← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5979

اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (833 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن ذل يحمل على نِسْيَان الشَّيْخ كَمَا مر تَقْرِيره. مِثَاله مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ربيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن صَالح (عَن أَبِيه) عَن أبي هُرَيْرَة أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قضى بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمين. زَاد أَبُو دَاوُد: قَالَ عبد الْعَزِيز: فَذكرت ذَلِك لسهيل، فَقَالَ: أَخْبرنِي ربيعَة وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة أَنِّي حدثته إِيَّاه وَلَا أحفظه. وَقيل: لَا يقبل مرويه، لِأَن الْفَرْع تبع الأَصْل فِي إِثْبَات الحَدِيث بِحَيْثُ إِذا ثَبت أصل الحَدِيث ثَبت رِوَايَة الْفَرْع

стр. 667

فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون فرعا عَلَيْهِ، وتبعا لَهُ فِي النَّفْي وَقِيَاسًا على نَظِيره فِي الشَّهَادَة على شَهَادَة الأَصْل وَهَذَا القَوْل متعقب أَي تعقبه الْجُمْهُور بِالرَّدِّ فَإِن عَدَالَة الْفَرْع تَقْتَضِي صَدَقَة، وَعدم علم الأَصْل لَا يُنَافِيهِ لاحْتِمَال نسيانه كَمَا مر والمثبت مقدم على النَّافِي. كَذَا قَالَ الْمُؤلف. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا لَيْسَ بجيد، لِأَن فِي مَسْأَلَة تَكْذِيب الأَصْل جزما، الأَصْل ناف وَالْفرع مُثبت، وَلَيْسَ الحكم فِيهَا للمثبت بل للنافي، فَالْحق أَن يَقُول: لِأَن الْمُحَقق مقدم على المظنون - كَمَا. . عَلَيْهِ فِي بعض نسخ الأفاضل) - أَو تَقول: الْجَزْم مقدم على التَّرَدُّد. وَأما قِيَاس ذَلِك بِالشَّهَادَةِ ففاسد لظُهُور الْفرق بَينهمَا لِأَن شَهَادَة الْفَرْع لَا تسمع مَعَ الْقُدْرَة قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: لَا يخفى مَا فِي

стр. 668

التَّعْبِير بِالْقُدْرَةِ على شَهَادَة الأَصْل بِخِلَاف الرِّوَايَة. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَظَاهر كَلَامه أَنه جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَحَاصِله جَوَاب بالفارق وَهُوَ لَا يُؤثر حَتَّى يكون واردا على الْعلَّة الجامعة، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. انْتهى. وَأجَاب أهل الْأُصُول: بِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق، لاعتبارهم فِيهِ الْحُرِّيَّة وَالْعَدَالَة والذكورة وَغَيرهمَا، وَلَو ظن الْفَرْع الرِّوَايَة وَجزم الأَصْل بنفيها أَو ظَنّه، قَالَ الإِمَام الرَّازِيّ: فِي الأول تعين الرَّد، وَفِي الثَّانِي تَعَارضا، وَالْأَصْل الْعَدَم وَالْأَشْبَه الْقبُول. وَلَو لم يَقع إِنْكَار الحَدِيث إِلَّا من أَصْحَاب الشَّيْخ الَّذِي زعم الرَّاوِي أَنه حَدثهُ فَإِن كَانَ الرَّاوِي من مشاهير أَصْحَابه لم يُؤثر الْإِنْكَار، وَإِلَّا

стр. 669

فَنقل ابْن برهَان عَن أَصْحَابنَا أَنه يرد، كَمَا ردوا حَدِيث أبي خَالِد الدالاني لَيْسَ الْوضُوء على من نَام قَائِما أَو قَاعِدا أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا وَإِنَّمَا الْوضُوء على من نَام مُضْطَجعا، لقَوْل أَحْمد: إِن الدالاني يزاحم أَصْحَاب قَتَادَة وَلَيْسَ مِنْهُم. قَالَ ابْن برهَان: وَمَا تخيلوه لَا يَصح، لِأَن الْغَرَض أَن النَّاقِل ثِقَة

стр. 670

عدل فَكيف يرد، وَغَايَة ذَلِك زِيَادَة ثِقَة، فاللائق بمذهبنا الرَّد. وَفِيه - أَي فِي هَذَا النَّوْع - صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب من حدث ونسى. وَفِيه مَا يدل على تَقْوِيَة الْمَذْهَب الصَّحِيح لكَون كثير مِنْهُم حدثوا بِأَحَادِيث فَلَمَّا عرضت عَلَيْهِم لم يتذكروها لكَوْنهم لاعتمادهم على الروَاة عَنْهُم صَارُوا يرونها عَن الَّذِي رَوَاهَا عَنْهُم عَن أنفسهم، كَحَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا الَّذِي أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَنهُ فِي قصَّة الشَّاهِد واليمن أَي / فِي أَنه قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين. قَالَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي بِفَتْح أَوله وَالرَّاء وَالْوَاو وَسُكُون الرَّاء الثَّانِيَة

стр. 671

(وَكسر الدَّال) الْمُهْملَة حَدثنِي بِهِ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح قَالَ فَلَقِيت بعد ذَلِك سهيلا، فَسَأَلته عَنهُ فَلم يعرفهُ، فَقلت: إِن ربيعَة حَدثنِي عَنْك بِكَذَا، فَكَانَ سُهَيْل بعد ذَلِك يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عَنى أَنِّي حدثته عَن أبي بِهِ. كَذَا حَكَاهُ المُصَنّف. قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ: إِن كَانَ هَذَا لفظ الْقِصَّة من غير تصرف فَكَانَ حق سُهَيْل أَن يَقُول حَدثنِي الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة عني أَنِّي حدثته عَن أبي. ونظائره كَثِيرَة. وَمن أَطْرَاف ذَلِك رِوَايَة الْخَطِيب عَن

стр. 672

مُعْتَمر بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدَّثتنِي أَنْت عني عَن أَيُّوب عَن الْحسن قَالَ: وَيْح كلمة رَحْمَة. قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - هَذَا مِثَال ظريف يجمع أنواعا مِنْهَا: ١ - رِوَايَة الْأَب عَن أبنه. ٢ - وَرِوَايَة الْأَكْبَر عَن الْأَصْغَر. ٣ - وَرِوَايَة التَّابِعِيّ عَن تابعيه. ٤ - وَرِوَايَة ثَلَاثَة تابعين بَعضهم عَن بعض. ٥ - وَأَنه حدث عَن وَاحِد عَن نَفسه. قَالَا: وَهَذَا فِي غَايَة الْحسن والغرابة، وَيبعد أَن يُوجد ذَلِك فِي حَدِيث آخر.

стр. 673

معرفَة المسلسل وَإِن اتّفق الروَاة فِي إِسْنَاد من الْأَسَانِيد فِي صِيغ الْأَدَاء: كسمعت فلَانا قَالَ سَمِعت فلَانا أَو حَدثنَا فلَان قَالَ حَدثنَا فلَان / وَغير ذَلِك من الصِّيَغ. أَو زمانها أَو مَكَانهَا أَو غَيرهَا من الْحَالَات القولية كسمعت فلَانا يَقُول: أشهد بِاللَّه لقد حَدثنِي فلَان. . إِلَى آخِره أَي يَقُول ذَلِك كل راو مِنْهُم من أول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره. مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة القولية: كَحَدِيث معَاذ بن جبل أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَهُ: يَا معَاذ إِنِّي أحبك فَقل فِي دبر كل صَلَاة: اللَّهُمَّ أَعنِي على شكرك وذكرك وَحسن عبادتك. فقد تسلسل بقول كل راو من

стр. 674

رُوَاته إِنِّي أحبك. مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة الفعلية: أَو الفعلية، كَقَوْلِه: دَخَلنَا على فلَان فأطعمنا تَمرا. . إِلَى آخِره. أَي قَالَ ذَلِك كل راو مِنْهُم من أول الْإِسْنَاد. . إِلَى آخِره. مِثَال التسلسل بأحوال الروَاة القولية والفعلية: أَو القولية والفعلية مَعًا، كَقَوْلِه: حَدثنِي فلَان وَهُوَ آخذ بلحيته قَالَ آمَنت بِالْقدرِ بِالتَّحْرِيكِ إِلَى آخِره أَي قَالَ كل مِنْهُم ذَلِك وَهُوَ آخذ بلحيته،

стр. 675

من الأول إِلَى الآخر. مِثَال للتسلسل بأحوال الروَاة الفعلية: وكحديث أبي هُرَيْرَة قَالَ: شَبكَ بيَدي أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ: خلق الله الأَرْض يَوْم السبت. . إِلَى آخِره. وَكَذَا الْعد والمصافحة والآخذ بِالْيَدِ وَوضع الْيَد على رَأس الرَّاوِي

стр. 676

وَنَحْو ذَلِك. فَهَذَا أَي هَذَا النَّوْع هُوَ الْمُسَمّى المسلسل وَقد يَقع التسلسل بِزَمن الْأَدَاء أَو مَكَانَهُ، فالمتعلق بِالْمَكَانِ كالمسلسل بإجابة الدُّعَاء بالملتزم، وَقد جمع النَّاس فِي المسلسلات كثيرا. وَهُوَ أَي المسلسل من صِفَات الْإِسْنَاد وأفضله مَا سلم من التَّدْلِيس، وَدلّ على الِاتِّصَال فِي السماع من أَوله / إِلَى آخِره. وَمن فَوَائده: اشتماله على زِيَادَة الضَّبْط، وقلما يسلم من خلل فِي التسلسل. وَقد يَقع التسلسل فِي مُعظم الْإِسْنَاد لَا فِي كُله فتنقطع السلسلة

стр. 677

فِي وَسطه أَو آخِره كَحَدِيث المسلسل بالأولية وَهُوَ حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو: الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن. فَإِن السلسلة فِيهِ تَنْتَهِي إِلَى سُفْيَان بن عيينه فَقَط وانقطعت فِيمَن فَوْقه هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمن رَوَاهُ مسلسلا من أَوله إِلَى منتهاه فقد وهم

стр. 678

قَالَ الْمُؤلف: قد رُوِيَ الحَدِيث المسلسل بالأولية من ثَلَاثَة طرق إِلَى منتهاه، والثلالثة وهم. قَالَ: وَأَصَح مسلسل يروي فِي الدُّنْيَا المسلسل بِقِرَاءَة سُورَة الصَّفّ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَكَذَا المسلسل بالحفاظ،

стр. 679

وَالْفُقَهَاء. بل قدم الْمُؤلف فِي هَذَا الْكتاب أَن المسلسل بالحفاظ مِمَّا يُفِيد الْعلم الْقطعِي.

стр. 680

معرفَة صِيغ الْأَدَاء ثمَّ شرع يتَكَلَّم على صِيغ الْأَدَاء، وأقسام النَّقْل وَهُوَ أَدَاء مَا تحمله مُقْتَصرا على الشايع عِنْد أهل الحَدِيث فَقَالَ: وصيغ الْأَدَاء الْمشَار إِلَيْهَا على ثَمَان مَرَاتِب على الْمَشْهُور عِنْد متأخري الْمُحدثين، وفيهَا خلاف طَوِيل الذيل لَكِن عمل الْمُتَأَخِّرين على أَنَّهَا ثَمَانِيَة فَقَط فَلذَلِك جزم بِهِ الْمُؤلف وَاقْتصر عَلَيْهِ. الأولى وَهِي أرفعها سَمِعت وحَدثني أَي قَول الرَّاوِي ذَلِك عَن شَيْخه سَوَاء كَانَ أصلا، أَو حَدِيثا من حفظه، أَو كِتَابه. وَإِنَّمَا كَانَ أرفعها / لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَقُول ذَلِك فِي الْإِجَازَة وَالْمُكَاتبَة، وَلَا فِي تَدْلِيس مَا لم يسمعهُ. ثمَّ يتلوها فِي الرُّتْبَة أَخْبرنِي وَهُوَ كثير فِي الِاسْتِعْمَال وقرأت عَلَيْهِ، وَهِي الْمرتبَة الثَّانِيَة من الثَّمَانِية.

стр. 681

ثمَّ يتلوها قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع وَهِي الْمرتبَة الثَّالِثَة، ثمَّ يتلوها أنبأني وَهِي الْمرتبَة الرَّابِعَة لِأَنَّهَا عِنْد الْمُتَقَدِّمين كالأخبار كَمَا سيجئ، لَكِن عَن كَذَلِك عِنْدهم أَيْضا. ثمَّ ناولني وَهِي الْمرتبَة الْخَامِسَة، ثمَّ شافهني أَي بِالْإِجَازَةِ وَهِي الْمرتبَة السَّادِسَة، ثمَّ كتب إِلَيّ أَي بِالْإِجَازَةِ وَهِي الْمرتبَة السَّابِعَة، ثمَّ عَن وَنَحْوهَا من الصِّيَغ المحتملة للسماع وللإجازة وَلعدم السماع ايضا. وَهَذَا مثل: قَالَ، وَذكر، وروى. فاللفظان الْأَوَّلَانِ من صِيغ الْأَدَاء وهما: سَمِعت وحَدثني صالحان لمن سمع وَحده من لفظ الشَّيْخ، وَتَخْصِيص الحَدِيث بِمَا سمع من لفظ الشَّيْخ هُوَ الشَّائِع بَين الْمُحدثين اصْطِلَاحا. أَرَادوا بِهِ التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ - أَعنِي التحديث والإخبار. وَلَا فرق بَين التحديث والإخبار من حَيْثُ اللُّغَة بل هما فِي اللُّغَة

стр. 682

بِمَعْنى وَاحِد وَفِي ادِّعَاء الْفرق بَينهمَا تكلّف شَدِيد فِيهِ عناد وَخلف وتعسف. لَكِن لما تقرر الِاصْطِلَاح أَي اصْطِلَاح الْمُحدثين صَار ذَلِك حَقِيقَة عرفيه فَتقدم على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة مَعَ أَن هَذَا الِاصْطِلَاح إِنَّمَا شاع عِنْد المشارقة / يَعْنِي الْجُمْهُور مِنْهُم وَمن تَبِعَهُمْ من المغاربة، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَمُسلم، وَابْن وهب وَأما غَالب المغاربة ومعظم الْحِجَازِيِّينَ وَمَالك فَلم يستعملوا هَذَا الِاصْطِلَاح وَلم يعرجوا عَلَيْهِ بل الْإِخْبَار والتحديث عِنْدهم بِمَعْنى وَاحِد. وَعَلِيهِ البُخَارِيّ. فَإِن جمع الرَّاوِي أَي أَتَى بِصِيغَة الْجمع فِي الصِّيغَة الأولى كَأَن يَقُول: حَدثنَا فلَان أَو سمعنَا فلَانا يَقُول فَهُوَ أَي فَذَلِك دَلِيل على أَنه سمع مِنْهُ مَعَ غَيره، وَقد تكون النُّون للعظمة لَكِن بقلة. فَأكْثر مَا يَقُوله الْمُنْفَرد حَدثنِي لدلالتها على أَن الشَّيْخ حَدثهُ وَحده، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِم وَسَبقه إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ فِي " الْعِلَل " حَيْثُ قَالَ: مَا قلت حَدثنَا

стр. 683

فَهُوَ مَا سَمِعت مَعَ النَّاس وَمَا قلت فِيهِ حَدثنِي فَهُوَ مَا سَمِعت وحدي. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمدْخل " وَهُوَ معني قَول الإِمَام الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - وَهُوَ حسن. وَخَالف فِي ذَلِك ابْن دَقِيق الْعِيد. فَإِن شكّ هَل كَانَ وَحده (أَو مَعَ غَيره) ؟ فَالْأَظْهر أَنه يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي لَا حَدثنَا أَو أخبرنَا لِأَن الأَصْل عدم غَيره. وأولها - أَي الْمَرَاتِب - أصرحهَا أَي أصرح صِيغ الْأَدَاء فِي سَماع قَائِلهَا لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل الْوَاسِطَة. كَمَا ذكره الْخَطِيب، فَلَا يُطلق على الْإِجَازَة غَالِبا وَلَكِن حَدثنِي قد يُطلق فِي الْإِجَازَة تدليسا. قَالَ المُصَنّف

стр. 684

فِي " تَقْرِيره ": هَذَا يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم فِي قصَّة الرجل الَّذِي يقْتله الدَّجَّال ثمَّ يحييه فَيَقُول عِنْد ذَاك: أشهد أَنَّك الرجل الَّذِي حَدثنَا رَسُول الله عَنْك، وَمَعْلُوم أَن هَذَا الرجل لم يسمع من رَسُول الله وَإِنَّمَا يُرِيد بحدثنا جمَاعَة الْمُسلمين انْتهى. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بإن هَذَا يدل على جَوَاز الْإِطْلَاق لَا على الْإِطْلَاق تدليسا المستشهد عَلَيْهِ بِمَا ذكره فَلَا يَصح استدلاله.

стр. 685

وأرفعها مِقْدَارًا مَا يَقع فِي الْإِمْلَاء لما فِيهِ من التثبت والتحفظ أَي الِاحْتِرَاز وهوأن الشَّيْخ يتثبت ويتحفظ ويتحرز فِيمَا يمليه، وَالْكَاتِب يتَحَقَّق مَا يسمعهُ مِنْهُ ويكتبه كَمَا سَمعه. وَالثَّالِث أَي من الصِّيَغ لَا من الْمَرَاتِب وَهُوَ أَخْبرنِي. وَالرَّابِع: وَهُوَ قَرَأت لمن قَرَأَ بِنَفسِهِ على الشَّيْخ. ويسميها أَكثر الْمُحدثين عرضا من حَيْثُ أَن الْقَارئ يعرض على الشَّيْخ مَا يقرره كَمَا يعرض الْقُرْآن على الْمُقْرِئ. لَكِن قَالَ الْمُؤلف فِي " شرح البُخَارِيّ ": بَين الْقِرَاءَة وَالْعرض عُمُوم وخصوص، لِأَن الطَّالِب إِذا قَرَأَ كَانَ أَعم من الْعرض وَغَيره، وَلَا يَقع الْعرض إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ على الشَّيْخ سَوَاء أَقرَأ هُوَ أَو غَيره، لِأَن الْعرض عبارَة عَمَّا يُعَارض بِهِ الطَّالِب أصل شَيْخه مَعَه، أَو مَعَ غَيره بِحَضْرَتِهِ. وَسَوَاء كَانَ الشَّيْخ يحفظه أَو ثِقَة غَيره، وَالرِّوَايَة بِهَذَا الْقسم / صَحِيحَة اتِّفَاقًا خلافًا لمن لم يعْتد بِهِ.

стр. 686

فَإِن جمع الرَّاوِي كَأَن يَقُول أخبرنَا أَو قَرَأنَا عَلَيْهِ فَهُوَ كالخامس وَهُوَ: قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع وَعرف من هَذَا أَن التَّعْبِير بقرأ لمن قَرَأَ خير من التَّعْبِير بالإخبار لِأَنَّهُ أفْصح بِصُورَة الْحَال. تَنْبِيه: الْقِرَاءَة على الشَّيْخ أحد وُجُوه التَّحَمُّل عِنْد الْجُمْهُور وَهُوَ القَوْل الْمَشْهُور الْمَنْصُور الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل. وَأبْعد من أَبى ذَلِك من أهل الْعرَاق، وَقد اشْتَدَّ إِنْكَار الإِمَام مَالك وَغَيره من الْمَدَنِيين عَلَيْهِم فِي ذَلِك، حَتَّى بَالغ بَعضهم فرجحها على السماع من لفظ الشَّيْخ. وَذهب جمع جم مِنْهُم البُخَارِيّ وَحَكَاهُ فِي أول صَحِيحه عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة إِلَى أَن السماع من لفظ الشَّيْخ، وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ يَعْنِي فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة سَوَاء. وَالْحَاصِل أَن فِي الْمَسْأَلَة أقوالا: ١ - الأول: أَنَّهُمَا سَوَاء، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأَصْحَابه وأشياخه

стр. 687

وغالب عُلَمَاء الْحجاز، وَالْبُخَارِيّ. وَرجحه الزَّرْكَشِيّ فِي طَائِفَة. وَحَكَاهُ الصَّيْرَفِي عَن الإِمَام الشَّافِعِي. وَنقل تَرْجِيحه عَن جُمْهُور المشارقة. وَجرى على تَرْجِيحه ابْن الْجَزرِي، وَاعْتَمدهُ السخاوي. ٢ - الثَّانِي: أَنَّهَا فَوق السماع، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب وَطَائِفَة إِلَى أَنَّهَا فَوق السماع. وروى عَن مَالك تقويته، فَإِن الشَّيْخ رُبمَا سهى أَو غلط فِيمَا يقرره فَلَا يرد عَلَيْهِ السَّامع لجهله أَو لهيبة الشَّيْخ / فَيجْعَل الْخَطَأ صَوَابا، وَإِذا قَرَأَ الطَّالِب فسهى أَو أَخطَأ رد عَلَيْهِ الشَّيْخ أَو غَيره.

стр. 688

٣ - الثَّالِث: أَنَّهَا دونه، وَعَلِيهِ بعض المشارقة، قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - وَهُوَ الصَّحِيح. قَالَ صَاحب " البديع " بعد اخْتِيَاره للْأولِ: وَمحل الْخلاف مَا إِذا قَرَأَ الشَّيْخ من كِتَابه لِأَنَّهُ قد يسهو، فَلَا فرق بَينه وَبَين الْقِرَاءَة عَلَيْهِ، أما إِن قَرَأَ الشَّيْخ من حفظه فَهُوَ أَعلَى اتِّفَاقًا. وَاخْتَارَ الْمُؤلف أَن مَحل تَرْجِيح (السماع) مَا إِذا اسْتَوَى الشَّيْخ والطالب أَو كَانَ الطَّالِب أعلم لِأَنَّهُ أوعى لما يسمع، فَإِن كَانَ مفضولا فقرآته أولى لِأَنَّهَا أضبط لَهُ. قَالَ: وَلِهَذَا كَانَ السماع من لَفظه فِي الْإِمْلَاء أرفع الدَّرَجَات لما يلْزم مِنْهُ من تَحْرِير الشَّيْخ والطالب. تَنْبِيه: إِذا قَرَأَ الطَّالِب إِسْنَاد شَيْخه بِالْكتاب أَو الْجُزْء

стр. 689

فَقَالَ فِي أول كل حَدِيث إِذا انْتهى مَا قبله: وَبِه قَالَ حَدثنَا ليَكُون كَأَنَّهُ أسْندهُ لصَاحبه فِي كل حَدِيث. وَقَالَ فِي كل مجْلِس لشيخه: وبسندكم الْمَاضِي إِلَى فلَان اي صَاحب الْكتاب قَالَ حَدثنَا. وَجَرت الْعَادة بإفادة السَّنَد يَوْم ختم الْكتاب لأجل من يَتَجَدَّد. (وَلما أنهى المُصَنّف الْكَلَام على صِيغ الْأَدَاء وَالسَّمَاع وَالْقِرَاءَة على الشَّيْخ شرع يبين صِيغ الْإِجَازَة) . والإنباء من حَيْثُ اللُّغَة واصطلاح الْمُتَقَدِّمين بِمَعْنى الْإِخْبَار إِلَّا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ للإجازة. تَنْبِيه: قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ " الْمنْهَج ": الْإِجَازَة من التَّجَوُّز وَهُوَ التَّعَدِّي

стр. 690

فَكَأَنَّهُ عدى رِوَايَته حَتَّى أوصلها للراوي عَنهُ. وَقَالَ الشمني: هِيَ اصْطِلَاحا إِذن فِي الرِّوَايَة لفظا / أَو خطأ يُفِيد الْإِخْبَار الإجمالي عرفا، وأركانها أَرْبَعَة مجيز، ومجاز لَهُ، ومجاز بِهِ، وَلَفظ الْإِجَازَة. قَالَ البُلْقِينِيّ: وَلَا يشْتَرط قبُولهَا. قَالَ الْمُؤلف: والطبقة المتوسطة بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين لَا يذكرُونَ الإنباء إِلَّا مُقَيّدا بِالْإِجَازَةِ، فَلَمَّا كثر واشتهر اسْتغنى الْمُتَأَخّرُونَ عَن ذكره. وَهَذَا كعن، فَإِنَّهَا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين للإجازة قَالَ الشَّيْخ قَاسم: الْمقَام مقَام الْإِخْبَار لتقدم ذكرهم فَهُوَ أخصر. اه.

стр. 691

عِنْد الْمُتَقَدِّمين. وعنعنة المعاصر مَحْمُولَة على السماع عِنْد الْمُتَقَدِّمين كمسلم، وَادّعى فِيهِ الْإِجْمَاع وَبِخِلَاف غير المعاصر فَإِنَّهَا تكون مُرْسلَة أَو مُنْقَطِعَة. وَشرط حملهَا على السماع ثُبُوت المعاصرة إِلَّا من المدلس فَإِنَّهَا غير مَحْمُولَة على السماع. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله وَشرط حملهَا. . إِلَى آخِره زِيَادَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذكرت لأجل الِاسْتِثْنَاء الَّذِي فِي الْمَتْن مَعَ تقدم قَوْله بِخِلَاف غير المعاصر فَلَو آخر كَانَ أولى. انْتهى. أما مَا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فالعنعنة للإجازة. وَقيل: يشْتَرط فِي حمل عنعنة المعاصر على السماع ثُبُوت

стр. 692

لقائهما - أَي الشَّيْخ والراوي عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِدَة، ليحصل على الْأَمْن من بَاقِي معنعنة عَن كَونه من الْمُرْسل الْخَفي. فَإِذا لم يعلم لقاؤه لَا يكون حجَّة حَتَّى يَأْتِي بِلَفْظ سَماع أَو حَدِيث. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله ليحصل الْأَمْن. . إِلَى آخِره تقدم مَا فِيهِ فَليُرَاجع. اه بِهَذَا. وَهُوَ الْمُخْتَار تبعا لعَلي ابْن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ / وَغَيرهمَا من النقاد. لَان العنعنة لَا تَقْتَضِي السماع، لَكِن إِذا ثَبت اللِّقَاء ترجح. كَذَا ذكره الْمُؤلف. وَاعْترض: بِأَنَّهُ يلْزمه عدم تَرْجِيح كتاب البُخَارِيّ بِهَذَا الشَّرْط على كتاب مُسلم إِذْ احْتِمَال عدم سَماع من لَقِي جَار فِي مروياته لاحْتِمَال عدم سَماع من عاصر وَلم يثبت لقاؤه وَلَا عَدمه، فالرافع للاحتمال فِي الأول رَافع للثَّانِي. ورد: بِأَنَّهُ لَا يُنَازع فِي الأرجحية بِهَذَا إِلَّا مكابر.

стр. 693

وأطلقوا أَي أطلق الْمُتَأَخّرُونَ - وهم كَمَا قَالَ الشمني - من بعد الْخَمْسمِائَةِ المشافهة فِي الْإِجَازَة المتلفظ بهَا تجوزا فَيَقُولُونَ: أخبرنَا فلَان بمشافهة أَو شافهني فلَان بِكَذَا وَكَذَا أطْلقُوا - أَيْضا - الْمَكْتُوب فِي الْإِجَازَة المكتبة بهَا تجوزا فَيَقُولُونَ: أخبرنَا فلَان مُكَاتبَة أَو كِتَابَة أَو فِي كِتَابَة. قَالَ بَعضهم: فِي رثبات كَذَا تَغْيِير إِعْرَاب الْمَتْن. وَهُوَ مَوْجُود فِي عبارَة كثير من الْمُتَأَخِّرين بِخِلَاف الْمُتَقَدِّمين فَإِنَّهُم إِنَّمَا يطلقونها فِيمَا كتب بِهِ الشَّيْخ من الحَدِيث إِلَى الطَّالِب، سَوَاء أذن لَهُ فِي رِوَايَته أم لَا؟ لَا فِيمَا إِذا كتب إِلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ فَقَط. وَرَأى الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: أَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تسلم من طرق

стр. 694

من التَّدْلِيس، أما المشافهة فَلِأَنَّهَا لمشافهته بِالتَّحْدِيثِ، وَأما الْكِتَابَة فلإيهامها الْكِتَابَة بِنَفس الحَدِيث كَمَا يَفْعَله المتقدمون اه. يكْتب الْمُحدث مِنْهُم إِلَى آخر بِأَحَادِيث يذكر يذكر أَنه سمع من فلَان / كَمَا رسمها فِي الْكتاب. وَقد نَص الْحَافِظ الْهَمدَانِي على منع ذَلِك لإبهامه. الْمُكَاتبَة: وَاعْلَم أَن من طرق التَّحَمُّل أَن يكْتب الشَّيْخ شَيْئا من حَدِيث بِخَطِّهِ، أَو يَكْتُبهُ غَيره بِإِذْنِهِ ثمَّ يُرْسِلهُ ذَلِك الشَّيْخ إِلَى شخص غَائِب وَلَو عَن مَجْلِسه فيرويه عَنهُ بذلك. وَقد اخْتلف فِي الصِّيغَة الَّتِي يُؤَدِّي بهَا ذَلِك الشَّخْص، فَاخْتَارَ الْحَاكِم وأئمة عصره أَن يَقُول فِيمَا كتب إِلَيْهِ الْمُحدث من

стр. 695

مدينته وَلم يشافهه بِالْإِجَازَةِ: كتب إِلَيّ فلَان. وَذهب جمع مِنْهُم اللَّيْث إِلَى جَوَاز إِطْلَاق حَدثنَا وَأخْبرنَا. وَالصَّحِيح أَن يُقيد ذَلِك بِالْكِتَابَةِ فَيُقَال: حَدثنَا أَو أخبرنَا كِتَابَة، أَو كتب إِلَيّ، وَنَحْو ذَلِك. المناولة: من طرق التَّحَمُّل - أَيْضا - المناولة وَصورتهَا: أَن يدْفع الشَّيْخ أصل سَمَاعه أَو فرعا مُقَابلا بِهِ إِلَى الطَّالِب، أَو يحضر الطَّالِب الأَصْل إِلَى الشَّيْخ وَيَقُول لَهُ الشَّيْخ: هَذَا روايتي عَن فلَان، أَو عَمَّن ذكر فِيهِ فاروه عني، أَو أجزتك بِهِ. فلَان من ذكر ذَلِك فِي الرِّوَايَة كَمَا قَالَ. واشترطوا فِي صِحَة الرِّوَايَة بالمناولة اقترانها بِالْإِذْنِ بالرواية، وَهِي إِذا حصل هَذَا الشَّرْط أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة مُطلقًا لما فِيهَا من التَّعْيِين والتشخيص للمروي والراوي، كَمَا حكى عِيَاض الِاتِّفَاق عَلَيْهِ حَتَّى

стр. 696

قَالَ جمع مِنْهُم مَالك: إِنَّهَا بِمَنْزِلَة السماع. وَنقل أبن الْأَثِير فِي " مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول ": إِن من الْمُحدثين من ذهب إِلَى أَنَّهَا أرجح (من السماع) . لِأَن الثِّقَة بِكِتَاب الشَّيْخ مَعَ / إِذْنه فَوق الثِّقَة بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وَأثبت لما يدْخل من الْوَهم على السماع والمسمع. وَصورتهَا أَن يدْفع الشَّيْخ أَصله أَي أصل سَمَاعه أَو مَا قَامَ مقَامه من فرع مُقَابل لَهُ للطَّالِب، أَو يحضر الطَّالِب الأَصْل للشَّيْخ. فيتناوله مِنْهُ، ويتأمله تأملا شافيا ثمَّ يناوله للطَّالِب وَيَقُول لَهُ أَي الشَّيْخ للطَّالِب فِي الصُّورَتَيْنِ هَذَا روايتي عَن فلَان أَو عَمَّن ذكر فِيهِ فاروه عني أَو وَقد أجزتك بِهِ فَلَا بُد من ذكر أحد هذَيْن اللَّفْظَيْنِ. وَشَرطه أَيْضا أَي صِحَة الرِّوَايَة بالمناولة أَن يُمكنهُ مِنْهُ: إِمَّا

стр. 697

بالتمليك، وَإِمَّا بالعارية لينقل مِنْهُ ويقابل عَلَيْهِ. أما إِذا نَاوَلَهُ واسترد فِي الْحَال فَلَا يتَبَيَّن لَهَا مزية على الرجازة الْمعينَة وَهِي أَن يُجِيزهُ الشَّيْخ بِرِوَايَة كتاب معِين. كالبخاري - مثلا - أَو جَمِيع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ. ويعين لَهُ كَيْفيَّة رِوَايَته لَهُ. وَإِذا كَانَت المناولة كَذَلِك لَا تكون أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة. وَأما إِذا نَاوَلَهُ الطَّالِب نُسْخَة سَمَاعه، فَنَاوَلَهُ الشَّيْخ إِيَّاهَا من غير نظر وَلَا تَأمل وَلَا تحقق لسماعه، فَإِن كَانَ الشَّيْخ يَثِق بالطالب أَو قَالَ لَهُ حدث عني بِمَا فِيهِ إِن كَانَ روايتي مَعَ براءتي من الْغَلَط فصحيحة، وَإِلَّا فَلَا. وَإِذا خلت المناولة عَن الْإِذْن أَي إِذن الشَّيْخ فِي الرِّوَايَة عَنهُ لم يعْتد بهَا عِنْد الْجُمْهُور الَّذِي رَجحه النَّوَوِيّ وَغَيره، لَكِن ذهب جمع من أهل الْأُصُول مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ إِلَى مُقَابلَته / لِأَنَّهَا لَا

стр. 698

تَخْلُو من إِشْعَار بِالْإِذْنِ. وجنح من اعتبرها من هَؤُلَاءِ إِلَى أَن مناولته إِيَّاه يقوم مقَام إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب أَي إرْسَال الْكتاب الَّذِي كتبه الشَّيْخ بِالْإِجَازَةِ إِلَيْهِ من بلد إِلَى بلد قَالَ الْمُؤلف: وَالْمرَاد بِالْكتاب الشَّيْء الْمَكْتُوب، (فَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالْكتاب) . وَقد ذهب إِلَى صِحَة الرِّوَايَة (بِالْكتاب) الْمُجَرَّدَة عَن المناولة وَغَيرهَا جمَاعَة (من الْأَئِمَّة) وَلَو لم يقْتَرن ذَلِك بِالْإِذْنِ بالرواية وَكَأَنَّهُم اكتفوا فِي ذَلِك بِالْقَرِينَةِ. وَلم يظْهر لي فرق قوي بَين مناولة الشَّيْخ الْكتاب من يَده للطَّالِب وَبَين إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب من مَوضِع إِلَى آخر إِذا خلا كل مِنْهُمَا عَن الْإِذْن. وَفصل الزَّرْكَشِيّ تَفْصِيلًا حسنا فَقَالَ: إِن كَانَت المناولة جَوَابا لسؤال كَأَن قَالَ: ناولني الْكتاب لأروية. فَنَاوَلَهُ لَهُ وَلم يُصَرح

стр. 699

بِالْإِذْنِ صحت، وَجَاز لَهُ أَن يرويهِ عَنهُ لِأَنَّهُ أبلغ من الْخط وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَا لَو قَالَ: حَدثنِي بِمَا سَمِعت من فلَان فَقَالَ هَذَا سَمَاعي مِنْهُ، فَإِن نَاوَلَهُ الْكتاب وَلم يُخبرهُ أَنه سَمَاعه لم تجز الرِّوَايَة بِهِ اتِّفَاقًا. اه. وَحَيْثُ صحت الرِّوَايَة بالمناولة لَا تُؤَدّى عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا بِلَفْظ يشْعر بهَا كناولني أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي فلَان مناولة. وَجوز مَالك كالزهري إِطْلَاق حَدثنَا أَو أخبرنَا، وَالْأول هُوَ الصَّحِيح. الوجادة: وَكَذَا اشترطوا الْإِذْن فِي / الوجادة وَهِي بِكَسْر الْوَاو اسْم لما أَخذ من الْعلم مصدر لوجد غير مسموع قِيَاسا. والوجادة اصْطِلَاحا: وجدان شَيْء من علم أَنه بِخَط رَاوِيه أَو مصنفة كَمَا قَالَ: وَهِي أَن يجد بِخَط يعرف كَاتبه فَيَقُول وجدت بِخَط فلَان. أَو قَرَأت فِيهِ كَذَا فَلَا يسوغ فِيهِ إِطْلَاق: أَخْبرنِي بِمُجَرَّد ذَلِك إِلَّا إِن كَانَ لَهُ مِنْهُ إِذن بالرواية عَنهُ. وَأطلق قوم ذَلِك فغلطوا.

стр. 700

الْوَصِيَّة: وَكَذَا الْوَصِيَّة بِالْكتاب قَالَ بَعضهم: كَانَ يَنْبَغِي إِثْبَات فِي بعد قَوْله وَكَذَا ليستقيم الْكَلَام فِي إِعْرَاب الْمَتْن وَهُوَ أَن يُوصي عِنْد مَوته، أَو سَفَره، بِأَصْلِهِ أَو بأصوله يَعْنِي بِكِتَاب يرويهِ أَو كتب يَرْوِيهَا فقد قَالَ قوم من الْمُتَقَدِّمين يَعْنِي السّلف يجوز لَهُ أَن يروي تِلْكَ الْأُصُول عَنهُ بِمُجَرَّد هَذِه الْوَصِيَّة، وأباه الْجُمْهُور أنكان لَهُ مِنْهُ اجازة فَوجه عِيَاض الصِّحَّة بإنه مُتَضَمّن مُتَضَمّن للْإِذْن، وَفِيه شبه من الْعرض والمناولة. قَالَ ابْن الصّلاح: وَالْقَوْل بجوازها مُطلقًا زلَّة عَالم، أَو مَحْمُول على أَنه أَرَادَ رِوَايَته على سَبِيل الوجادة اه. فقد سُئِلَ ابْن سِيرِين عَنْهَا فجوزها ثمَّ تردد وَقَالَ للسَّائِل: لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك. الْإِعْلَام: وَكَذَا اشترطوا الْإِذْن بالرواية فِي الْإِعْلَام وَهُوَ: أَن يعلم الشَّيْخ أحد الطّلبَة بأنني أروي الْكتاب الْفُلَانِيّ عَن فلَان /. أَو هَذَا الْكتاب

стр. 701

عَن فلَان فَإِن كَانَ لَهُ مِنْهُ إجَازَة صحت الرِّوَايَة وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بذلك. عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ابْن الصّلاح: وَغير مستبعد تَصْحِيح ذَلِك بِمُجَرَّد هَذَا الْإِعْلَام لِأَن الْقِرَاءَة على الشَّيْخ - مَعَ أَنه لم يتَلَفَّظ بِمَا قرئَ عَلَيْهِ - جعلت إِخْبَارًا مِنْهُ بذلك. كالاجازة الْعَامَّة أَي كَمَا أَنه لَا عِبْرَة بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة فِي الْمجَاز لَهُ لَا فِي الْمجَاز بِهِ، كَأَن يَقُول: أجزت لجَمِيع الْمُسلمين وَلمن أدْرك حَياتِي. أَو لكل أحد، أَو لأهل زماني أَو لأهل الأقليم الْفُلَانِيّ، أَو لأهل الْبَلَد الْفُلَانِيَّة وَهُوَ أَي وَهَذَا الْأَخير كَمَا قَالَه الْكَمَال بن أبي شرِيف أقرب إِلَى الصِّحَّة لقرب الانحصار وصححها مُطلقًا القَاضِي أَبُو الطّيب، والخطيب وَشبههَا بِالْوَقْفِ على بني تَمِيم

стр. 702

أَو قُرَيْش، واستعملها جمَاعَة كَمَا قَالَه السخاوي، وَمحل الْخلاف إِذا لم يُقَيِّدهُ بِوَصْف خَاص وَإِلَّا كأجزت طلبة الْعلم بِبَلَد كَذَا، وَمن قَرَأَ عَليّ فَتَصِح لِأَنَّهُ مَحْصُور مَوْصُوف كَقَوْلِه لأَوْلَاد فلَان، أَو لأخوة فلَان بِخِلَاف مَا لَا حصر فِيهِ كَأَهل بلد كَذَا فَإِنَّهُ كالعامة الْمُطلقَة، وَقد أفرد الْقُسْطَلَانِيّ فِي هَذَا النَّوْع بتأليف مُسْتَقل. وَمثل ذَلِك: أهل مَذْهَب معِين. وَكَذَا الْإِجَازَة للْمَجْهُول كَأَن يكون مُبْهما كجماعة أَو مهملا كمحمد. كَذَا شَرحه الْكَمَال ابْن أبي شرِيف /. وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: تقدم أَن الْمُبْهم من لم يسم، والمهمل من سمي وَلم يتَمَيَّز. وَقَالَ الشّرف الْمَنَاوِيّ عِنْد قَوْله مُبْهما (أَو مهملا) : أَي كأجزت

стр. 703

لرجل أَو جمَاعَة، أَو لمُحَمد الْمصْرِيّ مثلا وَثمّ جمَاعَة يعْرفُونَ بذلك وَلم يَتَّضِح المُرَاد فباطلة لعدم الْوُصُول لمعْرِفَة الْمجَاز لَهُ. وَكَذَا الْإِجَازَة للمعدوم كَأَن يَقُول: أجزت لمن سيولد لفُلَان. أَو لطلبة الْعلم بِبَلَد كَذَا مَتى كَانُوا، وَلكُل من دخل بلد كَذَا من طلبة الْعلم، فَهِيَ بَاطِلَة على مَا اخْتَارَهُ الْمُؤلف تبعا للماوردي - رَحمَه الله تَعَالَى - وَابْن الصّباغ وَابْن الصّلاح لِأَن الْإِجَازَة إِخْبَار إجمالي بالمجاز بِهِ، فَكَمَا لَا يَصح الْإِخْبَار للمعدوم لَا يَصح الْإِجَازَة لَهُ. وَقد قيل: إِن عطفت على مَوْجُود صَحَّ، كَأَن يَقُول: أجزت لَك، وَلمن سيولد لَك. أَو لَك ولعقبك من بعْدك مَا تَنَاسَلُوا فصح قِيَاسا على الْوَقْف، وَاعْتمد ذَلِك الْقُسْطَلَانِيّ فِي الْمنْهَج تبعا لجمع قَالَ الْمُؤلف: وَالْأَقْرَب عدم الصِّحَّة أَيْضا. وَمَا بَحثه صرح بِهِ القَاضِي.

стр. 704

أَبُو الطّيب وَغَيره، لِأَن الْإِجَازَة فِي حكم الْإِخْبَار فَكَمَا لَا يَصح الْإِخْبَار للمعدوم لَا تصح الْإِجَازَة لَهُ. وَكَذَا الْإِجَازَة لموجود، أَو مَعْدُوم علقت بِشَرْط مَشِيئَة الْغَيْر، كَأَن يَقُول: أجزت لَك إِن شَاءَ فلَان، أَو أجزت لمن يَشَاء فلَان. فَإِنَّهَا لَا تصح لما فِيهَا من الْجَهَالَة وَتَعْلِيق بِشَرْط وَهُوَ / أَدخل فِي ضرب الْإِجَازَة المجهولة فَلَا تصح وفَاقا للْقَاضِي أبي الطّيب. وَخِلَافًا لأبي يعلى الْحَنْبَلِيّ، وأبى الْفضل الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَا: إِن الْجَهَالَة ترْتَفع عِنْد وجود الْمَشِيئَة وَيتَعَيَّن الْمجَاز لَهُ عِنْدهَا. إِلَّا أَن يَقُول أجزت لَك إِن شِئْت. أَو أردْت، أَو أجبْت، أَو

стр. 705

أجزت لفُلَان كَذَا إِن شَاءَ رِوَايَته عني فَإِنَّهَا لَا تبطل بل تصح. وَهَذَا على الْأَصَح فِي جَمِيع ذَلِك عِنْد جُمْهُور الْمُحدثين وَمُقَابل الْأَصَح مَا ذكره بقوله وَقد جوز الرِّوَايَة بِجَمِيعِ ذَلِك - سوى الْمَجْهُول مَا لم يتَبَيَّن المُرَاد مِنْهُ - الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَحَكَاهُ عَن جمَاعَة من مشايخه. وَاسْتعْمل الْإِجَازَة للمعدوم من القدماء لَكِن على سَبِيل الْقلَّة كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤلف (أَبُو بكر بن أبي دَاوُد، وَأَبُو عبد الله بن مَنْدَه وَابْن أبي شيبَة وَاسْتعْمل الْمُعَلقَة مِنْهُم - أَيْضا -) أَبُو
следующие страницы →