Полный текст (1 160 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تَعْلِيل حَدِيث الثِّقَة أَو يُخَالِفهُ من هُوَ أثبت
وَالرَّابِع لمن أسْندهُ إِذا كَانَ عدلا ضابطا وَبِه جزم الخليلي فِي الْإِرْشَاد وَابْن حزم فِي كتاب الْإِعْرَاب وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد المُصَنّف وَغَيره جعلا لَهُ من قبيل الزِّيَادَة المقبولة وَظَاهر تصرف التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه يَقْتَضِي الْأَخْذ بأصح الرِّوَايَتَيْنِ سندا زِيَادَة أَو نقصا
وَأما من حكى شَيْئا من هَذِه الْأَقْوَال عَن أهل الحَدِيث أَو أَكْثَرهم فقد أنكرهُ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي مُقَدّمَة شرح الْإِلْمَام وَقَالَ إِن ذَلِك لَيْسَ قانونا مطردا وبمراجعة أحكامهم الْجُزْئِيَّة يعرف صَوَاب مَا نقُول فَإِنَّهُم يروون الحَدِيث من رِوَايَة الثِّقَات الْعُدُول ثمَّ تقوم لَهُم علل فِيهِ تمنعهم من الحكم بِصِحَّتِهِ لمُخَالفَة جمع كثير للأقل وَمن هُوَ أحفظ مِنْهُ أَو قيام قرينَة تُؤثر فِي أنفسهم غَلَبَة ظن بغلطه وَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي وصل أَو رفع وَلم يجروا فِي ذَلِك على قانون وَاحِد يسْتَعْمل فِي جَمِيع الْأَحَادِيث قَالَ وَأقرب النَّاس إِلَى إطراد هَذِه الْقَوَاعِد بعض أهل الظَّاهِر
وَمن هُنَا حكى بعض الْمُتَأَخِّرين تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر بِحَسب الْقَرَائِن فَإِن كَانَ الواقفون لَهُ ثِقَات حفاظا أوثق وأحفظ مِمَّن رَفعه فَالْحكم [للْوَقْف] وَكَذَا
стр. 562
إِذا كَانُوا عَن شيخ لَهُم وَأهل بلد فهم أَحَق بِهِ مِمَّن لَيْسَ هُوَ شَيْخه وَلَا كثرت ملازمته لَهُ وَلَا هُوَ من أهل بَلَده وَإِن كَانَ الرافع لَهُ كثيرين ثِقَات حفاظا وَإِن تعَارض الْحَال توقف فِي التَّرْجِيح وَالتَّحْقِيق أَن جهتي طرق الحَدِيث إِمَّا ضَعِيف أَو صَحِيح فالأخذ بِالصَّحِيحِ مُتَعَيّن وَإِمَّا صَحِيحَانِ فَإِن تَفَاوتا فالأخذ بالأصح أولى وأحوط وَإِن اسْتَويَا فِي الصِّحَّة فَهَل الْأَخْذ بالمتيقن الْأَقَل أَو بِالزَّائِدِ فِيهِ الْقَوْلَانِ المتقدمان وَالْمُخْتَار تَقْدِيم الرّفْع وَإِلَّا لزم الْأَخْذ بِالْأَصْلِ فِي زِيَادَة الْمَتْن وَهُوَ خلاف الْعَمَل فِي قبُول الزِّيَادَة الصَّحِيحَة نعم لَو اتَّصل الحَدِيث من وَجه صَحِيح (د ٥٧) ثمَّ ذكر رَاوِيه لذَلِك الحَدِيث طَرِيقا آخر مَقْطُوعًا على وَجه التَّعْرِيف [والمتابعة فَذَلِك] لَا يُؤثر فِي اتِّصَاله قَالَه الْحَافِظ رشيد الدّين الْعَطاء
١٦٤ - (قَوْله) وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَن حَدِيث لَا نِكَاح إِلَّا بولِي إِلَى آخِره
стр. 563
هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم [قَالَ] حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الْمُزَكي سَمِعت مُحَمَّد بن هَارُون المسكي سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَسُئِلَ عَن حَدِيث إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بردة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي فَقَالَ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة إِسْرَائِيل ثِقَة وَإِن كَانَ سُفْيَان وَشعْبَة أَرْسلَاهُ فَإِن ذَلِك لَا يضر الحَدِيث انْتهى
وَتَابعه التِّرْمِذِيّ فِي علله وَغَيره وَلَكِن فِي نِسْبَة القَوْل بِتَقْدِيم الْوَصْل إِلَى البُخَارِيّ مُطلقًا لأجل هَذَا نظر فَإِنَّهُ فِي تَارِيخه أخرج حَدِيث الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد
стр. 564
ابْن أبي بكر بن حزم عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن أَبِيه عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ إِن شِئْت سبعت عنْدك ثمَّ قَالَ عقبه أخبرنَا إِسْمَاعِيل حَدثنِي مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر بن الْحَارِث بن هِشَام أَن رَسُول الله ﷺ مُرْسلا ثمَّ قَالَ الصَّحِيح هَذَا
وَقد أخرج مُسلم حَدِيث الثَّوْريّ حكما مِنْهُ بِصِحَّة الْوَصْل وَكَذَلِكَ حُكيَ
стр. 565
عَن الدَّارَقُطْنِيّ فَيظْهر من ذَلِك أَن البُخَارِيّ لَا يقدم الْوَصْل مُطلقًا وَلَا الْإِرْسَال مُطلقًا بل يرجع إِلَى قَرَائِن مِمَّا سبق أَو غَيرهَا (أ ٩٢)
وَكَذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيّ عَن هَذَا الحَدِيث هَؤُلَاءِ الَّذين رَوَوْهُ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا عِنْد البُخَارِيّ أصح [لِأَن سماعهم فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة] وَإِن كَانَ شُعْبَة وَالثَّوْري أحفظ وَأثبت من جَمِيع هَؤُلَاءِ الَّذين رووا عَن أبي إِسْحَاق هَذَا الحَدِيث فَإِن رِوَايَة هَؤُلَاءِ عِنْده أشبه وَأَصَح لِأَن شُعْبَة وَالثَّوْري سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي إِسْحَاق فِي مجْلِس وَاحِد
стр. 566
١٦٥ - (قَوْله) ويلتحق بِهَذَا مَا إِذا كَانَ الَّذِي وَصله قد أرْسلهُ فِي وَقت
يُرِيد الحكم بوصله لَا مَجِيء كل الْخلاف السَّابِق فِيهِ
стр. 567
١٦٦ - (قَوْله) وَهَكَذَا إِذا رفع بَعضهم الحَدِيث وَوَقفه بَعضهم أَو رَفعه وَاحِد فِي وَقت وَوَقفه هُوَ أَيْضا فِي وَقت آخر فَالْحكم للثقة الزَّائِد
وَمَا ذكره فِي الْقسم الثَّانِي يُزَاد عَلَيْهِ أَن الْمَاوَرْدِيّ حكى فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر من الْحَاوِي عَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه يحمل الْمَوْقُوف على مَذْهَب الرَّاوِي والمسند على أَنه قَول النَّبِي ﷺ فَلَا تعَارض وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين الرَّاجِح من قَول أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَقْف وَالرَّفْع يتعارضان قَالَ وَهَكَذَا الْوَصْل مَعَ الْإِرْسَال
стр. 568
النَّوْع الثَّانِي عشر التَّدْلِيس
قَالَ ابْن السَّيِّد إِنَّه مُشْتَقّ من الدلس وَهُوَ الظلام وَنقل الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي كتاب اقتناص السوانح عَن الْحَافِظ أبي بكر التَّدْلِيس اسْم ثقيل شنيع الظَّاهِر لكنه حقيق الْبَاطِن سهل الْمَعْنى
стр. 569
١٦٧ - (قَوْله) التَّدْلِيس قِسْمَانِ
لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ أَقسَام وسنتكلم على مَا أهمله
١٦٨ - (قَوْله) وَهُوَ أَن يروي عَمَّن لقِيه إِلَى آخِره
أَي شَرط التَّدْلِيس أَن يكون المدلس قد لَقِي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَلم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث الَّذِي دلسه عَنهُ وَشرط الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة أَن يكون مَشْهُورا بالرواية عَنهُ أما إِذا روى عَمَّن لم يُدْرِكهُ بِلَفْظ موهم فَلَيْسَ بتدليس على الصَّحِيح الْمَشْهُور بل هُوَ من قبيل الْإِرْسَال كَمَا سبق فِي بَابه عَن حِكَايَة الْخَطِيب وَحكى ابْن عبد الْبر عَن قوم أَنه تَدْلِيس فَجعلُوا التَّدْلِيس أَن يحدث الرجل عَن الرجل بِمَا لم يسمعهُ مِنْهُ بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِالسَّمَاعِ وَإِلَّا لَكَانَ كذبا قَالَ ابْن عبد الْبر وعَلى هَذَا فَمَا سلم من التَّدْلِيس أحد لَا مَالك وَلَا غَيره
стр. 570
وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام التَّدْلِيس أَن يروي عَمَّن قد سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار صَاحب الْمسند فِي جُزْء لَهُ فِي معرفَة من يتْرك حَدِيثه أَو يقبل
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّعْرِيف الَّذِي ذكره المُصَنّف منطبق على مُرْسل الصَّحَابَة مَعَ أَنه لَا يُطلق عَلَيْهِ تَدْلِيس وَأما مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله عَن يزِيد بن هَارُون قَالَ سَمِعت شُعْبَة يَقُول أَبُو هُرَيْرَة كَانَ يُدَلس فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِسْقَاط الْوَاسِطَة بَينه
стр. 571
وَبَين النَّبِي ﷺ فِي بعض الأحيان كَمَا اتّفق لَهُ فِي حَدِيث صَوْم الْجنب لما أنكر عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِيهِ الْفضل بن الْعَبَّاس وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق مثل هَذِه الْعبارَة فِي حق الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَإِنَّمَا ذَلِك إرْسَال
وَقد نقل ابْن الْحَاجِب وَغَيره أَن قَول الصَّحَابِيّ الْعدْل قَالَ رَسُول الله ﷺ يدل على سَمَاعه مِنْهُ خلافًا للْقَاضِي أبي بكر
١٦٩ - (قَوْله) وَإِنَّمَا يَقُول قَالَ فلَان أَو عَن فلَان وَنَحْو ذَلِك
أَي أَن (أ ٩٣) فلَانا وَمثله إِن أسقط ذَلِك ويسمي الشَّيْخ فَقَط فَيَقُول فلَان كَمَا ترَاهُ فِي حِكَايَة ابْن عُيَيْنَة
١٧٠ - (قَوْله) مِثَال ذَلِك إِلَى آخِره
هَكَذَا مثل هَذَا الْقسم ثمَّ حكى الْخلاف فِيمَن عرف بِهِ هَل يرد حَدِيثه مُطلقًا أَو مَا لم يُصَرح فِيهِ بالاتصال وَهُوَ يَقْتَضِي جَرَيَانه فِي ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ مَرْدُود فَإِن
стр. 572
ابْن عبد الْبر حكى عَن أَئِمَّة الحَدِيث أَنهم قَالُوا يقبل تَدْلِيس ابْن عُيَيْنَة لِأَنَّهُ إِذا وقف أحَال على ابْن جريج وَمعمر ونظرائهما
وَقَالَ الْكَرَابِيسِي دلّس ابْن عُيَيْنَة عَن مثل معمر ومسعر بن كدام وَمَالك ابْن مغول وَقَالَ الْحَاكِم فِي سؤالاته للدارقطني سُئِلَ عَن تَدْلِيس ابْن جريج فَقَالَ يتَجَنَّب تدليسه فَإِنَّهُ وَحش التَّدْلِيس لَا يُدَلس إِلَّا فِيمَا سَمعه من مَجْرُوح فَأَما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ يُدَلس عَن الثِّقَات
وَقَالَ ابْن حبَان فِي ديباجة كِتَابه الصَّحِيح وَهَذَا شَيْء لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحده فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلس وَلَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة متقن وَلَا يكَاد يُوجد
стр. 573
لِابْنِ عُيَيْنَة خبر دلّس فِيهِ [إِلَّا وجد] ذَلِك الْخَبَر بِعَيْنِه قد تبين سَمَاعه عَن ثِقَة ثمَّ مثل ذَلِك بمراسيل صغَار الصَّحَابَة فَإِنَّهُم لَا يرسلون إِلَّا عَن صَحَابِيّ انْتهى
وَخرج من هَذَا عدم اخْتِصَاص ابْن عُيَيْنَة بل من كَانَت عَادَته لَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة فَحَدِيثه مَقْبُول وَبِذَلِك صرح أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَأَبُو بكر الْبَزَّار فَقَالَ فِي الْجُزْء الْمَذْكُور إِن من كَانَ يُدَلس عَن الثِّقَات كَانَ تدليسه عِنْد أهل الْعلم مَقْبُولًا ثمَّ قَالَ فَمن كَانَت هَذِه صفته وَجب أَن يكون حَدِيثه مَقْبُولًا وَإِن كَانَ مدلسا وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي فِي كتاب الدَّلَائِل والأعلام فَقَالَ كل من ظهر تدليسه عَن غير الثِّقَات لم يقبل خَبره حَتَّى يَقُول حَدثنِي أَو سَمِعت انْتهى
وَمَا سبق عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن جريج فِيهِ تَشْدِيد ويروى أَن ابْن أبي خَيْثَمَة
стр. 574
فِي تَارِيخه [قَالَ] حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن عُرْوَة حَدثنِي يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج قَالَ إِذا قلت قَالَ فَإِنِّي سمعته (د ٥٨) مِنْهُ وَإِن لم أقل سمعته مِنْهُ
قَالَ وَحدثنَا يحيى بن معِين ثَنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ ] قَالَ مَا نَفَعَنِي مَال أحد مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر
стр. 575
فَاتبع سُفْيَان صديق كَانَ لَهُ قَالَ هَذَا الحَدِيث سمعته من الزُّهْرِيّ قَالَ لَا وَلَكِن حَدثنِي بِهِ وَائِل بن دَاوُد قَالَ يحيى بن معِين وَوَائِل بن دَاوُد لم يسمع من الزُّهْرِيّ وَإِنَّمَا سمع من ابْنه بكر بن وَائِل وَكَانَ بكر ندب إِلَيّ الزُّهْرِيّ انْتهى
والمثال الْجيد لهَذَا الْقسم أَن التِّرْمِذِيّ أخرج فِي جَامعه من حَدِيث ابْن شهَاب
стр. 576
عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة مَرْفُوعا لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث لَا يَصح لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول رُوِيَ عَن غير وَاحِد مِنْهُم مُوسَى بن عقبَة وَابْن أبي عَتيق عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن ارقم عَن يحيى بن أبي كثير [عَن أبي سَلمَة] عَن عَائِشَة مَرْفُوعا قَالَ مُحَمَّد والْحَدِيث هُوَ هَذَا
стр. 577
١٧١ - (قَوْله) الْقسم الثَّانِي كي لَا يعرف
أَي لكَونه ضَعِيفا أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة قد شَارك الرَّاوِي عَنهُ جمَاعَة دونه فِي السماع مِنْهُ أَو يكون أَصْغَر من الرَّاوِي سنا [سمع] أَو تكون أَحَادِيثه الَّتِي عِنْده كَثِيرَة فَلَا يحب تكْرَار الرِّوَايَة عَنهُ كَمَا ذكره ابْن الصّلاح عَنهُ
قَالَ الْحَاكِم فِي سُؤَالَات البغداديين لَهُ مَذْهَب سُفْيَان بن سعيد أَن يكني الْمَجْرُوحين من الْمُحدثين إِذا روى عَنْهُم مثل بَحر السقاء يَقُول حَدثنَا أَبُو الْفضل والصلت بن دِينَار يَقُول حَدثنَا أَبُو شُعَيْب والكلبي يَقُول حَدثنَا أَبُو النَّضر
стр. 578
وَسليمَان بن أَرقم يَقُول حَدثنَا أَبُو معَاذ انْتهى
وَلأَجل هَذَا أفرد المُصَنّف النَّوْع الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ (أ ٩٤) فِيمَن ذكر بأسماء مُخْتَلفَة وَمن ذَلِك تكْثر ألقاب إِبْرَاهِيم بن يحيى وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب إِلَى نَحْو الْمِائَة قَالَ أَبُو دَاوُد حدث ابْن جريج عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَمُحَمّد بن سعيد فَقَالَ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عَطاء حَكَاهُ الْآجُرِيّ وكنوا عَن الْوَاقِدِيّ مُحَمَّد بن أبي سَلمَة وَيدخل
стр. 579
فِي كَلَام المُصَنّف [وَهُوَ] أَن يذكر الرَّاوِي الضَّعِيف باسمه أَو كنيته وَلَكِن لَا يُتَابع فِي تَعْرِيفه وشاركه فِي تِلْكَ الكنية ثِقَة فَتوهم أَنه ذَلِك الثِّقَة قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل بَلغنِي أَن عَطِيَّة كَانَ يَأْتِي الْكَلْبِيّ فَيَأْخُذ عَنهُ التَّفْسِير فَكَانَ يكنيه بِأبي سعيد فَيَقُول قَالَ أَبُو سعيد يَعْنِي ليوهم النَّاس أَنه يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ التَّفْسِير الَّذِي كَانَ يَأْخُذهُ عَنهُ وَأَيْنَ هَذَا من عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَانَ يروي عَن أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ ضَعِيفا فيبينه ثمَّ يَقُول وَفِي حَدِيث الشَّيْخ مَا فِيهِ
стр. 580
وَاعْلَم أَنهم قد يَفْعَلُونَ ذَلِك لَا لقادح فِي الشَّيْخ بل لِمَعْنى عِنْد الرَّاوِي مثل مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي النَّيْسَابُورِي الإِمَام الْمَشْهُور يروي عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح (وَلَا يُصَرح) بنسبه بل ينْسبهُ مرّة إِلَى جده وَمرَّة إِلَى جد أَبِيه قَالَ النَّسَائِيّ هُوَ ثِقَة مَأْمُون وَإِنَّمَا فعل ذَلِك للفتنة الْوَاقِعَة بَينه وَبَينه فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه وَقَول الذهلي من كَانَ يخْتَلف إِلَى هَذَا الرجل فَلَا يخْتَلف إِلَيْنَا قَالَ ابْن الْمُنِير وَإِنَّمَا أبهم البُخَارِيّ
стр. 581
اسْمه فِي الصَّحِيح لِأَنَّهُ لما اقْتضى التَّحْقِيق عِنْده أَن تبقى رِوَايَته عَنهُ خشيَة كتم الْعلم وعذره فِي قدحه فِيهِ بالتأويل خشِي على النَّاس أَن يقعوا فِيهِ فَإِنَّهُ قد عدد من جرحه وَذَلِكَ يُوهم أَنه صدقه على نَفسه فيجر ذَلِك وَهنا إِلَى البُخَارِيّ فأخفى اسْمه وغطى وسمه وَمَا كتم عَلَيْهِ فَجمع بَين المصلحتين وَالله أعلم بمراده
١٧٢ - (قَوْله) عَن ابْن مُجَاهِد كَانَ ينْسب النقاش إِلَى جد لَهُ
стр. 582
يَقْتَضِي كَرَاهَة ذَلِك وَلِهَذَا جعله تدليسا وَحكى ابْن الْمواق فِي بغية النقاد خلافًا فِي نِسْبَة الرجل إِلَى جده وَاخْتَارَ التَّفْصِيل بَين الْمَشْهُور بِهِ فجوز ذَلِك وَإِلَّا فَلَا لما فِيهِ من إِبْهَام أَمرهم وتعمية طَرِيق معرفتهم
١٧٣ - (قَوْله) أما الْقسم الأول فمكروه جدا ذمه أَكثر الْعلمَاء
أَي وَمِنْهُم من سهله قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده التَّدْلِيس لَيْسَ بكذب وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِين لظَاهِر الْإِسْنَاد
١٧٤ - (قَوْله) فروينا عَن الشَّافِعِي إِلَى آخِره
الَّذِي رَوَاهُ عَن الشَّافِعِي عبد الْعَزِيز بن مِقْلَاص قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول [كَانَ شُعْبَة يَقُول] التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَكَذَا عبد الْغَنِيّ فِي أدب الحَدِيث لَكِن بِلَفْظ أخي الْكَذِب
стр. 583
بِالتَّصْغِيرِ وَهِي دون الأولى وَالرِّوَايَة الثَّابِتَة عَن شُعْبَة رَوَاهَا عَنهُ أَبُو نعيم ذكرهَا ابْن عدي أَيْضا وَأسْندَ عَن قراد قَالَ سَمِعت شُعْبَة يَقُول كل حَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ خل وبقل
وَقَالَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل أقل حالات المدلس عِنْدِي أَنه يدْخل فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور
стр. 584
وَحكى عبد الْغَنِيّ بن سعيد عَن وَكِيع قَالَ لَا يحل تَدْلِيس الثَّوْب فَكيف تَدْلِيس الحَدِيث
وَقَالَ أَبُو الْفرج الْمعَافى بن زَكَرِيَّا النهرواني فِي الْمجْلس الثَّالِث وَالْخمسين من كتاب الجليس الصَّالح كَانَ شُعْبَة يُنكر التَّدْلِيس وَيَقُول فِيهِ مَا يتَجَاوَز الْحَد مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَن المدلسين ومشاهدته من كَانَ مدلسا من أَعْلَام أهل الْعلم الْمُحدثين
стр. 585
كالأعمش وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وهشيم بن بشير وَغَيرهم والمدلس من هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِكَذَّابٍ فِي رِوَايَته وَلَا مَجْرُوح فِي عَدَالَته وَلَا مغموص فِي إِمَامَته وأعلام الْفُقَهَاء يحتجون فِي الدّين بنقله وَكَانَ الشَّافِعِي لَا يرى بِمَا يرويهِ المدلس حجَّة إِلَّا أَن يَقُول فِي رِوَايَته حَدثنَا وَأخْبرنَا أَو سَمِعت (أ ٩٥) فقد وجدنَا لشعبة مَعَ سوء قَوْله فِي التَّدْلِيس تدليسا فِي عدَّة أَحَادِيث رَوَاهَا جَمعنَا ذَلِك فِي مَوضِع هُوَ أولى بِهِ انْتهى كَلَامه
وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التحامل وسيتبين أَنه إِنَّمَا كَانَ يروي عَن المدلس إِذا صرح لَهُ بِالتَّحْدِيثِ وَإِلَّا تَركه وَهَذَا غير قَادِح وَأما نسبته إِيَّاه إِلَى التَّدْلِيس فَإِن ثَبت
стр. 586
فَلَيْسَ هُوَ من التَّدْلِيس المذموم وَسَنذكر فِي آخر الْبَاب فصلا فِي مَقَاصِد الثِّقَات بالتدليس
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع اعْلَم أَن عَامَّة الْمُحدثين من أهل الْحجاز قد صانوا أنفسهم عَن التَّدْلِيس إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ كُوفِي وَقد سكن مَكَّة وَصَارَ إِمَام الدُّنْيَا فِي الحَدِيث وَإِنَّمَا كثر التَّدْلِيس من أهل الْكُوفَة وَجَمَاعَة من أهل الْبَصْرَة وَالشَّام وَقد كَانَ هشيم بن بشير كثير التَّدْلِيس وَهُوَ من أهل وَاسِط (د ٥٩) وَأما أهل بَغْدَاد وَالْجِبَال وَأهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فَلَا يذكر عَن أحد مِنْهُم التَّدْلِيس إِلَّا الشَّيْء الْيَسِير وَقد روى عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد
стр. 587
عَن أَبِيه أَنه قَالَ التَّدْلِيس ذل وَحكى عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه ذكر رجلا فِيمَن كَانَ يُدَلس فَقَالَ فِيهِ قولا شَدِيدا وَأنْشد فِيهِ
(دلّس للنَّاس أَحَادِيثه ... وَالله لَا يقبل تدليسا)
١٧٥ - (قَوْله) ثمَّ اخْتلفُوا فِي قبُول رِوَايَة من عرف بِهَذَا التَّدْلِيس إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله حِكَايَة مذهبين أَحدهمَا أَنه يرد حَدِيثه مُطلقًا سوء بَين السماع أم لَا وَأَن التَّدْلِيس جرح قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص وَهُوَ
стр. 588
الظَّاهِر عِنْدِي على أصُول مَالك وَالثَّانِي وَصَححهُ التَّفْصِيل فَإِن صرح بالاتصال كَقَوْلِه سَمِعت وَحدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ مَقْبُول يحْتَج بِهِ وَإِن أَتَى بِلَفْظ مُحْتَمل فَحكمه حكم الْمُرْسل وَهَذَا القَوْل هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَمَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع وَقد تقدم نَقله أَيْضا عَن الشَّافِعِي من كَلَام النهرواني وَسوى بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا وَالَّذِي حَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص عَن الشَّافِعِي أَنه لَا يقبل من المدلس إِلَّا إِذا صرح بحدثني أَو سَمِعت دون قَوْله عَن أَو أَخْبرنِي وَهُوَ ظَاهر نقل ابْن السَّمْعَانِيّ أَيْضا بل هُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة فَإِنَّهُ قَالَ فَقُلْنَا لَا يقبل من مُدَلّس حَدِيثا حَتَّى يَقُول فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت هَذَا كَلَامه وَهُوَ نَص غَرِيب لم يحكمه الْجُمْهُور وَيخرج مِنْهُ مَذْهَب ثَالِث فِي الْمَسْأَلَة وَذكر بعض الْحَنَفِيَّة من شارحي الْبَزْدَوِيّ
стр. 589
مذهبا آخر وَهُوَ التّرْك مُطلقًا وَبَين أَنه الْمُصَحح عِنْدهم لِأَن عَدَالَة الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنه مَا ترك ذكره إِلَّا لِأَنَّهُ عدل ثِقَة عدهَا على الِاحْتِجَاج بالمرسل وَأَنه يرى تعديله صَرِيحًا لَكِن الثَّانِي هُوَ قَول الْأَكْثَرين من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَمِنْهُم عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَغَيرهم قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة سَأَلت يحيى بن معِين عَن التَّدْلِيس فكرهه وعابه قلت لَهُ أفيكون المدلس حجَّة فِيمَا روى [أَو] حَتَّى يَقُول حَدثنَا وَأخْبرنَا قَالَ لَا يكون حجَّة فِيمَا دلّس
وَقَالَ يحيى الْقطَّان سَمِعت شُعْبَة يَقُول كنت أَجْلِس إِلَى قَتَادَة فَإِذا سمعته يَقُول سَمِعت فلَانا وَحدثنَا فلَان كتبت وَإِذا قَالَ قَالَ فلَان وَحَدِيث فلَان لم أكتب
стр. 590
وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة من دلّس عَن غير ثِقَة وَعَمن لم يسمع مِنْهُ فقد جَاوز التَّدْلِيس الَّذِي رخص فِيهِ الْعلمَاء وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَأما المدلسون الَّذين هم ثِقَات عدُول فَإنَّا لَا نحتج بأخبارهم إِلَّا بِمَا بينوا السماع فِيمَا رووا مثل الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَأبي إِسْحَاق (أ ٩٦) وأضرابهم من الْأَئِمَّة المتقنين وَأهل الْوَرع فِي الدّين لأَنا مَتى قبلنَا خبر مُدَلّس دلّس هَذَا الْخَبَر عَن ضَعِيف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون المدلس يعلم أَنه مَا دلّس قطّ إِلَّا عَن ثِقَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك قبلت رِوَايَته وَإِن لم يبين السماع وَهَذَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحده انْتهى
وَيخرج من هَذَا مَذْهَب رَابِع وَهُوَ التَّفْصِيل بَين أَن يكون من عَادَته فَلَا يقبل حَتَّى يبين وَهَذَا مَذْهَب أبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ فَإِنَّهُ قَالَ إِن كَانَ التَّدْلِيس عَن ثِقَة لم يحْتَج أَن يُوقف على شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ عَن غير ثِقَة لم يقبل حَتَّى يَقُول حَدثنِي أَو سَمِعت فَيقبل تَدْلِيس ابْن عُيَيْنَة ونظرائه لِأَنَّهُ يحِيل على مَلِيء ثِقَة وَلَا يقبل تَدْلِيس الْأَعْمَش لِأَنَّهُ يحِيل على غير مَلِيء انْتهى
وَحكى بَعضهم الِاتِّفَاق على أَن المدلس إِذا لم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ لم يقبل
стр. 591
وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن الشَّافِعِي وَسَائِر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يَعْنِي فِيمَن لَا يقبل الْمُرْسل على أَن بعض من احْتج بالمرسل لَا يقبل عنعنة المدلس وَحكى القَاضِي عبد الْوَهَّاب والخطيب فِي الْكِفَايَة أَن جُمْهُور من احْتج بالمرسل يقبل خبر المدلس
الْأَمر الثَّانِي أَن حَاصِل مَا حَكَاهُ من التَّفْصِيل عَن الْجُمْهُور أَنه لَا يصير مجروحا بذلك وَعَن غَيرهم الْجرْح سَوَاء بَين السماع أم لَا وَفصل ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع فَقَالَ إِن كَانَ إِذا استكشف لم يخبر باسم من يروي عَنهُ فَهَذَا يسْقط الِاحْتِجَاج بحَديثه لِأَن التَّدْلِيس مِنْهُ تزوير وإيهام لما لَا حَقِيقَة لَهُ وَذَلِكَ يُؤثر فِي صدقه وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور
стр. 592
وَإِن كَانَ إِذا استكشف عَنهُ أخبر باسمه وأضاف الحَدِيث إِلَى ناقله فَهَذَا لَا يسْقط الحَدِيث وَلَا يُوجب الْقدح فِي الرَّاوِي
قَالَ وَقد كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يُدَلس فَإِذا سُئِلَ عَمَّن حَدثهُ أخبر باسمه وَلم يَكْتُمهُ وَهَذَا شَيْء مَشْهُور عَنهُ ثمَّ نبه على فَائِدَة جليلة وَهِي أَن الشَّافِعِي كَانَ لَا يروي عَنهُ مَا يدْخلهُ التَّدْلِيس دينا
الثَّالِث أَنه سوى على قَول الْجُمْهُور بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الحكم بالاتصال وَقد علمت أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يقبل فِي أخبرنَا وَلِهَذَا أورد الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ على الْمَذْهَب الْمَشْهُور سؤالا وَهُوَ أَنه يجب أَن لَا يقبل قَول المدلس أخبرنَا فلَان لِأَن ذَلِك يسْتَعْمل فِي السماع وَغَيره فَقَالَ أَخْبرنِي على قصد المناولة وَالْإِجَازَة وَالْمُكَاتبَة وأجابه بِأَن هَذَا لَا يلْزم لِأَن هَذِه اللَّفْظَة ظَاهِرَة السماع وَالْحمل على غير ذَلِك مجَاز وَالْحمل على الظَّاهِر أولى وَمَا
стр. 593
ذكره الْخَطِيب لَا يقوى مَعَ شُبْهَة التَّدْلِيس وَلنَا أَن نلتزم السُّؤَال ونقول لَا يقبل قَوْله أَخْبرنِي كَمَا سبق نَقله عَن الشَّافِعِي لهَذَا الْمَعْنى
١٧٦ - (قَوْله) وَأَن مَا رَوَاهُ المدلس بِلَفْظ مُحْتَمل لم يبين فِيهِ السماع والاتصال فَحكمه حكم الْمُرْسل
يسْتَثْنى من هَذَا مَا إِذا كَانَ المدلس لَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة فَإِنَّهُ تقبل رِوَايَته وَإِن لم يبين السماع كسفيان بن عُيَيْنَة
١٧٧ - (قَوْله) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْكتب الْمُعْتَمدَة من حَدِيث هَذَا الضَّرْب كثير جدا إِلَى آخِره
هَكَذَا ذكره محتجا [بِهِ] على قبُول رِوَايَة المدلس إِذا صرح بالاتصال وَلَيْسَ هَذَا من مَوضِع النزاع قَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 594
وَغَيرهمَا من الْكتب الصَّحِيحَة عَن المدلسين يَعْنِي فَمَحْمُول على ثُبُوت سَمَاعه من جِهَة أُخْرَى
وَكَذَا قَالَ الْحَافِظ الْحلَبِي فِي الْقدح الْمُعَلَّى إِن المعنعنات الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ منزلَة [منزلَة] السماع
وَتوقف فِي ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ صدر الدّين بن الْوَكِيل وَقَالَ فِي كِتَابه الْإِنْصَاف لعمر الله إِن فِي النَّفس لغصة (د ٦٠) من اسْتثِْنَاء أبي عَمْرو بن الصّلاح
стр. 595
وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين (أ ٩٧) عنعنة المدلسين فِي الصَّحِيحَيْنِ من بَين سَائِر معنعنات المدلسين ورد مقَالَة النَّوَوِيّ وَقَالَ هِيَ دَعْوَى لَا تقبل إِلَّا بِدَلِيل لَا سِيمَا مَعَ أَن كثيرا من الْحفاظ يعللون أَحَادِيث وَقعت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا بتدليس رواتها كَمَا فعلوا فِي حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم فِي نفي قِرَاءَة الْبَسْمَلَة فِي الصَّلَاة وَغَيره قلت قد أَزَال الغصة الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فاشار فِي كَلَام لَهُ إِلَى استشكال حول رِوَايَة المدلس فِي الصَّحِيحَيْنِ ورد رِوَايَته فِي غَيرهمَا قَالَ وَلَا بُد من الثَّبَات على طَريقَة وَاحِدَة إِمَّا الْقبُول أَو الرَّد الْمُمكن هُنَا من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة إِمَّا أَن ترد الْأَحَادِيث من المدلس مُطلقًا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَإِمَّا أَن تقبل مُطلقًا تَسْوِيَة بَين الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَإِمَّا أَن يفرق بَين مَا فِي الصَّحِيح من ذَلِك وَمَا خرج عَنهُ فَأَما الأول فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ للاستقرار على ترك التَّعَرُّض لما فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِن خَالف فِي ذَلِك الظَّاهِرِيَّة من المغاربة فَإِنِّي رَأَيْتهمْ
стр. 596
يجسرون على أَشْيَاء من أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ بِسَبَب كَلَام قيل فِي بعض الروَاة وَلَا يجْعَلُونَ راويها فِي حمى من تَخْرِيج صَاحب الصَّحِيح لَهُم
وَأما الثَّانِي فَفِيهِ خُرُوج عَن الْمَذْهَب الْمَشْهُور فِي أَن رِوَايَة المدلس مَحْكُوم عَلَيْهَا بالانقطاع حَتَّى يتَبَيَّن السماع
وَأما الثَّالِث وَهُوَ التَّفْصِيل بَين مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك وَبَين غَيره فَلَا يظْهر فِيهِ وَجه صَحِيح فِي الْفرق وَغَايَة مَا يُوَجه بِهِ أحد أَمريْن
أَحدهمَا أَن يدعى أَن تِلْكَ الْأَحَادِيث عرف صاحبا الصَّحِيح صِحَة السماع فِيهَا وَهَذَا إِحَالَة على جَهَالَة وَإِثْبَات لِلْأَمْرِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال وَحكم على
стр. 597
صَاحب الصَّحِيح بِأَنَّهُ يرى هَذَا الْمَذْهَب أَعنِي أَن رِوَايَة المدلس مَحْمُولَة على الإنقطاع وَإِلَّا فَيجوز أَن يرى أَنَّهَا مَحْمُولَة على السماع حَتَّى يظْهر الِانْقِطَاع وَإِذا جَازَ وَجَاز فَلَيْسَ لنا الحكم عَلَيْهِ بِأحد الجائزين مَعَ الِاحْتِمَال
وَالثَّانِي أَن يدعى أَن الْإِجْمَاع على صِحَة مَا فِي الْكِتَابَيْنِ دَلِيل على وُقُوع السماع فِي هَذِه الْأَحَادِيث وَإِلَّا لكَانَتْ الْأمة مجمعة على الْخَطَأ وَهُوَ مُمْتَنع وَهَذَا
стр. 598
يحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع الَّذِي يمْتَنع أَن يَقع فِي نفس الْأَمر خلاف مُقْتَضَاهُ وَهَذَا فِيهِ عسر وَنحن مَا ادعيناه وَإِنَّمَا ادعينا أَن الظَّن الثَّابِت سَبَب الإطباق على التَّصْحِيح لما فِي الْكِتَابَيْنِ أقوى من الظَّن الْمُقَابل لَهُ وَيلْزم من سلك هَذِه الطَّرِيق أَلا يسْتَدلّ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة المدلس من غير الصَّحِيح وَلَا يَقُول هَذَا شَرط مُسلم فلنحتج بِهِ لِأَن الْإِجْمَاع الَّذِي يدعى لَيْسَ مَوْجُودا فِيمَا لم يخرج فِي غير الصَّحِيح قَالَ وَالْأَقْرَب فِي هَذَا أَن نطلب الْجَواب من غير هَذَا الطَّرِيق أَعنِي طَرِيق الْقدح بِسَبَب التَّدْلِيس
١٧٨ - (قَوْله) وَقد أجراه الشَّافِعِي فِيمَن عَرفْنَاهُ دلّس مرّة
قلت يُشِير إِلَى أَن الْعَادة فِي التَّدْلِيس يثبت بِمرَّة لِأَنَّهُ نوع جرح وَقد رَأَيْت نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة بذلك فَقَالَ وَمن عَرفْنَاهُ دلّس مرّة فقد أبان لنا عَوْرَته فِي رِوَايَته وَلَيْسَت تِلْكَ الْعَوْرَة بكذب فَيرد بهَا حَدِيثه وَلَا نصيحة فِي الصدْق فنقبل مِنْهُ مَا قبلناه من أهل النَّصِيحَة والصدق فَقُلْنَا لَا يقبل من مُدَلّس حَدِيثا حَتَّى يَقُول فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت انْتهى
وَمَعْنَاهُ أَنه إِذا قَالَ المدلس بِلَفْظ مُحْتَمل السماع وَعَدَمه لَا يقبل مِنْهُ حَتَّى يبين
стр. 599
أَنه سَمعه مِنْهُ أَو سَمعه مِمَّن سَمعه مِنْهُ وَقد حكم الْبَيْهَقِيّ بِعَدَمِ قبُول قَول من دلّس مرّة (أ ٩٨) وَاحِدَة مثل القنان ثمَّ إِذا بَين أَنه سَمعه مِمَّن أسْند الْخَبَر إِلَيْهِ قبل وَإِن لم يبين أَنه سَمعه مِمَّن سَمعه مِنْهُ فقد تَأَكد فِيهِ شَيْء فِيهِ الْخلاف
١٧٩ - (قَوْله) أما الْقسم الثَّانِي فَإِنَّهُ أخف وَفِيه تَضْييع للمروي عَنهُ
أَو للمروي أَيْضا بألا يُثبتهُ فَيصير بعض رُوَاته مَجْهُولا قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي للتدليس مفْسدَة إِذْ يصير الرَّاوِي مَجْهُولا فَيسْقط الْعَمَل بِالْحَدِيثِ بِجَهَالَة الرَّاوِي وَإِن كَانَ عدلا فِي نفس الْأَمر وَهَذِه جِنَايَة عظمى ومفسدة كبرى وَله مصلحَة وَهُوَ امتحان النَّفس فِي اسْتِخْرَاج التدليسات وإلقاء ذَلِك إِلَى من يُرَاد اختبار حفظه ومعرفته بِالرِّجَالِ
ووراء ذَلِك مفْسدَة أُخْرَى يراعيها أَرْبَاب الصّلاح والقلوب وَهُوَ مَا فِي التَّدْلِيس من التزين وَقد تنبه لذَلِك ياقوتة الْعلمَاء الْمعَافى بن عمرَان
стр. 600
الْموصِلِي وَكَانَ من أكَابِر الْعلمَاء والصلحاء انْتهى
وَلم يُصَرح ابْن الصّلاح بِحكم من عرف بِهَذَا الْقسم وَقَضِيَّة كَلَامه أَنه غير قَادِح وَحَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي اللمع وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأطلق ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع الأول قَالَ وَمِنْه تَغْيِير الْأَسَامِي بالكنى والكنى بالأسامي لِئَلَّا يعرفوا وَقد فعله سُفْيَان الثَّوْريّ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُوجب الْقدح فِي الحَدِيث
وَفصل ابْن الصّباغ فِي الْعدة بَين أَن يفعل ذَلِك لكَون من روى عَنهُ غير ثِقَة غير نَفسه عِنْد النَّاس وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يُغير اسْمه ليقبلوا خَبره فَلَا يقبل خَبره وَإِن كَانَ هُوَ يعْتَقد فِيهِ الثِّقَة فقد غلط فِي ذَلِك لجَوَاز أَن يعرف غَيره من جرحه مَا لَا يعرفهُ هُوَ فَإِن كَانَ لصِغَر سنه فَيكون ذَلِك رِوَايَة عَن مَجْهُول لَا يجب قبُول خَبره حَتَّى يعرف من روى عَنهُ
следующие страницы →