Полный текст (833 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عَلَيْهِ السَّلَام لم ينف أَن يكون الدَّجَّال سَببا لظُهُور الخوارق بل أثبت ذَلِك، وَإِنَّمَا نفى أَن يكون هُوَ فاعلها بِالْحَقِيقَةِ، وَأثبت فعلهَا لله تَعَالَى، وَلَا حَاجَة فِي إِثْبَات اخْتِصَاص الله بِالْقُدْرَةِ إِلَى أَكثر من ذَلِك. انْتهى) .
قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح: وَهَذَا النَّوْع من أهم الْأَنْوَاع، ويضطر إِلَى مَعْرفَته جَمِيع طوائف الْعلمَاء، وَإِنَّمَا يتأهل لَهُ الْأَئِمَّة الجامعون بَين الحَدِيث وَالْفِقْه، والأصوليون، والغواصون على الْمعَانِي. اه الدقيقة والتحقيقات الغامضة (الوشيقة) .
وَقد صنف فِي هَذَا النَّوْع (أَي فِيمَا يخصص بمختلف الحَدِيث) الإِمَام الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -، وَهُوَ أول من تكلم فِيهِ واخترعه كِتَابه اخْتِلَاف الحَدِيث لكنه لم يقْصد استيعابه بل ذكر جملا مِنْهُ
стр. 352
فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَفِي " الْأُم " وصنف بعده ابْن قُتَيْبَة والطَّحَاوِي (بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف، نِسْبَة إِلَى طحا قَرْيَة بصعيد مصر كَذَا ذكره، وَلَيْسَ هُوَ مِنْهَا بل هُوَ من طحطوط قَرْيَة بقربها وكومعن أَن يُقَال طحطوطي صنف) كِتَابه " مُشكل الْآثَار "، وَجمع فأوعى فِيهِ، وَشَرحه الْعَيْنِيّ فَأفَاد وأجاد وَغَيرهمَا كَابْن خُزَيْمَة وَابْن جرير وَهُوَ من أحسن النَّاس كلَاما فِيهِ حَيْثُ قَالَ: لَا أعرف حديثين متعارضين أصلا.
معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ
وَإِن لم / يُمكن الْجمع بَينهمَا، كَذَا عبر الْمُؤلف، وَعبارَة جمع الْجَوَامِع: فَإِن تعذر الْعَمَل بالمتعارضين أصلا. وَقَوله أصلا: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رد مَا تقدم عَن المُصَنّف أَن الْجمع بتعسف لَا أثر لَهُ.
стр. 353
فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يعرف التَّارِيخ أَو لَا، فَإِن عرف التَّارِيخ وَلم ينس، وَكَانَ الحكم قَابلا للنسخ - أما مَا لَا يقبله كصفات الْبَارِي - فَإِن كَانَ أَحدهمَا قَطْعِيا وَالْآخر ظنياً قدم الْقطعِي، أَو ظنيين طلب التَّرْجِيح، فَإِن تعذر لم يبعد التَّخْيِير.
وَثَبت الْمُتَأَخر بِهِ أَو بأصرح مِنْهُ كَذَا وَقع للْمُصَنف، وَاعْتَرضهُ البقاعي - وَغَيره -: بِأَن عِبَارَته تفهمك أَن الْمُتَأَخر لَا يثبت بِمثلِهِ وَلَا بمقبول دونه وَلَيْسَ كَذَلِك، فَلَو قَالَ: بِهِ أَو بمقبول غَيره لسلم من ذَلِك.
فَهُوَ النَّاسِخ وَالْآخر الْمَنْسُوخ وَإِن نقل الْمُتَقَدّم بالتواتر والمتأخر بالآحاد على الْأَصَح، فَيجب الْعَمَل بِهِ لِأَن دَوَامه بِأَن لَا لَا يُعَارض مظنون، ولبعضهم احْتِمَال بِالْمَنْعِ لِأَن الْجَوَاز يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْمُتَوَاتر بالآحاد فِي بعض الصُّور.
وَقد ألف فِي النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة جمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث: كالزهري، والحافظ أبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، والحافظ أبي بكر بن
стр. 354
مُحَمَّد الْحَازِمِي، ثمَّ جَاءَ بعدهمْ الْبُرْهَان الجعبري فألف فِي ذَلِك تأليفاً حافلاً لم يسْبق إِلَيْهِ.
تَعْرِيف النّسخ لُغَة وَشرعا:
والنسخ لُغَة: الْإِزَالَة، أَي الإعدام لذات الشَّيْء أَو صفته، وَإِن كَانَ مزيل الثَّانِي صفة - أَيْضا - كَقَوْلِهِم /: نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته ورفعته بِوَاسِطَة انبساط ضوئها على مَحل الظل.
وَشرعا: رفع تعلق حكم أَي تعلقه بالمكلفين شَرْعِي بِدَلِيل شَرْعِي مَنْطُوق أَي مَفْهُوم قولي أَو فعلي مُتَأَخّر عَنهُ. وَنظر الْبَيْضَاوِيّ فِي هَذَا التَّعْرِيف بِأَن الْحَادِث ضد السَّابِق، وَلَيْسَ رفع الْحَادِث للسابق بِأولى من رفع
стр. 355
السَّابِق للحادث، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الَّتِي رد القَاضِي بهَا هَذَا التَّعْرِيف، وَإِنَّمَا كَانَ النّسخ رفع تعلق الحكم لَا نَفسه، لِأَن الحكم قديم فَلَا يرفع، وَالْمَرْفُوع تعلقه التنجيزي وَهُوَ حَادث لَا قديم.
والناسخ يَعْنِي الَّذِي يُسمى هُنَا نَاسِخا مَا دلّ على الرّفْع للْحكم الْمَذْكُور وتسميته نَاسِخا مجَاز لِأَن النَّاسِخ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى.
وَالْمرَاد بِرَفْع الحكم قطع تعلقه عَن الْمُكَلّفين، وَاحْترز بِهِ عَن بَيَان الْمحل، وبإضافته إِلَى الشَّارِع عَن أَخْبَار بعض من شَاهد النّسخ من الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لَا يكون نسخا، وَإِن لم يحصل التَّكْلِيف بِهِ لمن لم يبلغهُ قبل ذَلِك إِلَّا بإخباره. وبالحكم عَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا، وبالمتقدم عَن التَّخْصِيص الْمُتَّصِل بالتكليف كالاستثناء وَالشّرط وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لَا يكون
стр. 356
بدلالته على رفع الحكم فِي بعض الْأَحْوَال نَاسِخا، وَعلم بِهَذَا أَن الْمُتَّصِل لَا يكون نَاسِخا.
الطّرق الَّتِي يعرف بهَا النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ:
وَيعرف النّسخ بِأُمُور: أصرحهَا مَا ورد فِي النَّص كَحَدِيث بُرَيْدَة فِي مُسلم: " كنت / نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث فَكُلُوا مَا بدا لكم وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن الظروف ... ... ... الحَدِيث.
стр. 357
وَمِنْهَا: مَا يجْزم الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُ مُتَأَخّر كَقَوْل جَابر آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ترك الْوضُوء من مَا مسته النَّار أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان.
стр. 358
وكحديث أبي بن كَعْب: كَانَ الْمسْح رخصَة فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ أَمر بِالْغسْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. وَقَول عَليّ: قَامَ رَسُول الله للجنازة ثمَّ قعد. رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ ابْن حبَان بِلَفْظ: كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ثمَّ جلس، وأمرنا بِالْجُلُوسِ.
وَاخْتلف فِي قَول الصَّحَابِيّ: هَذَا نَاسخ لذاك فَقَالَ الأصوليون: لَا يثبت بِهِ النّسخ لجَوَاز أَن يكون قَوْله ذَلِك عَن رَأْي واجتهاد. وَقَالَ المحدثون: يثبت، لِأَن النّسخ لَا مدْخل للرأي فِيهِ بل لمعْرِفَة السَّابِق مِنْهُمَا، وَالظَّاهِر من حَال
стр. 359
الصَّحَابِيّ أَنه لَا يَقُول ذَلِك إِلَّا بعد الْمعرفَة بِهِ.
وَمِنْهَا: مَا يعرف بالتاريخ وَهُوَ كثير كَصَلَاة الْمُصْطَفى فِي مرض مَوته قَاعِدا وَالنَّاس حوله قيام، وَقد قَالَ قبل ذَلِك: " وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ ".
وكحديث شَدَّاد بن أَوْس مَرْفُوعا: " أفرط الحاجم والمحجوم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره، ذكر الإِمَام / الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه مَنْسُوخ بِحَدِيث
стр. 360
مُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمُصْطَفى احْتجم وَهُوَ محرم صَائِم، فَإِن ابْن عَبَّاس صَحبه محرما فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر، وَفِي بعض حَدِيث شَدَّاد أَن ذَلِك كَانَ سنة ثَمَان.
وَلَيْسَ مِنْهَا: مَا يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمُتَأَخر الْإِسْلَام مُعَارضا لمتقدم عَنهُ، لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ آخر أقدم من الْمُتَقَدّم الْمَذْكُور أَو مثله فَأرْسلهُ.
كَذَا ذكره الْمُؤلف، قَالَ: وَإِنَّمَا قلته لِأَن الْمُصْطَفى قَالَ لَيْلَة الْعقبَة أَن المصائب للذنوب كَفَّارَة لأَهْلهَا فَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا
стр. 361
فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ. وروى أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن لَيْلَة الْعقبَة بِنَحْوِ سبع سِنِين أَن الْمُصْطَفى قَالَ: " لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا أَو لَا ". وَهَذَا خبر لَا يجوز النّسخ فِيهِ.
стр. 362
لَكِن إِن وَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ لَهُ من النَّبِي فَيتَّجه أَن يكون نَاسِخا، بِشَرْط أَن يكون لم يتَحَمَّل عَن النَّبِي شَيْئا قبل إِسْلَامه.
كَذَا بَحثه المُصَنّف، قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَيشْتَرط - أَيْضا - أَن يكون مُتَقَدم الْإِسْلَام سمع الحَدِيث الْمعَارض قبل سَماع مُتَأَخّر الْإِسْلَام، بِأَن يعلم ذَلِك بِنَقْل أَو قرينَة.
قَالَ البقاعي: وَلَا بُد من الِاحْتِرَاز عَن هَذَا، لِأَن الْمُتَقَدّم الصُّحْبَة يحْتَمل أَن يسمع حَدِيثا بعد مَا سَمعه فِيهَا الْمُتَأَخر.
стр. 363
وَأما / الْإِجْمَاع فَلَيْسَ بناسخ كالإجماع على ترك حَدِيث قتل شَارِب الْخمر فِي الرَّابِعَة.
بل يدل على ذَلِك أَي يدل على النَّاسِخ، وَالْإِجْمَاع لَا ينْسَخ وَلَا ينْسَخ، إِلَّا أَنه قد ثَبت كَونه نَاسِخا كنسخ نِكَاح الْمُتْعَة فَإِنَّهُ ثَبت بِإِجْمَاع الصَّحَابَة، إِذْ لَا إِجْمَاع فِي حَيَاة الْمُصْطَفى لِأَنَّهُ
стр. 364
مُنْفَرد بِبَيَان الشَّرَائِع وَلَا ينْسَخ بعده.
وَإِن لم يعرف التَّارِيخ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح الْمُتَعَلّقَة بِالْمَتْنِ أَو بِالْإِسْنَادِ، أَولا، فَإِن أمكن التَّرْجِيح تعين الْمصير إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قد يُقَال هَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن ركن الْمُعَارضَة تَسَاوِي الحجتين فِي الثُّبُوت، فَإِذا كَانَ أحد السندين أرجح لم يتَحَقَّق الْمُعَارضَة.
فَصَارَ مَا ظَاهره التَّعَارُض وَاقعا على هَذَا التَّرْتِيب: الْجمع إِن أمكن، فاعتبار النَّاسِخ والمنسوخ، فالترجيح. وَهُوَ تَقْوِيَة أحد الطَّرفَيْنِ إِن تعين عبارَة غَيره: إِن أمكن.
قَالَ ابْن قطلوبغا: وَقَوله فَصَارَ ... ... ... ... إِلَى آخِره
стр. 365
مُقْتَضى النّظر طلب التَّارِيخ أَولا ... ... ... ... ... لتنتفي الْمُعَارضَة إِن وجدت وَإِلَّا فَيتَحَقَّق للْجَهْل بالتاريخ. اه وَمن أَمْثِلَة التَّرْجِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْمُصْطَفى نكح مَيْمُونَة وَهُوَ محرم.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي رَافع أَنه نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَال قَالَ: وَكنت الرَّسُول بَينهمَا / فرجح بِكَوْن رَاوِيه صَاحب الْوَاقِعَة فَهُوَ أدرى بذلك.
стр. 366
والمرجحات كَثِيرَة، بلغَهَا الْحَازِمِي فِي كتاب " الاعتناء فِي النَّاسِخ والمنسوخ " نَحْو الْخمسين، وأوصلها غَيره إِلَى أَكثر من مائَة واستوفاها الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي نكته فَمِنْهَا:
١ - علو الْإِسْنَاد.
٢ - وَفقه الرَّاوِي.
٣ - ولقيه وَنَحْوه.
٤ - وَكَونه مزكى بالاختبار لَا بالأخبار.
٥ - (وورعه.
٦ - وَضَبطه وَحفظه ويقظته.
٧ - وَعدم بدعته.
٨ - وشهرة عَدَالَته) .
стр. 367
٩ - أَو أَكثر مزكين.
١٠ - ومعروف النّسَب.
١١ - وَحفظ الْمَرْوِيّ.
١٢ - والتعويل على الْحِفْظ دون الْكِتَابَة.
١٣ - وَظُهُور طَرِيق رِوَايَته.
١٤ - وسماعه من غير حجاب.
١٥ - وَكَونه من أكَابِر الصَّحَابَة.
١٦ - وذكرا خلافًا للإسناد.
١٧ - ومتأخر الْإِسْلَام.
١٨ - وَقيل متقدمه.
١٩ - وَكَونه متحملاً بعد التَّكْلِيف.
٢٠ - وَغير مُدَلّس.
٢١ - وَغير ذِي اسْمَيْنِ.
٢٢ - ومباشر الرِّوَايَة.
٢٣ - وَصَاحب الْوَاقِعَة.
٢٤ - وراويا بِاللَّفْظِ.
٢٥ - وَكَون الْخَبَر لم يُنكره رَاوِي الأَصْل.
٢٦ - وَغير ذَلِك.
стр. 368
ثمَّ التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا وجوبا إِلَى تبين التَّارِيخ ليعلم بالمتأخر مِنْهُمَا، (لِاسْتِوَائِهِمَا فِي احْتِمَال تَقْدِيم كل مِنْهُمَا على الآخر) ، فَإِن لم يعلم أَو علم وَنسي حمل على الْمُقَارنَة فيستمر الْوَقْف مَعَ أَنه فِي الْوَاقِع أَحدهمَا مَنْسُوخ، لَكِن اشْتِبَاه الْحَال يَقْتَضِي الْوَقْف لِئَلَّا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَذَلِكَ كَحَدِيث أبي دَاوُد قَالُوا يَا رَسُول الله: مَا يحل من الْحَائِض؟ فَقَالَ: مَا فَوق الْإِزَار.
وَحَدِيث مُسلم " اصنعوا كل شَيْء إِلَّا النِّكَاح " يَعْنِي الوطىء، بِقَرِينَة
стр. 369
اصنعوا وَمن جملَته الوطىء فِيمَا فَوق / الحايل فيتعارضا فِيهِ، فرجح بَعضهم التَّحْرِيم احْتِيَاطًا، وَالْبَعْض الْحل لِأَنَّهُ الأَصْل. وَالتَّعْبِير بالتوقف أولى بالتساقط (الَّذِي عبر السُّبْكِيّ) وَغَيره لِأَن خَفَاء تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر إِنَّمَا هُوَ بِالنّسَبِ للمعتبر. فِي الْحَالة الراهنة مَعَ احْتِمَال أَن يظْهر لغيره أَو لَهُ فِي حَالَة أُخْرَى مَا خَفِي عَلَيْهِ وَهَذَا ظَاهر وَإِن نوزع بِمَا لَا يجدي.
стр. 370
معرفَة الضَّعِيف
وَلما فرغ من ذكر أحد قسمي الْإِسْنَاد وَهُوَ المقبول شرع فِي بَيَان قسمه الآخر وَهُوَ الْمَرْدُود فَقَالَ:
ثمَّ الْمَرْدُود، وَمُوجب الرَّد لَو حذف مُوجب وَقَالَ وَالرَّدّ لَكَانَ أحسن، لأجل قَوْله السقط. ذكره بعض الْمُتَأَخِّرين.
إِمَّا أَن يكون لسقط من إِسْنَاد الْمَتْن هُوَ قَوْله ثمَّ الْمَرْدُود وَإِمَّا أَن يكون ... ... ... إِلَى آخِره، وَقَوله مُوجب الرَّد شرح كَذَا فعل الْمُؤلف، قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالشَّرْح غير معنى الأَصْل.
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: اللايق بالدمج أَن يُقَال: ثمَّ الْمَرْدُود إِمَّا أَن يكون رده لسقط من إِسْنَاد - أَي حذف لبَعض رجال الْإِسْنَاد.
стр. 371
أَو طعن فِي راو على اخْتِلَاف وُجُوه الطعْن وَذَلِكَ أَعم أَن يكون الْأَمر يرجع إِلَى ديانَة الرَّاوِي وَإِلَى ضَبطه وإتقانه.
وَكَانَ الأولى للمؤلف أَن يذكر مَرَاتِب الْمَرْدُود كَمَا فعل فِي المقبول.
وَقد ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ: أَعلَى مَرَاتِب الضَّعِيف من لم يجمع على ضعفه، بِأَن حكم بَعضهم على متن / أَو إِسْنَاد بِأَنَّهُ ضَعِيف، وَحكم بَعضهم بتقويته، بل هَذَا قد ألحقهُ بَعضهم بقسم المقبول.
وَالْحَاصِل أَن الضَّعِيف يتَفَاوَت رُتْبَة بِحَسب بعده من شُرُوط الصِّحَّة كَمَا يتَفَاوَت دَرَجَات الصَّحِيح بتمكنه فِيهَا، وَقد قسمهَا ابْن حبَان
стр. 372
إِلَى نَحْو خمسين قسما شملها الضَّابِط الْمَذْكُور.
فالسقط إِمَّا أَن يكون من مبادئ السَّنَد أَي من طرفه الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيّ. قَالَ بعض مَشَايِخنَا: فِيهِ نظر، إِن يصدق بِمَا إِذا سقط مِنْهُ الرَّاوِي الثَّانِي إِذْ هُوَ من المبادئ فَلَو غير بدله بِأول كَانَ أولى.
من تصرف مُصَنف فِي الْإِسْنَاد، قَالَ بعض مَشَايِخنَا: التَّقْيِيد بِهِ إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى الْغَالِب لَا لإِخْرَاج المذاكرة.
стр. 373
أَو من آخِره - أَي الْإِسْنَاد - وَبعد التَّابِعِيّ أَو غير ذَلِك من وُجُوه السقط المبينة فِي المطولات بأمثلتها.
فَالْأول هُوَ الْمُعَلق أَي يُسمى بذلك، مَأْخُوذ من تَعْلِيق الْجِدَار لقطع الِاتِّصَال سَوَاء فِي تَسْمِيَته بذلك كَانَ السَّاقِط وَاحِدًا أَو أَكثر من وَاحِد، وَلم يستعملوه فِيمَا سقط وسط إِسْنَاده.
وَبَينه وَبَين المعضل الْآتِي ذكره عُمُوم وخصوص من وَجه، فَمن حَيْثُ تَعْرِيفه المعضل بِأَنَّهُ الَّذِي سقط مِنْهُ اثْنَان فَصَاعِدا يجْتَمع مَعَ بعض صور الْمُعَلق، وَمن حَيْثُ تَقْيِيد الْمُعَلق بِأَنَّهُ من تصرف مُصَنف من مبادئ السَّنَد يفْتَرق مِنْهُ، إِذْ هُوَ أَعم من ذَلِك. /
أَي فيوجد فِي أثْنَاء السَّنَد، وَآخره، ووسطه، لَكِن قَول الْمَتْن أَو غير ذَلِك اعْتَرَضَهُ بعض تلامذة المُصَنّف: بِأَنَّهُ لَا يصدق على السقط من الْوسط، لِأَن
стр. 374
ذَلِك إِشَارَة إِلَى الأول وَالْآخر وَغَيرهمَا هُوَ الْوسط.
وَاعْتَرضهُ - أَيْضا - البقاعي: بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُجَامع الْمُعَلق بل هُوَ معضل فَقَط، وينفرد الْمُعَلق بِأَنَّهُ يكون تَارَة بِسُقُوط وَاحِد من مبادئ السَّنَد فَلَا يجامعه المعضل لشرط أَن يكون بِاثْنَيْنِ فصاعاً. انْتهى.
وَابْن قطلوبغا فَقَالَ: لَا يَقع الِافْتِرَاق بِهَذَا، وَإِنَّمَا يَقع من حَيْثُ صدق الْمُعَلق بِحَذْف وَاحِد كَمَا فِي الصُّورَة الَّتِي اخْتلف فِيهَا وَنَحْوهَا. انْتهى.
وَتعقبه غَيرهمَا: بِأَن هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام غير الْمُؤلف من أهل الِاصْطِلَاح: من أَن المعضل مَا سقط مِنْهُ اثْنَان فَأكْثر على التوالي من أَي مَوضِع كَانَ. قَالَ الْعِرَاقِيّ: سَوَاء سقط الصَّحَابِيّ والتابعي، أَو التَّابِعِيّ وَتَابعه، أَو اثْنَان قبلهمَا. وَأما على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام النخبة هُنَا فَلَيْسَ بَينهمَا إِلَّا التباين فَإِن كلا من الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة خص فِيهَا بخصوصية
стр. 375
مَتى وجدت فِي غَيره زَالَ الِاخْتِصَاص. فَخص الْمُعَلق بِأول السَّنَد وَمن تصرف مُصَنف، والمرسل بِآخِرهِ، والمعضل بِغَيْر ذَلِك، وَلَيْسَ غَيره إِلَّا الاثناء فَمَتَى جَامع المعضل الْمُعَلق / انْفَكَّ اخْتِصَاصه بالاثناء، وَقد خص بِهِ هَذَا خلف.
ثمَّ إِن هَذَا على ظَاهر الْعبارَة وَهُوَ أَن يعْطف على مبادئ فَيكون التَّقْدِير: إِمَّا أَن يكون سقط من أول السَّنَد أَو آخِره أَو من غير ذَلِك، وَيُمكن أَن يعْطف على أَن يكون فَيكون التَّقْدِير السقط إِمَّا أَن يكون خَاصّا بِالْأولِ أَو الآخر أَو يغاير ذَلِك بِأَن لَا يكون خَاصّا بِوَاحِد مِنْهُمَا وَحِينَئِذٍ (فيتمشى) الْعُمُوم وَالْخُصُوص بَين الْمُعَلق والمعضل، وَالْمُعَلّق والمنقطع.
قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَاخْتلف فِي صُورَة الْمُنْقَطع فَالْمَشْهُور أَنه مَا سقط من رُوَاته راو وَاحِد.
стр. 376
فَلَو قَالَ المُصَنّف: فالسقط إِنَّمَا أَن يخْتَص بِأول السَّنَد وَتصرف مُصَنف، أَو آخِره بعد التَّابِعِيّ أَولا. لم يرد عَلَيْهِ شئ من ذَلِك. انْتهى.
وَمن صور الْمُعَلق قَالَ ابْن الصّلاح أَن يحذف كل رجال السَّنَد، وَيُقَال - مثلا: قَالَ رَسُول الله، وَمِنْهَا أَن يحذف إِلَّا الصَّحَابِيّ، أَو إِلَّا التَّابِعِيّ والصحابي (مَعًا) .
قَالَ الْمُؤلف: أَكثر مَا فِي البُخَارِيّ من الْمُعَلق مَوْصُول فِي مَوضِع آخر مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَن يحذف من حَدثهُ ويضيف إِلَى من فَوْقه فَإِن كَانَ من فَوْقه شَيخا لذَلِك المُصَنّف فقد اخْتلف فِي هَذَا أَي فِي
стр. 377
مَحل الْخلاف هَل يُسمى تَعْلِيقا؟ أَو لَا؟ وَالصَّحِيح فِي هَذَا التَّفْصِيل فَإِن عرف بِالنَّصِّ. أَي نَص إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث / ذكره الشَّيْخ قَاسم.
أَو الاستقراء التَّام من أحد من أهل الْفَنّ أَن فَاعل ذَلِك مُدَلّس قضي بِهِ. أَي بالتدليس، وَهَذَا تَقْيِيد لما أطلقهُ فِي الْمَتْن وَإِلَّا أَي بِأَن لم يعرف ذَلِك فتعليق أَي فَيحكم بِأَنَّهُ تَعْلِيق أَي يعْطى لَهُ حكم الْمُعَلق.
وَإِنَّمَا ذكر التَّعْلِيق فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف فَيحْتَمل كَونه مجروحاً فَلَا يحكم بقبوله، قَالَ بَعضهم: وَلَا خُصُوصِيَّة لَهُ بذلك، بل الْمُنْقَطع والمعضل كَذَلِك.
وَقد يحكم بِصِحَّتِهِ إِن عرف، بِأَن يَجِيء السَّاقِط مُسَمّى من وَجه (آخر) فِي (طَرِيق) أُخْرَى.
فَإِن قَالَ (المُصَنّف والراوي) جَمِيع من أحذفه ثِقَات جَاءَت مَسْأَلَة التَّعْدِيل على الْإِبْهَام. أَي جَاءَ هُنَا مَا حُكيَ فِيهَا من
стр. 378
الْخلاف وَالْجُمْهُور أَنه لَا يقبل حَتَّى يُسمى لاحْتِمَال أَن يكون ثِقَة عِنْده غير ثِقَة عِنْد غَيره، فَإِذا ذكره يعلم حَاله. ذكره الْمُؤلف. ورده ابْن قطلوبغا: بِأَنَّهُ تَقْدِيم للجرح المتوهم على التَّعْدِيل الصَّرِيح.
لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح (هُنَا) فِي مُخْتَصره وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَغَيره إِن وَقع الْحَذف فِي كتاب التزمت صِحَّته أَي الْتزم مُؤَلفه أَن يُورد فِيهِ إِلَّا الصَّحِيح كالبخاري فِي صَحِيحه، فَخرج بذلك غَيره من كتبه كالأدب الْمُفْرد وتواريخه الثَّلَاثَة فَمَا أَتَى فِيهِ من المعلقات بِالْجَزْمِ أَي بِصِيغَة جزم كقال فلَان، وروى فلَان دلّ على أَنه ثَبت إِسْنَاده عِنْده بطرِيق صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يستجيز / أَن يجْزم بذلك إِلَّا وَقد صَحَّ عِنْده. وَإِنَّمَا حذف لغَرَض من الْأَغْرَاض كَأَن يكون الرَّاوِي لَيْسَ على شَرطه وَإِن كَانَ مَقْبُولًا وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْر جزم بل بِصِيغَة تمريض كيروى وَيذكر وَذكر وَنَحْو ذَلِك فَفِيهِ مقَال،
стр. 379
وَقد أوضحت أمثلته فِي النكت على مُخْتَصر ابْن الصّلاح.
وَحَاصِله (كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيّ) : إِن أَكثر مَا فِي البُخَارِيّ من الْمُعَلق مَوْصُول فِي مَوضِع آخر مِنْهُ، وَإِنَّمَا أوردهُ مُعَلّقا اختصاراً، ومجانبة للتكرار. وَالَّذِي لم يوصله فِي مَحل آخر مائَة وَسِتُّونَ حَدِيثا (قَالَ: وَقد أوصلتها) فِي " كتاب التَّوْفِيق ".
قَالَ ابْن كثير: لَكِن هَذَا وَإِن حكم بِصِحَّتِهِ لَيْسَ هُوَ من نمط الصَّحِيح الْمسند فِيهِ، فَلَا يُقَال أَنه على شَرطه بل أَنه يلْتَحق بِشَرْطِهِ. انْتهى.
(لَكِن أورد على مَا ذكره المُصَنّف: أَن البُخَارِيّ قَالَ فِي كتاب التَّوْحِيد فِي بَاب وَكَانَ عَرْشه على المَاء: وَقَالَ الْمَاجشون عَن عبد الله بن الْفضل عَن
стр. 380
أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. ثمَّ ذكر هُوَ بِنَفسِهِ حَدِيث الْمَاجشون فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة لَا ذكر فِيهِ لأبي سَلمَة، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ حَتَّى قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي - ذكر كَلَام البُخَارِيّ - إِنَّمَا يعرف ذَلِك عَن الْمَاجشون عَن ابْن الْفضل عَن الْأَعْرَج) .
هَذَا شيخ ذكره بِصِيغَة الْجَزْم وَهُوَ خطأ. وَقَالَ فِي كتاب الصَّلَاة:
стр. 381
وَيذكر عَن أبي مُوسَى قَالَ: كُنَّا نتناوب النَّبِي لصَلَاة الْعشَاء.
ثمَّ قَالَ فِي بَاب فضل الصَّلَاة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بريد عَن أبي مُوسَى. وَقَالَ فِي كتاب الْأَشْخَاص: وَيذكر عَن
стр. 382
جَابر أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام رد على الْمُتَصَدّق صدقته. ثمَّ روى هُوَ بِسَنَدِهِ عَن جَابر: دبر رجل عبدا لَيْسَ لَهُ مَال، فَبَاعَهُ النَّبِي من نعيم بن النحام ... ... الحَدِيث.
стр. 383
وَقَالَ فِي كتاب الطِّبّ وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي فِي الرقي / بِفَاتِحَة الْكتاب، وأسنده مرّة هُوَ بِنَفسِهِ. وَيُقَال على التَّعْلِيل: أَنه يلْزم مِنْهُ صِحَة الحَدِيث الْمُرْسل عِنْد من أرْسلهُ، فَإِن ابْن الْمسيب لَا يستجيز أَن يجْزم بِأَن النَّبِي قَالَ كَذَا إِلَّا وَقد صَحَّ عَنهُ، وَإِن تَصْحِيح سعيد مثلا أولى من تَصْحِيح البُخَارِيّ بِأَنَّهُ عَارِف حَال من روى عَنهُ بطرِيق الْخَبَر، وَالْبُخَارِيّ بطرِيق الْخَبَر، وَمَا كَانَ عَن اجْتِهَاده فاجتهاد ابْن الْمسيب أولى بالاتباع من اجْتِهَاد البُخَارِيّ، وَظن أَن البُخَارِيّ ينقر عَن أَحْوَال الرِّجَال دون من تقدم حَيْثُ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَن كل ضرب ظن فَاسد، مُخَالف لصريح النَّقْل عَنهُ، روى الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " عَن الإِمَام الشَّافِعِي قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد قَالَ: سَأَلت ابْنا لعبد الله بن عمر عَن مَسْأَلَة فَلم يقل فِيهَا شَيْئا فَقيل لَهُ: إِنَّا نعظم أَن
стр. 384
يكون مثلك يسْأَل عَن أَمر لَيْسَ عِنْده فِيهِ علم. فَقَالَ: أعظم وَالله من ذَلِك عِنْد الله، وَعند من عرف الله، وَعند من عقل عَن الله أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِهِ علم، أَو أخبر عَن غير ثِقَة.
وَعَن طاؤوس: إِن كَانَ الَّذِي حَدثَك مَلِيًّا وَإِلَّا فَدَعْهُ - يَعْنِي حَافِظًا ثِقَة -.
وَعَن عَطاء أَنه كَانَ يسْأَل عَن الشَّيْء فيرويه عَمَّن كَانَ قبله، وَيَقُول سمعته وَمَا سمعته من ثَبت.
وَقَالَ الشَّافِعِي: كَانَ ابْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَغير وَاحِد من التَّابِعين يذهب هَذَا الْمَذْهَب فِي أَن لَا يقبل / إِلَّا مِمَّن عرف.
قَالَ: وَمَا لقِيت وَمَا علمت أحدا من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يُخَالف هَذَا الْمَذْهَب.
وروى ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا
стр. 385
حَمَّاد قَالَ: قَالَ ابْن زيد رُبمَا حدث الْحسن الحَدِيث، فَأَقُول: يَا أَبَا سعيد مِمَّن سَمِعت هَذَا؟ فَيَقُول: أَخَذته عَن ثِقَة ... ... .
فَتبين أَن الْمُرْسل إِنَّمَا يُرْسل مَا ثَبت عِنْده، كَمَا أَن البُخَارِيّ إِنَّمَا يجْزم فِي تَعْلِيقه بِمَا ثَبت عِنْده، وَأَن تَقْلِيد التَّابِعين العارفين بأحوال من أخذُوا عَنهُ بالْخبر أولى.
стр. 386
الحَدِيث الْمُرْسل
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا سقط من آخِره من بعد التَّابِعِيّ أَي الحَدِيث الَّذِي حذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ وَرَفعه تَابِعِيّ الصَّحَابِيّ إِلَى الْمُصْطَفى أَي نِسْبَة إِلَيْهِ.
هُوَ الْمُرْسل: أَي النَّوْع الْمُسَمّى بالمرسل، سمي بِهِ لِأَنَّهُ التَّابِعِيّ أرْسلهُ وَلم يُقَيِّدهُ بِتَسْمِيَة من أرْسلهُ عَنهُ.
وَصورته: أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَوَاء كَانَ كَبِيرا وَهُوَ من لَقِي جمعا من الصَّحَابَة كعبيد الله بن الْخِيَار - بِكَسْر الْمُعْجَمَة مخففاً - أَو صَغِيرا وَهُوَ من لَقِي وَاحِدًا مِنْهُم، أَو اثْنَيْنِ كيحيى بن سعيد.
(كَذَا قيل، قَالَ بعض مَشَايِخنَا: ضَابِط التَّابِعِيّ الْكَبِير أَنه من أَكثر رواياته عَن الصَّحَابَة، وَالصَّغِير من أَكثر رواياته عَن التَّابِعين. وَأما ضبط الصَّغِير بِأَنَّهُ لم يلق إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَنَحْوهمَا من الصَّحَابَة فَلَا يلايم تَعْلِيلهم) .
стр. 387
قَالَ رَسُول الله أَو فعل كَذَا أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا أَو نَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا ذكر فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون صحابياً، وَأَن يكون تابعياً، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون ضَعِيفا (وَيحْتَمل) أَن يكون ثِقَة. وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون حمل عَن صَحَابِيّ وَأَن يكون حمل عَن تَابِعِيّ آخر، وعَلى الثَّانِي / فَيَعُود الِاحْتِمَال السَّابِق، ويتعدد إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَإلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ.
اعْتَرَضَهُ ابْن قطلوبغا: بِأَنَّهُ محَال عِنْد الْعقل أَن يجوز أَن يكون بَين التَّابِعِيّ وَالنَّبِيّ من لَا يتناهى، كَيفَ وَقد وَقع التناهي فِي الْوُجُود الْخَارِجِي بِذكر النَّبِي.
والكمال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَو قَالَ: فَإلَى مَا لَا ضَابِط لَهُ، أَو
стр. 388
قَالَ: إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَلَا ضَابِط لَهُ - لَكَانَ متجها - وَإِلَّا فعدد التَّابِعين متناه.
وَإِمَّا بالاستقراء فَإلَى سته أنفس أَو سَبْعَة وَهُوَ أَكثر مَا وجد من رِوَايَة بعض التَّابِعين عَن بعض.
قَالَ الْمُؤلف: أَو هُنَا للشَّكّ، لِأَن السَّنَد الَّذِي ورد فِيهِ سَبْعَة أنفس اخْتلف فِي أحدهم هَل هُوَ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ؟ فَإِن ثبتَتْ صحبته كَانَ التابعون فِي السَّنَد سِتَّة وَإِلَّا فسبعة. انْتهى.
كَذَا نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف - وَغَيره - وَحَاصِل مَا ذكره الْمُؤلف أَن الْخَطِيب صنف فِي ذَلِك، فروى عَن رجل من التَّابِعين بَينه وَبَين امْرَأَة أبي
стр. 389
أَيُّوب سِتَّة عَن أبي أَيُّوب. فَقَالَ الْخَطِيب: إِن كَانَت امْرَأَة أبي أَيُّوب صحابية فهم سِتَّة، وَإِلَّا فسبعة.
فَإِن عرف من عَادَة التَّابِعِيّ أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فَذهب جُمْهُور الْمُحدثين إِلَى التَّوَقُّف لبَقَاء الِاحْتِمَال.
لَو قَالَ: لوُجُود لَكَانَ أوضح.
وَهُوَ أحد قولي أَحْمد بن حَنْبَل، وَالْمَشْهُور عَنهُ مُقَابلَة. وَثَانِيهمَا - وَهُوَ قَول المالكيين والكوفيين - يَعْنِي الْحَنَفِيَّة / يقبل مُطلقًا وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ.
стр. 390
قَالُوا: لِأَن الْعدْل لَا يسْقط الْوَاسِطَة بَينه وَبَين النَّبِي إِلَّا وَهُوَ عدل عِنْده، وَإِلَّا تلبيساً قادحاً فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: كَانَ الأولى ترك قَوْله مُطلقًا أَو تَأَخّر قَول المالكيين والكوفيين عَن قَول الإِمَام الشَّافِعِي لِئَلَّا يتَوَهَّم من الْإِطْلَاق أَنه سَوَاء عرف من عَادَته (مَا ذكر) أَولا، فيخالف مَا عِنْد الْكُوفِيّين والمالكيين.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: يقبل أَن اعتضد بمجيئه من وَجه آخر تبَاين الطَّرِيق الأولى مُسْندًا كَانَ، أَو مُرْسلا، ليرجح احْتِمَال كَون الْمَحْذُوف ثِقَة فِي نفس الْأَمر.
следующие страницы →