← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5979

اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (833 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فِي " الْكَشَّاف "، وَوَقع عَلَيْهِ عمل أهل الْحل وَالْعقد من الْعَهْد النَّبَوِيّ إِلَى الْآن، وَلِهَذَا أوردوا أَن بَين ظاهري الْحَدِيثين تَعَارضا إِذْ الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا يفوت الْعَمَل بِالْآخرِ. وَالْبَاء للإلصاق، كَقَوْلِك بِهِ دَاء، وَأَقْسَمت بِاللَّه فَإِن البدو لصق باسم الله لصوق الرَّاء بِالرجلِ. وَلَا يَنْبَغِي حملهَا على الِاسْتِعَانَة لِأَنَّهَا إِنَّمَا تتَصَوَّر فِي الْأُمُور الَّتِي لَهَا شَأْن وخطر من حَيْثُ أَن الحَدِيث أَفَادَ أَنَّهَا خداج لَا يعْتد بهَا شرعا وَإِن تمت حسا مَا لم تصدر باسمه تَعَالَى فَكَانَ بِمَنْزِلَة آله يستعان بهَا فِي إِتْمَامهَا، وَأما البدؤ فِي محقرات الْأُمُور فَلَا يتَصَوَّر فِيهَا ذَلِك لتمامها بِدُونِهِ حسا وَشرعا، تيسيراً على الْعباد، وصوناً لذكر الله عَن الابتذال. وَلَا على الملابسة لِأَن بَاء الملابسة تفِيد تلبس فَاعل الْفِعْل

стр. 72

الَّذِي وَقع فِي خَبره أَو فِي مَفْعُوله. بمجردها حَال تلبسه بذلك للْفِعْل كَمَا فيقولك: خرج زيد بعشيرته، واشتريت / الرَّحَى بأدواتها، فَيكون الْمَعْنى وجوب تلبس الْفَاعِل بِذكر بِسم الله حَال تلبسه بذلك للْفِعْل كَمَا فِي قَوْلك: خرج زيد بعشيرته، واشتريت / الرَّحَى بأدواتها، فَيكون الْمَعْنى وجوب تلبس الْفَاعِل بِذكر بِسم الله حَال تلبسه بِعَمَل آخر جُزْء من الْأَمر الْمَشْرُوع فِيهِ، فَيفوت الْمَعْنى المُرَاد على أَنه لَا يُمكن ذَلِك فِي بعض الْأَفْعَال كالتلاوة، وَالْأكل، وَالشرب. ومنشأ الِاشْتِبَاه مَا قيل: من تَعْلِيق اسْم الله بِالْفِعْلِ الْمَقْصُود فِي قَول الْفَاعِل بِسم الله تعلق الِاسْتِعَانَة أَو الملابسة فَظن أَن الْحَال فِي لفظ الحَدِيث على ذَلِك، حَتَّى قيل لَا تعَارض بَين الْحَدِيثين إِذْ يُمكن الِاسْتِعَانَة فِي عمل وَاحِد بأمرين، وَكَذَا صور مثل ذَلِك فِي التَّلَبُّس بارتكاب مَا فِيهِ تعسف ثمَّ أَن الْآيَة الْمُبْتَدَأ بهَا كتاب الله بَيَان لِمَعْنى الْحَدِيثين، وَكَيْفِيَّة الْعَمَل بهما، حَيْثُ وصف فيهمَا أثْنَاء التَّيَمُّن باسمه بِكَوْنِهِ معطياً لجلائل النعم، ودقائقها فَإِن الْحَمد لله الَّذِي هُوَ الْوَصْف بالجميل على الْجَمِيل قبل الْفَرَاغ من أَمر التَّسْمِيَة، فَظهر أَن التَّسْمِيَة لكَونهَا ذكر الذَّات يجب تَقْدِيمهَا بِوَجْه مَا على

стр. 73

الْحَمد الَّذِي هُوَ ذكر الْوَصْف بِقدر مَا ينْدَفع بِهِ ضَرُورَة امْتنَاع الْجمع بَينهمَا فِي المبدؤ، فَيكون البدو بِالْحَمْد إضافياً قَرِيبا من الْحَقِيقِيّ. وَأما جعل الِابْتِدَاء أمرا عرفياً ممتداً فَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَقد أُجِيب أَيْضا بأجوبة غير طايل لَا نطيل بهَا. معنى علم الله الَّذِي / لم يزل عليما بِجَمِيعِ الكليات والجزئيات، محيطا بهَا، قَالَ تَعَالَى: (عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة) . وَهَذِه الْأَفْعَال المتقنة تدل على علم فاعلها، وَمن تفكر فِي بَدَائِع الْآيَات السماوية والأرضية وَفِي نَفسه وجد دقائق حِكْمَة تدل على كَمَال حكم مبدعها، وَعلمه الْكَامِل، (سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم) . وَلَا يرد أَن الْحَيَوَانَات قد يصدر عَنْهَا أَفعَال عَجِيبَة متقنة كَمَا يُشَاهد من

стр. 74

بيُوت النَّمْل والنحل، فَإِنَّهَا مخلوقة لله على أصُول الْأَشْعَرِيّ، إِذْ لَا يُؤثر غَيره على أَن عدم علم تِلْكَ الْحَيَوَانَات بهَا محَال، بل بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة يدل على علمهَا، قَالَ تَعَالَى (وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا) . ونظائره كثير، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْعلمِ فِي حَقه تَعَالَى مَا يشبه علم الْمَخْلُوق، فَإِن علمنَا عرض ومحدث وقاصر، ومستفاد من الْغَيْر، وَعلمه تَعَالَى صفة أزلية كَامِلَة ذاتية، يدْرك بهَا كل مَعْلُوم على وَجه الشُّمُول والإحاطة: وَاجِبا، أَو جَائِزا، أَو محالاً كلياً، أَو جزئياً، يعلم ذَلِك كَمَا هُوَ بِعلم قديم وَاحِد، وَلَا تَتَعَدَّد المعلومات، وَلَا تتجدد بتجددها، أحَاط بِكُل شَيْء علما، فَعلمه مُحِيط بِكُل شَيْء جملَة وتفصيلا، كلياً وجزئياً، كَيفَ لَا يُعلمهُ وَهُوَ خلقه؟ (أَلا يعلم من خلق) وَقد اشْتهر عَن الْحُكَمَاء / أَنه لَا يعلم الجزئيات المادية بِالْوَجْهِ الجزئي، بل إِنَّمَا يعلمهَا بِوَجْه كلي محتم فِي الْخَارِج وَقد كثر تشنيع الطوائف عَلَيْهِم فِي ذَلِك، وَكَفرُوا من قَالَ بِهِ، حَتَّى أَن

стр. 75

الْعَلامَة النصير الطوسي - مَعَ توغله فِي الِانْتِصَار لَهُم - قَالَ: هَذِه السِّيَاقَة مِنْهُم تشبه سِيَاقَة الْفُقَهَاء فِي تَخْصِيص بعض الْأَحْكَام بِأَحْكَام تعارضها فِي الظَّاهِر، وَذَلِكَ أَن الحكم بِأَن الْعلم بِالْعِلَّةِ يُوجب الْعلم بالمعلول إِن لم يكن كلياً لم يُمكن أَن يحكم بإحاطة الْوَاجِب بالكلي وَإِن كَانَ كلياً وَكَانَ الجزئي الْمُتَعَيّن من جملَة معلولاته يُوجب ذَلِك الحكم أَن يكون عَالما بِمَا لَهُ فَالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون عَالما بِهِ لِامْتِنَاع أَن يكون الْوَاجِب مَوْضُوعا للتغيير

стр. 76

بتخصيص لذَلِك الحكم الْكُلِّي بِأَمْر آخر يُعَارضهُ فِي بعض الصُّور، وَهَذَا دأب الْفُقَهَاء وَمن يجْرِي مجراهم، وَلَا يجوز أَن يَقع مثل ذَلِك فِي المباحث المعقولة لِامْتِنَاع تعَارض الْأَحْكَام فِيهَا. إِلَى هُنَا كَلَامه. وَمِمَّا رد بِهِ عَلَيْهِم أَن تغير الْإِضَافَة لَا يُوجب تغير الْمُضَاف كالقديم يُوجد قبل الْحَادِث ثمَّ بعده. فَإِن قلت: كَيفَ مَال إِلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام مَعَ تصريحهم بتكفير منكري الْعلم بالجزئيات؟ قلت: قَالَ فِي " الفتوحات " إِنَّمَا أَرَادَ / الْحُكَمَاء بِمَا عزي إِلَيْهِم أَنه سُبْحَانَهُ عَالم بالجزئيات فِي ضمن الكليات، من غير احْتِيَاج إِلَى تَحْلِيل وتفصيل كَمَا فِي علم الْمَخْلُوقَات، فأرادوا الْمُبَالغَة فِي التَّنْزِيه فأخطأوا فِي التَّعْبِير فَقَط، فالحجة لحظ ذَلِك، وَعَلِيهِ لَيْسَ فِي الْعَالم من يُنكر تعلق الْعلم بالجزئيات، فَإِن وَقع ذَلِك من بعض المقلدين فَهُوَ خطأ فِي الْفَهم عَن أسلافهم. بَيَان قدرَة الله قَدِيرًا أَي قدرَة ذَا تَامَّة، واستيلاؤه عَام على كل مَوْجُود، جوهراً

стр. 77

كَانَ أَو عرضا. وَقدرته غير مُنْقَطِعَة وَلَا مقتصرة على بعض الممكنات، لِأَن الْمُقْتَضى للقادرية هُوَ الذَّات والمصحح للمقدورية الْإِمْكَان، فَالله على كل شَيْء قدير، وخالفت الْمُعْتَزلَة فِي القبائح، وَالْبَعْض فِي مَقْدُور العَبْد، وَالْبَعْض فِي مثله. وَالْمرَاد بالمقدور الْمُمكن، فالمستحيل لَا تتَعَلَّق الْقُدْرَة بِهِ لَا لنَقص فِيهَا بل لعدم قابليته للوجود، فَلم يصلح محلا لمتعلقها، وَقَول من قَالَ هُوَ قَادر على اتِّخَاذ ولد وَإِلَّا فَهُوَ عجز. رد بِأَن اتِّخَاذه محَال، وَهُوَ لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة فَلَا عجز. وَأنكر الْحُكَمَاء كَونه قَادِرًا، لِأَن صُدُور الْفِعْل عَن الْقَادِر يتَوَقَّف عِنْدهم على الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَقه غير مُتَصَوّر، لِأَنَّهُ الْغَنِيّ الْمُطلق فَلَا محَال لِأَن يكون الدَّاعِي مصلحَة الْغَيْر، والعالي لَا يفعل لأجل السافل / فَلَا احْتِمَال لِأَن يكون الذاتي مصلحَة الْغَيْر فانسد بَاب الدَّاعِي فِي حَقه تَعَالَى. ورد بِأَنَّهُ لَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يكون مُتَمَكنًا من الْفِعْل وَالتّرْك أصلا حَتَّى يلْزم الْإِيجَاب، لِأَن التَّمَكُّن من الْفِعْل وَالتّرْك فِي الْجُمْلَة بِأَن لَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا لَازِما لذات الْفَاعِل لَا يسْتَلْزم الْحَاجة إِلَى الدَّاعِي، إِنَّمَا الْحَاجة إِلَيْهِ عِنْد صِحَة كل مِنْهُمَا بَدَلا عَن الآخر فِي الْوَاقِع، وَهَذَا أخص من الأول.

стр. 78

بَيَان حَيَاة الله حَيا أَي ذَا حَيَاة أزلية، وَلَيْسَ المُرَاد فِي حَقه تَعَالَى بِالْحَيَاةِ مَا يشبه حَيَاة الْمَخْلُوق، لِأَنَّهَا إِمَّا اعْتِدَال المزاج النوعي، أَو قُوَّة تتبع ذَلِك المزاج تفيض مِنْهَا قوى الْحس وَالْحَرَكَة، وكل ذَلِك محَال فِي حَقه تقدس، بل صفة أزلية توجب صِحَة الْعلم وَالْقُدْرَة. بَيَان قيوميته قيوماً أَي قَائِما بِكُل شَيْء تدبيراً، وحفظاً، وَرِزْقًا، وَالْقِيَام بِأَمْر الموجودات هُوَ قيام لَا يتناهى فَيكون الْقيام بِأَمْر لَا يتناهى لَا سِيمَا إِذا لوحظ أَن الصِّفَات والذات غي متناهية، وَلَيْسَ قِيَامه تَعَالَى بالموجودات فِي حفظهَا وأرزاقها فَقَط، بل فِي ذَاتهَا وصفاتها قيَاما مستمراً تتجدد بِهِ التعلقات. وَقيل: القيوم الْقَائِم بِنَفسِهِ الْمُقِيم لغيره مقَام كل متجدد بِهِ، لَا يُقَال يَسْتَحِيل عَلَيْهِ تَعَالَى تجدّد التَّعَلُّق، أَو التجدد مُطلقًا / لأَنا نقُول لم يَتَجَدَّد لَهُ التجدد، وَوجه الْمُبَالغَة على الْوَجْهَيْنِ زِيَادَة الْكمّ والكيف. وَقَالَ الرَّاغِب: يُقَال قَامَ كَذَا: أَي دَامَ، وَقَامَ بِكَذَا: أَي حفظه، والقيوم

стр. 79

الْقَائِم الْحَافِظ لكل شَيْء، الْمُعْطِي مَا بِهِ قوامه وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى الْمَذْكُور فِي آيَة: (أعْطى كل شَيْء خلقه) وَفِي: (أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت) . قَالَ الْمُحَقق الدواني: وَظَاهره أَن الْقيام بِمَعْنى الدَّوَام، ثمَّ يصير بِسَبَب التَّعْدِيَة بِمَعْنى الإدامة وَهُوَ الْحِفْظ، وَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه عَلَيْهِ أَن الْمُبَالغَة فِي اللَّازِم رُبمَا تَتَضَمَّن معنى آخر مُتَعَدِّيا، بل الْمَعْنى اللَّازِم قد يتَضَمَّن بِنَفسِهِ ذَلِك كالقيام المتضمن لتحريك الْأَعْضَاء. نعم يرد على من فسره بالقائم بِذَاتِهِ الْمُقَوّم لغيره، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا مَا أجَاب صَاحب الْكَشْف فِي الطّهُور من أَنه لما لم تكن الطَّهَارَة فِي نَفسهَا قَابِلَة للزِّيَادَة رجعت الْمُبَالغَة فِيهَا إِلَى انضمام معنى التَّطْهِير إِلَيْهَا، وَذَلِكَ

стр. 80

لِأَنَّهُ قَابل للزِّيَادَة كَمَا وكيفا - كَمَا مر - على أَن فِي جَوَابه وَقْفَة من حَيْثُ أَنه انضمام معنى التَّطْهِير لما كَانَ مستفاداً من الْبَالِغَة بمعونة عدم قبُول الزِّيَادَة كَانَت الْمُبَالغَة فِي الْجُمْلَة سَببا للتعدي، وَيُمكن التَّقَصِّي بِأَن الْمَعْنى اللَّازِم بَاقٍ بِحَالهِ وَالْمُبَالغَة أوجبت انضمام الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِ لَا تَعديَة ذَلِك باللازم، وَبَينهمَا فرقان، ثمَّ الظَّاهِر / أَن القوام الْمَذْكُور فِي قَوْله: أعْطى مَا بِهِ القوام بِمَعْنى الْوُجُود إِذْ جعله بِإِحْدَى الْمَعْنيين غير منَاف كَمَا لَا يخفى أَن الْمُبَالغَة لَيست من أَسبَاب التَّعْدِيَة، فَإِذا عري القيوم عَن أَدَاة التَّعْدِيَة لم يكن إِلَّا بِالْمَعْنَى اللَّازِم، فَلَا يَصح تَفْسِيره بِالْحَافِظِ، ثمَّ أَن الْمُبَالغَة فِي الْحِفْظ كَيفَ أعْطى مَا بِهِ القوام وَلَعَلَّه من حَيْثُ الِاسْتِقْلَال بِالْحِفْظِ إِنَّمَا يتَحَقَّق بذلك، لِأَن الْحِفْظ فرع التقوم فَلَو كَانَ التقوم لغيره لم يكن مُسْتقِلّا بِالْحِفْظِ، وعَلى هَذَا لَا يرد مَا أوردهُ على تَفْسِير الطّهُور بالطاهر فِي نَفسه

стр. 81

المطهر لغيره، من أَن الطَّهَارَة لَازم وَالْمُبَالغَة فِي اللَّازِم لَا توجب التَّعَدِّي وَذَلِكَ لِأَن الْمُبَالغَة فِي اللَّازِم رُبمَا تَتَضَمَّن معنى آخر مُتَعَدِّيا فَلَا يخفى. بَيَان كَونه تَعَالَى سميعاً بَصيرًا سميعاً بَصيرًا لكل مبصر، وَلكُل مسموع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر مَا يشبه سمعنَا وبصرنا، بل هما صفتان قديمتان زائدتان على الْعلم، لَيْسَ كسمع الْخلق وبصرهم لدلَالَة النُّصُوص القاطعة، وَإِجْمَاع الْأَنْبِيَاء بل الْعُقَلَاء على ذَلِك، وَلِأَن الْخُلُو عَنْهُمَا نقص، وَلَا يلْزم قدم المسموع والمبصر وَذَلِكَ لما ثَبت أَنه تَعَالَى هُوَ الْمُحدث لهَذَا الْعَالم البديع وَمن أحدث مثله لَا يكون مَوْصُوفا إِلَّا بِهَذِهِ الصِّفَات. قَالَ الدواني: نقل ابْن تيميه أَن هَذَا عَلَيْهِ إِجْمَاع الْعُقَلَاء قاطبة وَلَا خلاف / بَين الْمُتَكَلِّمين والحكماء فِي كَونه تَعَالَى عَالما قَادِرًا، وَهَكَذَا فِي جَمِيع الصِّفَات، لكِنهمْ مخالفون فِي كَون الصِّفَات عين الذَّات أَو غير الذَّات،

стр. 82

أَو لَا عين وَلَا غير. فَذهب الْمُعْتَزلَة والحكماء إِلَى أَنَّهَا غير الذَّات، ومحصول كَلَام الْحُكَمَاء نفي الصِّفَات وَإِثْبَات نتائجها وغياياتها، وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهَا عِنْدهم من الاعتبارات الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج، وَاسْتدلَّ الْفَرِيقَانِ على نفي الغيرية بِأَنَّهَا لَو زَادَت لكَانَتْ مُمكنَة لاحتياجها إِلَى الْمَوْصُوف. وَذهب أهل السّنة إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة على الذَّات، قَالُوا: وَقَول الْمُعْتَزلَة فِيهِ استكمال بِالْغَيْر، وتكثير للقدماء مَمْنُوع بِأَن الصّفة لَا عين وَلَا غير، وَالْكفْر تعدد الذوات الْقَدِيمَة كَمَا لزم النَّصَارَى لَا تعدد الصِّفَات. وَاعْلَم بِأَن الْمُؤلف قد افْتتح بِهَذَيْنِ الوصفين إِشَارَة إِلَى تأهيل الله إِيَّاه لتأليف مثل هَذَا الْكتاب الْمُفْرد الظريف اتصاف بصفتي الْعلم والاقتدار على

стр. 83

التصنيف فِي هَذَا الْفَنّ، وَلَيْسَ ذَلِك تَزْكِيَة لنَفسِهِ، بل لأمرين: ١ - الأول: امْتِثَال قَوْله تَعَالَى: (وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث) . ٢ - وَالثَّانِي: أَن يعْتَمد وَيعرف بالوصفين الموجبين للركون إِلَى كَلَامه وتوثيقه، وَقد وصف البُخَارِيّ نَفسه بِحِفْظ مائَة ألف حَدِيث. بيد أَنه / لَو قَالَ: عَلَيْهِمَا لتجري الْأَوْصَاف على نسق وَاحِد لَكَانَ اقعد. وَقد فَاتَهُ مَعَ مِمَّا اتّصف بِهِ من البلاغة والبراعة ورسوخ قدمه فِي الْإِنْشَاء وَالنّظم الْإِشَارَة إِلَى براعة الاستهلال وَهِي عبارَة: عَن أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم فِي مطلع كَلَامه بِمَا يُشِير إِلَى مجامع الْعلم الْمُؤلف فِيهِ، كَقَوْلي فِي " شرح الْجَامِع الصَّغِير ": الْحَمد لله الَّذِي علمنَا من تَأْوِيل الْأَحَادِيث.

стр. 84

وَفِي ابْتِدَاء " شرح بهجة الْفُؤَاد الْحَاوِي لكَمَال الْإِرْشَاد ": حمدا لله ... ... وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ عَادَة البلغاء من الاعتناء بِمَا يكسوا الْكَلَام رونقاً وبراعة فِي ابْتِدَاء المطلع. فَكَانَ مُتَعَيّنا عَلَيْهِ أَن يفْتَتح هُنَا بِشَيْء من أَنْوَاع الحَدِيث: كالمرفوع، والمرسل، وَالصَّحِيح، وَالْحسن، وَنَحْو ذَلِك كَمَا فعل شَيْخه الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " شرح ألفيته ": الْحَمد لله الَّذِي قبل تَصْحِيح النِّيَّة، وَحسن الْعَمَل، وَحمل الضَّعِيف الْمُنْقَطع على مراسل لطفه فاتصل ... إِلَى آخر مَا قَالَ. معنى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَي أعلم وَأبين، وَعطف الفعلية على الإسمية لَا يخفى مَا فِيهِ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة، أَن لَا إِلَه أَي لَا معبود بِحَق إِلَّا الله والكلمة للتوحيد إِجْمَاعًا، وَهِي المُرَاد بِكَلِمَة التَّقْوَى، ثمَّ وضح مَا دلّت عَلَيْهِ بقوله: وَحده نصب على الْحَال، بِمَعْنى متوحد، أَو هُوَ تَأْكِيد لتوحيد الذَّات / والمتوحد ذُو الوحدانية.

стр. 85

لَا شريك أَي مشارك لَهُ تَأْكِيد لتوحيد الْأَفْعَال ردا على نَحْو الْمُعْتَزلَة، ثمَّ زَاد مقَام الْخطاب بالثناء عَلَيْهِ بالكبرياء بقوله: وأكبره تَكْبِيرا أَي أعظمه تَعْظِيمًا، وأتى بِهِ امتثالا لقَوْله تَعَالَى: (وَكبره تَكْبِيرا) ، وأتى بالتشهد لحَدِيث أبي دَاوُد - وَغَيره -: " كل خطْبَة لَيْسَ فِيهَا تشهد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء ". أَي المقطوعة الْبركَة. معنى الصَّلَاة على رَسُوله الله ثمَّ أَنه بعد التَّيَمُّن بِالتَّسْمِيَةِ، والتحميد، وَالثنَاء عَلَيْهِ تَعَالَى بِبَعْض صِفَاته، صلى على رَسُول لما أَنه الْوَاسِطَة فِي وُصُول الْفَيْض مِنْهُ تَعَالَى إِلَيْنَا، وَالشَّرْع الصَّحِيح وَالنَّقْل الصَّرِيح، أطبقا على وجوب شكر الْمُنعم لَا سِيمَا وَقد ورد النَّص بالندب إِلَى خُصُوص تِلْكَ

стр. 86

الْمَادَّة، حَيْثُ قَالَ عزت قدرته: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا) فَقَالَ: وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله أَي أنزل الرَّحْمَة المقرونة بِكَمَال التَّعْظِيم. على سيدنَا أَي أعظمنا، وأشرفنا، وأعلانا منزلَة، وأسمانا قدرا. و (السَّيِّد) الْمُتَوَلِي للسواد أَي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة، وينسب ذَلِك فَيُقَال: سيد الْقَوْم وَلَا يُقَال: سيد الثَّوْب، وَلَا سيد الْفرس، وَلما كَانَ من شَرط الْمُتَوَلِي للْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَن يكون النَّفس مظهر الطَّبْع / قيل لكل من كَانَ فَاضلا فِي نَفسه. وَإِطْلَاق السَّيِّد على النَّبِي مُوَافق لما ورد فِي حَدِيث:

стр. 87

" أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر ". لَكِن هَذَا مقَام الْإِخْبَار بِنَفسِهِ عَن مرتبته، ليعتقد أَنه كَذَلِك. وَأما فِي ذكره وَالسَّلَام عَلَيْهِ فقد علمهمْ الصَّلَاة عَلَيْهِ لما ورد سَأَلُوهُ عَن كيفيتها أجَاب بقوله: " قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد ". فَلم يذكر لفظ السَّيِّد، وَمن ثمَّ تردد ابْن عبد السَّلَام فِي أَن الْأَفْضَل ذكر السَّيِّد رِعَايَة للأدب؟ أَو عدم ذكره مُرَاعَاة للوارد، وَمَال بَعضهم إِلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيث: " من قَالَ بعد صَلَاة الْجُمُعَة اللَّهُمَّ صلَّ على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك النَّبِي

стр. 88

الْأُمِّي ثَمَانِينَ مرّة غفر لَهُ ". أَنه الْأَفْضَل فِيهِ التَّعَبُّد بِلَفْظِهِ، وَعدم الزِّيَادَة على الْوَارِد. وَفصل بَعضهم فَقَالَ: صِيغَة الْوَارِد لَا يُزَاد عَلَيْهَا، وَأما إِذا أنشأ صلا من عِنْده على غير الصِّيغَة الْوَارِدَة فيزيد فِيهَا. مُحَمَّد من التَّحْمِيد وَهُوَ الْمُبَالغَة فِي الْحَمد، يُقَال: حمدت فلَانا أَحْمَده إِذا أثنيت على جَمِيع خصاله، وَيُقَال: فلَان مَحْمُود. فَإِذا بلغ النِّهَايَة وتكاملت

стр. 89

فِيهِ المحاسن قيل مُحَمَّد. الَّذِي أرْسلهُ الله للنَّاس كَافَّة فَفِي حَدِيث الشَّيْخَيْنِ - وَغَيرهمَا: " بعثت إِلَى النَّاس عَامَّة " وَالْمرَاد نَاس / زَمَنه فَمن بعدهمْ إِلَى آخِرهم، وَلم يذكر الْجِنّ. قَالَ أَبُو الْبَقَاء: الكافة بِمَعْنى الْجَمَاعَة، وإضافته إِلَى مَا بعده خطأ لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا حَالا، وَإِنَّمَا قيل للنَّاس كَافَّة لِأَنَّهُ ينكف بَعضهم إِلَى بعض، وبالإضافة يصير من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. انْتهى. وأصل ذَلِك لِأَن الْإِنْس أصل، أَو لِأَن النَّاس لفظته تعمهم لِأَنَّهُ من نَاس ينوس إِذا تحرّك، وَظَاهر هَذَا إِنَّه لم يُرْسل إِلَى الْمَلَائِكَة وَهُوَ مَا

стр. 90

عَلَيْهِ الْحَلِيمِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، بل حكى الإِمَام الرَّازِيّ والنسفي عَلَيْهِ الْإِجْمَاع. لَكِن انتصر جمع مِنْهُم السُّبْكِيّ للتعميم بِآيَة: (ليَكُون للْعَالمين نذيراً) . إِذْ الْعَالم مَا سوى الله، وبراوية: " وَأرْسلت إِلَى الْخلق "، وإيثار الْمُؤلف التَّعْبِير بِلَفْظ الرِّوَايَة الأولى يرشد إِلَى أَنه من الموافقين للأولين.

стр. 91

وبشيراً وَنَذِيرا أَي بَالغا فِي الوصفين غَايَة الْكَمَال، فَهُوَ بشير للْمُؤْمِنين بِالْجنَّةِ، ونذير للْكَافِرِينَ وَفِيه من أَنْوَاع البديع الطباق وَهُوَ إِيرَاد المتضادين، وهما الْبشَارَة والنذارة، وَقدم الْوَصْف بالبشارة عَلَيْهِ بالنذارة إِشَارَة إِلَى سبق الرَّحْمَة للغضب. معنى آل مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد إِضَافَة إِلَى الظَّاهِر دون الضَّمِير تلذذاً بِتَكَرُّر ذكر اسْم الْمُصْطَفى، وتجنبا لخلاف من منع إِضَافَة آل إِلَى الضَّمِير كَابْن النّحاس، وَإِن كَانَ مردوداً بِعَمَل النَّاس. وهم مؤمنو بني هَاشم وَالْمطلب عِنْد / الشَّافِعِي، وَإِذا أطلق فِي التعارف شَمل الصحب وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان.

стр. 92

لكنه صرح بهم زِيَادَة فِي الْبَيَان فَقَالَ: وَصَحبه اسْم جمع لصَاحب، بِمَعْنى الصَّحَابِيّ وَهُوَ لُغَة: من صَحبه غَيره مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الصُّحْبَة. وَاصْطِلَاحا: من لَقِي الْمُصْطَفى يقظه بعد النُّبُوَّة وَقبل وَفَاته مُسلما وَمَات على ذَلِك وَإِن تخللته ردة. وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا، قرن الصَّلَاة بِالسَّلَامِ خُرُوجًا من كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر الَّذِي نَقله النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء، لَكِن نوزع فِي ذَلِك نقلا ودليلا: ١ -) أما الأول: فَقَالَ الشَّيْخ الْجَزرِي: لَا أعلم أحدا قَالَ بِالْكَرَاهَةِ أصلا. ٢ -) وَأما الثَّانِي: فَقَالَ الْمُؤلف لم أَقف على دَلِيل يَقْتَضِي الْكَرَاهَة. وَيُجَاب: بِأَن النَّوَوِيّ من أَرْكَان الْمُحدثين، وأعاظم الْفُقَهَاء، وَهُوَ ثَبت ثَبت فِي النَّقْل ثِقَة بِاتِّفَاق جَمِيع الطوائف لم يُخَالف فِي ذَلِك

стр. 93

مُخَالف، وَلم يُنَازع فِيهِ مُنَازع مَعَ الْوَرع التَّام، وَقد جزم بِهَذَا النَّقْل فَلَا يبعد أَن يكون اطلع على مَا لم يطلع الْجَزرِي وَالْمُصَنّف، وَمن حفظ حجَّة على من لَا يحفظ. وَأما حرف فِيهِ معنى الشَّرْط بِدَلِيل لُزُوم الْفَاء لجوابه غَالِبا، نَحْو: فَأَما زيد فمنطلق. بعد أَي مهما يَجِيء من شَيْء بعد حمد الله، وَالثنَاء على صِفَاته الكمالية /، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على خلصته من خلقه. البوادر الأولى للتصنيف فِي عُلُوم الحَدِيث فَإِن التصانيف جمع تصنيف، وأصل التصنيف تَمْيِيز بعض الْأَشْيَاء عَن بعض، وَمِنْه أَخذ تصنيف الْكتب، وَيُقَال: صنف الْأَمر تصنيفا أدْرك بعضه دون الْبَعْض، ولون بعضه دون بعض. فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث. الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق قوم على تَسْمِيَة الشَّيْء

стр. 94

باسم مَا ينْقل عَن مَوْضُوعه الأول، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا مُجَرّد الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور بل الْمُشْتَمل على أَحْوَال الرِّجَال، والعلل وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يصير بِهِ الرجل نقادا مِمَّا يَأْتِي. وَلأَهل هَذَا الْعلم اصْطِلَاح يعبرون بِهِ عَن مقاصدهم إِذا حكمُوا على متن من الْمُتُون بِشَيْء. وَهَذِه النخبة فِي علم الِاصْطِلَاح الْمَنْسُوب إِلَى أَئِمَّة علم الحَدِيث، وَأهل الحَدِيث هم المشتغلون بِهِ. قد كثرت. من الْكَثْرَة ضد الْقلَّة، يُقَال كثر الشَّيْء يكثر بِالضَّمِّ، كَثْرَة بِالْفَتْح وَالْكَسْر قَلِيل، وَقيل: بل خطأ. وَيَتَعَدَّى بالتضعيف والهمزة فَيُقَال: كثرته، وأكثرته، واستكثرته، عَدو بِهِ كثير. للأئمة أَي أَئِمَّة الحَدِيث، جمع إِمَام وَهُوَ من يؤتم أَي يقْتَدى بِهِ، سَوَاء كَانَ إنْسَانا يقْتَدى بقوله وَفعله - وَهُوَ المُرَاد هُنَا - أَو كتابا، أَو غَيرهمَا محقا أَو مُبْطلًا فَكَذَلِك قَالُوا الإِمَام: الْخَلِيفَة / وَالسُّلْطَان، والعالم المقتدى بِهِ.

стр. 95

فِي الْقَدِيم والْحَدِيث أَي فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم، والزمن الْمُتَأَخر، وَالْقَدِيم يُطلق على الْمَوْجُود الَّذِي لَيْسَ وجوده مَسْبُوقا بِالْعدمِ، وَهُوَ الْقَدِيم بِالذَّاتِ ويقابله الْمُحدث بِالزَّمَانِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وَفِيه من أَنْوَاع البديع الطباق ثمَّ أَن قَوْله فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى مَجْمُوع الشَّيْئَيْنِ والإلزام كَون الْكَثْرَة فِي كل مِنْهُمَا، وَهُوَ مُخَالف للْوَاقِع إِذْ هِيَ إِنَّمَا فِي الثَّانِي كَمَا نبه عَلَيْهِ بعض أَرْبَاب الْمعَانِي فَأول من صنف فِيهِ - أَي فِي ذَلِك - القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن ابْن عبد الرَّحْمَن الرامَهُرْمُزِي بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم وَضم الْهَاء وَالْمِيم الثَّانِيَة وَآخره زَاي، نِسْبَة إِلَى رامهرمز كورة من كور الأهواز من بِلَا خوزستان، يُقَال: أَن سلمَان الْفَارِسِي الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور مِنْهُ، وَخرج مِنْهَا جمَاعَة من الْأَعْيَان كَثِيرُونَ مِنْهُم القَاضِي الْمَذْكُور. ولي الْقَضَاء بِبِلَاد خوزستان، وروى عَن أَحْمد بن حَمَّاد بن سُفْيَان وعاش قَرِيبا من سنة سِتِّينَ وثلاثمائة. فِي كِتَابه الْمُحدث الْفَاصِل أَي فِي الَّذِي أَلفه فِي عُلُوم الحَدِيث، وَسَماهُ

стр. 96

بذلك لكنه لم يستوعب أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث، لكَونه من أول من اخترع ذَلِك وَوَضعه. / والاستيعاب أَخذ الشَّيْء جَمِيعه، يُقَال: وعبته وعبا من بَاب وعد، وأوعبته إيعابا واستوعبته كلهَا بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الْأَزْهَرِي: الوعب إيعابك الشَّيْء فِي الشَّيْء حَتَّى تَأتي عَلَيْهِ أَي تدخله فِيهِ جَمِيعه. وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن حَمْدَوَيْه الضَّبِّيّ الإِمَام الرّحال الشَّافِعِي، الْمَعْرُوف بِابْن البيع أحد الْأَعْلَام، ثِقَة ثَبت لكنه يتشيع ويحط على مُعَاوِيَة. قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: وَالله يحب الْإِنْصَاف مَا الرجل برافضي كَمَا زَعمه ابْن طَاهِر، وَهُوَ من أعلم الْأَئِمَّة الَّذين حفظ الله بهم

стр. 97

الدّين النَّيْسَابُورِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْيَاء وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَضم الْمُوَحدَة، نِسْبَة إِلَى نيسابور أحسن مدن خُرَاسَان وأجمعها لِلْخَيْرَاتِ، سميت بذلك لِأَن سَابُور لما رأى أرْضهَا قَالَ: يصلح أَن يكون هُنَا مَدِينَة، وَكَانَت قصبا فَقَطعه وبناها. والنّي الْقصب فَقيل: نيسابور. لكنه لم يهذب كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث وَلم يرتب أَنْوَاعه. والتهذيب التصفية والتخليص، وهذبه نقاه، وخلصه. وَالتَّرْتِيب لُغَة: جعل كل الشَّيْء فِي مرتبته، وَاصْطِلَاحا: جعل الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة بِحَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا اسْم الْوَاحِد، وَيكون لبَعض أجزاه نِسْبَة / إِلَى بَعْضهَا بالتقدم والتأخر. وتلاه أَي جَاءَ بعده الْحَافِظ أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله بن احْمَد الصُّوفِي، الْفَقِيه، الشَّافِعِي أَخذ عَن الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، وَعنهُ الْخَطِيب وَغَيره الْأَصْبَهَانِيّ بِكَسْر الْألف وَفتحهَا، وصاد مُهْملَة، وَآخره نون، نِسْبَة إِلَى بلد هِيَ أشهر بَلْدَة بالجبال، وَهِي جموع عَسَاكِر الأكاسرة فَعمل على

стр. 98

كِتَابه أَي الْحَاكِم مستخرجا وَجمع أَشْيَاء كَثِيرَة بِالنِّسْبَةِ لمن تقدمه وَلكنه أبقى شَيْئا للمتعقب المريد الاسيتعاب. ثمَّ جَاءَ بعدهمْ جَمِيعهم الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه، الشَّافِعِي، أحد أَعْلَام الْحفاظ ومهرة الحَدِيث فصنف فِي قوانين الرِّوَايَة جمع قانون فَهُوَ أَمر كلي ينطبق على جَمِيع جزئياته الَّتِي يتعرف أَحْكَامهَا مِنْهُ، كَقَوْل النُّحَاة: الْفَاعِل مَرْفُوع، وَالْمَفْعُول مَنْصُوب. كتابا من الْكتب وَهُوَ ضم أَدِيم إِلَى أَدِيم بالخياطة، وَعرفا: ضم الْحُرُوف بَعْضهَا إِلَى بعض بالخط، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم للصحيفة مَعَ الْمَكْتُوب فِيهَا سَمَّاهُ الْكِفَايَة وَفِي آدابها كتابا آخر سَمَّاهُ الْجَامِع لِآدَابِ الشَّيْخ وَالسَّامِع. أَي سَمَّاهُ بِمَجْمُوع الْمَوْصُوف وَالصّفة وَقل الْجَامِع لِآدَابِ الشَّيْخ وَالسَّامِع. أَي سَمَّاهُ بِمَجْمُوع الْمَوْصُوف وَالصّفة وَقل

стр. 99

فن من فنون الحَدِيث والفن من الشَّيْء هُوَ النَّوْع مِنْهُ إِلَّا وَقد صنف فِيهِ كتابا مُفردا حَتَّى زَادَت تصانيفه على الْخمسين فَكَانَ كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر ابْن نقطة بِضَم النُّون / وَسُكُون الْقَاف كل من أنصف، من الْإِنْصَاف وَهُوَ الْعدْل فِي القَوْل وَالْفِعْل بِأَن لَا يَأْخُذ من صَاحبه الأمثل مَا يُعْطِيهِ من الْمَنَافِع، وَلَا ينيله من المضار إِلَّا كَمَا ينيله، علم أَي اعْتقد اعتقادا جَازِمًا مطابقا أَن الْمُحدثين الَّذين وجدوا بعد الْخَطِيب عِيَال على كتبه، الْعِيَال: أهل الْبَيْت وَمن يمونه الْإِنْسَان، فَأطلق على الْمُحدثين عِيَاله لكَونه أَعْطَاهُم مَا يمونهم أَي يقوم بكفايتهم فِي هَذَا الشَّأْن وكفاهم مُؤنَة ذَلِك، حَيْثُ لم يحتاجوا مَعَ وجود كتبه إِلَى غَيرهَا. وَيُقَال: عَال الْيَتِيم إِذا قَامَ بكفايته. وَفِي تصانيفه قَالَ السلَفِي: (تصانيف ابْن ثَابت الْخَطِيب ... ألذ من الصِّبَا الغض الرطيب)

стр. 100

(ترَاهَا إِذا رَوَاهَا من حواها ... رياضاً للفتى اليقظ اللبيب) (وَيَأْخُذ حسن مَا قد صاغ مِنْهَا ... بِنَقْل الْحَافِظ الفطن الأديب) ثمَّ قد جَاءَ بعض من تَأَخّر عَن الْخَطِيب فِي الزَّمَان فَأخذ من هَذَا الْعلم بِنَصِيب أَي الْحَظ. والنصيب فِي الأَصْل اسْم للحظ الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ للْقِسْمَة بَين الْجَمَاعَة فَجمع من الْجمع وَهُوَ ضم مَا شَأْنه الِافْتِرَاق والتنافر، وَيُقَال ضم الشَّيْء بتقريب بعضه من بعض القَاضِي عِيَاض الْمَالِكِي الإِمَام الْمَشْهُور كتابا صَغِيرا أَي الحجم / حسن النّظم سَمَّاهُ الإلماع. وَأَبُو حَفْص الميانجي بِفَتْح الْمِيم، ومثناة تحتية مُخَفّفَة، وَفتح النُّون، وَآخره جِيم نِسْبَة إِلَى ميانة بلد بِأَذربِيجَان،

стр. 101

وَهُوَ أحد الْفُضَلَاء، الْمَشْهُورين، وَالْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة المتورعين، تفقه على القَاضِي أبي الطّيب، وَكَانَ رَفِيق الشَّيْخ أبي إِسْحَق الشِّيرَازِيّ.

стр. 102

روى عَنهُ ابْن الصَّائِغ، ومدح ماوشان - وَهُوَ مَوضِع كثير الشّجر وَالْمَاء بهمذان: (إِذا ذكر الحسان من الْجنان ... فخيهلا بوادي ماوشان) (تَجِد شعبًا يشعب كل هم ... وملهى ملهيا عَن كل شَأْن) (ومغنى مغنيا عَن كل ظَبْي ... وغانية تدل على الغواني) (وتغريد الهزار على ثمار ... ترَاهَا كالعقيق وكالجمان)

стр. 103

(فيا لَك منزلا لَوْلَا اشتياقي ... أصيحابي بدرب الزَّعْفَرَان) فَلَمَّا سَمعهَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَق وَكَانَ مُتكئا جلس وَقَالَ: أَنا المُرَاد بأصيحابي بدرب الزَّعْفَرَان. جزؤا لطيفاً أَيْضا سَمَّاهُ: مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله. وأمثال ذَلِك من التصانيف الَّتِي اشتهرت بَين أهل الحَدِيث وَبسطت ليتوفر علمهَا أَي ليكْثر الْعلم الْمُسْتَفَاد مِنْهَا، والبسط: نشر الشَّيْء وتوسيعه، فَتَارَة يتَصَوَّر فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَتارَة أَحدهمَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ) / أَي وَسعه. والتوفر على الشَّيْء صرف الهمة لَهُ واختصرت ليتيسر فهمها قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ - تلميذ الْمُؤلف: أوردت على المُصَنّف أَن الِاخْتِصَار

стр. 104

لتيسير الْحِفْظ لَا لتيسير الْفَهم فَأجَاب: بِأَن المُرَاد فهم متين لَا يَزُول سَرِيعا، فَإِنَّهَا إِذا اختصرت سهل حفظهَا، وَحِينَئِذٍ يسهل فهمها بِسَبَب حفظهَا، وَلَا كَذَلِك المبسوطة لِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى الآخر قد يغْفل عَن الأول. انْتهى. ولخص لَك بَعضهم فَقَالَ: اختصرت لتيسر الْفَهم الْمعِين عَلَيْهِ الْحِفْظ، الَّذِي هُوَ فِي نفس الْأَمر عِلّة اللاختصار فَيكون فهما راسخا لَا يَزُول. والاختصار إقلال اللَّفْظ بإكثار الْمَعْنى، وَاخْتصرَ ذَلِك بَعضهم فَقَالَ: إقلال بِلَا إخلال، وَقيل غير ذَلِك. والتيسير: التسهيل. والفهم: تصور الْمَعْنى من لفظ الْمُخَاطب.

стр. 105

وَيُقَال: هَيئته للنَّفس بهَا يتَحَقَّق مَعَاني مَا يحسن. إِلَى أَن جَاءَ من الْمَجِيء وَهُوَ الْإِتْيَان بسهولة الْحَافِظ الْفَقِيه الشَّافِعِي تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن الصّلاح صَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن الشهرزوري بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الْهَاء وَضم الرَّاء وَالزَّاي وَآخره رَاء أُخْرَى نِسْبَة إِلَى شهرزور، بَلْدَة بَين الْموصل وهمدان بناها زور ابْن الضَّحَّاك فَقيل: شهر زور مَعْنَاهُ / مَدِينَة زور نزيل دمشق. ولد ابْن الصّلاح سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة، وتفقه على أَبِيه،

стр. 106

وَكَانَ وَالِده شيخ تِلْكَ النَّاحِيَة، وَجمع بَين طريقي الْمَذْهَب قبل أَن يطر شَاربه، وساد، وتفقه، وارتحل، فَأخذ عَن جمَاعَة، وَسمع الحَدِيث، ودرس بالشامية الجوانية، والأشرفية، والرواحية بِالشَّام، والصالحية بالقدس، وَمَات سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة. فَجمع لما ولي تدريس الحَدِيث بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الَّتِي بِدِمَشْق كِتَابه الْمَشْهُور أَي الفاشي بَين النَّاس فهذب فنونه أَي نقاها وخلصها من الشوائب وأملاه من الْإِمْلَاء وَهُوَ إِلْقَاء مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الضَّمِير إِلَى اللِّسَان قولا وعَلى الْكتاب رسماً شَيْئا بعد شَيْء على حسب الدُّرُوس فَلهَذَا لم يحصل ترتيبه على الْوَضع المتناسب أَي المتقارب الْمُتَشَابه، وَالْمُنَاسِب الْقَرِيب، وَبَينهمَا مُنَاسبَة، وَهَذَا يُنَاسب هَذَا أَي يُقَارِبه شبها واعتنى بتصانيف الْخَطِيب المتفرقة فَجمع شتات مقاصدها، الاعتناء: الإهتمام بالشَّيْء والاحتفال بِهِ، وَيُقَال: شت شتا إِذا تفرق وَالِاسْم الشتات

стр. 107

وَضم إِلَيْهَا أَي إِلَى مَا اشْتَمَلت على تِلْكَ الْكتب من غَيرهَا نخب فوائدها أَي زبد فَوَائِد تصانيف / غَيرهَا. وَالضَّم: الْجمع بَين شَيْئَيْنِ فَأكْثر. والنخب: جمع نخبة وَهِي الشَّيْء الْمُخْتَار، وَيُقَال: هُوَ نخبة قومه أَي خيارهم، وَهُوَ نخيب الْقَوْم. وانتخبه انتزعه. والفوائد: فواعل غير منصرف جمع فَائِدَة، من الْفَوَائِد لِأَنَّهَا تفعل بِهِ، أَو من الفيد لَا من الفود وَهِي لُغَة: مَا اسْتُفِيدَ من علم أَو مَال. وَعبر عَنهُ بَعضهم بقوله: الزِّيَادَة تحصل للْإنْسَان، اسْم فَاعل من فادت لَهُ فَائِدَة فيداً، وأفيدته أَعْطيته، وأفدت مِنْهُ أخذت، وَعرفا كل نَافِع ديني أَو دُنْيَوِيّ. فَاجْتمع فِي كِتَابه مَا تفرق فِي غَيره فِي الْكتب الْكَبِيرَة والمتكثرة فَلهَذَا عكفت النَّاس أهل الحَدِيث عَلَيْهِ أَي أَقبلُوا عَلَيْهِ،

стр. 108

وَاشْتَغلُوا بِهِ والعكوف: لإقبال على الشَّيْء وملازمته على سَبِيل التَّعْظِيم لَهُ. وَسَارُوا بسيره أَي مَشوا على طَرِيقَته فَلَا (يُحْصى) كم ناظم لَهُ كالحافظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ - جدنا الْأَعْلَى من قبل الْأُم - فِي ألفيته الْمَشْهُورَة، الَّتِي هِيَ الْمرجع فِي هَذَا الشَّأْن ومختصر لَهُ كالنووي اخْتَصَرَهُ مرَّتَيْنِ سمى أحد الْكِتَابَيْنِ " التَّقْرِيب " وَالْآخر " الْإِرْشَاد "، وَابْن كثير

стр. 109

اخْتَصَرَهُ وأضاف إِلَيْهِ الْكثير ومستدرك عَلَيْهِ كمغلطاي فِي كِتَابه " إصْلَاح ابْن الصّلاح " وَالْإِمَام البُلْقِينِيّ فِي كِتَابه " محَاسِن الِاصْطِلَاح " ومقتصر ومعارض لَهُ كالبلقيني ومنتصر كالعراقي فِي نكته. فَسَأَلَنِي من السُّؤَال وَهُوَ: طلب الْأَدْنَى من / الْأَعْلَى بعض الإخوان

стр. 110

جمع أَخ، وَأَصله المشارك لآخر فِي الْولادَة، ثمَّ استعير للمشارك فِي دين، أَو حِرْفَة، أَو مَوَدَّة كَمَا هُنَا، أَن ألخص لَهُم من التَّلْخِيص وَهُوَ: اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد بِكَلَام موجز المهم من ذَلِك فلخصته فِي أوراق لَطِيفَة أَي قَليلَة الحجم، وَلَو عبر بورقات كَانَ أولى لِأَنَّهَا دون الْعشْرَة، وَالْوَرق: الكاغد كَذَا ذَكرُوهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَهَذَا لم يُوجد فِي الْكَلَام الْقَدِيم، بل الْوَرق اسْم لجلود رقاق يكْتب فِيهَا وَهِي مستعارة من ورق الشّجر. وَقَالَ لخصت وَلم يقل اختصرت لِأَن الِاخْتِصَار أَعم من التَّلْخِيص، فَتَارَة يكون اختصاراً على بعض الأَصْل مَعَ عدم اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد وَغَيرهَا بِكَلَام موجز، وَتارَة يكون مَعَ اسْتِيفَاء، وَالْمُصَنّف لم يسْتَوْف. سميتها نخبة الْفِكر فِي مصطلح أهل الْأَثر أَي سميتها لمجموع الْمَوْصُوف وَالصّفة. والفكر بِفَتْح فَكسر جمع فكر بِالْكَسْرِ، وَهُوَ تردد
следующие страницы →