَته وَقَالَ الكيا الهراسي وَأما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فعلى قسمَيْنِ أَحدهمَا أَن يَقُول الْوَاحِد مِنْهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ من غير أَن يَقُول سمعته وَالثَّانِي أَن يَقُول حَدثنِي رجل عَن رَسُول الله ﷺ وفيهَا خلاف عِنْد من يرد الْمَرَاسِيل وَمن قبله يَقُول الِاعْتِمَاد على الظَّاهِر فَإِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَالظَّاهِر أَنه سَمعه لوُجُود دَلِيل السماع وَهُوَ الصُّحْبَة فَإِن قيل ظهر من حَال ابْن عَبَّاس إرْسَال الْأَحَادِيث فَإِن رَسُول الله ﷺ توفّي

стр. 490

وَهُوَ صبي لم يبلغ فَكَانَ أَكثر مَا رَوَاهُ مُرْسلا وَأطْلقهُ عَن رَسُول الله ﷺ وروى عَن النَّبِي ﷺ أَفعَال الْحَج وَلم يكن شَاهدهَا فَإِنَّهُ ﵊ بَعثه مَعَ أغيلمة بني عبد الْمطلب لَيْلَة الْمزْدَلِفَة وَأَنه سمع ذَلِك من أَخِيه الْفضل بن عَبَّاس وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﵊ قَالَ من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك سمعته من الْفضل وَقَالَ الْبَراء بن عَازِب مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه بل سمع بَعْضنَا من بعض وَلَكنَّا لَا نكذب قيل هَب أَن الْأَمر كَذَلِك فَظَاهر ذَاك الصَّحَابِيّ لَا يَخْلُو من أَن يكون سمع الرَّسُول أَو سمع مِنْهُم وهم معدلون فَلَا تضر الْجَهَالَة بهم انْتهى

стр. 491

الثَّانِي أَن هَذَا لَا يخْتَص بأحداث الصَّحَابَة كَمَا عبر بِهِ بل مُرْسل الْكل كَذَلِك وَكَأَنَّهُ ذكره ليعلم كبارهم من بَاب أولى قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني لَيْسَ يعد مُرْسل الصَّحَابِيّ مُرْسلا فقد كَانَ يَأْخُذ بَعضهم عَن بعض ويروي بَعضهم عَن بعض وَقَالَ كَانَ لعمر بن الْخطاب جَار من الْأَنْصَار يتناوب مَعَه النُّزُول إِلَى رَسُول الله ﷺ ينزل هُوَ يَوْمًا وَالْآخر يَوْمًا قَالَ فَإِذا نزلت جِئْته بِخَبَر ذَلِك الْيَوْم من الْوَحْي وَغَيره وَقَالَ الْبَراء مَا كل مَا نحدثكم بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ سمعناه من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن سمعناه وَحدثنَا أَصْحَابنَا وَكُنَّا لَا نكذب وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كتاب اليواقيت كَانَ من مَذْهَب الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم [أَنه] إِذا صَحَّ عِنْدهم أَن رَسُول الله ﷺ ذكر حَدِيثا رَوَوْهُ عَنهُ من غير أَن

стр. 492

تذكر الْوَاسِطَة بَينهم فقد روى أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس قصَّة ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت بِمَكَّة فِي بَدْء الْإِسْلَام لم يحضرها أَبُو هُرَيْرَة ويصغر عَنْهَا سنّ ابْن عَبَّاس وروى ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وقُوف النَّبِي ﷺ على قليب بدر وَابْن عمر لم يحضر بَدْرًا وروى الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم قصَّة الْحُدَيْبِيَة وسنهما لَا يحْتَمل

стр. 493

ذَلِك لِأَنَّهُمَا ولدا بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وروى أنس بن مَالك حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر وَذَلِكَ كَانَ قبل الْهِجْرَة وَقد أخرج الْأَئِمَّة هَذِه الْأَحَادِيث وأمثالها فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَأَجْمعُوا على الِاحْتِجَاج بهَا قلت وَلم أر من خَالف فِي ذَلِك سوى ابْن الْقطَّان فَإِنَّهُ علل حَدِيث جَابر فِي صَلَاة النَّبِي ﷺ عِنْد الْكَعْبَة بِأَن جَابِرا لم (أ / ٨١) يدْرك من حَدثهُ بذلك وَهُوَ لم يشْهد صَبِيحَة الْإِسْرَاء لما علم أَنه أَنْصَارِي إِنَّمَا صَحبه بِالْمَدِينَةِ وَلَا يلْزم مثل [ذَلِك] فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فَإِنَّهُمَا رويا إِمَامَة جِبْرِيل من قَول النَّبِي ﷺ ونازعه تِلْمِيذه ابْن الْمواق فِي كِتَابه بغية النقاد فَقَالَ وَقد تكَرر من

стр. 494

ابْن الْقطَّان مثل هَذَا فِي تَعْلِيل أَحَادِيث كَثِيرَة كَحَدِيث أُسَامَة بن زيد فِي الانتضاح وَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْوضُوء بِفضل مَيْمُونَة وَحَدِيث زَيْنَب

стр. 495

الثقفية وَغير ذَلِك والبحث فِيهِ قَلِيل الجدوى فَإِنَّهُم كلهم عدُول وكيفما كَانَ فالحجة فِيهِ لَازِمَة الثَّالِث ظَاهره أَن مَرَاسِيل الصَّحَابَة إِنَّمَا تعرف بطرِيق وَاحِد وَهُوَ أَن يكون الرَّاوِي مِنْهُم صَغِير السن أَي بِحَيْثُ يغلب على الظَّن أَنهم أخذُوا (د ٥١) مَا رَوَوْهُ عَن غَيرهم من الأكابر فَأَما مُرْسل أكَابِر الصَّحَابَة فَإِنَّهُ يعرف بتبيينهم لَهُ وَإِلَّا فَمَا رَوَوْهُ مَحْمُول على السماع وَإِن لم يصرحوا بِهِ الرَّابِع أَشَارَ إِلَى الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة لقبُول رِوَايَته بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ إِنَّمَا رددنا الْمُرْسل لاحْتِمَال عدم عَدَالَة الْوَاسِطَة وَهَذَا الْمَانِع مَفْقُود فِي الصَّحَابَة لعدالتهم فَلَا فرق بَين ذكر الْوَاسِطَة وحذفها لَكِن هَذَا ينْتَقض بِأَنَّهُم قد يروون عَن التَّابِعين وَقد صنف الْخَطِيب كتابا فِي الصَّحَابَة عَن التَّابِعين فَبلغ عَددهمْ نَحْو
следующие страницы →