Полный текст (855 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله وَسلم من شذوذ وَعلة فأورد عَلَيْهِ بِأَن الِاخْتِصَار يَقْتَضِي أَن يُقَال بِنَقْل ثِقَة عَن مثله فَإِن الثِّقَة هُوَ الْجَامِع بَين وصف الْعَدَالَة والضبط وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن الثِّقَة قد يُطلق على من كَانَ مَقْبُولًا وَإِن لم يكن تَامّ الضَّبْط وَالْمُعْتَبر فِي حد الصَّحِيح إِنَّمَا هُوَ تَامّ الضَّبْط وَلذَا فسروا الضَّابِط فِي تَعْرِيفه بتام الضَّبْط
وَمَا ذكر هُوَ حد الحَدِيث الَّذِي يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ أهل الحَدِيث بِلَا خلاف بَينهم وَأما اخْتلَافهمْ فِي صِحَة بعض الْأَحَادِيث فَهُوَ إِمَّا لاختلافهم فِي وجود هَذِه الْأَوْصَاف فِيهِ وَإِمَّا لاختلافهم فِي اشْتِرَاط هَذِه الوصاف كَمَا فِي الْمُرْسل
وَإِنَّمَا قيد نفي الْخلاف بِأَهْل الحَدِيث لِأَنَّهُ قد نقل عَن أنَاس من غَيرهم أَنهم لم يكتفوا بِمَا ذكر فِي صِحَة الحَدِيث ٣ فقد نقل عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن علية أَنه جعل الرِّوَايَة مثل الشَّهَادَة فَلم يقبل مَا ينْفَرد بِهِ الرَّاوِي الْعدْل الضَّابِط وَشرط فِي قبُول الحَدِيث أَن يرويهِ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ وَهُوَ من الْفُقَهَاء الْمُحدثين إِلَّا أَنه غير مَقْبُول القَوْل عِنْد الْأَئِمَّة لميله إِلَى الاعتزال وَقد كَانَ الشَّافِعِي يرد عَلَيْهِ ويحذر مِنْهُ
وَنقل عَن أبي عَليّ الجبائي من الْمُعْتَزلَة انه قَالَ لَا يقبل الْخَبَر إِذا رَوَاهُ الْعدْل إِلَى إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ خبر عدل آخر أَو عضده مُوَافقَة ظَاهر الْكتاب اَوْ ظَاهر خبر آخر أَو يكون منتشرا بَين الصَّحَابَة أَو عمل بِهِ بَعضهم كى ذَلِك أَبُو الْحُسَيْن البوصيري فِي الْمُعْتَمد
قَالَ الْغَزالِيّ إِن رِوَايَة الْوَاحِد تقبل وَإِن لم تقبل شَهَادَته خلافًا للجبائي وَجَمَاعَة حَيْثُ شرطُوا الْعدَد وَلم يقبلُوا إِلَّا قَول رجلَيْنِ ثمَّ لَا تثبت رِوَايَة كل وَاحِد
стр. 142
إِلَّا من رجلَيْنِ آخَرين وَإِلَى مَا يَنْتَهِي إِلَى زَمَاننَا يكثر كَثْرَة عَظِيمَة لَا يقدر مَعهَا على إِثْبَات حَدِيث أصلا
وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ رِوَايَة الْعدْل الْوَاحِد مَقْبُولَة خلافًا للجبائي فَإِنَّهُ قَالَ رِوَايَة العدلين مَقْبُولَة وَأما خبر الْعدْل الْوَاحِد فَلَا يكون مَقْبُولًا إِلَّا إِذا عضده ظَاهر أَو عمل بعض أَصْحَابه أَو اجْتِهَاد أَو يكون منتشرا فيهم
وَقد نقل عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَيْضا أَنهم اشترطوا التَّعَدُّد فِي الرَّاوِي وَكَأن النَّاقِل أَخذ ذَلِك من كَلَام الْحَاكِم
فقد قَالَ فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث وصف الحَدِيث الصَّحِيح أَن يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية عَن النَّبِي ﷺ وَله راويان ثقتان ثمَّ يرويهِ من أَتبَاع التَّابِعين الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور بالرواية وَله رُوَاة ثِقَات وَقَالَ فِي كتاب الْمدْخل إِلَى كتاب الإكليل الصَّحِيح من الحَدِيث عشرَة أَقسَام خَمْسَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَخَمْسَة مُخْتَلف عَلَيْهَا
فَالْأول من الْمُتَّفق عَلَيْهِ اخْتِيَار البُخَارِيّ وَمُسلم وَهُوَ الدرجَة الأولى من الصَّحِيح وَهُوَ أَن لَا يذكر إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور عَن رَسُول الله ﷺ لَهُ راويان ثقتان فَأكْثر يم يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن الصَّحَابَة لَهُ أَيْضا راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من اتِّبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك قَالَ الْحَاكِم وَالْأَحَادِيث المروية بِهَذِهِ الشريطة لَا يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف حَدِيث
الْقسم الثَّانِي مثل الأول إِلَّا أَن رُوَاته من الصَّحَابَة لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد
الْقسم الثَّالِث مثل الأول إِلَّا أَن رُوَاته من التَّابِعين لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد
الْقسم الرَّابِع الْأَحَادِيث الْأَفْرَاد الغرائب الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْعُدُول
стр. 143
الْقسم الْخَامِس أَحَادِيث جمَاعَة من الْأَئِمَّة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم وَلم تتواتر الرِّوَايَة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم بهَا إِلَّا عَنْهُم كصحيفة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَإيَاس بن مُعَاوِيَة عَن أَبِيه عَن جده وأجدادهم صحابة وأحفادهم ثِقَات
قَالَ الْحَاكِم فَهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة مخرجة فِي كتب الْأَئِمَّة فيحتج بهَا وَإِن لم يخرج مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث يَعْنِي غير الْقسم الول قَالَ والخمسة الْمُخْتَلف فِيهَا الْمُرْسل وَأَحَادِيث المدلسين إِذْ لم يذكرُوا سماعهم وَمَا أسْندهُ ثِقَة وأرسله جمَاعَة من الثِّقَات وَرِوَايَات الثِّقَات غير الْحفاظ العارفين وَرِوَايَات المبتدعة إِذا كَانُوا صَادِقين انْتهى كَلَام الْحَاكِم
فقد جعل مَا ذكره فِي عُلُوم الحَدِيث شرطا للصحيح مُطلقًا وَجعل ذَلِك فِي الْمدْخل شرطا للصحيح عِنْد الشَّيْخَيْنِ
وَقد نقض عَلَيْهِ الْحَازِمِي مَا ادّعى من أَنه شَرط الشَّيْخَيْنِ بِمَا فِي الصَّحِيح من الغرائب الَّتِي تفرد بهَا بعض الروَاة وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَن كل راو فِي الْكِتَابَيْنِ يشْتَرط أَن يكون لَهُ راويان لَا أَنه يشْتَرط أَن يتَّفقَا فِي رِوَايَة ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه
وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني وَنَقله عَنهُ القَاضِي عِيَاض لَيْسَ المُرَاد أَن يكون كل خبر روياه يجْتَمع فِيهِ راويان عَن صحابيه ثمَّ عَن تابعيه فَمن بعده فغن ذَلِك يعز وجوده وَإِنَّمَا المُرَاد أَن هَذَا الصَّحَابِيّ وَهَذَا التَّابِعِيّ قد روى عَنهُ رجلَانِ خرج بهما عَن حد الْجَهَالَة
قَالَ أَبُو عبد الله بن الْمواق مت حمل الغساني عَلَيْهِ كَلَام الْحَاكِم وَتَبعهُ عَلَيْهِ عِيَاض وَغَيره لَيْسَ بالبين وَلَا أعلم أحدا روى عَنْهُمَا انهما صرحا بذلك وَلَا وجود لَهُ فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا خَارِجا عَنْهُمَا
стр. 144
فَإِن كَانَ قَائِل ذَلِك عرفه من مَذْهَبهمَا بالتصفح لتصرفهما فِي كِتَابَيْهِمَا فَلم يصب لِأَن الْأَمريْنِ مَعًا فِي كِتَابَيْهِمَا وَإِن كَانَ أَخذه من كَون ذَلِك أكثريا فِي كِتَابَيْهِمَا فَلَا دَلِيل فِيهِ على كَونهمَا اشترطاه وَلَعَلَّ وجود ذَلِك أكثريا إِنَّمَا هُوَ لن من روى عَنهُ أَكثر من وَاحِد أَكثر مِمَّن لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد فِي الروَاة مُطلقًا لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من خرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَلَيْسَ من الْإِنْصَاف إلزامهما هَذَا الشَّرْط من غير أَن يثبت عَنْهُمَا ذَلِك مَعَ وجود إخلالهما بِهِ أَنَّهُمَا إِذا صَحَّ عَنْهُمَا اشْتِرَاط ذَلِك كَانَ فِي إخلالهما بِهِ دَرك عَلَيْهِمَا
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح الْمُوَطَّأ كَانَ مَذْهَب الشَّيْخَيْنِ أَن الحَدِيث لَا يثبت حَتَّى يرويهِ اثْنَان وَهُوَ مَذْهَب بَاطِل بل رِوَايَة الْوَاحِد عَن الْوَاحِد صَحِيحه إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ فِي شرح البُخَارِيّ عِنْد حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ انْفَرد بِهِ عمر وَقد جَاءَ من طَرِيق أبي سعيد رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد ضَعِيف
قَالَ وَحَدِيث عمر وَإِن كَانَت طَريقَة وَاحِدَة فَإِنَّمَا بنى البُخَارِيّ كِتَابه على حَدِيث يرويهِ أَكثر من وَاحِد فَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ من ذَلِك الْفَنّ لِأَن عمر قَالَه على الْمِنْبَر بِمحضر الْأَعْيَان من الصَّحَابَة فَصَارَ كالمجمع عَلَيْهِ فَكَأَن عمر ذكرهم لَا أخْبرهُم
ال ابْن رشيد الْعجب مِنْهُ كَيفَ يَدعِي عَلَيْهِمَا ذَلِك ثمَّ يزْعم انه مَذْهَب بَاطِل فليت شعري من اعلمه بِأَنَّهُمَا اشْترطَا ذَلِك إِن كَانَ مَنْقُولًا فليبين طَريقَة لنَنْظُر فِيهَا وغن كَانَ عرفه بالاستقراء فقد وهم فِي ذَلِك وَلَقَد كَانَ يَكْفِيهِ فِي فِي ذَلِك أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ
стр. 145
وَمَا اعتذر بِهِ عَنهُ فِيهِ تَقْصِير لِأَن عمر لم ينْفَرد بِهِ وَحده بل انْفَرد بِهِ عَلْقَمَة عَنهُ وَانْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة وَانْفَرَدَ بِهِ يحيى بن سعيد بن مُحَمَّد وَعَن يحيى تعدّدت رُوَاته وَأَيْضًا فكون عمر قَالَه على الْمِنْبَر لَا يسْتَلْزم أَن يكون كرّ السامعين بِمَا عِنْدهم بل هُوَ مُحْتَمل للأمرين وَإِنَّمَا لم ينكروه أَنه عِنْدهم ثِقَة فَلَو حَدثهمْ بِمَا لم يسمعوه قطّ لم ينكروا عَلَيْهِ
وَقد ادّعى الْحَافِظ ابْن حبَان أَن رُوَاته اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى ان يَنْتَهِي السَّنَد لَا تُوجد أصلا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين إِن أَرَادَ أَو رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا تُوجد أصلا فَيمكن أَن يسلم وَأما صُورَة الْعَزِيز فموجودة والعزيز عِنْدهم هُوَ الَّذِي يكون فِي طبقَة من طبقاته اثْنَان من الروَاة فَقَط وَتَكون الروَاة فِي سَائِر طبقاته لَيست أقل من اثْنَيْنِ فَيشْمَل مَا كَانَ فِي سَائِر طبقاته اثْنَان أَو أَكثر
وَالَّذِي أنكرهُ ابْن حبَان هُوَ رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى أَن يَنْتَهِي السَّنَد فإنكاره ذَلِك لَا يسْتَلْزم إِنْكَار الحَدِيث الْعَزِيز الَّذِي قَرَّرَهُ المحدثون وَإِنَّمَا أنكر نوعا مِنْهُ وَعبارَته لَا تحْتَمل غير ذَلِك
وَهَا هُنَا أَمر يَنْبَغِي الانتباه لَهُ وَهُوَ أَن ظَاهر عبارَة ابْن الْعَرَبِيّ تشعر بِأَن الشَّيْخَيْنِ يشترطان التَّعَدُّد حَتَّى فِي الصَّحَابَة وَظَاهر عبارَة الْحَاكِم تشعر بِخِلَاف ذَلِك
وَالْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين أَنهم لم يشترطوا فِي الْمَشْهُور فضلا على الْعَزِيز التَّعَدُّد فِي الصَّحَابَة نعم قد اشْترط ذَلِك أَبُو عَليّ الجبائي وَمن نحا نَحوه وَقد توهم بَعضهم أَن الْحَاكِم قد نحا فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث منحى أبي عَليّ
على أَن كثيرا من الْعلمَاء قَالَ إِن عِبَارَته الْمَذْكُورَة لَا تدل على أَن الحَدِيث الْمَرْوِيّ يجب أَن يجْتَمع فِي راويان عَن الصَّحَابِيّ الَّذِي رَوَاهُ ثمَّ عَن تابعيه فمنة بعده وَإِنَّمَا تدل على ان كلا من الصَّحَابِيّ والتابعي وَمن بعده قد روى عَنهُ رجلَانِ
стр. 146
خرج بهما عَن حد الْجَهَالَة ليعلم أَن الحَدِيث قد رَوَاهُ الْمَشْهُورين بالرواية
وَأغْرب مِمَّا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ وَإِن كَانَ لَا يستغرب مِنْهُ ذَلِك لجريه على عَادَته فِي عدم التثبت وإقدامه على مَا لَا قدم لَهُ فِيهِ وتهويله على مخالفيه قَول أبي حَفْص عمر الميانجي فِي كتاب مَا لَا يسع الْمُحدث جهلة شَرط الشَّيْخَيْنِ فِي صَحِيحهمَا أَن لَا يدخلا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدهمَا وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ اثْنَان فَصَاعِدا وَمَا نَقله عَن كل وَاحِد من الصَّحَابَة أَرْبَعَة من التَّابِعين فَأكْثر وان يكون عَن كل وَاحِد من التَّابِعين أَكثر من أَرْبَعَة
هَذَا وَقد اعْترض بعض الْمُحَقِّقين من أهل الْأَثر على مَا ذكره الْحَاكِم فِي الْمدْخل من أَن الشَّيْخَيْنِ إِنَّمَا خرجا من الْأَقْسَام الْخَمْسَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث الْقسم الأول الَّذِي هُوَ الدرجَة الأولى من الصَّحِيح وَأما الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة فَإِنَّهُمَا لم يخرجَا مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثا فَإِن الْبَحْث والتتبع أدياه إِلَى أَن فيهمَا شَيْئا من كل وَاحِد مِنْهَا
أما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ مَا لَيْسَ لراويه من الصَّحَابَة غير راو وَاحِد مثل حَدِيث عُرْوَة بن مُضرس الَّذِي لَيْسَ لَهُ غير الشّعبِيّ ففيهما مِنْهُ جملَة من الْأَحَادِيث
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا لَيْسَ لراويه من التَّابِعين إِلَّا راو وَاحِد مثل مُحَمَّد بن جُبَير وَعبد الرَّحْمَن بن فروخ ففيهما قَلِيل من ذَلِك كَعبد الله بن وَدِيعَة وَعمر بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ الْأَحَادِيث الْأَفْرَاد الغرائب الَّتِي ينْفَرد بهَا ثِقَة من الثِّقَات ففيهما كثير مِنْهُ لَعَلَّه يزِيد على مئتي حَدِيث وَقد أفردها الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَهِي الْمَعْرُوفَة بِغَرَائِب الصَّحِيح
وَأما الْقسم الْخَامِس وَهُوَ أَحَادِيث جمَاعَة من الْأَئِمَّة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم وَلم تتواتر الرِّوَايَة عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم بهَا إِلَّا عَنْهُم كعمرو بن
стр. 147
شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَإيَاس بن مُعَاوِيَة بن مرّة عَن أَبِيه عَن جده وأجدادهم صحابة وأحفادهم ثِقَات فَلَيْسَ الْمَانِع من إخراجهما هَذَا الْقسم فِي صَحِيحهمَا كَون الرِّوَايَة وَقعت عَن الْأَب عَن الْجد بل لكَون الرَّاوِي أَو أَبِيه لَيْسَ على شَرطهمَا وَإِلَّا ففيهما أَو فِي أَحدهمَا من ذَلِك رِوَايَة عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده وَرِوَايَة مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن جده وَرِوَايَة أبي بن عَبَّاس بن سهل عَن أَبِيه عَن جده وَرِوَايَة الْحسن وَعبد الله ابْني مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب عَن أَبِيهِمَا عَن جدهما وَغير ذَلِك
وَأما الْخَمْسَة الْمُخْتَلف فِيهَا فيظن فِي بادئ الرَّأْي أَنه لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهَا شَيْء وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك
أما الْقسم الأول مِنْهَا وَهُوَ مُرْسل وَالْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَحَادِيث المدلسين إِذا لم يذكرُوا سماعهم فَلَيْسَ فيهمَا من ذَلِك شَيْء
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا أسْندهُ ثِقَة وأرسله جمَاعَة من الثِّقَات فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عدَّة أَحَادِيث اخْتلف فِي وَصلهَا وإرسالها
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ رِوَايَات الثِّقَات غير الْحفاظ العارفين فَهُوَ مُتَّفق على قبُوله والاحتجاج بِهِ إِذا وجدت شَرَائِط الْقبُول وَلَيْسَ هُوَ من قبيل الْمُخْتَلف فِيهِ وَلَا يبلغ الْحفاظ العارفون نصف رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ يشْتَرط فِي الرَّاوِي أَن يكون حَافِظًا
وَأما الْقسم الْخَامِس وَهُوَ رِوَايَات المبتدعة إِذا كَانُوا صَادِقين فَهُوَ كَمَا ذكر من الِاخْتِلَاف فِيهِ وَقد وَقعت فيهمَا أَحَادِيث عَن جمَاعَة من المبتدعة عرف صدقهم واشتهرت معرفتهم بِالْحَدِيثِ فَلم يطرحوه للبدعة
وَمن الْأَقْسَام الْمُخْتَلف فِيهَا رِوَايَة الْمَجْهُول فقد قبلهَا قوم وردهَا آخَرُونَ
وَقد بَقِي للصحيح شُرُوط قد اخْتلف فِيهَا
فَمِنْهَا مَا ذكره الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث من كَون الرَّاوِي مَشْهُورا بِالطَّلَبِ
стр. 148
وَلَيْسَ مُرَاده الشُّهْرَة المخرجة عَن الْجَهَالَة بل قدر زَائِد على ذَلِك قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عون لَا يُؤْخَذ الْعلم إِلَّا عَمَّن شهد لَهُ بِالطَّلَبِ وَعَن مَالك نَحوه وَفِي مُقَدّمَة صَحِيح مُسلم عَن أبي الزِّنَاد قَالَ أدْركْت بِالْمَدِينَةِ مئة كلهم مَأْمُون مَا يُؤْخَذ عَنْهُم الحَدِيث يُقَال لَيْسَ من أَهله
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَالظَّاهِر من تصرف صَاحِبي الصَّحِيح اعْتِبَار ذَلِك إِلَّا إِذا كثرت مخارج الحَدِيث فيستغنيان عَن اعْتِبَار ذَلِك كَمَا يسْتَغْنى بِكَثْرَة الطّرق عَن اعْتِبَار الضَّبْط التَّام قَالَ وَيُمكن أَن يُقَال إِن اشْتِرَاط الضَّبْط يُغني عَن ذَلِك إِذْ الْمَقْصُود بالشهرة بِالطَّلَبِ أَن يكون لَهُ مزِيد اعتناء بالرواية لتركن النَّفس إِلَى كَونه ضبط مَا روى
وَمِنْهَا ثُبُوت التلاقي بَين كل راو وَمن روى عَنهُ وَعدم الِاكْتِفَاء بالمعاصرة وَإِمْكَان التلاقي بَينهمَا وَقد اشْترط ذَلِك البُخَارِيّ قيل إِنَّه لم يذهب أحد إِلَى أَن هَذَا شَرط لكَون الحَدِيث صَحِيحا بل لكَونه أصح وَقد أنكر هَذَا الشَّرْط مُسلم فِي صَحِيحه وشنع على قَائِله
قَالَ الْعَلامَة محيي الدّين يحيى النَّوَوِيّ فِي شَرحه إِن مُسلما ادّعى إِجْمَاع الْعلمَاء قَدِيما وحديثا على ان المعنعن وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فلَان مَحْمُول على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع إِذا أمكن لِقَاء من أضيفت العنعنة إِلَيْهِم بَعضهم بَعْضًا يَعْنِي مَعَ براءتهم مَعَ التَّدْلِيس
وَنقل مُسلم عَن بعض أهل عصره انه قَالَ لَا تقوم الْحجَّة بهَا وَلَا تحمل على الِاتِّصَال حَتَّى يثبت انهما التقيا فِي عمرهما مرّة فَأكْثر وَلَا يَكْفِي إِمْكَان تلاقيهما قَالَ مُسلم وَهَذَا قَول سَاقِط مخترع مستحدث لم يسْبق قَائِله إِلَيْهِ وَلَا مساعد لَهُ من أهل الْعلم عَلَيْهِ وَإِن القَوْل بِهِ بِدعَة بَاطِلَة وَأَطْنَبَ فِي التشنيع على قَائِله
стр. 149
وَاحْتج مُسلم ﵀ بِكَلَام مختصرة أَن المعنعن عِنْد أهل الْعلم مَحْمُول على الِاتِّصَال إِذا ثَبت التلاقي مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال وَكَذَا إِذا أمكن التلاقي
وَهَذَا الَّذِي صَار إِلَيْهِ مُسلم قد أنكرهُ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا الَّذِي صَار إِلَيْهِ ضَعِيف وَالَّذِي رده هُوَ الْمُخْتَار الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا
وَقد زَاد جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين على هَذَا فَاشْترط الْقَابِسِيّ أَن يكون قد أدْركهُ إدراكا وَزَاد أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي فَاشْترط طول الصُّحْبَة بَينهمَا وَزَاد أَبُو عَمْرو الداني الْمُقْرِئ فَاشْترط مَعْرفَته بالرواية عَنهُ
وَدَلِيل هَذَا الْمَذْهَب الْمُخْتَار الَّذِي ذهب إِلَيْهِ ابْن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وموافقوهما أَن المعنعن عِنْد ثُبُوت التلاقي إِنَّمَا حمل على الِاتِّصَال لِأَن الظَّاهِر مِمَّن لَيْسَ بمدلس أَنه لَا يُطلق ذَلِك إِلَّا على السماع ثمَّ الاستقراء يدل عَلَيْهِ فَإِن عَادَتهم انهم لَا يطلقون ذَلِك إِلَّا فِيمَا سَمِعُوهُ إِلَّا المدلس وَلِهَذَا رددنا رِوَايَة المدلس فَإِذا ثَبت التلاقي غلب على الظَّن الِاتِّصَال وَالْبَاب مَبْنِيّ على غَلَبَة الظَّن فاكتفينا بِهِ
وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى مَوْجُودا فِيمَا إِذا أمكن التلاقي وَلم يثبت فَإِنَّهُ لَا يغلب على الظَّن الِاتِّصَال فَلَا يجوز الْحمل على الِاتِّصَال وَيصير كالمجهول فَإِن رِوَايَته مَرْدُودَة لَا للْقطع بكذبه أَو ضعفه بل للشَّكّ فِي حَاله وَالله اعْلَم
هَذَا حكم المعنعن من غير المدلس وَأما المدلس فَتقدم بَيَان حكمه فِي الْفُصُول السَّابِقَة وَهَذَا كُله تَفْرِيع على الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي ذهب إِلَيْهِ السّلف وَالْخلف من أَصْحَاب الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول أَن المعنعن مَحْمُول على الِاتِّصَال بِشَرْطِهِ الَّذِي قدمْنَاهُ على الِاخْتِلَاف فِيهِ
стр. 150
وَذهب بعض أهل الْعلم إِلَى أَنه لَا يحْتَج بالمعنعن مُطلقًا لاحْتِمَال الِانْقِطَاع وَهَذَا الْمَذْهَب مَرْدُود بِإِجْمَاع السّلف ودليلهم مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من حُصُول غَلَبَة الظَّن مَعَ الاستقراء وَالله اعْلَم
هَذَا حكم المعنعن أما إِذا قَالَ حَدثنِي فلَان أَن فلَانا قَالَ كَقَوْلِه حَدثنِي الزُّهْرِيّ أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ كَذَا أَو حدث بِكَذَا أَو نَحوه فالجمهور على أَن كعن فَيحمل على الِاتِّصَال بِالشّرطِ الْمُتَقَدّم وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَيَعْقُوب بن شيبَة وَأَبُو بكر البرديجي لَا تحمل أَن على الِاتِّصَال وَإِن كَانَت عَن للاتصال وَالصَّحِيح الول وَكَذَا قَالَ وَحدث وَذكر وَشبههَا فكله مَحْمُول على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع اهـ
وَمِنْهَا مَا ذكره السَّمْعَانِيّ فِي القواطع وَهُوَ أَن الصَّحِيح لَا يعرف بِرِوَايَة الثِّقَات فَقَط وَغنما يعرف بالفهم والمعرفة وَكثر السماع والمذاكرة قَالَ بَعضهم إِن هَذَا دَاخل فِي اشْتِرَاط كَونه غير مَعْلُول لِأَن الِاطِّلَاع على ذَلِك إِنَّمَا يحصل بِمَا ذكر من الْفَهم والمعرفة وغرهما
وَاعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ من أهم مسَائِل هَذَا الْفَنّ الْجَلِيل الشَّأْن والناظرون فِي هَذَا الْموضع قد انقسموا إِلَى ثَلَاث فرق
الْفرْقَة الأولى فرقة جعلت جلّ همها النّظر فِي الْإِسْنَاد فَإِذا وجدته مُتَّصِلا لَيْسَ فِي اتِّصَاله شُبْهَة وَوجدت رِجَاله مِمَّن يوثق بهم حكمت بِصِحَّة الحَدِيث قبل إمعان النّظر فِيهِ حَتَّى إِن بَعضهم يحكم بِصِحَّتِهِ وَلَو خَالف حَدِيثا آخر رُوَاته أرجح وَيَقُول كل ذَلِك صَحِيح وَرُبمَا قَالَ هَذَا صَحِيح وَهَذَا أصح وَكَثِيرًا مَا يكون الْجمع بَينهمَا غير مُمكن
وَإِذا توقف توقف فِي ذَلِك نِسْبَة إِلَى خالفة السّنَن وَرُبمَا سعى فِي إِيقَاعه فِي محنة من المحن مَعَ أَن جهابذة هَذَا الْفَنّ قد حكمُوا بَان صِحَة الْإِسْنَاد لَا تَقْتَضِي صِحَة الْمَتْن وَلذَلِك لَا يسوغ لمن رأى حَدِيثا لَهُ إِسْنَاد صَحِيح أَن يحكم
стр. 151
بِصِحَّتِهِ إِلَّا أَن يكون من أهل هَذَا الشَّأْن لاحْتِمَال أَن تكون لَهُ عِلّة قادحة قد خفيت عَلَيْهِ وَقد وصل الغلو بفريق مِنْهُم إِلَى أَن ألزموا النَّاس بِالْأَخْذِ بالأحاديث الضعيفة الْوَاهِيَة فأوقعوا النَّاس فِي داهية وَمَا أَدْرَاك ماهيه وَهَذِه الْفرْقَة هم الغلاة فِي الْإِثْبَات
وَأَكْثَرهم من أهل الْأَثر الَّذين لَيْسَ بهم فِيهِ فضلا عَن غَيره دقة نظر وَقد أَشَارَ مُسلم إِلَى نَاس مِنْهُم يعتدون بِرِوَايَة الْأَحَادِيث الضِّعَاف مَعَ معرفتهم بِحَالِهَا ووصفهم بِمَا هم جديرون بِهِ قَالَ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الْمَشْهُور وَأَشْبَاه مَا ذكرنَا من كَلَام أهل الْعلم فِي متهمي رُوَاة الحَدِيث وإخبارهم عَن معايبهم كثير يطول الْكتاب بِذكرِهِ على اسْتِقْصَائِهِ وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة لمن تفهم عقل مَذْهَب الْقَوْم فِيمَا قَالُوا من ذَلِك وبينوا
وَإِنَّمَا ألزموا أنفسهم الْكَشْف عَن معايب رُوَاة الحَدِيث وناقلي الْأَخْبَار وأفتوا بذلك حِين سئلوا لما فِيهِ من عَظِيم الْخطر إِذْ الْأَخْبَار فِي أَمر الدّين غنما تَأتي بتحليل أَو تَحْرِيم أَو أَمر أَو نهي أَو ترغيب أَو ترهيب فَإِذا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بمعدن للصدق وَالْأَمَانَة ثمَّ أقدم على الرِّوَايَة عَنهُ من قد عرفه وَلم يبين مَا فِيهِ لغيره مِمَّن جهل مَعْرفَته كَانَ آثِما بِفِعْلِهِ ذَلِك غاشا لعوام الْمُسلمين إِذْ لَا يُؤمن على من سمع بعض تِلْكَ الْأَخْبَار أَن يستعملها أَو يسْتَعْمل بَعْضهَا ولعلها أَو أَكْثَرهَا أكاذيب لَا أصل لَهَا مَعَ أَن الْأَخْبَار الصِّحَاح من رُوَاته الثِّقَات وَأهل القناعة أَكثر من أَن يضْطَر إِلَى نقل من لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مقنع
وَلَا أَحسب كثيرا مِمَّن يعرج من النَّاس على مَا وَصفنَا من هَذِه الْأَحَادِيث الضِّعَاف والأسانيد المجهولة ويعتد بروايتها بعد مَعْرفَته بِمَا فِيهَا من التوهن
стр. 152
والضعف إِلَّا ان الَّذِي يحملهُ على رِوَايَتهَا والاعتداد بهَا إِرَادَة التكثر بذلك عِنْد الْعَوام وَلِأَن يُقَال مَا أَكثر مَا جمع فلَان من الحَدِيث وَألف من الْعدَد
وَمن ذهب فِي الْعلم هَذَا الْمَذْهَب وسلك هَذَا الطَّرِيق لَا نصيب لَهُ فِيهِ وَكَانَ بِأَن يُسمى جَاهِلا أولى من أَن ينْسب إِلَى علم اهـ
الْفرْقَة الثَّانِيَة فرقة جعلت جلّ همها النّظر فِي نفس الحَدِيث فَإِن راقها أمره حكمت بِصِحَّتِهِ وأسندته إِلَى النَّبِي ﵊ وَإِن كَانَ فِي إِسْنَاده مقَال مَعَ أَن فِي كثير من الْأَحَادِيث الضعيفة بل الْمَوْضُوعَة مَا هُوَ صَحِيح الْمَعْنى فصيح المبنى غير أَنه لم تصح نسبته إِلَى النَّبِي ﵊
وَذكر مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا جرير عَن رَقَبَة أَن أَبَا جَعْفَر الْهَاشِمِي الْمَدِينِيّ كَانَ يضع أَحَادِيث كَلَام حق وَلَيْسَت من أَحَادِيث النَّبِي ﷺ وَكَانَ يَرْوِيهَا النَّبِي ﷺ
قَوْله كرم حق بِنصب كرم على انه بدل من أَحَادِيث يُرِيد بِهِ كلَاما صَحِيح الْمَعْنى وَهُوَ حكمه من الحكم وَقد كذب فِيهِ لنسبته إِلَى النَّبِي ﵊ وَهُوَ لَيْسَ من كَلَامه وَأَبُو جَعْفَر هَذَا قد ذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه فَقَالَ هُوَ عبد الله بن مسور بن عون بن جَعْفَر بن أبي طَالب أَبُو جَعْفَر الْقرشِي الْهَاشِمِي وَذكر كَلَام رَقَبَة وَهُوَ هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُنَا
وَقَالَ بعض الوضاعين لَا بَأْس إِذا كَانَ الْكَلَام حسنا أَن تضع لَهُ إِسْنَادًا وَحكى الْقُرْطُبِيّ عَن بعض أهل الرَّأْي أَنه قَالَ مَا وَافق الْقيَاس الْجَلِيّ يجوز أَن
стр. 153
يعزى إِلَى النَّبِي ﵊
وَإِن راعهم أمره لمُخَالفَته لشَيْء مِمَّا يَقُولُونَ بِهِ وَإِن كَانَ مَبْنِيا على مُجَرّد الظَّن بَادرُوا لرد الحَدِيث وَالْحكم بِوَضْعِهِ وَعدم صِحَة رَفعه وَإِن كَانَ إِسْنَاده خَالِيا عَن كل عِلّة وَإِن ساعدهم الْحَال على تَأْوِيله على وَجه لَا يُخَالف أهواءهم بَادرُوا إِلَى ذَلِك
وَهَذِه الْفرْقَة هم الْمُعْتَزلَة والمتكلمون الَّذين حذوا حذوهم وَقد نحا أنَاس م غَيرهم نحوهم وَقد طعنت الْفرْقَة الأولى فِي هَذِه الْفرْقَة طَعنا شَدِيدا وقابلتهم هَذِه الْفرْقَة بِمثل بِمثل ذَلِك أَو أَشد نسبوا رُوَاة مَا أنكروه من الْأَحَادِيث إِلَى الاختلاق والوضع مَعَ الْجَهْل بمقاصد الشَّرْع وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة شَيْئا من ذَلِك فِي مُقَدّمَة كِتَابه الَّذِي وَضعه فِي تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث
والمجاملون مِنْهُم اكتفوا بَان نسبوا إِلَى الروَاة الْوَهم والغلط وَالنِّسْيَان وَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُو عَنهُ إِنْسَان وَقَالُوا إِن الْمُحدثين أنفسهم قد ردوا كثيرا من أَحَادِيث الثِّقَات بِنَاء على ذَلِك
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ قد تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي قوم من أجلة أهل الْعلم وضعفوهم من قبل حفظهم ووثقهم آخَرُونَ من الْأَئِمَّة لجلالتهم وَصدقهمْ وَإِن كَانُوا قد وهموا فِي بعض مَا رووا وَقد تكلم يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي مُحَمَّد ين عَمْرو ثمَّ روى عَنهُ وَكَانَ ابْن أبي ليلى يروي الشَّيْء مرّة هَكَذَا وَمرَّة
стр. 154
هَكَذَا بِغَيْر الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا من قبل حفظه لِأَن أَكثر من مضى من اهل الْعلم كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَمن كتب مِنْهُم إِنَّمَا كَانَ يكْتب لَهُم بعد السماع
وَكَانَ كثير من الروَاة يروي بِالْمَعْنَى فكثيرا مَا يعبر عَنهُ بِلَفْظ من عِنْده فَيَأْتِي قاصرا عَن أَدَاء الْمَعْنى بِتَمَامِهِ وَكَثِيرًا مَا يكون أدنى تَغْيِير حيلا لَهُ وموجبا لوُقُوع الْإِشْكَال فِيهِ وَقد أجَاز الْجُمْهُور الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى قَالَ وَكِيع إِن لم يكن الْمَعْنى وَاسِعًا فقد هلك النَّاس وَإِنَّمَا تفاضل أحد من الْأَئِمَّة مَعَ حفظهم وَقَالَ مُجَاهِد انقض من الحَدِيث إِن شِئْت وَلَا تزد فِيهِ
وَلَا يدْخل فِي هَذِه الْفرْقَة أنَاس ردوا بعض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْإِسْنَاد لشُبْهَة قَوِيَّة عرضت لَهُم أوجبت شكهم فِي صِحَّتهَا إِن كَانَت مِمَّا لَا يدل فِيهِ النّسخ أَو فِي بَقَاء حكمهَا إِن كَانَت مِمَّا يدْخل فِيهِ فقد وَقع التَّوَقُّف فِي الْأَخْذ بِأَحَادِيث صَحِيحَة الْإِسْنَاد فقد وَقع لَك لِأُنَاس من الْعلمَاء الْأَعْلَام المعروفين بنشر السّنَن بل وَقع لِأُنَاس من كبار من الصَّحَابَة
فقد زعم مَحْمُود بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ وَكَانَ مِمَّن عقل رَسُول الله وَهُوَ صَغِير أَنه سمع عتْبَان بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَكَانَ مِمَّن شهد بَدْرًا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي يذلك وَجه الله وَكَانَ رَسُول الله فِي دَار عتْبَان
وَلِهَذَا الحَدِيث قصَّة قَالَ مَحْمُود فحدثتها قوما فيهم أَبُو أَيُّوب صَاحب رَسُول الله فِي غزوته الَّتِي توفّي فِيهَا بِأَرْض الرّوم فأنكرها عَليّ أَبُو أَيُّوب وَقَالَ وَالله مَا أَظن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا قلت قطّ فَكبر ذَلِك عَليّ فَجعلت لله عَليّ إِن سلمني حَتَّى أقفل من غزوتي أَن أسأَل عَنْهَا عتْبَان بن مَالك إِن وجدته حَيا فِي مَسْجِد قومه فقفلت ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي بَاب صَلَاة النَّوَافِل جمَاعَة فَارْجِع إِلَيْهِ إِن أَحْبَبْت معرفَة الْقِصَّة وَتَمام الْكَلَام فِي ذَلِك
стр. 155
فَانْظُر إِلَى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ الَّذِي كَانَ من خَواص النَّبِي ﵊ كَيفَ غلب على ظَنّه عدم صِحَة هَذَا الحَدِيث وَأقسم على ذَلِك بِنَاء على انه لم يسمع مِنْهُ قطّ ﵇ مَا يشاكل هَذَا الْكَلَام مِمَّا يُوهم خلاف المرام وَمثل هَذَا كثير فِيمَا يروي وَمَا كَانَ مِنْهُ بأسانيد صَحِيحَة مِمَّا لَا يثبت فِي نفس الْأَمر فأكثره مِمَّا رُوِيَ بِالْمَعْنَى غير أَن الرَّاوِي لم يساعده اللَّفْظ عَن أَدَائِهِ بِتَمَامِهِ
قَالَ الشُّرَّاح قيل إِن الْبَاعِث لَهُ على الْإِنْكَار هُوَ أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث يُوهم أَنه لَا يدْخل أحد من عصاة الْمُوَحِّدين النَّار وَهُوَ مُخَالف لآيَات كَثِيرَة وَأَحَادِيث مَشْهُورَة وَأجِيب بِحمْل التَّحْرِيم على عدم الخلود
وَقد استدلت المرجئة بِهَذَا الحَدِيث وَنَحْوه على مَذْهَبهم والمرجئة فرقة من كبار الْفرق الإسلامية تَقول لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة
والإرجاء من الْبدع الَّتِي يعظم ضررها أَنَّهَا تنزل بالأمة إِلَى الحضيض الْأَسْفَل وَتجْعَل عَاقبَتهَا الدمار وَقد نسب ذَلِك إِلَى كثير من أَعْيَان الْأمة إِلَّا أَن النِّسْبَة غير صَحِيحَة فِي كثير مِنْهُم وَالَّذين صحت نِسْبَة لَك إِلَيْهِم يَقُولُونَ إِن كثيرا مِمَّن ينبزوننا بِهَذَا اللقب لَا فرق بَيْننَا وَبينهمْ فِي الْمَآل وَإِن فرق بَيْننَا وَبينهمْ ظَاهر الْمقَال
وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم يُنكرُونَ هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه أَشد إِنْكَار وينسبون وَضعه للمرجئة وَمن نحا نحوهم لمُخَالفَته لمذهبهم فَإِنَّهُم هم والخوارج يَقُولُونَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة إِذا مَاتَ من غير تَوْبَة نصوح عَنْهَا مخلد فِي النَّار وَلَا يخرج مِنْهَا أبدا وَلَا يحاولون تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه على وَجه لَا يزعزع مَذْهَبهم لأَنهم يَقُولُونَ إِن فِي ظَاهِرَة إغراء على الْمعاصِي وَذَلِكَ منَاف للحكمة لَا سِيمَا من صَاحب الشَّرْع الَّذِي بعث لزجر النَّاس عَنْهَا وتنفيرهم مِنْهَا
وَكَانَت المرجئة كثيرا مَا ترمي من يُبَالغ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
стр. 156
بِالْقدرِ يُرِيدُونَ بذلك أذاهم وَلَا يخفى شدَّة نفره النَّاس لَا سِيمَا الْأُمَرَاء والعامة من الْقَدَرِيَّة وهم الْمُعْتَزلَة
وَقد شاع وذاع أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة نَشأ عَن التوغل فِي علم الفلسفة وَهُوَ قَول أشاعه إِمَّا جَاهِل أَو متجاهل فَإِن مَذْهَب الاعتزال نَشأ وَاسْتقر فِي آخر عصر الصَّحَابَة وَلم يكن قد ترْجم شَيْء من كتب الفلسفة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا أغوتهم فانحرفوا بهَا عَن مَذْهَب أهل السّنة وَلذَلِك قَالَ بعض الْعلمَاء قد رويت أَحَادِيث فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة روى بَعْضهَا أهل السّنَن وَبَعض النَّاس يثبتها ويقويها وَمن الْعلمَاء من يطعن فِيهَا ويضعفها وَلَكِن الَّذِي ثَبت فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة ونوهم هُوَ عَن الصَّحَابَة كَابْن عمر وَابْن عَبَّاس
وَقد وَقع فِي مَذْهَبهم مسَائِل تبعد عَن الْعقل جدا وَذَلِكَ مثل قَوْلهم من أَتَى بكبيرة وَاحِدَة فقد حبطت جَمِيع طاعاته وَمن عمر عمرا مديدا وأتى بِكُل مَا أمكنه من الطَّاعَات واجتنب جَمِيع الْمُنْكَرَات وَكَانَ من الموفقين للبر وَالْإِحْسَان ثمَّ عرض لَهُ أَن تنَاول جرعة خمر فغص بهَا فقضي عَلَيْهِ فَهُوَ مخلد فِي النَّار لَا يخرج مِنْهَا أبدا
نعم هم أَكثر الْفرق اعتناء بالقاعدة الْمَشْهُورَة وَهِي لَا يَأْتِي فِي النَّقْل الصَّحِيح مَا يُخَالف الْعقل الصَّرِيح فَإِن أَتَى فِي النَّقْل الصَّحِيح مَا يُوهم الْمُخَالفَة وَجب الْجمع بَينهمَا وَذَلِكَ بِحمْل النَّقْل على معنى لَا يُخَالف الْعقل وَتجْعَل دلَالَة الْعقل قرينَة على ذَلِك
وَهِي قَاعِدَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَلم تنقل الْمُخَالفَة فِيهَا إِلَّا عَن أنَاس من الحشوية وهم فرقة لَا يعبأ بهَا وَلَعَلَّ مخالفتهم مَبْنِيَّة عل كَونهم لم يعرفوا مَا أُرِيد بِالْعقلِ الصَّرِيح وَقد ظن أنَاس أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل علم الْكَلَام فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك بل هِيَ من مسَائِل أصُول الفقة أَيْضا فقد ذكرُوا ذَلِك فِي مَبْحَث التَّخْصِيص وَفِي مَبْحَث مَا يرد بِهِ الْخَبَر
стр. 157
وهاك عِبَارَات مِمَّا ذكرُوا فِي مَبْحَث التَّخْصِيص
قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي اللمع الْأَدِلَّة الَّتِي يجوز التَّخْصِيص بهَا ضَرْبَان مُتَّصِل مُنْفَصِل
فالمتصل هُوَ الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ وَلها أَبْوَاب تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه الثِّقَة
وَأما الْمُنْفَصِل فضربان من جِهَة الْعقل وَمن جِهَة الشَّرْع فَالَّذِي من جِهَة الْعقل ضَرْبَان
أَحدهمَا مَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل من بَرَاءَة الذِّمَّة فَهَذَا لَا يجوز التَّخْصِيص بِهِ لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يسْتَدلّ بِهِ لعدم الشَّرْع فَإِذا ورد الشَّرْع سقط الِاسْتِدْلَال بِهِ وَصَارَ الحكم للشَّرْع
وَالثَّانِي مَا لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ مثل مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل من نفي الْخلق عَن صِفَاته فَيجوز التَّخْصِيص بِهِ وَلِهَذَا خصصنا قَوْله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ بِالصِّفَاتِ وَقُلْنَا المُرَاد بِهِ مَا خلا الصِّفَات لِأَن الْعقل قد دلّ على انه لَا يجوز أَن يخلق صِفَاته فخصصنا الْعُمُوم بِهِ
تَنْبِيه التَّخْصِيص قصر الْعَام على بعض مَا يتَنَاوَلهُ وَهُوَ قد يكون بِغَيْر مُسْتَقل كالاستثناء وَالشّرط وَقد يكون بمستقل كالعقل وَالْعَادَة وخصت الْحَنَفِيَّة اسْم التَّخْصِيص بِمَا يكون بمستقل وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى وبدليل الْعقل خصص قَوْله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ إِذْ خرج عَنهُ ذَاته وَصِفَاته إِذْ الْقَدِيم يَسْتَحِيل تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت) خرج مِنْهُ الصَّبِي وَالْمَجْنُون لِأَن الْعقل قد دلّ على اسْتِحَالَة تَكْلِيف من لَا يفهم
стр. 158
فَإِن قيل كَيفَ يكون الْعقل مُخَصّصا وَهُوَ سَابق على أَدِلَّة السّمع والمخصص يَنْبَغِي أَن يكون مُتَأَخِّرًا وَلِأَن التَّخْصِيص إِخْرَاج مَا يُمكن دُخُوله تَحت اللَّفْظ وَخلاف الْمَعْقُول لَا يُمكن ان يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ
قُلْنَا قَالَ قَائِلُونَ لَا يُسمى دَلِيل الْعقل مُخَصّصا لهَذَا الْحَال وَهُوَ نزاع فِي عبارَة فَإِن تَسْمِيَة الْأَدِلَّة مخصصة تجوز فقد بَينا أَن تَخْصِيص الْعَام محَال لَكِن الدَّلِيل يعرف إِرَادَة الْمُتَكَلّم وانه أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوع للْعُمُوم معنى خَاصّا وَدَلِيل الْعقل يجوز لنا أَن الله تَعَالَى مَا أَرَادَ بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ نَفسه وذاته فَإِنَّهُ وَإِن تقدم دَلِيل الْعقل فَهُوَ مَوْجُود أَيْضا عِنْد نزُول اللَّفْظ وَإِنَّمَا يُسمى مُخَصّصا بعد نزُول الْآيَة لَا قبله
وَأما قَوْلهم لَا يجوز دُخُوله تَحت اللَّفْظ فَلَيْسَ كَذَلِك بل يدْخل تَحت اللَّفْظ من حَيْثُ اللِّسَان وَلَكِن يكون قَائِله كَاذِبًا وَلما وَجب الصدْق فِي كَلَام الله تَعَالَى تبين أَنه يمْتَنع دُخُوله تَحت الْإِرَادَة مَعَ شُمُول اللَّفْظ لَهُ من حَيْثُ الْوَضع
وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي فصل تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْعقلِ هَذَا قد يكون بضرورة الْعقل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ خَالِقًا لنَفسِهِ وبنظر الْعقل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَإنَّا نخصص الصَّبِي وَالْمَجْنُون لعدم الْفَهم فِي حَقّهمَا
وَمِنْهُم من نَازع فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بِدَلِيل الْعقل وَالْأَشْبَه عِنْدِي أَنه لَا خلاف فِي الْمَعْنى لِأَن اللَّفْظ لما دلّ على ثُبُوت الحكم فِي جَمِيع الصُّور وَالْعقل منع من ثُبُوته فِي بعض الصُّور
فإمَّا أَن يحكم بِصِحَّة مُقْتَضى الْعقل وَالنَّقْل فليلزم صدق النقيضين وَهُوَ محَال
стр. 159
أَو يرجح النَّقْل على الْعقل وَهُوَ محَال لِأَن الْعقل أصل للنَّقْل فالقدح فِي الْعقل قدح فِي أصل النَّقْل فالقدح فِي الأَصْل لتصحيح الْفَرْع يُوجب الْقدح فيهمَا مَعًا
وَإِمَّا أَن يرجح حكم الْعقل على مُقْتَضى الْعُمُوم وَهَذَا هُوَ مرادنا من تَخْصِيص الْعُمُوم لِلْعَقْلِ
وَأما الْبَحْث اللَّفْظِيّ فَهُوَ ان الْعقل هَل يُسمى خصصا أم لَا فَنَقُول إِن أردْت بالمخصص الْأَمر الَّذِي يُؤثر فِي اخْتِصَاص اللَّفْظ الْعَام فِي بعض مسمياته فالعقل غير مُخَصص لِأَن الْمُقْتَضى لذَلِك الِاخْتِصَاص هُوَ الْإِرَادَة الْقَائِمَة بالمتكلم وَالْعقل يكون دَلِيلا على تحقق تِلْكَ الْإِرَادَة فالعقل يكون دَلِيل الْمُخَصّص على هَذَا التَّفْسِير وَجب أَن لَا يكون الْكتاب مُخَصّصا للْكتاب وَلَا السّنة للسّنة لِأَن الْمُؤثر فِي ذَلِك التَّخْصِيص هُوَ الْإِرَادَة لَا تِلْكَ الْأَلْفَاظ
فَإِن قيل لَو جَازَ التَّخْصِيص بِالْعقلِ فَهَل يجوز النّسخ بِهِ قُلْنَا نعم لِأَن من سَقَطت رِجْلَاهُ سقط عَنهُ فرض غسل الرجلَيْن وَذَلِكَ إِنَّمَا عرف بِالْعقلِ
وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي تَنْقِيح الْفُصُول يجوز عِنْد مَالك وَأَصْحَابه تَخْصِيص الْعَام بِالْعقلِ خلافًا لقوم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ خصص الْعقل ذَات الله وَصِفَاته وَقَالَ فِي شَرحه الْخلاف محكي على هَذِه الصُّورَة وَعِنْدِي أَنه عَائِد على التَّسْمِيَة فَإِن خُرُوج الْأُمُور من هَذَا الْعُمُوم لَا يُنَازع فِيهِ مُسلم غير أَنه لَا يُسمى بالتخصيص إِلَّا مَا كَانَ بِاللَّفْظِ هَذَا مَا يُمكن أَن يُقَال أما بَقَاء الْعُمُوم على عُمُومه فَلَا يَقُوله مُسلم
стр. 160
وَقَالَ جمال الدّين الأسنوي فِي شرح الْمِنْهَاج أَقُول لما فرغ المُصَنّف من المخصصات الْمُتَّصِلَة شرع فِي الْمُنْفَصِلَة والمنفصل هُوَ الَّذِي يسْتَقلّ بِنَفسِهِ أَي لَا يحْتَاج فِي ثُبُوته إِلَى ذكر الْعَام مَعَه بِخِلَاف الْمُتَّصِل كالشرط وَغَيره وقسمه المُصَنّف إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام وَهِي الْعقل والحس وَالدَّلِيل السمعي
وَلقَائِل أَن يَقُول يرد عَلَيْهِ التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ وبالعادة وقرائن الْأَحْوَال إِلَّا أَن يُقَال إِن الْقيَاس من الْأَدِلَّة السمعية وَلِهَذَا أدرجه فِي مسَائِله وَدلَالَة الْقَرِينَة وَالْعَادَة الْعَقْلِيَّة
وَفِيه نظر لِأَن الْعَادة قد ذكرهَا فِي قسم الدَّلِيل السمعي وَحِينَئِذٍ يلْزم فَسَاده أَو فَسَاد الْجَواب
الأول الْعقل والتخصيص بِهِ على قسمَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ انه لَيْسَ خَالِقًا لنَفسِهِ والتمثيل بِهَذِهِ الْآيَة يَنْبَنِي على أَن الْمُتَكَلّم يدْخل فِي عُمُوم كَلَامه وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا تقدم وعَلى أَن الشَّيْء يُطلق على الله تَعَالَى وَفِيه مذهبان للمتكلمين وَالصَّحِيح إِطْلَاقه عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة قل الله شَهِيد﴾ الْآيَة
الثَّانِي أَن يكون بِالنّظرِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ فَإِن الْعقل قَاض بِإِخْرَاج الصَّبِي وَالْمَجْنُون للدليل الدَّال على امْتنَاع تَكْلِيف الغافل
وَقَالَ بعض الْعلمَاء أَجمعُوا على صِحَة دلَالَة الْعقل على خُرُوج شَيْء عَن حكم الْعُمُوم وَاخْتلفُوا فِي تَسْمِيَته تَخْصِيصًا وَمِمَّنْ لم يسم ذَلِك تَخْصِيصًا الإِمَام الشَّافِعِي وَمن حذا حذوه فِي ذَلِك نظرا إِلَى أَن مَا خص بِالْعقلِ لَا تصح إِرَادَته بالحكم وَقَالَ من سمى ذَلِك تَخْصِيصًا إِن عدم صِحَة إِرَادَته بالحكم إِنَّمَا يَقْتَضِي عدم التَّنَاوُل من
стр. 161
حَيْثُ الحكم لَا من حَيْثُ اللَّفْظ وَهَذَا كَاف فِي تحق التَّخْصِيص وَالْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ لاتفاقهم على الرُّجُوع إِلَى الْعقل فِيمَا نفي عَنهُ حكم الْعَام
وَقَالَ فِي نزهة الخواطر فِي اخْتِصَار رَوْضَة النَّاظر لَا نعلم اخْتِلَافا فِي جَوَاز تَخْصِيص الْعُمُوم وَكَيف يُنكر ذَلِك مَعَ الِاتِّفَاق على تَخْصِيص قَول الله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ و ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء﴾ و ﴿تدمر كل شَيْء﴾ وَقد ذكر أَن أَكثر العمومات مخصصة
وَقَالَ عبيد الله الْمَعْرُوف بصدر الشَّرِيعَة فِي التَّنْقِيح وَشَرحه الْمُسَمّى بالتوضيح بعد أَن ذكر ان قصر الْعَام على بعض مَا يناوله قد يكون بِغَيْر مُسْتَقل وَقد يكون بمستقل وَأَنه فِي غير المستقل يكون حَقِيقَة فِي الْبَوَاقِي وَهُوَ حجَّة بِلَا شُبْهَة فِيهِ وَأما فِي المستقل فَإِنَّهُ يكون مجَازًا يَفِي الْبَوَاقِي بطرِيق إِطْلَاق اسْم الْكل على الْبَعْض من حَيْثُ الْقصر وَحَقِيقَة من حَيْثُ التَّنَاوُل وَهُوَ حجَّة فِيهِ شُبْهَة
وَلم يفرقُوا بَين الْكَلَام وَغَيره لَكِن يجب هُنَاكَ فرق وَهُوَ أَن الْمُخَصّص بِالْعقلِ يَنْبَغِي أَن يكون قَطْعِيا لِأَنَّهُ فِي حكم الِاسْتِثْنَاء لكنه حذف الِاسْتِثْنَاء مُعْتَمدًا على الْعقل على أَنه مفروغ عَنهُ حَتَّى لَا نقُول إِن قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ ونظائره دَلِيل فِيهِ شُبْهَة
وَهَذَا فرق قد تفرد بِذكرِهِ وَهُوَ وَاجِب الذّكر حَتَّى لَا يتَوَهَّم أَن خطابات الشَّرْع الَّتِي خص مِنْهَا الصَّبِي وَالْمَجْنُون بِالْعقلِ دَلِيل فِيهِ شُبْهَة كالخطابات الْوَارِدَة
стр. 162
بالفرائض فَإِنَّهُ يكفر جاحدها إِجْمَاعًا مَعَ كَونهَا مَخْصُوصَة فَإِن التَّخْصِيص بِالْعقلِ لَا يُورث شُبْهَة فَإِن كل مَا يُوجب الْعقل تَخْصِيصه يخص وَمَا لَا فَلَا اهـ
وَقد تعرض ابْن حزم الظَّاهِرِيّ فِي كتاب الإحكام لهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي بَاب الْعُمُوم وَقد نقلنا مَعَ الْعبارَة الْمَقْصُودَة مَا قبلهَا من الْعبارَات على طَرِيق التَّلْخِيص إتماما للفائدة
قَالَ الْبَاب الثَّالِث عشر فِي حمل الْأَوَامِر وَسَائِر الْأَلْفَاظ كلهَا على الْعُمُوم وَإِبْطَال قَول من قَالَ فِي كل ذَلِك بِالْوَقْفِ أَو الْخُصُوص إِلَّا مَا أخرجه عَن الْعُمُوم دَلِيل حق
قَالَ عَليّ اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَت طَائِفَة لَا تحمل الْأَلْفَاظ لَا على الْخُصُوص وَمعنى ذَلِك حملهَا على بعض مَا يَقْتَضِيهِ الِاسْم فِي اللُّغَة دون بعض
وَقَالَ بَعضهم بل نقف فَلَا نحملها على عُمُوم وَلَا خُصُوص إِلَّا بِدَلِيل وَقَالَت طَائِفَة الْوَاجِب حمل كل لفظ على عُمُومه وَهُوَ كل مَا يَقع عَلَيْهِ لَفظه الْمُرَتّب فِي اللُّغَة للتعبير عَن الْمعَانِي الْوَاقِعَة تَحْتَهُ ثمَّ اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ
فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم إِنَّمَا يفعل ذَلِك بعد أَن ينظر هَل خص ذَلِك اللَّفْظ شَيْء أم لَا فَإِن وجدنَا دَلِيلا على ذَلِك صرنا إِلَيْهِ وَإِلَّا حملنَا اللَّفْظ على عُمُومه دون أَن نطلب على الْعُمُوم دَلِيلا
وَقَالَت طَائِفَة الْوَاجِب حمل كل لفظ على عُمُومه وكل مَا يَقْتَضِيهِ اسْمه دون توقف وَلَا نظر وَلَكِن إِن جَاءَنَا دَلِيل يُوجب أَن نخرج عَن عُمُومه بعض مَا يَقْتَضِيهِ لَفظه صرنا إِلَيْهِ حِينَئِذٍ وَهَذَا قَول جَمِيع أَصْحَاب الظَّاهِر وَبَعض المالكيين وَبَعض الشافعيين وَبَعض الحنفيين وَبِهَذَا نَأْخُذ وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز غَيره
وَإِنَّمَا اخْتلف من ذكرنَا على قدر مَا بحضرتهم من الْمسَائِل على مَا قدمنَا من
стр. 163
أفعالهم فِيمَا خلا فَإِن وافقهم القَوْل بالخصوص قَالُوا بِهِ وَإِن وافقهم القَوْل بِالْعُمُومِ قَالُوا بِهِ فأصولهم معكوسة على فروعهم ودلائلهم مرتبَة على تَوْجِيه مسائلهم وَفِي هَذَا عجب أَن يكون الدَّلِيل على القَوْل مَطْلُوبا بعد اعْتِقَاد القَوْل وَإِنَّمَا فَائِدَة الدَّلِيل وثمرته إنتاج مَا يجب اعْتِقَاده من الْأَقْوَال فَمَتَى يَهْتَدِي من اتقد قولا بِلَا دَلِيل ثمَّ جعل يطْلب الْأَدِلَّة بِشَرْط مُوَافقَة قَوْله وَإِلَّا فَهِيَ مطرحة عِنْده
قَالَ عَليّ فَمَا احْتج بِهِ من ذهب إِلَى اللَّفْظ لَا يحمل على عُمُومه إِلَى بعد طلب دَلِيل على الْخُصُوص أَو إِلَّا بِدَلِيل على انه للْعُمُوم إِن قَالُوا قد وجدنَا ألفاظا ظَاهرهَا الْعُمُوم وَالْمرَاد بهَا الْخُصُوص فَعلمنَا أَنَّهَا لَا تحمل على الْعُمُوم إِلَّا بِدَلِيل
قَالَ عَليّ وَقد تقدم إفسادنا لهَذَا الِاسْتِدْلَال فِيمَا خلا من القَوْل بِالْوُجُوب وبالظاهر ونقول هَا هُنَا إِنَّه لَيْسَ وجودنا ألفاظا منقولة عَن موضوعها فِي اللُّغَة بِمُوجب إِلَى أَن يبطل كل لفظ وَيفْسد وُقُوع الْأَسْمَاء على مسمياتها وَلَو كَانَ ذَلِك لكاتن وجودنا آيَات مَنْسُوخَة لَا يجوز الْعَمَل بهَا مُوجبا لترك الْعَمَل بِشَيْء من سَائِر الْآيَات كلهَا إِلَّا بِدَلِيل يُوجب الْعَمَل بهَا من غير لَفظهَا
وَقَالُوا أَيْضا لم نجد قطّ خطابا إِلَّا خَاصّا لَا عَاما فصح أَن كل خطاب إِنَّمَا قصد من بلغه ذَلِك الْخطاب من العاقلين الْبَالِغين خَاصَّة دون غَيرهم
قَالَ عَليّ هَذَا تشغيب جَاهِل مُتَكَلم بِغَيْر علم لَيْت شعري أَيْن كَانَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ وَأَيْضًا فَإِن الَّذِي ذكر من توجه الْخطاب إِلَى الْبَالِغين الْعُقَلَاء العاملين بالمر دون غَيرهم فَإِنَّمَا ذَلِك بِنَصّ وَارِد فيهم فَهُوَ عُمُوم لَهُم كلهم وَلمن نعن بقولنَا بِالْأَمر دون غَيرهم فَإِنَّمَا ذَلِك بِنَصّ وَارِد فيهم فَهُوَ عُمُوم لَهُم كلهم وَلم نعن بقولنَا بِالْعُمُومِ كل مَوْجُود فِي الْعَالم وَإِنَّمَا عنينا حمل كل لفظ أَتَى
стр. 164
على مَا يَقْتَضِي وَلَو لم يقتض إِلَّا اثْنَيْنِ من النَّوْع فَإِن ذَلِك عُمُوم لَهُ
وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا تَخْصِيص مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظ بِلَا دَلِيل أَو التَّوَقُّف فِيهِ بِلَا دَلِيل مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فَقُلْنَا هَذَا عُمُوم لكل نفس حرمهَا الله من إِنْسَان ملي أَو ذمِّي وم حَيَوَان نهي عَن قَتله إِمَّا لتملك غَيرنَا لَهُ أَو لبَعض الْأَمر وَمن خَالَفنَا لزمَه أَن لَا ينفذ تَحْرِيم قتل نفي إِلَّا بِدَلِيل وَمثل قَوْله ﵊ كل مُسكر حرَام فَالْوَاجِب أَن يحمل على كل مُسكر وَمن تعدى هَذَا فقد أبطل حكم اللُّغَة وَحكم الْعقل وَحكم الدّيانَة
قَالَ عَليّ وشغبوا أَيْضا بآيَات الْوَعيد مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالُوا إِنَّهَا غير مَحْمُولَة على عمومها قَالَ وَنحن لم ننكر تَخْصِيص الْعُمُوم بِدَلِيل نَص آخر أَو ضَرُورَة حس وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا تَخْصِيصه بِلَا دَلِيل
وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَن قَالُوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ وَقد علمنَا أَن الرّيح لم تدمر كل شَيْء فِي الْعَالم وَأَن بلقيس لم تؤت من كل شَيْء لِأَن سُلَيْمَان ﵇ أُوتِيَ مَا لم تؤت هِيَ
قَالَ عَليّ وَهَذَا كُله لَا حجَّة لَهُم فِيهِ
أما قَوْله تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء﴾ فَإِنَّهُ لم يقل ذَلِك وَأمْسك بل قَالَ تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ فصح بِالنَّصِّ عُمُوم هَذَا اللَّفْظ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ إِنَّهَا دمرت كل شَيْء على الْعُمُوم من الْأَشْيَاء الَّتِي أمرهَا الله تَعَالَى بتدميرها فَسقط احتجاجهم بِهَذِهِ الْآيَة
стр. 165
وَأما قَوْله ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أخبر أَنَّهَا دمرت كل شَيْء أَتَت عَلَيْهِ لَا كل شَيْء لم تأت عَلَيْهِ فَبَطل تمويههم
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ فَإِنَّمَا حكى تَعَالَى هَذَا القَوْل عَن الهدهد وَنحن لَا نحتج بقول الهدهد وَإِنَّمَا نحتج بِمَا قَالَ الله تَعَالَى مخبرا بِهِ لنا عَن علمه أَو حَقَّقَهُ الله تَعَالَى من خبر من نقل إِلَيْنَا خَبره وَقد نقل تَعَالَى إِلَيْنَا عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى أقوالا كَثِيرَة لَيست مِمَّا يَصح فَإِن قَالَ قَائِل إِن سُلَيْمَان ﵇ قَالَ للهدهد ﴿سننظر أصدقت أم كنت من الْكَاذِبين﴾ قُلْنَا نعم وَلَكِن لم يخبرنا الله تَعَالَى أَن الهدهد صدق
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَخلق كل شَيْء﴾ وَهُوَ غير مَخْلُوق وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾ قَالُوا وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم ذَلِك بعض النَّاس وَإِنَّمَا كَانَ الجامعون لَهُم بعض النَّاس
قَالَ عَليّ نَحن لَا ننكر أَن يرد دَلِيل يخرج بعض الْأَلْفَاظ عَن موضوعها فِي اللُّغَة بل أجزنا ذَلِك وَقد قَامَ الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ على أَن المُرَاد بخلقه تَعَالَى كل شَيْء أَن ذَلِك فِي كل مَا دونه على الْعُمُوم وَهَذَا مَفْهُوم من نَص الْآيَة لِأَنَّهُ لما كَانَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق كل شَيْء وَمن الْمحَال أَن يحدث أحد نَفسه لضرورات براهين أحكمناها فِي كتاب الْفَصْل صَحَّ أَن اللَّفْظ لم يَأْتِ قطّ لعُمُوم الله فِيمَا ذكر أَنه خلقه
وَكَذَلِكَ لما كَانَ المخبرون لهَؤُلَاء بِأَن النَّاس قد جمعُوا لَهُم نَاسا غير النَّاس الجامعين وَكَانَ النَّاس الجامعون لَهُم غير النَّاس المخبرين لَهُم وَكَانَت الطائفتان مَعًا غير الْمَجْمُوع لَهَا علمنَا أَن اللَّفْظ لم يقْصد بِهِ إِلَّا مَا قَامَ فِي الْعقل وَإِنَّمَا ننكر دَعْوَى إِخْرَاج الْأَلْفَاظ عَن مفهومها بِلَا دَلِيل اهـ
стр. 166
وهاك عِبَارَات مِمَّا ذكرُوا فِي مَبْحَث مَا يرد بِهِ الْخَبَر
قَالَ الشِّيرَازِيّ فِي اللمع فِي بَاب بَيَان مَا يرد بِهِ خبر الْوَاحِد إِذا روى الْخَبَر ثِقَة رد بِأُمُور
أَحدهَا ن يُخَالف مُوجبَات الْعُقُول فَيعلم بُطْلَانه لِأَن الشَّرْع إِنَّمَا يرد بمجوزات الْعُقُول واما بِخِلَاف الْعُقُول فَلَا
وَالثَّانِي أَن يُخَالف نَص كتاب أَو سنة متواترة فَيعلم أَنه لَا أصل لَهُ أَو مَنْسُوخ
وَالثَّالِث أَن يُخَالف الْإِجْمَاع فيستدل بِهِ على انه مَنْسُوخ أَو لَا أصل لَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون صَحِيحا غير مَنْسُوخ وَتجمع الْأمة على خِلَافه
وَالرَّابِع أَن ينْفَرد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَا يجب على الكافة علمه فَيدل ذَلِك على أَنه لَا أصل لَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون لَهُ أصل وينفرد هُوَ بِعِلْمِهِ من بَين الْخلق الْعَظِيم
وَالْخَامِس أَن ينْفَرد برواي مَا جرت الْعَادة أَن يَنْقُلهُ أهل التَّوَاتُر فَلَا يقبل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن ينْفَرد فِي مثل هَذَا بالرواية فَأَما إِذا ورد مُخَالفا للْقِيَاس أَو انْفَرد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَا تعم بِهِ الْبلوى لم يرد وَقد حكينا الْخلاف فِي ذَلِك فأغن عَن الْإِعَادَة اهـ
وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى الْقسم الثَّانِي من الْأَخْبَار مَا يعلم كذبه وَهِي أَرْبَعَة
الأول مَا يعلم خِلَافه بضرورة الْعقل أَو نظره اَوْ الْحس والمشاهدة أَو أَخْبَار التَّوَاتُر وَبِالْجُمْلَةِ مَا خَالف الْمَعْلُوم بالمدارك السِّتَّة الثَّانِي مَا يُخَالف النَّص الْقَاطِع من الْكتاب وَالسّنة الْمُتَوَاتر وَإِجْمَاع الْأمة فَإِنَّهُ ورد مُكَذبا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﵊ وللأمة
стр. 167
الثَّالِث مَا صرح بتكذيبه مَعَ كثير يَسْتَحِيل فِي الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب إِذا قَالُوا حَضَرنَا مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت فَلم نجد مَا حَكَاهُ من الْوَاقِعَة أصلا
الرَّابِع مَا سكت الْجمع الْكثير عَن نَقله والتحدث بِهِ مَعَ جَرَيَان الْوَاقِعَة بمشهد مِنْهُم وَمَعَ إِحَالَة الْعَادة السُّكُوت عَن ذكره لتوفر الدَّوَاعِي على نَقله ولإحالة الْعَادة اخْتِصَاصه بحكايته
وَقَالَ الْقَرَافِيّ الدَّال على كذب الْخَبَر خَمْسَة وَهُوَ منافاته لما علم بِالضَّرُورَةِ أَو النّظر أَو الدَّلِيل الْقَاطِع أَو فِيمَا شَأْنه أَن يكون متواترا وَلم يتواتر وكقواعد الشَّرْع أَو لَهما جَمِيعًا كالمعجزات اَوْ طلب فِي صُدُور الروَاة أَو كتبهمْ بعد اسْتِقْرَار الْأَحَادِيث فَلم يُوجد
ولنقتصر على هَذَا الْقدر فَفِيهِ كِفَايَة
الْفرْقَة الثَّالِثَة فرقة جعلت همها الْبَحْث عَمَّا صَحَّ من الحَدِيث لتأْخذ بِهِ
стр. 168
فأعطت الْمَسْأَلَة حَقّهَا من النّظر فبحثت فِي الْإِسْنَاد والمتن مَعًا بحث مُؤثر للحق فَلم ينْسب إِلَى الروَاة الْوَهم وَالْخَطَأ وَنَحْو ذَلِك لمُجَرّد كَون الْمَتْن يدل على خلاف رَأْي لَهَا مَبْنِيّ على مُجَرّد الظَّن وَلم تعتقد فيهم انهم معصمون عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان
وَهَذِه الْفرْقَة قد ثَبت عِنْدهَا صِحَة كثير من الْأَحَادِيث الَّتِي ردتها الْفرْقَة الثَّانِيَة وَهِي المفرطة فِي أَمر الحَدِيث كَمَا ثَبت عِنْدهَا عدم صِحَة كثير من الْأَحَادِيث الَّتِي قبلتها الْفرْقَة الأولى وَهِي المفرطة فِيهِ وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ أَوسط الْفرق وأمثلها وأقربها للامتثال وَهِي أقل الْفرق عددا ومقتفى أَثَرهَا مِمَّن أُرِيد بِهِ رشدا
ملحة من ملح هَذَا المبحث
أخرج البُخَارِيّ تعن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لم يكذب إِبْرَاهِيم ﵇ إِلَّا ثَلَاث كذبات ثِنْتَيْنِ مِنْهَا فِي ذَات الله قَوْله ﴿إِنِّي سقيم﴾ وَقَوله ﴿بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾ وَاحِدَة فِي شَأْن سارة قَالَ شراحه إِنَّمَا أطلق عَلَيْهِ الْكَذِب تجوزا وَهُوَ من بَاب المعاريض المحتملة للأمرين لمقصد شَرْعِي
стр. 169
وَقد روى البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد من طَرِيق قَتَادَة عَن مطرف بن عبد الله عَن عمرَان بن الْحصين إِن فِي معاريض الْكَلَام مندوحة عَن الْكَذِب فَأطلق الْكَذِب على ذَلِك مَعَ ونه من المعاريض نظرا لعلو مرتبته
وَقد أنكر بعض الْمُفَسّرين من الْمُتَكَلِّمين هَذَا الحَدِيث بِنَاء على مَا أسسوه فِي كتب الْكَلَام فَقَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ ذكر قَوْله إِنِّي سقيم على سَبِيل التَّعْرِيض بِمَعْنى أَن الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ فِي أَكثر أَحْوَاله عَن حُصُول حَالَة مَكْرُوهَة إِمَّا فِي بدنه وَإِمَّا فِي قلبه وكل ذَلِك سقم وَقَالَ بَعضهم ذَلِك القَوْل عَن إِبْرَاهِيم كذب وَرووا حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ مَا كذب إِبْرَاهِيم إِلَّا ثَلَاث كذبات فَقلت لبَعْضهِم هَذَا الحَدِيث
стр. 170
لَا يَنْبَغِي ان يقبل لِأَن فِيهِ نِسْبَة الْكَذِب إِلَى إِبْرَاهِيم فَقَالَ ذَلِك لارجل كَيفَ يحكم بكذب الروَاة الْعُدُول فَقلت لما وَقع التَّعَارُض بَين نِسْبَة الْكَذِب إِلَى الرَّاوِي وَبَين نسبته إِلَى الْخَلِيل كَانَ من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن نسبته إِلَى الرَّاوِي أولى ثمَّ نقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِكَوْنِهِ كذبا خَبرا شَبِيها بِالْكَذِبِ اهـ
اعتراضات على الْحَد الْمَذْكُور للْحَدِيث الصَّحِيح مَعَ الْجَواب عَنْهَا
الِاعْتِرَاض الأول قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي التدريب أورد عَلَيْهِ التَّوَاتُر فَإِنَّهُ صَحِيح قطعا وَلَا يشْتَرط فِيهِ مَجْمُوع من الشُّرُوط قَالَ شيخ الْإِسْلَام وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال هَل يُوجد حَدِيث متواتر لم تَجْتَمِع فِيهِ هَذِه الشُّرُوط اهـ
أَقُول قد وجد ذَلِك فِيمَا ذكر ابْن حم وَقد نقلنا ذَلِك فِيمَا مضى وَهُوَ قَالَ عَليّ وَقد يرد خبر مُرْسل إِلَّا أَن الْإِجْمَاع قد صَحَّ بِمَا فِيهِ متيقنا مَنْقُولًا جيلا فجيلا فَإِن كَانَ هَذَا علمنَا أَنه مَنْقُول قل كَافَّة كنقل الْقُرْآن فاستغنى عَن ذكر السَّنَد فِيهِ وَكَانَ وُرُود ذَلِك الْمُرْسل وَعدم وُرُوده سَوَاء وَلَا فرق وَذَلِكَ نَحْو لَا وَصِيَّة لوَارث وَكثير من أَعْلَام نبوته ﷺ وَإِن كَانَ قوم قد رووها بأسانيد صِحَاح وَهِي منقولة نقل الكافة
على ان فِي هَذَا الْإِيرَاد نظرا لِأَن الْمُتَوَاتر يجب أَن لَا يدْخل حد الصَّحِيح الْمَذْكُور لوَجْهَيْنِ
الأول مَا سبق من أَن الْمُحدثين لَا يبحثون عَن الْمُتَوَاتر لاستغنائه بالتواتر عَن إِيرَاد سَنَد لَهُ حَتَّى إِنَّه إِذا اتّفق لَهُ سَنَد لم يبْحَث عَن أَحْوَال رُوَاته فَقَوْل الْمُحدثين إِن الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف يُرِيدُونَ بِهِ الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طَرِيق الْآحَاد وَأما الْمُتَوَاتر فَهُوَ خَارج عَن مورد الْقِسْمَة وَقد ألحق بَعضهم المستفيض بالمتواتر فِي ذَلِك
стр. 171
الثَّانِي مَا ذكرُوا من انهم إِذا قَالُوا هَذَا صَحِيح فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بلك أَنه مستوف لشروط الصِّحَّة وَلَا يُرِيدُونَ بذلك أَنه صَحِيح فِي نفس الْأَمر
قَالَ الْحَافِظ ابْن الصّلاح وَمَتى قَالُوا هَذَا صَحِيح فَمَعْنَاه أَنه اتَّصل سَنَده مَعَ سَائِر الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة وَلَيْسَ من شَرطه أَن يكون مَقْطُوعًا بِهِ فِي نفس المر إِذْ مِنْهُ مَا ينْفَرد بروايته عدل وَاحِد وَلَيْسَ من الْأَخْبَار الَّتِي أَجمعت الْأمة على تلقيها بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ إِذا قَالُوا فِي حَدِيث إِنَّه غير صَحِيح فَلَيْسَ ذَلِك قطعا بِأَنَّهُ كذب فِي نفس الْأَمر إِذْ قد يكون صدقا فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ أَنه لم يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمَذْكُور
وَالصَّحِيح يتنوع إِلَى مُتَّفق عَلَيْهِ ومختلف فِيهِ ويتنوع إِلَى مَشْهُور وغريب وَبَين ذَلِك ثمَّ إِن دَرَجَات الصَّحِيح تَتَفَاوَت فِي الْقُوَّة بِحَسب تمكن الحَدِيث من الصِّفَات الْمَذْكُورَة الَّتِي تنبني الصِّحَّة عَلَيْهَا وينقسم بِاعْتِبَار ذَلِك إِلَى أَقسَام يستعصي إحصاؤها على الْعَاد الْحَاضِر وَلِهَذَا نرى الْإِمْسَاك عَن الحكم لإسناد أَو حَدِيث بِأَنَّهُ الْأَصَح على الْإِطْلَاق اهـ
هَذَا وَلَيْسَ فِي عبارَة ابْن الصّلاح الْمَذْكُور أَولا مَا يُوجب خُرُوج الْمُتَوَاتر لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ عَن الصَّحِيح الْمَذْكُور لِأَنَّهُ لم يقل وَمن شَرط الصَّحِيح أَن لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ فِي نفس الْأَمر بل قَالَ وَلَيْسَ من شَرط الصَّحِيح أَن يكون مَقْطُوعًا بِهِ فِي نفس الْأَمر وَهِي عبارَة لَا تنَافِي أَن يكون فِي الصَّحِيح الْمَذْكُور مَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ فِي نفس الْأَمر وَبِهَذَا تعلم أَن لَا تنَافِي بَين مَا قَالَه هُنَا وَبَين مَا قَالَه فِيمَا بعد وَهُوَ أَن الحَدِيث الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ البُخَارِيّ وَمُسلم مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ مَا توهم ذَلِك بعض الْحفاظ
وَمن الْغَرِيب محاولة شيخ الْإِسْلَام إِدْخَال الْمُتَوَاتر فِي تَعْرِيف الصَّحِيح الْمَذْكُور مَعَ أَنه قاال فِي شرح النخبة وَإِنَّمَا أبهمت شُرُوط الْمُتَوَاتر فِي الأَصْل لِأَنَّهُ على
стр. 172
هَذِه الْكَيْفِيَّة لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد إِذْ علم الْإِسْنَاد يبْحَث فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه ليعْمَل بِهِ أَو يتْرك من حَيْثُ صِفَات الرِّجَال وصيغ الْأَدَاء والمتواتر لَا يبْحَث عَن رِجَاله بل يجب الْعَمَل بِهِ من غير بحث
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي تَعْرِيف الصَّحِيح لذاته وَخبر الْآحَاد بِنَقْل عدل تَامّ الضَّبْط مُتَّصِل السَّنَد غير مُعَلل وَلَا شَاذ هُوَ الصَّحِيح لذاته فَأدْخل فِي التَّعْرِيف مَا يخرج بِهِ الْمُتَوَاتر قطعا وَأما تَعْرِيف الْجُمْهُور فَإِنَّهُ يُمكن دُخُول الْمُتَوَاتر فِيهِ لَو لم يصرحوا بِأَنَّهُم لم يقصدوا دُخُوله فِيهِ لَو لم يصرحوا بِأَنَّهُم لم يقصدوا دُخُوله فِيهِ وَمَا ذكر من أَنه قد وجد فِي الْمُتَوَاتر مَا لَا سَنَد لَهُ أصلا أَو مَا لَهُ سَنَد وَلَكِن فِيهِ مقَال قد يُقَال إِنَّه نَادِر وَخُرُوج الصُّور النادرة من التَّعْرِيف قد أجَازه بعض الْعلمَاء
هَذَا وَقد وَقع لبَعض من كتب فِي هَذَا الْفَنّ وَهُوَ فِيهِ ضَعِيف أَن قَالَ قد توهم بعض الأفاضل من قَوْلهم فِي تَعْرِيف الْمُتَوَاتر إِنَّه خبر جمع يُؤمن تواطؤهم على الْكَذِب أَنه لَا يكون إِلَّا صَحِيحا وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الِاصْطِلَاح بل مِنْهُ مَا يكون صَحِيحا اصْطِلَاحا بِأَن يرويهِ عدُول عَن مثلهم وَهَكَذَا من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه وَمِنْه مَا يكون ضَعِيفا كَمَا إِذا كَانَ فِي بعض طبقاته غير عدل ضَابِط فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح اصْطِلَاحا وَإِن كَانَ صَحِيحا بِمَعْنى انه مُطَابق للْوَاقِع بِاعْتِبَار أَمن تواطئ نقلته على الْكَذِب وَعبارَة التَّقْرِيب فِيهِ صَرِيحَة فِيمَا ذَكرْنَاهُ إِذْ جعله قسما من الْمَشْهُور وَقِسْمَة إِلَى صَحِيح وَغَيره أَي حسن وَضَعِيف فتبصر اهـ
أَقُول يَكْفِي المتبصر أَن يرجع إِلَى وجدانه وَأقرب إِلَيْهِ من ذَلِك أَن ينظر فِي عبارَة التَّقْرِيب الَّتِي نقلناها عَنهُ آنِفا وليت هَذَا النَّاقِل اقتفى أثر ذَلِك الْفَاضِل
стр. 173
الِاعْتِرَاض الثَّانِي قد تقرر أَن الْحسن إِذا رُوِيَ من غير وَجه انْتقل من دَرَجَة الْحسن إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَهُوَ غير دَاخل فِي الْحَد الْمَذْكُور وَكَذَلِكَ مَا اعتضد بتلقي الْعلمَاء لَهُ بِالْقبُولِ فَإِن بعض الْعلمَاء لَهُ بِالْقبُولِ وَإِن لم يكن لَهُ إِسْنَاد صَحِيح
قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الاستذكار لما حكى عَن التِّرْمِذِيّ أَن البُخَارِيّ صحّح حَدِيث الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ وَأهل الحَدِيث لَا يصححون مثل إِسْنَاده لَكِن الحَدِيث عِنْدِي صَحِيح لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْحصار فِي تقريب المدارك على موطأ مَالك قد يعلم الْفَقِيه صِحَة الحَدِيث إِذا لم يكن فِي سَنَده كَذَّاب بموافقة آيَة من كتاب الله أَو بعض أصُول الحَدِيث إِذا لم يكن فِي سَنَده كَذَّاب بموافقة آيَة من كتاب الله أَو بعض أصُول الشَّرِيعَة فيحمله ذَلِك على قبُوله وَالْعَمَل بِهِ
وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن الْحَد الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ للصحيح لذاته وَمَا أورد فَهُوَ من قبيل الصَّحِيح لغيره
الِاعْتِرَاض الثَّالِث من شَرط الحَدِيث الصَّحِيح أَن لَا يكون فِي الْمُنكر فحقهم أَن يزِيدُوا فِي الْحَد مَا يخرج بِهِ الْمُنكر وَأجِيب عَن لَك بِأَن النَّاس فِي الْمُنكر فريقان فريق يَقُول إِنَّه هُوَ والشاذ سيان وعَلى ذَلِك فَلَا إِشْكَال وفريق يَقُول إِن الْمُنكر أَسْوَأ حَالا من الشاذ وعَلى ذَلِك يُقَال إِن اشْتِرَاط نفي الشذوذ يَقْتَضِي اشْتِرَاط نَفْيه بطرِيق الأولى
وَقد تبين بِمَا ذكرنَا أَن هَذَا الْحَد لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء وَمِمَّا يستغرب فِي هَذَا الْحَد أَنه
стр. 174
يُمكن أَن يُوَافق أَكثر الْفرق الَّتِي زَادَت بعض الشُّرُوط كالجبائي وَمن نحا نَحوه مثلا فَإِنَّهُ لَا يَقُول بِصِحَّة الحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ وَاحِد وَلَو فِي طبقَة وَاحِدَة من الطَّبَقَات إِلَّا أَن يعضد الحَدِيث عاضد مِمَّا ذكر سَابِقًا فَإِذا اسْتعْمل هَذَا الْحَد أخرج مَا انْفَرد بِهِ وَاحِد من غير أَن يكون لَهُ عاضد بقوله من غير شذوذ وَفسّر الشذوذ بِمَا يُوَافق مَا ذهب إِلَيْهِ مَعَ ان الْجُمْهُور يفسرون الشذوذ بمخالفة الثِّقَة لمن هُوَ أرجح مِنْهُ وَكَمن يشْتَرط فِي صِحَة الحَدِيث أَن لَا يكون الرَّاوِي قد عمل بخلافة بعد رِوَايَته لَهُ فَإِذا اسْتعْمل هَذَا الْحَد أخرج الحَدِيث الَّذِي عمل الرَّاوِي لَهُ بِخِلَافِهِ بقوله وَلَا عِلّة وَجعل من الْعِلَل القادحة مُخَالفَة عمل الرَّاوِي لما رَوَاهُ
وَإِن أردْت إِيرَاد حد يدْخل فِيهِ الصَّحِيح لغيره يمكنك أَن تَقول الحَدِيث الصَّحِيح هُوَ الحَدِيث الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده على وَجه تسكن إِلَيْهِ النَّفس مَعَ السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة وَإِن أردْت أجمع مِنْهُ يمكنك أَن تَقول الحَدِيث الصَّحِيح هُوَ الحَدِيث الْمَرْوِيّ على وَجه تسكن إِلَيْهِ النَّفس من الشذوذ وَالْعلَّة
فَوَائِد تتَعَلَّق بمبحث الصَّحِيح
الْفَائِدَة الأولى
فِي أَن من ألف فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد هُوَ البُخَارِيّ وَمُسلم
أول من صنف فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ الْجعْفِيّ وتلاه الإِمَام أَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي الْقشيرِي وَكَانَ مُسلم مِم أَخذ عَن البُخَارِيّ واستفاد مِنْهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُشَارِكهُ فِي أَكثر شُيُوخه وكتاباهما أصح كتب الحَدِيث
وَأما قَول الإِمَام الشَّافِعِي مَا على وَجه الأَرْض بعد كتاب الله أصح من كتاب مَالك فَإِنَّهُ كَانَ قبل وجود كِتَابَيْهِمَا
وَأما قَول بَعضهم إِن مَالِكًا أول من صنف فِي الصَّحِيح فَهُوَ مُسلم غير أَنه
стр. 175
لم يقْتَصر فِي كِتَابه عَلَيْهِ بل أَدخل فِيهِ الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَمن بلاغاته أَحَادِيث لَا تعرف كَمَا ذكره الْحَافِظ ابْن عبد الْبر فَهُوَ لم يجرد الصَّحِيح
وَاعْترض بَعضهم على ذَلِك فَقَالَ إِن مثل ذَلِك قد وَقع فِي كتاب البُخَارِيّ قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن كتاب مَالك صَحِيح عِنْده وَعند من يقلده على مَا اقْتَضَاهُ نظره من الِاحْتِجَاج بالمرسل والمنقطع وَغَيرهمَا لَا على الشَّرْط الَّذِي تقدم التَّعْرِيف بِهِ
قَالَ وَالْفرق بَين مَا فِيهِ من الْمُنْقَطع وَبَين مَا فِي البُخَارِيّ أَن الَّذِي فِي الْمُوَطَّأ هُوَ مسموع لمَالِك كَذَلِك غَالِبا وَهُوَ حجَّة عِنْده وَالَّذِي فِي البُخَارِيّ قد حذف إِسْنَاده عمدا لقصد التَّخْفِيف إِن كَانَ ذكره فِي مَوضِع آخر مَوْصُولا أَو لقصد التنويع إِن كَانَ على غير شَرطه ليخرجه عَن مَوْضُوع كِتَابه وَإِنَّمَا يذكر مَا يذكر من ذَلِك تَنْبِيها أَو اسْتِشْهَادًا أَو استئناسا أَو تَفْسِيرا لبَعض آيَات أَو غير ذَلِك مِمَّا سَيَأْتِي عِنْد الْكَلَام على التَّعْلِيق فَظهر بِهَذَا أَن الَّذِي فِي البُخَارِيّ لَا يُخرجهُ عَن كَونه جرد فِيهِ الصَّحِيح بِخِلَاف الْمُوَطَّأ
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
فِي شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم
ألف الْحَازِمِي كتابا فِي شُرُوط الْأَئِمَّة ذكر فِيهِ شَرط الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا فَقَالَ مَذْهَب من يخرج الصَّحِيح أَن يعْتَبر حَال الرَّاوِي الْعدْل فِي مشايخه وفيمن روى عَنْهُم وهم ثِقَات أَيْضا وَحَدِيثه عَن بَعضهم صَحِيح ثَابت يلْزم إِخْرَاجه وَعَن بَعضهم مَدْخُول لَا يَصح إِخْرَاجه لَا فِي الشواهد والمتابعات وَهَذَا بَاب فِيهِ غموض وَطَرِيقَة معرفَة طَبَقَات الروَاة عَن رَاوِي الأَصْل ومراتب مداركهم ولنوضح ذَلِك بمثال
стр. 176
وَهُوَ أَن تعلم أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ مثلا على خمس طَبَقَات وَلكُل طبقَة مِنْهَا مزية على الَّتِي تَلِيهَا
فَالْأولى فِي غَايَة الصِّحَّة نَحْو مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَيُونُس وَعقيل وَنَحْوهم وَهِي مقصد البُخَارِيّ
وَالثَّانيَِة شاركت الأولى فِي الْعَدَالَة غير أَن الأولى جمعت بَين الْحِفْظ والإتقان وَبَين طول الْمُلَازمَة لِلزهْرِيِّ حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يزامله فِي السّفر ويلازمه فِي الْحَضَر وَالثَّانيَِة لم تلازم الزُّهْرِيّ إِلَّا مُدَّة يسيرَة فَلم تمارس حَدِيثه وَكَانُوا فِي الإتقان دون الطَّبَقَة الأولى كالليث بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ والنعمان بن رَاشد وَهُوَ شَرط مُسلم وَالثَّالِثَة لزموا الزُّهْرِيّ مثل أهل الطَّبَقَة الأولى غير أَنهم لم يسلمُوا من غوائل الْجرْح فهم بَين الرَّد وَالْقَبُول كجعفر بن برْقَان وسُفْيَان بن حُسَيْن السّلمِيّ وَزَمعَة بن صَالح الْمَكِّيّ وهم شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
وَالرَّابِعَة تقوم شاركوا الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لأَنهم لم يلازموه كثيرا كمعاوية بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ والمثنى بن الصَّباح وَهُوَ شَرط التِّرْمِذِيّ
وَالرَّابِعَة قوم شاركوا الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لنهم لم يلازموه كثيرا كمعاوية بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ والمثنى بن الصَّباح وهم شَرط التِّرْمِذِيّ
стр. 177
وَالْخَامِسَة نفر من الضُّعَفَاء والمجهولين لَا يجوز لمن يخرج الحَدِيث على الْأَبْوَاب أَن يخرج حَدِيثهمْ إِلَّا على سَبِيل الِاعْتِبَار والاستشهاد عِنْد أبي دَاوُد فَمن دونه فَأَما عِنْد الشَّيْخَيْنِ فَلَا كبحر بن كنيز السقاء وَالْحكم بن عبد الله الْأَيْلِي
وَقد يخرج البُخَارِيّ أَحْيَانًا عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَمُسلم عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَأَبُو دَاوُد عَن مشاهير الرَّابِعَة وَذَلِكَ لأسباب اقتضته
وَقَالَ ابْن طَاهِر شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة رِجَاله إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور قَالَ الْعِرَاقِيّ وَلَيْسَ مَا قَالَه بجيد لِأَن النَّسَائِيّ
стр. 178
ضعف رجَالًا أخرج لَهُم الشَّيْخَانِ اَوْ أَحدهمَا وَأجِيب بِأَنَّهُمَا أخرجَا من أجمع على ثقته إِلَى حِين تصنيفهما وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك تَضْعِيف النَّسَائِيّ بعد وجود الْكِتَابَيْنِ
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر تَضْعِيف النَّسَائِيّ إِن كَانَ بِاجْتِهَادِهِ أَو نَقله عَن معاصر فَالْجَوَاب ذَلِك وَإِن نَقله عَن مُتَقَدم فَلَا قَالَ وَيُمكن أَن يُجَاب بَان نما قَالَه ابْن طَاهِر هُوَ الأَصْل الَّذِي بنيا عَلَيْهِ أَمرهمَا وَقد يخرجَانِ عَنهُ لمرجح يقوم مقَامه
وَسُئِلَ الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية عَن مسَائِل وَهِي مَا معنى إِجْمَاع الْعلمَاء وَإِذا أَجمعُوا فَهَل يسوغ للمجتهد مخالفتهم وَهل قَول الصَّحَابِيّ حجَّة وَمَا معنى الْحسن والمرسل والغريب من الحَدِيث وَمَا معنى قَول التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب فقد جمع بَين الْحسن وَالصِّحَّة والغرابة فِي حَدِيث وَاحِد وَهل فِي الحَدِيث متواتر لفظا وَهل أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ تفِيد الْيَقِين أَو الظَّن وَمَا شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِنَّهُم قد فرقوا بَينهمَا
فَأجَاب عَنْهَا وَقَالَ فِي الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة الخبيرة الَّتِي نَحن الْآن فِي صدد الْبَحْث عَنْهَا بِمَا صورته
واما شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَلهَذَا رجال يروي عَنْهُم يخْتَص بهم وَلِهَذَا رجال يروي عَنْهُم يتص بهم وهما مشتركان فِي رجال آخَرين وَهَؤُلَاء الَّذين اتفقَا عَلَيْهِم عَلَيْهِم مدَار الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَقد يروي أحدهم عَن رجل فِي المتابعات والشواهد دون الأَصْل وَقد يروي عَنهُ مَا عرف من طَرِيق غَيره وَلَا يروي مَا انْفَرد بِهِ
وَقد يتْرك من حَدِيث الثِّقَة مَا علم أَنه أَخطَأ فِي فيظن من لَا خبْرَة لَهُ أَن كل مَا رَوَاهُ ذَلِك الشَّخْص يحْتَج بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن معرفَة علل الحَدِيث علم شرِيف يعرفهُ أَئِمَّة الْفَنّ كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ صَاحب الصَّحِيح وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم وَهَذِه عُلُوم يعرفهَا أَصْحَابهَا اهـ
стр. 179
وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَاكِم من انهما لم يخرجَا حَدِيث من لم يرو عَنهُ إِلَّا راو وَاحِد فقد سبق مَا قيل فِيهِ وَأَنه مُخَالف للْوَاقِع
وَقد أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم حَدِيث بن حزن وَالِد سعيد بن الْمسيب فِي وَفَاة أبي طَالب وَلم يرو عَنهُ غير ابْنه سعيد
وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث عَمْرو بن تغلب ني لأعطي الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَيّ وَلم يرو عَنهُ غير الْحسن
وَحَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ يذهب الصالحون وَلم يرو عَنهُ غير قيس
وَأخرج مُسلم حَدِيث رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله بن
стр. 180
الصَّامِت وَحَدِيث ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ وَلم يرو عَنهُ غير أبي سَلمَة ونظائر ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرَة
وَقد تعرض الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي التوشيح لبَيَان شُرُوط البُخَارِيّ وموضوع كِتَابه فَأَحْبَبْت إِيرَاده بِتَمَامِهِ لما فِيهِ من الْفَوَائِد المهمة قَالَ فِي أَوله
فصل فِي بَيَان شُرُوط البُخَارِيّ وموضوعه
اعْلَم أَن البُخَارِيّ لم يُوجد عِنْده تَصْرِيح بِشَرْط معِين وَغنما أَخذ ذَلِك من تَسْمِيَة الْكتاب والاستقراء من تصرفه
أما أَولا فَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند الْمُخْتَصر من أُمُور رَسُول الله ﷺ وسننه وأيامه
فَعلم من قَوْله الْجَامِع أَنه لم يَخُصُّهُ بصنف دون صنف وَلِهَذَا أورد فِيهِ الْأَحْكَام والفضائل وَالْأَخْبَار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة والآتية وَغير ذَلِك من الْآدَاب وَالرَّقَائِق
وَمن قَوْله الصَّحِيح أَنه لَيْسَ فِيهِ شَيْء ضَعِيف عِنْده وَإِن كَانَ فِيهِ مَوَاضِع
следующие страницы →