Полный текст (833 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الحَدِيث الْمُرْسل
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا سقط من آخِره من بعد التَّابِعِيّ أَي الحَدِيث الَّذِي حذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ وَرَفعه تَابِعِيّ الصَّحَابِيّ إِلَى الْمُصْطَفى أَي نِسْبَة إِلَيْهِ.
هُوَ الْمُرْسل: أَي النَّوْع الْمُسَمّى بالمرسل، سمي بِهِ لِأَنَّهُ التَّابِعِيّ أرْسلهُ وَلم يُقَيِّدهُ بِتَسْمِيَة من أرْسلهُ عَنهُ.
وَصورته: أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَوَاء كَانَ كَبِيرا وَهُوَ من لَقِي جمعا من الصَّحَابَة كعبيد الله بن الْخِيَار - بِكَسْر الْمُعْجَمَة مخففاً - أَو صَغِيرا وَهُوَ من لَقِي وَاحِدًا مِنْهُم، أَو اثْنَيْنِ كيحيى بن سعيد.
(كَذَا قيل، قَالَ بعض مَشَايِخنَا: ضَابِط التَّابِعِيّ الْكَبِير أَنه من أَكثر رواياته عَن الصَّحَابَة، وَالصَّغِير من أَكثر رواياته عَن التَّابِعين. وَأما ضبط الصَّغِير بِأَنَّهُ لم يلق إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَنَحْوهمَا من الصَّحَابَة فَلَا يلايم تَعْلِيلهم) .
стр. 387
قَالَ رَسُول الله أَو فعل كَذَا أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا أَو نَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا ذكر فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون صحابياً، وَأَن يكون تابعياً، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون ضَعِيفا (وَيحْتَمل) أَن يكون ثِقَة. وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون حمل عَن صَحَابِيّ وَأَن يكون حمل عَن تَابِعِيّ آخر، وعَلى الثَّانِي / فَيَعُود الِاحْتِمَال السَّابِق، ويتعدد إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَإلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ.
اعْتَرَضَهُ ابْن قطلوبغا: بِأَنَّهُ محَال عِنْد الْعقل أَن يجوز أَن يكون بَين التَّابِعِيّ وَالنَّبِيّ من لَا يتناهى، كَيفَ وَقد وَقع التناهي فِي الْوُجُود الْخَارِجِي بِذكر النَّبِي.
والكمال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَو قَالَ: فَإلَى مَا لَا ضَابِط لَهُ، أَو
стр. 388
قَالَ: إِمَّا بالتجويز الْعقلِيّ فَلَا ضَابِط لَهُ - لَكَانَ متجها - وَإِلَّا فعدد التَّابِعين متناه.
وَإِمَّا بالاستقراء فَإلَى سته أنفس أَو سَبْعَة وَهُوَ أَكثر مَا وجد من رِوَايَة بعض التَّابِعين عَن بعض.
قَالَ الْمُؤلف: أَو هُنَا للشَّكّ، لِأَن السَّنَد الَّذِي ورد فِيهِ سَبْعَة أنفس اخْتلف فِي أحدهم هَل هُوَ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ؟ فَإِن ثبتَتْ صحبته كَانَ التابعون فِي السَّنَد سِتَّة وَإِلَّا فسبعة. انْتهى.
كَذَا نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف - وَغَيره - وَحَاصِل مَا ذكره الْمُؤلف أَن الْخَطِيب صنف فِي ذَلِك، فروى عَن رجل من التَّابِعين بَينه وَبَين امْرَأَة أبي
стр. 389
أَيُّوب سِتَّة عَن أبي أَيُّوب. فَقَالَ الْخَطِيب: إِن كَانَت امْرَأَة أبي أَيُّوب صحابية فهم سِتَّة، وَإِلَّا فسبعة.
فَإِن عرف من عَادَة التَّابِعِيّ أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فَذهب جُمْهُور الْمُحدثين إِلَى التَّوَقُّف لبَقَاء الِاحْتِمَال.
لَو قَالَ: لوُجُود لَكَانَ أوضح.
وَهُوَ أحد قولي أَحْمد بن حَنْبَل، وَالْمَشْهُور عَنهُ مُقَابلَة. وَثَانِيهمَا - وَهُوَ قَول المالكيين والكوفيين - يَعْنِي الْحَنَفِيَّة / يقبل مُطلقًا وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ.
стр. 390
قَالُوا: لِأَن الْعدْل لَا يسْقط الْوَاسِطَة بَينه وَبَين النَّبِي إِلَّا وَهُوَ عدل عِنْده، وَإِلَّا تلبيساً قادحاً فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: كَانَ الأولى ترك قَوْله مُطلقًا أَو تَأَخّر قَول المالكيين والكوفيين عَن قَول الإِمَام الشَّافِعِي لِئَلَّا يتَوَهَّم من الْإِطْلَاق أَنه سَوَاء عرف من عَادَته (مَا ذكر) أَولا، فيخالف مَا عِنْد الْكُوفِيّين والمالكيين.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: يقبل أَن اعتضد بمجيئه من وَجه آخر تبَاين الطَّرِيق الأولى مُسْندًا كَانَ، أَو مُرْسلا، ليرجح احْتِمَال كَون الْمَحْذُوف ثِقَة فِي نفس الْأَمر.
стр. 391
وَكَذَا لَو عضد مُرْسل كبار التَّابِعين ضَعِيف صَالح للترجيح: لقَوْل صَحَابِيّ، أَو فعله، أَو أَكثر الْعلمَاء، (أَو قِيَاس) ، أَو انتشار بِغَيْر نَكِير، أَو عمل لَكِن يكون الْمَجْمُوع حجَّة وفَاقا للشَّافِعِيّ لَا مُجَرّد الْمُرْسل وَلَا المنضم إِلَيْهِ لضعف كل مِنْهُمَا على انْفِرَاده. وَلَا يلْزم من ذَلِك ضعف الْمَجْمُوع لِأَنَّهُ يحصل من اجْتِمَاع الضعيفين قُوَّة مفيدة للظن، وَعَن الشَّافِعِي: ضعيفان يغلبان قَوِيا.
وَأما مُرْسل صغَار التَّابِعين كالزهري وَنَحْوه فباق على الرَّد مَعَ العاضد لشدَّة ضعفه.
وَضَابِط من التَّابِعِيّ الْكَبِير: أَنه من أَكثر رواياته عَن الصَّحَابَة،
стр. 392
وَالصَّغِير: من أَكثر رواياته عَن التَّابِعين، وَأما ضبط الصَّغِير بِأَنَّهُ لم يلق إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَنَحْوهمَا من الصَّحَابَة فَلَا يلائم تَعْلِيلهم.
وَلَو تجرد الْمُرْسل عَن العاضد وَلَا دَلِيل فِي الْبَاب سواهُ وَكَانَ مَدْلُوله الْمَنْع من شَيْء / فَالْأَظْهر الانكفاف عَن ذَلِك الشَّيْء لأَجله احْتِيَاطًا.
وَنقل أَبُو بكر الرَّازِيّ برَاء ثمَّ زَاي نِسْبَة إِلَى الرّيّ مَدِينَة من بِلَاد الديلم، وَهُوَ من الْحَنَفِيَّة وَأَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ نِسْبَة إِلَى باجا - بجيم خَفِيفَة - مَدِينَة بالأندلس (وَهُوَ من الْمَالِكِيَّة) أَن الرَّاوِي إِذا كَانَ يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم لَا يقبل مرسله مُطلقًا اتِّفَاقًا.
стр. 393
وَذهب جمع مِنْهُم ابْن الْحَاجِب، وَصَاحب البديع إِلَى أَنه إِن كَانَ الْمُرْسل من أَئِمَّة النَّقْل كسعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ قبل: لانْتِفَاء الْمَحْذُور وَهُوَ حِينَئِذٍ مُسْند حكما.
أَو من غَيرهم فَلَا تعد بِظَنّ من لَيْسَ يعدل عدلا فيسقطه بظنه، وَهُوَ على الِاحْتِجَاج بِهِ أَضْعَف من الْمسند خلافًا لجمع.
تَنْبِيه:
١ - يرد على تَخْصِيصه - كَغَيْرِهِ - الْمُرْسل بالتابعي من سمع من الْمُصْطَفى وَهُوَ كَافِر ثمَّ أسلم بعد مَوته، فَهُوَ تَابِعِيّ اتِّفَاقًا، وَحَدِيثه غير مُرْسل بل هُوَ مَوْصُول لَا خلاف فِي الِاحْتِجَاج
стр. 394
بِهِ كرسول هِرقل.
٢ - وَمن رأى الْمُصْطَفى غير مُمَيّز كمحمد بن أبي بكر (فَإِنَّهُ صَحَابِيّ) ، وَحكم رِوَايَته حكم الْمُرْسل لَا الْمَوْصُول، وَلَا يَأْتِي فِيهِ مَا قيل فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة، لِأَن أَكثر رِوَايَة هَذَا وَشبهه عَن التَّابِعين بِخِلَاف الصَّحَابِيّ الَّذِي أدْرك وَسمع.
стр. 395
الحَدِيث المعضل والمنقطع
وَالْقسم الثَّالِث من أَقسَام الْقسْط من الْإِسْنَاد: إِن كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا أَي حذف من بَين طرفِي إِسْنَاده راويان فَأكْثر مَعَ التوالي / فَهُوَ المعضل بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. فَقَوله مَعَ التوالي يخرج (الْمُنْقَطع) من موضِعين فَأكْثر.
وَإِلَّا بِأَن كَانَ السقط بِاثْنَيْنِ غير متواليين فِي موضِعين فَهُوَ الْمُنْقَطع، سَوَاء كَانَ السَّاقِط محذوفا، أَو مُبْهما كَرجل، وَكَذَا إِن سقط وَاحِد فَقَط، أَو أَكثر من اثْنَيْنِ بِشَرْط عدم التوالي
لَو اقْتصر على التَّمْثِيل بِالسقطِ بِوَاحِد كَانَ أولى لوُجُود التّكْرَار فِيمَا ذكره، إِذْ يصدق عَلَيْهِ أَنه سقط وَاحِد فِي موضِعين أَو
стр. 396
مَوَاضِع. نبه عَلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين.
قَالَ المُصَنّف: وَيُسمى مَا سقط مِنْهُ وَاحِد فِي مَوضِع، وَمَا سقط مِنْهُ اثْنَان - بِالشّرطِ الْمَذْكُور - مُنْقَطع فِي موضِعين، وَهَكَذَا إِن ثَلَاثَة فَفِي ثَلَاثَة، وان أَرْبَعَة فَفِي أَرْبَعَة وَهَكَذَا.
وللمنقطع أَمْثِلَة مِنْهَا: مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عَائِشَة، فَإِن يحيى بن سعيد لم يسمع من عَائِشَة وَإِنَّمَا سمع مِمَّن سمع مِنْهَا.
وللمعضل أَمْثِلَة مِنْهَا: الإِمَام الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أبي هُرَيْرَة، بِإِسْقَاط أَبى الزِّنَاد والأعرج.
وَأعلم أَن التبريزى خص فِي " الْكَافِي ": الْمُنْقَطع والمعضل
стр. 397
بِمَا بَين طرفِي الْإِسْنَاد وَلم يَخُصهَا ابْن الصّلاح بِهِ. فَمَا حذف من أول إِسْنَاده وَاحِد مُنْقَطع عِنْده، وَمَا حذف من أَوله اثْنَان متواليان معضل عِنْده، وَكِلَاهُمَا عِنْد التبريزى مُعَلّق.
وَذكر الجوزقانى فِي مُقَدّمَة كِتَابه " الموضوعات ": أَن المعضل أَسْوَأ حَالا من الْمُنْقَطع، والمنقطع أَسْوَأ حَالا من الْمُرْسل، والمرسل لَا يقوم بِهِ حجَّة.
قَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا يكون المعضل أَسْوَأ حَالا إِذا كَانَ انْقِطَاع فِي مَحل وَاحِد، فَإِن كَانَ فِي محلين سَاوَى الْمُنْقَطع فِي سوء الْحَال.
وَذكر الرشيد الْعَطَّار: أَن فِي مُسلم بضعَة عشر حَدِيثا فِي
стр. 398
إسنادها انْقِطَاع. اه وَأجِيب عَنهُ بتبين اتصالها إِمَّا من وَجه آخر عِنْده، وَإِمَّا من ذَلِك الْوَجْه عِنْد غَيره.
وَمن مظان الْمُرْسل والمعضل والمنقطع: كتاب السّنَن لسَعِيد بن مَنْصُور، ومؤلفات ابْن أَبى الدُّنْيَا.
ثمَّ إِن السقط من الْإِسْنَاد قد يكون وَاضحا يحصل الِاشْتِرَاك فِي مَعْرفَته وَهُوَ الَّذِي يظْهر لكَون الرَّاوِي - مثلا - لم يعاصر من روى
стр. 399
عَنهُ. بِأَن مولد الرَّاوِي مُتَأَخّر عَن وَفَاة من روى عَنهُ، أَو تكون جهتهما مُخْتَلفَة كخراسان وتلمسان وَلم ينْقل أَن إحدهما رَحل عَن جِهَته إِلَى جِهَة الآخر.
أَو يكون خفِيا فَلَا يُدْرِكهُ إِلَى الْأَئِمَّة الحذاق المطلعون على طرق الحَدِيث، وَعلل الْأَسَانِيد، فَالْأول - وَهُوَ الْوَاضِح - يدْرك بِعَدَمِ التلاقي بَين الرَّاوِي وَشَيْخه لكَونه لم يدْرك عصره، أَو أدْركهُ لَكِن لم يجتمعا وَلَيْسَت مِنْهُ إجَازَة وَلَا وجادة فَهَذَا وَاضح لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى شَيْء آخر.
قَالَ بَعضهم: وَلَا بُد أَن تقترن الوجادة بِالْإِجَازَةِ فَهِيَ أخص، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا لكنه / جرى على طَريقَة من لَا يشْتَرط فِيهَا الْإِجَازَة.
стр. 400
وَاعْلَم أَن الشَّيْخ قَاسم قد اعْترض قَول الْمُؤلف أَو لَا يحصل. . إِلَى آخِره مَعَ قَوْله بعد ذَلِك يدْرك بِأَنَّهُ تكْرَار مَحْض، لَا فَائِدَة لَهُ.
وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا احْتِيجَ إِلَى معرفَة التَّارِيخ فِي هَذَا الْفَنّ لتَضَمّنه تَحْرِير مواليد الروَاة ووفاتهم وأوقات طَلَبهمْ وارتحالهم وَنَحْو ذَلِك وَقد أفتضح أَقوام كَثِيرُونَ ادعوا الرِّوَايَة عَن شُيُوخ ظهر بالتاريخ كذب دَعوَاهُم.
والتاريخ ذكر ابْتِدَاء الْمدَّة، قَالَ الْحَاكِم: لما قدم علينا أَبُو جَعْفَر الكشى - بِضَم الْكَاف وَشدَّة الْمُعْجَمَة - وَحدث عَن عبد بن حميد سَأَلته عَن مولده؟ فَذكر أَنه سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فَقلت لِأَصْحَابِنَا: هَذَا الشَّيْخ سمع من عبد حميد بعد مَوته بِثَلَاثَة عشر سنة.
стр. 401
وَقَالَ الْحميدِي: ثَلَاثَة أَشْيَاء يجب تَقْدِيم الْعِنَايَة بهَا: الْعِلَل وَأحسن مَا وضع فِيهِ كتاب الدَّارَقُطْنِيّ، و " المؤتلف والمختلف " وَأحسن مَا فِيهِ كتاب " ابْن مَاكُولَا "، و " الوفيات " وَلَيْسَ فِيهِ كتاب. وَكَأَنَّهُ يُرِيد " الِاسْتِيعَاب " (وَإِلَّا فهناك كتب فِيهِ) . وَاعْلَم أَنه لم يكن التَّارِيخ فِي صدر الْإِسْلَام إِلَى أَن ولى عمر فَوَضعه.
стр. 402
معرفَة المدلس
وَالْقسم الثَّانِي: وَهُوَ الْخَفي، المدلس بِفَتْح اللَّام وَهُوَ مَا رَوَاهُ الرَّاوِي عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن لقِيه وَسمع مِنْهُ غير الَّذِي رَوَاهُ / بِلَفْظ مُحْتَمل للسماع وموهم لَهُ.
سمي بذلك لكَون الرَّاوِي لم يسم من حَدثهُ، وأوهم سَمَاعه للْحَدِيث مِمَّن لم يحدث بِهِ. واشتقاقه من الدلس - بِالتَّحْرِيكِ - وَهُوَ اخْتِلَاط الظلام. الَّذِي هُوَ سَبَب لتغطية الْأَشْيَاء عَن الْبَصَر.
وَمِنْه التَّدْلِيس فِي البيع يُقَال: دلّس فلَان على فلَان أَي ستر عَنهُ الْعَيْب الَّذِي فِي مَتَاعه كَأَنَّهُ أظلم عَلَيْهِ الْأَمر. وَهُوَ اصْطِلَاحا رَاجع إِلَى ذَلِك
سمي بذلك لاشْتِرَاكهمَا فِي الخفاء فَإِن من أسقط من الاسناد شَيْئا
стр. 403
فقد أخْفى ذَلِك الَّذِي أسْقطه وغطاه، وَزَاد فِي التغطية بإتيانه بِعِبَارَة موهمة. وَكَذَا تَدْلِيس الشُّيُوخ فَإِن الرَّاوِي يخفي النَّعْت الَّذِي يعرف بِهِ الشَّيْخ ويغطيه بِالْوَصْفِ بِغَيْر مَا شهر بِهِ.
وَأعلم أَن قَول المُصَنّف وَالْقسم الثَّانِي. . إِلَى آخِره قد اعْتَرَضَهُ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الْمقسم السقط والمدلس والإسناد الَّذِي وَقع فِيهِ السقط فَلَا يكون الْحمل حَقِيقِيًّا. انْتهى.
وَمِثَال ذَلِك مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق عَن زيد بن يثيع - بمثناة تحتية مَضْمُومَة ففوقية - عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا:
стр. 404
" إِن وليتموها أَبَا بكر فقوي أَمِين. فَهَذَا الحَدِيث فِي صُورَة الْمُتَّصِل، لِأَن عبد الرَّزَّاق سَمَاعه من الثَّوْريّ مَشْهُور وَكَذَا سَماع / الثَّوْريّ من أبي إِسْحَق وَهُوَ مُنْقَطع فِي موضِعين: فَإِن عبد الرَّزَّاق لم يسمعهُ من الثَّوْريّ وَإِنَّمَا سَمعه من النُّعْمَان بن أبي شيبَة. وَلم يسمعهُ - الثَّوْريّ من أبي إِسْحَق وَإِنَّمَا سَمعه من شريك عَن أبي إِسْحَاق كَمَا جَاءَ ذَلِك مُبينًا من وَجه آخر.
وَاعْلَم أَن مَا رَوَاهُ الصَّحَابِيّ عَن الْمُصْطَفى وَلم يسمعهُ مِنْهُ مُرْسل صَحَابِيّ وَلَا يُسمى مدلسا أدبا.
وَيرد المدلس بِصِيغَة من صِيغ الْأَدَاء يحْتَمل وُقُوع اللِّقَاء بَين المدلس وَمن أسْند عَنهُ موهما الِاتِّصَال.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَكَانَ الأولى أَن يَقُول يحْتَمل السماع كَمَا
стр. 405
صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره من أهل الْفَنّ.
كعن وَيُسمى المعنعن كَقَوْل الرَّاوِي فلَان عَن فلَان بِلَفْظ عَن من غير بَيَان التحديث والإخبار وَالسَّمَاع.
وَكَذَا قَوْله قَالَ فلَان أَو فعل كَذَا، فَإِنَّهُ مثل عَن عِنْد الْجُمْهُور مخالفين للْإِمَام أَحْمد.
وَمثل عَن وَقَالَ مَا لَو أسقط أَدَاة الرِّوَايَة فَقَالَ فلَان، قَالَ عَليّ بن خشرم: كُنَّا عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ: الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ: حَدثكُمْ الزُّهْرِيّ؟ فَسكت. ثمَّ قَالَ: الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ: سمعته من الزُّهْرِيّ؟ قَالَ: لَا، وَلَا عَمَّن سَمعه من الزُّهْرِيّ، حَدثنِي عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ.
وَمَتى وَقع بِصِيغَة صَرِيحَة لَا تجوز فِيهَا كَانَ كذبا.
стр. 406
قَالَ الْمُؤلف: أردْت بالتجوز نَحْو قَول / الْحسن: حَدثنَا ابْن عَبَّاس على مِنْبَر الْبَصْرَة، فَإِنَّهُ لم يسمع مِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل الْبَصْرَة الَّذين هُوَ مِنْهُم. وَقَول ثَابت البنانى خَطَبنَا عمرَان بن حُصَيْن. كَذَا نَقله عَنهُ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف وَغَيره.
وَأما حَدِيث الْحسن: فَرَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن الْحسن قَالَ: خسف الْقَمَر وَابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فصلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان، فَلَمَّا فرغ خَطَبنَا، فَقَالَ: صليت بكم كَمَا رَأَيْت رَسُول الله يصلى بِنَا.
قَالَ الْمُؤلف فِي تَخْرِيج (أَحَادِيث) الرَّافِعِيّ: وَإِبْرَاهِيم
стр. 407
ضَعِيف، وَقَول الْحسن خَطَبنَا لم يَصح، فَإِن الْحسن لم يكن بِالْبَصْرَةِ لما كَانَ ابْن عَبَّاس بهَا. وَيُقَال: إِن هَذَا من تدليسه وَإِن خَطَبنَا أَي خطب أهل الْبَصْرَة.
وَضَابِط ذَلِك أَن يجمع الرَّاوِي الضَّمِير ويقصد أهل بَلَده، أَو أَقَاربه، أَو المشاركين لَهُ فِي صفة مَا، وَيدل لجَوَاز ذَلِك قَول الرجل الَّذِي يقْتله الدَّجَّال: أشهد أَنَّك الرجل الَّذِي حَدثنَا رَسُول الله أَي حدث الْأمة الَّذِي أَنا مِنْهُم.
والتدليس قِسْمَانِ:
١ - الأول: تَدْلِيس الْإِسْنَاد: بِأَن يروي عَمَّن لقِيه مَا لم يسمعهُ مِنْهُ موهما سَمَاعه. وَرُبمَا لم يسْقط شَيْخه وأسقطه غَيره لكَونه ضَعِيفا أَو صَغِيرا تحسينا للْحَدِيث.
٢ - الثَّانِي: تَدْلِيس الشُّيُوخ: بِأَن يُسمى شَيْخه، أَو يكنيه، أَو
стр. 408
ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يعرف بِهِ، أَو يصف شيخ شَيْخه بذلك.
فَالْأول مَكْرُوه جدا، ذمه الْجُمْهُور حَتَّى قَالَ شعبه: لِأَن أزني أحب إِلَى من أَن أدلس. وَقَالَ التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب. وَحكمه أَن مَا رَوَاهُ بِلَفْظ مُحْتَمل لم يبين فِيهِ السماع لم يقبل، وَمَا بَينه فِيهِ كسمعت وَحدثنَا وَأخْبرنَا وَنَحْو ذَلِك فمقبول يحْتَج بِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَغَيرهمَا - مِنْهُ كثير.
وَمَا فِي نَحْو الصَّحِيحَيْنِ عَن المدلسين بعن مَحْمُول على ثُبُوت اللِّقَاء من جِهَة أُخْرَى، وَإِنَّمَا آثر صَاحب الصَّحِيح طَرِيق العنعنة لِأَنَّهَا على شَرطه دون تِلْكَ.
стр. 409
وَأما الثَّانِي: فكراهته أخف، وَيخْتَلف الْحَال فِي كَرَاهَته بِحَسب قَصده، ككون المغير اسْمه ضَعِيفا فيدلسه لِئَلَّا يظْهر رِوَايَته عَن الضُّعَفَاء. وَالأَصَح أَنه لَيْسَ بِجرح إِذا كَانَ لكَونه صَغِيرا أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة أَو نَحْو ذَلِك، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ كثيرا فَامْتنعَ فِي تكراره على صُورَة وَاحِدَة إيهاما لِكَثْرَة الشُّيُوخ.
قَالَ لي شَيخنَا عَالم الشَّافِعِيَّة (فِي الأقطار المعربة) الشَّمْس الرملى - رَحمَه الله تَعَالَى - عَن مُحَقّق الشَّافِعِيَّة أَبِيه عَن شُيُوخه: أَن الْمُؤلف احْتَاجَ إِلَى رِوَايَته عَن ولد شَيْخه الْحَافِظ الزين
стр. 410
الْعِرَاقِيّ - هُوَ شيخ الْإِسْلَام الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ - فَصَارَ يَقُول فِي " أَمَالِيهِ ": حَدثنِي أَحْمد الصحراوي موهما أَنه غَيره لصغره ومشاركته لَهُ / فِي شُيُوخه.
وَمن أَقسَام التَّدْلِيس: عكس هَذَا، وَهُوَ إِعْطَاء شخص آخر مَشْهُورا تَشْبِيها، ذكره فِي " جمع الْجَوَامِع " فَيَقُول أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يَعْنِي الذَّهَبِيّ، تَشْبِيها بالبيهقي حَيْثُ يَقُول حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يعْنى بِهِ الْحَاكِم لظُهُور الْمَقْصُود.
وَكَذَا إِبْهَام اللقي والرحلة كحدثنا من وَرَاء النَّهر يُوهم أَنه نهر جيحون - يعْنى نهر بَلخ -، وَمَا رَوَاهُ إقليم اشْتهر أَهله بِأَهْل
стр. 411
مَا وَرَاء النَّهر مِنْهُم كثير من الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيد الجيزة - مثلا - وَهُوَ بِمصْر، وَلَيْسَ هَذَا بِجرح قطعا لِأَنَّهُ من المعاريض لَا من الْكَذِب كَمَا فِي " الاقتراح " و " أَحْكَام " الآمدى وَغَيرهمَا.
وَحكم من يثبت عَنهُ التَّدْلِيس إِذا كَانَ عدلا أَن لَا يقبل مِنْهُ إِلَّا مَا صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ على الْأَصَح. وَمُقَابل الْأَصَح: الْقبُول مُطلقًا، وَالرَّدّ مُطلقًا وَإِن صرح بِالتَّحْدِيثِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْأُصُول أَن التَّدْلِيس فِي الْأَسَانِيد لَيْسَ بِجرح مُطلقًا. وَقَول ابْن السَّمْعَانِيّ: إِلَّا أَن يكون بِحَيْثُ لَو يسْأَل عَنهُ لم يُبينهُ فَإِن صنعه حِينَئِذٍ جرح لَهُ
стр. 412
لظُهُور الْكَذِب فِيهِ. رد بِمَنْع ذَلِك فَترك الِاسْتِثْنَاء أظهر مِنْهُ، فالاطلاق أظهر. اه.
أما مُدَلّس الْمُتُون وَهُوَ من يدرج كَلَامه مَعهَا بِحَيْثُ لَا يتميزان فمجروح لإيقاعه غَيره فِي الْكَذِب على رَسُول الله.
стр. 413
الْمُرْسل الْخَفي
وَكَذَا الْمُرْسل (الْخَفي) أَي وَمثل المدلس فِي خَفَاء السقط الْمُرْسل / الْخَفي، وَبَينه وَبَين الْمُنْقَطع عُمُوم مُطلق، فَكل مُرْسل خَفِي مُنْقَطع وَلَا عكس.
إِذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عَنهُ أَي لم يعرف أَنه لقِيه بل بَينه وَبَينه وَاسِطَة هَذَا الشَّرْط، هُوَ مَا وَقع للمؤلف (أَي لم يعرف أَنه لقِيه) .
ورده تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم بِمَا نَصه: هَذَا الشَّرْط يُوهم أَن لَهُ مفهوما وَلَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لَيْسَ لنا مُرْسل خَفِي إِلَّا مَا صدر من معاصر لم يلق. انْتهى.
وَقد جعل قوم الْمُرْسل الْخَفي قسما من المدلس لَا قسيما لَهُ،
стр. 414
وعرفوه: بِأَنَّهُ رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن عاصره وَلم يلقه، أَو عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا بِلَفْظ موهم للسماع.
وَقَالَ (شَيخنَا النَّجْم) الغيطي: المُرَاد بِالْإِرْسَال هُنَا مُطلق الِانْقِطَاع لَا مَا سقط مِنْهُ الصَّحَابِيّ كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي حد الْمُرْسل، وَالْجُمْهُور على أَن الْمُرْسل الْخَفي قسم من المدلس لَا قسيما لَهُ، انْتهى. وَالْمُخْتَار عِنْد الْمُؤلف أَنه قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ كَمَا بَينه بقوله وَالْفرق بَين المدلس والمرسل الْخَفي دَقِيق حصل تحريره بِمَا ذكر هُنَا، وَهُوَ أَن التَّدْلِيس يخْتَص بِمن روى عَمَّن عرف لقاؤه إِيَّاه قد جعله أَولا: أَن
стр. 415
يرد بِصِيغَة يحْتَمل اللقي فبينهما مُخَالفَة فَتَأَمّله.
فَأَما إِن عاصره وَلم يعرف أَنه لقِيه بطرِيق مُعْتَبر فَهُوَ الْمُرْسل الْخَفي، وَمن أَدخل فِي تَعْرِيف التَّدْلِيس المعاصرة وَلَو بِغَيْر لَقِي لزمَه دُخُول الْمُرْسل الْخَفي فِي تَعْرِيفه، وَالصَّوَاب التَّفْرِيق بَينهمَا. وَيدل على (أَن) اعْتِبَار اللقي فِي التَّدْلِيس / دون المعاصرة وَحدهَا (قَالَ بَعضهم: لَو ترك قَوْله دون المعاصرة وَحدهَا) كَانَ أولى. لَا بُد مِنْهُ.
وَقَوله إطباق (فَاعل يدل أَي يدل إطباق) أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ على أَن رِوَايَة المخضرمين بِضَم الْمِيم، وَفتح الْخَاء، وَسُكُون الضَّاد المعجمتين، وَفتح الرَّاء واحده المخضرم - بِفَتْح الرَّاء - وَهُوَ: الْمَاضِي نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام أَو من
стр. 416
أدْركهَا كَمَا فِي " الْقَامُوس " وَفِي " تَارِيخ ابْن خلكان ".
أصل إِطْلَاقه فِي الشُّعَرَاء ثمَّ توسع فِيهِ فَاسْتعْمل فِي غَيرهم، وَقد سمع فِيهِ محضرم بحاء مُهْملَة وَكسر الرَّاء.
كَأبي عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقيس بن أبي حَازِم عَن النَّبِي من قبيل الْإِرْسَال لَا من قبيل التَّدْلِيس.
وَكَذَا كل مَا رَوَاهُ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يسمعهُ مِنْهُ يُسمى مُرْسل صَحَابِيّ وَلَا يُسمى مدلسا أصلا.
وَلَو كَانَ مُجَرّد المعاصرة يكْتَفى بِهِ فِي التَّدْلِيس لَكَانَ هَؤُلَاءِ مدلسين لأَنهم عاصروا النَّبِي قطعا، وَلَكِن لم يعرف
стр. 417
هَل لقوه أم لَا؟
قَالَ بعض مَشَايِخنَا: قَالَ يُقَال إِنَّمَا وصفوا رِوَايَة من ذكره بِالْإِرْسَال لأَنهم من التَّابِعين، وتحديث التَّابِعِيّ عَن النَّبِي لَا شكّ فِي وَصفه بِالْإِرْسَال.
وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَن تحديث الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي بِحَدِيث لم يسمعهُ عَنهُ مَعَ تحقق اللقا لَا يُوصف بالتدليس أدبا مَعَ أَنه مِنْهُ، إِلَّا أَن يُجَاب بِأَن تحديث الصَّحَابِيّ / الْمَذْكُور قد أطلق عَلَيْهِ بَعضهم أَنه تَدْلِيس، وَرِوَايَة هَؤُلَاءِ وَقع اتِّفَاقهم على أَنَّهَا لَيست من التَّدْلِيس كَمَا ذكره الشَّارِح، وَلم يعد (أحد) هَؤُلَاءِ من المدلسين مَعَ محافظتهم على عد من وصف بذلك من غَيرهم.
وَمِمَّنْ اشْترط اللِّقَاء فِي التَّدْلِيس الإِمَام الشَّافِعِي و (أَبُو بكر) الْبَزَّار
стр. 418
وَكَلَام الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه " الْكِفَايَة " فِي آدَاب الرِّوَايَة يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمد.
وتعرف عدم الملاقاة بإخباره عَن نَفسه بذلك فِي بعض طرق الحَدِيث أَو بجزم إِمَام مطلع وَذَلِكَ كَحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا: " رحم الله حارس الحرس ". فَإِن عمر لم يلق عقبَة كَمَا قَالَ الْمزي فِي " الْأَطْرَاف ". وكأحاديث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه. . ابْن مَسْعُود فقد
стр. 419
روى التِّرْمِذِيّ: أَن عَمْرو بن مرّة قَالَ لأبى عُبَيْدَة: هَل تذكر عَن عبد الله شَيْئا؟ قَالَ: لَا.
وَلَا يَكْفِي أَن يَقع فِي بعض الطّرق زِيَادَة راو بَينهمَا، لاحْتِمَال أَن يكون من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد، وَلَا يحكم فِي هَذِه الصُّورَة بِحكم كلي، لتعارض احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع.
وَقد صنف فِيهِ أَي فِي هَذَا النَّوْع الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ كتاب " التَّفْصِيل لمبهم الْمَرَاسِيل " وَكتاب الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد ".
وَالْحَاصِل أَن فِي الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة أَقْوَال:
١ -. الأول: الِاكْتِفَاء / بالمعاصرة وَهُوَ مَذْهَب مُسلم، ادّعى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ فِي مُقَدّمَة " صَحِيحَة "، وَقَالَ: اشْتِرَاط اللِّقَاء قَول مخترع لم يتَقَدَّم قائلة إِلَيْهِ أحد.
стр. 420
٢ -. الثَّانِي: إِنَّه يشْتَرط اللِّقَاء فَقَط، وَهُوَ قَول البُخَارِيّ والمحققين.
٣ -. الثَّالِث: إِنَّه يشْتَرط طول الصُّحْبَة وَلَا يكْتَفى ثُبُوت اللِّقَاء وَهُوَ قَول السَّمْعَانِيّ.
٤ -. الرَّابِع: يشْتَرط مَعْرفَته بالرواية عَنهُ، وَهُوَ قَول أبي عَمْرو الداني.
قَالَ الْمُؤلف: وَمن حكم بالانقطاع مُطلقًا شدد، ويليه من شَرط طول الصُّحْبَة، وَمن اكْتفى بالمعاصرة تساهل، وَالْوسط الَّذِي لَيْسَ بعده إِلَّا التعنت مَذْهَب البُخَارِيّ وَمن وَافقه. وَيدل لَهُ مَا ذكر فِي المخضرمين، لَا يُقَال: إِنَّمَا لم يُطلق على المخضرمين اسْم التَّدْلِيس صونا لأهل الْقرن الأول عَن بشاعة هَذَا اللَّفْظ بِدَلِيل أَن حد التَّدْلِيس منطلق على من حدث عَن الْمُصْطَفى بِشَيْء لم يسمعهُ
стр. 421
مِنْهُ وَلم يطلقوا ذَلِك عَلَيْهِ، بل صَارُوا إِلَى تَسْمِيَته مُرْسلا، فَيَقُولُونَ مُرْسل صَحَابِيّ، لأَنا نفرق بَين الصحب وَهَؤُلَاء بِأَن الصحب كل حَدِيثهمْ مَقْبُول، لأَنهم يرسلون عَن صحابة مثلهم وَكلهمْ عدُول، وَقد تتبع مَا أسندوه عَن التَّابِعين فَلم يُوجد فِيهِ حكم إِنَّمَا هُوَ أَخْبَار الْأُمَم وَنَحْوهَا.
والتدليس إِنَّمَا لطخ بِهِ من لطخ لِأَنَّهُ يُوجب / التَّوَقُّف فِي قبُول مَا كَانَ بِصِيغَة مُحْتَملَة لاحْتِمَال كَونه حذف الَّذِي حَدثهُ بِهِ وَهُوَ ضَعِيف، وَهَذَا الِاحْتِمَال مُمكن فِي المخضرمين، فَإِنَّهُم رووا عَن التَّابِعين فَأَكْثرُوا عَن ثقاتهم وضعفائهم فَلم يبْق إِلَّا الْفرق من حَيْثُ اللِّقَاء.
وانتهت إِلَى هُنَا أَي هَذَا الْموضع أَقسَام حكم السَّاقِط من الْإِسْنَاد وَمن هُنَا وَقع الشُّرُوع فِي الْمَرْدُود لِلطَّعْنِ.
стр. 422
أَسبَاب الطعْن فِي الروَاة إِجْمَالا
وَقَالَ: ثمَّ الطعْن فِي الْمَتْن أَو الْإِسْنَاد يكون بِعشْرَة أَشْيَاء أَي بأحدها بَعْضهَا أَشد فِي الْقدح من بعض خَمْسَة مِنْهَا تتَعَلَّق بِالْعَدَالَةِ، وَخَمْسَة تتَعَلَّق بالضبط. وَلم يحصل الاعتناء فِي هَذَا الْكتاب بتمييز أحد الْقسمَيْنِ من الآخر كَمَا اعتنى بِهِ الْغَيْر لمصْلحَة اقْتَضَت ذَلِك هُنَا وَهِي ترتيبها على بَيَان الأشد فالأشد (فِي الْقدح) .
قَالَ بَعضهم: وَلَو قَالَ الأشد فالشديد لَكَانَ أنسب لقَوْله فِي مُوجب الرَّد على سَبِيل التدلي من الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَإِن ترتيبها على الأشد فَمَا دونهَا أَكثر نفعا، وَأعظم فَائِدَة من تَمْيِيز أحد الْقسمَيْنِ على الآخر سِيمَا للمبتدئ، مَعَ أَنه يُمكن أَن يَسْتَخْرِجهُ الطَّالِب إِذا تَأمله. ذكره الْكَمَال ابْن أبي شرِيف، لِأَن الطعْن إِمَّا أَن يكون لكذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث بِأَن يروي عَنهُ أَو عَن أحد من
стр. 423
أَصْحَابه مَا لم يقلهُ / أَو مَا لم يقر عَلَيْهِ مُعْتَمدًا لذَلِك أما إِذا قَالَه وَلَيْسَ الْإِسْنَاد الَّذِي أوردهُ بِهِ إِسْنَاده مُعْتَمدًا لذَلِك فَفِيهِ خلاف.
أَو تُهْمَة بذلك أَي بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ مُتَعَمدا وَذَلِكَ بِأَن لَا يرْوى ذَلِك الحَدِيث إِلَّا من جِهَته وَلَا يكون فِي السَّنَد من يَلِيق أَن يتهم بِهِ إِلَّا هُوَ. ذكره الْكَمَال ابْن أَبى شرِيف وَيكون مُخَالفا للقواعد الْمَعْلُومَة قَضيته أَنه إِذا رُوِيَ من غير جِهَته - أَيْضا - وَكَانَ مُخَالفا للقواعد لَا يحصل التُّهْمَة بذلك للاثنين.
لَكِن صرح غَيره بِأَن كل حَدِيث أوهم بَاطِلا، وَلم يقبل التَّأْوِيل، أَو خَالف الْقَوَاعِد (الْكُلية) القطعية الْمجمع عَلَيْهَا يكون مكذوبا عَلَيْهِ.
стр. 424
وَحمل على ذَلِك حَدِيث أَحْمد وَغَيره. . " إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تنكره قُلُوبكُمْ، وتنفر مِنْهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ، وترون أَنه بعيد مِنْكُم فَأَنا أبعدكم عَنهُ ".
وَكَذَا من عرف بِالْكَذِبِ فِي كَلَامه وَإِن لم يظْهر مِنْهُ وُقُوع ذَلِك فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ فَإِنَّهُ يكون مُتَّهمًا عِنْد التفرد وَهَذَا دون الأول قَالَ البقاعي: مُرَاده بِالْأولِ مَا قبله وَهُوَ الْمُخَالف للقواعد، وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: هَذَا مُسْتَغْنى عَنهُ. أه لعلمه مِمَّا مر.
стр. 425
أَو فحش غلطه أَي كثرته أَو غفلته عَن الإتقان والضبط الْكَثِيرَة - كَمَا يَأْتِي -.
قَالَ بَعضهم: وَفِي كَونهَا أَشد من الْفسق نظر ظَاهر.
أَو فسقه أَي الظَّاهِر كَمَا يعلم مِمَّا يَأْتِي بِالْفِعْلِ أَو بالْقَوْل مِمَّا لَا يبلغ الْكفْر، وَبَينه وَبَين الأول أَي الْكَذِب (عُمُوم) وَإِنَّمَا (أفرد) الأول لكَون الْقدح بِهِ أَشد، مِنْهُ بِالثَّانِي فِي هَذَا الْفَنّ أَي فِي فن الحَدِيث وَأما الْفسق بالمعتقد فَسَيَأْتِي بَيَانه.
أَو وهمه بِأَن يروي على طَرِيق التَّوَهُّم، أَو مُخَالفَته للثقات، أَو جهالته بِأَن لَا يعرف فِيهِ تَعْدِيل وَلَا تجريح معِين.
следующие страницы →