Полный текст (855 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَهُوَ أَن تعلم أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ مثلا على خمس طَبَقَات وَلكُل طبقَة مِنْهَا مزية على الَّتِي تَلِيهَا
فَالْأولى فِي غَايَة الصِّحَّة نَحْو مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَيُونُس وَعقيل وَنَحْوهم وَهِي مقصد البُخَارِيّ
وَالثَّانيَِة شاركت الأولى فِي الْعَدَالَة غير أَن الأولى جمعت بَين الْحِفْظ والإتقان وَبَين طول الْمُلَازمَة لِلزهْرِيِّ حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يزامله فِي السّفر ويلازمه فِي الْحَضَر وَالثَّانيَِة لم تلازم الزُّهْرِيّ إِلَّا مُدَّة يسيرَة فَلم تمارس حَدِيثه وَكَانُوا فِي الإتقان دون الطَّبَقَة الأولى كالليث بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ والنعمان بن رَاشد وَهُوَ شَرط مُسلم وَالثَّالِثَة لزموا الزُّهْرِيّ مثل أهل الطَّبَقَة الأولى غير أَنهم لم يسلمُوا من غوائل الْجرْح فهم بَين الرَّد وَالْقَبُول كجعفر بن برْقَان وسُفْيَان بن حُسَيْن السّلمِيّ وَزَمعَة بن صَالح الْمَكِّيّ وهم شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
وَالرَّابِعَة تقوم شاركوا الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لأَنهم لم يلازموه كثيرا كمعاوية بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ والمثنى بن الصَّباح وَهُوَ شَرط التِّرْمِذِيّ
وَالرَّابِعَة قوم شاركوا الثَّالِثَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتفردوا بقلة ممارستهم لحَدِيث الزُّهْرِيّ لنهم لم يلازموه كثيرا كمعاوية بن يحيى الصَّدَفِي وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ والمثنى بن الصَّباح وهم شَرط التِّرْمِذِيّ
стр. 177
وَالْخَامِسَة نفر من الضُّعَفَاء والمجهولين لَا يجوز لمن يخرج الحَدِيث على الْأَبْوَاب أَن يخرج حَدِيثهمْ إِلَّا على سَبِيل الِاعْتِبَار والاستشهاد عِنْد أبي دَاوُد فَمن دونه فَأَما عِنْد الشَّيْخَيْنِ فَلَا كبحر بن كنيز السقاء وَالْحكم بن عبد الله الْأَيْلِي
وَقد يخرج البُخَارِيّ أَحْيَانًا عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَمُسلم عَن أَعْيَان الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَأَبُو دَاوُد عَن مشاهير الرَّابِعَة وَذَلِكَ لأسباب اقتضته
وَقَالَ ابْن طَاهِر شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة رِجَاله إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور قَالَ الْعِرَاقِيّ وَلَيْسَ مَا قَالَه بجيد لِأَن النَّسَائِيّ
стр. 178
ضعف رجَالًا أخرج لَهُم الشَّيْخَانِ اَوْ أَحدهمَا وَأجِيب بِأَنَّهُمَا أخرجَا من أجمع على ثقته إِلَى حِين تصنيفهما وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك تَضْعِيف النَّسَائِيّ بعد وجود الْكِتَابَيْنِ
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر تَضْعِيف النَّسَائِيّ إِن كَانَ بِاجْتِهَادِهِ أَو نَقله عَن معاصر فَالْجَوَاب ذَلِك وَإِن نَقله عَن مُتَقَدم فَلَا قَالَ وَيُمكن أَن يُجَاب بَان نما قَالَه ابْن طَاهِر هُوَ الأَصْل الَّذِي بنيا عَلَيْهِ أَمرهمَا وَقد يخرجَانِ عَنهُ لمرجح يقوم مقَامه
وَسُئِلَ الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية عَن مسَائِل وَهِي مَا معنى إِجْمَاع الْعلمَاء وَإِذا أَجمعُوا فَهَل يسوغ للمجتهد مخالفتهم وَهل قَول الصَّحَابِيّ حجَّة وَمَا معنى الْحسن والمرسل والغريب من الحَدِيث وَمَا معنى قَول التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب فقد جمع بَين الْحسن وَالصِّحَّة والغرابة فِي حَدِيث وَاحِد وَهل فِي الحَدِيث متواتر لفظا وَهل أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ تفِيد الْيَقِين أَو الظَّن وَمَا شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِنَّهُم قد فرقوا بَينهمَا
فَأجَاب عَنْهَا وَقَالَ فِي الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة الخبيرة الَّتِي نَحن الْآن فِي صدد الْبَحْث عَنْهَا بِمَا صورته
واما شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَلهَذَا رجال يروي عَنْهُم يخْتَص بهم وَلِهَذَا رجال يروي عَنْهُم يتص بهم وهما مشتركان فِي رجال آخَرين وَهَؤُلَاء الَّذين اتفقَا عَلَيْهِم عَلَيْهِم مدَار الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَقد يروي أحدهم عَن رجل فِي المتابعات والشواهد دون الأَصْل وَقد يروي عَنهُ مَا عرف من طَرِيق غَيره وَلَا يروي مَا انْفَرد بِهِ
وَقد يتْرك من حَدِيث الثِّقَة مَا علم أَنه أَخطَأ فِي فيظن من لَا خبْرَة لَهُ أَن كل مَا رَوَاهُ ذَلِك الشَّخْص يحْتَج بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن معرفَة علل الحَدِيث علم شرِيف يعرفهُ أَئِمَّة الْفَنّ كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ صَاحب الصَّحِيح وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم وَهَذِه عُلُوم يعرفهَا أَصْحَابهَا اهـ
стр. 179
وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَاكِم من انهما لم يخرجَا حَدِيث من لم يرو عَنهُ إِلَّا راو وَاحِد فقد سبق مَا قيل فِيهِ وَأَنه مُخَالف للْوَاقِع
وَقد أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم حَدِيث بن حزن وَالِد سعيد بن الْمسيب فِي وَفَاة أبي طَالب وَلم يرو عَنهُ غير ابْنه سعيد
وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث عَمْرو بن تغلب ني لأعطي الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَيّ وَلم يرو عَنهُ غير الْحسن
وَحَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ يذهب الصالحون وَلم يرو عَنهُ غير قيس
وَأخرج مُسلم حَدِيث رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله بن
стр. 180
الصَّامِت وَحَدِيث ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ وَلم يرو عَنهُ غير أبي سَلمَة ونظائر ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرَة
وَقد تعرض الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي التوشيح لبَيَان شُرُوط البُخَارِيّ وموضوع كِتَابه فَأَحْبَبْت إِيرَاده بِتَمَامِهِ لما فِيهِ من الْفَوَائِد المهمة قَالَ فِي أَوله
فصل فِي بَيَان شُرُوط البُخَارِيّ وموضوعه
اعْلَم أَن البُخَارِيّ لم يُوجد عِنْده تَصْرِيح بِشَرْط معِين وَغنما أَخذ ذَلِك من تَسْمِيَة الْكتاب والاستقراء من تصرفه
أما أَولا فَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند الْمُخْتَصر من أُمُور رَسُول الله ﷺ وسننه وأيامه
فَعلم من قَوْله الْجَامِع أَنه لم يَخُصُّهُ بصنف دون صنف وَلِهَذَا أورد فِيهِ الْأَحْكَام والفضائل وَالْأَخْبَار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة والآتية وَغير ذَلِك من الْآدَاب وَالرَّقَائِق
وَمن قَوْله الصَّحِيح أَنه لَيْسَ فِيهِ شَيْء ضَعِيف عِنْده وَإِن كَانَ فِيهِ مَوَاضِع
стр. 181
قد انتقدها غَيره فقد أُجِيب عَنْهَا وَقد صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ مَا أدخلت فِي الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ
وَمن قَوْله الْمسند أَن مَقْصُوده الْأَصْلِيّ الْأَحَادِيث الَّتِي اتَّصل إسنادها بِبَعْض الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ سَوَاء كَانَت من قَوْله أم فعله أم تَقْرِيره وَأما مَا قع فِي الْكتاب من غير ذَلِك فَإِنَّمَا وَقع عرضا وتبعا لَا أصلا مَقْصُودا
وَأما مَا عرف بالاستقراء من تصرفه فَهُوَ أَنه يخرج الحَدِيث الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده وَكَانَ كل من رُوَاته عدلا مَوْصُوفا بالضبط فَإِن قصر احْتَاجَ إِلَى مَا يجْبر ذَلِك التَّقْصِير وخلا عَن أَن يكون معلولا أَي فِيهِ عِلّة خُفْيَة قادحة أَو شاذا أَي خَالف رُوَاته من هُوَ أَكثر عددا مِنْهُ أَو أَشد ضبطا مُخَالفَة تَسْتَلْزِم التَّنَافِي ويتعذر مَعَه الْجمع الَّذِي لَا يكون فِيهِ تعسف
والاتصال عِنْدهم أَن يعبر كل من الروَاة فِي رِوَايَته عَن شَيْخه بِصفة صَرِيح فِي السماع مِنْهُ كسمعته وحَدثني وَأَخْبرنِي أَو ظَاهِرَة فِيهِ كعن أَو أَن فلَانا قَالَ وَهَذَا الثَّانِي فِي غير المدلس الثِّقَة أما هُوَ فَلَا يقبل مِنْهُ إِلَّا الْمرتبَة الأولى وَشرط حمل الثَّانِي على السماع عِنْد البُخَارِيّ أَن يكون الرَّاوِي قد ثَبت لَهُ لِقَاء من حدث عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِدَة
وَعرف بالاستقراء من تصرفه فِي الرِّجَال الَّذين يخرج لَهُم أَنه ينتقي أَكْثَرهم صُحْبَة لشيخه وأعرفهم بحَديثه وَإِن أخرج من حَدِيث من لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّمَا يخرج فِي المتابعات أَو حَيْثُ تقوم لَهُ قرينَة بِأَن ذَلِك مِمَّا ضَبطه هَذَا الرَّاوِي فبمجموع ذَلِك وصف الْأَئِمَّة كتابا قَدِيما زحديثا بِأَنَّهُ أصح الْكتب المصنفة فِي الحَدِيث
وَأكْثر مَا فضل كتاب مُسلم عَلَيْهِ أَن يجمع الْمُتُون فِي مَوضِع وَاحِد وَلَا يفرقها فِي الْأَبْوَاب ويسوقها تَامَّة وَلَا يقطعهَا فِي التراجم ويحافظ على الْإِتْيَان بألفاظها وَلَا يروي بِالْمَعْنَى ويفردها وَلَا يخلط مَعهَا شَيْئا من أَقْوَال الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ
стр. 182
وَأما البُخَارِيّ فَإِنَّهُ يفرقها فِي الْأَبْوَاب اللائقة بهَا لَكِن رُبمَا كَانَ ذَلِك الحَدِيث ظَاهرا وَرُبمَا كَانَ خفِيا فالخفي رُبمَا حصل تنَاوله بالاقتضاء أَو باللزوم أَو بالتمسك بِالْعُمُومِ أَو بالرمز إِلَى مُخَالفَة مُخَالف أَو بِالْإِشَارَةِ إِلَى أَن بعض طرق ذَلِك الحَدِيث مَا يُعْطي الْمَقْصُود وَإِن خلا عَنهُ لفظ الْمَتْن المسوق هُنَاكَ تَنْبِيها على ذَلِك الْمشَار إِلَيْهِ بذلك وَأَنه صَالح لِأَن يحْتَج بِهِ وَإِن كَانَ لَا يرتقي إِلَى دَرَجَة شَرطه
وَاحْتَاجَ لذَلِك أَن يُكَرر الْأَحَادِيث لِأَن كثيرا من الْمُتُون تَشْمَل على عدَّة أَحْكَام فَيحْتَاج أَن يذكر فِي كل بَاب مَا يَلِيق بِهِ من حكم ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه فَإِن سَاقه بِتَمَامِهِ إِسْنَادًا ومتنا طَال وَإِن أهمله فَلَا يَلِيق بِهِ فتصرف فِيهِ بِوُجُوه من التَّصَرُّف
وَهُوَ أَنه ينظر الْإِسْنَاد إِلَى غَايَة من يَدُور عَلَيْهِ الحَدِيث من الروَاة أَي ينْفَرد بروايته فيخرجه فِي بَاب عَن راو يرويهِ عَن ذَلِك الْمُنْفَرد وَفِي بَاب آخر عَن راو آخر عَن ذَلِك الْمُنْفَرد وهلم جرا فَإِن كثرت الْأَحْكَام عَن عدد الروَاة عدل عَن سِيَاقه تَمام الْإِسْنَاد إِلَى اختصاره مُطلقًا فيسوق الْمَتْن تَارَة تَاما وَتارَة مُخْتَصرا
ثمَّ إِنَّه حَال تصنيفه كَانَ قد بسط التراجم وَالْأَحَادِيث فَجعل لكل تَرْجَمَة حَدِيثا وَبقيت عَلَيْهِ تراجم لم يجد فِي الْحَالة الراهنة مَا يلائمها فأخلاها عَن الحَدِيث وَبقيت عَلَيْهِ أَحَادِيث لم يَتَّضِح لَهُ مَا يرتضيه فِي التَّرْجَمَة عَنْهَا فَجعل لَهَا أبوابا بِلَا تراجم فيوجد فِيهِ أَحْيَانًا بَاب تراجم وَلَيْسَ فِيهِ سوى آيَة أَو كَلَام الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ وَأَحْيَانا بَاب غير مترجم وَقد سَاق فِيهِ حَدِيثا أَو أَكثر
نقل ذَلِك أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ عَن الْمُسْتَمْلِي وَأَشَارَ إِلَى أَن بعض من نقل الْكتاب بعد موت مُصَنفه رُبمَا ضم بَابا مترجما إِلَى حَدِيث غير مترجم وأخلى الْبيَاض الَّذِي بَينهمَا فيظن بعض النَّاس أَن هَذَا الحَدِيث يتَعَلَّق بالترجمة الَّتِي قبلهَا فَيجْعَل لَهَا وُجُوهًا من المحامل المتكلفة وَلَا تعلق لَهُ بِهِ الْبَتَّةَ اهـ
стр. 183
وَقد أوضح الْحَافِظ ابْن حجر مَا ذكر فِي آخر هَذَا الْفَصْل فَقَالَ فِي مُقَدّمَة شَرحه وَقع فِي كثير من أبوابه الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة وَفِي بَعْضهَا مَا فِيهِ وَاحِد وَفِي بَعْضهَا مَا فِيهِ آيَة من كتاب الله وَبَعضهَا لَا شَيْء فِيهِ الْبَتَّةَ وَقد ادّعى بَعضهم أَنه صنع ذَلِك عمدا وغرضه أَن يبين أَنه لم يثبت عِنْده حَدِيث بِشَرْطِهِ فِي الْمَعْنى الَّذِي ترْجم لَهُ وَمن ثمَّ وَقع من بعض من نسخ الْكتاب ضم بَاب لم يذكر فِيهِ حَدِيث إِلَى حَدِيث لم يذكر فِيهِ بَاب فأشكل فهمه على النَّاظر فِيهِ
وَقد أوضح السَّبَب فِي ذَلِك الإِمَام أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ الْمَالِكِي فِي مُقَدّمَة كِتَابه فِي أَسمَاء رجال البُخَارِيّ فَقَالَ أَخْبرنِي الْحَافِظ أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ قَالَ حَدثنَا الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْمُسْتَمْلِي قَالَ انتسخت كتاب البُخَارِيّ من أَصله الَّذِي كَانَ عِنْد صَاحبه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفربرِي فَرَأَيْت فِيهِ أَشْيَاء لم تتمّ وَأَشْيَاء مبيضة مِنْهَا تراجم لم يثبت بعْدهَا شَيْئا وَمِنْهَا أَحَادِيث لم يترجم لَهَا فأضفنا بعض ذَلِك إِلَى بعض
قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ مِمَّا يدل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي وَرِوَايَة أبي مُحَمَّد السَّرخسِيّ وَرِوَايَة أبي الْهَيْثَم الكشميهيني وَرِوَايَة أبي زيد الْمروزِي مُخْتَلفَة بالتقديم وَالتَّأْخِير مَعَ أَنهم انتسخوا من أصل وَاحِد وَإِنَّمَا ذَلِك
стр. 184
بِحَسب مَا قدر كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا كَانَ فِي طرة أَو رقْعَة مُضَافَة انه من مَوضِع مَا فأضافه إِلَيْهِ وَيبين ذَلِك أَنَّك تَجِد ترجمتين وَأكْثر من ذَلِك مُتَّصِلَة لَيْسَ بَينهَا أَحَادِيث
قَالَ الْبَاجِيّ وَغنما اوردت هَذَا هُنَا لما عني بِهِ أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث الَّذِي يَليهَا وتكلفهم من ذَلِك من تعسف التَّأْوِيل مَا لَا يسوغ انْتهى
قلت هَذِه قَاعِدَة حَسَنَة يفزع إِلَيْهَا حَيْثُ يتعسر الْجمع بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث وَهِي مَوَاضِع قَليلَة جدا ستظهر كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ ظهر لي أَن البُخَارِيّ مَعَ ذَلِك فِيمَا يُورِدهُ من تراجم الْأَبْوَاب على أطوار
إِن وجد حَدِيثا يُنَاسب ذَلِك الْبَاب وَلَو على وَجه خَفِي وَافق شَرطه أوردهُ فِيهِ بالصيغة الَّتِي جعلهَا مصطلح لموضوع كِتَابه وَهِي حَدثنَا وَمَا قَامَ مقَام ذَلِك والعنعنة بشرطها عِنْده
وَإِن لم يجد فِيهِ إِلَّا حَدِيثا لَا يوفق شَرطه مَعَ صلاحيته للحجة كتبه فِي الْبَاب مغايرا للصيغة الَّتِي يَسُوق بهَا مَا هُوَ من شَرطه وَمن ثمَّ أورد التَّعَالِيق كَمَا سَيَأْتِي فِي فصل حكم التَّعْلِيق
وَإِن لم يجد فِيهِ حَدِيثا صَحِيحا لَا على شَرط غَيره وَكَانَ مِمَّا يسْتَأْنس بِهِ ويقدمه قوم على الْقيَاس اسْتعْمل لفظ ذَلِك الحَدِيث أَو مَعْنَاهُ تَرْجَمَة بَاب ثمَّ أورد فِي ذَلِك إِمَّا آيَة من كتاب الله تشهد لَهُ أَو حَدِيثا يُؤَيّد عُمُوم م دلّ عَلَيْهِ ذَلِك الْخَبَر وعَلى هَذَا فالأحاديث الَّتِي فِيهِ على ثَلَاثَة أَقسَام اهـ
стр. 185
وَقد أشكلت عبارَة الْبَاجِيّ على بعض النَّاس فَقَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْبَاجِيّ فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن الْكتاب قرئَ على مُؤَلفه وَلَا ريب أَنه لم يقْرَأ عَلَيْهِ إِلَّا مُرَتبا مبوبا فَالْعِبْرَة بالرواية لَا بالمسودة الَّتِي ذكر صفتهَا
وَفِي هَذَا النّظر نظر لِأَن الْبَاجِيّ لم يذكر أَن الْكتاب كَانَ غير مبوب وَلَا مُرَتّب بل ذكر أَنه يُوجد فِي بعض الْمَوَاضِع مِنْهُ تراجم لَيْسَ بعْدهَا شَيْء وَأَحَادِيث للم يترجم لَهَا وَهِي كَمَا قَالَ الْحَافِظ مَوَاضِع قَليلَة جدا وَالْكتاب على هَذِه الصّفة يُمكن قِرَاءَته وَأَخذه بالرواية
فَإِن قلت كَيفَ يفعل إِذا ول إِلَى تَرْجَمَة لَيْسَ بعْدهَا شَيْء قلت هُنَا احْتِمَالَانِ أَحدهمَا أَن يتْرك قِرَاءَة التَّرْجَمَة وَالثَّانِي أَن يَقْرَأها وَيُشِير إِلَى أَنه لم يجد إِلَى ذَلِك الْوَقْت مَا يُنَاسِبهَا فَإِن قلت فَلم لَا يضْرب عَلَيْهَا قلت إِن كثيرا من المؤلفين مثل ذَلِك ويأملون أَن يَجدوا بعد حِين مَا يُنَاسب التَّرْجَمَة على ان كثيرا من المؤلفات الَّتِي قُرِئت على مؤلفيها لَا تَخْلُو عَن بَيَاض
وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي لم يترجم لَهَا فَالْأَمْر فِيهَا سهل فَإِنَّهُ يُمكن أَن يَجْعَل عنوان التَّرْجَمَة بَاب وَيذكر بعده الحَدِيث الَّذِي بِمَ يَجْعَل لَهُ تَرْجَمَة خَاصَّة وَلَا يحْتَمل هُنَا عدم قِرَاءَته لِأَن الْمَقْصُود الأول فِي كِتَابه هُوَ معرفَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
وَقد وَقع فِي البُخَارِيّ كثيرا ذكر لفظ بَاب وَلَيْسَ بعده شَيْء فَمن ذَلِك فِي كتاب الْإِيمَان بَاب حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ الشُّرَّاح بَاب التَّنْوِين بِغَيْر تَرْجَمَة وَلَفظ الْبَاب سَاقِط عِنْد الْأصيلِيّ وَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيث التَّالِي من جملَة التَّرْجَمَة السَّابِقَة وعَلى رِوَايَة إثْبَاته فَهُوَ كالفصل عَن سابقه لتَعَلُّقه بِهِ وَفِي الحَدِيث السَّابِق بَيَان أَن حب الْأَنْصَار من الْإِيمَان وَفِي الحَدِيث اللَّاحِق الْإِشَارَة إِلَى سَبَب تلقيبهم بالأنصار لِأَن ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْعقبَة لما بَايعُوا على إعلاء كلمة الله وَكَانَ يُقَال لَهُم بَنو قيلة وقيلة بِالْفَتْح الْأُم الَّتِي كَانَت تجمع الْقبْلَتَيْنِ اهـ
وَاعْلَم أَن صَحِيح مُسلم قد قرئَ على جَامعه مَعَ خلو أبوابه عَن التراجم
стр. 186
قَالَ شَارِحه إِن مُسلما رتب كِتَابه على الْأَبْوَاب فَهُوَ مبوب فِي الْحَقِيقَة وَلكنه لنم يذكر تراجم الْأَبْوَاب فِيهِ لِئَلَّا يزْدَاد حجم الْكتاب أَو لغير ذَلِك وَقد ترْجم جمَاعَة أبوابه بتراجم بَعْضهَا جيد وَبَعضهَا لَيْسَ بجيد إِمَّا لقُصُور فِي عبارَة التَّرْجَمَة أَو لركاكة فِي لَفظهَا وَإِمَّا لغير لَك وَأَنا أحرص على التَّعْبِير عَنْهَا بعبارات تلِيق بهَا فِي مواطنها
وَأما قَول ذَلِك الْقَائِل إِن الْعبْرَة بالرواية لَا بالمسودة الَّتِي ذكر صفتهَا فَالْجَوَاب أَن الرِّوَايَة إِنَّمَا تلقيت من نسخ الْأُصُول الْمَأْخُوذَة تِلْكَ المسودة وَهِي فِي الْحَقِيقَة مبيضة
الْفَائِدَة الثَّالِثَة
فِي أَن الشَّيْخَيْنِ لم يستوعبا الصَّحِيح وَلَا التزما ذَلِك
قد ظن أنَاس انهما قد التزما ان يخرجَا كل مَا صَحَّ من الحَدِيث فِي كِتَابَيْهِمَا فاعترضوا عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا لم يقوما بِمَا التزما بِهِ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك
فقد رُوِيَ عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ مَا أدخلت فِي كتابي الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ وَتركت جملَة من الصِّحَاح خشيَة أَن يطور الْكتاب
وَرُوِيَ عَن مُسلم أَنه لما عوتب على مَا فعل من جمع الْأَحَادِيث الصِّحَاح فِي كتاب وَقيل لَهُ إِن هَذَا يطْرق لأهل الْبدع علينا فيجدون السَّبِيل بِأَن يَقُولُوا إِذا احْتج عَلَيْهِم بِحَدِيث لَيْسَ هَذَا فِي الصَّحِيح قَالَ إِنَّمَا أخرجت هَذَا الْكتاب وَقلت هُوَ صِحَاح وَلم أقل إِن لم أخرجه من الحَدِيث فِي هَذَا الْكتاب فَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا أخرجت هَذَا الحَدِيث من الصَّحِيح ليَكُون عِنْدِي وَعند من يَكْتُبهُ عني وَلَا يرتاب فِي صِحَّته
وَقد رفع بذلك العتب ولسان حَاله يَقُول إلام على مَا يُوجب الْحبّ
стр. 187
وَمن الْغَرِيب أَن بعض النَّاس لنفرته من تَجْرِيد الصِّحَاح صرح بتفضيل سنَن النَّسَائِيّ على صَحِيح البُخَارِيّ وَقَالَ إِن من شَرط الصِّحَّة فقد جعل لمن لم يستكمل فِي الْإِدْرَاك سَببا إِلَى الطعْن على مَا لم يدْخل وَجعل للجدال موضعا فِيمَا أَدخل
وَهُوَ قَول شَاذ لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَو لم يكن النَّاقِل عَن هَذَا الْقَائِل وَأَمْثَاله مِمَّن يوثق بنقله لشك اللبيب فِي صُدُور ذَلِك عَمَّن لَهُ أدنى سهم فِي الْفَهم وكانهم لم يشعروا بِمَا نَشأ عَن مزج الصَّحِيح بِغَيْرِهِ من الضَّرَر الَّذِي حصل لكثير من النَّاس
وليتهم نظرُوا فِي مُقَدّمَة كتاب مُسلم نظرة ليقفوا على الْبَاعِث لتجريد الصَّحِيح لَعَلَّهُم يسكتون فيسكت عَنْهُم وَلَكِن الْميل إِلَى الإغراب غريزة فِي بعض النُّفُوس
وَالْمَقْصُود هُنَا قَول مُسلم وَبعد يَرْحَمك الله فلولا الَّذِي رَأينَا من سوء صَنِيع كثير مِمَّن نصب نَفسه مُحدثا فِيمَا يلْزمهُم ن طرح الْأَحَادِيث الضعيفة وَالرِّوَايَات الْمُنكرَة وتركهم الِاقْتِصَار على الْأَخْبَار الصَّيْحَة الْمَشْهُورَة مِمَّا نَقله الثِّقَات المعروفون بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أَن كثيرا مِمَّا يقذفون بِهِ إِلَى الْأَغْنِيَاء من النَّاس وَهُوَ مستنكر ومنقول عَن قوم غير مرضيين مِمَّن ذمّ الرِّوَايَة عَنْهُم أَئِمَّة الحَدِيث مثل مَالك بن أنس وَشعْبَة بن الْحجَّاج وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيرهم لما سهل علينا الانتصاب لما سَأَلت من التَّمْيِيز والتحصيل وَلَكِن من أجل مَا أعلمناك من نشر الْقَوْم الْأَخْبَار الْمُنكرَة بِالْأَسَانِيدِ الضِّعَاف المجهولة وقذفهم بهَا إِلَى الْعَوام الَّذين لَا يعْرفُونَ عيوبها خف عل قُلُوبنَا إجابتك إِلَى مَا سَأَلت اهـ
وَقد نقلنا فِيمَا سبق مقَالَة أُخْرَى فِي ذمّ هَذِه الْفرْقَة قَالَ فِي آخرهَا وَمن
стр. 188
ذهب فِي الْعلم هَذَا الْمَذْهَب وسلك هَذَا الطَّرِيق لَا نصيب لَهُ فِيهِ وَكَانَ بِأَن يُسمى جَاهِلا أولى من أَن ينْسب إِلَى علم
وَبِمَا ذكرنَا من عدم التزامهما إستيعاب الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أجمع يظْهر لَك أَن لَا وَجه لإلزام من ألزمهما إِخْرَاج أَحَادِيث لم يخرجاها مَعَ كَونهَا صَحِيحَة على شرطيهما قَالَ فِي شرح مُسلم ألزم الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره البُخَارِيّ وَمُسلمًا ﵄ إِخْرَاج أَحَادِيث تركا إخراجهما مَعَ أَن أسانيدها أَسَانِيد قد أخرجَا لرواتها فِي صَحِيحهمَا بهَا
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره وَغَيره أَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ رووا عَن رَسُول الله ﷺ وَرويت أَحَادِيثهم من وُجُوه صِحَاح لَا مطْعن فِي نَاقِلِيهَا وَلم يخرجَا من أَحَادِيثهم شَيْئا فليزمهما إخراجهما على مذهبيهما
وَذكر الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُمَا اتفقَا على أَحَادِيث من صحيفَة همام بن مُنَبّه وَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا انْفَرد عَن الآخر بِأَحَادِيث مِنْهَا مَعَ ان الْإِسْنَاد وَاحِد وصنف الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ فِي هَذَا النَّوْع الَّذِي ألزموهما
وَهَذَا الْإِلْزَام لَيْسَ بِلَازِم فِي الْحَقِيقَة إنَّهُمَا لم يلتزما اسْتِيعَاب الصَّحِيح بل صَحَّ عَنْهُمَا تصريحهما بِأَنَّهُمَا لم يستوعبا وَإِنَّمَا قصد جمع جمل من الصَّحِيح كَمَا يقْصد المُصَنّف فِي الْفِقْه جمع جملَة من مسَائِله لَا أَنه يحصر جَمِيع مسَائِله
لكنهما إِذا كَانَ الحَدِيث الَّذِي تركاه أَو تَركه أَحدهمَا مَعَ صِحَة إِسْنَاده فِي الظَّاهِر أصلا فِي بَابه وَلم يخرجَا لَهُ نظيرا وَلَا مَا يقوم مقَامه فَالظَّاهِر من حَالهمَا أَنَّهُمَا اطلعا
стр. 189
فِيهِ على عِلّة إِن كَانَا روياه وَيحْتَمل أَنَّهُمَا تركاه نِسْيَانا أَو إيثارا لترك الإطالة أَو رَأيا أَن غَيره مِمَّا ذكرَاهُ يسد مسده أَو لغير ذَلِك وَالله أعلم
وَالظَّاهِر أَن المعترضين عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك لم يبلغهم تصريحهما بِمَا ذكر وَمِنْهُم ابْن حبَان فَإِنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَن يناقش البُخَارِيّ وَمُسلم فِي تَركهمَا إِخْرَاج أَحَادِيث هِيَ من شَرطهمَا
وَقَالَ بَعضهم لَعَلَّ شُبْهَة المعترضين نشأت من تَسْمِيَة البُخَارِيّ كِتَابه بالجامع وَهِي شُبْهَة واهية لَا سِيمَا إِن نظر إِلَى تَتِمَّة الِاسْم وَقد عرفت سَابِقًا أَنه سَمَّاهُ الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند الْمُخْتَصر من أُمُور رَسُول الله ﷺ وسننه وأيامه وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ الْحَاكِم فَإِنَّهُ اقْتصر على ان قَالَ وَلم يحكما وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا أَنه لم يَصح من الحَدِيث غير مَا خرجه وَقد نبغ فِي عصرنا هَذَا جمَاعَة من المبتدعة يشتمون برواة الْآثَار وَيَقُولُونَ إِن جَمِيع مَا يَصح عنْدكُمْ من الحَدِيث لَا يبلغ عشرَة آلَاف حَدِيث
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مِقْدَار مَا فاتهما من جِهَة الْقلَّة وَالْكَثْرَة فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن الأخرم شيخ الْحَاكِم قَلما يفوت البُخَارِيّ وَمُسلمًا مِمَّا يثبت من الحَدِيث وَيرد على ذَلِك قَول البُخَارِيّ فِيمَا نَقله الْحَازِمِي والإسماعيلي وَمَا تركت من الصِّحَاح أَكثر
وَقَالَ لانووي قد فاتهما كثير وَالصَّوَاب قَول من قَالَ إِنَّه لم يفت الْأُصُول الْخَمْسَة إِلَّا الْيَسِير
وَالْأُصُول الْخَمْسَة هِيَ صَحِيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
وَقد جعل بَعضهم الْأُصُول سِتَّة بِضَم سنَن ابْن ماجة إِلَيْهَا قيل أول من فعل ذَلِك ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي فتابعه أصحال الْأَطْرَاف وَالرِّجَال على ذَلِك وتبعهم
стр. 190
غَيرهم وَإِنَّمَا لم تذكر هُنَا لما قَالَ الْمزي وَهُوَ ان كل مَا انْفَرد بِهِ ابْن ماجة عَن الْخَمْسَة فَهُوَ ضَعِيف قَالَ الْحُسَيْنِي يَعْنِي من الْأَحَادِيث وَقَالَ ابْن حجر إِنَّه انْفَرد بِأَحَادِيث كَثِيرَة وَهِي صَحِيحَة فَالْأولى حمل الضعْف على الرِّجَال
وَقد جمع مجد الدّين ابْن الْأَثِير الْأُصُول الْخَمْسَة فِي كتاب وَضم إِلَيْهَا موطأ الإِمَام مَالك حَتَّى صَارَت بذلك سِتَّة وَسَماهُ جَامع الْأُصُول من حَدِيث الرَّسُول فَصَارَ الْوُصُول إِلَى هَذِه الْأُصُول سهل المسلك قريب الْمدْرك
وَالْمرَاد بسنن النَّسَائِيّ هُنَا هِيَ الصُّغْرَى لما رُوِيَ أَنه لما صنف الْكُبْرَى أهداها لأمير الرملة فَقَالَ لَهُ أكل مَا فِيهَا صَحِيح فَقَالَ فِيهَا الصَّحِيح وَالْحسن وَمَا يقاربهما فَقَالَ ميز لي الصَّحِيح من غَيره فصنف لَهُ الصُّغْرَى وسماها الْمُجْتَبى من السّنَن
وَيرد على مَا ذكر النَّوَوِيّ أَيْضا قَول البُخَارِيّ فِيمَا نقل عَنهُ أحفظ مئة ألف حَدِيث صَحِيح ومئتي ألف حَدِيث غير صَحِيح وَالْأَحَادِيث الَّتِي فِي الْأُصُول الْخَمْسَة لَا تبلغ خمسين ألفا فضلا عَن ان تقرب من مئة ألف فَيكون مَا فاتها من الصَّحِيح كثير جدا
قَالَ بعض أهل الْأَثر إِن كثيرا من الْمُتَقَدِّمين كَانُوا يطلقون اسْم الحَدِيث على مَا يَشْمَل آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وفتاويهم ويعدون الحَدِيث الْمَرْوِيّ بِإِسْنَادَيْنِ حديثين وَحِينَئِذٍ يسهل الْخطب وَكم من حَدِيث ورد من مئة طَرِيق فَأكْثر
стр. 191
وَهَذَا حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ نقل مَعَ مَا فِيهِ عَن الْحَافِظ أبي إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ الْهَرَوِيّ أَنه كتبه من جِهَة سبع مئة من أَصْحَاب يحيى بن سعيد وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عقب قَول البُخَارِيّ لم أخرج فِي هَذَا الْكتاب إِلَّا صَحِيحا وَمَا تركت من الصَّحِيح أَكثر إِنَّه لَو أخرج كل حَدِيث صَحِيح عِنْده لجمع فِي الْبَاب الْوَاحِد حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلذكر طرق كل وَاحِد مِنْهُم إِذا صحت فَيصير كتابا كَبِيرا جدا
وَقَالَ الجوزقي إِنَّه استخرج على أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ فَكَانَت عدَّة الطّرق خَمْسَة وَعشْرين ألف طَرِيق وَأَرْبع مئة وَثَمَانِينَ طَرِيقا
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين وَإِذا كَانَ الشَّيْخَانِ مَعَ ضيق شَرطهمَا بلغ جملَة مَا فِي كِتَابَيْهِمَا بالمكرر ذَلِك فَمَا لم يخرجَاهُ من الطّرق للمتون الَّتِي أَخْرَجَاهَا لَعَلَّه يبلغ ذَلِك أَيْضا أَو يزِيد وَمَا لم يخرجَاهُ من الْمُتُون من الصَّحِيح الَّذِي شَرطهمَا لَعَلَّه يبلغ
стр. 192
ذَلِك أَو يقرب مِنْهُ فَإِذا أضيف ذَلِك إِلَى مَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بلغ الْعدة الَّتِي يحفظها البُخَارِيّ بل رُبمَا زَادَت
وَهَذَا الْحمل مُتَعَيّن وَإِلَّا فَلَو عدت أَحَادِيث المسانيد والجوامع وَالسّنَن والمعاجم والفوائد والأجزاء وَغَيرهَا مِمَّا هُوَ بِأَيْدِينَا صَحِيحهمَا وَغَيره مَا بلغت ذَلِك بِدُونِ تكْرَار بل وَلَا نصفه اهـ
وَقَالَ بَعضهم وَيُؤَيّد ان هَذَا هُوَ المُرَاد أَن الْأَحَادِيث الَّتِي بَين أَيْدِينَا من الصِّحَاح بل وَغير الصِّحَاح وَلَو تتبعت من المسانيد والجوامع وَالسّنَن والأجزاء وَغَيرهَا مَا بلغت مئة ألف بِلَا تكْرَار بل وَلَا خمسين ألفا وتبعد كل الْبعد أَن يكون رجل وَاحِد يحفظ مَا فَاتَ الْأمة جَمِيعه مَعَ انه إِنَّمَا حفظه من أصُول مشايخه وَهِي مَوْجُودَة اهـ
وَقد تبين بِمَا ذكر أَن مَا قَالَه البُخَارِيّ لَا يُنَافِي مَا قَالَه ابْن الخرم فضلا عَمَّا قَالَه النَّوَوِيّ على ان بَعضهم حمل كَلَام ابْن الأخرم فِيمَا فاتهما على الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ فَكَأَن قَالَ لم يفتهما من الصَّحِيح الَّذِي هُوَ فِي الدرجَة الأولى إِلَّا الْقَلِيل وَالْأَمر كَذَلِك وَالْأَحَادِيث الَّتِي هِيَ فِي الدرجَة الأولى لَا تبلغ كَمَا قَالَ الْحَاكِم عشرَة آلَاف
تَتِمَّة فِي بَيَان عدد أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ
قَالَ الْحَافِظ ابْن الصّلاح جملَة مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ سَبْعَة آلَاف ومئتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا بالأحاديث المكررة وَقد قيل إِنَّهَا بِإِسْقَاط المكررة أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ هَذَا مُسلم فِي رِوَايَة الْفربرِي وَأما رِوَايَة حَمَّاد بن شَاكر فَهِيَ دونهَا بمئتي حَدِيث وَدون ذَلِك هَذِه بمئة حَدِيث رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن معقل
стр. 193
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن عدَّة أَحَادِيث البُخَارِيّ فِي رِوَايَات الثَّلَاث سَوَاء وَغنما حصل الِاشْتِبَاه من جِهَة أَن الْأَخيرينِ فاتهما من سَماع الصَّحِيح على البُخَارِيّ مَا ذكر من آخر الْكتاب فروياه بِالْإِجَازَةِ فالنقص إِنَّمَا هُوَ السماع لَا فِي الْكتاب
قَالَ وَالَّذِي تحرر لي أَنَّهَا بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات سَبْعَة آلَاف وَثَلَاث مئة وَسَبْعَة وَتسْعُونَ حَدِيثا وَبِغير المكرر من الْمُتُون الموصولة أَلفَانِ وست مئة وحديثان وَمن الْمُتُون الْمُعَلقَة الْمَرْفُوع الَّتِي لم يصلها فِي مَوضِع آخر مِنْهُ مئة وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ فمجموع غير المكرر أَلفَانِ وَسبع مئة وَاحِد وَسِتُّونَ نقل ذَلِك بعض تلاميذه عَنهُ
وَقد نقل بعض الْعلمَاء عَن الْحَافِظ الْمَذْكُور حَاصِل مَا قَالَه فِي تَحْرِير الْعدَد إِلَّا أَن فِي زِيَادَة بسط فِيمَا يتَعَلَّق بالمكرر فَأَحْبَبْت إِيرَاد ذَلِك على وَجه يكون أقرب منالا قَالَ
جملَة أَحَادِيث البُخَارِيّ بالمكرر سَبْعَة آلَاف وَثَلَاث مئة وَسَبْعَة وَتسْعُونَ ٧٣٩٧
وَجُمْلَة مَا فِيهِ من المعلقات وَذَلِكَ سوى المتابعات وَمَا يذكر بعْدهَا ألف وَثَلَاث مئة وَوَاحِد وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا ١٣٤١
وَجُمْلَة مَا فِيهِ من المتابعات والتنبيه على اخْتِلَاف الرِّوَايَات ثَلَاث مئة ولأربعة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا ٣٤٤
فجملة مَا فِي البُخَارِيّ المكرر تِسْعَة آلَاف وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ ٩٠٨٢ سوى الْمَوْقُوفَات
стр. 194
على الصَّحَابَة والمقطوعات الْوَارِدَة عَن التَّابِعين فَمن بعدهمْ
وَعدد كتب البُخَارِيّ مئة وَشَيْء وَعدد أبوابه ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبع مئة وخمسمون بَابا مَعَ اخْتِلَاف قَلِيل فِي نسخ الْأُصُول
وَأما صَحِيح مُسلم فجملة مَا فِيهِ بِإِسْقَاط المكرر نَحْو أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث قَالَ فِي شرح مُسلم قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو يَعْنِي ابْن الصّلاح روينَا عَن أبي قُرَيْش الْحَافِظ قَالَ كنت عِنْد أبي زرْعَة الرَّازِيّ فجَاء مُسلم بن الْحجَّاج فَسلم عَلَيْهِ وَجلسَ سَاعَة وتذاكرا فَلَمَّا قَامَ قلت لَهُ هَذَا جمع أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث فِي الصَّحِيح قَالَ أَبُو زرْعَة فَلِمَنْ ترك الْبَاقِي قَالَ الشَّيْخ أَرَادَ أَن كِتَابه هَذَا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أصُول دون المكررات اهـ
قَالَ الْعِرَاقِيّ وَهُوَ يزِيد على البُخَارِيّ بالمكرر لِكَثْرَة طرقه قَالَ وَرَأَيْت عَن أبي الْفضل أَحْمد بن سَلمَة أَنه قَالَ إِنَّهَا اثْنَا عشر ألف حَدِيث وَقَالَ أَبُو حَفْص المياجي إِنَّهَا ثَمَانِيَة آلَاف قَالَ بعض الباحثين فِي ذَلِك وَلَعَلَّ هَذَا أقرب إِلَى الْوَاقِع مِمَّا قبله
وَأحمد بن سَلمَة مِمَّن روى عَن مُسلم قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح كِتَابه روى عَنهُ جماعات من كبار أَئِمَّة عصره وحفاظه وَفِيهِمْ جماعات فِي دَرَجَته فَمنهمْ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ومُوسَى بن هَارُون وَأحمد بن سَلمَة وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة وَيحيى بن صاعد وَأَبُو عوَانَة الإسفرائني وَآخَرُونَ لَا يُحصونَ ثمَّ قَالَ قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله حَدثنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم قَالَ سَمِعت أَحْمد بن سَلمَة يَقُول رَأَيْت أَبَا زرْعَة وَأَبا حَاتِم يقدمان مُسلم بن الْحجَّاج فِي معرفَة الصَّحِيح على مَشَايِخ عصرهما وَفِي رِوَايَة فِي معرفَة الحَدِيث
стр. 195
الْفَائِدَة الرَّابِعَة
فَمَا انتقد عَلَيْهِمَا وَالْجَوَاب عَن ذَلِك
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قد استدرك جمَاعَة على البُخَارِيّ وَمُسلم أَحَادِيث أخلا بشرطيهما فِيهَا وَنزلت عَن دَرَجَة مَا التزماه وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى هَذَا وَقد ألف الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْحسن عل بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فِي بَيَان ذَلِك كِتَابه الْمُسَمّى بالاستدراكات والتتبع وَذَلِكَ فِي مئتي حَدِيث مِمَّا فِي الْكِتَابَيْنِ وَلأبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي أَيْضا عَلَيْهِمَا اسْتِدْرَاك وَلأبي عَليّ الغساني الحياني فِي كِتَابه تَقْيِيد المهمل فِي جُزْء الْعِلَل مِنْهُ اسْتِدْرَاك أَكْثَره على الروَاة وَفِيه مَا يلْزمهُمَا وَقد أُجِيب عَن كل ذَلِك أَو أَكْثَره وستراه فِي موَاضعه اهـ
وَقَالَ الحافز ابْن حجر فِي الْفَصْل الثَّامِن من الْمُقدمَة يَنْبَغِي لكل مُصَنف أَن يعلم أَن هَذِه الْأَحَادِيث وَإِن كَانَ أَكْثَرهَا لَا يقْدَح فِي أصل مَوْضُوع الْكتاب فَإِن جَمِيعهَا وَارِد من جِهَة أُخْرَى وَهِي مَا أدعاه الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح وَغَيره من الْإِجْمَاع على تلقي هَذَا الْكتاب بِالْقبُولِ وَالتَّسْلِيم لصِحَّة جَمِيع مَا فِيهِ فَإِن هَذِه الْمَوَاضِع متنازع فِي صِحَّتهَا فَلم يحصل لَهَا من التلقي مَا حصل لمعظم الْكتاب وَقد نعرض لذَلِك ابْن الصّلاح فِي قَوْله إِلَى مَوَاضِع يسيرَة انتقدها عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره وَقَالَ فِي مُقَدّمَة شرح مُسلم لَهُ مَا أَخذ عَلَيْهِمَا يَعْنِي على البُخَارِيّ وَمُسلم وقدح فِيهِ مُعْتَمد من الْحفاظ فَهُوَ مُسْتَثْنى مِمَّا ذَكرْنَاهُ لعدم الْإِجْمَاع على تلقيه بِالْقبُولِ انْتهى وَهُوَ احْتِرَاز حسن
وَقد أَحْبَبْت أَن أورد من هَذَا الْفَصْل المهم على طَرِيق التَّلْخِيص مَا يُمكن الطَّالِب من الإشراف على هَذِه النَّوْع الَّذِي هُوَ من أهم الْأَنْوَاع عِنْد المعروفين فِي
стр. 196
هَذَا الْفَنّ بِالنَّقْدِ والتمييز وَمن أَرَادَ الِاسْتِيفَاء فَليرْجع إِلَى الأَصْل قَالَ أجزل الله ثَوَابه
اعْلَم أَن الْجَواب عَمَّا يتَعَلَّق سهل لِأَن وضع الْكِتَابَيْنِ إِنَّمَا هُوَ للمسندات وَالْمُعَلّق لَيْسَ بِمُسْنَد وَلِهَذَا لم يتَعَرَّض الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَا تتبعه على الصَّحِيحَيْنِ إِلَى الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة الَّتِي لم توصل فِي مَوضِع آخر لعلمه بِأَنَّهَا لَيست من مَوْضُوع الْكتاب وَغنما ذكرت استئناسا واستشهادا
وَقد ذكرنَا الْأَسْبَاب الحاملة للْمُصَنف على تَخْرِيج ذَلِك التَّعْلِيق وَأَن مُرَاده بذلك أَن يكون الْكتاب جَامعا لأكْثر الْأَحَادِيث الَّتِي يحْتَج بهَا إِلَّا أَن مِنْهَا مَا هُوَ على شَرطه فساقه سِيَاق الأَصْل وَمِنْهَا مَا هُوَ على غير شَرطه فغاير السِّيَاق فِي إِيرَاده ليمتاز فَانْتفى إِيرَاد المعلقات وَبَقِي الْكَلَام فِيمَا علل من الْأَحَادِيث المسندات
وعدة مَا اجْتمع لنا من ذَلِك مِمَّا فِي كتاب البُخَارِيّ وغن شَاركهُ مُسلم فِي بعضه مئة وَعشرَة أَحَادِيث مِنْهَا مَا وَافقه مُسلم على تَخْرِيجه وَهُوَ اثْنَان وَثَلَاثُونَ حَدِيثا وَمِنْهَا انْفَرد بتخريجه وه ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا
وَالْأَحَادِيث الَّتِي انتقدت عَلَيْهِمَا تَنْقَسِم سِتَّة أَقسَام
الْقسم الأول مِنْهَا مَا تخْتَلف الروَاة فِيهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص من رجال الْإِسْنَاد
الْقسم الثَّانِي مَا تخْتَلف الروَاة فِيهِ بتغيير رجال بعض الْإِسْنَاد
الْقسم الثَّالِث مِنْهَا مَا تفرد بعض الروَاة بِزِيَادَة فِيهِ عَمَّن هُوَ اكثر عددا أَو أضبط
الْقسم الرَّابِع مِنْهَا مَا تفرد بِهِ بعض الروَاة مِمَّن ضعف
الْقسم الْخَامِس مِنْهَا مَا حكم فِيهِ بالوهم على بعض رِجَاله
الْقسم السَّادِس مِنْهَا مَا اخْتلف فِيهِ بتغيير بعض أَلْفَاظ الْمَتْن
стр. 197
وَهَذَا أَكْثَره لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ قدح لِإِمْكَان الْجمع فِي الْمُخْتَلف من ذَلِك أَو التَّرْجِيح على ان الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره من أَئِمَّة النَّقْد لم يتَعَرَّضُوا لِاسْتِيفَاء ذَلِك من الْكِتَابَيْنِ كَمَا تعرضوا لذَلِك فِي الْإِسْنَاد
فَهَذِهِ جملَة أَقسَام مَا انتقده الْأَئِمَّة على الصَّحِيح وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي إيرادها على تَرْتِيب مَا وَقع فِي الأَصْل لتسهل مراجعتها وَقد اوردنا نَحن من ذَلِك مَا يَكْفِي لمطالع كتَابنَا هَذَا
فِي كتاب الصَّلَاة
١ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أخرجَا جَمِيعًا حَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس قَالَ كُنَّا نصلي الْعَصْر ثمَّ يذهب الذَّاهِب منا إِلَى قبَاء فيأتيهم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة
وَهَذَا مِمَّا ينْتَقد بِهِ على مَالك لِأَنَّهُ رَفعه وَقَالَ فِيهِ إِلَى قبَاء وَخَالفهُ عدد كثير مِنْهُم شُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَصَالح بن كيسَان وَعَمْرو بن الْحَارِث وَيُونُس بن يزِيد وَمعمر وَاللَّيْث بن سعد وَابْن أبي ذِئْب وَآخَرُونَ انْتهى
وَقد تعقبه النَّسَائِيّ أَيْضا على مَالك وَمَوْضِع التعقب مِنْهُ قَوْله إِلَى قبَاء وَالْجَمَاعَة كلهم قَالُوا إِلَى العوالي وَمثل هَذَا الْوَهم الْيَسِير لَا يلْزم مِنْهُ الْقدح فِي صِحَة الحَدِيث لَا سِيمَا وَقد أخرجَا الرِّوَايَة المحفوظة اهـ
أَقُول وَقد أخرج البُخَارِيّ ذَلِك فِي بَاب وَقت الْعَصْر وَقَالَ فِي الرِّوَايَة
стр. 198
المحفوظة حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنِي أنس بن مَالك قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس مُرْتَفعَة حَيَّة فَيذْهب الذَّاهِب إِلَى العوالي فيأتيهم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة وَبَعض العوالي من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال أَو نَحوه
وَأخرج مُسلم ذَلِك فِي بَاب اسْتِحْبَاب التبكير بالعصر وَقَالَ فِي الرِّوَايَة المحفوظة حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ أَنبأَنَا اللَّيْث - ح - وَحدثنَا مُحَمَّد بن رمح قَالَ أَنبأَنَا اللَّيْث بن شهَاب عَن أنس بن مَالك انه أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس مُرْتَفعَة حَيَّة فَيذْهب الذَّاهِب إِلَى العوالي فَيَأْتِي العوالي وَالشَّمْس مُرْتَفعَة لم يذكر قُتَيْبَة فَيَأْتِي العوالي اهـ وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ
٢ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أخرجَا جَمِيعًا حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تُسَافِر وَلَيْسَ مَعهَا محرم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقد رَوَاهُ مَالك وَيحيى بن أبي كثير وَسُهيْل عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة يَعْنِي لم يَقُولُوا عَن أَبِيه
قلت لم يهمل البُخَارِيّ حِكَايَة هَذَا الِاخْتِلَاف بل ذكره عقب حَدِيث ابْن أبي ذِئْب
وَالْجَوَاب عَن هَذَا الِاخْتِلَاف كالجواب عَن الحَدِيث الثَّانِي فَإِن سعيدا المَقْبُري سمع من أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَسمع من أبي هُرَيْرَة فَلَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف قادحا وَقد اخْتلف فِيهِ على مَالك فَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث بشر بن عمر عَنهُ عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ بعده لم يقل أحد من أَصْحَاب مَالك فِي هَذَا الحَدِيث عَن سعيد عَن أَبِيه غير بشر بن
стр. 199
عملا اهـ وَقد أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه من حَدِيث بشر بن عمر أَيْضا وَصحح ابْن حبَان الطَّرِيقَيْنِ مَعًا وَالله اعْلَم
أَقُول أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي بَاب فِي كم تقصر الصَّلَاة فَقَالَ حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب قَالَ حَدثنَا سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة لَيْسَ مَعهَا حُرْمَة تَابعه يحيى بن أبي كثير وَسُهيْل وَمَالك عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة اهـ وَقَوله حُرْمَة بِضَم الْحَاء وَسُكُون الرَّاء أَي رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا بِنسَب أَو غَيره
فِي كتاب الْجَنَائِز
٣ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أخرج البُخَارِيّ حَدِيث دَاوُد بن أبي الْفُرَات عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أبي الْأسود عَن عمر مر بِجنَازَة فَقَالَ وَجَبت الحَدِيث وَقد قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ إِن ابْن بُرَيْدَة إِنَّمَا يروي عَن يحيى بن يعمر عَن أبي الْأسود وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث سَمِعت أَبَا الْأسود
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقلت أَنا وَقد رَوَاهُ وَكِيع عَن عمر بن الْوَلِيد الشني عَن ابْن بُرَيْدَة عَن عمر وَلم يذكر بَينهمَا أحد انْتهى
وَلم أره إِلَى الْآن من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة إِلَّا العنعنة فعلته بَاقِيَة إِلَّا أَن يعْتَذر للْبُخَارِيّ عَن تَخْرِيجه بِأَن اعْتِمَاده فِي الْبَاب على حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس بِهَذِهِ الْقِصَّة سَوَاء وَقد وَافقه مُسلم على تَخْرِيجه وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي الْأسود كالمتابعة لحَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب فَلم يسْتَوْف نفي الْعلَّة عَنهُ كَمَا يستوفيها فِيمَا يُخرجهُ فِي الْأُصُول وَالله اعْلَم
أَقُول ذكر البُخَارِيّ ذَلِك فِي بَاب ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت فَقَالَ حَدثنَا
стр. 200
آدم حَدثنَا شُعْبَة حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول مروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَجَبت ثمَّ مروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شرا فَقَالَ وَجَبت فَقَالَ عمر بن الْخطاب مَا وَجَبت قَالَ هَذَا أثنيتم عَلَيْهِ خيرا فَوَجَبت لَهُ الْجنَّة وَهَذَا أثنيتم عَلَيْهِ شرا فَوَجَبت لَهُ النَّار أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض
حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم حَدثنَا دَاوُد بن أبي الْفُرَات عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أبي الْأسود قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَقد وَقع بهَا مرض فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب فمرت بهم جَنَازَة فَأثْنى على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر وَجَبت ثمَّ مر بِأُخْرَى فأثني على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر وَجَبت ثمَّ مروا بالثالثة فَأثْنى على صَاحبهَا شرا فَقَالَ وَجَبت فَقَالَ أَبُو الْأسود فَقلت وَمَا وَجَبت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ قلت كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة بِخَير أدخره الله الْجنَّة فَقُلْنَا وثلاة قَالَ وَثَلَاثَة فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد
فِي كتاب الْبيُوع
٤ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَخْرَجَا جَمِيعًا حَدِيث مَالك عَن حميد عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى فَقيل وَمَا تزهى قَالَ حَتَّى تحمر قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة بِمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ خَالف مَالِكًا جمَاعَة مِنْهُم إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَابْن الْمُبَارك وهشيم ومروان بن ماوية وَيزِيد بن هَارُون وَغَيرهم قَالُوا فِيهِ قَالَ أنس أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة قَالَ وَقد
стр. 201
أخرجَا جَمِيعًا حَدِيث إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَقد فصل كَلَام أنس من كَلَام النَّبِي ﷺ
قلت سبق الدَّارَقُطْنِيّ إِلَى دَعْوَى الإدراج فِي هَذَا الحَدِيث أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان وَابْن خُزَيْمَة وَغير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث كَمَا أوضحته فِي كتابي تقريب الْمنْهَج بترتيب المدرج وحكيت فِيهِ عَن ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ رَأَيْت أنس بن مَالك فِي الْمَنَام فَأَخْبرنِي أَنه مَرْفُوع وَأَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان رَوَاهُ عَن حميد مدرجا لَكِن قَالَ فِي آخِره لَا أَدْرِي أنس قَالَ بِمَ يسْتَحل أَو حدث بِهِ عَن النَّبِي ﷺ وَالْأَمر فِي مثل هَذَا قريب وَالله اعْلَم
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة وَفِيه نهي عَن بيع الثَّمر حَتَّى يزهى وَفِي رِوَايَة حَتَّى يزهو يُقَال زها النّخل يزهو إِذا ظَهرت ثَمَرَته وأزهى يزهي إِذا اصفر أَو احمر وَقيل هما بِمَعْنى الاحمرار والاصفرار وَمِنْهُم من أنكر يزهو وَمِنْهُم من أنكر يزهي اهـ
٥ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَخْرَجَا جَمِيعًا حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بلغ عمر بن الْخطاب ان سَمُرَة بَاعَ خمرًا فَقَالَ قَاتل الله سَمُرَة الحَدِيث وَقد رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن طَاوس ان عمر قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن طَاوس أَن عمر قَالَ
قلت صرح ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بِسَمَاع طَاوس لَهُ من ابْن عَبَّاس وَهُوَ أحفظ النَّاس لحَدِيث عَمْرو فروايته الراجحة وَقد تَابعه روح بن الْقَاسِم أخرجه مُسلم من طَرِيقه اهـ
стр. 202
قَالَ مُسلم فِي بَاب تَحْرِيم الْخمر حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَاللَّفْظ لأبي بكر قَالَ أَنبأَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بلغ عمر أَن سَمُرَة بَاعَ خمرًا فَقَالَ قَاتل الله سَمُرَة ألم يعلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها وباعوها حَدثنَا أُميَّة بن بسطَام قَالَ أَنبأَنَا يزِيد بن زُرَيْع قَالَ حَدثنَا روح يَعْنِي ابْن الْقَاسِم عَن عَمْرو بن دِينَار بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله اهـ
تَنْبِيه هَذِه الْخمر كَانَ سَمُرَة أَخذهَا من أهل الْكتاب عَن قيمَة الْجِزْيَة فَبَاعَهَا مِنْهُم غير عَالم بِتَحْرِيم ذَلِك
فِي كتاب الْجِهَاد
٦ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ واخرجا جَمِيعًا حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله قَالَ كتب إِلَيْهِ عبد الله بن أبي أوفى فَقَرَأته أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو وَإِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا الحَدِيث قَالَ وَأَبُو النَّضر لم يسمع من ابْن أبي أوفى وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن كِتَابه فَهُوَ حجَّة فِي رِوَايَة الْمُكَاتبَة
قلت فَلَا عِلّة فِيهِ لكنه يَنْبَنِي على أَن شَرط الْمُكَاتبَة هَل هُوَ من الْكَاتِب إِلَى الْمَكْتُوب إيه فَقَط ام كل من عرف الْخط روى بِهِ وَإِن لم يكن مَقْصُودا بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ الأول هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من المصطلح وَأما الثَّانِي فَهُوَ عِنْدهم من صور الوجادة لَكِن يُمكن أَن يُقَال هُنَا إِن رِوَايَة أبي النَّضر تكون عَن مَوْلَاهُ عمر بن عبيد الله
стр. 203
عَن كتاب ابْن أبي أوفى إِلَيْهِ وَيكون أَخذه لذَلِك عَن مَوْلَاهُ عرضا لِأَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَاتبه فَتَصِير وَالْحَالة هَذِه من الرِّوَايَة بالمكاتبة كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ
٧ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ واخرج البُخَارِيّ حَدِيث مُحَمَّد بن طَلْحَة عَن لِأَبِيهِ عَن مُصعب بن سعد قَالَ رأى سعد أَن لَهُ فضلا على من دونه فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل تنْصرُونَ وترزقون إِلَّا بضعفائكم قَالَ الدارقططني هَذَا مُرْسل قلت صورته صُورَة الْمُرْسل إِلَّا أَنه مَوْصُول فِي الأَصْل مَعْرُوف من رِوَايَة مُصعب بن سعد عَن أَبِيه وَقد اعْتمد البُخَارِيّ كثيرا من أَمْثَال هَذَا السِّيَاق فَأخْرجهُ على أَنه مَوْصُول إِذا كَانَ الرَّاوِي مَعْرُوفا بالرواية عَمَّن ذكره وَقد روينَاهُ فِي سنَن النَّسَائِيّ وَفِي مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم وَفِي الْحِلْية لأبي نعيم وَفِي الْجُزْء السَّادِس من حَدِيث أبي مُحَمَّد بن صاعد من حَدِيث مُصعب بن سعد عَن أَبِيه أَنه رأى فَذكره وَقد ترك الدَّارَقُطْنِيّ أَحَادِيث فِي الْكتاب من هَذَا الْجِنْس لم يتتبعها
فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
٨ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أخرج البُخَارِيّ حَدِيث ابْن أبي أويس عَن أَخِيه عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ يلقى إِبْرَاهِيم أَبَاهُ آزر يَوْم الْقِيَامَة وعَلى وَجه آزر قترة الحَدِيث قَالَ وَهَذَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة
قلت قد علق البُخَارِيّ حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي التَّفْسِير فَلم يهمل
стр. 204
حِكَايَة الْخلاف فِيهِ وَلَكِن أعله الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر فَقَالَ بعد ان أوردهُ هَذَا خبر فِي صِحَّته نظر من جِهَة أَن إِبْرَاهِيم علام بِأَن الله لَا يخلف الميعاد فَكيف يَجْعَل مَا بِأَبِيهِ خزيا لَهُ مَعَ خَبره بِأَن الله قد وعده أَن لَا يخزيه يَوْم يبعثون وأعلمه بِأَنَّهُ لَا خلف لوعده انْتهى وَسَيَأْتِي جَوَاب ذَلِك فِي مَوْضِعه
فِي كتاب اللبَاس
٩ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ اتفقَا على إِخْرَاج حَدِيث أبي عُثْمَان قَالَ كتب إِلَيْنَا عمر فِي الْحَرِير إِلَى مَوضِع إِصْبَع وَهَذَا لم يسمعهُ أَبُو عُثْمَان من عمر لكنه حجَّة فِي قبُول الوجادة
قلت قد تقدم نَظِير هَذَا الْكَلَام فِي حَدِيث أبي النَّضر عَن ابْن أبي أوفى
١٠ - قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث ثَابت عَن ابْن الزبير قَالَ قَالَ مُحَمَّد ﷺ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَهَذَا لم يسمعهُ ابْن الزبير من النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا سَمعه من عمر
قلت هَذَا تعقب ضَعِيف فَإِن ابْن الزبير صَحَابِيّ فهبه أرْسلهُ فَمَاذَا كَانَ وَكم فِي الصَّحِيح من مُرْسل صَحَابِيّ وَقد اتّفق الْأَئِمَّة قاطبة على قبُول ذَلِك إِلَّا من شَذَّ مِمَّن تَأَخّر عَنْهُم فَلَا يعْتد بمخالفته وَالله أعلم
стр. 205
وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث ابْن الزبير عَن عمر تلو حَدِيث ثَابت عَن ابْن الزبير فَمَا بَقِي عَلَيْهِ للاعتراض وَجه
وَقَالَ فِي آخر الْفَصْل هَذَا جَمِيع مَا تعقبه الْحفاظ النقاد العارفون بعلل الْأَسَانِيد المطلعون على خفايا الطّرق وَلَيْسَت كلهَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ بل شَاركهُ مُسلم فِي كثير مِنْهَا كَمَا ترَاهُ وَاضحا ومرقوما عَلَيْهِ رقم مُسلم وَهُوَ صُورَة (م)
وعدة ذَلِك اثْنَان وَثَلَاثُونَ حَدِيثا فأفراده مِنْهَا ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ فَقَط وَلَيْسَت كلهَا قادحة بل أَكْثَرهَا الْجَواب عَنهُ ظَاهر والقدح فِيهِ مندفع وَبَعضهَا الْجَواب عَنْهَا مُحْتَمل واليسير مِنْهَا فِي الْجَواب عَنهُ تعسف كَمَا شرحته مُجملا فِي أول الْفَصْل وأوضحته مَبْنِيا إِثْر كل حَدِيث مِنْهَا
فَإِذا تَأمل الْمنصف مَا حررته من ذَلِك عظم مِقْدَار هَذَا المُصَنّف فِي نَفسه وَجل تصنيفه فِي عينه وَعذر الْأَئِمَّة من اهل الْعلم فِي تلقيه بِالْقبُولِ وَالتَّسْلِيم وتقديمهم لَهُ على كل مُصَنف فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم وليسا سَوَاء من يدْفع بالصدر فَلَا يَأْمَن دَعْوَى العصبية وَمن يدْفع بيد الْإِنْصَاف على الْقَوَاعِد المرضية والضوابط المرعية فَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
وَأما سِيَاق الْأَحَادِيث الَّتِي لم يتتبعها الدَّارَقُطْنِيّ وَهِي على شَرطه فِي تتبعه من هَذَا الْكتاب فقد أوردتها فِي أماكنها من الشَّرْح لتكمل الْفَائِدَة مَعَ التَّنْبِيه على مواقع الْأَجْوِبَة المستقيمة كَمَا تقدم لِئَلَّا يستدركها من لَا يفهم
وَإِنَّمَا اقتصرت على مَا ذكرته عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن الِاسْتِيعَاب لِأَنِّي أردْت أَن
стр. 206
يكون عنوانا لغيره لِأَنَّهُ الإِمَام الْمُقدم فِي هَذَا الْفَنّ وَكتابه فِي هَذَا النَّوْع أوسع وأوعب وَقد ذكرت فِي أثْنَاء مَا ذكر ع غَيره قَلِيلا على سَبِيل الْأَمْثِلَة وَالله أعلم
وَقد أتبع الْحَافِظ ابْن حجر هَذَا الْفَصْل بفصل آخر يُنَاسِبه قَالَ فِي أَوله الْفَصْل التَّاسِع فِي سِيَاق أَسمَاء من طعن فِيهِ من رجال هَذَا الْكتاب مُرَتبا لَهُم على حُرُوف المعجم وَالْجَوَاب عَن الاعتراضات موضعا موضعا وتمييز من اخْرُج لَهُ مِنْهُم فِي الْأُصُول والمتابعات والاستشهادات مفصلا لذَلِك جَمِيعه
وَقبل الْخَوْض فِيهِ يَنْبَغِي لكل منصف أَن يعلم أَن تَخْرِيج صَاحب الصَّحِيح لأي راو كَانَ مُقْتَض لعدالته عِنْده وَصِحَّة ضَبطه وَعدم غفلته هَذَا إِذا خرج لَهُ فِي الْأُصُول وَأما إِن خرج لَهُ فِي المتابعات والشواهد والتعاليق فَهَذَا تَتَفَاوَت دَرَجَات من اخْرُج لَهُ مِنْهُم فِي الضَّبْط وَغَيره مَعَ حُصُول اسْم الصدْق لَهُم
وَحِينَئِذٍ فَإِذا وجدنَا لغيره فِي أحد مِنْهُم طَعنا فَلذَلِك الطعْن مُقَابل لتعديل هَذَا الإِمَام فَلَا يقبل إِلَّا مُبين السَّبَب مُفَسرًا بقادح يقْدَح فِي عَدَالَة هَذَا الرَّاوِي وَفِي ضَبطه مُطلقًا أَو فِي ضَبطه لخَبر بِعَيْنِه لِأَن الْأَسْبَاب الحاملة للأئمة على الْجرْح مُتَفَاوِتَة مِنْهَا مَا يقْدَح وَمِنْهَا لَا يقْدَح وَقد كَانَ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الَّذِي خرج عَنهُ فِي الصَّحِيح هَذَا جَازَ القنطرة يَعْنِي بذلك انه لَا يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِيهِ
وَأَسْبَاب الْجرْح مُخْتَلفَة ومدارها على خَمْسَة أَشْيَاء الْبِدْعَة والمخالفة والغلط وجهالة الْحَال وَدَعوى الِانْقِطَاع فِي السَّنَد بَان يدعى فِي الرَّاوِي انه كَانَ يُدَلس اَوْ يُرْسل
أما جَهَالَة الْحَال فمندفعة عَن جَمِيع من اخْرُج لَهُم فِي الصَّحِيح لِأَن شَرط
стр. 207
الصَّحِيح أَن يكون رَاوِيه مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ فَمن زعم ان أحدا مِنْهُم مَجْهُول فَكَأَنَّهُ نَازع المُصَنّف فِي دَعْوَاهُ انه مَعْرُوف وَلَا شكّ أَن الْمُدَّعِي لمعرفته مقدم على من يَدعِي عدم مَعْرفَته لما مَعَ الْمُثبت من زِيَادَة الْعلم وَمَعَ ذَلِك فَلَا تَجِد فِي رجال الصَّحِيح أحدا مِمَّن يسوغ إِطْلَاق اسْم الْجَهَالَة عَلَيْهِ أصلا كَمَا سنبنيه
وَأما الْغَلَط فَتَارَة يكثر من الرَّاوِي وَتارَة يقل فَحَيْثُ يُوصف بِكَوْنِهِ كثير الْغَلَط ينظر فِيمَا أخرج لَهُ إِن وجد مرويا عِنْده أَو عِنْد غَيره من رِوَايَة غير هَذَا الْمَوْصُوف بالغلط علم أَن الْمُعْتَمد أصل الحَدِيث لَا خُصُوص هَذَا الطَّرِيق وَإِن لم يُوجد إِلَّا من طَرِيقه فَهَذَا قَادِح يُوجب التَّوَقُّف عَن الحكم بِصِحَّة مَا هَذَا سَبيله وَلَيْسَ فِي الصَّحِيح من هَذَا شَيْء
وَحَيْثُ يُوصف بقلة الْغَلَط كَمَا يُقَال سيىء الْحِفْظ أَو لَهُ أَوْهَام أَو لَهُ مَنَاكِير وَغير ذَلِك من الْعبارَات فَالْحكم فِيهِ كَالْحكمِ فِي الَّذِي قبله إِلَّا أَن الرِّوَايَة عَن هَؤُلَاءِ فِي المتابعات أَكثر مِنْهَا عِنْد المُصَنّف من الرِّوَايَة عَن أُولَئِكَ
وَأما الْمُخَالفَة وينشأ عَنْهَا الشذوذ والنكارة فَإِذا روى الرَّاوِي الضَّابِط الصدوق شَيْئا فَرَوَاهُ من هُوَ أحفظ مِنْهُ أَو أَكثر عددا بِخِلَاف مَا روى بِحَيْثُ يتَعَذَّر الْجمع على قَوَاعِد الْمُحدثين فَهَذَا شَاذ وَقد تشتد الْمُخَالفَة أَو يضعف الْحِفْظ فَيحكم على مَا يُخَالف فِيهِ بِكَوْنِهِ مُنْكرا وَهَذَا لَيْسَ فِي الصَّحِيح مِنْهُ إِلَّا نزر يسير قد بَين فِي الْفَصْل الَّذِي قبله
وَأما دَعْوَى الِانْقِطَاع فمدفوعة عَمَّن اخْرُج لَهُم البُخَارِيّ لما علم من شَرطه وَمَعَ ذَلِك فَحكم من ذكر من رِجَاله بتدليس أَو إرْسَال أَن تسبر أَحَادِيثهم الْمَوْجُودَة عِنْده بالعنعنة فَإِن وجد التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدفع الِاعْتِرَاض وَإِلَّا فَلَا
وَأما الْبِدْعَة فالموصوف بهَا إِمَّا أَن يكون مِمَّن يكفر بهَا أَو يفسق فالمكفر بهَا لَا بُد ان يكون ذَلِك التفكير مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي قَوَاعِد جَمِيع الْأَئِمَّة كَمَا فِي غلاة الروافض
стр. 208
من دَعْوَى بَعضهم حُلُول الإلهية فِي عَليّ أَو غَيره أَو غير ذَلِك وَلَيْسَ فِي الصَّحِيح من حَدِيث هَؤُلَاءِ شَيْء الْبَتَّةَ
وَأما المفسق بهَا كبدع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض الَّذين لَا يغلون ذَلِك الغلو وَغير هَؤُلَاءِ من الطوائف الْمُخَالفين لأصول السّنة خلافًا ظَاهرا لكنه مُسْتَند إِلَى تَأْوِيل ظَاهِرَة سَائِغ فقد اخْتلف أهل السّنة فِي قبُول حَدِيث من هَذَا سَبيله إِذا كَانَ مَعْرُوفا بالتحرز من الْكَذِب مَشْهُورا بالسلامة من خوارم الْمُرُوءَة مَوْصُوفا بالديانة وَالْعِبَادَة فَقيل يقبل مُطلقًا وَقيل يرد مُطلقًا وَالثَّالِث التَّفْضِيل بَين أَن يكون دَاعِيَة إِلَى بدعته فَيرد حَدِيثه أَو غير دَاعِيَة فَيقبل وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ الْعدْل وَصَارَت إِلَيْهِ طرائف من الْأَئِمَّة وَادّعى ابْن حبَان إِجْمَاع أهل النَّقْل عَلَيْهِ لَكِن فِي دَعْوَى ذَلِك نظر انْتهى بِاخْتِصَار يسير
وَقد أَحْبَبْت أَن أورد من هَذَا الْفَصْل شَيْئا ليقف الْمطَالع على مسلكهم فِي الْبَحْث عَن حَال الرِّجَال الَّذِي هُوَ من أهم المباحث عِنْد أهل الْأَثر
حرف الْألف
(خَ د) أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ أَبُو جَعْفَر بن الطَّبَرِيّ أحد أَئِمَّة الحَدِيث الْحفاظ المتقنين الجامعين بَين الْفِقْه والْحَدِيث أَكثر عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَوَثَّقَهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين فِيمَا نَقله عَنهُ البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ والنميري وَالْعجلِي وَأَبُو حَاتِم وَآخَرُونَ وَكَانَ النَّسَائِيّ سيىء الرَّأْي فِيهِ ذكره مرّة فَقَالَ لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون
وَقد ذكر السَّبَب الْحَامِل لَهُ على ذَلِك أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ فَقَالَ كَانَ أَحْمد بن صَالح لَا يحدث أحدا حَتَّى يسْأَل عَنهُ فَلَمَّا أَن قدم النَّسَائِيّ مصر جَاءَ إِلَيْهِ وَقد صحب
стр. 209
أَو بِأَن يرويهِ عَنهُ من طَرِيق من لم يسمع مِنْهُ إِلَّا قبل الِاخْتِلَاط
وَمِنْهَا أَن يروي فِي الصَّحِيح عَن مُدَلّس بالعنعنة فيرويه الْمُسْتَخْرج بالتصريح بِالسَّمَاعِ قيل لِلْحَافِظِ الْمزي هَل وجد لكل مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ بالعنعنة طرق صرح فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ إِن كثيرا من ذَلِك لم يُوجد وَمَا يسعنا إِلَّا تَحْسِين الظَّن
وَمِنْهَا أَن يروي عَن مُبْهَم كحدثنا فلَان أَو رجل أَو غير وَاحِد فيعينه الْمُسْتَخْرج وَمثل ذَلِك مَا إِذا وَقع فِي الْإِسْنَاد حَدثنَا مُحَمَّد مثلا من غير ذكر مَا يميزه عَن غَيره وَكَانَ فِي مَشَايِخ من رَوَاهُ كَذَلِك من يُشَارِكهُ فِي الِاسْم فيميزه الْمُسْتَخْرج
وَمِنْهَا أَن يكون فِي الحَدِيث مَخَافَة لقاعدة اللُّغَة الْعَرَبيَّة فيتكلف لتوجيهه ويتحمل لتخريجه فَيَجِيء فِي رِوَايَة الْمُسْتَخْرج على الْقَاعِدَة فَيعرف بِأَنَّهُ هُوَ الصَّحِيح وَأَن الَّذِي فِي الصَّحِيح قد وَقع فِيهِ الْوَهم من الروَاة
هَذَا وَقد عرفت سَابِقًا الاستخراج فِي الْعرف وَهُوَ فِي الأَصْل بِمَعْنى الاستنباط وَيُقَال لفاعل ذَلِك الْمُسْتَخْرج بِالْكَسْرِ وَيُقَال للْكتاب الْمُؤلف فِي هَذَا النَّوْع الْمُسْتَخْرج بِالْفَتْح وَسمي بذلك لاستنباط مُؤَلفه الْمُتَعَلّقَة بِأَحَادِيث الْكتاب الْمُسْتَخْرج عَلَيْهِ وَقد يُقَال لَهُ الْمخْرج بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد كَمَا وَقع ذَلِك فِي
стр. 210
قوما من أهل الحَدِيث لَا يرضاهم أَحْمد فَأبى أَن يحدثه فَذهب النَّسَائِيّ فَجمع الْأَحَادِيث الَّتِي وهم فِيهَا أَحْمد وَشرع يشنع عَلَيْهِ وَمَا ضره ذَلِك شَيْئا وَاحْمَدْ بن صَالح إِمَام ثِقَة
قَالَ ابْن عدي كَانَ النَّسَائِيّ يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث وَهُوَ من الْحفاظ الْمَشْهُورين بِمَعْرِِفَة الحَدِيث ثمَّ ذكر ابْن عدي الْأَحَادِيث الَّتِي أنكرها النَّسَائِيّ وَأجَاب عَنْهَا وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ مَعَ ذَلِك مِنْهَا شَيْء وَقد تبين ان النَّسَائِيّ انْفَرد بِتَضْعِيف أَحْمد بن صَالح بِمَا لَا يقبل
(خَ ت س ق) أَحْمد بن الْمِقْدَام بن سُلَيْمَان الْعجلِيّ أَبُو الْأَشْعَث مَشْهُور بكنيته وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَصَالح جزرة وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَا أحدث عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم المجان والمجون كَانَ مجان بِالْبَصْرَةِ يصرون صرر دَرَاهِم فيطرحونها على الطَّرِيق ويجلسون نَاحيَة فَإِذا مر مار بصرة وَأَرَادَ أَن يَأْخُذهَا صاحوا ضعها ليخجل الرجل فَعلم أَبُو الْأَشْعَث الْمَارَّة وَقَالَ لَهُم هيئوا صرر زجاج كصرر الدَّرَاهِم فَإِذا مررتم بصررهم فأردتم أَخذهَا فاطرحوا صرر الزّجاج وخذوا صرر الدَّرَاهِم الَّتِي لَهُم فَفَعَلُوا
وَتعقب ابْن عدي كَلَام أبي دَاوُد هَذَا فَقَالَ لَا يُؤثر ذَلِك فِيهِ لِأَنَّهُ من أهل الصدْق قلت وَوجه عدم تَأْثِيره فِيهِ أَنه لم يعلم المجان كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَإِنَّمَا علم الْمَارَّة الَّذين كَانَ قصد المجان أَن يخجلوهم وَكَأَنَّهُ كَانَ يذهب مَذْهَب من يُؤَدب بِالْمَالِ فَلهَذَا جوز للكارة أَن يَأْخُذُوا الدرراهم تأديبا للمجان حَتَّى لَا يعودوا لتخجيل النَّاس مَعَ احْتِمَال ان يَكُونُوا بعد ذَلِك أعادوا لَهُم دراهمهم وَالله اعْلَم وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَغَيرهم
(خَ ت د) إِسْمَاعِيل بن أبان الْوراق الْكُوفِي أحد شُيُوخ البُخَارِيّ وَلم يكثر عَنهُ وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ ومطين وَابْن معِين وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد وجعفر الصَّائِغ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم عَنهُ أثنى عَلَيْهِ أَحْمد وَلَيْسَ بِقَوي وَقَالَ الْجوزجَاني كَانَ
стр. 211
مائلا عَن الْحق وَلم يكن يكذب فِي الحَدِيث قَالَ ابْن عدي يَعْنِي مَا عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ من التَّشَيُّع
قلت الْجوزجَاني كَانَ ناصبيا منحرفا عَن عَليّ فَهُوَ ضد الشيعي وَلَا يَنْبَغِي أَن يسمع قَول مُبْتَدع فِي مُبْتَدع وَأما قَول الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ د اخْتلف وَلَهُم شيخ يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيل بن أبان الغنوي أَجمعُوا على تَركه فَلَعَلَّهُ اشْتبهَ بِهِ
حرف الْبَاء
(ع) بكر بن عَمْرو أيبو الصّديق الْبَصْرِيّ النَّاجِي مَشْهُور بكنيته وَثَّقَهُ جمَاعَة وَقَالَ ابْن سعد يَتَكَلَّمُونَ فِي أَحَادِيثه ويستنكرونها
قلت لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى حَدِيث وَاحِد عَن أبي سعيد فِي قصَّة الَّذِي قتل تِسْعَة أَو تسعين نفسا من بني إِسْرَائِيل ثمَّ تَابَ وَاحْتج بِهِ الْبَاقُونَ
حرف التَّاء الْمُثَنَّاة
(خَ م د س) تَوْبَة بن أبي الْأسد الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ من صغَار التَّابِعين وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وشذ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ فَقَالَ مُنكر الحَدِيث
حرف الثَّاء الْمُثَلَّثَة
(ع) ثَوْر بن زيد الْمدنِي شيخ مَالك وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عبد الْبر صَدُوق لم يتهمه أحد وَكَانَ ينْسب إِلَى رَأْي الْخَوَارِج وَالْقَوْل بِالْقدرِ وَلم يكن يَدْعُو إِلَى شَيْء ن ذَلِك وَحكى عَن مَالك أَنه سُئِلَ كَيفَ رويت عَن دَاوُد الْحصين وثور بن زيد وَذكر غَيرهمَا وَكَانُوا يرَوْنَ الْقدر فَقَالَ كَانُوا لِأَن يخروا من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أسهل عَلَيْهِم من أَن يكذبوا
стр. 212
حرف الْجِيم
(ع) جَعْفَر بن إِيَاس أَبُو بشر بن أبي وحشية مَشْهُور بكنيته من صغَار التَّابِعين وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالْعجلِي وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَكَانَ شُعْبَة يَقُول إِنَّه لم يسمع من مُجَاهِد وَلَا من حبيب بن سَالم وَقَالَ أَحْمد كَانَ شُعْبَة ضعف أَحَادِيثه عَن حبيب بن سَالم وَقَالَ البرديجي هُوَ من أثبت النَّاس فِي سعيد بن جُبَير وَقَالَ ابْن عدي أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ
قلت احْتج بِهِ الْجَمَاعَة لَكِن لم يخرج لَهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيثه عَن مُجَاهِد وَلَا عَن حبيب بن سَالم
حرف الْحَاء
(خَ ٤) حريز بن عُثْمَان الْحِمصِي مَشْهُور من صغَار التَّابِعين وَثَّقَهُ أحد وَابْن معِين وَالْأَئِمَّة لَكِن قَالَ الفلاس وَغَيره إِنَّه كَانَ ينتقص عليا وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا أعلم بِالشَّام أثبت مِنْهُ وَلم يَصح عِنْدِي مَا يُقَال عَنهُ من النصب وثقال البُخَارِيّ قَالَ أَبُو الْيَمَان كَانَ حريز يتَنَاوَل من رجل ثمَّ ترك
قلت هَذَا أعدل الْأَقْوَال فَلَعَلَّهُ تَابَ وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ دَاعِيَة إِلَى مذْهبه يجْتَنب حَدِيثه قلت لَيْسَ لَهُ عِنْد البُخَارِيّ سوى حديثين أَحدهمَا فِي صفة النَّبِي ﷺ عَن عبد الله بن بسر وَهُوَ من ثلاثياته وَالْآخر حَدِيثه عبد الْوَاحِد النصري عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع وَهُوَ حَدِيث من أفرى الفرى أَن
стр. 213
يرى الرجل عينه مَا لم تَرَ
حرف الْخَاء
(خَ م ت س ق) خَالِد بن مخلد الْقَطوَانِي الْكُوفِي أَبُو الْهَيْثَم من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ رُوِيَ عَنهُ وروى عَن وَاحِد عَنهُ قَالَ الْعجلِيّ ثِقَة فِيهِ تشيع وَقَالَ ابْن سعد كَانَ متشيعا مفرطا وَقَالَ صَالح جزرة ثِقَة إِلَّا أَنه كَانَ مُتَّهمًا بالغلو فِي التَّشَيُّع وَقَالَ احْمَد بن حَنْبَل لَهُ مَنَاكِير وَقَالَ أَبُو دَاوُد صَدُوق إِلَّا أَنه يتشيع وَقَالَ أَبُو حَاتِم يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ
قلت أما التَّشَيُّع فقد قدمنَا أَنه إِذا كَانَ ثَبت الْأَخْذ وَالْأَدَاء لَا يضرّهُ لَا سِيمَا وَلم يكن دَاعِيَة إِلَى رَأْيه وَأما الْمَنَاكِير فقد تتبعها أَبُو أَحْمد بن عدي من حَدِيثه وأوردها فِي كَامِله وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء مِمَّا أخرجه لَهُ البُخَارِيّ بل لم أر عِنْده من أَفْرَاده سوى حَدِيث وَاحِد وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة من عادى لي وليا الحَدِيث وروى لَهُ الْبَاقُونَ سوى أبي دَاوُد
стр. 214
حرف الدَّال
(ع) دَاوُد بن الْحصين الْمدنِي وَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن سعد وَالْعجلِي وَابْن إِسْحَاق وَأحمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِقَوي لَوْلَا أَن مَالِكًا روى عَنهُ لترك حَدِيثه وَقَالَ السَّاجِي مُنكر الحَدِيث مُتَّهم بِرَأْي الْخَوَارِج وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ مَا روى عَن عِكْرِمَة فمنكر وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَحَدِيثه عَن شُيُوخه مُسْتَقِيم
قلت روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا من رِوَايَة مَالك عَنهُ عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة فِي الْعَرَايَا وَله شَوَاهِد
حرف الذَّال
(ع) ذَر بن بعد الله الموهبي أَبُو عبد الله الْكُوفِي أحد الثِّقَات الْأَثْبَات وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم وَابْن نمير وَقَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ مرجئا وهجره إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير لذَلِك وروى لَهُ الْجَمَاعَة
стр. 215
حرف الرَّاء
(ع) روح بن عبَادَة الْقَيْسِي أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ أدْركهُ البُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَلم يلقه وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة وَثَّقَهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأثْنى عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره وَكَانَ عَفَّان يطعن عَلَيْهِ فَرد ذَلِك عَلَيْهِ أَبُو خَيْثَمَة فَسكت عَنهُ وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَة أَشد مَا رَأَيْت عَنهُ أَنه حدث مرّة فَرد عَلَيْهِ عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ اسْما فمحاه من كِتَابه وَأثبت مَا قَالَه لَهُ عَليّ
قلت هَذَا يدل عل إنصافه وَقَالَ أَبُو مَسْعُود طعن عَلَيْهِ اثْنَا عشر رجلا فَلم ينفذ قَوْلهم فِيهِ قلت احْتج بِهِ الْأَئِمَّة كلهم
حرف الزَّاي
(ع) زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ وَثَّقَهُ ابْن معِين وَاحْمَدْ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن البرقي وَابْن سعد وَقَالَ يحيى بن معِين كَانَ يرى الْقدر أخبرنَا روح بن عبَادَة قَالَ رَأَيْت مناديا يُنَادي بِمَكَّة إِن المير نهى عَن مجالسة زَكَرِيَّا لأجل الْقدر قلت احْتج بِهِ الْجَمَاعَة
(خَ م ت ق) زِيَاد بن عبد الله بن الطُّفَيْل البكائي العامري الْكُوفِي رَاوِي الْمَغَازِي عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ يحيى بن آدم عَن عبد الله بن إِدْرِيس مَا أحد أثبت فِي ابْن إِسْحَاق مِنْهُ لِأَنَّهُ أمْلى عَلَيْهِ إملاء مرَّتَيْنِ وَقَالَ صَالح جزرة زِيَاد فِي نَفسه ضعف وَلكنه أثبت النَّاس فِي كتاب الْمَغَازِي وَكَذَا قَالَ عُثْمَان الدَّارمِيّ وَغَيره عَن عَن ابْن معِين وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو دَاوُد حَدِيثه حَدِيث أهل الصدْق وَضَعفه عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن سعد وأفرط ابْن حبَان فَقَالَ لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد
следующие страницы →