Полный текст (855 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والطبقات لِابْنِ سعد
وتواريخ البُخَارِيّ وَهِي ثَلَاثَة كَبِير وَهُوَ على حُرُوف المعجم وابتدأه بِمن اسْمه مُحَمَّد وأوسط وَهُوَ على السنين وصغير
ولمسلمة بن قَاسم ذيل على الْكَبِير سَمَّاهُ الصِّلَة وَهُوَ فِي مُجَلد
وَلابْن أبي حَاتِم جُزْء كَبِير انتقد فِيهِ على البُخَارِيّ وَله فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل مَشى فِيهِ خلف البُخَارِيّ
وللحسين بن إِدْرِيس الْأنْصَارِيّ الْهَرَوِيّ وَيعرف بِابْن خرم على نَحْو التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ
ولعلي بن الْمَدِينِيّ تَارِيخ فِي عشرَة أَجزَاء حَدِيثِيَّةٌ
وَلابْن حبَان كتاب فِي أَوْهَام أَصْحَاب التواريخ فِي عشرَة أَجزَاء أَيْضا
وَلأبي مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن الْجَارُود كتاب فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
وَلمُسلم رُوَاة الِاعْتِبَار
وللنسائي التَّمْيِيز
وَلأبي يعلى الخليلي الْإِرْشَاد
وللعماد بن كثير التَّكْمِيل فِي معرفَة الثِّقَات والضعفاء والمجاهيل جمع فِيهِ بَين تَهْذِيب الْمزي وميزان الذَّهَبِيّ مَعَ زيادات وتحرير فِي الْعبارَات وَهُوَ أَنْفَع شَيْء للمحدث والفقيه التَّالِي لأثره
قَالَ الْخَطِيب فِي جَامعه وَمن جملَة مَا يهتم بِهِ الطَّالِب سَماع تواريخ الْمُحدثين وَكَلَامهم فِي أَحْوَال الروَاة مثل كتب ابْن معِين رِوَايَة الْحُسَيْن بن حبَان
стр. 247
الْبَغْدَادِيّ وعباس الدوري والمفضل الْغلابِي وتاريخ ابْن أبي خَيْثَمَة وحنبل بن إِسْحَاق وَخَلِيفَة بن خياط وَمُحَمّد بن إِسْحَاق السراج وَأبي حسان الزيَادي وَأبي زرْعَة الدِّمَشْقِي وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم
قَالَ ويربي على هَذِه كلهَا تَارِيخ البُخَارِيّ ثمَّ سَاق عَن أبي الْعَبَّاس بن عقدَة أَنه قَالَ لَو أَن رجلا كتب ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث لما اسْتغنى عَنهُ اهـ
وَقد ذكر المحدثون للتاريخ بِمَعْنى التَّعْرِيف بِالْوَقْتِ الَّذِي حصلت فِيهِ الْحَادِثَة فَوَائِد بِاعْتِبَار فنهم
أَحدهَا أَنه أحد الطّرق الَّتِي يعلم بهَا النّسخ فِي أحد الْخَبَرَيْنِ المتعارضين اللَّذين تعذر الْجمع بَينهمَا
وَثَانِيهمَا أَنه طَرِيق لمعْرِفَة مَا يُؤْخَذ بِهِ من أَحَادِيث الثِّقَات الَّذين لحقهم الِاخْتِلَاط مِمَّا لَا يُؤْخَذ بِهِ
وَيظْهر لَك ذَلِك مِمَّا ذكر الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَرْجَمَة عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ قَالَ كَانَ أحد الْحفاظ الْأَثْبَات أَصْحَاب التصانيف وَثَّقَهُ الْأَئِمَّة كلهم إِلَّا الْعَبَّاس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري وَحده فَتكلم بِكَلَام أفرط فِيهِ وَلم يُوَافقهُ عَلَيْهِ أحد وَقَالَ ابْن عدي رَحل إِلَيْهِ ثِقَات الْمُسلمين وَكَتَبُوا عَنهُ إِلَّا أَنهم نسبوه إِلَى التَّشَيُّع وَهُوَ أعظم مَا ذموه بِهِ وَأما الصدْق فأرجو انه لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيّ
стр. 248
فِيهِ نظر لمن كتب عَنهُ بِأخرَة كتبُوا عَنهُ أَحَادِيث مُنكرَة وَقَالَ الْأَثْرَم عَن أَحْمد من سمع مِنْهُ بعد مَا عمي فَلَيْسَ بِشَيْء وَمَا كَانَ فِي كتبه فَهُوَ صَحِيح فَإِنَّهُ كَانَ يلقن فيتلقن
قلت احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ فِي جملَة من حَدِيث من سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط وَضَابِط ذَلِك من سمع مِنْهُ قبل المئتين فَأَما بعْدهَا فَكَانَ قد تغير وفيهَا سمع مِنْهُ أَحْمد بن شبويه فِيمَا حكى الْأَثْرَم عَن أَحْمد وَإِسْحَاق الدبرِي وَطَائِفَة من شُيُوخ أبي عوَانَة وَالطَّبَرَانِيّ مِمَّن تَأَخّر إِلَى قرب الثَّمَانِينَ ومئتين وروى لَهُ الْبَاقُونَ
وثالثهما معرفَة من حدث عَمَّن لم يلقه إِمَّا لكَونه كذب أَو دلّس أَو أرسل وَفِي ذَلِك معرفَة مَا فِي السَّنَد من انْقِطَاع أَو إعضال أَو تَدْلِيس
وَلَا يخفى ان من المهم عِنْد الْمُحدث معرفَة كَون الرَّاوِي لم يعاصر من روى عَنهُ أَو عاصره وَلكنه لم يلقه لِكَوْنِهِمَا من بلدين مُخْتَلفين وَلم يدْخل أَحدهمَا بلد الآخر وَلَا التقيا فِي حج وَغَيره مَعَ انه لَيست مِنْهُ إجَازَة أَو نَحْوهَا
قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لما اسْتعْمل الروَاة الْكَذِب استعملنا لَهُم التَّارِيخ وَعَن حسان بن زيد لم يستعن على الْكَذَّابين بِمثل لاتاريخ يُقَال للشَّيْخ سنة كم ولدت فَإِذا أقرّ بمولده مَعَ معرفتنا بِوَقْت وَفَاة الَّذِي انْتَمَى إِلَيْهِ عرفنَا صدقه من كذبه وَعَن حَفْص بن غياث القَاضِي قَالَ إِذا اتهمتم الشَّيْخ فحاسبوه بِالسِّنِينَ وَهُوَ تَثْنِيَة سنّ بِمَعْنى الْعُمر يَعْنِي احسبوا سنه وَسن من كتب عَنهُ
وَسَأَلَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش رجلا فَقَالَ لَهُ فِي أَي سنة كتبت عَن خَالِد بن معدان فَقَالَ سنة ثَلَاث عشرَة ومئة فَقَالَ أَنْت تزْعم أَنَّك سَمِعت مِنْهُ بعد مَوته بِسبع سِنِين وَفِي مُقَدّمَة مُسلم أَن الْمُعَلَّى بن عرفان قَالَ حَدثنَا أَبُو وَائِل قَالَ خرج علينا ابْن مَسْعُود بصفين قَالَ أَبُو نعيم يَعْنِي الْفضل بن دُكَيْن حاكيه عَن
стр. 249
الْمُعَلَّى أتراه بعث بعد الْمَوْت وَذَلِكَ لن ابْن مَسْعُود توفّي سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَثَلَاثِينَ قبل انْقِضَاء خلَافَة عُثْمَان بِثَلَاث سِنِين وصفين كَانَت فِي خلَافَة عَليّ بعد ذَلِك
والتاريخ فِي اللُّغَة والإعلام بِالْوَقْتِ يُقَال أرخت الْكتاب وورخته بِمَعْنى بيّنت كِتَابَته قيل إِنَّه لَيْسَ بعربي مَحْض بل هُوَ مُعرب من الفارسية وَأَصله ماه روز فماه الْقَمَر وروز النَّهَار والتعريب فِيهِ على هَذَا الْوَجْه غير ظَاهر
وَمن الْغَرِيب أَن بعض الناقلين كرّ أَن الْأَصْمَعِي قَالَ بَنو تَمِيم يَقُولُونَ تورخت الْكتاب توريخا وَقيس تَقول أرخته تأريخا وَقد نقل بَعضهم مَا يشْعر بِأَن لفظ التَّارِيخ يمني فَقَالَ روى ابْن أبي خَيْثَمَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ قدم رجل من الْيمن فَقَالَ رَأَيْت بِالْيمن شَيْئا يسمونه التَّارِيخ يكتبونه من عَام كَذَا وَشهر كَذَا فَقَالَ عمر هَذَا احسن فأرخوا
الْفَائِدَة الْخَامِسَة
فِي دَرَجَة أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ فِي الصِّحَّة
قد عرفت فِيمَا سبق ان الحَدِيث الصَّحِيح لَهُ دَرَجَات تَتَفَاوَت فِي الْقُوَّة بِحَسب تمكن الحَدِيث من الصِّفَات الَّتِي تبنى الصِّحَّة عَلَيْهَا وتنبىء عَنْهَا وان أصح كتب الحَدِيث كتاب البُخَارِيّ وَكتاب مُسلم
وَقد قسموا الحَدِيث الصَّحِيح بِاعْتِبَار تفَاوت الدَّرَجَات إِلَى سَبْعَة أَقسَام الْقسم الأول وَهُوَ أَعْلَاهَا مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم الْقسم الثَّانِي مَا انْفَرد بِهِ
стр. 250
البُخَارِيّ عَن مُسلم الْقسم الثَّالِث مَا انْفَرد بِهِ مُسلم عَن البُخَارِيّ الْقسم الرَّابِع مَا هُوَ على شَرطهمَا وَلَكِن لم يُخرجهُ وَاحِد مِنْهُمَا الْقسم الْخَامِس مَا هُوَ على
стр. 251
شَرط البُخَارِيّ وَلَكِن لم يُخرجهُ الْقسم السَّادِس مَا هُوَ على شَرط مُسلم وَلَكِن لم يُخرجهُ الْقسم السَّابِع مَا لَيْسَ على شَرطهمَا وَلَا على شَرط وَاحِد مِنْهُمَا وَلكنه صَحَّ عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث
стр. 252
وكل قسم من هَذِه الْأَقْسَام أَعلَى مِمَّا بعده غير أَنه قد يعرض لبَعض الْأَحَادِيث من زِيَادَة التَّمَكُّن من شُرُوط الصِّحَّة مَا يَجعله أرجح من حَدِيث آخر يكون فِي الْقسم الَّذِي هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِي الدرجَة وعَلى هَذَا فيرجح مَا انْفَرد بِهِ مُسلم وَلكنه رُوِيَ من طرق مُخْتَلفَة على مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ إِذا كَانَ فَردا وَكَذَلِكَ يرجح مَا لم يخرجَاهُ وَلكنه ورد بِإِسْنَاد يُقَال فِيهِ إِنَّه أصح إِسْنَادًا على مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا
стр. 253
لَا سِيمَا إِن كَانَ فِي إِسْنَاده من فِيهِ مقَال وَقس على ذَلِك
وَقد ظن بعض أَرْبَاب الْأَهْوَاء الَّذين يميلون إِلَى كتاب البُخَارِيّ وَلَا إِلَى كتاب مُسلم أَنهم يَجدونَ بِسَبَب هَذِه الْمَسْأَلَة ذريعو إِلَى الْخَلَاص من حكمهمَا ليتسع لَهُم المجال فِيمَا وَافق أهواءهم من الآراء وَصَارَ دأبهم أَن يَقُولُوا كم من حَدِيث صَحِيح لم يرد فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك أصح مِمَّا ورد فيهمَا يظنون انهم بذلك يوهنون أَمرهمَا ويضعون قدرهما
وَالْحَال أَن مزية الصَّحِيحَيْنِ ثَابِتَة ثُبُوت الْجبَال الرواسِي لَا ينكرها إِلَّا غمر يزري بِنَفسِهِ وَهُوَ لَا يشْعر وَالْعُلَمَاء إِنَّمَا فتحُوا هَذَا الْبَاب لأرباب النَّقْد والتمييز الَّذين يرجحون مَا يرجحون بِدَلِيل صَحِيح مَبْنِيّ على الْقَوَاعِد الَّتِي قررها الْمُحَقِّقُونَ فِي هَذَا الْفَنّ وَأما المموهون الَّذين يُرِيدُونَ أَن يجْعَلُوا الصَّحِيح سقيما والسقيم صَحِيحا بشبه واهية جعلوها فِي صُورَة الْأَدِلَّة فَيَنْبَغِي الْإِعْرَاض عَنْهُم مَعَ حل الشّبَه الَّتِي يخْشَى أَن تعلق بأذهان من يُرِيدُونَ أَن يوقعوه فِي أشراكهم ٣ هَذَا وَقد نقل بعض الْعلمَاء عَن بَعضهم انه اعْترض على هَذَا التَّرْتِيب الَّذِي جرى عَلَيْهِ أهل الْأَثر فَقَالَ قَول من قَالَ أصح الْأَحَادِيث مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثمَّ مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ ثمَّ مَا انْفَرد بِهِ مُسلم ثمَّ مَا اشْتَمَل على شَرطهمَا ثمَّ مَا اشْتَمَل على شَرط أَحدهمَا تحكم لَا يجوز التَّقْلِيد فِيهِ إِذْ الأصحية لَيست إِلَّا لاشتمال رواتهما على الشُّرُوط الَّتِي اعتبراها فَإِذا فرض وجود تِلْكَ الشُّرُوط فِي رُوَاة حَدِيث فِي غير الْكِتَابَيْنِ أَفلا يكون الحكم بأصحية مَا فِي الْكِتَابَيْنِ عين التحكم
ثمَّ حكمهمَا أَو أَحدهمَا بِأَن الرَّاوِي الْمعِين مُجْتَمع تِلْكَ الشُّرُوط مِمَّا لَا يقطع فِيهِ
стр. 254
بمطابقة الْوَاقِع فَيجوز كَون الْوَاقِع خِلَافه وَقد أخرج مُسلم عَن كثير مِمَّن لم يسلم من غوائل الْجرْح وَكَذَا فِي البُخَارِيّ جمَاعَة تكلم فيهم فدار الْأَمر فِي الروَاة على اجْتِهَاد الْعلمَاء فيهم وَكَذَا فِي الشُّرُوط حَتَّى إِن من اعْتبر شرطا وألغاه آخر يكون مَا رَوَاهُ الآخر مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الشَّرْط عِنْده مكافئا لمعارضة الْمُشْتَمل على ذَلِك الشَّرْط وَكَذَا فِيمَن تضعف رَاوِيا وَوَثَّقَهُ آخر
نعم تسكن نفس غير الْمُجْتَهد وَمن لم يخبر أَمر الرواي بِنَفسِهِ إِلَى مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْأَكْثَر أما الْمُجْتَهد فباعتبار الشَّرْط وَعَدَمه وَالَّذِي خبر الرَّاوِي فَلَا يرجع إِلَّا إِلَى رَأْي نَفسه فَمَا صَحَّ من الحَدِيث فِي غير الْكِتَابَيْنِ يُعَارض مَا فيهمَا
وَلَا يخفى أَن صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ لم يكتفيا فِي التَّصْحِيح بِمُجَرَّد النّظر إِلَى حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة والضبط كَمَا يتوهمه كثير مِمَّن لم يعن بهما وَلم يكن لَهُ إمعان نظر فِي أصُول الْأَثر بل ضما إِلَى ذَلِك النّظر فِي أُمُور أُخْرَى بمجموعها يظْهر الحكم بِالصِّحَّةِ وَقد ذكرنَا شَيْئا من ذَلِك سَابِقًا وَرُبمَا ألممنا بِهِ عِنْد ذكر الْمُسْتَدْرك
وَقد تعرض الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية إِلَى مَا ذكرنَا آنِفا فَقَالَ فصل وَأما الحَدِيث الْوَاحِد إِذا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَرَوَاهُ الْمُوَطَّأ فقد تكون رجال البُخَارِيّ أفضل وَقد تكون رجال الْمُوَطَّأ فَينْظر فِي هَذَا وَهَذَا إِلَى رجالهما وَنحن وَإِن كُنَّا نعلم أَن الرِّجَال الَّذين فِي البُخَارِيّ اعظم من الرِّجَال الَّذين فِي الْمُوَطَّأ على الْجُمْلَة فَهَذَا لَا يُفِيد الْعلم بِالتَّعْيِينِ فَإِن أَعْيَان ثِقَات الْمُوَطَّأ روى لَهُم البُخَارِيّ فهم من رجال الْمُوَطَّأ وَالْبُخَارِيّ والمتن الْوَاحِد قد يرويهِ البُخَارِيّ بِإِسْنَاد وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَاد آخر على شَرط البُخَارِيّ أَجود من رجال البُخَارِيّ فَالْحَدِيث إِذا كَانَ مُسْندًا فِي الْكِتَابَيْنِ نظر إِلَى إسنادهما وَلَا يحكم فِي هَذَا بِحكم مُجمل
لَكِن نعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة أَن الرِّجَال الَّذين اشْتَمَل عَلَيْهِم البُخَارِيّ أصح
стр. 255
من جنس رجال الْمُوَطَّأ وَغَيرهم والْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْمُوَطَّأ رِجَاله رجال البُخَارِيّ
وَأما معَاذ بن فضَالة وَهِشَام الدستوَائي وَنَحْوهمَا من رجال أهل الْعرَاق فليسوا فِي الْمُوَطَّأ ومهم من تَأَخّر عَن مَالك كمعاذ وَهِشَام الدستوَائي هُوَ فِي طبقَة شُيُوخ مَالك بِمَنْزِلَة يحيى بن أبي عرُوبَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَالْأَعْمَش وَيُونُس بن عبيد وَعبد الله بن عون وأمثالهم من رجال أهل الْعرَاق الَّذين هم من طبقَة شُيُوخ مَالك والْحَدِيث الَّذِي يكون عَن رجال البُخَارِيّ وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيح لَا يحكم بِأَنَّهُ مثل مَا فِي الصَّحِيح مُطلقًا لَكِن قد يتَّفق ان يكون مثله كَمَا قد يتَّفق أَن يكون مُعْتَلًّا وَإِن كَانَ ظَاهر إِسْنَاده الصِّحَّة وَالله أعلم اهـ
أَقُول قد سبق ذكر هِشَام الدستوَائي فِي أثْنَاء ذكر من طعن فِيهِ من رجال البُخَارِيّ وَأَن الْأَئِمَّة احْتَجُّوا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ ثِقَة حجَّة وَلم يكن وَجه لِلطَّعْنِ فِيهِ غير أَنه كَانَ يرى الْقدر إِلَّا أَنه كَانَ لَا يَدْعُو إِلَيْهِ
هَذَا ورجحان كتاب البُخَارِيّ على كتاب مُسلم أَمر ثَابت أدّى إِلَيْهِ بحث جهابذة النقاد واختبارهم وَقد صرح بذلك كثير مِنْهُم وَلم يُصَرح أحد بخلافة إِلَّا انه نقل عَن أبي عَليّ النَّيْسَابُورِي شيخ الْحَاكِم وَبَعض عُلَمَاء الْمغرب مَا يُوهم رُجْحَان كتاب مُسلم عَلَيْهِ أما أَبُو عَليّ فقد نقل عَنهُ ابْن مَنْدَه أَنه قَالَ مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أصح من كتاب مُسلم
وَهَذِه الْعبارَة لَيست صَرِيحَة فِي مونه أصح من كتاب البُخَارِيّ وَذَلِكَ لِأَن ظَاهرهَا يدل على نفي وجود كتاب أصح من كتاب مُسلم وَلَا يدل على نفي وجود كتاب يُسَاوِيه فِي الصِّحَّة وَإِنَّمَا تكون صَرِيحَة فِي ذَلِك أَن لَو قَالَ كتاب مُسلم أصح كتاب تَحت أَدِيم السَّمَاء
قَالَ بعض أهل الْأَدَب ذهب من لَا يعرف مَعَاني الْكَلَام إِلَى أَن مثل قَوْله
стр. 256
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء لهجة من أبي ذَر مُقْتَضَاهُ أَن يكون أَبُو ذَر أصدق الْعَالم أجمع وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك وَإِنَّمَا نفى أَن يكون أحد أَعلَى رُتْبَة فِي الصدْق مِنْهُ وَلم ينف أَن يكون فِي النَّاس مثله فِي الصدْق وَلَو أَرَادَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لقَالَ أَبُو ذَر أصدق من أقلت الغبراء وأظلت الخضراء
وَقَالَ بَعضهم عَن هَذِه الصِّيغَة تسْتَعْمل تَارَة على مُقْتَضى اللُّغَة فتدل على نفي الزِّيَادَة فَقَط وتستعمل تَارَة على مُقْتَضى الْعرف فتدل على نفي الزِّيَادَة والمساوة مَعًا وَحَيْثُ أَن عبارَة أبي عَليّ تحْتَمل الْمَعْنيين فَلَا يَنْبَغِي أَن ينْسب إِلَيْهِ أَحدهمَا جزما كَمَا فعل جمَاعَة حَيْثُ ذكرُوا أَنه قَالَ إِن كتاب مُسلم أصح من كتاب البُخَارِيّ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء وَالَّذِي يظْهر لي من كَلَام أبي عَليّ أَنه إِنَّمَا قدم صَحِيح مُسلم لِمَعْنى آخر غير مَا يرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من الشَّرَائِط الْمَطْلُوبَة فِي الصِّحَّة بل لَك لِأَن مُسلما صنف كِتَابه فِي بَلَده بِحُضُور أُصُوله فِي حَيَاة كثير من مشايخه فَكَانَ يتحرز فِي الْأَلْفَاظ ويتحرى فِي السِّيَاق بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ رُبمَا كتب الحَدِيث من حفظه وَلم يُمَيّز أَلْفَاظ رُوَاته وَلِهَذَا رُبمَا يعرض لَهُ الشَّك وَقد صَحَّ عَنهُ انه قَالَ رب حَدِيث سمعته بِالْبَصْرَةِ فكتبته بِالشَّام
وَلم يتصد مُسلم لما تصدى لَهُ البُخَارِيّ من استنباط الْأَحْكَام ليبوب عَلَيْهَا حَتَّى لزم من ذَلِك تقطيعه للْحَدِيث فِي أبوابه بل جمع مُسلم الطّرق كلهَا فِي مَكَان وَاحِد وَاقْتصر على الْأَحَادِيث دون الْمَوْقُوفَات فَلم يعرج عَلَيْهَا إِلَّا فِي بعض الْمَوَاضِع على سَبِيل الندرة تبعا لَا مَقْصُودا فَلهَذَا قَالَ أَبُو عَليّ مَا قَالَ مَعَ أَنِّي رَأَيْت بعض
стр. 257
أَئِمَّتنَا يجوز أَن يكون أَبُو عَليّ مَا رأى صَحِيح البُخَارِيّ وَعِنْدِي فِي ذَلِك بعد وَالْأَقْرَب مَا ذكرته اهـ
وَأما بعض عُلَمَاء الْمغرب فقد نقل عَنْهُم مَا يدل على تَفْضِيل كتاب مُسلم على كتاب البُخَارِيّ إِلَّا انه لَيْسَ فِي عبارَة أحد مِنْهُم مَا يشْعر بِأَن ذَلِك من جِهَة الصِّحَّة فقد نقل عَن أحد تلاميذ ابْن حزم أَنه كَانَ يَقُول كَانَ بعض شيوخي يفضل صَحِيح مُسلم على صَحِيح البُخَارِيّ ويظن أَنه يَعْنِي بذلك ابْن حزم
قَالَ الْقَاسِم التجِيبِي فِي فهرسته كَانَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم يفضل كتاب مُسلم على كتاب البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بعد خطبَته إِلَّا الحَدِيث السرد فقد أبان ابْن حزم أَن تَفْضِيل كتاب مُسلم من جِهَة أَنه لم يمزج فِيهِ الحَدِيث بِغَيْرِهِ من موقوفات الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغير ذَلِك
وَقَالَ مسملة بن قَاسم الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ من أَقْرَان الدَّارَقُطْنِيّ فِي تَارِيخه عِنْد ذكر كتاب مُسلم لم يضع أحد مثله
وَهَذَا مَحْمُول على حسن الْوَضع وجودة التَّرْتِيب وسهولة التَّنَاوُل فَإِنَّهُ جعل لكل حَدِيث موضعا وَاحِدًا يَلِيق بِهِ جمع فِيهِ طرْقَة الَّتِي ارتضاها وَاخْتَارَ ذكرهَا وَأورد فِيهِ أَلْفَاظه الْمُخْتَلفَة بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ يذكر الطّرق فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة ويورد كثيرا من الْأَحَادِيث فِي غير الْأَبْوَاب الَّتِي يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن أَنَّهَا تذكر فِيهَا
وَقد وَقع بِسَبَب ذَلِك لناس من الْعلمَاء أَنهم نفوا رِوَايَة البُخَارِيّ لأحاديث هِيَ مَوْجُودَة فِيهِ حَيْثُ لم يجدوها فِي مظانها السَّابِقَة إِلَى الْفَهم وَقد اعْتمد كثير من المغاربة مِمَّن صنف فِي الْأَحْكَام بِحَذْف الْأَسَانِيد كَعبد الْحق على كتاب مُسلم فِي نقل الْمُتُون وسياقها لوجودها فِيهِ فِي مَوضِع وَاحِد وتقطيع البُخَارِيّ لَهَا
وَقد تعرض مرجحو كتاب البُخَارِيّ على كتاب مُسلم من جِهَة الصِّحَّة لبَيَان مُوجب ذَلِك فَقَالُوا إِن مدَار صِحَة الحَدِيث على ثَلَاثَة أَشْيَاء الثِّقَة بالرواة
стр. 258
واتصال الْإِسْنَاد والسلامة من الْعِلَل القادحة ولدى الباحث تبين أَن كتاب البُخَارِيّ أرجح فِي ذَلِك
أما من جِهَة الثِّقَة بالرواة فَيظْهر رجحانه من اوجه
أَحدهَا أَن الَّذين انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُم دون مُسلم أَربع مئة وبضع وَثَلَاثُونَ رجلا والمتكلم فِيهِ بالضعف مِنْهُم ثَمَانُون رجلا وَالَّذين انْفَرد مُسلم بِالْإِخْرَاجِ لَهُم دون البُخَارِيّ سِتّ مئة وَعِشْرُونَ رجلا والمتكلم فِيهِ بالضعف مِنْهُم مئة وَسِتُّونَ رجلا وَلَا ريب أَن التَّخْرِيج لمن لم يتَكَلَّم فِيهِ أصلا أولى من التَّخْرِيج لمن تكلم فِيهِ وغن لم يكن ذَلِك الْكَلَام قادحا
وَثَانِيها ان الَّذين انْفَرد بهم البُخَارِيّ مِمَّن تكلم فِيهِ لم يكثر من تَخْرِيج أَحَادِيثهم وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُم نُسْخَة كَبِيرَة أخرجهَا كلهَا أَو أَكْثَرهَا إِلَّا تَرْجَمَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس بِخِلَاف مُسلم فَإِنَّهُ اخْرُج أَكثر تِلْكَ النّسخ كَأبي الزبير عَن جَابر وَسُهيْل عَن أَبِيه والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت وَغير ذَلِك
وَثَالِثهَا أَن الَّذين انْفَرد بهم البُخَارِيّ مِمَّن تكلم فِيهِ اكثرهم من شُيُوخه الَّذين لَقِيَهُمْ وَجَالسهمْ وَعرف أَحْوَالهم واطلع عَلَيْهِم أَحَادِيثهم وميز جيدها من غَيره بِخِلَاف مُسلم فَإِن أَكثر من انْفَرد بتخريج حَدِيثه مِمَّن تكلم فِيهِ مِمَّن تقدم عصره من التَّابِعين وَمن بعدهمْ وَلَا شكّ أَن الْمُحدث أعرف بِحَدِيث شُيُوخه مِمَّن تقدم مِنْهُم
وَرَابِعهَا أَن البُخَارِيّ يخرج حَدِيث الطَّبَقَة الأولى الَّتِي جعل جلّ اعْتِمَاده عَلَيْهَا وَقد يخرج من حَدِيث الطَّبَقَة الثَّانِيَة مَا يعتمده من غير اسْتِيعَاب لَكِن يخرج أَكْثَره على طَرِيق التَّعْلِيق وَرُبمَا خرج الْيَسِير من حَدِيث الطَّبَقَة الثَّالِثَة على طَرِيق التَّعْلِيق أَيْضا وَقد عرفت فِيمَا سبق أَن كتاب البُخَارِيّ مَوْضُوع بِالذَّاتِ للمسندات وَأما المعلقات فَإِنَّمَا تذكر فِيهِ استئناسا واستشهادا وَلِهَذَا لم يتَعَرَّض لَهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَا انتقده
стр. 259
عَلَيْهِ وَأما مُسلم فَإِنَّهُ يخرج أَحَادِيث الطبقيتين على سَبِيل الِاسْتِيعَاب وَيخرج أَحَادِيث الطَّبَقَة الثَّالِثَة من غير اسْتِيعَاب
وَمَا ذكر إِنَّمَا فِي حق المكثرين فَأَما غير المكثرين فَإِنَّمَا اعْتمد الشَّيْخَانِ فِي تَخْرِيج أَحَادِيثهم على الثِّقَة وَالْعَدَالَة وَقلة الْخَطَأ لَكِن مِنْهُم من قوي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فَأخْرج مَا تفرد بِهِ كيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمِنْهُم من لم يقو الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فأخرجا لَهُ مَا شَاركهُ فِيهِ غَيره وَهُوَ الْأَكْثَر وَأما الطَّبَقَة الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة فَلم يعرجا عَلَيْهَا
وَأما من جِهَة السَّلامَة من الْعِلَل القادحة فَلِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي انتقدت عَلَيْهِمَا بلغت مئتي حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اخْتصَّ البُخَارِيّ مِنْهَا بِأَقَلّ من ثَمَانِينَ واختص مُسلم بِالْبَاقِي وَلَا شكّ أَن مَا قل الانتقاد فِيهِ أرجح مِمَّا كثر ذَلِك فِيهِ وَرُبمَا ذكر تعلم رُجْحَان كتاب البُخَارِيّ على كتاب مُسلم فِي الْأُمُور الثَّلَاثَة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار صِحَة الحَدِيث
وَقد نقل عَن كثير من الْأَئِمَّة تَرْجِيح كِتَابه على غَيره بطرِيق الْإِجْمَال قَالَ النَّسَائِيّ وَهُوَ شيخ أبي عَليّ النَّيْسَابُورِي مَا فِي هَذِه الْكتب كلهَا أَجود من كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي بالجودة جودة الْأَسَانِيد كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم فِي عرف الْمُحدثين وناهيك بِمثل هَذَا الْكَلَام من مثل النَّسَائِيّ الْمَشْهُور بِشدَّة التَّحَرِّي
стр. 260
والتثبت فِي نقد الرِّجَال فقد ثَبت تقدمه فِي ذَلِك على أهل عصره حَتَّى قدمه قوم من الحذاق فِي نقد الرِّجَال على مُسلم وَقدمه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فِي ذَلِك على إِمَام الْأَئِمَّة أبي بكر بن خُزَيْمَة صَاحب الصَّحِيح
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمدْخل لَهُ أما بعد فَإِنِّي نظرت فِي كتاب الْجَامِع الَّذِي أَلفه أَبُو عبد الله البُخَارِيّ فرأيته جَامعا كَمَا سمي لكثير من السّنَن الصَّحِيحَة ودالا على جمل من الْمعَانِي الْحَسَنَة المستنبطة الَّتِي لَا يكمل لمثلهَا إِلَّا من جمع لى معرفَة الحَدِيث ونقلته وَالْعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة وتمكنا مِنْهَا كلهَا وتبحرا فِيهَا وَكَانَ يرحمه الله الرجل الَّذِي قصر زَمَانه على ذَلِك فبرع وَبلغ الْغَايَة فحاز السَّبق وَجمع إِلَى ذَلِك حسن النِّيَّة وَالْقَصْد للخير فنفعه الله ونفع بِهِ
قَالَ وَقد نحا نَحوه فِي التصنيف جمَاعَة مِنْهُم الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي لكنه اقْتصر على السّنَن
وَمِنْهُم أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَكَانَ فِي عصر أبي عبد الله البُخَارِيّ فسلك فِيمَا سَمَّاهُ سننا ذكر مَا رُوِيَ فِي الشَّيْء وَإِن كَانَ فِي السَّنَد ضعف إِذْ لم يجد فِي الْبَاب غَيره
وَمِنْهُم مُسلم بن الْحجَّاج وَكَانَ يُقَارِبه فِي الْعَصْر فرام مرامه وَكَانَ يَأْخُذ عَنهُ أَو عَن كتبه إِلَّا أَنه لم يضايق نَفسه مضايقة أبي عبد الله وروى عَن جمَاعَة كَثِيرَة لم يتَعَرَّض أَبُو عبد الله للرواية عَنْهُم
وكل قصد الْخَيْر غير أَن أحدا مِنْهُم لم يبلغ من التشدد مبلغ أبي عبد الله وَلَا تسبب إِلَى استنباط الْمعَانِي واستخراج لطائف فقه الحَدِيث وتراجم البواب الدَّالَّة على مَاله وصلَة الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِيهِ تسببه وَللَّه الْفضل يخْتَص بِهِ من يَشَاء
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد النَّيْسَابُورِي وَهُوَ معاصر لأبي عَليّ النَّيْسَابُورِي ومقدم عَلَيْهِ فِي معرفَة الرِّجَال فِيمَا حَكَاهُ أَبُو يعلى الخليلي فِي الْإِرْشَاد مَا ملخصه رحم الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الإِمَام فَإِنَّهُ الَّذِي ألف الْأُصُول وَبَين النَّاس وكل من عمل بعده
стр. 261
فَإِنَّمَا أَخذه من كِتَابه كمسلم فرق أَكثر كِتَابه فِي كِتَابه
وَقَالَ أَيْضا فِي كتاب الكنى كَانَ أحد الْأَئِمَّة فِي معرفَة الحَدِيث وَجمعه وَلَو قلت إِنِّي لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه فِي الْحسن وَالْمُبَالغَة لم أكن بالغت
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِنَّمَا أَخذ مُسلم كتاب البُخَارِيّ فَعمل عَلَيْهِ مستخرجا وَزَاد فِيهِ زيادات
وَالْكَلَام فِي ذَلِك كثير وَيَكْفِي مِنْهُ اتِّفَاقهم على أَنه كَانَ أجل من مُسلم فِي الْعُلُوم وَأعرف مِنْهُ بفن الحَدِيث وَأَن مُسلما تِلْمِيذه وخريجه وَلم يزل يَسْتَفِيد مِنْهُ ويتتبع آثاره وَأَن مُسلما كَانَ يشْهد لَهُ بالتقدم فِي ذَلِك والإمامة فِيهِ والتفرد بِمَعْرِِفَة ذَلِك فِي عصره حَتَّى هجر من أَجله شَيْخه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي لما أثار الْفِتْنَة على البُخَارِيّ حسدا لَهُ حَتَّى اضْطر البُخَارِيّ أَن يخرج من نيسابور خشيَة على نَفسه
وعَلى كل حَال ففضل مُسلم لَا يُنكر فَإِن البُخَارِيّ وَإِن يكن قد قَامَ بِأَمْر الْجَامِع فَإِن مُسلما قد قَامَ بِأَمْر إكماله فَهُوَ يتلوه على الْأَثر وهما للنَّاس شمس وقمر وللأديب البارع أبي عَامر الْفضل بن إِسْمَاعِيل الْجِرْجَانِيّ فِي مدح صَحِيح البُخَارِيّ
(صَحِيح البُخَارِيّ لَو أنصفوه ... لما خطّ إِلَّا بِمَاء الذَّهَب)
(هُوَ الْفرق بَين الْهدى والعمى ... هُوَ السد دون العنا والعطب)
(أَسَانِيد مثل نُجُوم السَّمَاء ... أَمَام متون كَمثل الشهب)
(بِهِ قَامَ ميزَان دين النَّبِي ... ودان لَهُ الْعَجم بعد الْعَرَب)
(حجاب من النَّار لَا شكّ فِيهِ ... يُمَيّز بَين الرِّضَا وَالْغَضَب)
(وَخير رَفِيق إِلَى الْمُصْطَفى ... وَنور مُبين لكشف الريب)
(فيا عَالما أجمع الْعَالمُونَ ... على فضل رتبته فِي الرتب)
(سبقت الْأَئِمَّة فِيمَا جمعت ... وفزت على رغمهم بالقصب)
стр. 262
(نفيت السقيم من الغافلين ... وَمن كَانَ مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ)
(وَأثبت من عدلته ... وَصحت رِوَايَته فِي الْكتب)
(وأبرزت فِي حسن ترتيبه ... وتبويبه عجبا للعجب)
(فأعطاك رَبك مَا تشتهيه ... وأجزل حظك فِيمَا يهب)
(وخصك فِي غرفات الْجنان ... بِخَير يَدُوم وَلَا يقتضب)
تَتِمَّة
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائيني أهل الصَّنْعَة مجمعون على أَن الْأَخْبَار الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الصحيحان مَقْطُوع بحة أَصْلهَا ومتونها وَلَا يحصل الْخلاف فِيهَا بِحَال وَإِن حصل فَذَاك اخْتِلَاف فِي طرقها ورواتها قَالَ فَمن خَالف حكمه خَبرا مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيل سَائِغ للْخَبَر نقضا حكمه لِأَن هَذِه الْأَخْبَار تلقتها الْأمة بِالْقبُولِ
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح فِي مَبْحَث الصَّحِيح فِي الْفَائِدَة السَّابِعَة بعد أَن ذكر الْأَقْسَام السَّبْعَة الَّتِي سبق بَيَانهَا هَذِه أُمَّهَات أقسامه وأعلاها الأول وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ أهل الحَدِيث كثيرا صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ يطلقون ويعنون بِهِ اتِّفَاق البُخَارِيّ وَمُسلم لَا اتِّفَاق الْأمة عَلَيْهِ لَكِن اتِّفَاق الْأمة عَلَيْهِ لَازم من ذَلِك وَحَاصِل مَعَه لِاتِّفَاق الْأمة على تلقي مَا اتفقَا عيه بِالْقبُولِ
وَهَذَا الْقسم جَمِيعه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم اليقيني النظري وَاقع بِهِ خلافًا لمن نفى ذَلِك محتجا بِأَنَّهُ لَا يُفِيد فِي أَصله إِلَّا الظَّن وَغنما تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بِالظَّنِّ وَالظَّن قد يُخطئ وَقد كنت أميل إِلَى هَذَا وَأَحْسبهُ قَوِيا ثمَّ بَان لي أَن الْمَذْهَب الَّذِي اخترناه أَولا هُوَ الصَّحِيح لِأَن ظن من هُوَ مَعْصُوم من الْخَطَأ لَا يُخطئ وَالْأمة فِي مجموعها معصومة من الْخَطَأ وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاع الْمَبْنِيّ على الِاجْتِهَاد حجَّة مَقْطُوعًا بهَا وَأكْثر إجماعات الْعلمَاء كَذَلِك
стр. 263
وَهَذِه نُكْتَة نفيسة نافعة وَمن فوائدها القَوْل بِأَن مَا تفرد بِهِ البُخَارِيّ أَو مُسلم مندرج فِي قبيل مَا يقطع بِصِحَّتِهِ لتلقي الْأمة كل وَاحِد من كِتَابَيْهِمَا بِالْقبُولِ على الْوَجْه الَّذِي فصلناه من حَالهمَا فِيمَا سبق سوى أحرف يسيرَة تكلم عَلَيْهَا بعض أهل النَّقْد من الْحفاظ كالدارقطني وَغَيره وَهِي مَعْرُوفَة عِنْد أهل هَذَا الشَّأْن اهـ
ومجمل مَا فَصله سَابِقًا هُوَ ان مَا حكم البُخَارِيّ وَمُسلم بِصِحَّتِهِ بِلَا إِشْكَال هُوَ مَا أوردهُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل وَأما الْمُعَلق الَّذِي حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد أَو أَكثر وأغلب مَا وَقع ذَلِك فِي كتاب البُخَارِيّ وَهُوَ فِي كتاب مُسلم قَلِيل جدا فَفِي بعضه نظر وَأَن قَول البُخَارِيّ مَا أدخلت فِي كتاب الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ مَحْمُول على مَا وضع الْكتاب لأَجله وَهُوَ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المسندة دون المعلقات والْآثَار الْمَوْقُوفَة على الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ وَالْأَحَادِيث المترجم بهَا وَنَحْو ذَلِك فَإِن فِيهَا مَا لَا يجْزم بِصِحَّتِهِ فيستثنى مِمَّا يحكم بإفادته الْعلم وَإِن كَانَ إِيرَاده لَهَا فِي أثْنَاء الصَّحِيح مشعرا بِصِحَّة أَصله وَأَن قَول الْحميدِي فِي كتاب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ لم نجد من الْأَئِمَّة الماضين ﵃ من أفْصح لنا فِي جَمِيع مَا جمعه بِالصِّحَّةِ إِلَّا هذَيْن الْإِمَامَيْنِ مَحْمُول على مَا وضع الْكتاب لأَجله وَلذَا لم يرد مثل قَول البُخَارِيّ وَقَالَ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ الله أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرطه وَهَذَا مُهِمّ خافي
وَقد خَالف الْعَلامَة النَّوَوِيّ الْحَافِظ ابْن الصّلاح فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فَقَالَ فِي التَّقْرِيب وَهُوَ كتاب اخْتَصَرَهُ من الْإِرْشَاد الَّذِي اخْتَصَرَهُ من كتاب عُلُوم الحَدِيث لِلْحَافِظِ الْمَذْكُور وَإِذا قَالُوا صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ أَو على صِحَّته فمرادهم اتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ وَذكر الشَّيْخ أَن مَا روياه أَو أَحدهمَا فَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم الْقطعِي حَاصِل فِيهِ وَخَالفهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ فَقَالُوا يُفِيد الظَّن مَا لم يتواتر
وَقَالَ فِي شَرحه على مُسلم هَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ فِي هَذِه الْمَوَاضِع
стр. 264
خلاف مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ فَإِنَّهُم قَالُوا أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي لَيست بمتواترة إِنَّمَا تفِيد الظَّن فَإِنَّهَا آحَاد إِنَّمَا تفِيد الظَّن على مَا تقرر وَلَا فرق بَين البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا فِي ذَلِك
وتلقي الْأمة بِالْقبُولِ إِنَّمَا أفادنا وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِن أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي فِي غَيرهمَا يجب الْعَمَل بهَا إِذا صحت أسانيدها وَلَا تفِيد إِلَّا الظَّن فَكَذَا الصحيحان وَغنما يفْتَرق الصحيحان وَغَيرهمَا من الْكتب فِي كَون مَا فيهمَا صَحِيحا لَا يحْتَاج إِلَى النّظر فِيهِ بل يجب الْعَمَل بِهِ مُطلقًا وَمَا كَانَ فِي غَيرهمَا لَا يعْمل بِهِ حَتَّى ينظر وتوجد فِيهِ شُرُوط الصَّحِيح وَلَا يلْزم من إِجْمَاع الْأمة على الْعَمَل بِمَا فيهمَا إِجْمَاعهم على انه مَقْطُوع بِأَنَّهُ كَلَام النَّبِي ﷺ وَقد أنكر ابْن برهَان الإِمَام على من قَالَ بِمَا قَالَه الشَّيْخ وَبَالغ فِي تغليطه اهـ
وَقد أنكر الْعِزّ عبد السَّلَام على ابْن الصّلاح ذَلِك وَقَالَ إِن الْمُعْتَزلَة يرَوْنَ أَن الْأمة إِذا علمت بِحَدِيث اقْتضى ذَلِك الْقطع بِصِحَّتِهِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَب رَدِيء اهـ
وَقد ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ الرَّد عَلَيْهَا صَاحب الْمَحْصُول فَقَالَ زعم أَبُو هَاشم والكرخي وتلميذهما أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ أَن الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِمُوجب الْخَبَر يدل على صِحَة الْخَبَر وَهَذَا بَاطِل لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن عمل كل الْأمة بِمُوجب الْخَبَر لَا يتَوَقَّف على قطعهم بِصِحَّة ذَلِك الْخَبَر فَوَجَبَ أَن لَا يدل على صِحَة الْخَبَر أما الأول فَلِأَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِب فِي حق الْكل فَلَا يكون عَمَلهم بِهِ متوقفا على الْقطع بِهِ وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لما لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ لم يلْزم من ثُبُوته صِحَّته
وَالثَّانِي أَن عَمَلهم بِمُقْتَضى ذَلِك الْخَبَر يجوز أَن يكون لدَلِيل آخر لاحْتِمَال قيام الْأَدِلَّة الْكَثِيرَة على الْمَدْلُول الْوَاحِد
стр. 265
احْتَجُّوا بِأَن الْمَعْلُوم من عَادَة السّلف فِيمَا لم يقطعوا بِصِحَّتِهِ أَن يرد مَدْلُوله بَعضهم ويقبله الْآخرُونَ
وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْعَادة مَمْنُوعَة بِدَلِيل اتِّفَاقهم على حكم الْمَجُوس بِخَبَر عبد الرَّحْمَن
وَقد أَشَارَ إِلَيْهَا الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى فَقَالَ فَإِن قيل خبر الْوَاحِد الَّذِي عملت بِهِ الْأمة هَل يجب تَصْدِيقه قُلْنَا إِن عمِلُوا على وَفقه فلعلهم عمِلُوا عَن دَلِيل آخر وَإِن عمِلُوا بِهِ أَيْضا فقد أمروا بِالْعَمَلِ بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن لم يعرفوا صدقه فَلَا يلْزم الحكم بصدقه
فَإِن قيل لَو قدر الرَّاوِي كَاذِبًا لَكَانَ عمل الْأمة بِالْبَاطِلِ وَهُوَ خطأ وَلَا يجوز ذَلِك على الْأمة
قُلْنَا الْأمة مَا تعبدوا إِلَّا بِخَبَر يغلب على الظَّن صدقه وَقد غلب على ظنهم ذَلِك كَالْقَاضِي إِذا قضى بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ فَلَا يكون مخطئا وَإِن كَانَ شَاهدا كَاذِبًا بل يكون محقا لِأَنَّهُ لم يُؤمر إِلَّا بِهِ اهـ
وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول إِذا حصل الْإِجْمَاع على وفْق خبر فإمَّا أَن يتَبَيَّن استنادهم إِلَيْهِ أَولا فَإِن تبين استنادهم إِلَيْهِ حكم بِصِحَّة ذَلِك الْخَبَر وَقد وهم من قَالَ بِغَيْر ذَلِك وَإِن لم يتَبَيَّن استنادهم إِلَيْهِ لم يحكم بِصِحَّتِهِ لاحْتِمَال استنادهم إِلَى دَلِيل آخر وَغَايَة مَا يُقَال أَنه لم ينْقل إِلَيْنَا وَذَلِكَ لَا يدل على عَدمه
وَقَالَ بَعضهم يحكم بِصِحَّتِهِ بِنَاء على أَنهم لَو استندوا إِلَى غَيره لم يخف علينا
стр. 266
وَأَشَارَ بقوله وَقد وهم من قَالَ بِغَيْر ذَلِك إِلَى من يحكم بِصِحَّة الْخَبَر مَعَ استناد المجمعين إِلَيْهِ وَجوز أَن يكون غير ثَابت فِي الْوَاقِع وَزعم أَن المجمعين لَا ينْسب لَهُم الْخَطَأ وَلَو استندوا إِلَى خبر غير ثَابت أَنهم إِنَّمَا أمروا بالاستناد إِلَى مَا ظنُّوا صِحَّته وهم قد فعلوا ذَلِك وَلَا يلْزم من ظنهم صِحَّته صِحَّته فِي نفس الْأَمر
وَقَالَ فِي حَدِيث لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة الضَّلَالَة الْخَطَأ الَّذِي يُؤَاخذ عَلَيْهِ صَاحبه وَقد جرى على شاكله هَذَا من قَالَ إِنَّه لَا يلْزم من الْإِجْمَاع على حكم مطابقته لحكم الله فِي نفس الْأَمر وَحِينَئِذٍ فَيكون المُرَاد بالضلالة المنفية عَنْهُم مَا خَالف حكم الله وَلَو بِاعْتِبَار ظنهم لَا مَا خَالف حكم الله فِي نفس الْأَمر وَلَا يخفى أَن هَذَا القَوْل يَجْعَل الْأمة فِي حكم الْوَاحِد مِنْهَا فِي جَوَاز وُقُوع الْخَطَأ مِنْهَا بِالنّظرِ إِلَى الْوَاقِع وَنَفس الْأَمر اهـ
وَقد ذكر الْفَخر فِي الْمَحْصُول مَسْأَلَة تقرب من هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ اعْتمد كثير من الْفُقَهَاء والمتكلمين فِي تَصْحِيح خبر الْإِجْمَاع وَأَمْثَاله بِأَن الْأمة فِيهِ على قَوْلَيْنِ مِنْهُم من احْتج بِهِ وَمِنْهُم من اشْتغل بتأويله وَذَلِكَ يدل على اتِّفَاقهم على قبُوله وَهُوَ ضَعِيف لاحْتِمَال أَن يُقَال إِنَّهُم قبلوه كَمَا يقبل خبر الْوَاحِد وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يقبل فِي العمليات لَا فِي العمليات وَهَذِه الْمَسْأَلَة علمية فَلَمَّا قبلوا هَذَا الْخَبَر فِيهَا دلّ ذَلِك على اعْتِقَادهم صِحَّته
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن كل الْأمة قبلوه بل كَانَ من لم يحْتَج بِهِ فِي الْإِجْمَاع طعن فِيهِ بِأَنَّهُ من بَاب الْآحَاد فَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ فِي مَسْأَلَة علمية وهب انهم لم يطعنوا فِيهِ على التَّفْصِيل لَكِن لَا يلْزم من عدم الطعْن من جِهَة وَاحِدَة عدم الطعْن مُطلقًا اهـ
стр. 267
وَأَرَادَ بِخَبَر الْإِجْمَاع حَدِيث لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وروى التِّرْمِذِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى رول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله لَا يجمع أمتِي أَو قَالَ أمة مُحَمَّد على ضَلَالَة وَيَد الله مَعَ الْجَمَاعَة وَمن شَذَّ
стр. 268
شَذَّ إِلَى النَّار وَقَالَ غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظ لَا جمع الله هَذِه الْأمة على ضَلَالَة وَيَد الله مَعَ الْجَمَاعَة
وَقَالَ ابْن حزم فِي كتاب الإحكام فِي فصل الرَّد على من قَالَ إِن الْجُمْهُور إِذا اجْتَمعُوا على قَول وَخَالفهُم وَاحِد فَإِنَّهُ لَا يلْتَفت إِلَى خلَافَة وَقد رُوِيَ أَيْضا فِي هَذَا من طَرِيق الْخُشَنِي عَن الْمسيب بن وَاضح عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَنه قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة أبدا وَعَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْعظم فغن من شَذَّ شَذَّ عَن النَّاس قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْمُسَيب بن وَاضح قد رَأينَا لَهُ أَحَادِيث مُنكرَة جدا مِنْهَا عَن النَّبِي ﷺ من ضرب أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَو صَحَّ لما كَانَ إِلَّا من شَذَّ عَن الْحق
وَيُقَال لَهُم لَا يجوز أَن يكون رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا بالمحال وَقد رَأينَا القولة يكثر الْقَائِلُونَ بهَا ويغلبون على الأَرْض ثمَّ يقلون ويغلب أهل مقَالَة أُخْرَى فليلزم على هَذَا الَّذِي ذكرْتُمْ أَن الْحق كَانَ فِي الْمقَالة الَّتِي كثر أَهلهَا ثمَّ لما قل أَهلهَا بَطل فَصَارَ الْحق فِي غَيرهَا وَهَذَا خطأ مِمَّن أجَازه وَصَحَّ أَن ذَلِك الحَدِيث مولد
ولنرجع إِلَى الْمَسْأَلَة الَّتِي وَقع الْخلاف فِيهَا بَين ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ فَنَقُول قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر مَا ذكره النَّوَوِيّ مُسلم من جِهَة الْأَكْثَرين أما الْمُحَقِّقُونَ فَلَا فقد وَافق ابْن الصّلاح أَيْضا محققون وَقَالَ البُلْقِينِيّ مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَابْن
стр. 269
عبد السَّلَام وَمن تبعهما مَمْنُوع فقد نقل بعض الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين مثل قَول ابْن الصّلاح عَن جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة كَأبي إِسْحَاق وَأبي حَامِد الإسفرائيني وَالْقَاضِي أبي الطّيب وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَعَن السَّرخسِيّ من الْحَنَفِيَّة وَالْقَاضِي أبي الطّيب وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَعَن السَّرخسِيّ من الْحَنَفِيَّة وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة وَأبي يعلى وَأبي الْخطاب وَابْن الزَّاغُونِيّ من الْحَنَابِلَة وَابْن فورك وَأكْثر أهل الْكَلَام من الأشعرية وَأهل الحَدِيث قاطبة وَمذهب السّلف عَامَّة بل بَالغ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي صفوة التصوف فَألْحق بِهِ مَا كَانَ على شَرطهمَا وَإِن لم يخرجَاهُ
وَقد كثر الرادون على ابْن الصّلاح والمنتصرون لَهُ أما الرادون عَلَيْهِ فقد اخْتلفت عباراتهم والاعتراض عَلَيْهِ عِنْد الْمُحَقِّقين وَارِد من ثَلَاثَة أوجه
الْوَجْه الأول انه خَالف جُمْهُور أَرْبَاب الْكَلَام وَالْأُصُول فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَن أَخْبَار الْآحَاد لَا تفِيد الْعلم وَإِنَّمَا تفِيد الظَّن وَذهب هُوَ إِلَى إِخْبَار الْآحَاد الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ سوى مَا اسْتثْنِي مِنْهَا تفِيد الْعلم وَلَو اكْتفى بذلك لأمكن أَن يُقَال لَعَلَّه يُرِيد بِالْعلمِ الظَّن الْقوي فَلَا يكون الْخلاف بَينه وَبينهمْ شَدِيدا لكنه زَاد فوصف الْعلم بِكَوْنِهِ يقينيا فَلم يبْق وَجه للصلح بَينه وَبينهمْ وَلَا يخفى أَن مُخَالفَة أهل الْكَلَام وَالْأُصُول لَيست بِالْأَمر السهل
وَهنا شَيْء وَهُوَ أَن بعض الْمُحَقِّقين مِنْهُم ذهب إِلَى أَن أَخْبَار الْآحَاد قد تفِيد الْعلم مَعَ الْقَرَائِن قَالَ فِي الْمَحْصُول اخْتلفُوا فِي أَن الْقَرَائِن هَل تدل على صدق الْخَبَر أم لَا فَذهب النظام وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ إِلَيْهِ وَأنْكرهُ الْبَاقُونَ ثمَّ ذكر أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ
وَقَالَ بعد ذَلِك وَالْمُخْتَار أَن الْقَرِيبَة قد تفِيد الْعلم إِلَّا أَن الْقَرَائِن لَا تفي الْعبارَات بوصفها فقد تحصل أُمُور نعلم بِالضَّرُورَةِ عِنْد الْعلم بهَا كَون الشَّخْص خجلا أَو وجلا مَعَ أَنا لَو حاولنا التَّعْبِير عَن جَمِيع تِلْكَ الْأُمُور لعجزنا عَنهُ وَالْإِنْسَان إِذا أخبر عَن كَونه عطشان فقد يظْهر على وَجهه وَلسَانه من أَمَارَات الْعَطش مَا يُفِيد
стр. 270
الْعلم بِكَوْنِهِ صَادِقا وَالْمَرِيض إِذا أخبر عَن ألم فِي بعض أَعْضَائِهِ مَعَ أَنه يَصِيح وَترى عَلَيْهِ عَلَامَات ذَلِك الْأَلَم ثمَّ إِن الطَّبِيب يعالجه بعلاج لَو لم يكن الْمَرِيض صَادِقا فِي قَوْله لَكَانَ ذَلِك العلاج قَاتلا لَهُ فها هُنَا يحصل الْعلم بصدقه
وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من استقرأ الْعرف عرف أَن مُسْتَند الْيَقِين فِي الْأَخْبَار لَيْسَ إِلَى الْقَرَائِن فَثَبت أَن الَّذِي قَالَه النظام حق اهـ
وَلَا ريب أَن أَكثر أَخْبَار الصَّحِيحَيْنِ قد اقترنت بهَا قَرَائِن تدل على صِحَّتهَا فَتكون مفيدة للْعلم فَيبقى الِاعْتِرَاض على ابْن الصّلاح من جِهَة وَاحِدَة وَهُوَ انه أطلق الحكم وَلم يُقَيِّدهُ بِهَذَا النَّوْع وَلَو قَيده بِهَذَا النَّوْع لسلم من الِاعْتِرَاض على هَذَا القَوْل فَإِنَّهُ وَإِن قل الْقَائِلُونَ فِي غَايَة الْقُوَّة
على ان هَذَا الحكم مَعَ صِحَّته لَا تحصل مِنْهُ فَائِدَة تَامَّة وَغنما تحصل الْفَائِدَة التَّامَّة فِيمَا لَو ميز هَذَا النَّوْع من غَيره بِالْفِعْلِ لَا سِيمَا إِذا بَين مَا يُمكن بَيَانه من الْقَرَائِن وَأما مَا لَا يُمكن بَيَانه وَإِن كَانَ بِهِ تَمام الإفادة فَإِن الْأَدْنَى فِي فن التَّمْيِيز والنقد يُسلمهُ للأعلى فِيهِ على هُوَ الْجَارِي فِي كل فن
وَلذَا قَالَ بعض أنصار ابْن الصّلاح بعد أَن ذكر أَن الْخَبَر المحتف بالقرائن ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا مِمَّا لم يبلغ حد التَّوَاتُر وَثَانِيها الْمَشْهُور إِذا كَانَت لَهُ طرق متباينة سَالِمَة من ضعف الروَاة والعلل وَثَالِثهَا لَا يحصل الْعلم بِصدق الْخَبَر مِنْهَا إِلَّا للْعَالم بِالْحَدِيثِ المتبحر فِيهِ الْعَارِف بأحوال الروَاة المطلع على الْعِلَل
وَكَون غَيره لَا يحصل لَهُ الْعلم بِصدق ذَلِك لقصوره عَن الوصاف الْمَذْكُورَة لَا يَنْفِي حُصُول الْعلم للمتبحر الْمَذْكُور ومحصل الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا أَن الأول يخْتَص بالصحيحين وَالثَّانِي بِمَا لَهُ طرق مُتعَدِّدَة وَالثَّالِث بِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة وَيُمكن اجْتِمَاع الثَّلَاثَة فِي حَدِيث وَاحِد فَلَا يبعد حِينَئِذٍ الْقطع بصدقه اهـ
وَاعْترض بَعضهم على قَوْله وَكَون غَيره لَا يحصل لَهُ الْعلم لَا يَنْفِي حُصُوله
стр. 271
للمتبحر الْمَذْكُور فَقَالَ حُصُول مَا ذكر لَيْسَ مَحل النزاع إِذْ الْكَلَام فِيمَا هُوَ سَبَب الْعلم لِلْخلقِ وَلَا يخفى أَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي حُصُول الْعلم لمن تشبث بأسبابه وسلك طَرِيقه وَأما غَيره فإمَّا أَن يسلم ذَلِك لأربابه وَأما أَن يتشبث بأسبابه
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لم يقْتَصر على مَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْمُعْتَزلَة الَّذِي أَشَارَ قرينه الْعَلامَة ابْن عبد السَّلَام إِلَى انه سرى على أَثَرهم فِيهِ بل زَاد على ذَلِك فَإِنَّهُم قَالُوا إِن عمل الْأمة بِمُوجب خبر يَقْتَضِي الحكم بِصِحَّتِهِ
وَأما هُوَ فَقَالَ إِن تلقي الْأمة لِلصَّحِيحَيْنِ بِالْقبُولِ يَقْتَضِي الحكم بِصِحَّة جَمِيع مَا فيهمَا من الْأَحَادِيث سوى مَا اسْتثْنى من ذَلِك فَحكم على مَا لَا يُحْصى من الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة الْمَرَاتِب بِحكم وَاحِد وَهُوَ الْقطع بِصِحَّتِهَا لوجودها فِي كتابين تلقتهما الْأمة بِالْقبُولِ
وَأما هم فَإِنَّهُم حكمُوا على أَحَادِيث مَخْصُوصَة قد وصفت بِوَصْف خَاص وَهُوَ عمل الْأمة بموجبها نَحْو لَا وَصِيَّة لوَارث بِحكم خَاص يلائمه وَهُوَ الحكم بِصِحَّتِهَا وَمَعَ هَذَا فقد خالفهم الْجُمْهُور منا وَمِنْهُم لما ذكرُوا وشتان مَا بَين قَوْلهم وَقَول ابْن الصّلاح
هَذَا وَقد ذكرنَا سَابِقًا قَول ابْن حزم وَهُوَ قد يرد خبر مُرْسل إِلَّا أَن الْإِجْمَاع قد صَحَّ بِمَا فِيهِ متيقنا مَنْقُولًا جيلا فجيلا فَإِن كَانَ هَذَا علمنَا أَنه مَنْقُول نقل كَافَّة كنقل الْقُرْآن فاستغنى عَن ذكر السَّنَد فِيهِ وَكَانَ وُرُود ذَلِك الْمُرْسل وَعدم وُرُوده سَوَاء وَلَا فرق وَذَلِكَ نَحْو لَا وَصِيَّة لوَارث اهـ
وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من يَقُول بِجَوَاز نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ قَالَ الْفَخر فِي الْمَحْصُول نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ المتواترة جَائِز وَاقع وَقَالَ الشَّافِعِي لم يَقع ثمَّ ذكر أَن الَّذين قَالُوا إِنَّه جَائِز وَاقع استدلوا بقوله ﵊ لَا وَصِيَّة
стр. 272
لوَارث فَإِنَّهُ نسخ الْوَصِيَّة للأقربين وَأما آيَة الْمِيرَاث فَإِنَّهَا لَا تمنع الْمِيرَاث لِإِمْكَان الْجمع
ثمَّ قَالَ وَهَذَا ضَعِيف لِأَن كَون الْمِيرَاث حَقًا للْوَارِث يمْنَع من صرفه إِلَى الْوَصِيَّة فَثَبت أَن آيَة الْمِيرَاث مَانِعَة من الْوَصِيَّة على أَن قَوْله ﵊ لَا وَصِيَّة لوَارث خبر وَاحِد وَلَو كَانَ متواترا لوَجَبَ أَن يكون الْآن متواترا لِأَنَّهُ خبر فِي وَاقعَة مهمة تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله وَمَا كَانَ كَذَلِك وَجب بَقَاؤُهُ متواترا وَحَيْثُ لم يبْق الْآن متواترا علمنَا أَنه مَا كَانَ تواترا فِي الأَصْل فَالْقَوْل بِأَن الْآيَة صَارَت مَنْسُوخَة بِهِ يَقْتَضِي نسخ الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد وَإنَّهُ غير جَائِز بِالْإِجْمَاع
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين ن نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ لم يجوزه الشَّافِعِي وَلَا أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَجوزهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة وَغَيرهم وَقد احْتَجُّوا على ذَلِك بِأَن الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين نسخهَا قَوْله إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث
وَلَيْسَ المر كَذَلِك فَإِن الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين إِنَّمَا نسختها آيَة الْمَوَارِيث كَمَا اتّفق على ذَلِك السّلف فَإِنَّهُ قَالَ بعد ذكر الْفَرَائِض ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ الْآيَة فأبان أَنه لَا يجوز أَن يُزَاد أحد على مَا فرض الله لَهُ وَهَذَا معنى قَول النَّبِي ﵊ إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث وَإِلَّا فَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَنَحْوه من أَصْحَاب السّنَن وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِذا كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يجوز أَن يَجْعَل نَاسِخا لِلْقُرْآنِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يثبت أَن شَيْئا من الْقُرْآن نسخ بِسنة بِلَا قُرْآن
الْوَجْه الثَّالِث أَنه بنى الحكم على تلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ وَلم يبين مَاذَا أَرَادَ بالأمة وَلَا مَاذَا أَرَادَ بتلقيها لَهما بِالْقبُولِ وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ غير بينين هُنَا فِي أَنفسهمَا
стр. 273
فَكَانَ حَقه أَن يبين مَا أَرَادَ بهما لِئَلَّا يذهب الذِّهْن كل مَذْهَب وَلِئَلَّا يظنّ بِهِ أَنه يقْصد بالإبهام وَالْإِيهَام وَإِن كَانَ مَا علم من حَاله يدل على أَنه بَرِيء من ذَلِك
فَإِن أَرَادَ بالأمة علماءها وَهُوَ الظَّاهِر فعلماء الْأمة فِي هَذَا الْمقَام ثَلَاثَة أَقسَام المتكلمون وَالْفُقَهَاء والمحدثون أما المتكلمون فقد عرف من حَالهم أَنهم يردون كل حَدِيث يُخَالف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَلَو كَانَ من الْأُمُور الظنية فَإِذا لأورد عَلَيْهِم من ذَلِك حَدِيث صَحِيح عِنْد الْمُحدثين أولوه إِن وجدوا تَأْوِيله قريب المأخذ أَو ردُّوهُ مكتفين بقَوْلهمْ هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد وَهِي لَا تفِيد غير الظَّن وَلَا يجوز الْبناء على الظَّن فِي المطالب الكلامية
فَمن ذَلِك حَدِيث تحاجب الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَت النَّار أُوثِرت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَت الْجنَّة مَا لي لَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ قَالَ الله ﵎ للجنة أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي وَقَالَ للنار إِنَّمَا أَنْت عَذَاب أعذب بك من أَشَاء من عبَادي وَلكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا ملؤُهَا فَأَما النَّار فَلَا تمتلئ حَتَّى يضع رجله فَتَقول قطّ قطّ قطّ فهنالك تمتلئ ويزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَلَا يظلم الله من خلقه أحدا وَأما الْجنَّة فَإِن الله ينشئ لَهَا خلقا اهـ
وَهَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أما مُسلم فَأخْرجهُ فِي كتاب الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأما البُخَارِيّ فَأخْرجهُ فِي تَفْسِير سُورَة ق بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق عبد لارزاق عَن
стр. 274
همام عَن أبي هُرَيْرَة وَأخرجه فِي مَوضِع آخر من طَرِيق صَالح بن كيسَان عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ اختصمت الْجنَّة وَالنَّار إِلَى ربهما الحَدِيث وَفِيه أَنه ينشئ للنار خلقا
وَقد ذهب الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَن الرَّاوِي أَرَادَ أَن يذكر الْجنَّة فذهل فَسبق لِسَانه إِلَى النَّار قَالَ فِي شرح البُخَارِيّ عِنْد قَوْله فَلَا تمتلئ حَتَّى يضع رجله فِي مُسلم حَتَّى يضع الله رجله وَأنكر ابْن فورك لفظ رجله وَقَالَ إِنَّهَا ثَابِتَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هِيَ تَحْرِيف من بعض الروَاة ورد عَلَيْهِمَا بِرِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ بهَا وأولت بِالْجَمَاعَة كَرجل من جَراد أَي يضع فِيهَا جمَاعَة وأضافهم إِلَيْهِ إِضَافَة اخْتِصَاص
وَقَالَ محيي السّنة الْقدَم وَالرجل فِي هَذَا الحَدِيث من صِفَات الله تَعَالَى المنزهة عَن التكييف والتشبيه فالإيمان بهَا فرض الِامْتِنَاع عَن الْخَوْض فِيهَا وَاجِب فالمهتدي من سلك فِيهَا طَرِيق التَّسْلِيم والخائض فِيهَا زائغ وَالْمُنكر معطل والمكيف مشبه ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾
وَقَالَ فِي شرح مُسلم هَذَا الحَدِيث من مشاهير أَحَادِيث الصِّفَات وَقد مر بَيَان اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهَا على مذهبين
أَحدهمَا وَهُوَ قَول جُمْهُور السّلف وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين انه لَا نتكلم فِي تَأْوِيلهَا بل نؤمن أَنَّهَا حق على مَا أَرَادَ الله وَلها معنى يَلِيق بهَا وظاهرها غير مُرَاد
стр. 275
وَالثَّانِي وَهُوَ قَول جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا تتأول بِحَسب مَا يَلِيق بهَا فعلى هَذَا اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث
فَهَذَا الحَدِيث ونظائره وَهِي كَثِيرَة يبعد على الْمُتَكَلّم أَن يَقُول بِصِحَّتِهَا فضلا عَن أَن يجْزم بذلك وَإِذا ألجئ إِلَى القَوْل بِصِحَّتِهَا لم يأل هدا فِي تَأْوِيلهَا وَلَو على وَجه لَا يساعد اللَّفْظ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يعلم السَّامع ان الْمُتَكَلّم لَا يَقُول بِجَوَازِهِ فِي الْبَاطِن
وَقد نشأت بِسَبَب ذَلِك عَدَاوَة شَدِيدَة بَين الْمُتَكَلِّمين والمحدثين يعرفهَا من نظر فِي كتب التَّارِيخ حَتَّى إِن الْمُتَكَلِّمين سموا جُمْهُور الْمُحدثين بالمشبهة والمحدثين سموهم بالمعطلة
وَأما الْفُقَهَاء فقد عرف من حَالهم أَنهم يؤولون كل حَدِيث يُخَالف مَا ذهب إِلَيْهِ عُلَمَاء مَذْهَبهم وَلَو كَانَ من الْمُتَأَخِّرين أَو يعارضون الحَدِيث بِحَدِيث آخر وَلَو كَانَ غير مَعْرُوف عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث والْحَدِيث الَّذِي عارضوه ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ بل مِمَّا أخرجه السِّتَّة وَمن نظر فِي شُرُوح الصَّحِيحَيْنِ اتَّضَح لَهُ المر
وَقد ترك بَعضهم المجاملة للمحدثين فَصرحَ بَان تَرْجِيح الصَّحِيحَيْنِ على غَيرهمَا تَرْجِيح من غير مُرَجّح وَالَّذين جاملوا اكتفوا بِدلَالَة الْحَال وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي كتاب الْقَوَاعِد فَقَالَ وَمن الْعجب العجيب أَن الْفُقَهَاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَأْخَذ إِمَامه بِحَيْثُ لَا يجد لضَعْفه مدفعا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يقلده فِيهِ وَيتْرك من شهد الْكتاب وَالسّنة والأقيسة الصَّحِيحَة لمذهبه جمودا على تَقْلِيد إِمَامه بل يتحيل لدفع ظواهر الْكتاب وَالسّنة ويتأولها بالتأويلات الْبَعِيدَة الْبَاطِلَة نضالا عَن مقلده
وَقد رَأينَا يَجْتَمعُونَ فِي الْمجَالِس فَإِذا ذكر لأَحَدهم خلاف مَا وَطن نَفسه عَلَيْهِ تعجب مِنْهُ غَايَة الْعجب من غير استرواح إِلَى دَلِيل بل لما أَلفه من تَقْلِيد
стр. 276
إِمَامه وتعجبه من مَذْهَب إِمَامه أولى من تعجبه من مَذْهَب غَيره فالبحث مَعَ هَؤُلَاءِ ضائع مفض إِلَى التقاطع والتدابر من غير فَائِدَة يجديها وَمَا رَأَيْت أحدا رَجَعَ عَن مَذْهَب إِمَامه إِذا ظهر لَهُ الْحق فِي غَيره بل يصر عَلَيْهِ مَعَ علمه بضعفه وَبعده
فَالْأولى ترك الْبَحْث مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذين إِذا عجز أحدهم عَن تمشية مَذْهَب إِمَامه قَالَ لَعَلَّ إمامي وقف على دَلِيل لم أَقف عَلَيْهِ وَلم أهتد إِلَيْهِ وَلَا يعلم الْمِسْكِين أَن هَذَا مُقَابل بِمثلِهِ ويفضل لخصمه مَا ذكره من الدَّلِيل الْوَاضِح والبرهان اللائح فسبحان الله مَا اكثر من أعمى التَّقْلِيد بَصَره حَتَّى حمله على مثل مَا ذكرته وفقنا الله لاتباع الْحق أَيْن كَانَ وعَلى لِسَان من ظهر اهـ
وَقد أَكْثرُوا من الِاعْتِرَاض على قَول ابْن الصّلاح عَن الْأَئِمَّة تلقت الصَّحِيحَيْنِ بِالْقبُولِ فَقَالَ بَعضهم إِن مَا ذكره من تلقي الْأمة لِلصَّحِيحَيْنِ بِالْقبُولِ مُسلم وَلكنه لَا يخْتَص بهما فقد تلقت الْأمة سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهَا بِالْقبُولِ وَمَعَ ذَلِك فَلم يذهب أحد إِلَى الحكم بِصِحَّة مَا فِيهَا بِمُجَرَّد ذَلِك
وَقَالَ بَعضهم إِن أَرَادَ بالأمة كل الْأمة فَلَا يخفى فَسَاده لِأَن الْكِتَابَيْنِ إِنَّمَا حسنا فِي المئة الثَّالِثَة بعد عصر البُخَارِيّ وأئمة الْمذَاهب المتبعة وَإِن أَرَادَ بالأمة بَعْضهَا وهم من وجد بعد الْكِتَابَيْنِ فهم بعض الْأمة فَلَا يستقين دَلِيله الَّذِي قواه بتلقي الْأمة وَثُبُوت الْعِصْمَة لَهُم
وَهَذَا القَوْل عَجِيب وَكَأن قَائِله لم ينظر فِي أصُول الْفِقْه فِي كتاب الْإِجْمَاع ولنذكر عبارَة تنبه على مَا فِي قَوْله من الْخَطَأ ولنقتصر عَلَيْهَا فقد كثر الاستطراد فِي هَذَا الْكتاب وَهُوَ مِمَّا يخْشَى مِنْهُ الإملال أَو تشتيت البال
قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى ذهب دَاوُد وشيعته من أهل الظَّاهِر إِلَى أَنه لَا حجَّة فِي إِجْمَاع من بعد الصَّحَابَة وَهُوَ فَاسد لِأَن الْأَدِلَّة الثَّلَاثَة على كَون الْإِجْمَاع
стр. 277
حجَّة أَعنِي الْكتاب وَالسّنة وَالْعقل لَا تفرق بَين عصر وعصر فالتابعون إِذا أَجمعُوا فَهُوَ إِجْمَاع من جَمِيع الْأمة وَمن خالفهم فَهُوَ سالك غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ اهـ
وَقَالَ بَعضهم إِن تلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ من جِهَة كَون مَا فيهمَا من الْأَحَادِيث أصح مِمَّا فِي سواهُمَا من الْكتب الحديثية لجلالة مؤلفيها فِي هَذَا المر وتقدمهما على من سواهُمَا فِي ذَلِك والتزامهما فِي كِتَابَيْهِمَا أَن لَا يوردا فيهمَا غير الصَّحِيح
وَهَذَا يدل على أَنَّهُمَا أرجح مِمَّا سواهُمَا على طَرِيق الْإِجْمَال وَلَا يدل ذَلِك على ان مَا فيهمَا مجزوم بِصِحَّة نسبته إِلَى النَّبِي ﷺ وَلذَلِك أقدم الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره على الانتقاد عَلَيْهِمَا مَعَ ان انتقادهم عَلَيْهِمَا كَانَ قاصرا على مَا يتَعَلَّق بِالْأَسَانِيدِ وَأما الانتقاد عَلَيْهِمَا من جِهَة مَا يتَعَلَّق بالمتون من جِهَة مخالفتهما للْكتاب أَو للسّنة المتواترة وَنَحْو ذَلِك فَلم يتصدوا لَهُ لِأَن ذَلِك من متعلقات عُلَمَاء الْكَلَام وَالْأُصُول
وَقد حمل انتقاد الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره ابْن الصّلاح على ان يسْتَثْنى مَا انتقدوه من إِفَادَة الْعلم مَعَ أَن فِيمَا انتقدوه مَا الْجَواب عَنهُ بَين وَفِيمَا لم ينتقدوه مَا هُوَ دون مَا انتقدوه
وَلَا يخفى ان هَذَا الِاسْتِثْنَاء قد أَضْعَف قُوَّة الحكم فِي غَيره وَلذَا أقدم بعض أنصاره على أَن يسْتَثْنى شَيْئا آخر وَهُوَ مَا وَقع التَّعَارُض فِيهِ من الْأَحَادِيث بِحَيْثُ لَا يُمكن الْجمع وَلَا وُقُوع النّسخ مَعَ عدم ظُهُور الرجحان فِي جِهَته وَذَلِكَ لاستحالته إِفَادَة المتعارضين من كل وَجه الْعم وَمَعَ ذَلِك فقد حاول أَن يَجْعَل الْخلاف لفظيا بِأَن يُقَال من قَالَ إِنَّه لَا يُفِيد الْعلم أَرَادَ الْعلم اليقيني وَمن قَالَ إِنَّه يُفِيد الْعلم أَرَادَ الْعلم الَّذِي لم يصل إِلَى دَرَجَة الْيَقِين
وَأما المنتصرون لِابْنِ الصّلاح فَالسَّابِق مِنْهُم إِلَى ذَلِك هُوَ الْعَلامَة ابْن تَيْمِية وَقد وقفت لَهُ على مقالتين تصدى فيهمَا إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة الجليلة الشَّأْن محاولا تقريبها من الْقَوَاعِد الكلامية لتَكون أقرب إِلَى قبُول الْمُتَكَلِّمين وَمن نحا نحوهم فَصَارَت
стр. 278
سهلة الْحل لَا سِيمَا إِذا تزحزح كل من الْفَرِيقَيْنِ عَن مَكَانَهُ قَلِيلا وسعى نَحْو الآخر
أما الْمقَالة الأولى فقد كَانَت جَوَابا لسائل لَهُ هَل أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ تفِيد الْيَقِين وَهل فيهمَا حَدِيث متواتر وَقد أوردتها هُنَا على طَرِيق الِاخْتِصَار
قَالَ لفظ الْمُتَوَاتر يُرَاد بِهِ معَان إِذْ الْمَقْصُود من الْمُتَوَاتر مَا يُفِيد الْعلم لَكِن من النَّاس من لَا يُسَمِّي متواترا إِلَّا مَا رَوَاهُ عدد كثير يكون الْعلم حَاصِلا بِكَثْرَة عَددهمْ فَقَط وَيَقُولُونَ إِن كل عدد أَفَادَ الْعلم فِي قَضِيَّة أَفَادَ مثل ذَلِك الْعدَد الْعلم فِي كل قَضِيَّة
وَهَذَا قَول ضَعِيف وَالصَّحِيح مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَن الْعلم يحصل بِكَثْرَة المخبرين تَارَة وَقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وَقد يحصل بقرائن تحتف بالْخبر يحصل بِمَجْمُوع ذَلِك وَقد يحصل بطَائفَة دون طَائِفَة
وَأَيْضًا فَالْخَبَر الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَو عملا بِمُوجبِه يُفِيد الْعلم عِنْد جَمَاهِير السّلف وَالْخلف وَهَذَا فِي معنى الْمُتَوَاتر لَكِن من النَّاس من يُسَمِّيه الْمَشْهُور والمستفيض ويقسمون الْخَبَر متواتر ومشهور وَخبر وَاحِد
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَأكْثر متون الصَّحِيحَيْنِ مَعْلُومَة متيقنة تلقاها أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ بِالْقبُولِ والتصديق وَأَجْمعُوا على صِحَّتهَا وإجماعهم مَعْصُوم من الْخَطَأ كَمَا أَن إِجْمَاع الْفُقَهَاء على الْأَحْكَام مَعْصُوم من الْخَطَأ وَلَو أجمع الْفُقَهَاء على حكم كَانَ إِجْمَاعهم حجَّة وَإِن كَانَ مستندهم خبر وَاحِد أَو قِيَاسا أَو عُمُوما فَكَذَلِك أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ إِذا أَجمعُوا على صِحَة خبر أَفَادَ الْعلم وَإِن كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ لَكِن إِجْمَاعهم مَعْصُوم عَن الْخَطَأ
ثمَّ هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي أَجمعُوا على صِحَّتهَا قد تتواتر أَو تستفيض عِنْد بعض
стр. 279
دون بعض وَقد يحصل بصدقها لبَعْضهِم لعلمه بِصِفَات المخبرين وَمَا اقْترن بالْخبر من الْقَرَائِن والضمائم الَّتِي تفِيد الْعلم
وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن التَّوَاتُر لَيْسَ لَهُ عدد مَحْصُور وَالْعلم عقب الْإِخْبَار يحصل فِي الْقلب ضَرُورَة كَمَا يحصل فِي الْقلب ضَرُورَة كَمَا يحصل فِي الْقلب ضَرُورَة كَمَا يحصل الشِّبَع عقب الْكل والري عقب الشّرْب وَلَيْسَ لما يشْبع كل وَاحِد أَو يرويهِ قدر معِين بل قد يكون الشِّبَع لِكَثْرَة الطَّعَام وَقد يكون لجودته كَاللَّحْمِ وَقد يكون لاستغناء الْآكِل بقليله وَقد يكون لاشتغال نَفسه بفرح أَو غضب أَو حزن أَو نَحْو ذَلِك
كَذَلِك الْعلم الْحَاصِل عقب الْخَبَر تَارَة يكون لِكَثْرَة المخبرين وَإِذا كَثُرُوا فقد يُفِيد خبرهم الْعلم وَإِن كَانُوا كفَّارًا
وَتارَة يكون لدينهم وضبطهم فَرب رجلَيْنِ أَو ثَلَاثَة يحصل من الْعلم بخبرهم مَا لَا يحصل بِعشْرَة وَعشْرين لَا يوثق بدينهم وضبطهم
وَتارَة يحصل الْعلم بِكَوْن كل من المخبرين أخبر بِمثل مَا أخبر بِهِ الآخر مَعَ الْعلم بِأَنَّهُمَا لم يتواطآ فَإِنَّهُ يمْتَنع فِي الْعَادة الِاتِّفَاق فِي مثل ذَلِك مثل مَا يروي حَدِيثا طَويلا فِيهِ فُصُول وَيَرْوِيه آخر كَذَلِك وَلم يكن قد لقِيه
وَتارَة يحصل من الْعلم بالْخبر لمن عِنْده من الفطنة والذكاء وَالْعلم بأحوال المخبرين وَبِمَا اخبروا بِهِ مَا لَا يحصل لمن لَيْسَ مثل ذَلِك
وَتارَة يحصل الْعلم بالْخبر لكَونه رُوِيَ بِحَضْرَة جمَاعَة كَثِيرَة شاركوا الْمخبر فِي الْعلم وَلم يكذبهُ أحد مِنْهُم فَإِن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة قد يمْتَنع تواطؤهم على الكتمان كَمَا يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب
وَإِذا عرف أَن الْعلم بأخبار المخبرين لَهُ أَسبَاب غير مُجَرّد الْعدَد علم أَن من قيد الْعلم بِعَدَد معِين وَسوى بَين جَمِيع الْأَخْبَار فِي ذَلِك فقد غلط غَلطا عَظِيما وَلِهَذَا كَانَ التَّوَاتُر يَنْقَسِم إِلَى عَام وخاص فَأهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه قد يتواتر
стр. 280
عِنْدهم فِي السّنة مَا لم يتواتر عَن د الْعَامَّة كوجوب الشُّفْعَة وَحمل الْعَاقِلَة الْعقل وَنَحْو ذَلِك
وَإِذا كَانَ الْخَبَر قد يتواتر عِنْد قوم دون قوم فقد يحصل الْعلم بصدقه لقوم دون قوم فَمن حصل لَهُ الْعلم بِهِ وَجب عَلَيْهِ التَّصْدِيق بِهِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ كَمَا يجب ذَلِك فِي نَظَائِره وَمن لم يحصل لَهُ الْعلم بذلك فَعَلَيهِ أَن يسلم ذَلِك لأهل الْإِجْمَاع الَّذين أَجمعُوا على صِحَّته كَمَا على النَّاس أَن يسلمُوا الْأَحْكَام الْمجمع عَلَيْهَا إِلَى من أجمع عَلَيْهَا من اهل الْعلم فَإِن الله عصم هَذِه الْأمة أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة
وَإِنَّمَا يكون إجماعها بِأَن يسلم غير الْعَالم للْعَالم إِذْ غير الْعَالم لَا يكون لَهُ قَول وَغنما القَوْل للْعَالم فَكَمَا أَن من لَا يعرف أَدِلَّة الْأَحْكَام لَا يعْتد بقوله كَذَلِك من لَا يعرف طرق الْعلم بِصِحَّة الحَدِيث لَا يعْتد بقوله بل على كل من لَيْسَ بعالم أَن يتبع إِجْمَاع أهل الْعلم اهـ
وخلاصة مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي هَذِه الْمقَالة أَن اكثر متون الصَّحِيحَيْنِ مَعْلُومَة متيقنة قد تلقاها أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ بِالْقبُولِ والتصديق وَأَجْمعُوا على صِحَّتهَا قد تتواتر أَو تستفيض عِنْد بعض دون بعض وَقد يحصل الْعلم بِصِحَّتِهَا لبَعض لعلمه بِصِفَات المخبرين وَمَا اقْترن بالْخبر من الْقَرَائِن الَّتِي تفِيد الْعلم دون بعض لعدم علمه بذلك
فعلى من حصل لَهُ الْعلم بذلك أَن يجْرِي على مُقْتَضَاهُ من التَّصْدِيق بهَا وَالْعَمَل بموجبها وَمن لم يحصل بِهِ الْعلم بذلك فَعَلَيهِ أَن يسلم ذَلِك لأهل الْإِجْمَاع الَّذين أَجمعُوا على صِحَّتهَا كَمَا على النَّاس أَن يسلمُوا الْأَحْكَام الْمجمع عَلَيْهَا لمن أجمع عَلَيْهَا من أهل الْعلم إِذْ لَا يتم إِجْمَاع إِلَّا إِذا سلم غير الْعَالم للْعَالم فَإِن لم يسلم لم يعْتد بِعَدَمِ تَسْلِيمه إِذْ لَيْسَ لغير الْعَالم قَول وَإِنَّمَا القَوْل للْعَالم
وَأما الْمقَالة الثَّانِيَة فقد أوردهَا فِي رِسَالَة جعلهَا فِي قَوَاعِد التَّفْسِير وَقد وقف عَلَيْهَا الْعَلامَة البُلْقِينِيّ كَمَا يشْعر بِهِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ سَابِقًا من أَن بعض الْحفاظ
стр. 281
الْمُتَأَخِّرين نقل مثل قَول ابْن الصّلاح عَن جمَاعَة فَإِنَّهُ عَنى بِبَعْض الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين صَاحب هَذِه الْمقَالة فِيمَا يظْهر
وَقد أوردهَا صَاحبهَا فِي فصل من الرسَالَة الْمَذْكُورَة أورد فِيهِ أَولا ان مَا ينْقل عَن الْمَعْصُوم إِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن معرفَة الصَّحِيح مِنْهُ من غَيره فعامته مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَذَلِكَ كمدار سفينة نوح ﵇ وَنَوع خشبها الَّذِي صنعت مِنْهُ وَنَحْو ذَلِك وَأما مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى قد نصب على الْحق فيد دَلِيلا
ثمَّ قَالَ وَالْمَقْصُود ان الحَدِيث الطَّوِيل إِذا رُوِيَ مثلا من وَجْهَيْن مُخْتَلفين من غير مواطأة امْتنع عَلَيْهِ أَن يكون غَلطا كَمَا امْتنع تأن يكون كذبا فَإِن الْغَلَط لَا يكون فِي قصَّة طَوِيلَة متنوعة وَإِنَّمَا يكون فِي بَعْضهَا فَإِذا روى هَذَا قصَّة طَوِيلَة متنوعة وَرَوَاهَا الآخر مثل مَا رَوَاهَا الأول من غير مواطأة امْتنع الْغَلَط فِي جَمِيعهَا كَمَا امْتنع الْكَذِب فِي جَمِيعهَا من غير مواطأة
وَلِهَذَا إِنَّمَا يَقع فِي مثل ذَلِك غلط فِي بعض مَا جرى فِي الْقِصَّة مثل حَدِيث اشْتِرَاء النَّبِي ﷺ الْبَعِير من جَابر فَإِن من تَأمل طرقه علم قطعا أَن الحَدِيث صَحِيح وَإِن كَانُوا قد اخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْيمن
وَقد بَين البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَإِن جُمْهُور مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّا يقطع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَن غالبه من هَذَا وَلِأَنَّهُ قد تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ والتصديق وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ فَلَو كَانَ الحَدِيث كذبا فِي نفس الْأَمر وَالْأمة مصدقة لَهُ قَابِلَة لَهُ لكانوا قد أَجمعُوا على تَصْدِيق مَا هُوَ فِي نفس الْأَمر كذب وَهَذَا إِجْمَاع على الْخَطَأ وَذَلِكَ مُمْتَنع
وَإِن كُنَّا نَحن بِدُونِ الْإِجْمَاع نجوز الْخَطَأ أَو الْكَذِب على الْخَبَر فَهُوَ كتجويزنا قبل أَن نعلم الْإِجْمَاع على الحكم الَّذِي ثَبت بِظَاهِر أَو قِيَاس ظَنِّي أَن يكون
стр. 282
الْحق فِي الْبَاطِن بِخِلَاف مَا اعتقدناه فَإِذا أَجمعُوا على الحكم جزمنا بِأَن الحكم ثَابت بَاطِنا وظاهرا وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُور الْعلم من جَمِيع الطوائف على أَن خبر الْوَاحِد إِذا تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَو عملا بِهِ أَنه يُوجب الْعلم
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره المصنفون فِي أصُول الْفِقْه من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد إِلَّا فرقة قَليلَة من الْمُتَأَخِّرين اتبعُوا فِي ذَلِك طَائِفَة من أهل الْكَلَام أَنْكَرُوا ذَلِك وَلَكِن كثير من أهل الْكَلَام أَكْثَرهم يوافقون الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالسَّلَف على ذَلِك وَهُوَ قَول أَكثر الأشعرية كَأبي إِسْحَاق ابْن فورك
وَأما ابْن الباقلاني فَهُوَ الَّذِي أنكر ذَلِك وَاتبعهُ مثل أبي الْمَعَالِي وَأبي حَامِد وَابْن عقيل وَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن الْخَطِيب والآمدي وَنَحْو هَؤُلَاءِ
وَالْأول هُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَأَبُو الطّيب وَأَبُو إِسْحَاق وَأَمْثَاله من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَأَمْثَاله من الْمَالِكِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره شمس الدّين السَّرخسِيّ وَأَمْثَاله من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو يعلى وَأَبُو الْخطاب وَأَبُو الْحسن بن الزَّاغُونِيّ وأمثالهم من الحنبلية
وَإِذا كَانَ الْإِجْمَاع على تَصْدِيق الْخَبَر مُوجبا للْقطع بِهِ فالاعتبار فِي ذَلِك بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا أَن الِاعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع على الْأَحْكَام بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالْأَمر وَالنَّهْي وَالْإِبَاحَة
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن تعدد الطّرق مَعَ عدم التشاعر والاتفاق فِي الْعَادة
стр. 283
يُوجب الْعلم بمضمون الْمَنْقُول لَكِن هَذَا ينْتَفع بِهِ كثيرا من علم أَحْوَال الناقلين وَفِي مثل هَذَا ينْتَفع بِرِوَايَة الْمَجْهُول والسيىء الْحِفْظ والْحَدِيث الْمُرْسل وَنَحْو ذَلِك وَلِهَذَا كَانَ أهل الْعلم يَكْتُبُونَ مثل هَذِه الْأَحَادِيث وَيَقُولُونَ إِنَّه يصلح للشواهد وَالِاعْتِبَار مَا لَا يلح لغيره
قَالَ أَحْمد قد أكتب حَدِيث الرجل لأعتبره وَمثل هَذَا بِعَبْد الله بن لَهِيعَة قَاضِي مصر فَإِنَّهُ كَانَ من أَكثر النَّاس حَدِيثا وَمن خِيَار النَّاس لَكِن بِسَبَب احتراق كتبه وَقع فِي حَدِيثه الْمُتَأَخر غلط فَصَارَ يعْتَبر بذلك وَيسْتَشْهد بِهِ وَكَثِيرًا مَا يقْتَرن هُوَ وَاللَّيْث بن سعد وَاللَّيْث حجَّة ثَبت غمام
وكما أَنهم يستشهدون ويعتبرون بِحَدِيث الرذي فِيهِ سوء حفظ فَإِنَّهُم أَيْضا يضعفون من حَدِيث الثِّقَة الصدوق الضَّابِط أَشْيَاء يتَبَيَّن لَهُم غلطه فِيهَا بِأُمُور يستدلون بهَا ويسمون هَذَا علم علل الحَدِيث وَهُوَ من أشرف علومهم بِحَيْثُ يكون الحَدِيث قد رَوَاهُ ثِقَة ضَابِط وَغلط فِيهِ وغلطه فِيهِ عرف إِمَّا بِسَبَب ظَاهر أَو خَفِي
كَمَا عرفُوا أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم وَأَنه صلى فِي الْبَيْت رَكْعَتَيْنِ وَجعلُوا رِوَايَة ابْن عَبَّاس لتزوجها حَلَالا ولكونه لم يصل مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَكَذَلِكَ أَنه اعْتَمر أَربع عمر وَعَلمُوا أَن قَول ابْن عمر إِنَّه اعْتَمر فِي رَجَب مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَعَلمُوا أَنه تمتّع وَهُوَ آمن فِي حجَّة الْوَدَاع وَأَن قَول عُثْمَان لعَلي كُنَّا يَوْمئِذٍ خَائِفين مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وان مَا وَقع فِي بعض طرق البُخَارِيّ أَن النَّار لَا تمتلئ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا آخر مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَهَذَا كثير
وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب طرفان
طرف من أهل الْكَلَام وَنَحْوهم مِمَّن هُوَ بعيد عَن معرفَة الحَدِيث وَأَهله لَا يُمَيّز بَين الصَّحِيح والضعيف فيشك فِي صِحَة أَحَادِيث أَو فِي الْقطع بهَا مَعَ كَونهَا مَعْلُومَة مَقْطُوعًا بهَا عِنْد أهل الْعلم بِهِ
стр. 284
وطرف مِمَّن يَدعِي اتِّبَاع الحَدِيث وَالْعَمَل بِهِ كلما وجد لفظا فِي حَدِيث قد رَوَاهُ ثِقَة أَو رأى حَدِيثا بِإِسْنَاد ظَاهره الصِّحَّة يُرِيد أَن يَجْعَل ذَلِك من جنس مَا جزم أهل الْعلم بِصِحَّتِهِ حَتَّى إِذا عَارض الصَّحِيح الْمَعْرُوف أَخذ يتَكَلَّف لَهُ التأويلات الْبَارِدَة أَو يَجعله دَلِيلا فِي مسَائِل الْعلم مَعَ أَن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يعْرفُونَ أَن مثل هَذَا غلط
وكما أَن على الحَدِيث أَدِلَّة يعلم بهَا انه صدق وَقد يقطع بذلك فَعَلَيهِ أَدِلَّة يعلم بهَا انه كذب وَيقطع بذلك مثل مَا يقطع بكذب مَا يرويهِ الوضاعون من أهل الْبدع والغلو فِي الْفَضَائِل
وخلاصة مَا يتَعَلَّق بِهِ الْغَرَض فِي هَذِه الْمقَالة أَن جُمْهُور مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم من الْأَحَادِيث مِمَّا يقطع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَنَّهُ قد رُوِيَ من وَجْهَيْن مُخْتَلفين من غير مواطأة وَمَا كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ فِي الْعَادة يُوجب الْعلم بِصِحَّة الرِّوَايَة وَلِأَنَّهُ قد تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ وَالْمرَاد بِأَهْل الْعلم هُنَا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا ان المُرَاد بِأَهْل الْعلم فِي أَمر الْأَحْكَام أهل الْعلم بِالْأَمر وَالنَّهْي وَأَن أهل الْعلم كَمَا قد يستشهدون بِحَدِيث السَّيئ الْحِفْظ والمجهول ويعتبرون بِهِ لما فِي تعدد الطّرق من تَقْوِيَة الظَّن فِي صِحَة الرِّوَايَة قد يحكمون بِضعْف حَدِيث الثِّقَة الصدوق الضَّابِط بِأَسْبَاب تحملهم على ذَلِك وَيُسمى الْعلم الَّذِي يعرف بِهِ مثل هَذَا بِعلم علل الحَدِيث وَهُوَ من أشرف علومهم وَكَثِيرًا مَا وقفُوا بِسَبَبِهِ على غلط وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ثِقَة ضَابِط وَمن ذَلِك مَا وَقع فِي بعض طرق البُخَارِيّ أَن النَّار لَا تمتلئ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا آخر وَهَذَا مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَمثل هَذَا كثير
وَالنَّاس فِي هَذَا الْأَمر طرفان طرف يشك فِي صِحَة أَحَادِيث أَو فِي الْقطع بهَا مَعَ كَونهَا مَعْلُومَة عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَهَؤُلَاء فريق من أهل الْكَلَام وطرف كلما وجد حَدِيثا رُوِيَ بِإِسْنَاد ظَاهره الصِّحَّة جعله من جنس مَا جزم أهل الْعلم بِصِحَّتِهِ فَإِذا عَارض حَدِيثا صَحِيحا مَعْرُوفا أَخذ يتأوله بتأويلات بَارِدَة وَهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء فريق مِمَّن ينتمي إِلَى الحَدِيث
стр. 285
وكما أَن على الحَدِيث الصَّحِيح أَدِلَّة يعلم بهَا انه صَحِيح النِّسْبَة وَقد تصل الْأَدِلَّة فِي الْقُوَّة إِلَى أَن توصل إِلَى علم الْيَقِين كَذَلِك عل الحَدِيث الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح أَدِلَّة يعرف بهَا حَاله وَقد أوردنا فِيمَا سبق مقَالَة تتَعَلَّق بتفرق النَّاس فِي أَمر الحَدِيث إِلَى ثَلَاثَة وَبينا حَال كل فرقة مِنْهَا جعلنَا الله من الْفرْقَة الْوُسْطَى بيمنه
وَقد تعرض فِي الْجَواب بطرِيق العر ١ لذكر شَيْء مِمَّا وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْوَهم فِي الرِّوَايَة حَيْثُ قَالَ وَقد يُقَال إِن مَا بدل من أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَفِي نفس التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يدل على تبديله وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن شُبْهَة من يَقُول إِنَّه لم يُبدل شَيْء من ألفاظهما فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا كَانَ التبديل قد وَقع فِي أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ لم يعلم الْحق من الْبَاطِل فَسقط الِاحْتِجَاج بهما وَوُجُوب الْعَمَل بهما على أهل الْكتاب فَلَا يذمون حِينَئِذٍ على ترك اتباعهما وَالْقُرْآن قد ذمهم على ترك الحكم بِمَا فيهمَا وَاسْتشْهدَ بِمَا فيهمَا فِي مَوَاضِع
وَجَوَاب ذَلِك أَن مَا وَقع من التبديل قَلِيل وَالْأَكْثَر لم يُبدل وَالَّذِي لم يُبدل فِيهِ أَلْفَاظ صَرِيحَة بَينه فِي الْمَقْصُود تبين غلط مَا خالفها وَلها شَوَاهِد ونظائر مُتعَدِّدَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا بِخِلَاف الْمُبدل فَإِنَّهُ أَلْفَاظ قَليلَة وَسَائِر نُصُوص الْكتب يناقضها
وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة كتب الحَدِيث المنقولة عَن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد أَبُو التِّرْمِذِيّ أَو غَيرهمَا أَحَادِيث قَليلَة ضَعِيفَة كَانَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يبين ضعف تِلْكَ بل وَكَذَلِكَ صَحِيح مُسلم فِيهِ أَلْفَاظ قَليلَة علط فِيهَا الرَّاوِي وَفِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ الْقُرْآن مَا يبين غلطها
следующие страницы →