← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5979

اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (833 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَعرف بِهَذَا أَن بَين الشاذ وَالْمُنكر عُمُوما وخصوصاً من وَجه، لِأَن بَينهمَا اجتماعاً فِي اشْتِرَاط الْمُخَالفَة، وافتراقاً فِي أَن الشاذ رَاوِيه ثِقَة أَو صَدُوق، وَالْمُنكر رَاوِيه ضَعِيف. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ يشْتَرط فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه أَن يكون بَين الْمَذْكُورين مَادَّة اجْتِمَاع يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا، وَلَيْسَ الْمَذْكُور هُنَا كَذَلِك. قَالَ: وَمَا ذكره المُصَنّف فِي تَوْجِيهه لَيْسَ على حد مَا عِنْد الْقَوْم. والبقاعي فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف من الْعُمُوم وَالْخُصُوص غير صَحِيح، وَإِنَّمَا بَين الشاذ وَالْمُنكر من النّسَب المباينة الْكُلية لَا شَيْء من الشاذ بمنكر، وَلَا شَيْء من الْمُنكر بشاذ، وَلم يجتمعا فِي مُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الشاذ لِأَنَّهَا مُقَيّدَة بالثقة، وَلَا بِمُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الْمُنكر فَإِنَّهَا مُقَيّدَة بالضعيف. قَالَ: لَيْسَ هَذَا كالحيوان وَالْأسود فِي فَرد من أَفْرَاد الْحَيَوَان / فَإِنَّهُمَا اجْتمعَا فِي مُطلق الْحَيَوَان الْأسود وَأما هُنَا فَلم يجتمعا فِي فَرد من أَفْرَاد الْمُنكر، وَلَا فِي فَرد من أَفْرَاد الشاذ كَمَا اجْتمع الْحَيَوَان وَالْأسود فِي فَرد

стр. 317

من أَفْرَاد الْحَيَوَان، فَكَانَ بعض الْحَيَوَان أسود وَبَعض الْأسود حَيَوَان إِلَى هُنَا كَلَامه. وتبعهما على ذَلِك الأشموني فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف مَمْنُوع، وَإِنَّمَا الَّذِي بَين الشاذ وَالْمُنكر تبَاين كلي لَا عُمُوم وخصوص من وَجه كَمَا زَعمه، لِأَن الشاذ لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الْمُنكر، كَمَا أَن الْمُنكر لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الشاذ، لِأَن الشاذ من رِوَايَة المقبول وَالْمُنكر من رِوَايَة الضَّعِيف. انْتهى. وَمَا ذكره غَفلَة عَن مُرَاد الْمُؤلف مِمَّا ذكره، فَإِن الْكَمَال بن أبي شرِيف نقل عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ: إِنَّه لَيْسَ مُرَاده الْعُمُوم وَالْخُصُوص المصطلح عَلَيْهِ: وَهُوَ صدق كل مِنْهُمَا على بعض مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر، وَإِنَّمَا مُرَاده مَا فسر بِهِ وَهُوَ أَن بَينهمَا اجْتِمَاع وافتراق. انْتهى. وَأما الْجَواب بِأَن شَرط الْعُمُوم وَالْخُصُوص مَوْجُود هُنَا، وَهُوَ وجود مَادَّة يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا لِأَن لنا رَاوِيا وَاحِدًا يكون حَدِيثه شاذاً ومنكراً، شَاذ

стр. 318

بِاعْتِبَار أَنه صَدُوق ومنكر بِاعْتِبَار أَنه سيئ الْحِفْظ أَو مُغفل أَو فَاحش الْغَلَط أَو مُبْتَدع فَهُوَ ضَعِيف بِهَذِهِ الاعتبارات إِذْ كل وَاحِد مِنْهَا - أَي من هَذِه الْأَوْصَاف - يضعف بهَا الرَّاوِي لَا يُنَافِي أَن / يكون صَدُوقًا. وَالْحَاصِل: أَن بقوله أَو صَدُوق ينْدَفع الِاعْتِرَاض عَنهُ فَفِيهِ تعسف لَا يخفى. وَقد غفل من سوى بَينهمَا أَي كَابْن الصّلاح حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنكر أَنه بِمَعْنى الشاذ. وَتعقب الشَّيْخ قَاسم هَذَا: بِأَنَّهُم أطْلقُوا فِي غير مَوضِع النكارة على

стр. 319

رِوَايَة الثِّقَة مُخَالفا لغيره، من ذَلِك حَدِيث نزع الْخَاتم حَيْثُ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا حَدِيث مُنكر. مَعَ أَن رَاوِيه همام بن يحيى وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ أهل الصِّحَّة، وَفِي عبارَة النَّسَائِيّ مَا يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه. أَنه يُقَابل

стр. 320

الْمَحْفُوظ، وَكَأن الْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف ليسَا بنوعين حقيقين تحتهما أَفْرَاد مَخْصُوصَة عِنْدهم، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي التَّضْعِيف فَجَعلهَا الْمُؤلف أنواعاً فَلم يُوَافق مَا وَقع عِنْدهم. انْتهى. قَالَ بَعضهم: وَالْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف من الْأَنْوَاع الَّتِي أهملها ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ، وحقهما أَن يذكرَا كَمَا ذكر الْمُتَّصِل مَعَ مَا يُقَابله من الْمُرْسل والمنقطع والمعضل. تَنْبِيه: وَقع فِي عباراتهم: أنكر مَا رَوَاهُ فلَان كَذَا وَإِن لم يكن ذَلِك الحَدِيث ضَعِيفا، قَالَ ابْن عدي: أنكر مَا روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: " إِذا أَرَادَ

стр. 321

بِأمة خيرا قبض نبيها قبلهَا ". قَالَ: وَهَذَا طَرِيقه حسن، وَرَوَاهُ ثِقَات، وَقد أدخلهُ قوم فِي صحاحهم. انْتهى. والْحَدِيث فِي مُسلم . وَقَالَ / الذَّهَبِيّ: أنكر مَا للوليد بن مُسلم من الْأَحَادِيث حَدِيث فِي حفظ

стр. 322

الْقُرْآن، وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ وَحسنه، وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ: على شَرط الشَّيْخَيْنِ.

стр. 323

وَمَا تقدم ذكره من الْفَرد النسبي الْمَتْن هُوَ قَوْله: والفرد النسبي وَقَوله مَا تقدم ذكره من شرح كَذَا صنع الْمُؤلف. وَتعقبه البقاعي: بِأَن الْفَرد فِي الْمَتْن مُبْتَدأ مَرْفُوع، وَفِي الشَّرْح مجرور فَهُوَ مخل بالمزج. قَالَ البقاعي. وَقَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: قَوْله من الْفَرد فِيهِ الْفَرد مجرور مَعَ أَنه فِي الْمَتْن مَرْفُوع فَلم يَفِ بِمَا يَنْبَغِي فِي التَّضْمِين، فَلَو قَالَ: وَهُوَ الْفَرد بدل من الْفَرد كَانَ أولى، أَو لَو أَتَى بِعِبَارَة يكون فِيهَا الْفَرد معرباً بِالرَّفْع كَانَ أحسن. إِن وجد بعد ظن كَونه فَردا قد وَافقه غَيره فَهُوَ المتابع.

стр. 324

يَعْنِي فَذَلِك الْغَيْر هُوَ المتابع بِكَسْر الْمُوَحدَة بعد الْألف مصدر ميمي لتابعه تباعا. وَاصْطِلَاحا: وجدان راو غير صَحَابِيّ مُوَافق لراو ظن صدقه أَنه فَرد نسبي، أَو لشيخه، أَو شيخ شَيْخه، فِي لفظ مَا رَوَاهُ أَو فِي مَعْنَاهُ. وتخصصه ذَلِك بالفرد النسبي أورد عَلَيْهِ: أَن المتابع قد يكون فِي الْفَرد الْمُطلق. وتنقسم إِلَى: تَامّ وَإِلَى قَاصِرَة كَمَا بَين ذَلِك بقوله والمتابعة بِفَتْح الْمُوَحدَة على مَرَاتِب: إِن حصلت للراوي على نَفسه فَهِيَ التَّامَّة، وَإِن / حصلت لشيخه فَمن فَوْقه أَي لشيخ شَيْخه أَو شيخ شيخ شَيْخه وَهَكَذَا فَهِيَ القاصرة يَعْنِي الرَّاوِي عَن متابع شَيْخه متابع لَهُ، لَكِنَّهَا لَيست فِي شَيْخه فَهِيَ القاصرة. وَيُسْتَفَاد مِنْهَا أَي الْمُتَابَعَة بقسميها التقوية فتكسب قُوَّة فِي الْفَرد المتابع ونفعاً فِيهِ.

стр. 325

مِثَال الْمُتَابَعَة (التَّامَّة) مَا رَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي كِتَابه " الْأُم " عَن مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله قَالَ: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ ". كَذَا مثل بِهِ المُصَنّف للمتابعه التَّامَّة، (وَاعْترض مَا لَيْسَ مِثَالا للتامة) وَإِنَّمَا مثالها مَا ذكره بعد من قَوْله لَكِن وجدنَا للْإِمَام الشَّافِعِي مُتَابعًا وَهُوَ عبد الله بن مسلمة ... إِلَى آخِره. فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمه وَتَأْخِير مَا قدمه، إِلَّا أَن يُقَال: تَقْدِيمه ضَرُورِيّ لَا بتناء الْكَلَام بعده عَلَيْهِ، واتضاح الْمَعْنى المُرَاد بِهِ. فَهَذَا الحَدِيث (الْمَذْكُور) بِهَذَا اللَّفْظ ظن قوم من الْمُحدثين

стр. 326

أَن الإِمَام الشَّافِعِي تفرد بِهِ أَي براويته عَن مَالك فعدوه فِي غرايبه لِأَن أَصْحَاب مَالك رَوَوْهُ عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ قدره " لَكِن وجدنَا للْإِمَام الشَّافِعِي مُتَابعًا وَهُوَ عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ثمَّ لَام وَمِيم / مفتوحتين القعْنبِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ثمَّ نون مُوَحدَة كَذَلِك أخرجه البُخَارِيّ عَنهُ عَن مَالك وَهَذِه مُتَابعَة تَامَّة أَي قَوْله وجدنَا ... إِلَى آخِره، وَلَا تكْرَار مَعَ قَوْله أَولا مِثَال التَّامَّة لِأَن هَذَا تنصيص على أَنه الْمِثَال فِي الْحَقِيقَة. وَوجدنَا لَهُ - أَيْضا - مُتَابعَة قَاصِرَة فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة من

стр. 327

رِوَايَة عَاصِم بن مُحَمَّد عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد عَن جده عبد الله بن عمر بِلَفْظ " فَكَلَّمُوا ثَلَاثِينَ ". وَفِي صَحِيح مُسلم فِي رِوَايَة عبيد الله ابْن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر بِلَفْظ " فاقدروا ثَلَاثِينَ ". وَلَا اقْتِصَار فِي هَذِه الْمُتَابَعَة سَوَاء كَانَت تَامَّة أَو قَاصِرَة على اللَّفْظ بل لَو جَاءَت بِالْمَعْنَى لكفى لَكِنَّهَا مُخْتَصَّة بِكَوْنِهَا من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ. كَذَا ذكره المُصَنّف، وَاعْتَرضهُ الْكَمَال بن أَبى شرِيف والشرف الْمَنَاوِيّ: بِأَن الَّذِي نَقله ابْن الصّلاح ثمَّ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ عَن ابْن حبَان وَلم

стр. 328

يتعقباه فِي تَمْثِيل الْمُتَابَعَة يَقْتَضِي أَن رِوَايَة غير الصَّحَابِيّ ذَلِك الحَدِيث عَن الْمُصْطَفى مُتَابعَة للصحابي. وَإِن وجد متن يرْوى من حَدِيث صَحَابِيّ آخر يُشبههُ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى، أَو فِي الْمَعْنى فَقَط كَمَا فِي الْمِثَال المسوق للمتابعة القاصرة فَإِنَّهُ لَيْسَ بِاللَّفْظِ فَهُوَ الشَّاهِد فالشاهد فِي الِاصْطِلَاح: متن بِمَعْنى الْفَرد النسبي بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ دون لَفظه من رِوَايَة صَحَابِيّ آخر. ومثاله فِي / الحَدِيث الَّذِي قدمْنَاهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حنين بِالتَّصْغِيرِ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي فَذكر مثل حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر سَوَاء فَهَذَا

стр. 329

بِاللَّفْظِ وَأما بِالْمَعْنَى فَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَذَلِكَ شَاهد بِالْمَعْنَى. وَخص قوم الْمُتَابَعَة بِمَا حصل بِاللَّفْظِ سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك عَن الصَّحَابِيّ أم لَا. وَالشَّاهِد بِمَا حصل بِالْمَعْنَى كَذَلِك أَي سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ أم لَا كَمَا قَالَه المُصَنّف (فِي تَقْرِيره) قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهُوَ ظَاهر. وَقد يُطلق الْمُتَابَعَة على الشَّاهِد وَعَكسه وَالْأَمر سهل. كَذَا ذكره الْمُؤلف، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم: وَيُسمى الْمُتَابَعَة شَاهدا وَلَا يُسمى الشَّاهِد مُتَابعَة. وَهُوَ مُخَالف لما ذكره الْمُؤلف.

стр. 330

وَيدخل فِي الْمُتَابَعَة وَالشَّاهِد رِوَايَة من لَا يحْتَج بِهِ وَلَا يدْخل فِي ذَلِك كل ضَعِيف. وَاعْلَم أَن تتبع الطّرق الْمَتْن قَوْله وتتبع الطّرق وَقَوله اعْلَم شرح هَكَذَا صنع الْمُؤلف. وَتعقبه البقاعي: بِأَن تتبع فِي الْمَتْن مَرْفُوع، وَفِي الشَّرْح مَنْصُوب، وَلَيْسَ من طَرِيق المزج فِي شَيْء، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول وتتبع الطّرق من الْمُحدث من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد وَالسّنَن والأجزاء والتواريخ وَغَيرهَا لذَلِك

стр. 331

الحَدِيث الَّذِي يظنّ أَنه فَرد ليعلم هَل لَهُ متابع / أَو شَاهد أَو لَا، هُوَ الِاعْتِبَار أَي يُسمى بذلك، فَهُوَ أَن يَأْتِي إِلَى حَدِيث بعض الروَاة فيعتبره بروايات غَيره من الروَاة، بسبر طرق الحَدِيث ليعرف هَل شَاركهُ فِيهِ غَيره فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أَو لَا؟ فَإِن لم يكن فَينْظر هَل تَابع (أحد) شيخ شَيْخه فَرَوَاهُ عَمَّن رَوَاهُ عَنهُ؟ وَهَكَذَا إِلَى آخر الْإِسْنَاد وَذَلِكَ الْمُتَابَعَة، فَإِن لم يكن فَينْظر هَل أَتَى بِمَعْنَاهُ حَدِيث آخر وَهُوَ الشَّاهِد، فَإِن لم يكن فَالْحَدِيث فَرد فَلَيْسَ الِاعْتِبَار قسيما للمتابع وَالشَّاهِد بل للتوصل كَمَا أَشَارَ المُصَنّف إِلَى ذَلِك بقوله: وَقَول ابْن الصّلاح: معرفَة الِاعْتِبَار والمتابعات والشواهد قد يُوهم أَن الِاعْتِبَار قسيم لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَيْهِمَا. كَذَا زَعمه المُصَنّف، ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا قَالَه ابْن الصّلاح

стр. 332

صَحِيح لِأَن هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَى الشَّيْء غير الشَّيْء. وَجَمِيع مَا تقدم من أَقسَام المقبول تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة. قَالَ المُصَنّف (فِي تَقْرِيره) : يَعْنِي إِذا تعَارض حديثان صَحِيح لذاته وصحيح لغيره، أَو حسن لذاته وَحسن لغيره، قدم الَّذِي لذاته على الَّذِي لغيره. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُم لم يراعوا فِي ترجيحاتهم هَذَا الِاعْتِبَار، وَيعرف هَذَا من صَنِيع الْبَيْهَقِيّ فِي " الخلافيات " وَالْغَزالِيّ فِي كِتَابه " تَحْسِين المأخذ " وَغير ذَلِك. انْتهى. قَالَ ابْن حبَان: وَطَرِيق الِاعْتِبَار أَن يروي / حَمَّاد مثلا حَدِيثا لم يُتَابع عَلَيْهِ، عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن الْمُصْطَفى،

стр. 333

فَينْظر هَل رَوَاهُ ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَإِن وجد علم أَن لَهُ أصلا يرجع إِلَيْهِ، وَإِلَّا فثقه غير ابْن سِيرِين رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَن الْمُصْطَفى فَأَي ذَلِك وجد علم أَن للْحَدِيث أصلا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: فمثال مَا عدمت فِيهِ المتابعات من وَجه يثبت مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه إِلَى الْمُصْطَفى: " أحبب حَبِيبك هونا

стр. 334

مَا " ... قَالَ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. أَي من وَجه يثبت، وَإِلَّا فقد رَوَاهُ الْحسن بن دِينَار عَن أبن سِيرِين، وَالْحسن مَتْرُوك الحَدِيث لَا يصلح للمتابعات. ثمَّ المقبول يَنْقَسِم - أَيْضا - إِلَى مَعْمُول بِهِ، وَغير مَعْمُول بِهِ، لِأَنَّهُ إِن سلم من الْمُعَارضَة - أَي لم يَأْتِ خبر يضاده فَهُوَ الْمُحكم. بِفَتْح الْكَاف، من أحكمت الشَّيْء: أتقنته. كَذَا عبر المُصَنّف. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الْمُعَارضَة مصدر، وَالْخَبَر الَّذِي يضاده اسْم فَاعل، وَلَا حَامِل على هَذَا الِاسْتِعْمَال مَعَ تيَسّر اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة. انْتهى. وَاعْلَم أَن هَذَا زَاده الْمُؤلف فِي الْأَنْوَاع على الْمُتَأَخِّرين آخِذا من كَلَام الْحَاكِم.

стр. 335

وأمثلته كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث: " إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم / الْقِيَامَة الَّذين يشبهون بِخلق الله "، وَحَدِيث: " لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول ". وَحَدِيث: " إِذا وضع الْعشَاء وأقيمت الصَّلَاة ... إِلَى آخِره ".

стр. 336

وَهَذَا النَّوْع قد صنف فِيهِ الدَّارمِيّ كتابا حافلاً وَإِن عورض بِخَبَر يضاده، بِأَن تنَافِي الدليلان - أَي ظَاهر - إِذْ لَو وَقع حَقِيقَة لم يكن دَفعه. فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معارضه مَقْبُولًا مثله (أَو يكون مردوداً) مثله. بِأَن يكون الحديثان ظنيان دلَالَة، مستويان فِي الْقُوَّة، بِأَن نافى كل مِنْهُمَا الآخر كلياً أَو جزئياً، سَوَاء كَانَا بِاعْتِبَار السَّنَد قطعيين، أَو ظنيين، أَو مُخْتَلفين. وَأما مَا نَقله الْكَمَال بن أبي شرِيف عَن تَقْرِير الْمُؤلف أَنه قَالَ: المُرَاد أصل الْقبُول لَا التَّسَاوِي فِيهِ، حَتَّى لَا يكون الْقوي نَاسِخا للأقوى، بل لَا يكون الْحسن نَاسِخا للصحيح المقبول، وَاعْتِبَار التَّرْجِيح يدل على هَذَا لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا متساويين لم يتأت التَّرْجِيح.

стр. 337

وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا مُخَالف لما تقدم من قَوْله تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل هَذَا أَمر وَقع فِي أثْنَاء التَّقْرِير فَلَا يبْحَث فِيهِ؟ . قُلْنَا: فَقَوله لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معارضه مَقْبُولًا مثله أَو يكون مردوداً تَقْسِيم غير حاصر، لِأَنَّهُ جَائِز أَن يكون معارضه دونه فِي الْقبُول وَلَيْسَ بمردود. انْتهى. وَهَذَا كُله فِي / الْقَوْلَيْنِ، أما الفعليان فَلَا يتعارضان كَمَا فِي " الْمُخْتَصر " و " الْمِنْهَاج "، والقولي والفعلي فِي تعارضهما خلاف وتفصيل فِي المطولات.

стр. 338

فَالثَّانِي لَا أثر لَهُ لِأَن الْقوي لَا تُؤثر فِيهِ مُخَالفَة الضَّعِيف. فَيجوز نسخ الْآحَاد المقبولة بالآحاد المقبولة وبالمتواتر، وَلَا يجوز نسخ الْمُتَوَاتر بالآحاد وَإِن كَانَت فِي أَعلَى دَرَجَات الْقبُول وَإِنَّمَا ينسخه مثله. وَإِن كَانَت الْمُعَارضَة بِمثلِهِ وَكَانَا عَاميْنِ مستويين فِي الْعُمُوم بِأَن يصدق كل مهما على مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر، وَكَذَا إِن كَانَا خاصين فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن الْجمع بَين مدلوليهما بِغَيْر (تعسف أَو لَا، فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا) بِأَن تحمل كل مِنْهُمَا على حَال مُغَاير لما حمل عَلَيْهِ الآخر لَا مَانع شرعا من الْحمل عَلَيْهِ فَيجب الْجمع عِنْد الْإِمْكَان، وَإِن أمكن التَّرْجِيح بِأَن وجد مُرَجّح أَحدهمَا على الآخر فَعلم أَنه إِذا أمكن كل من الْجمع وَالتَّرْجِيح

стр. 339

قدم الْجمع وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن فِيهِ عملا بهما مَعًا فَهُوَ النَّوْع الْمُسَمّى مُخْتَلف الحَدِيث. قَوْله فَهُوَ متن وَقَوله النَّوْع الْمُسَمّى شرح وَقَوله مُخْتَلف الحَدِيث متن فقد تغير إِعْرَاب مُخْتَلف الَّذِي هُوَ من الْمَتْن شرح مَا ذكر، لِأَنَّهُ كَانَ مَرْفُوعا فَصَارَ مَنْصُوبًا فَلَو قَالَ: فَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ مُخْتَلف الحَدِيث كَانَ أولى وَخرج بقوله بِغَيْر تعسف مَا لَو لم يكن إِلَّا بتعسف / فَإِنَّهُ ينْتَقل إِلَى مَا بعد ذَلِك من الْمَرَاتِب، لِأَن مَا كَانَ بتعسف فللخصم أَن يردهُ وينتقل إِلَى مَا بعْدهَا. كَذَا قَالَه الْمُؤلف، وَالظَّاهِر خِلَافه فقد أطلق فِي " جمع الْجَوَامِع " وَأقرهُ شَارِحه الْمُحَقق: إِن الْعَمَل بالمتعارضين وَلَو من وَجه أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا وَلم يشْتَرط ذَلِك.

стр. 340

وَمثل لَهُ جمع بِحَدِيث التِّرْمِذِيّ وَغَيره: " أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر " مَعَ حَدِيث أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا: " لَا تنتفعوا من

стр. 341

الْميتَة بإهاب وَلَا عصب ". الشَّامِل للإهاب المدبوغ وَغَيره حملناه على غَيره جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ. وَمثل لَهُ آخَرُونَ بِحَدِيث: " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث " وَحَدِيث:

стр. 342

" خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ شَيْء إِلَّا مَا غلب على طعمه أَو لَونه أَو رِيحه ".

стр. 343

فَإِن الأول ظَاهره طَهَارَة الْقلَّتَيْنِ تغير أم لَا، وَالثَّانِي ظَاهره طَهَارَة غير الْمُتَغَيّر هبه قُلَّتَيْنِ أم أقل، فَخص عُمُوم كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ. وَمثل لَهُ آخَرُونَ - أَيْضا - بِخَبَر " شَرّ الشُّهُود من شهد قبل أَن يستشهد "

стр. 344

وَخبر " خير الشُّهُود من شهد قبل أَن يستشهد " فَحمل الأول على غير شَهَادَة الحسية وَالثَّانِي عَلَيْهَا، أَو يحمل الأول على مَا لَو كَانَ من لَهُ الشَّهَادَة عَالما بهَا وَالثَّانِي على خِلَافه. وَمثل لَهُ آخَرُونَ - أَيْضا - بِخَبَر الشَّيْخَيْنِ أَن الْمُصْطَفى

стр. 345

تَوَضَّأ وَغسل رجلَيْهِ وَخبر الْبَيْهَقِيّ - وَغَيره - تَوَضَّأ ورش المَاء على قَدَمَيْهِ وهما فِي النَّعْلَيْنِ، وكل من الْغسْل والرش خَاص، فَجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ سمى الْغسْل رشا مجَازًا، أَو أَرَادَ بِالْوضُوءِ / فِي خبر الْغسْل الْوضُوء الشَّرْعِيّ وَفِي خبر الرش الْوضُوء اللّغَوِيّ، أَو أَن الْغسْل فِي الْوضُوء عَن

стр. 346

حدث والرش فِي الْوضُوء المجدد فَيكون إِطْلَاق الْوضُوء عَلَيْهِ مجَازًا شَرْعِيًّا إِن كَانَ الرش على حَقِيقَته لعدم الِاكْتِفَاء بِهِ فِي المجدد كَغَيْرِهِ، فَإِن أُرِيد بِهِ الْغسْل الْخَفِيف الْمُنَاسب للتجديد فحقيقه، أَو المُرَاد الْمسْح على الْخُفَّيْنِ بِقَرِينَة ذكر النَّعْلَيْنِ. مثل لَهُ ابْن الصّلاح بِحَدِيث " لَا عدوى وَلَا طيرة " مَعَ حَدِيث " فر من المجذوم فرارك من الْأسد " وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيح، وظاهرهما

стр. 347

التَّعَارُض، وَوجه الْجمع بَينهمَا: أَن هَذِه الْأَمْرَاض لَا تعدِي بطبعها لَكِن الله جعل مُخَالطَة الْمَرِيض بهَا للصحيح سَببا لإعدائه مَرضه، وَقد يتَخَلَّف ذَلِك عَن سَببه كَمَا فِي غَيره من الْأَسْبَاب. وَقد لَا يتَخَلَّف، كَذَا جمع بَينهمَا ابْن الصّلاح تبعا لغيره. بل نَص عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤلف فِي غير هَذَا الْكتاب وَالْأولَى فِي الْجمع أَن يُقَال: أَن نَفْيه للعدوى بَاقٍ على عُمُومه، وَقد صَحَّ قَوْله: لَا يعدي شَيْء شَيْئا وَقَوله لمن عَارضه بِأَن الْبَعِير الأجرب يكون فِي الْإِبِل الصَّحِيحَة فيخالطها فتجرب حَيْثُ رد عَلَيْهِ بقوله فَمن أعدى الأول يَعْنِي أَن الله ابْتَدَأَ ذَلِك فِي الثَّانِي كَمَا ابتدأه فِي الأول. وَأما الْأَمر بالفرار

стр. 348

من / المجذوم فَمن بَاب سد الذرائع لِئَلَّا يتَّفق للشَّخْص الَّذِي يخالطه شَيْء من ذَلِك بِتَقْدِير الله تَعَالَى ابْتِدَاء لَا بالعدوى المنفية فيظن أَن ذَلِك بِسَبَب مخالطته فيعتقد صِحَة الْعَدْوى فَيَقَع فِي الْحَرج فَأمر بتجنبه حسماً للمادة. وَالله تَعَالَى أعلم. وَاعْترض: بِأَن القَوْل لسد الذرائع إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة. وَأجِيب - أَيْضا - (عَن التَّعَارُض) : بِأَن إِثْبَات الْعَدْوى فِي نَحْو الجذام مَخْصُوص من عُمُوم نفي الْعَدْوى، فَيكون معنى قَوْله لَا عدوى أَي إِلَّا من الجذام وَنَحْوه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يعدي شَيْء شَيْئا إِلَّا فِيمَا تقدم بَيَان أَنه يعدي. وَمِمَّا أُجِيب بِهِ - أَيْضا: أَن الْأَمر بالفرار رِعَايَة لخاطر المجذوم لِأَنَّهُ إِذا رأى الصَّحِيح تعظم مصيبته، وتزيد حسرته، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث: " لَا تدم النّظر

стр. 349

إِلَى المجذوم " فَإِنَّهُ مَحْمُول على هَذَا الْمَعْنى. قَالَ البقاعي: وَإِنَّمَا اخْتَار الْمُؤلف الْجَواب الثَّانِي لِأَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ نَص على الْعَدْوى، فَقَالَ فِي " الْأُم " فِي بَاب الْخِيَار بعد أَن ذكر أثرا عَن عمر ﵁ (فِي الْخِيَار) بالجنون والجذام والبرص: فَإِن قَالَ قَائِل: هَل من عِلّة جعلت لَهَا الْخِيَار غير الْأَثر؟ قيل: نعم، الجذام والبرص فِيمَا زعم أهل الْعلم بالطب والتجارب تعدِي الزَّوْج كثيرا، وَهُوَ

стр. 350

دَاء مَانع الْجِمَاع لَا تكَاد نفس أحد تطيب بِأَنَّهُ يُجَامع من هُوَ بِهِ، وَلَا نفس امْرَأَة أَن يُجَامِعهَا من هُوَ بِهِ. فَأَما الْوَلَد فَبين - وَالله أعلم - أَنه إِذا وَلَده أَجْذم أَو أبرص، أَو جذماً أَو برصاً / قَلما يسلم مِنْهُ، وَإِن سلم أدْرك نَسْله - نسْأَل الله ﵎ الْعَافِيَة - وَالنَّفْي بِلَا يعدي شَيْء شَيْئا وَارِد على مَا كَانُوا يعتقدونه من أَن المخالطة تعدِي بطبعها من غير فعل الله تَعَالَى، وَكَذَا قَوْله فَمن أعدى الأول وَنَحْو ذَلِك كُله إِثْبَات لفعل الله، وَنفى أَن يكون لغيره تَأْثِير مُسْتَقل هَذَا هُوَ المُرَاد، وَلم يرد نفي مَا أثبتته التجربة الَّتِي هِيَ إِحْدَى اليقينيات، هَذَا هُوَ الْأَلْيَق بمحاسن الشَّرِيعَة أَن لَا يحمل شَيْء مِنْهَا على مَا يصادم يَقِينا محسوساً، فَإِن مثل ذَلِك لَو وَقع لم يعْدم أَن يكون سَببا لوُقُوع شكّ من النَّاس. (وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك مَعَ إِمْكَان دفع الْمَحْذُور بأسهل مِنْهُ، كَمَا أَن الْمُصْطَفى

стр. 351

عَلَيْهِ السَّلَام لم ينف أَن يكون الدَّجَّال سَببا لظُهُور الخوارق بل أثبت ذَلِك، وَإِنَّمَا نفى أَن يكون هُوَ فاعلها بِالْحَقِيقَةِ، وَأثبت فعلهَا لله تَعَالَى، وَلَا حَاجَة فِي إِثْبَات اخْتِصَاص الله بِالْقُدْرَةِ إِلَى أَكثر من ذَلِك. انْتهى) . قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح: وَهَذَا النَّوْع من أهم الْأَنْوَاع، ويضطر إِلَى مَعْرفَته جَمِيع طوائف الْعلمَاء، وَإِنَّمَا يتأهل لَهُ الْأَئِمَّة الجامعون بَين الحَدِيث وَالْفِقْه، والأصوليون، والغواصون على الْمعَانِي. اه الدقيقة والتحقيقات الغامضة (الوشيقة) . وَقد صنف فِي هَذَا النَّوْع (أَي فِيمَا يخصص بمختلف الحَدِيث) الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -، وَهُوَ أول من تكلم فِيهِ واخترعه كِتَابه اخْتِلَاف الحَدِيث لكنه لم يقْصد استيعابه بل ذكر جملا مِنْهُ

стр. 352

فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَفِي " الْأُم " وصنف بعده ابْن قُتَيْبَة والطَّحَاوِي (بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف، نِسْبَة إِلَى طحا قَرْيَة بصعيد مصر كَذَا ذكره، وَلَيْسَ هُوَ مِنْهَا بل هُوَ من طحطوط قَرْيَة بقربها وكومعن أَن يُقَال طحطوطي صنف) كِتَابه " مُشكل الْآثَار "، وَجمع فأوعى فِيهِ، وَشَرحه الْعَيْنِيّ فَأفَاد وأجاد وَغَيرهمَا كَابْن خُزَيْمَة وَابْن جرير وَهُوَ من أحسن النَّاس كلَاما فِيهِ حَيْثُ قَالَ: لَا أعرف حديثين متعارضين أصلا. معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ وَإِن لم / يُمكن الْجمع بَينهمَا، كَذَا عبر الْمُؤلف، وَعبارَة جمع الْجَوَامِع: فَإِن تعذر الْعَمَل بالمتعارضين أصلا. وَقَوله أصلا: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رد مَا تقدم عَن المُصَنّف أَن الْجمع بتعسف لَا أثر لَهُ.

стр. 353

فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يعرف التَّارِيخ أَو لَا، فَإِن عرف التَّارِيخ وَلم ينس، وَكَانَ الحكم قَابلا للنسخ - أما مَا لَا يقبله كصفات الْبَارِي - فَإِن كَانَ أَحدهمَا قَطْعِيا وَالْآخر ظنياً قدم الْقطعِي، أَو ظنيين طلب التَّرْجِيح، فَإِن تعذر لم يبعد التَّخْيِير. وَثَبت الْمُتَأَخر بِهِ أَو بأصرح مِنْهُ كَذَا وَقع للْمُصَنف، وَاعْتَرضهُ البقاعي - وَغَيره -: بِأَن عِبَارَته تفهمك أَن الْمُتَأَخر لَا يثبت بِمثلِهِ وَلَا بمقبول دونه وَلَيْسَ كَذَلِك، فَلَو قَالَ: بِهِ أَو بمقبول غَيره لسلم من ذَلِك. فَهُوَ النَّاسِخ وَالْآخر الْمَنْسُوخ وَإِن نقل الْمُتَقَدّم بالتواتر والمتأخر بالآحاد على الْأَصَح، فَيجب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَوَامه بِأَن لَا لَا يُعَارض مظنون، ولبعضهم احْتِمَال بِالْمَنْعِ لِأَن الْجَوَاز يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْمُتَوَاتر بالآحاد فِي بعض الصُّور. وَقد ألف فِي النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة جمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث: كالزهري، والحافظ أبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، والحافظ أبي بكر بن

стр. 354

مُحَمَّد الْحَازِمِي، ثمَّ جَاءَ بعدهمْ الْبُرْهَان الجعبري فألف فِي ذَلِك تأليفاً حافلاً لم يسْبق إِلَيْهِ. تَعْرِيف النّسخ لُغَة وَشرعا: والنسخ لُغَة: الْإِزَالَة، أَي الإعدام لذات الشَّيْء أَو صفته، وَإِن كَانَ مزيل الثَّانِي صفة - أَيْضا - كَقَوْلِهِم /: نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته ورفعته بِوَاسِطَة انبساط ضوئها على مَحل الظل. وَشرعا: رفع تعلق حكم أَي تعلقه بالمكلفين شَرْعِي بِدَلِيل شَرْعِي مَنْطُوق أَي مَفْهُوم قولي أَو فعلي مُتَأَخّر عَنهُ. وَنظر الْبَيْضَاوِيّ فِي هَذَا التَّعْرِيف بِأَن الْحَادِث ضد السَّابِق، وَلَيْسَ رفع الْحَادِث للسابق بِأولى من رفع

стр. 355

السَّابِق للحادث، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الَّتِي رد القَاضِي بهَا هَذَا التَّعْرِيف، وَإِنَّمَا كَانَ النّسخ رفع تعلق الحكم لَا نَفسه، لِأَن الحكم قديم فَلَا يرفع، وَالْمَرْفُوع تعلقه التنجيزي وَهُوَ حَادث لَا قديم. والناسخ يَعْنِي الَّذِي يُسمى هُنَا نَاسِخا مَا دلّ على الرّفْع للْحكم الْمَذْكُور وتسميته نَاسِخا مجَاز لِأَن النَّاسِخ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى. وَالْمرَاد بِرَفْع الحكم قطع تعلقه عَن الْمُكَلّفين، وَاحْترز بِهِ عَن بَيَان الْمحل، وبإضافته إِلَى الشَّارِع عَن أَخْبَار بعض من شَاهد النّسخ من الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لَا يكون نسخا، وَإِن لم يحصل التَّكْلِيف بِهِ لمن لم يبلغهُ قبل ذَلِك إِلَّا بإخباره. وبالحكم عَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا، وبالمتقدم عَن التَّخْصِيص الْمُتَّصِل بالتكليف كالاستثناء وَالشّرط وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لَا يكون
следующие страницы →