← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجنة المناظر وَلَيْسَ من شَرط التَّوَاتُر أَن يكون المخبرون مُسلمين وَلَا عُدُولًا لِأَن إفضاءه إِلَى الْعلم من حَيْثُ إِنَّهُم مَعَ كثرتهم لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاعهم على الْكَذِب وتواطؤهم عَلَيْهِ وَيُمكن ذَلِك من الْكفَّار كإمكانه من الْمُسلمين اهـ وَقَالَ الْحلِيّ فِي النِّهَايَة وَشرط بَعضهم الْإِسْلَام وَالْعَدَالَة لِأَن الْكفْر عرضة للكذب والتحريف وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة ضَابِط الصدْق وَلِهَذَا اعْتبر إِجْمَاع الْمُسلمين دون غَيرهم وَلِأَنَّهُ لَو وَقع الْعلم عقيب إِخْبَار الْكفَّار لوقع عِنْد إِخْبَار النَّصَارَى مَعَ كثرتهم عَن قتل الْمَسِيح وصلبه وَهُوَ غلط فَإِن الْعلم قد يحصل عِنْد خبر الْكفَّار إِذا عرف انْتِفَاء الدَّاعِي إِلَى الْكَذِب كَمَا لَو اخبر أهل بلد كافرون بقتل ملكهم وَالْإِجْمَاع اخْتصَّ بِالْمُسْلِمين عِنْد بَعضهم لاستفادته من السّمع الْمُخْتَص بِإِجْمَاع الْمُسلمين وإخبار النَّصَارَى غير متواتر لقتلهم فِي المبدأ وَاعْلَم أَنه قد وَقع فِي هَذَا الْموضع اضْطِرَاب فِي كَلَام بعض الْمُتَأَخِّرين من إِذا بحث فِي مَسْأَلَة ذهل عَمَّا يتَعَلَّق بهَا مِمَّا ذكر فِي مَحل آخر فَاقْتضى الْحَال التَّنْبِيه على أُمُور الْأَمر الأول شرطُوا فِي الرَّاوِي أَن يكون مُسلما فَإِن كَانَ كَافِرًا لم تقبل رِوَايَته هَذَا إِذا كَانَ من غير أهل الْقبْلَة وَقد صرح كثير من عُلَمَاء الْأُصُول بانعقاد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ قَالَ فِي النِّهَايَة أجمع الْعلمَاء على عدم قبُول رِوَايَة الْكَافِر الَّذِي لَا يكون من أهل الْقبْلَة سَوَاء علم مِنْهُ الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب أَو لَا وَقَالَ غَيره اتّفق أَئِمَّة الحَدِيث وأصول الْفِقْه على اشْتِرَاط إِسْلَام الرَّاوِي حَال رِوَايَته وَإِن لم يكن مُسلما حَال تحمله

стр. 107

وَقَالَ عضهم لَا يقبل خبر الْكَافِر لوُجُوب التثبت عِنْد خبر الْمُسلم الْفَاسِق فليزم بطرِيق الأولى عدم اعْتِبَار خَبره وَقيل إِن الْفَاسِق يَشْمَل الْكَافِر وَأما قبُول شَهَادَته فِي الْوَصِيَّة مَعَ أَن الرِّوَايَة أَضْعَف من الشَّهَادَة فَذَلِك بِنَصّ خَاص وَيبقى الْعَام مُعْتَبرا فِي الْبَاقِي وَقد أبان بَعضهم سَبَب رد رِوَايَة الْكَافِر بطرِيق سهل المسلك فَقَالَ لَيْسَ الْإِسْلَام بِشَرْط لثُبُوت الصدْق إِذْ الْكفْر لَا يُنَافِي الصدْق لِأَن الْكَافِر إِذا كَانَ مترهبا عدلا فِي دينه مُعْتَقدًا لحُرْمَة الْكَذِب تقع الثِّقَة بِخَبَرِهِ كَمَا لَو أخبر عَن أَمر من أُمُور الدُّنْيَا بِخِلَاف الْفَاسِق فَإِن جراءته على فعل الْمُحرمَات مَعَ اعْتِقَاد تَحْرِيمهَا تزيل الثِّقَة عَن خبْرَة وَلَكِن اشْتِرَاط الْإِسْلَام بِاعْتِبَار أَن الْكفْر يُورث تُهْمَة زَائِدَة فِي خَبره تدل على كذبه لِأَن الْكَلَام فِي الاخبار الَّتِي تثبت بهَا أَحْكَام الشَّرْع وهم يعادوننا فِي الدّين أَشد الْعَدَاوَة فتحملهم المعاداة على السَّعْي فِي هد أَرْكَان الدّين بِإِدْخَال مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله عز ذكره ﴿لَا يألونكم خبالا﴾ أَي لَا يقصرون فِي الْإِفْسَاد عَلَيْكُم وَقد ظهر مِنْهُم هَذَا بطرِيق الكتمان فَإِنَّهُم كتوا نعت رَسُول الله ﷺ ونبوته من كِتَابهمْ بعد أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم بِإِظْهَار ذَلِك فَلَا يُؤمن من ان يقصدوا مثل ذَلِك بِزِيَادَة هِيَ كذب لَا أصل لَهُ بطرِيق الرِّوَايَة بل هَذَا هُوَ الظَّاهِر فَلهَذَا شرطنا الْإِسْلَام فِي الرَّاوِي فَتبين بِهَذَا ان رد خبر الْكَافِر لَيْسَ لعين الْكفْر بل لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي خَبره وَهُوَ المعاداة بِمَنْزِلَة شَهَادَة الْأَب لوَلَده فَإِنَّهَا لَا تقبل لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي شَهَادَته وَهُوَ الشَّفَقَة والميل إِلَى الْوَلَد طبعا اهـ

стр. 108

وَالنَّص الَّذِي أُشير إِلَيْهِ آنِفا فِي قبُول شَهَادَة غير الْمُسلم فِي الْوَصِيَّة وَالسّفر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ وَهَذَا إِنَّمَا يجْرِي على مَذْهَب من يَقُول إِن ذَلِك لم ينْسَخ وَلم يؤول الْآيَة بالتأويل الَّذِي ذكره ابْن حزم فِي الْأَحْكَام وانحى على صَاحبه بالملام قَالَ فِي فصل أتم بِهِ الْكَلَام فِي الرَّد على قوم ادعوا تعَارض النُّصُوص وَقَالُوا نرجح أحد النصين بِأَن يكون أَحدهمَا أبعد من الشناعة ومثلوا ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ مَعَ قَوْله ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ قَالَ عَليّ وَهَذَا لَا معنى لَهُ وَلَا شناعة إِلَّا الْمُخَالفَة لله وَلِرَسُولِهِ وَالْحكم بالآراء الْفَاسِدَة على مَا امرنا بِهِ فَهَذِهِ هِيَ الشنعة الَّتِي لَا شنعة غَيرهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ مُسْتَثْنى من آيَة النَّهْي عَن قبُول خبر الْفَاسِق فَلَا يقبل فَاسق أصلا إِلَّا فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر ففقط فغنه يقبل فِيهَا كَافِرَانِ خَاصَّة دون سَائِر الْفُسَّاق وَلَا شنعة أعظم وَلَا أفحش وَلَا أقبح وَلَا أظهر بطلانا من قَول من قَالَ ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ أَي من غير قبيلتكم تَعَالَى الله عَن هَذَا الهذر علوا كَبِيرا وليت شعري أَي قَبيلَة خَاطب الله بِهَذَا الْخطاب خَاصَّة دون سَائِر الْقَبَائِل وَقد قَالَ تَعَالَى فِي أول الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ وَمَا علمنَا الَّذين آمنُوا قَبيلَة بِعَينهَا بل الَّذين آمنُوا عرب وَفرس وقبط ونبط وروم وصقلب وخزر وسودان وحبشة وزنج ونوبة وبجاوة وبربر وَهِنْد وَسَنَد وَترك وَدَيْلَم وكرد

стр. 109

فَثَبت بضروة لَا مجَال للشَّكّ فِيهَا أَن غير الَّذين آمنُوا هم الْكفَّار وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا من سفه نَفسه وَأنكر عقله وَقَالَ على ربه تَعَالَى بِغَيْر علم وَلَا برهَان ولعمري لقد كَانَ يَنْبَغِي أَن يستحي قَائِل من غَيْركُمْ من غير قبيلتكم من هَذَا التَّأْوِيل السَّاقِط الظَّاهِر عواره الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ من نور الْحق أثر الْأَمر الثَّانِي قد توهم بعض النَّاس أَن الَّذين صَرَّحُوا فِي كتبهمْ بِعَدَمِ قبُول رِوَايَة الْكَافِر هم الَّذين زادوا فِي شُرُوط التَّوَاتُر الْإِسْلَام إِمَّا وَحده أَو مَقْرُونا بِالْعَدَالَةِ وَلَيْسَ المر كَذَلِك فَإِن كثيرا مِمَّن صرح بِالْأولِ لم يزدْ فِي شُرُوط التَّوَاتُر ذَلِك وَبَعْضهمْ ذكره نقلا عَن غَيره ورد عَلَيْهِ على ان الْقَائِلين بِهَذَا الشَّرْط قَلِيلُونَ جدا وتوهم بَعضهم أَن بَين العبارتين تناقضا وَلَيْسَ المر كَذَلِك وَقد أَحْبَبْت إِزَالَة الْإِشْكَال وَإِن كنت قد التزمت فِي هَذَا الْكتاب أَن أترك إِزَالَة كل إِشْكَال يعرض فِي مَبْحَث من المباحث إِلَى المطالعين بعد أَن يترووا فِيمَا ذَكرْنَاهُ فِيهِ تمرينا لَهُم على اسْتِعْمَال الْفِكر فَنَقُول إِن عدم قبُول رِوَايَة غير الْمُسلم فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الدّين هُوَ مِمَّا لم يخْتَلف فِيهِ غير انه إِنَّمَا يتَعَيَّن فِيمَا ورد على طَرِيق الْآحَاد وَذَلِكَ لِأَن خبر الْآحَاد عِنْد من يقبله يشْتَرط فِيهِ أَن يكون الرَّاوِي مُسلما عدلا ضباطا فَإِن كَانَ فَإِن كَانَ مُسلما غير عدل لَا تقبل رِوَايَته مَعَ اعْتِقَاده فِي الدّين وجزمه بَان سعادته منوطة بِهِ فَلِأَن لَا تقبل رِوَايَة غير الْمُسلم الَّذِي لَا يعْتَقد فِي الدّين وَلَا يرى أَن سعادته منوطة بِهِ أولى وَهَذَا ظَاهر بَين وَأما من لَا يَقُول بِخَبَر الْآحَاد وَإِن كَانَ الرَّاوِي حائزا لأعلى صِفَات الْقبُول لاحْتِمَال أَن يعرض لَهُ السَّهْو والغلط وَنَحْو ذَلِك فَالْأَمْر عِنْدهم أظهر وَأبين

стр. 110

وَهَذِه الْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة تتَصَوَّر على ثَلَاثَة أوجه الْوَجْه الأول أَن يكون مَا رَوَاهُ قد رَوَاهُ غَيره من الْمُسلمين على الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ هُوَ بِهِ الْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَا رَوَاهُ قد رَوَاهُ غَيره من الْمُسلمين على غير الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ هُوَ بِهِ بِحَيْثُ يَقع التَّعَارُض بَين الرِّوَايَتَيْنِ الْوَجْه الثَّالِث أَن يكون مَا وَرَاه لم يروه غَيره من الْمُسلمين وَهَذَا ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون فِيهِ مَا يُخَالف مَا تقرر عِنْدهم من الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِيهِ شَيْء من ذَلِك وَقد تعرض لطرف من هَذِه الْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة بعض الْعلمَاء فَفِي أصُول البردوي قَالَ مُحَمَّد فِي الْكَافِر يخبر بِنَجَاسَة المَاء إِنَّه لَا يعْمل بِخَبَرِهِ وَيتَوَضَّأ بِهِ فَإِن تيَمّم وأراق المَاء فَهُوَ أحب إِلَيّ وَفِي الْفَاسِق جعل الِاحْتِيَاط أصلا وَيجب أَن يكون كَذَلِك فِي رِوَايَة الحَدِيث فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط وَكَذَلِكَ رِوَايَة الصَّبِي فِيهِ يجب أَن تكون مثل رِوَايَة الْكَافِر دون الْفَاسِق الْمُسلم قَالَ فِي الشَّرْح قَوْله وَيجب أَن يكون كَذَلِك أَي يجب أَن يكون شَأْن الْكَافِر فِي رِوَايَة الحَدِيث كشأنه فِي الْإِخْبَار عَن نَجَاسَة المَاء فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط أَي من الْأَخْذ بِهِ يَعْنِي لَا يقبل خَبره فِي الدّين وَلَا يكون حجَّة كَمَا لَو يقبل فِي نَجَاسَة المَاء إِلَّا ان الِاحْتِيَاط لَو كَانَ فِي الْعَمَل بِهِ يسْتَحبّ الْأَخْذ بِهِ من غير وجوب كَمَا تسْتَحب الإراقة ثمَّ التَّيَمُّم هُنَاكَ وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ وَيجب أَن يكون الْفرق ثَابتا بَين خبر الْكَافِر وَالْفَاسِق فِي رِوَايَة الحَدِيث فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط أَيْضا وَإِن لم يكن خبرهما حجَّة كثبوته فِي إخبارهما عَن نَجَاسَة المَاء فَإِذا روى الْفَاسِق حَدِيثا لَا يكون حجَّة أصلا وَلَكِن

стр. 111

لَو كَانَ الِاحْتِيَاط فِي الْأَخْذ بِهِ يكون الِاسْتِحْبَاب فِي الْعَمَل بِهِ فَوق الِاسْتِحْبَاب فِي الْعَمَل بِخَبَر الْكَافِر وعَلى هَذَا الْوَجْه يدل سِيَاق الْكَلَام ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ يجب أَن يكون كَذَلِك هَا هُنَا وَفِيمَا تقدم لِأَن الرِّوَايَة غير مَحْفُوظَة عَن السّلف فِي نقل هَؤُلَاءِ الحَدِيث وَأما مَا يرويهِ غير الْمُسلمين على طَرِيق التَّوَاتُر فَهُوَ مَقْبُول مُطلقًا سَوَاء كَانَ ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق أَو بِغَيْر الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ لَا فرق فِيهِ بَين مَا يتَعَلَّق بديننا أَو بدينهم إِن كَانَ لَهُم دين أَو بدين آخر فَإِذا رووا شيأ مِمَّا يتَعَلَّق بديننا على طَرِيق التَّوَاتُر وَقد عرفت شُرُوطه الَّتِي ذكرهَا الْجُمْهُور فَلَا بُد أَن يكون مطابقا للْوَاقِع وَلَا بُد مَعَ ذَلِك أَن يكون مرويا عندنَا على طَرِيق التَّوَاتُر فَإِنَّهُ لم تعن أمة من الْأُمَم بِأَمْر دينهَا مثل نَا عني بِهِ الْمُسلمُونَ وَهَذَا أَمر لَا يمتري فِيهِ من لَهُ أدنى زَوَال رِيبَة بِأَقَلّ عناية وعَلى هَذَا يكون تواتره عِنْدهم مؤكدا لتواتره عندنَا وَيكون هَذَا النَّوْع من أَعلَى المتواترات وَمن خبر المر بِنَفسِهِ أَو نظر فِي كتب أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين تبين لَهُ أَن المتواترات وَإِن اشتركت فِي إِفَادَة الْعلم لَكِن بَعْضهَا فِي الدرج الْعليا وَبَعضهَا فِي الدرجَة الْوُسْطَى وَبَعضهَا فِي الدُّنْيَا وَقد أَشَارَ ابْن حزم إِلَى هَذَا النَّوْع فِي الْمقَالة الَّتِي ذكر فِيهَا وُجُوه النَّقْل عِنْد الْمُسلمين فَقَالَ وَنحن نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وُجُوه النَّقْل الَّتِي عِنْد الْمُسلمين لكتابهم وَدينهمْ ثمَّ لما نقلوه عَن أئمتهم حَتَّى يقف عَلَيْهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر والعالم وَالْجَاهِل عيَانًا فيعرفون أَيْن نقل سَائِر الْأَدْيَان من نقلهم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 112

إِن نقل الْمُسلمين لكل مَا ذكرنَا يَنْقَسِم أقساما سِتَّة أَولهَا شَيْء يَنْقُلهُ أهل الْمشرق وَالْمغْرب عَن أمثالهم جيلا جيلا لَا يخْتَلف فِيهِ مُؤمن وَلَا كَافِر منصف غير معاند للمشاهدة وَهُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف فِي شَرق الأَرْض وغربها لَا يَشكونَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب أَتَى بِهِ وَأخْبر أَن الله أوحى بِهِ إِلَيْهِ وَأَن من اتبعهُ أَخذه عَنهُ كَذَلِك ثمَّ اخذ ع أُولَئِكَ حَتَّى بلغ إِلَيْنَا وَمن ذَلِك الصَّلَوَات الْخمس وَقد كرر قَوْله لَا يخْتَلف فِي ذَلِك مُؤمن وَلَا كَافِر فِي كثير من الْأَشْيَاء إِشَارَة إِلَى أَنه من أَعلَى المتواترات حَتَّى شَارك فِيهَا غير الْمُسلمين الْمُسلمين فاعرف قدر الْعبارَات وَمَا تضمنه من الإشارات فَإِن قلت مَا الَّذِي دَعَا من زَاد فِي شُرُوط التَّوَاتُر إِسْلَام المخبرين إِلَى هَذِه الزِّيَادَة قلت دَعَاهُ إِلَى ذَلِك أَنه أوردت عَلَيْهِ أَخْبَار غير مُطَابقَة للْوَاقِع وَمَعَ ذَلِك أدعى الْمُسلمُونَ أَنَّهَا متواترة فَظن أَن الْعلَّة فِيهَا جَاءَت من كَون رواتها غير مُسلمين فَزَاد هَذَا الشَّرْط تخلصا من الْإِشْكَال وَكَانَ حَقه أَن يفعل كَمَا فعل الْجُمْهُور فَإِنَّهُم دققوا النّظر فِيهَا فَتبين لَهُم أَنَّهَا غير مستوفية لشرط التَّوَاتُر الْمَشْهُورَة فارتفع الْإِشْكَال من أَصله غير أَنه كَانَ ضَعِيفا فِي علم الْكَلَام وَقد نَشأ من هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا إِشْكَال آخر وَهُوَ انسداد بَاب التَّوَاتُر فِي أَكثر المتواترات الَّتِي لَا تحصى وَذَلِكَ فِي الْأُمُور الَّتِي كَانَت قبل ظُهُور الْإِسْلَام وَلم تذكر فِي الْكتاب الْعَزِيز والأمور الَّتِي ظَهرت بعده وَكَانَ المتأولون لنقلها أَولا غير الْمُسلمين مَعَ ان الْخَبَر الْمُتَوَاتر من أهم أَرْكَان الْعلم والمعرفة وَالْحَاجة فِي جلّ الْأَحْوَال ملجئة إِلَيْهِ وَقد رَأَيْت أَن أورد عِبَارَات شَتَّى لَا تَخْلُو عَن فَائِدَة فِيمَا نَحن فِيهِ قَالَ صدر

стр. 113

الشَّرِيعَة فِي كتاب التَّوْضِيح الْخَبَر لَا يَخْلُو من أَن تكون رُوَاته فِي كل عهد قوما يُحْصى عَددهمْ وَلَا يُمكن تواطؤهم على الْكَذِب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم أَو يصير كَذَلِك بعد الْقرن الأول أَو لَا يصير بل رُوَاته آحَاد وَالْأول متواتر وَالثَّانِي مَشْهُور وَالثَّالِث خبر الْوَاحِد قَالَ الْمُحَقق سعد الدّين التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح قَوْله وَلَا يُمكن تواطؤهم أَي توافقهم على الْكَذِب حَتَّى لَو اخبر جمع غير مَحْصُورين بِمَا يجوز تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ لغَرَض من الْأَغْرَاض لَا يكون متواترا وَأما ذكر الْعَدَالَة وتباين الْأَمَاكِن فتأكيد لعدم تواطئهم على الْكَذِب وَلَيْسَ بِشَرْط فِي التَّوَاتُر حَتَّى لَو أخبر جمع غير مَحْصُور من كفار بَلْدَة بِمَوْت ملكهم حصل لنا الْيَقِين وَأما مثل خبر الْيَهُود بقتل عِيسَى ﵇ وتأبيد دين مُوسَى ﵇ فَلَا نسلم تواتره وَحُصُول شَرَائِطه فِي كل عهد ثمَّ الْمُتَوَاتر لَا بُد أَن يكون مُسْتَندا إِلَى الْحس سمعا أَو غَيره حَتَّى لَو اتّفق أهل إقليم على مَسْأَلَة عقلية لم يحصل لنا الْيَقِين حَتَّى يقوم الْبُرْهَان قَالَ الْمُحَقق حن الفناري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ قَوْله عِنْد الْمُحَقِّقين تَفْسِير للكثرة إِيمَاء إِلَى أَن جعل المُصَنّف الْكَثْرَة عِلّة لعدم إِمْكَان التواطئ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي قَوْله وَلَيْسَ بِشَرْط فِي التَّوَاتُر قيل الْكَلَام فِي تَوَاتر خبر الرَّسُول وَالْعَدَالَة

стр. 114

وتباين الْأَمَاكِن شَرْطَانِ فِيهِ لَا فِي مُطلق التَّوَاتُر فَلَا تقريب لما ذكره وَالْجَوَاب منع القَوْل بِالْفَصْلِ على الْمُخْتَار هَذَا وَفِي حُصُوله الْيَقِين بِإِخْبَار جمع غير مَحْصُور من كفار بَلْدَة بِمَوْت ملكهم منع ظَاهر لجَوَاز اتِّفَاق تِلْكَ الْبَلدة على ذَلِك الْكَلَام لغَرَض من الْأَغْرَاض مثل تغرير الْمُسلمين بِهِ لِئَلَّا يراعوا الحزم عِنْد الْجِهَاد مَعَهم أَو لِئَلَّا يتحفظوا على أنفسهم مِنْهُم فَالْأولى أَن يقْتَصر على نفي الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور قَوْله فَلَا نسلم تواتره فَإِن قتل عِيسَى ﵇ نقل عَن جمَاعَة من الْيَهُود دخلُوا الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَانُوا سَبْعَة وَقد رُوِيَ انهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ الْمَسِيح وَغنما جعلُوا لرجل جعلا فدلهم على شخص فِي بَيت اجْتَمعُوا عَلَيْهِ وقتلوه وَزَعَمُوا انهم قتلوا عِيسَى ﵇ وأشاعوا الْخَبَر وبمثله لَا يحصل التَّوَاتُر وَمِمَّا يتَعَلَّق بِمَا نَحن فِيهِ مَا ذكره عُلَمَاء الْأُصُول فِي مَسْأَلَة هَل كَانَ ﵇ متعبدا بشرع من قبله وَقد اخْتلفُوا فِي ذَلِك وَقد أوضح الْفَخر الرَّازِيّ أمرهَا فِي الْمَحْصُول ولنورد لَك مَا تعلق بغرضنا مِنْهُ قَالَ الْقسم الثَّالِث فِي أَن الرَّسُول ﵊ هَل كَانَ متعبدا بشرع من قبله وَفِيه بحثان الأول أَنه قبل النُّبُوَّة هَل كَانَ متعبدا بشرع من قبله وَفِيه بحثان الاول أَنه قبل النُّبُوَّة هَل كَانَ متعبدا بشرع من قبله أثْبته قوم ونفاه آخَرُونَ وَتوقف فِيهِ ثَالِث احْتج المنكرون بِأَنَّهُ لَو كَانَ تعبدا بشرع أحد لوَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى عُلَمَاء تِلْكَ الشَّرِيعَة والاستيفاء مِنْهُم وَالْأَخْذ بقَوْلهمْ وَلَو كَانَ كَذَلِك لاشتهر ولنقل بالتواتر قِيَاسا على سَائِر أَحْوَاله فَحَيْثُ لم ينْقل علمنَا أَنه مَا كَانَ متعبدا بشرعهم وَاحْتج المثبتون بِأَن دَعْوَة من تقدمه كَانَت عَامَّة فَوَجَبَ دُخُوله فِيهَا وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم عُمُوم دَعْوَة من تقدمه وَلَو سلمنَا ذَلِك لَا نسلم وُصُول تِلْكَ الدعْوَة إِلَيْهِ بطرِيق يُوجب الْعلم أَو الظَّن الْغَالِب وهذ هُوَ المُرَاد من زمَان الفترة الْبَحْث الثَّانِي فِي حَاله بعد النُّبُوَّة قَالَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَكثير من الْفُقَهَاء إِنَّه

стр. 115

لم يكن متعبدا بشرع إِبْرَاهِيم وَقيل بشرع مُوسَى وَقيل بشرع عِيسَى وَاعْلَم أَن من قَالَ كَانَ متعبدا بشرع من قبله إِمَّا أَن يُرِيد بِهِ أَن الله تَعَالَى يوحي إِلَيْهِ مثل تِلْكَ الْأَحْكَام الَّتِي أَمر بهَا من قبله أَو يُرِيد بِهِ أَن الله تَعَالَى أمره باقتباس الْأَحْكَام من كتبهمْ فَإِن قَالُوا بِالْأولِ فإمَّا أَن يَقُولُوا بِهِ فِي كل شرعة أَو فِي بعضه وَالْأول مَعْلُوم الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ لِأَن شرعنا بِخِلَاف شرع من قبلنَا فِي كثير من الْأُمُور وَالثَّانِي مُسلم وَلَكِن ذَلِك لَا يَقْتَضِي إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ متعبد بشرع غَيره لِأَن ذَلِك يُوهم التّبعِيَّة وَلم يكن ﵇ تبعا لغيره بل كَانَ أصلا فِي شَرعه وَأما الِاحْتِمَال الثَّانِي وَهُوَ حَقِيقَة الْمَسْأَلَة فَيدل على بُطْلَانه وُجُوه الأول لَو كَانَ متعبدا بشرع أحد لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يرجع فِي أَحْكَام تِلْكَ الْحَوَادِث إِلَى شَرعه وَأَن لَا يتَوَقَّف إِلَى نزُول الْوَحْي لكنه لم يفعل ذَلِك وَلَو فعله لاشتهر فَإِن قيل إِن الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لاحْتِمَال أَن يُقَال إِنَّه ﵊ علم فِي تِلْكَ الصُّور أَنه غير متعبد فِيهَا بشرع من قبله فَلَا جرم توقف فِيهَا إِلَى نزُول الْوَحْي أَو لنه ﵊ علم خلو شرعهم عَن حكم تِلْكَ الوقائع فانتظر الْوَحْي أَو ان أَحْكَام تِلْكَ الشَّرَائِع إِن كَانَت منقولة بالآحاد لم يجز قبُولهَا لِأَن أُولَئِكَ الروَاة كَانُوا كفَّارًا وَرِوَايَة الْكفَّار غير مَقْبُولَة

стр. 116

فَالْجَوَاب قَوْله إِنَّمَا لم يرجع إِلَيْهَا لِأَنَّهُ علم انه غير متعبد فِيهَا بشرع من قبله قُلْنَا فَلَمَّا لم يرجع فِي شَيْء من الوقائع إِلَيْهِم وَجب ان يكون ذَاك علم أَنه غير متعبد فِي شَيْء مِنْهَا بشرع من قبله وَقَوله إِنَّمَا لم يرجع إِلَيْهَا لعلمه بخلو كتبهمْ عَن تِلْكَ الوقائع قُلْنَا الْعلم بخلو كتبهمْ عَنْهَا لَا يحصل إِلَّا بِالطَّلَبِ الشَّديد والبحث الْكثير فَكَانَ يجب أَن يَقع مِنْهُ ذَلِك الطّلب والبحث وَقَوله لَك الحكم إِمَّا أَن يكون تواترا إِلَّا أَنه لَا بُد فِي الْعلم بدلالته على الْمَطْلُوب من نظر كثير وَبحث دَقِيق فَكَانَ يجب اشْتِغَال النَّبِي ﵊ بِالنّظرِ فِي كتبهمْ والبحث عَن كَيْفيَّة دلالتها على الْحُكَّام ثمَّ تعرض لغير ذَلِك من أَدِلَّة المثبتين وَأجَاب عَنْهَا وَكَانَ من المنكرين لتعبده ﵊ بشرع من قبله سَوَاء كَانَ قبل الْبعْثَة اَوْ بعْدهَا فَارْجِع إِلَيْهِ إِن شِئْت وَنقل ابْن الْقشيرِي عَن بَعضهم أَنه ﵊ كَانَ قبل الْبعْثَة متعبدا بشريعة الْعقل قَالَ وَهَذَا بَاطِل إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ شَرِيعَة وَذكر الْحلِيّ فِي النِّهَايَة أَن بعض الإمامية ذهب إِلَى انه كَانَ متعبدا بِمَا يلهمه الله تَعَالَى إِيَّاه وَأقوى أَقْوَال من ذهب إِلَى انه كَانَ متعبدا بشرع معِين قَول من ذهب إِلَى انه شرع إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ الإِمَام الْمَازرِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تظهر لَهَا ثَمَرَة فِي الْأُصُول وَلَا فِي الْفُرُوع الْبَتَّةَ وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا حكم فِي الشَّرِيعَة وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهِي هَل شرع من قبلنَا شرع لنا أم لَا فَهِيَ من أهم مسَائِل الْأُصُول وَقد قرب بَعضهم أمرهَا فَقَالَ

стр. 117

إِن مَا لم يعلم من شرائع من قبلنَا إِلَّا من جِهَة المنتمين إِلَيْهَا فَهَذَا لَا بحث فِيهِ لاختلاط مَا صَحَّ مِنْهُ بِمَا لم يَصح على وَجه يحار فِيهِ الجهبذ النحرير وَأما مَا علم من غير جهتهم وَهُوَ مَا ذكر مِنْهَا فِي الْكتاب وَالسّنة فَمِنْهُ مَا دلّ الدَّلِيل على الخذ بِهِ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ وَمِنْه مَا دلّ الدَّلِيل على نسخه فِي شرعنا وَهَذَا أَيْضا كَذَلِك وَمِنْه مَا لم يدل الدَّلِيل على الْأَخْذ بِهِ وَلَا على نسخه فَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ شرع لنا وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بشرع لنا وَمِمَّنْ قَالَ هُوَ شرع لنا مَالك وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ قَالَ بَان السَّمْعَانِيّ قد اومأ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي بعض كتبه وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ ذهب إِلَيْهِ مُعظم أَصْحَابنَا يَعْنِي الْمَالِكِيَّة وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب إِنَّه الَّذِي تَقْتَضِيه أصُول مَالك وَنقل ذَلِك عَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ البرذوي فِي أُصُوله قَالَ بعض الْعلمَاء تلزمنا شرائع من قبلنَا حَتَّى يقوم الدَّلِيل على النّسخ بِمَنْزِلَة شرائعنا وَقَالَ بَعضهم لَا تلزمنا حَتَّى يقوم الدَّلِيل وَقَالَ بَعضهم تلزمنا على انها شريعتنا وَالصَّحِيح عندنَا أَن مَا قصّ الله تَعَالَى مِنْهَا علينا من غير إِنْكَار أَو قصَّة رَسُول الله ﷺ من غير إِنْكَار فَإِنَّهُ يلْزمنَا على أَنه شَرِيعَة رَسُولنَا ﵊ ثمَّ قَالَ وَهُوَ الْمُخْتَار عندنَا من الْأَقْوَال بِهَذَا الشَّرْط الَّذِي ذكرنَا قَالَ الله ﵎ ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ وَقَالَ ﴿قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ فعلى هَذَا الأَصْل يجْرِي هَذَا وَقد احْتج مُحَمَّد فِي تَصْحِيح الْمُهَايَأَة وَالْقِسْمَة بقول الله تَعَالَى ﴿ونبئهم أَن المَاء قسْمَة بَينهم﴾ وَقَالَ ﴿لَهَا شرب﴾

стр. 118

وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم) فاحتج بِهَذَا النَّص لإِثْبَات الحكم بِهِ فِي غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِمَا هُوَ نَظِيره فَثَبت أَن الْمَذْهَب هُوَ القَوْل الَّذِي اخترناه اهـ الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة للمنكرين لإِفَادَة الْمُتَوَاتر علم الْيَقِين شبه مِنْهَا أَنه يجوز أَن يخبرنا جمَاعَة لَا يُمكن تواطؤهم على الْكَذِب بِأَمْر كحياة زيد ويخبرنا جمَاعَة أُخْرَى مثلهم بنقيض خبرهم كموت زيد فَلَو أَفَادَ الْمُتَوَاتر علم الْيَقِين للَزِمَ حُصُول الْعلم بالنقيضين وَهُوَ محَال وَأجَاب الْجُمْهُور بِأَن هَذَا غير مُمكن وَلَا بُد أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ غير مستوف لشروط التَّوَاتُر وَمِنْهَا أَن كثيرا من الْفرق الَّتِي لَا يُحْصى عَددهَا تخبر بِأُمُور وَهِي جازمة وَغَيرهَا ينكرها وَمن ذَلِك صلب الْمَسِيح ﵇ فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يجزمون بِوُقُوعِهِ والمسلمون يُنكرُونَ ذَلِك وينسبون لَهُم الْوَهم وَالْجَوَاب أَن الْمُسلمين لم يسلمُوا لَا لاعتقادهم أَن الْمُتَوَاتر لَا يُفِيد الْيَقِين بل لِأَنَّهُ تبين لَهُم أَن ذَلِك الْخَبَر لم يسْتَوْف الشُّرُوط اللَّازِمَة فِي التَّوَاتُر وَقد هول المخالفون تهويلا عَظِيما وَزَعَمُوا ان الْمُسلمين أَنْكَرُوا أعظم الْأُمُور المتواترة تواترا فَإِن النَّصَارَى وَالْيَهُود وهما أمتان عظيمتان قد طبقتا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وهم يخبرون بصلب الْمَسِيح وَالْإِنْجِيل يُصَرح بذلك فَإِذا أَنْكَرُوا هَذَا الْخَبَر وَقد وصل إِلَى أَعلَى دَرَجَات التَّوَاتُر فَأَي خبر بعده يُمكن الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ والركون إِلَيْهِ وَقد أجَاب عَن ذَلِك عُلَمَاء الْكَلَام وَالْأُصُول غير أَن كثيرا مِنْهُم اقْتصر على الْجَواب الْمُجْمل وَهُوَ لَا يشفي غليل من قويت عِنْده هَذِه الشُّبْهَة وَالَّذين أجابوا

стр. 119

بِجَوَاب مفصل بنى أَكْثَرهم كَلَامه على مُجَرّد الِاحْتِمَال وَهُوَ وَإِن كَانَ مجديا فِي مقَام الْجِدَال غير انه أصل الْإِشْكَال وَسبب ذَلِك انهم لم يطلعوا على مَا ورد فِي الْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ الْعُمْدَة فِي انتشلر هَذَا الْخَبَر وَلَو اطلعوا عَلَيْهِ لرأوا الْخطب أسهل مِمَّا ظنوه وَقد تصدى ابْن حزم للجواب عَن هَذِه المسالة وَهُوَ من المطلعين على كتب أهل الْكتاب فأحببنا نقل عِبَارَته قَالَ فِي كتاب الْملَل والنحل وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ علينا الْيَهُود وَالنَّصَارَى ة وَمن ذهب إِلَى إِسْقَاط الكواف من سَائِر الْمُلْحِدِينَ ان قَالَ قَائِلهمْ قد نقلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن الْمَسِيح ﵇ قد صلب وَقتل وَجَاء الْقُرْآن بِأَنَّهُ لم يقتل وَلم يصلب فَقولُوا لنا كَيفَ كَانَ هَذَا فَإِن جوزتم على هَذِه الكواف الْعِظَام الْمُخْتَلفَة الْهَوَاء وَالديَّان والأزمان والبلدان والأجناس نقل الْبَاطِل فَلَيْسَتْ بذلك أولى من كافتكم الَّتِي نقلت أَعْلَام نَبِيكُم وَكتابه وشرائعه ثمَّ قَالَ فِي الْجَواب عَنهُ إِن صلب الْمَسِيح ﵇ لم يقلهُ قطّ كَافَّة وَلَا صَحَّ بالْخبر قطّ لِأَن الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا هِيَ إِمَّا الْجَمَاعَة الَّتِي يُوقن أَنَّهَا لم تتواطأ لتنابذ طرقهم وَعدم التقائهم وَامْتِنَاع اتِّفَاق خواطرهم على الْخَبَر الَّذِي نقلوه عَن مُشَاهدَة أَو رُجُوع إِلَى مُشَاهدَة وَلَو كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَإِمَّا أَن يكون عدد كثير يمْتَنع مِنْهُ الِاتِّفَاق فِي الطبيعة على التمادى على سنَن من تواطؤوا عَلَيْهِ فَأخْبرُوا بِخَبَر شاهدوه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ فَمَا نَقله أحد أهل هَاتين الصفتين عَن مثل إِحْدَاهمَا وَهَكَذَا حَتَّى يبلغ إِلَى مُشَاهدَة فَهَذِهِ صفة الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا ويضطر على صِحَّته إِلَّا ببرهان فَلَمَّا صَحَّ ذَلِك نَظرنَا فِيمَن نقل خبر صلب الْمَسِيح ﵇ فوجدناه كواف عَظِيمَة صَادِقَة بِلَا شكّ فِي نقلهَا جيلا بعد جيل إِلَى الَّذين ادعوا مُشَاهدَة

стр. 120

صلبه فَإِن هُنَاكَ تبدلت الصّفة وَرجعت إِلَى شَرط مأمورين مُجْتَمعين مَضْمُون مِنْهُم الْكَذِب وَقبُول الرِّشْوَة على قَول الْبَاطِل وَالنَّصَارَى مقرون بِأَنَّهُم لم يقدموا على أَخذه نَهَارا بِأَنَّهُم لم يقدموا على أَخذه نَهَارا خوف الْعَامَّة وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ لَيْلًا عِنْد افْتِرَاق النَّاس عَن الفصح وانه لم يبْق فِي الْخَشَبَة إِلَّا سِتّ سَاعَات من النَّهَار وَأَنه أنزل إِثْر ذَلِك وَأَنه لم يصلب إِلَّا فِي مَكَان نازح عَن الْمَدِينَة فِي بُسْتَان فخار متملك للفخاري لَيْسَ موضعا مَعْرُوفا بصلب من يصلب وَلَا مَوْقُوفا لذَلِك وَأَنه بعد هَذَا كُله رشي الشَّرْط على أَن يَقُولُوا أَن أَصْحَابه سَرقُوهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَن مَرْيَم المجدلانية وَهِي امْرَأَة من الْعَامَّة لم تقدم على حُضُور مَوضِع صلبه بل كَانَت واقفة على بعد تنظر هَذَا كُله فِي نَص الْإِنْجِيل عِنْدهم فَبَطل أَن يكون صلبه مَنْقُولًا بكافة بل بِخَبَر يشْهد ظَاهره على انه مَكْتُوم تواطأ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ الحواريون ليلتئذ بِنَصّ الْإِنْجِيل إِلَّا خَائِفين على أنفسهم غيبا عَن ذَلِك المشهد هاربين بأرواحهم مستترين وَأَن شَمْعُون الصَّفَا غرر وَدخل دَار قيافا الكاهن أَيْضا بضوء النَّار فَقيل لَهُ أَنْت من أَصْحَابه فَانْتفى وَجحد وَخرج هَارِبا عَن الدَّار فَبَطل أَن ينْقل خبر صلبه أحد تطيب النَّفس عَلَيْهِ على أَن نظن بِهِ الصدْق فَكيف أَن يَنْقُلهُ كَافَّة وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ إِنَّمَا عَنى تَعَالَى أَن أُولَئِكَ الْفُسَّاق الَّذين دبروا هَذَا الْبَاطِل وتواطؤ عَلَيْهِ هم شبهوا على من قلدهم فَأَخْبرُوهُمْ أَنهم صلبوه وقتلوه وهم كاذبون فِي ذَلِك عالمون أَنهم كذبة وَلَو أمكن أَن يشبه ذَلِك على ذِي حاسة سليمَة لبطلت النبوات كلهَا إِذْ لَعَلَّهَا شبهت على الْحَواس السليمة وَلَو أمكن ذَلِك لبطلت الْحَقَائِق كلهَا ولأمكن أَن يكون كل وَاحِد منا يشبه عَلَيْهِ فِيمَا يَأْكُل ويلبس وفيمن يُجَالس وَفِي حَيْثُ هُوَ

стр. 121

فَلَعَلَّهُ نَائِم أَو مشبه على حواسه وَفِي هَذَا خُرُوج إِلَى السخف وَقَول السوفسطائية والحماقة وَقد شاهدنا نَحن مثل ذَلِك وَذَلِكَ أننا أندرنا للجبل لحضور دفن الْمُؤَيد هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر فَرَأَيْت أَنا وغيري نعشا فِيهِ شخص مكفن وَقد شَاهد غسله شَيْخَانِ جليلان حاكمان من حكام الْمُسلمين وَمن عدُول الْقُضَاة فِي بَيت وخارج الْبَيْت أبي ﵀ وَجَمَاعَة من عُظَمَاء الْبَلَد ثمَّ صلينَا فِي أُلُوف من النَّاس عَلَيْهِ ثمَّ لم يلبث إِلَّا شهورا نَحْو السَّبْعَة حَتَّى ظهر حَيا وبويع عد ذَلِك بالخلافة وَدخلت عَلَيْهِ أَنا وغيري وَجَلَست بن يَدَيْهِ ورأيته وَبَقِي ثَلَاثَة أَعْوَام غير شَهْرَيْن وَأَيَّام ثمَّ قَالَ وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ فَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الَّذين يَقُولُونَ تقليدا لأسلافهم من النَّصَارَى وَالْيَهُود إِنَّه ﵇ قتل وصلب فَهَؤُلَاءِ شبه لَهُم القَوْل أَي أدخلُوا فِي شبه مِنْهُ وَكَانَ المشبهون لم شُيُوخ السوء فِي ذَلِك الْوَقْت وشرطهم المعون أَنهم قَتَلُوهُ وصلبوه وهم يعلمُونَ أَنه لم يكن ذَلِك وَغنما أخذُوا من أَمنهم فَقَتَلُوهُ وصلبوه فِي استتار وَمنع من حُضُور النَّاس ثمَّ أنزلوه ودفنوه تمويها على الْعَامَّة الَّتِي شبه الْخَبَر لَهَا اهـ قَالَ الْعَلامَة التقي فِي الْجَواب الصَّحِيح وقصة الصلب مِمَّا وَقع فِيهَا الِاشْتِبَاه وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن المصلوب لم يكن هُوَ الْمَسِيح ﵇ بل

стр. 122

شبهه وهم ظنُّوا أَنه الْمَسِيح والحواريون لم ير أحد مِنْهُم الْمَسِيح مصلوبا بل أخْبرهُم بصلبه بعض من شهد ذَلِك من الْيَهُود فبعض النَّاس يَقُولُونَ إِن أُولَئِكَ تعمدوا الْكَذِب وَأكْثر النَّاس يَقُول اشْتبهَ عَلَيْهِم وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُور الْمُسلمين يَقُولُونَ فِي قَوْله ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ عَن أُولَئِكَ وَمن قَالَ بِالْأولِ جعل الضَّمِير فِي شبه لَهُم عَن السامعين لخَبر أُولَئِكَ فَإِذا جَازَ ان يغلطوا فِي هَذَا وَلم يَكُونُوا معصومين فِي نَقله جَازَ أَن يغلطوا فِي بعض مَا ينقلوه عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يقْدَح فِي رِسَالَة الْمَسِيح وَلَا فِيمَا تَوَاتر نَقله عَنهُ بِأَنَّهُ رَسُول الله يجب اتِّبَاعه سَوَاء صلب أَو لم يصلب والحواريون مصدقون فِيمَا ينقلونه لَا يتهمون بتعمد الْكَذِب عَلَيْهِ لَكِن إِذا غلط بَعضهم فِي بعض مَا يَنْقُلهُ لم يمْنَع ذَلِك أَن يكون غَيره مَعْلُوما لَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك الَّذِي غلط فِيهِ مِمَّا تبين غلطه فِيهِ فِي مَوَاضِع أخر اهـ والضمائر فِي هَذِه الْآيَة وَفِيمَا قبلهَا عَائِدَة إِلَى الْيَهُود قَالَ تَعَالَى ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ مَا زَائِدَة وَالْبَاء للسَّبَبِيَّة وَهِي مُتَعَلقَة مَحْذُوف تَقْدِيره فعلنَا بهم مَا فعلنَا وَأما شبه فَهُوَ مُسْند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ ﴿لَهُم﴾ وَهُوَ الظَّاهِر وَقَالَ بَعضهم ﴿شبه لَهُم﴾ أَي مثل لَهُم من حسبوه إِيَّاه وَفِي قَوْله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ أَي قتلا يَقِينا أَو متيقنين وَقَالَ بَعضهم المُرَاد أَن نفي قَتله هُوَ يَقِين لَا ريب فِيهِ بِخِلَاف الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ فَإِنَّهُم كَانُوا فِي شكّ لعدم إيقانهم بقتْله إِذْ لم تكن مَعَهم حجَّة يسكنون إِلَيْهَا وَقَالَ بَعضهم المُرَاد وَمَا علموه يَقِينا وَهُوَ من قَوْلهم الشَّيْء علما إِذا عَرفته معرفَة تَامَّة وَهُوَ بعيد

стр. 123

وَرَأى بعض الدارسين لكتب أهل الْكتاب بِنَاء على مَا ترَاءى لَهُ من قَرَائِن الْأَحْوَال أَن الَّذين صمموا على إهلاك الْمَسِيح من رُؤَسَاء الْيَهُود لما لم يجدوه ويئسوا من عودة إِلَيْهِم عندوا إِلَى رجل آخر موهمين أَنه هُوَ الْمَسِيح فصلبوه إرهابا لأتباعه وَلمن يخَاف أَن يكون عِنْده ميل إِلَى اتِّبَاعه وضعُوا حراسا على الْقَبْر خشيَة أَن ينبش فتظهر حَقِيقَة الْأَمر ثمَّ رَأَوْا أَن الحزم يقْضِي عَلَيْهِم بنقله مِنْهُ سرا إِلَى حَيْثُ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ فَفَعَلُوا وخشية أَن يفتتن النَّاس بِعَدَمِ وجوده فِيهِ رشوا الحراس بِمَال جم ليشيعوا أَن تلاميذه أَتَوا فِي جنح الظلام فَأَخَذُوهُ من الْقَبْر وَهُوَ نَائِم وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين إِن الَّذِي صلب كَانَ رجلا ينافق عِيسَى ﵇ فَلَمَّا أَرَادوا قَتله قَالَ انا أدلكم عَلَيْهِ وَقد كَانَ عِيسَى استتر فَدخل الرجل بَيت عِيسَى وَرفع الله عِيسَى وَألقى شبهه على الْمُنَافِق فَقَتَلُوهُ وصلبوه وه يظنون أَنه عِيسَى ﵇ وَهَذَا القَوْل على كل ال أقرب من قَول بَعضهم إِن الْمَسِيح ﵇ لما أَجمعت الْيَهُود على قَتله وَأخْبرهُ الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ سيرفعه إِلَى السَّمَاء قَالَ لأَصْحَابه أَيّكُم يرضى أَن يلقى عَلَيْهِ شبهه فَيقْتل ويصلب وَيدخل الْجنَّة فَقَامَ رجل مِنْهُم وَقَالَ أَنا فَألْقى الله عَلَيْهِ شبهه فَأخذ وَقتل وصلب وَالْمُنَافِق الْمَذْكُور هُوَ يَهو ذَا الأسخريوطي وَذكر فِي الْإِنْجِيل أَنه كَانَ أحد التلاميذ الاثنى عشر الَّذين اخْتَارَهُمْ الْمَسِيح لبث دَعوته وَأَعْطَاهُمْ قُوَّة على إِخْرَاج الشَّيَاطِين وشفاء جَمِيع الْأَمْرَاض ثمَّ لما بلغه أَن رُؤَسَاء الْيَهُود قد صمموا على الْقَبْض على الْمَسِيح وإهلاكه ذهب إِلَيْهِم وَقَالَ لَهُم أَنا أسلمه إِلَيْكُم فَمَاذَا تعطوني على ذَلِك فَأَعْطوهُ ثَلَاثِينَ من الْفضة كل وَاحِد مِنْهَا تَسَاوِي قيمَة درهما أَو دِرْهَمَيْنِ أَو نَحْو ذَلِك فَرضِي بهَا وَصَارَ يترقب فرْصَة لإنجاز مَا وعدهم بِهِ فَفِي لَيْلَة من اللَّيَالِي ذهب إِلَيْهِم وَقَالَ إِن الفرصة قد أمكنت فأرسلوا مَعَه جمعا كَبِيرا مَعَهم سيوف وعصي وَهَذَا الْجمع مؤلف من اناس من خدمَة رُؤَسَاء الكهنة ومشايخ الشّعب وأناس من جند الرّوم فَذهب بهم إِلَى سفح جبل الزَّيْتُون وَكَانَ الْمَسِيح فِي بُسْتَان هُنَاكَ وَقَالَ لَهُم إِذا وصلت إِلَيْهِ أقبله فَالَّذِي

стр. 124

أقبله هُوَ الْمَسِيح فاقبضوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا جعل لَهُم عَامَّة لِأَن كثيرين مِنْهُم كَانُوا لَا يعرفونه فَلَمَّا دنا مِنْهُ سلم عَلَيْهِ ثمَّ تقدم فعانقه فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح يَا يهوذا أبقبلة تسلم ابْن الْإِنْسَان ثمَّ خرج إِلَى الْقَوْم وَقَالَ لَهُم أَنا هُوَ فتقهقروا ناكصين على أَعْقَابهم وسقطوا على الأَرْض ثمَّ قَالَ لَهُم الْمَسِيح من تطلبون فَقَالُوا نطلب عِيسَى الناصري فَقَالَ لَهُم قد قلت لكم إِنِّي أَنا هُوَ فَإِن كُنْتُم تطلبونني فعوا هَؤُلَاءِ يهبون وَكَانَ مَعَ بطرس الَّذِي يُقَال لَهُ سمْعَان الصَّفَا سيف فانتضاه وَضرب بِهِ عبد عَظِيم الكهنة فَأخذ أُذُنه الْيُمْنَى فَقَالَ لَهُ الْمَسِيح اكفف ولمس أذن العَبْد فبرئت فَحِينَئِذٍ قيض الْجَمَاعَة عَلَيْهِ وأوثقوه وذهبوا إِلَى حَيْثُ أَرَادوا وَإِن أردْت معرفَة تَتِمَّة الْمَسْأَلَة فَارْجِع إِلَى الأناجيل الْأَرْبَعَة وَإِن كَانَ فِيهَا من الِاضْطِرَاب فِي سوق هَذِه الْقَضِيَّة مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَالْأولَى الرُّجُوع إِلَيْهَا مَعَ مُرَاجعَة مَا قَالَه مفسروها وَكنت أَحْبَبْت أَن أوردهَا بِتَمَامِهَا على وَجه يرْتَفع بِهِ اللّبْس إِلَيْهِ لتسكن النَّفس غير أَن ذَلِك يَقْتَضِي بسطا زَائِدا لَا يسْعد عَلَيْهِ هَذَا الْموضع ولنرجع إِلَى امْر يهوذا فَنَقُول ذكر فِي إنجيل مَتى أَنه يهوذا لما رأى الْمَسِيح قد دفن نَدم وَذهب إِلَى رُؤَسَاء الكهنة وَإِلَى الْمَشَايِخ وَأعَاد لَهُم مَا أَخذ وَقَالَ لَهُم إِنِّي أَخْطَأت بتسليمي إنْسَانا برا فَقَالُوا مَاذَا علينا أَنْت أخبر وَطرح مَا أَخذه فِي الهيكل وَذهب فخنق نَفسه وَأما مَا أَعَادَهُ من المَال فقد اشْترى الرؤساء بِهِ حقل الفخار وجعلوه مَقْبرَة للغرباء قَالَ مفسروه إِن يهوذا لما رأى الْيَهُود قد حكمُوا عل الْمَسِيح بِالْهَلَاكِ وَلم يكن يظنّ أَن الْأَمر يصل إِلَى هَذَا الْحَد ذهب إِلَى الرؤساء وَقَالَ لَهُم مَا قَالَ وَأعَاد لَهُم مَا أَخذه من المَال راجيا بذلك أَن يطلقوه فَلَمَّا لم يُجِيبُوهُ إِلَى مَا سَأَلَ خنق نَفسه

стр. 125

هَذَا وَلما ارتاب بعض عُلَمَائِنَا فِي أَمر يهوذا ترَاءى لَهُم أَنه هُوَ الَّذِي أَلِي عَلَيْهِ شبه الْمَسِيح فَأخذ وصلب وَلَقي جَزَاء عمله غير أَن الَّذين كَانُوا يتلقفون أَخْبَار الْمَسِيح ﵇ من كل فَم لما لم يقفوا لَهُ على عين وَلَا أثر ظنُّوا انه هلك أَو اهلك نَفسه فلفقوا هَذَا القَوْل بِنَاء على مَا وَقع فِي نُفُوسهم وَمثل ذَلِك لَا يُحْصى وَهَذَا القَوْل أقوى الْأَقْوَال الَّتِي قَالَهَا من ذهب إِلَى ان المصلوب كَانَ يشبه الْمَسِيح ﵇ بِحَيْثُ إِن من رَآهُ وَكَانَ يعرفهُ من قبل قَالَ إِنَّه هُوَ أَو كَأَنَّهُ هُوَ وَالْقَوْل بالشبه الْمَذْكُور هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور وَقد أنكرهُ عَلَيْهِم الْجُمْهُور الْأُمَم من غير الْمُسلمين وَقد وافقهم على الْإِنْكَار ابْن حزم مَعَ أَن جَمِيع أَرْبَاب الْملَل يَقُولُونَ بِجَوَاز خرق الْعَادة وَهَذَا من أقرب الْأُمُور جَوَازًا فِي الْعقل لَا سِيمَا إِن قَضَت الْحِكْمَة بِوُقُوعِهِ كالمسألة الَّتِي نَحن بصددها وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُوجب إبِْطَال الْحَقَائِق على انه تقرر فِي علم الْكَلَام أَن الْحَواس قد تغلط فِي بعض الأحيان وَأَن ذَلِك لَا يرفع الاطمئنان إِلَى مَا أَدْرَكته فِي سَائِر الأحيان وَمثل ذَلِك الْعقل فَأَي مَحْذُور يحصل أَن قيل وعَلى ذَلِك إِن الْمَسِيح ﵇ لما أَرَادَ الْيَهُود إهلاكه لِأَنَّهُ كَانَ يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر ويحثهم على اتِّبَاع الْحق والسلوك فِي مهج الصدْق ألْقى الله شبهه على رجل مارق مُنَافِق مُسْتَحقّ للهلاك فَأخذ وصلب وَهُوَ بذلك حري وَنَجَا من غوائلهم ذَلِك الْبر الْبري وَذكر مفسرو الأناجيل أَن الْمَسِيح ﵇ لما أَرَادَ الْجَمَاعَة الْقَبْض عَلَيْهِ أظهر ثَلَاث آيَات الأولى إِمْسَاكه أَبْصَارهم حَتَّى لم يعرفوه مَعَ أَن ذَلِك الخائن جعل لمعرفته عَلامَة وَكَانَ كثير مِنْهُم يعرفهُ وَيُؤَيّد ذَلِك أَنه لما قَالَ لَهُم من تطلبون ل يَقُولُوا إننا نطلبك بل قَالُوا عِيسَى الناصري وَذَلِكَ لعدم معرفتهم لَهُ

стр. 126

الثَّانِيَة وقوعهم على ظُهُورهمْ إِلَى الأَرْض بِمُجَرَّد قَوْله أَنا هُوَ الثَّالِثَة إرجاعه أذن العَبْد الَّتِي قطعهَا بطرس فَانْظُر كَيفَ أثبتوا أَخذ الْمَسِيح بأبصار الْقَوْم حَتَّى جَهله من كَانَ يعرفهُ فَلَو أَرَادَ الْمَسِيح حِينَئِذٍ أَن يتركهم وشأنهم وَيذْهب حَيْثُ شَاءَ لأمكن فَإِن قلت لعلع خَافَ أَن يلْقوا الْقَبْض على تلامذته ظنا أَنه بَينهم قلت لَا خوف فِي ذَلِك فَإِنَّهُ تظهر لَهُم فِي أقرب مُدَّة حَقِيقَة الْحَال فيطلقونهم وهم لَا مأرب لَهُم فِيمَا عداهُ إِلَّا أَن نقُول لَعَلَّ اللجاج والعناد يحملهم على دَعْوَى أَنه بَينهم فيعمدوا إِلَى أحدهم فيهلكوه لِئَلَّا يُقَال إِنَّه صعد إِلَى السَّمَاء أَو نجا مِنْهُم بِقُوَّة ربانية وَذكروا أَيْضا أَن الْمَسِيح أَخذ بأبصار الْيَهُود فَلم يروه قبل هَذِه الْمرة وَذَلِكَ أَنه كَانَ ذَات يَوْم يمشي فِي الهيكل فِي رواق سُلَيْمَان فأحدقت بِهِ الْيَهُود وَقَالُوا لَهُ حَتَّى مَتى تعذب نفوسنا فَإِن كنت الْمَسِيح فَقل لنا عَلَانيَة فأجابهم بِمَا أثار غضبهم فتناولوا حِجَارَة ليرجموه فَلم يستطيعوا ثمَّ جرت بَينهم محاورة أُخْرَى أفضت إِلَى الْعَزْم فِي إِمْسَاكه فَخرج من بَين أَيْديهم قَالُوا فخروجه من بَين أَيْديهم إِنَّمَا أمكن لكَونه حجب أَبْصَارهم فَلم يروه فَإِن قلت إِن الْمَسِيح ﵇ لَعَلَّه أَرَادَ أَن ينَال على أَيْديهم الشَّهَادَة لتَكون لَهُ الْحسنى وَزِيَادَة قُلْنَا لَا يسوغ ذَلِك على هَذِه الصّفة قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وَهَذَا من الْأُمُور المحكمة الَّتِي اتّفقت فِيهَا الشَّرَائِع على اختلافها وَقد ذكر فِي الأناجيل أَن الْمَسِيح ﵇ كَانَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي قَصده فِيهَا الْقَوْم يتَضَرَّع إِلَى الله تَعَالَى كثيرا ويسأله أَن ينجيه من مكايد أعدائه وَكَانَ شَدِيد الْحزن والاكتئاب وَهَذَا يُنَافِي أَن يكون مرِيدا للاستسلام لَهُم هَذَا وَإِن طَريقَة ابْن حزم طَريقَة معقولة وَهِي وَإِن كَانَت بعيدَة فِي نظر

стр. 127

قوم فَهِيَ قريبَة فِي نظر آخَرين مِمَّن خبروا أَحْوَال النَّاس ودققوا النّظر فِي أَمر الْحَوَادِث وَأَكْثرُوا من النّظر فِي التَّارِيخ وَبَحَثُوا عَن أَسبَاب الْمسَائِل وعللها ليقفوا على حقائقها ودقائقها وَهنا أَمر يَنْبَغِي التنبه لَهُ وَهُوَ أَن الْيَهُود فِي ذَلِك الْعَصْر لم يَكُونُوا مستبدين بأمرهم بل كَانُوا تَحت حكم مُلُوك الرّوم وَكَانَ ملك الرّوم حِينَئِذٍ طيباريوس وَهُوَ الَّذِي بنيت فِي عَهده مَدِينَة طبرية ونسبت إِلَيْهِ وَكَانَ الْوَالِي عَلَيْهِم من قبله بيلاطوس قَالَ سعيد بن البطريق فِي نظم الْجَوْهَر وَملك طيباريوس قَيْصر برومية وللمسيح خمس عشرَة سنة وَكَانَ لقيصر هَذَا صديق يُقَال لَهُ بلاطس من قَرْيَة على شط البنطس وَلذَلِك يُسمى بلاطس البنطي فولاه على أَرض يهوذا قَالَ وَفِي خمس عشرَة سنة من ملك طيباريوس هَذَا ظهر يحيى بن زَكَرِيَّا المعمداني فَعمد الْيَهُود فِي الْأُرْدُن ولسيدنا الْمَسِيح ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ قَالَ وَكتب بلاطس إِلَى طيباريوس الْملك بِخَبَر سيدنَا الْمَسِيح وَمَا تَفْعَلهُ تلاميذه من الْعَجَائِب الْكَثِيرَة من إِبْرَاء المرضى وإحياء الْمَوْتَى فَأَرَادَ أَن يُؤمن بسيدنا الْمَسِيح وَيظْهر دين النَّصْرَانِيَّة فَلم يُتَابِعه أَصْحَابه على ذَلِك وَملك اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة وَسِتَّة أشهر وبيلاطوس الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي ادّعى رُؤُوس الْيَهُود عِنْده أَن الْمَسِيح ﵇ كَانَ يضل شِعْبهمْ وَيَدعِي بِأَنَّهُ هُوَ الْمَسِيح ملك الْيَهُود وَأَنه كَانَ يمْنَع النَّاس من أَدَاء الْجِزْيَة لقيصر وطلبوا مِنْهُ أَن يصلبه وَإِنَّمَا لم يتولوا هم المر بِأَنْفسِهِم لأسباب الأول انه لم يكن يسوغ أَن يقتلُوا أحدا مِمَّن حكمُوا عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ دون مُوَافقَة الرّوم وَمَا وَقع مِنْهُم مرَارًا من الْقيام على الْمَسِيح وَإِرَادَة رجمه فَإِنَّمَا ذَلِك من قبيل مَا يحصل أَحْيَانًا من حكام الرعايا حِين اشتداد غَضَبهَا وَكَثِيرًا مَا تتغاضى الْحُكَّام عَن ذَلِك إِذا لم تخش ضَرَرا مِنْهُ الثَّانِي أَنهم كَانُوا يخَافُونَ من الشّعب فَإِن كثيرين مِنْهُم كَانُوا يميلون إِلَى

стр. 128

الْمَسِيح ﵇ فَإِذا تولى الْحَاكِم ذَلِك وَوَقع من الشّعب فتن أمكنه تسكينها بِوَاسِطَة الْجند الثَّالِث أَن مَا ادعوهُ على الْمَسِيح ﵇ من أَنه كَانَ يفتري على الله كذبا ويضل النَّاس لَو صَحَّ وَثَبت فَإِنَّهُ يَقْتَضِي بِمُوجب شرعهم الرَّجْم لَا الصلب وهم يُرِيدُونَ أَن يصلب لاعتقادهم أَن الصلب أدعى لزجر النَّاس عَن اتِّبَاعه وَفِيه شِفَاء غليلهم مَا لَيْسَ فِي غَيره من انواع الْقَتْل وَقد ذكر فِي الأناجيل أَن بيلاطوس الْمَذْكُور لما سلمه رُؤَسَاء الْيَهُود الْمَسِيح ﵇ وطلبوا مِنْهُ إهلاكه سَأَلَهُ عَمَّا اتَّهَمُوهُ لَهُ فَتبين لَهُ افتراؤهم وَعرف أَنهم إِنَّمَا أَسْلمُوا حسدا وبغيا وتعجب جدا وَقَالَ لَهُم إِنِّي لم أجد لَهُ عِلّة توجب هَلَاكه حرص على إِطْلَاقه غير انهم أصروا على مَا طلبُوا مِنْهُ وحرضوا جُمْهُور النَّاس على ذَلِك فاحب إرضاءهم فَأمر الشَّرْط بَان يذهبوا بِهِ ويجروا مَا يُرْضِي أُولَئِكَ الْقَوْم وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي أَمر بيلاطوس فَقَالَ بَعضهم إِنَّه كَانَ فِي الْبَاطِن يمِيل إِلَى قتل الْمَسِيح وَلذَلِك بَادر إِلَى إمضائه مَعَ أَن فِي يَده إِطْلَاقه حَالا فضلا عَن إبقائه فِي السجْن إِلَى أَن يتروى فِي أمره مُدَّة وَيجْرِي بعد ذَلِك مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال وَيدل على ذَلِك قَوْله للمسيح ﵇ لما سَأَلَهُ فَلم يجبهُ مَالك لَا تكلمني أَلا تعلم أَن لي سُلْطَانا على ان أطلقك ولي سُلْطَان على أَن أصلبك وَقَالَ أَكْثَرهم لم يكن بيلاطوس يمِيل إِلَى الْبَاطِن إِلَى قتل الْمَسِيح ﵇ وَيدل على ذَلِك أَشْيَاء الأول مَا ظهر مِنْهُ من تبرئة الْمَسِيح وذبه عَنهُ بِقدر مَا اسْتَطَاعَ الثَّانِي رُؤْيا زَوجته فَإِنَّهَا أرْسلت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مجْلِس الحكم والمسيح عِنْده مَعَ القائمين عَلَيْهِ تَقول إياك وَذَلِكَ الصّديق لِأَنِّي رَأَيْت فِي الْحلم من أَجله أمورا مزعجة كثيرا وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الْحلم فَقَالَ بَعضهم هُوَ من الشَّيْطَان ليخلص الْمَسِيح فَيبقى الْعَالم بِغَيْر فدَاء وَقَالَ بَعضهم هُوَ من ملك ليشهد الرِّجَال وَالنِّسَاء بِكَمَال الْمَسِيح

стр. 129

الثَّالِث خوف ثورة الشّعب فَإِن كثيرا مِنْهُم كَانُوا يميلون إِلَى الْمَسِيح ﵇ والولاة أبعد النَّاس عَن إثارة الشّعب بِدُونِ عابث قوي لذَلِك وَهَذَا الْوَالِي كَانَ من عباد الْأَوْثَان وَلم يكن للْيَهُود عِنْده من حَيْثُ الدّين شَأْن وَلذَلِك كَانَ القائمون عَلَيْهِ عازمين فِي أول الْأَمر على ان يمسكوه ويقتلوه غيلَة وَأَن يكون ذَلِك فِي غير الْعِيد لِكَثْرَة اجْتِمَاع النَّاس فِيهِ فَلَمَّا جَاءَهُم يهوذا الخائن غيروا رَأْيهمْ واعتقدوا أَن الفرصة قد ساعدت وعزموا على ان يكون ذَلِك على يَد الْحَاكِم لِأَنَّهُ أقرب إِلَى السَّلامَة من الشّعب إِن ثار فَفَعَلُوا مَا فعلوا الرَّابِع مَا ذكر عَنهُ من أَنه كتب من بعد إِلَى طيباريوس ملك الرّوم بِخَبَر الْمَسِيح وَمَا وَقع لَهُ من الْآيَات وبخبر تلاميذه وَمَا يَقع على أَيْديهم من الْعَجَائِب غير أَن كثيرا مِنْهُم توقف فِي صِحَة هَذَا الْخَبَر وَقَالَ إِنَّه كَانَ عزم على ذَلِك غير انه خشِي ان يعود عَلَيْهِ ذَلِك بِالضَّرَرِ حَيْثُ قتل الْمَسِيح بِغَيْر حق وَقد ورد على هَذَا الْفَرِيق إِشْكَال وَهُوَ أَن يُقَال إِذا كَانَ هَذَا الْوَالِي يمِيل إِلَى إِطْلَاق الْمَسِيح والبواعث على ذَلِك كَثِيرَة فَلم لم يُطلقهُ وَقد أجابوا عَن ذَلِك بِأَن بيلاطوس كَانَ عزم على إِطْلَاقه فصاح الْيَهُود بِهِ وَقَالُوا إِن تطلق هَذَا فَمَا أَنْت بمحب لقيصر لِأَن من يَجْعَل نَفسه ملكا يكون عدوا لقيصر فارتاع بيلاطوس وخشي بَطش قَيْصر إِن بلغه ذَلِك فَأسلم الْمَسِيح إِلَى مَا أسلمه إِلَيْهِ وَفِي هَذَا الْجَواب ضعف لِأَنَّهُ يُمكنهُ حِينَئِذٍ أَن يضع الْمَسِيح فِي السجْن وَيكْتب إِلَيْهِ بِحَقِيقَة الْحَال وينتظر مَا يَأْمر بِهِ فَيجْرِي عَلَيْهِ وَقَالَ بَعضهم فعل مَا فعل تخلصا من شغب الشّعب فَإِن الرؤساء حرضوهم على الِاجْتِمَاع عِنْد دَار الحكم وَأَن يلحوا فِي طلب إهلاكه فَكَانَ كلما قَالَ لَهُم أَي شَرّ صنع هَذَا يزدادون صياحا قائلين ليصلب فَلَمَّا رأى أَن ذَلِك لَا يُفِيد شَيْئا بل تزداد الجلبة كلما حاولهم غسل يَدَيْهِ أمامهم وَقَالَ أَنا بَرِيء من دم هَذَا

стр. 130

الصّديق أَنْتُم أخبر فصاحوا كلهم قائلين دَمه علينا وعَلى أَوْلَادنَا وأسلمه إِلَى الْجند لينفذوا الحكم عَلَيْهِ قَالَ بعض القسيسين فَإِن قيل يجوز للوالي أَن يخضع لرأي الشّعب كُله فِي مثل هَذَا الْأَمر فَالْجَوَاب لَا بل يجب على الْحَاكِم أَن يحْتَمل ألف ميتَة وَلَا يحيد عَن مَنْهَج الْعدْل وَإِذا جمع بَين العلتين يكون الْجَواب أقوى وَاعْلَم أَن مَسْأَلَة الصلب إِنَّمَا أهمت النَّصَارَى مَعَ ضعف مأخذها عِنْدهم لبنائهم أَكثر أُمُور دينهم عَلَيْهَا ونسبتهم أَكثر أسراره إِلَيْهَا حَتَّى إِنَّهُم يُنكرُونَ على منكرها أَكثر مِمَّا يُنكرُونَ على مُنكر التَّثْلِيث وَقد بَقِي فِي مبَاحث الْمُتَوَاتر مسَائِل أُخْرَى مهمة تركناها لِأَنَّهَا مِمَّا يَهْتَدِي إِلَيْهَا اللبيب بِنَفسِهِ إِذا أمعن فِيهَا النّظر

стр. 131

الْفَصْل السَّادِس فِي أَقسَام الحَدِيث قبل الْخَوْض فِي ذَلِك يَنْبَغِي الْوُقُوف على مَسْأَلَتَيْنِ الْمَسْأَلَة الأولى أَن الْمُحدثين لَا يبحثون عَن الْمُتَوَاتر لاستغنائه بالتواتر عَن يُرَاد سَنَد لَهُ حَتَّى إِنَّه إِذا اتّفق لَهُ سَنَد لم يبْحَث عَن أَحْوَال رُوَاته لما سبق بَيَانه فِي الْمَسْأَلَة السَّابِعَة من الْفَصْل الْخَامِس فَقَوْل الْمُحدثين إِن الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف يُرِيدُونَ بِهِ الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طَرِيق الْآحَاد وَأما الحَدِيث الْمُتَوَاتر فَهُوَ خَارج عَن مورد الْقِسْمَة وَقد ألحق بَعضهم المستفيض بالمتواتر فَجعله أَيْضا خَارِجا عَن مورد الْقِسْمَة وَقد نقلنا فِيمَا مضى أقوالا فِي حد المستفيض وَقد وقفت الْآن على أَقْوَال أخر ذكرهَا بعض من ألف فِي الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة فَأَحْبَبْت إِيرَاد خُلَاصَة ذَلِك قَالَ قد اقْتضى كَلَام قوم أَن المستفيض خبر جمع يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب وَكَلَام قوم أَنه خبر جمع يُفِيد ظنا فَوق الظَّن الْمُجَرّد وَقَالَ بَعضهم إِنَّه خبر جمع كثير يَقع الْعلم أَو الظَّن بقَوْلهمْ وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء لَا تقبل الشَّهَادَة بالاستفاضة إِلَّا فِي مسَائِل مِنْهَا النّسَب وَالْوَقْف وَولَايَة الْوَالِي وعزله وَقَالَ بَعضهم إِذا استفاض فسق الشَّاهِد بَين النَّاس لم يحْتَج إِلَى الْبَحْث وَالسُّؤَال عَنهُ

стр. 132

وَيَنْبَغِي التنبه لأمر وَهُوَ أَنه لَا يجوز الْجرْح بِمُجَرَّد الشُّيُوع والانتشار بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من حُصُول الْعلم فَإِذا لم يحصل الْعلم لم يجز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وهتك أَعْرَاض النَّاس بِهِ وَقد صرح بذلك الْغَزالِيّ وَهُوَ الْحق لِأَنَّهُ مِمَّا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ وَإِذا وَقع لم يحصل فِيهِ لبس فَلَا يَقع فِيهِ بِمَا لَا يُفِيد الْعلم من الاستفاضة والاستفاضة تحصل بِأَقَلّ جموع الْكَثْرَة وَهُوَ أحد عشر فَمن زعم استفاض بِدُونِهَا فَهُوَ ذاهل وَشرط الْعَمَل بالاستفاضة أَن لَا عَارض باستفاضة مثلهَا فَإِن عورضت بَطل حكمهَا لأَنا إِن شرطنا فِي الاستفاضة الْعلم فالمعارضة تدل على انه لَا استفاضة من الْجَانِبَيْنِ لِأَن القاطعين لَا يتعارضان وَإِن اكتفينا بِالظَّنِّ فَلَيْسَ أحد الظنين بِأولى من مُقَابِله وَاعْلَم أَن الشَّيْء الَّذِي لَا تنضبط أَسبَاب الِاطِّلَاع عَلَيْهِ إِذا أثارت أَسبَابه لبَعض العارفين ظنا يسوغ لَهُ الشَّهَادَة لم يسغْ لَهُ أَن يُصَرح بِهِ عِنْد الْحَاكِم لن من الْجَائِز أَن لَا يتَبَيَّن لَهُ الظَّن الَّذِي ثار عِنْد الشَّاهِد لَا سِيمَا إِن قَامَت عِنْد الشَّاهِد إشارات تقصر عَنْهَا الْعبارَات وَمن ثمَّ قَالُوا فِيمَا يشْهد فِيهِ بالاستفاضة إِن الشَّاهِد لَو صرح بِأَن مُسْتَنده الاستفاضة لم يقبل لِأَنَّهُ أَضْعَف قَوْله بِذكر مُسْتَنده اهـ وَقد تبين من عباراتهم المخلفة أَن من الْعلمَاء من يَجْعَل المستفيض مرادفا للمتواتر وَمِنْهُم من يَجعله أعلم مِنْهُ بِحَيْثُ يُقَال كل متواتر مستفيض وَلَيْسَ كل مستفيض متواترا وَمِنْهُم من يَجعله قسما على حِدة غير انه دون الْمُتَوَاتر وَفَوق الْمَشْهُور وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَالْمَقْصُود بِمَا ذكرنَا التَّنْبِيه على اخْتِلَاف الِاصْطِلَاح فِيهِ ليعرف الْمطَالع إِذا رأى توارد الْأَحْكَام الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِ أَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ لاخْتِلَاف اصْطِلَاح المصطلحين فِيهِ لَا لأمر آخر

стр. 133

المسالة الثَّانِيَة قد سبق ذكر معنى السَّنَد والإسناد وَقَول ابْن الْمُبَارك الْإِسْنَاد من الدّين وَلَوْلَا الْإِسْنَاد لقَالَ من شَاءَ مَا شَاءَ وَقد دَعَا الْحَال إِلَى أَن نذْكر هُنَا معنى الْمسند وَمَا يُنَاسِبه فَنَقُول قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي شرح نخبة الْفِكر والمسند فِي قَول أهل الحَدِيث هَذَا حَدِيث مُسْند هُوَ مَرْفُوع صَحَابِيّ بِسَنَد ظَاهره الِاتِّصَال فَقولِي مَرْفُوع كالجنس وَقَوْلِي صَحَابِيّ كالفصل يخرج بِهِ مَا رَفعه التَّابِعِيّ فَإِنَّهُ مُرْسل أَو من دونه فَإِنَّهُ معضل أَو مُعَلّق وَقَوْلِي ظَاهِرَة الِاتِّصَال يخرج مَا ظَاهره الِانْقِطَاع وَيدخل مَا فِيهِ الِاحْتِمَال وَمَا يُوجد فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال من بَاب الأولى وَيفهم من التَّقْيِيد بالظهور أَن الِانْقِطَاع الْخَفي كعنعنة المدلس والمعاصر الَّذِي لم يثبت لقِيه لَا يخرج الحَدِيث عَن كَونه مُسْندًا لإطباق الْأَئِمَّة الَّذين خَرجُوا المسانيد على ذَلِك وَهَذَا تَعْرِيف مُوَافق لقَوْل الْحَاكِم الْمسند مَا رَوَاهُ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ وَكَذَا شَيْخه عَن شَيْخه مُتَّصِلا إِلَى صَحَابِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأما الْخَطِيب فَقَالَ الْمسند الْمُتَّصِل فعلى هَذَا الْمَوْقُوف إِذا جَاءَ بِسَنَد مُتَّصِل يُسمى عِنْده مُسْندًا لَكِن قَالَ إِن ذَلِك قد يَأْتِي لَكِن بقلة وَأبْعد ابْن عبد الْبر حَيْثُ قَالَ الْمسند الْمَرْفُوع وَلم يتَعَرَّض للإسناد فَإِنَّهُ يصدق على الْمُرْسل والمعضل والمنقطع إِذا كَانَ الْمَتْن مَرْفُوعا وَلَا قَائِل بِهِ اهـ قَالَ بعض الْعلمَاء يَنْبَغِي أَن يُرَاد بموافقة تَعْرِيفه لتعريف الْحَاكِم الْمُوَافقَة فِي الْجُمْلَة وَإِلَّا فالمتبادر من تَعْرِيف الْحَاكِم اخْتِصَاص الْمسند بِمَا اتَّصل فِيهِ السَّنَد حَقِيقَة وَقد صرح بِاشْتِرَاط عدم التَّدْلِيس فِي رُوَاته نعم إِن أَرْبَاب المساند لم يتحاموا فِيهَا تَخْرِيج معنعنات المدلسين وَلَا أَحَادِيث من لَيْسَ لَهُ من النَّبِي ﷺ إِلَّا مُجَرّد الرُّؤْيَة

стр. 134

وَقد عرفت بِمَا ذكر أَن للْعُلَمَاء فِي معنى الْمسند ثَلَاثَة أَقْوَال القَوْل الأول قَول من قَالَ ن الْمسند لَا يَقع إِلَّا على مَا اتَّصل مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ وَبِه جزم الْحَاكِم فِي كِتَابه فِي عُلُوم الحَدِيث وَلم يذكر فِيهِ غَيره وَحَكَاهُ الْحَافِظ ابْن عبد الْبر فِي كتاب التَّمْهِيد عَن قوم من أهل الحَدِيث وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَشْهُور وَبِه يحصل الْفرق بَين الْمسند وَبَين الْمُتَّصِل وَالْمَرْفُوع وَذَلِكَ أَن الْمَرْفُوع نظر فِيهِ إِلَى حَال الْمَتْن مَعَ قطع النّظر عَن الْإِسْنَاد اتَّصل أم لم يتَّصل والمتصل نظر فِيهِ إِلَى حَال الْإِسْنَاد مَعَ قطع النّظر عَن الْمَتْن مَرْفُوعا كَانَ أم مَوْقُوفا والمسند نظر فِيهِ إِلَى الْأَمريْنِ وهما الرّفْع والاتصال فَيكون أخص من كل مِنْهُمَا فَكل مُسْند مَرْفُوع وكل مُسْتَند مُتَّصِل وَلَيْسَ كل مَرْفُوع مُسْندًا وَلَا كل مُتَّصِل مُسْندًا القَوْل الثَّانِي قَول من قَالَ الْمسند هُوَ الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده من رَاوِيه إِلَى منتهاه ذكره الْخَطِيب نقلا عَن جُمْهُور أهل الحَدِيث قَالَ ابْن الصّلاح وَأكْثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِيمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ دون مَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَغَيرهم وعَلى ذَلِك يدْخل فِيهِ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف فَلَا يكون بَينه وَبَين الْمُتَّصِل فرق إِلَّا من جِهَة ان الْمُتَّصِل يسْتَعْمل فِي الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف على حد سَوَاء بِخِلَاف الْمسند فَإِنَّهُ يسْتَعْمل فِي الْمَرْفُوع كثيرا وَفِي الْمَوْقُوف قَلِيلا غير أَن كَلَام الْخَطِيب يَقْتَضِي دُخُول الْمَقْطُوع فِيهِ وَهُوَ قَول التَّابِعين وَكَذَا قَول من بعد التَّابِعين وَكَلَام أهل الحَدِيث يأباه القَوْل الثَّالِث قَول من قَالَ الْمسند مَا رفع إِلَى النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَهُوَ قد يكون تصلا مثل مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ وَقد يكون مُنْقَطِعًا مثل مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مُسْند لِأَنَّهُ قد أسْند إِلَى

стр. 135

رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمع من ابْن عَبَّاس قَالَه ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد فعلى هَذَا يَسْتَوِي الْمسند وَالْمَرْفُوع وَقد جرى على ذَلِك الدارقني فِي قَوْله فِي سعيد بن جُبَير بن حَيَّة الثَّقَفِيّ إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ يحدث بِأَحَادِيث يسندها وَغَيره يقفها هَذَا وَقد اسْتشْكل بَعضهم مَا ذكر فِي القَوْل الأول من قَوْلهم كل مُسْند تصل وَلَيْسَ كل مُتَّصِل مُسْندًا فَقَالَ إِن الْمسند غنما يُطلق على الْمَتْن والمتصل إِنَّمَا يُطلق على السَّنَد فَكيف يسوغ حمل أَحدهمَا على الآخر وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَن المُرَاد بقَوْلهمْ كل مُسْند مُتَّصِل أَن كل حَدِيث مُسْند فَهُوَ مُتَّصِل الْإِسْنَاد وبقولهم لَيْسَ كل مُتَّصِل مُسْندًا أَنه لَيْسَ كل مَا كَانَ مُتَّصِل الْإِسْنَاد مُسْندًا وَذَلِكَ لكَونه بعضه لَيْسَ بمرفوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَمَا لَا يكون مَرْفُوعا إِلَيْهِ لَا يُقَال لَهُ مُسْند فَيصح الْحمل فِي الْمَوْضِعَيْنِ على الْوَجْه الَّذِي ذكر ونظائر ذَلِك كَثِيرَة لَا تحصى وَلَيْسَ فِي ذَلِك تعقيد لتبادر الْمَعْنى المُرَاد إِلَى الذِّهْن وَمن وقف مَعَ ظواهر الْأَلْفَاظ حَار فِي أَكثر الْمَوَاضِع وَالْمرَاد بالمتصل مَا لم يسْقط فِيهِ أحد من رِجَاله وَيُسمى عدم السُّقُوط اتِّصَالًا ويقابل الْمُتَّصِل الْمُنْقَطع وَهُوَ مَا سقط فِيهِ وَاحِد من رِجَاله أَو أَكثر تَنْبِيه لَا يُقَال الْمُتَّصِل فِي حَال الْإِطْلَاق إِلَّا فِي الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وَأما فِي حَال التَّقْيِيد فيسوغ أَن يُقَال فِي الْمَقْطُوع وَهُوَ وَاقع فِي كَلَامهم يَقُولُونَ هَذَا مُتَّصِل إِلَى سعيد بن الْمسيب أَو إِلَى الزُّهْرِيّ أَو إِلَى مَالك ولنذكر تَفْسِير هَذِه الْأَلْفَاظ فَنَقُول الْمَرْفُوع هُوَ مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﷺ من أَقْوَاله وأفعاله أَو تَقْرِيره سَوَاء أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو من بعدهمَا وَسَوَاء اتَّصل إِسْنَاده أم لَا

стр. 136

وَقَالَ الْخَطِيب الْمَرْفُوع مَا أخبر فِيهِ الصَّحَابِيّ عَن قَول الرَّسُول ﷺ أَو فعله فعلى هَذَا لَا يدْخل فِيهِ مَا أرْسلهُ التابعون وَمن بعدهمْ قَالَ الْحَافِظ ابْن الصّلاح وَمن جعل من أهل الحَدِيث الْمَرْفُوع فِي مُقَابلَة الْمُرْسل فقد عَنى بالمرفوع الْمُتَّصِل وَالْمَوْقُوف مَا يرْوى عَن الصَّحَابَة ﵃ من أَقْوَالهم أَو أفعالهم أَو تقريرهم وَسمي مَوْقُوفا لِأَنَّهُ وقف عَلَيْهِم وَلم يتَجَاوَز بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ إِن مِنْهُ مَا يتَّصل الْإِسْنَاد فِيهِ إِلَى الصَّحَابِيّ فَيكون من الْمَوْقُوف الْمَوْصُول وَمِنْه مَا لَا يتَّصل إِسْنَاده إِلَيْهِ فَيكون من الْمَوْقُوف الْمُنْقَطع على حسب مَا عرف مثله فِي الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَشرط الْحَاكِم فِي الْمَوْقُوف أَن يكون إِسْنَاده غير مُنْقَطع إِلَى الصَّحَابِيّ وَهُوَ شَرط لم يُوَافقهُ عَلَيْهِ أحد وَمَا ذكر من تَخْصِيص الْمَوْقُوف بالصحابي إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كرّ مُطلقًا وَإِلَّا فقد يسْتَعْمل فِي غير الصَّحَابِيّ يُقَال هَذَا مَوْقُوف على عَطاء أَو على طَاوس أَو وَقفه فلَان على مُجَاهِد وَنَحْو ذَلِك وَقد سمى بعض الْفُقَهَاء الْمَوْقُوف بالأثر وَأما المحدثون فجمهورهم يطلقون الْأَثر على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وعَلى ذَلِك جرى الطَّحَاوِيّ فِي تَسْمِيَة كِتَابه الْمُشْتَمل عَلَيْهِمَا بشرح مَعَاني الْأَثر وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ فِي تَسْمِيَة كِتَابه الْمُشْتَمل عَلَيْهِمَا بتهذيب الْآثَار إِلَّا أَن إِيرَاده للْمَوْقُوف فِيهِ إِنَّمَا كَانَ بطرِيق التّبعِيَّة

стр. 137

والمقطوع مَا جَاءَ عَن التَّابِعين مَوْقُوفا عَلَيْهِم من أَقْوَالهم أَو أفعالهم أَو تقريرهم وَقد اسْتعْمل الإِمَام الشَّافِعِي ثمَّ الطَّبَرَانِيّ الْمَقْطُوع فِي الْمُنْقَطع الَّذِي لم يتَّصل إِسْنَاده وَوَقع فِي كَلَام الْحميدِي وَالدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا أَن الشَّافِعِي اسْتعْمل ذَلِك قبل اسْتِقْرَار الِاصْطِلَاح كَمَا اسْتعْمل الْحسن فِي بعض الْأَحَادِيث وَهِي على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَوَقع لِلْحَافِظِ أبي بكر أَحْمد البردعي عكس هَذَا فَاسْتعْمل الْمُنْقَطع فِي الْمَقْطُوع حَيْثُ قَالَ الْمُنْقَطع هُوَ قَول التَّابِعِيّ وَحكى الْخَطِيب عَن بعض أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ أَن الْمُنْقَطع مَا رُوِيَ عَن التَّابِعِيّ أَو من دونه مَوْقُوفا عَلَيْهِ من قَوْله أَو فعله قَالَ ابْن الصّلاح وَهُوَ بعيد غَرِيب فَائِدَة قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ جمع أَبُو حَفْص ابْن بدر الْموصِلِي كتابا سَمَّاهُ معرفَة الْوُقُوف على الْمَوْقُوف أورد فِيهِ مَا أوردهُ أَصْحَاب الموضوعات فِي مؤلفاتهم فِيهَا وَهُوَ صَحِيح عَن غير النَّبِي ﷺ إِمَّا عَن صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ فَمن بعده وَقَالَ إِن إِيرَاده فِي الموضوعات غلط فَبين الْمَوْضُوع وَالْمَوْقُوف فرق وَمن مظان الْمَوْقُوف والمقطوع مُصَنف ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق وَتَفْسِير ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم اهـ ولنشرع فِي بَيَان أَقسَام الحَدِيث فَنَقُول قلا الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان أَحْمد الْخطابِيّ الحَدِيث عِنْد أَهله ثَلَاثَة أَقسَام صَحِيح وَحسن وَسَقِيم

стр. 138

فَالصَّحِيح مَا اتَّصل سَنَده وَعدلت نقلته وَالْحسن مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله وَعَلِيهِ مدرا أَكثر الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي يقبله أَكثر الْعلمَاء وتستعمله عَامَّة الْفُقَهَاء والسقيم على ثَلَاث طَبَقَات شَرها الْمَوْضُوع ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمَجْهُول قَالَ الْعِرَاقِيّ فِي نكته لم أر من سبق الْخطابِيّ إِلَى تقسيمه الْمَذْكُور وَإِن كَانَ فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين ذكر الْحسن هُوَ مَوْجُود فِي كَلَام الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَجَمَاعَة وَلَكِن الْخطابِيّ نقل التَّقْسِيم عَن أهل الحَدِيث وَهُوَ إِمَام ثِقَة فَتَبِعَهُ ابْن الصّلاح وَأَرَادَ الْخطابِيّ بِأَهْل الحَدِيث فِي قَوْله الحَدِيث عِنْد أَهله ثَلَاثَة أَقسَام أَكْثَرهم وَيُمكن إبقاؤه على عُمُومه نظرا لاستقرار اتِّفَاقهم على ذَلِك بعد الِاخْتِلَاف وَقد اعْترض بَعضهم على هَذَا التَّقْسِيم بِأَنا إِن نَظرنَا إِلَى نفس الْأَمر فَمَا ثمَّ إِلَّا صَحِيح وَغير صَحِيح وَإِن نَظرنَا إِلَى اصْطِلَاح الْمُحدثين فَهُوَ يَنْقَسِم عِنْدهم إِلَى أَكثر من ذَلِك وَأَجَابُوا بِأَن هَذَا التَّقْسِيم مَبْنِيّ عل اصْطِلَاح الْمُحدثين والأقسام الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا رَاجِعَة إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة وَأما المتقدمون فقد كَانَ أَكْثَرهم يقسم الحَدِيث إِلَى قسمَيْنِ فَقَط صَحِيح وَضَعِيف وَأما الْحسن فَذكر بعض الْعلمَاء أَنهم كَانُوا يدرجونه فِي الصَّحِيح لمشاركته لَهُ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَذكر الْعَلامَة ابْن تَيْمِية أَنهم كَانُوا يدرجونه فِي الضَّعِيف قَالَ فِي منهاج السّنة النَّبَوِيَّة أما نَحن فقولنا إِن الحَدِيث الضَّعِيف خير من الرَّأْي لَيْسَ المُرَاد بِهِ الضَّعِيف الْمَتْرُوك لَكِن المُرَاد بِهِ الْحسن كَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَحَدِيث إِبْرَاهِيم الهجري وأمثالهما مِمَّن يحسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه أَو يُصَحِّحهُ

стр. 139

وَكَانَ الحَدِيث فِي اصْطِلَاح من قبل التِّرْمِذِيّ إِمَّا صَحِيح وَإِمَّا ضَعِيف والضعيف نَوْعَانِ ضَعِيف مَتْرُوك وَضَعِيف لَيْسَ بمتروك فَتكلم أَئِمَّة الحَدِيث بلك الِاصْطِلَاح فجَاء من لَا يعرف لَا اصْطِلَاح التِّرْمِذِيّ فَسمع بعض قَول الْأَئِمَّة الحَدِيث الضَّعِيف أحب إِلَيّ من الْقيَاس فَظن أَنه يحْتَج بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُضعفهُ مثل التِّرْمِذِيّ وَأخذ يرجح طَرِيقه من يرى أَنه اتبع للْحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ فِي ذَلِك من المتناقضين الَّذين يرجحون الشَّيْء على مَا هُوَ أولى بالرجحان هَذَا وَقد رَأينَا أَن نورد كل قسم من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فِي مَبْحَث وَجل مَا نذكرهُ فِي الْغَالِب مَأْخُوذ من كَلَام مهذب هَذَا الْفَنّ الْحَافِظ عُثْمَان بن الصّلاح أَو كَلَام من اقتفى أَثَره من بعده من المختصرين لكَلَامه أَو المستدركين عَلَيْهِ مَعَ التَّصَرُّف فِي بعض الْمَوَاضِع إِن دعت الْحَال إِلَيْهِ

стр. 140

المبحث الأول فِي الحَدِيث الصَّحِيح الحَدِيث الصَّحِيح هُوَ الحَدِيث الَّذِي يكون مُتَّصِل الْإِسْنَاد من أَوله إِلَى منتهاه بِنَقْل الْعدْل الضَّابِط عَن مثله وَلَا يكون فِيهِ شذوذ وَلَا عِلّة فَخرج بقَوْلهمْ الَّذِي يكون مُتَّصِل الْإِسْنَاد مَا لم يتَّصل إِسْنَاده وَهُوَ الْمُنْقَطع والمرسل والمعضل وبقولهم بِنَقْل الْعدْل مَا فِي سَنَده من لم تعرف عَدَالَته وَهُوَ من عرف بِعَدَمِ الْعَدَالَة أَو من جهلت حَاله أَو لم يعرف من هُوَ وبالضابط غير الضَّابِط وَهُوَ كثير الْخَطَأ فَإِن مَا يرويهِ لَا يدْخل فِي حد الصَّحِيح وَإِن عرف هُوَ بِالصّدقِ وَالْعَدَالَة وبقولهم وَلَا يكون فِيهِ شذوذ مَا يكون فِيهِ شذوذ والشذوذ مُخَالفَة الثِّقَة فِي رِوَايَته من هُوَ أرجح مِنْهُ عِنْد تعسر الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ وبقولهم وَلَا عِلّة مَا يكون فِيهِ عِلّة وَالْمرَاد بِالْعِلَّةِ هُنَا أَمر يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث وَلما كَانَ من الْعِلَل مَا لَا يقْدَح فِي ذَلِك قيد بَعضهم الْعلَّة بالقادحة فَقَالَ وَلَا عِلّة قادحة وَمن أطلق الْعبارَة اكْتفى بِدلَالَة الْحَال على ذَلِك وَلكُل وجهة وَقد زَاد بَعضهم فِي تَقْيِيد العل فَقَالَ وَلَا عِلّة خُفْيَة قادحة وَالْأولَى ترك هَذِه الزِّيَادَة لِأَنَّهَا توهم أَن الْعلَّة الظَّاهِرَة لَا تُؤثر مَعَ أَنَّهَا أولى بالتأثير من الْعلَّة الْخفية وَالْعلَّة الظَّاهِرَة مثل ضعف الرَّاوِي أَو عدم اتِّصَال السَّنَد وَقد اعتذر بَعضهم عَن ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا قيد الْعلَّة بالخفية لِأَن الظَّاهِرَة قد وَقع الِاحْتِرَاز عَنْهَا فِي أول التَّعْرِيف وَهُوَ مِمَّا لَا يجدي نفعا وَاخْتصرَ بَعضهم هَذَا التَّعْرِيف فَقَالَ الحَدِيث الصَّحِيح مَا اتَّصل سَنَده

стр. 141

بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله وَسلم من شذوذ وَعلة فأورد عَلَيْهِ بِأَن الِاخْتِصَار يَقْتَضِي أَن يُقَال بِنَقْل ثِقَة عَن مثله فَإِن الثِّقَة هُوَ الْجَامِع بَين وصف الْعَدَالَة والضبط وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن الثِّقَة قد يُطلق على من كَانَ مَقْبُولًا وَإِن لم يكن تَامّ الضَّبْط وَالْمُعْتَبر فِي حد الصَّحِيح إِنَّمَا هُوَ تَامّ الضَّبْط وَلذَا فسروا الضَّابِط فِي تَعْرِيفه بتام الضَّبْط وَمَا ذكر هُوَ حد الحَدِيث الَّذِي يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ أهل الحَدِيث بِلَا خلاف بَينهم وَأما اخْتلَافهمْ فِي صِحَة بعض الْأَحَادِيث فَهُوَ إِمَّا لاختلافهم فِي وجود هَذِه الْأَوْصَاف فِيهِ وَإِمَّا لاختلافهم فِي اشْتِرَاط هَذِه الوصاف كَمَا فِي الْمُرْسل وَإِنَّمَا قيد نفي الْخلاف بِأَهْل الحَدِيث لِأَنَّهُ قد نقل عَن أنَاس من غَيرهم أَنهم لم يكتفوا بِمَا ذكر فِي صِحَة الحَدِيث ٣ فقد نقل عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن علية أَنه جعل الرِّوَايَة مثل الشَّهَادَة فَلم يقبل مَا ينْفَرد بِهِ الرَّاوِي الْعدْل الضَّابِط وَشرط فِي قبُول الحَدِيث أَن يرويهِ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ وَهُوَ من الْفُقَهَاء الْمُحدثين إِلَّا أَنه غير مَقْبُول القَوْل عِنْد الْأَئِمَّة لميله إِلَى الاعتزال وَقد كَانَ الشَّافِعِي يرد عَلَيْهِ ويحذر مِنْهُ وَنقل عَن أبي عَليّ الجبائي من الْمُعْتَزلَة انه قَالَ لَا يقبل الْخَبَر إِذا رَوَاهُ الْعدْل إِلَى إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ خبر عدل آخر أَو عضده مُوَافقَة ظَاهر الْكتاب اَوْ ظَاهر خبر آخر أَو يكون منتشرا بَين الصَّحَابَة أَو عمل بِهِ بَعضهم كى ذَلِك أَبُو الْحُسَيْن البوصيري فِي الْمُعْتَمد قَالَ الْغَزالِيّ إِن رِوَايَة الْوَاحِد تقبل وَإِن لم تقبل شَهَادَته خلافًا للجبائي وَجَمَاعَة حَيْثُ شرطُوا الْعدَد وَلم يقبلُوا إِلَّا قَول رجلَيْنِ ثمَّ لَا تثبت رِوَايَة كل وَاحِد

стр. 142

إِلَّا من رجلَيْنِ آخَرين وَإِلَى مَا يَنْتَهِي إِلَى زَمَاننَا يكثر كَثْرَة عَظِيمَة لَا يقدر مَعهَا على إِثْبَات حَدِيث أصلا وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ رِوَايَة الْعدْل الْوَاحِد مَقْبُولَة خلافًا للجبائي فَإِنَّهُ قَالَ رِوَايَة العدلين مَقْبُولَة وَأما خبر الْعدْل الْوَاحِد فَلَا يكون مَقْبُولًا إِلَّا إِذا عضده ظَاهر أَو عمل بعض أَصْحَابه أَو اجْتِهَاد أَو يكون منتشرا فيهم وَقد نقل عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَيْضا أَنهم اشترطوا التَّعَدُّد فِي الرَّاوِي وَكَأن النَّاقِل أَخذ ذَلِك من كَلَام الْحَاكِم فقد قَالَ فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث وصف الحَدِيث الصَّحِيح أَن يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية عَن النَّبِي ﷺ وَله راويان ثقتان ثمَّ يرويهِ من أَتبَاع التَّابِعين الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور بالرواية وَله رُوَاة ثِقَات وَقَالَ فِي كتاب الْمدْخل إِلَى كتاب الإكليل الصَّحِيح من الحَدِيث عشرَة أَقسَام خَمْسَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَخَمْسَة مُخْتَلف عَلَيْهَا فَالْأول من الْمُتَّفق عَلَيْهِ اخْتِيَار البُخَارِيّ وَمُسلم وَهُوَ الدرجَة الأولى من الصَّحِيح وَهُوَ أَن لَا يذكر إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور عَن رَسُول الله ﷺ لَهُ راويان ثقتان فَأكْثر يم يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن الصَّحَابَة لَهُ أَيْضا راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من اتِّبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك قَالَ الْحَاكِم وَالْأَحَادِيث المروية بِهَذِهِ الشريطة لَا يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف حَدِيث الْقسم الثَّانِي مثل الأول إِلَّا أَن رُوَاته من الصَّحَابَة لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد الْقسم الثَّالِث مثل الأول إِلَّا أَن رُوَاته من التَّابِعين لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد الْقسم الرَّابِع الْأَحَادِيث الْأَفْرَاد الغرائب الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْعُدُول

стр. 143

الْقسم الْخَامِس أَحَادِيث جمَاعَة من الْأَئِمَّة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم وَلم تتواتر الرِّوَايَة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم بهَا إِلَّا عَنْهُم كصحيفة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَإيَاس بن مُعَاوِيَة عَن أَبِيه عَن جده وأجدادهم صحابة وأحفادهم ثِقَات قَالَ الْحَاكِم فَهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة مخرجة فِي كتب الْأَئِمَّة فيحتج بهَا وَإِن لم يخرج مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث يَعْنِي غير الْقسم الول قَالَ والخمسة الْمُخْتَلف فِيهَا الْمُرْسل وَأَحَادِيث المدلسين إِذْ لم يذكرُوا سماعهم وَمَا أسْندهُ ثِقَة وأرسله جمَاعَة من الثِّقَات وَرِوَايَات الثِّقَات غير الْحفاظ العارفين وَرِوَايَات المبتدعة إِذا كَانُوا صَادِقين انْتهى كَلَام الْحَاكِم فقد جعل مَا ذكره فِي عُلُوم الحَدِيث شرطا للصحيح مُطلقًا وَجعل ذَلِك فِي الْمدْخل شرطا للصحيح عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَقد نقض عَلَيْهِ الْحَازِمِي مَا ادّعى من أَنه شَرط الشَّيْخَيْنِ بِمَا فِي الصَّحِيح من الغرائب الَّتِي تفرد بهَا بعض الروَاة وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَن كل راو فِي الْكِتَابَيْنِ يشْتَرط أَن يكون لَهُ راويان لَا أَنه يشْتَرط أَن يتَّفقَا فِي رِوَايَة ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني وَنَقله عَنهُ القَاضِي عِيَاض لَيْسَ المُرَاد أَن يكون كل خبر روياه يجْتَمع فِيهِ راويان عَن صحابيه ثمَّ عَن تابعيه فَمن بعده فغن ذَلِك يعز وجوده وَإِنَّمَا المُرَاد أَن هَذَا الصَّحَابِيّ وَهَذَا التَّابِعِيّ قد روى عَنهُ رجلَانِ خرج بهما عَن حد الْجَهَالَة قَالَ أَبُو عبد الله بن الْمواق مت حمل الغساني عَلَيْهِ كَلَام الْحَاكِم وَتَبعهُ عَلَيْهِ عِيَاض وَغَيره لَيْسَ بالبين وَلَا أعلم أحدا روى عَنْهُمَا انهما صرحا بذلك وَلَا وجود لَهُ فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا خَارِجا عَنْهُمَا

стр. 144

فَإِن كَانَ قَائِل ذَلِك عرفه من مَذْهَبهمَا بالتصفح لتصرفهما فِي كِتَابَيْهِمَا فَلم يصب لِأَن الْأَمريْنِ مَعًا فِي كِتَابَيْهِمَا وَإِن كَانَ أَخذه من كَون ذَلِك أكثريا فِي كِتَابَيْهِمَا فَلَا دَلِيل فِيهِ على كَونهمَا اشترطاه وَلَعَلَّ وجود ذَلِك أكثريا إِنَّمَا هُوَ لن من روى عَنهُ أَكثر من وَاحِد أَكثر مِمَّن لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد فِي الروَاة مُطلقًا لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من خرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ من الْإِنْصَاف إلزامهما هَذَا الشَّرْط من غير أَن يثبت عَنْهُمَا ذَلِك مَعَ وجود إخلالهما بِهِ أَنَّهُمَا إِذا صَحَّ عَنْهُمَا اشْتِرَاط ذَلِك كَانَ فِي إخلالهما بِهِ دَرك عَلَيْهِمَا وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح الْمُوَطَّأ كَانَ مَذْهَب الشَّيْخَيْنِ أَن الحَدِيث لَا يثبت حَتَّى يرويهِ اثْنَان وَهُوَ مَذْهَب بَاطِل بل رِوَايَة الْوَاحِد عَن الْوَاحِد صَحِيحه إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ فِي شرح البُخَارِيّ عِنْد حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ انْفَرد بِهِ عمر وَقد جَاءَ من طَرِيق أبي سعيد رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد ضَعِيف قَالَ وَحَدِيث عمر وَإِن كَانَت طَريقَة وَاحِدَة فَإِنَّمَا بنى البُخَارِيّ كِتَابه على حَدِيث يرويهِ أَكثر من وَاحِد فَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ من ذَلِك الْفَنّ لِأَن عمر قَالَه على الْمِنْبَر بِمحضر الْأَعْيَان من الصَّحَابَة فَصَارَ كالمجمع عَلَيْهِ فَكَأَن عمر ذكرهم لَا أخْبرهُم ال ابْن رشيد الْعجب مِنْهُ كَيفَ يَدعِي عَلَيْهِمَا ذَلِك ثمَّ يزْعم انه مَذْهَب بَاطِل فليت شعري من اعلمه بِأَنَّهُمَا اشْترطَا ذَلِك إِن كَانَ مَنْقُولًا فليبين طَريقَة لنَنْظُر فِيهَا وغن كَانَ عرفه بالاستقراء فقد وهم فِي ذَلِك وَلَقَد كَانَ يَكْفِيهِ فِي فِي ذَلِك أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ

стр. 145

وَمَا اعتذر بِهِ عَنهُ فِيهِ تَقْصِير لِأَن عمر لم ينْفَرد بِهِ وَحده بل انْفَرد بِهِ عَلْقَمَة عَنهُ وَانْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة وَانْفَرَدَ بِهِ يحيى بن سعيد بن مُحَمَّد وَعَن يحيى تعدّدت رُوَاته وَأَيْضًا فكون عمر قَالَه على الْمِنْبَر لَا يسْتَلْزم أَن يكون كرّ السامعين بِمَا عِنْدهم بل هُوَ مُحْتَمل للأمرين وَإِنَّمَا لم ينكروه أَنه عِنْدهم ثِقَة فَلَو حَدثهمْ بِمَا لم يسمعوه قطّ لم ينكروا عَلَيْهِ وَقد ادّعى الْحَافِظ ابْن حبَان أَن رُوَاته اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى ان يَنْتَهِي السَّنَد لَا تُوجد أصلا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين إِن أَرَادَ أَو رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا تُوجد أصلا فَيمكن أَن يسلم وَأما صُورَة الْعَزِيز فموجودة والعزيز عِنْدهم هُوَ الَّذِي يكون فِي طبقَة من طبقاته اثْنَان من الروَاة فَقَط وَتَكون الروَاة فِي سَائِر طبقاته لَيست أقل من اثْنَيْنِ فَيشْمَل مَا كَانَ فِي سَائِر طبقاته اثْنَان أَو أَكثر وَالَّذِي أنكرهُ ابْن حبَان هُوَ رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى أَن يَنْتَهِي السَّنَد فإنكاره ذَلِك لَا يسْتَلْزم إِنْكَار الحَدِيث الْعَزِيز الَّذِي قَرَّرَهُ المحدثون وَإِنَّمَا أنكر نوعا مِنْهُ وَعبارَته لَا تحْتَمل غير ذَلِك وَهَا هُنَا أَمر يَنْبَغِي الانتباه لَهُ وَهُوَ أَن ظَاهر عبارَة ابْن الْعَرَبِيّ تشعر بِأَن الشَّيْخَيْنِ يشترطان التَّعَدُّد حَتَّى فِي الصَّحَابَة وَظَاهر عبارَة الْحَاكِم تشعر بِخِلَاف ذَلِك وَالْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين أَنهم لم يشترطوا فِي الْمَشْهُور فضلا على الْعَزِيز التَّعَدُّد فِي الصَّحَابَة نعم قد اشْترط ذَلِك أَبُو عَليّ الجبائي وَمن نحا نَحوه وَقد توهم بَعضهم أَن الْحَاكِم قد نحا فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث منحى أبي عَليّ على أَن كثيرا من الْعلمَاء قَالَ إِن عِبَارَته الْمَذْكُورَة لَا تدل على أَن الحَدِيث الْمَرْوِيّ يجب أَن يجْتَمع فِي راويان عَن الصَّحَابِيّ الَّذِي رَوَاهُ ثمَّ عَن تابعيه فمنة بعده وَإِنَّمَا تدل على ان كلا من الصَّحَابِيّ والتابعي وَمن بعده قد روى عَنهُ رجلَانِ
следующие страницы →