← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْمُتَأَخِّرين نقل مثل قَول ابْن الصّلاح عَن جمَاعَة فَإِنَّهُ عَنى بِبَعْض الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين صَاحب هَذِه الْمقَالة فِيمَا يظْهر وَقد أوردهَا صَاحبهَا فِي فصل من الرسَالَة الْمَذْكُورَة أورد فِيهِ أَولا ان مَا ينْقل عَن الْمَعْصُوم إِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن معرفَة الصَّحِيح مِنْهُ من غَيره فعامته مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَذَلِكَ كمدار سفينة نوح ﵇ وَنَوع خشبها الَّذِي صنعت مِنْهُ وَنَحْو ذَلِك وَأما مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى قد نصب على الْحق فيد دَلِيلا ثمَّ قَالَ وَالْمَقْصُود ان الحَدِيث الطَّوِيل إِذا رُوِيَ مثلا من وَجْهَيْن مُخْتَلفين من غير مواطأة امْتنع عَلَيْهِ أَن يكون غَلطا كَمَا امْتنع تأن يكون كذبا فَإِن الْغَلَط لَا يكون فِي قصَّة طَوِيلَة متنوعة وَإِنَّمَا يكون فِي بَعْضهَا فَإِذا روى هَذَا قصَّة طَوِيلَة متنوعة وَرَوَاهَا الآخر مثل مَا رَوَاهَا الأول من غير مواطأة امْتنع الْغَلَط فِي جَمِيعهَا كَمَا امْتنع الْكَذِب فِي جَمِيعهَا من غير مواطأة وَلِهَذَا إِنَّمَا يَقع فِي مثل ذَلِك غلط فِي بعض مَا جرى فِي الْقِصَّة مثل حَدِيث اشْتِرَاء النَّبِي ﷺ الْبَعِير من جَابر فَإِن من تَأمل طرقه علم قطعا أَن الحَدِيث صَحِيح وَإِن كَانُوا قد اخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْيمن وَقد بَين البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَإِن جُمْهُور مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّا يقطع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَن غالبه من هَذَا وَلِأَنَّهُ قد تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ والتصديق وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ فَلَو كَانَ الحَدِيث كذبا فِي نفس الْأَمر وَالْأمة مصدقة لَهُ قَابِلَة لَهُ لكانوا قد أَجمعُوا على تَصْدِيق مَا هُوَ فِي نفس الْأَمر كذب وَهَذَا إِجْمَاع على الْخَطَأ وَذَلِكَ مُمْتَنع وَإِن كُنَّا نَحن بِدُونِ الْإِجْمَاع نجوز الْخَطَأ أَو الْكَذِب على الْخَبَر فَهُوَ كتجويزنا قبل أَن نعلم الْإِجْمَاع على الحكم الَّذِي ثَبت بِظَاهِر أَو قِيَاس ظَنِّي أَن يكون

стр. 282

الْحق فِي الْبَاطِن بِخِلَاف مَا اعتقدناه فَإِذا أَجمعُوا على الحكم جزمنا بِأَن الحكم ثَابت بَاطِنا وظاهرا وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُور الْعلم من جَمِيع الطوائف على أَن خبر الْوَاحِد إِذا تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَو عملا بِهِ أَنه يُوجب الْعلم وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره المصنفون فِي أصُول الْفِقْه من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد إِلَّا فرقة قَليلَة من الْمُتَأَخِّرين اتبعُوا فِي ذَلِك طَائِفَة من أهل الْكَلَام أَنْكَرُوا ذَلِك وَلَكِن كثير من أهل الْكَلَام أَكْثَرهم يوافقون الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالسَّلَف على ذَلِك وَهُوَ قَول أَكثر الأشعرية كَأبي إِسْحَاق ابْن فورك وَأما ابْن الباقلاني فَهُوَ الَّذِي أنكر ذَلِك وَاتبعهُ مثل أبي الْمَعَالِي وَأبي حَامِد وَابْن عقيل وَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن الْخَطِيب والآمدي وَنَحْو هَؤُلَاءِ وَالْأول هُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَأَبُو الطّيب وَأَبُو إِسْحَاق وَأَمْثَاله من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَأَمْثَاله من الْمَالِكِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره شمس الدّين السَّرخسِيّ وَأَمْثَاله من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو يعلى وَأَبُو الْخطاب وَأَبُو الْحسن بن الزَّاغُونِيّ وأمثالهم من الحنبلية وَإِذا كَانَ الْإِجْمَاع على تَصْدِيق الْخَبَر مُوجبا للْقطع بِهِ فالاعتبار فِي ذَلِك بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا أَن الِاعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع على الْأَحْكَام بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالْأَمر وَالنَّهْي وَالْإِبَاحَة وَالْمَقْصُود هُنَا أَن تعدد الطّرق مَعَ عدم التشاعر والاتفاق فِي الْعَادة

стр. 283

يُوجب الْعلم بمضمون الْمَنْقُول لَكِن هَذَا ينْتَفع بِهِ كثيرا من علم أَحْوَال الناقلين وَفِي مثل هَذَا ينْتَفع بِرِوَايَة الْمَجْهُول والسيىء الْحِفْظ والْحَدِيث الْمُرْسل وَنَحْو ذَلِك وَلِهَذَا كَانَ أهل الْعلم يَكْتُبُونَ مثل هَذِه الْأَحَادِيث وَيَقُولُونَ إِنَّه يصلح للشواهد وَالِاعْتِبَار مَا لَا يلح لغيره قَالَ أَحْمد قد أكتب حَدِيث الرجل لأعتبره وَمثل هَذَا بِعَبْد الله بن لَهِيعَة قَاضِي مصر فَإِنَّهُ كَانَ من أَكثر النَّاس حَدِيثا وَمن خِيَار النَّاس لَكِن بِسَبَب احتراق كتبه وَقع فِي حَدِيثه الْمُتَأَخر غلط فَصَارَ يعْتَبر بذلك وَيسْتَشْهد بِهِ وَكَثِيرًا مَا يقْتَرن هُوَ وَاللَّيْث بن سعد وَاللَّيْث حجَّة ثَبت غمام وكما أَنهم يستشهدون ويعتبرون بِحَدِيث الرذي فِيهِ سوء حفظ فَإِنَّهُم أَيْضا يضعفون من حَدِيث الثِّقَة الصدوق الضَّابِط أَشْيَاء يتَبَيَّن لَهُم غلطه فِيهَا بِأُمُور يستدلون بهَا ويسمون هَذَا علم علل الحَدِيث وَهُوَ من أشرف علومهم بِحَيْثُ يكون الحَدِيث قد رَوَاهُ ثِقَة ضَابِط وَغلط فِيهِ وغلطه فِيهِ عرف إِمَّا بِسَبَب ظَاهر أَو خَفِي كَمَا عرفُوا أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم وَأَنه صلى فِي الْبَيْت رَكْعَتَيْنِ وَجعلُوا رِوَايَة ابْن عَبَّاس لتزوجها حَلَالا ولكونه لم يصل مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَكَذَلِكَ أَنه اعْتَمر أَربع عمر وَعَلمُوا أَن قَول ابْن عمر إِنَّه اعْتَمر فِي رَجَب مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَعَلمُوا أَنه تمتّع وَهُوَ آمن فِي حجَّة الْوَدَاع وَأَن قَول عُثْمَان لعَلي كُنَّا يَوْمئِذٍ خَائِفين مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وان مَا وَقع فِي بعض طرق البُخَارِيّ أَن النَّار لَا تمتلئ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا آخر مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَهَذَا كثير وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب طرفان طرف من أهل الْكَلَام وَنَحْوهم مِمَّن هُوَ بعيد عَن معرفَة الحَدِيث وَأَهله لَا يُمَيّز بَين الصَّحِيح والضعيف فيشك فِي صِحَة أَحَادِيث أَو فِي الْقطع بهَا مَعَ كَونهَا مَعْلُومَة مَقْطُوعًا بهَا عِنْد أهل الْعلم بِهِ

стр. 284

وطرف مِمَّن يَدعِي اتِّبَاع الحَدِيث وَالْعَمَل بِهِ كلما وجد لفظا فِي حَدِيث قد رَوَاهُ ثِقَة أَو رأى حَدِيثا بِإِسْنَاد ظَاهره الصِّحَّة يُرِيد أَن يَجْعَل ذَلِك من جنس مَا جزم أهل الْعلم بِصِحَّتِهِ حَتَّى إِذا عَارض الصَّحِيح الْمَعْرُوف أَخذ يتَكَلَّف لَهُ التأويلات الْبَارِدَة أَو يَجعله دَلِيلا فِي مسَائِل الْعلم مَعَ أَن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يعْرفُونَ أَن مثل هَذَا غلط وكما أَن على الحَدِيث أَدِلَّة يعلم بهَا انه صدق وَقد يقطع بذلك فَعَلَيهِ أَدِلَّة يعلم بهَا انه كذب وَيقطع بذلك مثل مَا يقطع بكذب مَا يرويهِ الوضاعون من أهل الْبدع والغلو فِي الْفَضَائِل وخلاصة مَا يتَعَلَّق بِهِ الْغَرَض فِي هَذِه الْمقَالة أَن جُمْهُور مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم من الْأَحَادِيث مِمَّا يقطع بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَه لِأَنَّهُ قد رُوِيَ من وَجْهَيْن مُخْتَلفين من غير مواطأة وَمَا كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ فِي الْعَادة يُوجب الْعلم بِصِحَّة الرِّوَايَة وَلِأَنَّهُ قد تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ وَالْمرَاد بِأَهْل الْعلم هُنَا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا ان المُرَاد بِأَهْل الْعلم فِي أَمر الْأَحْكَام أهل الْعلم بِالْأَمر وَالنَّهْي وَأَن أهل الْعلم كَمَا قد يستشهدون بِحَدِيث السَّيئ الْحِفْظ والمجهول ويعتبرون بِهِ لما فِي تعدد الطّرق من تَقْوِيَة الظَّن فِي صِحَة الرِّوَايَة قد يحكمون بِضعْف حَدِيث الثِّقَة الصدوق الضَّابِط بِأَسْبَاب تحملهم على ذَلِك وَيُسمى الْعلم الَّذِي يعرف بِهِ مثل هَذَا بِعلم علل الحَدِيث وَهُوَ من أشرف علومهم وَكَثِيرًا مَا وقفُوا بِسَبَبِهِ على غلط وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ثِقَة ضَابِط وَمن ذَلِك مَا وَقع فِي بعض طرق البُخَارِيّ أَن النَّار لَا تمتلئ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا آخر وَهَذَا مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَمثل هَذَا كثير وَالنَّاس فِي هَذَا الْأَمر طرفان طرف يشك فِي صِحَة أَحَادِيث أَو فِي الْقطع بهَا مَعَ كَونهَا مَعْلُومَة عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَهَؤُلَاء فريق من أهل الْكَلَام وطرف كلما وجد حَدِيثا رُوِيَ بِإِسْنَاد ظَاهره الصِّحَّة جعله من جنس مَا جزم أهل الْعلم بِصِحَّتِهِ فَإِذا عَارض حَدِيثا صَحِيحا مَعْرُوفا أَخذ يتأوله بتأويلات بَارِدَة وَهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء فريق مِمَّن ينتمي إِلَى الحَدِيث

стр. 285

وكما أَن على الحَدِيث الصَّحِيح أَدِلَّة يعلم بهَا انه صَحِيح النِّسْبَة وَقد تصل الْأَدِلَّة فِي الْقُوَّة إِلَى أَن توصل إِلَى علم الْيَقِين كَذَلِك عل الحَدِيث الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح أَدِلَّة يعرف بهَا حَاله وَقد أوردنا فِيمَا سبق مقَالَة تتَعَلَّق بتفرق النَّاس فِي أَمر الحَدِيث إِلَى ثَلَاثَة وَبينا حَال كل فرقة مِنْهَا جعلنَا الله من الْفرْقَة الْوُسْطَى بيمنه وَقد تعرض فِي الْجَواب بطرِيق العر ١ لذكر شَيْء مِمَّا وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْوَهم فِي الرِّوَايَة حَيْثُ قَالَ وَقد يُقَال إِن مَا بدل من أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَفِي نفس التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يدل على تبديله وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن شُبْهَة من يَقُول إِنَّه لم يُبدل شَيْء من ألفاظهما فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا كَانَ التبديل قد وَقع فِي أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ لم يعلم الْحق من الْبَاطِل فَسقط الِاحْتِجَاج بهما وَوُجُوب الْعَمَل بهما على أهل الْكتاب فَلَا يذمون حِينَئِذٍ على ترك اتباعهما وَالْقُرْآن قد ذمهم على ترك الحكم بِمَا فيهمَا وَاسْتشْهدَ بِمَا فيهمَا فِي مَوَاضِع وَجَوَاب ذَلِك أَن مَا وَقع من التبديل قَلِيل وَالْأَكْثَر لم يُبدل وَالَّذِي لم يُبدل فِيهِ أَلْفَاظ صَرِيحَة بَينه فِي الْمَقْصُود تبين غلط مَا خالفها وَلها شَوَاهِد ونظائر مُتعَدِّدَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا بِخِلَاف الْمُبدل فَإِنَّهُ أَلْفَاظ قَليلَة وَسَائِر نُصُوص الْكتب يناقضها وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة كتب الحَدِيث المنقولة عَن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد أَبُو التِّرْمِذِيّ أَو غَيرهمَا أَحَادِيث قَليلَة ضَعِيفَة كَانَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يبين ضعف تِلْكَ بل وَكَذَلِكَ صَحِيح مُسلم فِيهِ أَلْفَاظ قَليلَة علط فِيهَا الرَّاوِي وَفِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ الْقُرْآن مَا يبين غلطها

стр. 286

مثل مَا رُوِيَ إِن الله خلق التربة يَوْم السبت وَجعل خلق الْمَخْلُوقَات فِي الْأَيَّام السَّبْعَة فَإِن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَئِمَّة الحَدِيث كيحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم وَأَنه لَيْسَ من كَلَام النَّبِي ﷺ بل صرح البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَنه من كَلَام كَعْب الْأَحْبَار كَمَا قد بسط فِي مَوْضِعه وَالْقُرْآن يدل على غلط هَذَا وَبَين أَن الْخلق فِي سِتَّة أَيَّام وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن آخر الْخلق كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَيكون أول الْخلق يَوْم الْحَد وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنه ﷺ صلى الْكُسُوف بكوعين أَو ثَلَاثَة فَإِن الثَّابِت الْمُتَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم حَدِيث الثَّلَاثَة والأربع فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى الْكُسُوف مرّة وَاحِدَة وَفِي حَدِيث الثَّلَاث والأربع انه صلاهَا يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنه وَأَحَادِيث الركوعين كَانَت ذَلِك الْيَوْم فَمثل هَذَا الْغَلَط إِذا وَقع كَانَ فِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا يبين أَنه غلط وَالْبُخَارِيّ إِذا روى الحَدِيث بطرق فِي بَعْضهَا غلط فِي بعض الْأَلْفَاظ ذكر مَعهَا الطّرق الَّتِي تبين ذَلِك الْغَلَط كَمَا قد بسطنا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه اهـ تَنْبِيه مَا ذهب إِلَيْهِ هَذَا الْمُحَقق من أَن مَا وَقع فِي بعض طرق البُخَارِيّ فِي حَدِيث تحاج الْجنَّة وَالنَّار من أَن النَّار لَا تمتلئ حَتَّى حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا آخر مِمَّا وَقع فِيهِ الْغَلَط قد مَال إِلَيْهِ كثير من الْمُحَقِّقين كالبلقيني وَغَيره وَمن الْغَرِيب فِي ذَلِك محاولة بعض الأغمار مِمَّن لَيْسَ لَهُ إِلْمَام بِهَذَا الْفَنّ لَا من جِهَة الرِّوَايَة وَلَا من جِهَة الدِّرَايَة لنسبة الْغَلَط إِلَيْهِ كَأَنَّهُ ظن أَن النَّقْد قد سد بَابه على كل أحد أَو ظن أَن النَّقْد من جِهَة الْمَتْن لَا يسوغ لِأَنَّهُ يخْشَى أَن يدْخل مِنْهُ أَرْبَاب الْأَهْوَاء

стр. 287

وَلم يدر أَن النَّقْد إِذا أجري على الْمنْهَج الْمَعْرُوف لم يستنكر وَقد وَقع ذَلِك لكثير من أَئِمَّة الحَدِيث مثل الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ بعد أَن ورد حَدِيث يلقى إِبْرَاهِيم أَبَاهُ آزر يَوْم الْقِيَامَة وعَلى وَجه آزر قترة الحَدِيث قَالَ وَهَذَا خبر فِي صِحَّته نظر من جِهَة أَن إِبْرَاهِيم عَالم بِأَن الله لَا يخلف الميعاد فَكيف يَجْعَل مَا بِأَبِيهِ خزيا لَهُ مَعَ إخْبَاره بِأَن الله قد وعده ان لَا يجْزِيه يَوْم يبعثون وَعلمه بِأَن لَا خلف لوعده فَانْظُر كَيفَ أعل الْمَتْن بِمَا ذكر فَإِن قلت إِن كثيرا مِمَّا انتقدوه من هَذَا النَّوْع يُمكن تَأْوِيله بِوَجْه يدْفع النَّقْد قلت إِذا أمكن التَّأْوِيل على وَجه يعقل فَلَا كَلَام فِي ذَلِك وَإِن كَانَ على وَجه لَا يعقل لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَو فتح هَذَا الْبَاب أمكن حمل كل عبارَة على خلاف مَا تدل عَلَيْهِ وَلذَا قَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول إِن فِي الْأَحَادِيث مَا لَا تجوز نسبته إِلَى النَّبِي ﷺ وَغير ظَاهرهَا بعيد عَن فَصَاحَته ﷺ قَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ وروينا عَن مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَمن خطه نقلت قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر الْحميدِي بِبَغْدَاد يَقُول قَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد بن حزم مَا وجدنَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم فِي كِتَابَيْهِمَا شَيْئا لَا يحْتَمل مخرجا إِلَّا حديثين لكل وَاحِد مِنْهُمَا حَدِيث تمّ عَلَيْهِ فِي تَخْرِيجه الْوَهم مَعَ إتقانهما وحفظهما وَصِحَّة معرفتهما فَذكر من عِنْد البُخَارِيّ حَدِيث شريك فِي الْإِسْرَاء وَأَنه قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ وَفِيه شقّ صَدره قَالَ ابْن حزم والآفة من شريك

стр. 288

وَذكر الحَدِيث الثَّانِي عِنْد مُسلم حَدِيث عِكْرِمَة بن عمار عَن أبي زميل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ للنَّبِي ﷺ يَا نَبِي الله ثَلَاث أعطنيهن قَالَ نعم الحَدِيث قَالَ ابْن حزم هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَا شكّ فِي وَضعه والآفة فِيهِ من عِكْرِمَة بن عمار

стр. 289

الْفَائِدَة السَّادِسَة فِيمَا يتَعَلَّق بِالصَّحِيحِ الزَّائِد على الصَّحِيحَيْنِ وَقد ذكرنَا فِيمَا سبق أَن الشَّيْخَيْنِ لم يستوعبا الصَّحِيح وَلَا التزما ذَلِك فَمن أَرَادَ معرفَة الصَّحِيح الزَّائِد على مَا فيهمَا فلطلبه فِي الْكتب المصنفة فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد وَفِي الْكتب المستخرجات على الصَّحِيحَيْنِ وَفِي كَلَام جهابذة الْمُحدثين فَإِذا نصوا على صِحَة حَدِيث أَخذ بِهِ المصنفات فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد أما المصنفات فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد فَمِنْهَا الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَافِظِ

стр. 290

أبي عبد الله الْحَاكِم فَإِنَّهُ أودعهُ مَا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا رأى أَنه مُوَافق لشرطيهما أَو شَرط أَحدهمَا وَمَا أدّى اجْتِهَاده إِلَى تَصْحِيحه وَإِن لم يكن على شَرط وَاحِد مِنْهُمَا مُشِيرا إِلَى الْقسم الول بقوله هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو على شَرط البُخَارِيّ أَو على شَرط مُسلم وَإِلَى الْقسم الثَّانِي بقوله هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَرُبمَا أورد فِيهِ مَا لم يَصح عِنْده منبها على ذَلِك وَهُوَ متساهل فِي التَّصْحِيح وَقد لخص الذَّهَبِيّ مُسْتَدْركه وَأَبَان مَا فِيهِ من ضعف أَو مُنكر وَهُوَ كثير وَجمع جُزْءا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهِ وَهِي مَوْضُوعَة وَهِي نَحْو مئة وَقَالَ أَبُو سعد الْمَالِينِي طالعت الْمُسْتَدْرك الَّذِي أَلفه الْحَاكِم من أَوله إِلَى آخِره فَلم أر فِيهِ حَدِيثا على شرطيهما قَالَ الذَّهَبِيّ هَذَا إِسْرَاف وغلو من الْمَالِينِي وَإِلَّا فَفِيهِ جملَة وافرة على شرطيهما وَجُمْلَة كَثِيرَة على شَرط أَحدهمَا وَلَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِك نَحْو نصف الْكتاب وَفِيه نَحْو الرّبع مِمَّا صَحَّ سَنَده وَفِيه بعض الشَّيْء وَمَا بَقِي وَهُوَ نَحْو الرّبع فَهُوَ مَنَاكِير واهيات لَا تصح وَفِي بعض ذَلِك مَوْضُوعَات وَهَذَا المر مِمَّا يتعجب مِنْهُ فَإِن الْحَاكِم كَانَ من الْحفاظ البارعين فِي هَذَا الْفَنّ وَيُقَال إِن السَّبَب فِي ذَلِك أَنه صنفه فِي أَوَاخِر عمره وَقد اعترته غَفلَة وَكَانَ ميلاده فِي سنة ٣٢١ ووفاته فِي سنة ٤٠٥ فَيكون عمره أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِنَّمَا وَقع للْحَاكِم التساهل لِأَنَّهُ سود الْكتاب لينقحه فعالجته الْمنية وَلم يَتَيَسَّر لَهُ تحريره وتنقيحه قَالَ وَقد وجدت فِي قريب نصف الْجُزْء الثَّانِي من تجزئة سِتَّة من الْمُسْتَدْرك إِلَى هُنَا انْتهى إملاء الْحَاكِم قَالَ وَمَا عدا ذَلِك من الْكتاب لَا يُؤْخَذ عَنهُ إِلَّا بطرِيق الْإِجَازَة والتساهل فِي الْقدر المملى قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعده وَمُرَاد الْحَاكِم بقوله هَذَا صَحِيح على شرطيهما أَن يكون رجال ذَلِك الْإِسْنَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بذلك قد روى الشَّيْخَانِ عَنْهُم فِي كِتَابَيْهِمَا وَيُؤَيّد ذَلِك

стр. 291

تصرف الْحَاكِم فِي كِتَابه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الحَدِيث الَّذِي عِنْده مِمَّا قد أخرج الشَّيْخَانِ مَعًا أَو أَحدهمَا لرواته قَالَ هَذَا صَحِيح على شرطيهما أَو شَرط أَحدهمَا وَإِذا كَانَ مِمَّا لم يخرج الشَّيْخَانِ لجَمِيع رُوَاته قَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد فَقَط وَيظْهر لَك ذَلِك مِمَّا تكلم بِهِ فِي حَدِيث من طَرِيق أبي عُثْمَان فَإِنَّهُ حكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ صَحِيح الْإِسْنَاد ثمَّ قَالَ وَأَبُو عُثْمَان هَذَا لَيْسَ هُوَ النَّهْدِيّ وَلَو كَانَ النَّهْدِيّ لحكمت بِأَن الحَدِيث على شرطيهما وَإِذا خَالف الْحَاكِم ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع حمل على السَّهْو وَالنِّسْيَان الَّذِي كَانَ يَعْتَرِيه إِذْ ذَاك كثيرا وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْله فِي خطْبَة مُسْتَدْركه وَأَنا أستعين الله تَعَالَى على إِخْرَاج أَحَادِيث رواتها ثِقَات قد احْتج بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا لِأَن المثلية قد تكون فِي العيان وَقد تكون فِي الْأَوْصَاف إِلَّا أَنَّهَا فِي الأول مجَاز وَفِي الثَّانِي حَقِيقَة فَاسْتعْمل الْمجَاز حَيْثُ قَالَ عقب مَا يكون عَن نفس رواتهما هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ رجل لشريح إِنِّي قلت لهَذَا اشْتَرِ لي مثل هَذَا الثَّوْب الَّذِي مَعَك فاشتري ذَلِك الثَّوْب بِعَيْنِه فَقَالَ شُرَيْح لَا شَيْء أشبه بالشَّيْء من الشَّيْء عينه وألزمه بِأخذ الثَّوْب وتتحقق المثلية فِي الْأَوْصَاف بِأَن يكون من لم يخرج عَنهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مثل من خرجا عَنهُ فيهمَا أَو أَعلَى مِنْهُ وَالظَّاهِر أَنه يُرِيد بالمثلية عِنْدهمَا لَا عِنْد

стр. 292

غَيرهمَا وَيعرف ذَلِك إِمَّا بنصهما على أَن فلَانا مثل فلَان أَو أرفع مِنْهُ وقلما يُوجد لَك وَإِمَّا بالألفاظ الدَّالَّة على مَرَاتِب التَّعْدِيل كَأَن يَقُول فِي بعض من احتجا بِهِ ثق أَو ثَبت أَو صَدُوق أَو لَا بَأْس بِهِ أَو غير لَك من أَلْفَاظ التَّعْدِيل ثمَّ يُوجد عَنْهُمَا أَنَّهُمَا مثل ذلم أَو أَعلَى مِنْهُ فِي بعض من لم يخرجَا لَهُ فِي كِتَابَيْهِمَا لِأَن أَلْفَاظ الْجرْح وَالتَّعْدِيل هِيَ معيار مَرَاتِب الروَاة وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ قَالَ النَّوَوِيّ إِن المُرَاد بقَوْلهمْ على شرطيهما أَن يكون رجال إِسْنَاده فِي كِتَابَيْهِمَا لِأَن لَيْسَ لَهما شَرط فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا فِي غَيرهمَا وَقد أَخذ هَذَا من ابْن الصّلاح فَإِنَّهُ لما ذكر كتاب الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم قَالَ إِنَّه أودعهُ مَا رَآهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ قد أَخْرجَاهُ عَن رُوَاته فِي كِتَابَيْهِمَا إِلَى آخر كَلَامه وعَلى هَذَا عمل ابْن دَقِيق الْعِيد فَإِنَّهُ ينْقل عَن الْحَاكِم تَصْحِيحه لحَدِيث على شَرط البُخَارِيّ مثلا ثمَّ يتَعَرَّض عَلَيْهِ بِأَن فِيهِ فلَانا وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ وَكَذَلِكَ فعل الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك وَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُم بجيد فَإِن الْحَاكِم صرح فِي خطْبَة كِتَابه الْمُسْتَدْرك بِخِلَاف مَا فهموه عَنهُ فَقَالَ وَأَنا أستعين الله تَعَالَى على إِخْرَاج أَحَادِيث أَي بِمثل رواتها لَا بهم أنفسهم وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِمثل تِلْكَ الْأَحَادِيث وَإِنَّمَا تكون مثلهَا إِذا كَانَت بِنَفس رواتها وَفِيه نظر وَقَالَ وَلَكِن هُنَا أَمر فِيهِ غموض لَا بُد من الْإِشَارَة أَنهم لَا يكتفون فِي التَّصْحِيح بِمُجَرَّد حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة والاتصال من غير نظر إِلَى غَيره بل ينظرُونَ فِي حَاله مَعَ من روى عَنهُ فِي كَثْرَة ملازمته لَهُ أَو قلتهَا أَو كَونه من بَلَده ممارسا لحديثه أَو غَرِيبا عَن بلد من اخذ عَنهُ وَهَذِه أُمُور تظهر بتصفح كَلَامهم وعملهم فِي ذَلِك قَالَ الْحَافِظ مَا اعْترض بِهِ شَيخنَا على ابْن دَقِيق الْعِيد والذهبي لَيْسَ بجيد

стр. 293

لِأَن الْحَاكِم اسْتعْمل لَفظه فِي أَعم من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْأَسَانِيد والمتون دلّ على ذَلِك صنعه فَإِنَّهُ تَارَة يَقُول على شَرطهمَا وَتارَة على شَرط البُخَارِيّ وَتارَة على شَرط مُسلم وَتارَة صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا يعزوه لأَحَدهمَا وَأَيْضًا فَلَو قصد بِكَلِمَة مثل مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ حَتَّى يكون المُرَاد وَاحْتج بغَيْرهَا مِمَّن فيهم من الصِّفَات مثل مَا فِي الروَاة الَّذين خرجا عَنْهُم لم يقل قطّ على شَرط البُخَارِيّ فَإِن شَرط مُسلم دونه فَمَا كَانَ على شَرطه فَهُوَ على شَرطهمَا لِأَنَّهُ حوى شَرط مُسلم وَزَاد قَالَ ووراء ذَلِك كُله أَن يرْوى إِسْنَاد ملفق من رجالهما كسماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فسماك على شَرط مُسلم فَقَط وَعِكْرِمَة انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ وَالْحق أَن هَذَا لَيْسَ على شَرط وَاحِد مِنْهُمَا وأدق من هَذَا أَن يرويا عَن أنس ثِقَات ضعفوا فِي أنَاس مخصوصين من غير حَدِيث الَّذين ضعفوهم فيهم فَيَجِيء عَنْهُم حَدِيث من طَرِيق من ضعفوا فِيهِ بِرِجَال كلهم فِي الْكِتَابَيْنِ أَو أَحدهمَا فنسبته انه على شَرط من خرج لَهُ غلط طان يُقَال فِي هشيم عَن الزُّهْرِيّ كل من هشيم وَالزهْرِيّ خرجا لَهُ فَهُوَ على شرطيهما فَيُقَال بل لَيْسَ على شَرط وَاحِد مِنْهُمَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا أخرجَا عَن هشيم من غير حَدِيث الزُّهْرِيّ فَإِنَّهُ ضعف فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ دخل عَلَيْهِ فَأخذ عَنهُ عشْرين حَدِيثا فَلَقِيَهُ صَاحب لَهُ وَهُوَ رَاجع فَسَأَلَهُ رُؤْيَته وَكَانَت ثمَّ ريح شَدِيدَة فَذَهَبت بالأوراق فَصَارَ هشيم يحدث بِمَا علق مِنْهَا بذهنه وَلم يكن أتقن حفظهما فَوَهم فِي أَشْيَاء مِنْهَا فضعف فِي الزُّهْرِيّ بِسَبَبِهَا وَكَذَا همام ضَعِيف فِي ابْن جريح مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا أخرجَا لَهُ لَكِن لم يرجا لَهُ عَن ابْن جريح شَيْئا فعلى من يَعْزُو إِلَى شَرطهمَا أَو شَرط وَاحِد مِنْهُمَا أَن يَسُوق ذَلِك السَّنَد بنسق رِوَايَة من نسب إِلَى شَرطه وَلَو فِي مَوضِع من كِتَابه وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي شرح مُسلم من حكم لشخص بِمُجَرَّد رِوَايَة مُسلم عَنهُ فِي صَحِيحه بِأَنَّهُ من شَرط

стр. 294

الصَّحِيح فقد غفل وَأَخْطَأ بل لَك مُتَوَقف على النّظر فِي كَيْفيَّة رِوَايَة مُسلم عَنهُ وعَلى أَي وَجه اعْتمد عَلَيْهِ وَقد اخْتلف فِي حكم مَا انْفَرد الْحَاكِم بِتَصْحِيحِهِ فَقَالَ ابْن الصّلاح الأولى أَن نتوسط فِي أمره فَنَقُول مَا حكم بِتَصْحِيحِهِ وَلم نجد ذَلِك فِيهِ لغيره من الْأَئِمَّة إِن لم يكن من قبيل الْحسن يحْتَج بِهِ وَيعْمل بِهِ إِلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه ويقاربه فِي حكمه صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان البستي اهـ وَظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن مَا انْفَرد بِتَصْحِيحِهِ وَلم يكن لغيره فِيهِ حكم ان يَجْعَل دائرا بَين الصَّحِيح وَالْحسن احْتِيَاطًا وَقد ظن بَعضهم ان كَلَامه دلّ على انه يحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ فَقَط فنسب إِلَيْهِ التحكم فِي هَذَا الحكم وَقَالَ كثير من الْمُحدثين إِن مَا انْفَرد الْحَاكِم بِتَصْحِيحِهِ يبْحَث عَنهُ وَيحكم عَنهُ وَيحكم عَلَيْهِ بِمَا يقْضِي بِهِ حَاله من الصِّحَّة أَو الْحسن أَو الضعْف وَالَّذِي حمل ابْن الصّلاح على مَا قَالَ هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ من أَن أَمر التَّصْحِيح قد انْقَطع وَلم يبْق لَهُ أهل وَالصَّحِيح أَنه لم يَنْقَطِع وانه سَائِغ لمن كملت عِنْده أدواته وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَمن الْكتب المصنفة فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد صَحِيح الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَهُوَ شيخ ابْن حبَان الْقَائِل فِيهِ مَا رَأَيْت على وَجه الأَرْض من يحسن صناعَة السّنَن ويحفظ ألفاظها الصِّحَاح وزياداتها حَتَّى كَانَ السّنَن كلهَا بَين عيينه غَيره وَصَحِيحه أَعلَى مرتبَة من صَحِيح ابْن حبَان لشدَّة تحريه حَتَّى إِنَّه يتَوَقَّف فِي التَّصْحِيح لأدنى كَلَام فِي الْإِسْنَاد وَقد فقد أَكْثَره من زمَان وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ صَحِيح الإِمَام أبي حَاتِم مُحَمَّد بن حبَان التَّمِيمِي البستي قَالَ الْحَاكِم كَانَ من أوعية الْعلم فِي الْفَقِيه واللغة والْحَدِيث والوعظ وَمن عقلاء الرِّجَال وَقَالَ غَيره كَانَ عَارِفًا بالطب والنجوم وَالْكَلَام وَالْفِقْه رَأْسا فِي معرفَة الحَدِيث وَقد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ قَوْله النُّبُوَّة الْعلم وَالْعَمَل وحكموا عَلَيْهِ

стр. 295

بالزندقة وهجروه وَكَتَبُوا فِيهِ إِلَى الْخَلِيفَة فَأمر بقتْله فَنَجَّاهُ الله تَعَالَى ثمَّ نفي من سجستان إِلَى سَمَرْقَنْد وَكَانَت وَفَاته سنه أَربع وَخمسين وَثَلَاث مئة وَاسم مُصَنفه التقاسيم والأنواع وترتيبه مُبْتَدع فَإِنَّهُ لَيْسَ على الْأَبْوَاب وَلَا على المسانيد وَلذَا صَار الْكَشْف مِنْهُ عسيرا وَقد رتبه بعض الْمُتَأَخِّرين على الْأَبْوَاب وَعمل لَهُ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ أطرافا وجرد أَبُو الْحسن الهيثمي زوائده على الصَّحِيحَيْنِ فِي كَجلْد وَقد نسبوا لِابْنِ حبَان التساهل فِي التَّصْحِيح إِلَّا أَن تساهله أقل من تساهل أقل من تساهل الْحَاكِم قَالَ الْحَازِمِي كَانَ ابْن حبَان أمكن فِي الحَدِيث من الْحَاكِم وعَلى كل حَال يَنْبَغِي تتبع صحيحيه والبحث عَمَّا فِيهِ وَكَذَلِكَ صَحِيح ابْن خُزَيْمَة فكم فِيهِ من حَدِيث حكم لَهُ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ لَا يرتقي عَن رُتْبَة الْحسن وَأنكر بَعضهم نِسْبَة التساهل إِلَى ابْن حبَان فَقَالَ إِن كَانَت نسبته إِلَى التساهل بِاعْتِبَار وجدان الْحسن فِي كِتَابه فَهِيَ مشاحة فِي الِاصْطِلَاح لنه يُسَمِّيه صَحِيحا وغن كَانَت بِاعْتِبَار خفَّة شُرُوطه فَإِنَّهُ يخرج فِي الصَّحِيح مَا كَانَ رِوَايَة ثِقَة غير مُدَلّس سمع من شَيْخه وَسمع مِنْهُ الْآخِذ عَنهُ وَلَا يكون هُنَاكَ إرْسَال وَلَا انْقِطَاع وَإِذا لم يكن فِي الرَّاوِي جرح وَلَا تَعْدِيل وَكَانَ كل من شَيْخه والراوي عَنهُ ثِقَة وَلم يَأْتِ بِحَدِيث مُنكر فَهُوَ عِنْده ثِقَة وَفِي كتاب الثِّقَات لَهُ كثير مِمَّن هَذِه حَاله وَلأَجل هَذَا رُبمَا اعْترض عَلَيْهِ فِي جعلهم ثِقَات من لم يعرف اصْطِلَاحه وَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا مشاحة فِي ذَلِك فَابْن حبَان فِي ذَلِك فَابْن حبَان وفى بِمَا الْتَزمهُ من الشُّرُوط بِخِلَاف الْحَاكِم

стр. 296

وَمن الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد السّنَن الصِّحَاح لسَعِيد بن السكن وَمن مظان الصَّحِيح المختارة لِلْحَافِظِ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَهُوَ أحسن من الْمُسْتَدْرك وَلكنهَا لم تكمل وَهِي مرتبَة على المسانيد المستخرجات على الصَّحِيحَيْنِ الاستخراج أَن يعمد حَافظ إِلَى صَحِيح البُخَارِيّ مثلا فيورد أَحَادِيثه حَدِيثا حَدِيثا بأسانيد لنَفسِهِ غير مُلْتَزم فِيهَا ثِقَة الروَاة من غير طَرِيق البُخَارِيّ إِلَى أَن يلتقي مَعَه فِي شَيْخه أَو فِيمَن فَوْقه لَكِن لَا يسوغ للمخرج أَن يعدل عَن الطَّرِيق الَّتِي يقرب فِيهَا اجتماعه مَعَ مُصَنف الأَصْل إِلَى الطَّرِيق الْبَعِيدَة إِلَّا لغَرَض مُهِمّ من علو أَو زِيَادَة مهمة اَوْ نَحْو ذَلِك وَرُبمَا ترك الْمُسْتَخْرج أَحَادِيث لم يجد لَهُ بهَا إِسْنَادًا مرضيا وَرُبمَا علقها عَن بعض رواتها وَرُبمَا ذكرهَا من طَرِيق صَاحب الأَصْل وَقد اعتنى كثير من الْحفاظ بالاستخراج لما فِيهِ من الْفَوَائِد المهمة وَقصرُوا ذَلِك غَالِبا على صَحِيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم لِكَوْنِهِمَا الْعُمْدَة فِي هَذَا الْعلم وَمِمَّنْ استخرج على صَحِيح البُخَارِيّ أَبُو بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني وَمِمَّنْ استخرج على صَحِيح مُسلم أَبُو جَعْفَر أَحْمد النَّيْسَابُورِي وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رَجَاء النَّيْسَابُورِي وَهُوَ مِمَّن يُشَارك مُسلما فِي أَكثر شُيُوخه وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله الجوزقي وَأَبُو عوَانَة يَعْقُوب بن إِسْحَاق الإسفرائني روى فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَغَيره من شُيُوخ مُسلم قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن أَبَا عوَانَة يَقُول فِي مستخرجه بعد أَن يَسُوق طرق مُسلم كلهَا من هُنَا لمخرجه ثمَّ يَسُوق أَسَانِيد تَجْتَمِع فِيهَا مَعَ مُسلم فِيمَن فَوق ذَلِك وَرُبمَا قَالَ من هُنَا لم يخرجَاهُ وَلَا يظنّ انه يَعْنِي البُخَارِيّ وَمُسلمًا فَإِنِّي

стр. 297

استقريت صَنِيعه فِي ذَلِك فَوَجَدته يَعْنِي مُسلما وَأَبا الْفضل أَحْمد بن سَلمَة فَإِنَّهُ كَانَ قرين مُسلم وصنف لمثل مُسلم وَمن المستخرجين على كل مِنْهُمَا أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي وَأَبُو عبد الله بن الخرم وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَأَبُو مُحَمَّد الْخلال وَأَبُو مَسْعُود بن سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْأَصْفَهَانِي وَلأبي بكر بن عَبْدَانِ الشِّيرَازِيّ مستخرج عَلَيْهِمَا فِي مؤلف وَاحِد وَقد استخرج مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَيمن على سنَن أبي دَاوُد وَأَبُو عَليّ الطوسي على سنَن التِّرْمِذِيّ وَأَبُو نعيم على التَّوْحِيد لِابْنِ خُزَيْمَة وللمستخرجات فَوَائِد كَثِيرَة مِنْهَا مَا يَقع من زيادات فِي الْأَحَادِيث الَّتِي يوردونها لم تكن فِي الأَصْل الْمُسْتَخْرج عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَقعت لَهُم تِلْكَ الزِّيَادَات لأَنهم لم يلتزموا إِيرَاد أَلْفَاظ مَا اسْتخْرجُوا عَلَيْهِ بل التزموا إِيرَاد الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت لَهُم الرِّوَايَة بهَا عَن شيوخهم وَكَثِيرًا مَا تكون مُخَالفَة لَهُم وَقد تقع الْمُخَالفَة فِي الْمَعْنى أَيْضا وَمِنْهَا علو الْإِسْنَاد لِأَن مُصَنف الْمُسْتَخْرج لَو روى حَدِيثا من طَرِيق البُخَارِيّ أَو مُسلم لوقع أنزل من الطَّرِيق الَّذِي رَوَاهُ بِهِ من الْمُسْتَخْرج فَلَو روى أَبُو نعيم مثل حَدِيثا فِي مُسْند أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من طَرِيق مُسلم لَكَانَ بَينه وَبَيِّنَة أبي دَاوُد أَرْبَعَة رجال شَيْخَانِ بَينه وَبَين مُسلم من طَرِيق مُسلم وَشَيْخه فَإِذا رَوَاهُ من غير طَرِيق مُسلم كَانَ بَين أبي نعيم وَبَين أبي دَاوُد رجلَانِ فَقَط لِأَن أَبَا نعيم يرويهِ عَن ابْن فَارس عَن يُونُس بن حبيب عَن أبي دَاوُد وَمِنْهَا تَقْوِيَة الحَدِيث بِكَثْرَة الطّرق وَذَلِكَ بِأَن يضم الْمُسْتَخْرج شخصا آخر فَأكْثر مَعَ الَّذِي حدث مُصَنف الأَصْل عَنهُ وَرُبمَا سَاق لَهُ طرقا أُخْرَى إِلَى الصَّحَابِيّ بعد فَرَاغه من استخراجه كَمَا يصنع أَبُو عوَانَة وَمِنْهَا أَن يكون مُصَنف الصَّحِيح روى عَمَّن اخْتَلَط وَلم يبين هَل سَماع ذَلِك الحَدِيث فِي هَذِه الرِّوَايَة قبل الِاخْتِلَاط اَوْ بعده فيبينه الْمُسْتَخْرج إِمَّا تَصْرِيحًا

стр. 298

عبارَة ابْن الصّلاح وَأما الْمخْرج بِفَتْح الْمِيم فَهُوَ فِي الأَصْل بِمَعْنى مَكَان الْخُرُوج فأطبق على الْموضع الَّذِي ظهر مِنْهُ الحَدِيث وهم الروَاة الَّذين جَاءَ عَنْهُم وَأما التَّخْرِيج فيطلق على مَعْنيين أَحدهمَا إِيرَاد الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب أَو إملاء وَأكْثر مَا تقع هَذِه الْعبارَة للمغاربة وَالْأولَى أَن يَقُولُوا الْإِخْرَاج كَمَا يَقُوله غَيرهم الثَّانِي عزو الْأَحَادِيث إِلَى من أخرجهَا من الْأَئِمَّة وَمِنْه قيل خرج فلَان أَحَادِيث كتاب كَذَا وَفُلَان لَهُ كتاب فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْإِحْيَاء وَنَحْو ذَلِك حكم الزِّيَادَات الْوَاقِعَة فِي المستخرجات ذهب ابْن الصّلاح إِلَى أَن الزِّيَادَات الْوَاقِعَة فِي المستخرجات يحكم لَهَا بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهَا مروية بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا وخارجة من ذَلِك الْمخْرج وَاعْترض عَلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر فِي ذَلِك فَقَالَ هَذَا مُسلم فِي الرجل الَّذِي التقى فِيهِ إِسْنَاد الْمُسْتَخْرج وَإسْنَاد مُصَنف الأَصْل وفيمن بعده وَأما من بَين الْمُسْتَخْرج وَبَين ذَلِك الرجل فَيحْتَاج إِلَى نقد لِأَن الْمُسْتَخْرج لم يلْتَزم الصِّحَّة فِي ذَلِك وَإِنَّمَا جلّ قَصده الْعُلُوّ فَإِن حصل وَقع على غَرَضه فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك صَحِيحا أَو فِيهِ زِيَادَة فَزِيَادَة حسن حصلت اتِّفَاقًا وَإِلَّا فَلَيْسَ ذَلِك همته قَالَ وَقد وَقع ابْن الصّلاح هُنَا فِيمَا فر مِنْهُ وَهُوَ عدم التَّصْحِيح فِي هَذَا الزَّمَان لِأَنَّهُ أطبق تَصْحِيح هَذِه الزِّيَادَات ثمَّ عللها بتعليل أخص من دَعْوَاهُ وَهُوَ كَونهَا بذلك الْإِسْنَاد وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ من متلقي الْإِسْنَاد إِلَى منتهاه اهـ وَالْمرَاد بِالزِّيَادَةِ فِي كَلَام ابْن الصّلاح الزِّيَادَة الْوَاقِعَة فِي بعض الْمُتُون الْمَذْكُورَة فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا وَأما الزِّيَادَة المستقلة فَلَا تدخل تَحت ذَلِك الحكم على الْإِطْلَاق وَقد وَقع شَيْء مِنْهَا فِي مستخرج أبي عوَانَة على مُسلم قَالَ بعض أهل

стр. 299

الْأَثر قد وَقع فِي مستخرج أبي عوَانَة أَحَادِيث كَثِيرَة زَائِدَة على أَصله وفيهَا الصَّحِيح وَالْحسن بل والضعيف أَيْضا فَيَنْبَغِي التَّحَرُّز فِي الحكم عَلَيْهَا أَيْضا وَأما مَا وَقع فِيهِ وَفِي غَيره من المستخرجات على الصَّحِيحَيْنِ من زِيَادَة فِي أحاديثهما أَو تَتِمَّة لمَحْذُوف أَو نَحْو ذَلِك فَهِيَ صَحِيحَة لَكِن مَعَ وجود الصِّفَات المشترطة فِي الصَّحِيح فِيمَن بَين صَاحب الْمُسْتَخْرج والراوي الَّذِي اجْتمع فِيهِ هُوَ وَصَاحب الأَصْل وللحافظ السُّيُوطِيّ كَلَام مَبْسُوط يتَعَلَّق بِمَا نَحن فِيهِ فَأَحْبَبْت إِيرَاده إتماما للفائدة قَالَ فِي شرح ألفيته مُقْتَضى كَلَام ابْن الصّلاح أَن يُؤْخَذ جَمِيع مَا وجد فِي كتاب ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَغَيرهمَا مِمَّن اشْترط الصَّحِيح بِالتَّسْلِيمِ وَكَذَا مَا يُوجد فِي الْكتب المخرجة على الصَّحِيحَيْنِ وَفِي كل ذَلِك نظر من وَجْهَيْن أما الأول فَلِأَن ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان لم يلتزما ان يخرجَا الصَّحِيح الَّذِي اجْتمعت فِيهِ الشُّرُوط الَّتِي عرفهَا ابْن الصّلاح لِأَنَّهُمَا مِمَّن لَا يرى التَّفْرِقَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن وَقد صرح ابْن حبَان بِشَرْطِهِ وحاصلة أَن يكون الرَّاوِي عدلا مَشْهُورا بِالطَّلَبِ غير مُدَلّس سمع مِمَّن فَوْقه إِلَى أَن يَنْتَهِي فَإِن كَانَ يروي من حفظه فَلْيَكُن عَالما بِمَا يحِيل الْمَعْنى فَلم يشْتَرط الضَّبْط وَعدم الشذوذ وَالْعلَّة وَشرط ابْن خُزَيْمَة كَشَرط ابْن حبَان فَإِن ابْن حبَان تَابع لَهُ وناسخ على منواله وَمِمَّا يدل على ذَلِك احتجاجهما بِأَحَادِيث من يخرج لَهُم مُسلم فِي المتابعات فَلَا يُسمى صَحِيحه بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكره ابْن الصّلاح وَإِن كَانَت صَالِحَة للاحتجاج مَا لم يظْهر فِي بَعْضهَا عِلّة قادحة

стр. 300

وَأما الثَّانِي فَلِأَن كتاب أبي عوَانَة وغن سَمَّاهُ بَعضهم مستخرجا فَإِن لَهُ فِيهِ أَحَادِيث مُسْتَقلَّة زَائِدَة وَإِنَّمَا تحصل الزِّيَادَة فِي أثْنَاء بعض الْمُتُون وَالْحكم بِصِحَّتِهَا مُتَوَقف على أَحْوَال رُوَاته فَرب حَدِيث يُخرجهُ البُخَارِيّ من طَرِيق أَصْحَاب الزُّهْرِيّ مِمَّن لم يتَكَلَّم فِيهِ فاستخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ بِزِيَادَة فِيهِ وَذَلِكَ الآخر مِمَّن تكلم فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ وَلَا بِزِيَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يتَوَقَّف الحكم بِصِحَّة الزِّيَادَة على ثُبُوت الصِّفَات المشترطة فِي الصَّحِيح للرواة الَّذين بَين صَاحب الْمُسْتَخْرج وَبَين مَا اجْتمع فِيهِ كالأصل الَّذِي استخرج عَلَيْهِ اهـ تَنْبِيه قَالَ ابْن الصّلاح الْكتب المخرجة على كتاب البُخَارِيّ اَوْ كتاب مُسلم ﵄ لم يلْتَزم مصنفوها فِيهَا موافقتهما فِي أَلْفَاظ الحَدِيث بِعَينهَا من غير زِيَادَة ونقصان لكَوْنهم رووا تِلْكَ الْأَحَادِيث من غير جِهَة البُخَارِيّ وَمُسلم طلبا لعلو الْإِسْنَاد فَحصل فِيهَا بعض التَّفَاوُت فِي الْأَلْفَاظ وَهَكَذَا مَا أخرجه المؤلفون فِي تصانيفهم المستقلة كالسنن الْكُبْرَى للبيهقي وَشرح السّنة لأبي مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَغَيرهمَا مِمَّا قَالُوا فِيهِ أخرجه البُخَارِيّ أَو مُسلم فَلَا يُسْتَفَاد من ذَلِك أَكثر من أَن البُخَارِيّ أَو مُسلما أخرج أصل ذَلِك الحَدِيث مَعَ احْتِمَال أَن يكون بَينهمَا تفَاوت فِي اللَّفْظ وَرُبمَا كَانَ تَفَاوتا فِي بعض الْمَعْنى فقد وجدت فِي ذَلِك مَا فِيهِ بعض التَّفَاوُت من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي ذَلِك على هَذَا فَلَيْسَ لَك أَن تنقل حَدِيثا مِنْهَا وَتقول هُوَ على هَذَا الْوَجْه فِي كتاب البُخَارِيّ أَو كتاب مُسلم إِلَّا ان تقَابل لَفظه أَو يكون الَّذِي خرجه قد قَالَ أخرجه البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ بِخِلَاف الْكتب المختصرة من الصَّحِيحَيْنِ فَإِن مصنفها نقلوا فِيهَا أَلْفَاظ الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا غير أَن الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للحميدي الأندلسي مِنْهَا يشْتَمل على زِيَادَة تتمات لبَعض الْأَحَادِيث كَمَا قدمنَا ذكره فَرُبمَا نقل من لَا يُمَيّز بعض مَا يجده فِيهِ عَن الصَّحِيحَيْنِ اَوْ أَحدهمَا وَهُوَ مُخطئ لكَونه من تِلْكَ الزِّيَادَات الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ اهـ

стр. 301

وَقَالَ بعض الباحثين فِي هَذَا المر إِن الْحميدِي قد ميز فِي الْأَكْثَر تِلْكَ الزِّيَادَات من أَلْفَاظ الصَّحِيح فَإِنَّهُ يَقُول بعد سِيَاق الحَدِيث اقْتصر مِنْهُ البُخَارِيّ على كَذَا وَزَاد فِيهِ البرقاني مثلا كَذَا أَو نَحْو ذَلِك وَعدم التَّمْيِيز إِنَّمَا وَقع على الْأَقَل فَإِنَّهُ قد يَسُوق الحَدِيث نَاقِلا لَهُ من مستخرج البرقاني أَو غَيره ثمَّ يَقُول اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ فَأخْرج طرفا مِنْهُ وَلَا يبين الْقدر الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ فيلتبس الْأَمر على الْوَاقِف عَلَيْهِ وَلَا يَزُول عَنهُ اللّبْس إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى أَصله فارتفع عَنهُ الملام فِي الْأَكْثَر وَأما الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ لعبد الْحق فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِ بِأَلْفَاظ الصَّحِيحَيْنِ فلك أَن تنقل مِنْهُ وتعزو ذَلِك لِلصَّحِيحَيْنِ أَو لأَحَدهمَا وَقد تساهل فِي نِسْبَة الحَدِيث إِلَى الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا أَيْضا أَكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم والمرتبين على الْأَبْوَاب فَإِنَّهُم يوردون الحَدِيث بأسانيدهم ثمَّ يصرحون بعد انْتِهَاء سِيَاقه غَالِبا بعزوه إِلَى البُخَارِيّ اَوْ مُسلم أَو إِلَيْهِمَا مَعًا مَعَ اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ وَغَيرهَا يُرِيدُونَ أَصله فلينتبه لذَلِك هَذَا وَلابْن حزم مقَالَة فِي تَرْتِيب كتب الحَدِيث جرى فِيهَا على مَا ظهر لَهُ فِي ذَلِك ذكرهَا فِي كتاب مَرَاتِب الدّيانَة وَقد أورد السُّيُوطِيّ خلاصتها فِي كتاب التَّقْرِيب فَقَالَ وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ قَالَ أولى الْكتب الصحيحان ثمَّ صَحِيح سعد بن السكن والمنتقى لِابْنِ الْجَارُود والمنتقى لقاسم بن أصغ ثمَّ بعد هَذِه الْكتب أبي دَاوُد وَكتاب النَّسَائِيّ ومصنف قَاسم بن أصبغ ومصنف الطَّحَاوِيّ ومسند احْمَد وَالْبَزَّار وَأبي بكر وَعُثْمَان ابْني أبي شيبَة ومسند ابْن رَاهَوَيْه وَالطَّيَالِسِي وَالْحسن بن سُفْيَان والمستدرك

стр. 302

وَابْن سنجر وَيَعْقُوب بن شيبَة وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَابْن أبي عزْرَة وَمَا جرى مجْراهَا من الْكتب الَّتِي أفردت لكَلَام رَسُول الله ﷺ صرفا ثمَّ بعْدهَا الْكتب الَّتِي فِيهَا كَلَامه وكرم غَيره ثمَّ كَانَ فِيهِ الصَّحِيح فَهُوَ أجل مثل مُصَنف عبد الرَّزَّاق ومصنف ابْن أبي شيبَة ومصنف بَقِي بن مخلد وَكتاب مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي وَكتاب ابْن الْمُنْذر ثمَّ مُصَنف حَمَّاد بن سَلمَة ومصنف سعيد بن مَنْصُور ومصنف وَكِيع ومصنف الزريابي وموطأ مَالك وموطأ ابْن أبي ذِئْب وموطأ ابْن وهب ومسائل ابْن حَنْبَل وَفقه أبي عبيد وَفقه أبي ثَوْر وَمَا كَانَ من هَذَا النمط مَشْهُورا كَحَدِيث شُعْبَة وسُفْيَان وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ والْحميدِي وَابْن مهْدي ومسدد وَمَا جرى مجْراهَا فَهَذِهِ طبقَة موطأ مَالك بَعْضهَا أجمع للصحيح مِنْهُ وَبَعضهَا مثله وَبَعضهَا دونه وَلَقَد أحصيت مَا فِي حَدِيث شُعْبَة من الصَّحِيح فَوَجَدته ثَمَان مئة حَدِيث ونيفا مُسْنده ومرسلا يزِيد على المئتين وأحصيت مَا فِي موطأ مَالك وَمَا فِي حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَوجدت فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْمسند خمس ومئة ونيفا مُسْندًا وَثَلَاث مئة مُرْسلا ونيفا وَفِيه نَيف وَسَبْعُونَ حَدِيثا قد ترك مَالك نَفسه الْعَمَل بهَا وفيهَا أَحَادِيث ضَعِيفَة وهاها جُمْهُور الْعلمَاء اهـ وَقَالَ الْخَطِيب وَغَيره إِن الْمُوَطَّأ مقدم على كل كتاب من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد فعلى هَذَا هُوَ بعد صَحِيح الْحَاكِم وَهُوَ رِوَايَات كَثِيرَة وأكبرها رِوَايَة القعْنبِي وَقد روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك جماعات كَثِيرَة وَبَين رواياتهم اخْتِلَاف من تَقْدِيم وَتَأْخِير وَزِيَادَة ونقصان وَمن أكبرها وأكثرها زيادات رِوَايَة ابْن مُصعب قَالَ ابْن حزم فِي رِوَايَة ابْن مُصعب هَذَا زِيَادَة على سَائِر الموطآت نَحْو مئة حَدِيث

стр. 303

المبحث الثَّانِي فِي الحَدِيث الْحسن الحَدِيث بِالنّظرِ إِلَى الْوَاقِع وَنَفس الْأَمر يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ فَقَط صَحِيح وَغير صَحِيح فَالصَّحِيح هُوَ مَا ثبتَتْ صِحَة نسبته إِلَى النَّبِي ﵊ وَغير الصَّحِيح هُوَ مَا ثَبت عدم صِحَة نسبته إِلَيْهِ وَهُوَ بِالنّظرِ إِلَيْنَا يَنْقَسِم إِلَى أَكثر من ذَلِك وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يُمكن تقسيمه على أوجه شَتَّى مثل أَن يُقَال الحَدِيث إِمَّا أَن تعلم صِحَّته مثل الْمَشْهُور الَّذِي احتفت بِهِ قَرَائِن تفِيد الْعلم وغما أَن يعلم عدم صِحَّته مثل الموضوعات الَّتِي تخَالف مَا ثَبت بِدَلِيل قَطْعِيّ سَوَاء كَانَ نقليا أَو عقليا وَإِمَّا أَن لَا يعلم صِحَّته وَلَا عدم صِحَّته مثل الْأَحَادِيث الضعيفة وَنَحْوهَا وَمثل أَن يُقَال الحَدِيث إِمَّا أَن تترجح صِحَّته أَو يتَرَجَّح عدم صِحَّته أَو لَا يتَرَجَّح شَيْء مِنْهُمَا وَمثل أَن يُقَال الحَدِيث إِمَّا أَن تعلم صِحَّته أَو يغلب على الظَّن ذَلِك فِيهِ وَإِمَّا أَن يعلم عدم صِحَّته أَو يغلب على الظَّن ذَلِك فِيهِ وَإِمَّا أَن لَا يغلب على الظَّن شَيْء مِنْهُمَا بِحَيْثُ يبْقى الذِّهْن مترددا فِيهِ وَقد قسم كثير من الْمُتَقَدِّمين إِلَى قسمَيْنِ فَقَط صَحِيح وَضَعِيف وأدرجوا الْحسن فِي الصَّحِيح لمشاركته لَهُ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ

стр. 304

وقسمه الْخطابِيّ إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام وَذَلِكَ فِي معالم السّنَن حَيْثُ قَالَ الحَدِيث عِنْد أَهله ثَلَاثَة أَقسَام صَحِيح وَحسن وَسَقِيم فَالصَّحِيح مَا اتَّصل سَنَده وَعدلت نقلته وَالْحسن مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله وَعَلِيهِ مدَار أَكثر الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي يقبله أَكثر الْعلمَاء وتستعمله عَامَّة الْفُقَهَاء والسقيم على ثَلَاث طَبَقَات شَرها الْمَوْضُوع ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمَجْهُول قَالَ الْعِرَاقِيّ فِي نكته لم أر من سبق الْخطابِيّ إِلَى التَّقْسِيم الْمَذْكُور وَإِن كَانَ فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين ذكر الْحسن وَهُوَ مَوْجُود فِي كَلَام الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَجَمَاعَة وَلَكِن الْخطابِيّ نقل التَّقْسِيم عَن أهل الحَدِيث وَهُوَ إِمَام ثِقَة فَتَبِعَهُ ابْن الصّلاح

стр. 305

وَالْمرَاد بِأَهْل الحَدِيث هُنَا أَكْثَرهم وَيُمكن إبقاؤه على عُمُومه نظرا لاستقرار اتِّفَاقهم على ذَلِك بعد الِاخْتِلَاف وَاخْتلف فِي حد الْحسن فَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَده كل حَدِيث يرْوى لَا يكون فِي إِسْنَاده من يتهم بِالْكَذِبِ وَلَا يكون الحَدِيث شاذا ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن ذكر ذَلِك فِي كتاب الْعِلَل وَهُوَ فِي آخر جَامعه وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يخص الْحسن بِصفة تميزه عَن الصَّحِيح فَإِن الصَّحِيح أَيْضا لَا يكون شاذا وَلَا تكون رُوَاته متهمين وَيبقى عَلَيْهِ أَنه اشْترط فِي الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي الصَّحِيح وَأجِيب بِأَن التِّرْمِذِيّ قد ميز الْحسن عَن الصَّحِيح بشيئين أَحدهمَا كَون رَاوِيه قاصرا عَن دَرَجَة رَاوِي الصَّحِيح وَهُوَ ان يكون غير مُتَّهم بِالْكَذِبِ وراوي الصَّحِيح لَا بُد أَن يكون ثِقَة وَفرق بَين قَوْلنَا فلَان غير مُتَّهم بِالْكَذِبِ وَبَين قَوْلنَا ثِقَة الثَّانِي مَجِيئه من غير وَجه وَقَالَ الْخطابِيّ فِي حَده الْحسن مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَته تَلْخِيص مُهِمّ وَأَيْضًا فَالصَّحِيح قد عرف مخرجه واشتهر رِجَاله فَيَقْتَضِي أَن يدْخل فِي حد الْحسن وَكَأَنَّهُ يُرِيد مِمَّا لم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْله فِي أَثَره وَعَلِيهِ مدَار أَكثر الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي يقبله أَكثر الْعلمَاء ويستعمله عَامَّة الْفُقَهَاء هُوَ من تَتِمَّة الْحَد وَبِذَلِك يخرج الصَّحِيح

стр. 306

الَّذِي دخل فِيمَا قبله فَإِن الصَّحِيح يقبله جَمِيع الْعلمَاء بِخِلَاف الْحسن فَإِن بَعضهم لَا يقبله رُوِيَ عَن ابْن أبي حَاتِم أَنه قَالَ سَأَلت أبي عَن حَدِيث فَقَالَ إِسْنَاد حسن فَقلت يحْتَج لَهُ قَالَ لَا وَقد حاول بَعضهم أَن يَجْعَل حد الْخطابِيّ مُوَافقا لحد التِّرْمِذِيّ فَقَالَ قَول الْخطابِيّ مَا عرف مخرجه هُوَ كَقَوْل التِّرْمِذِيّ ويروى من غير وَجه وَقَول الْخطابِيّ اشْتهر رِجَاله يَعْنِي بالسلامة من وصمة الْكَذِب هُوَ كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَلَا يكون فِي إِسْنَاده من يتهم بِالْكَذِبِ وَأما قَول التِّرْمِذِيّ وَلَا يكون شاذا فَهُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ فِي عبارَة الْخطابِيّ لِأَن عرفان الْمخْرج يُنَافِي الشذوذ وَقَالَ بَعضهم إِن عرفان الْمخْرج لَا يُنَافِي الشذوذ لِأَن الشاذ قد أبرز فِيهِ جَمِيع رِجَاله قد عرف فِيهِ مخرج الحَدِيث ذ لَا يدرى من سقط وَلَا يخفى مَا فِي تطبيق أحد الحدين عَن الآخر من التَّكَلُّف لَا سِيمَا بعد أَن تبين أَن التِّرْمِذِيّ قد حد أحد قسمي الْحسن وَهُوَ الْحسن لغيره والخطابي قد حد الْقسم الآخر وَهُوَ الْحسن لذاته وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي حَده مَا فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل هُوَ الحَدِيث الْحسن وَيصْلح الْبناء عَلَيْهِ وَالْعَمَل بِهِ وَاعْترض على هَذَا الْحَد بِأَنَّهُ لَيْسَ مضبوطا بضابط يتَمَيَّز بِهِ الْقدر الْمُحْتَمل من غَيره وَقَالَ بَعضهم مَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ مَبْنِيّ على ان معرفَة الْحسن مَوْقُوفَة على معرفَة الصَّحِيح والضعيف لِأَن الْحسن وسط بَينهمَا

стр. 307

وَقَالَ بَعضهم لما توَسط الْحسن بَين الصَّحِيح والضعيف عسر تَعْرِيفه وَصَارَ مَا ينقدح فِي نفس الْحَافِظ قد تقصر عِبَارَته عَنهُ وَقَالَ بَعضهم إِنَّه لَا مطمع فِي تَمْيِيز الْحسن من غَيره تمييزا يشفي الغليل غير أَن من برع فِي هَذَا الْفَنّ يُمكنهُ أَن يقرب على الطَّالِب مطلبه وَقد اعتنى ابْن الصّلاح بإيضاح حد الْحسن بِقدر الِاسْتِطَاعَة فَقَالَ بعد أَن أورد الْحُدُود الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة هُنَا قلت كل هَذَا مستبهم لَا يشفي الغليل وَلَيْسَ فِيمَا ذكره التِّرْمِذِيّ والخطابي مَا يفصل الْحسن من الصَّحِيح وَقد أمعنت النّظر فِي ذَلِك والبحث جَامعا بَين أَطْرَاف كَلَامهم ملاحظا مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح ان الحَدِيث الْحسن قِسْمَانِ أَحدهمَا الَّذِي لَا يَخْلُو رجال إِسْنَاده من مَسْتُور لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته غير أَنه لَيْسَ مغفلا كثير الْخَطَأ فِيمَا يرويهِ وَلَا هُوَ مُتَّهم بِالْكَذِبِ فِي الحَدِيث أَي لم يظْهر مِنْهُ تعمد الْكَذِب فِي الحَدِيث وَلَا سَبَب آخر مفسق وَيكون متن الحَدِيث مَعَ ذَلِك قد عرف بِأَن رُوِيَ مثله أَو نَحوه من وَجه آخر أَو اكثر حَتَّى اعتضد بمتابعة من تَابع رَاوِيه على مثله أَو بِمَا لَهُ من شَاهد وَهُوَ وُرُود حَدِيث آخر بِنَحْوِهِ فَيخرج بذلك عَن أَن يكون شاذا أَو مُنْكرا وَكَلَام التِّرْمِذِيّ على هَذَا الْقسم يتنزل الْقسم الثَّانِي أَن يكون رَاوِيه من الْمَشْهُورين بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة غير انه لم يبلغ دَرَجَة رجال الصَّحِيح لكَونه يقصر عَنْهُم فِي الْحِفْظ والإتقان وَهُوَ مَعَ ذَلِك يرْتَفع عَن حَال من يعد مَا ينْفَرد بِهِ من حَدِيثه مُنْكرا وَيعْتَبر فِي كل هَذَا مَعَ سَلامَة الحَدِيث من ان يكون شاذا أَو مُنْكرا سَلَامَته من أَن يكون مُعَللا وعَلى هَذَا الْقسم يتنزل كَلَام الْخطابِيّ فَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ جَامع لما تفرق فِي كَلَام من بلغنَا كَلَامه فِي ذَلِك وَكَانَ التِّرْمِذِيّ ذكر أحد نَوْعي الْحسن وَذكر الْخطابِيّ النَّوْع الآخر مُقْتَصرا كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا رأى أَنه يشكل معرضًا عَمَّا رأى أَنه لَا يشكل أَو انه غفل عَن الْبَعْض

стр. 308

وَذهل وَالله اعْلَم هَذَا تأصيل ذَلِك وتوضيحه اهـ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جعل الْحسن عِنْد التِّرْمِذِيّ مَقْصُورا على رِوَايَة المستور وَلَيْسَ كَذَلِك بل يشْتَرك مَعَه الضَّعِيف بِسَبَب سوء الْحِفْظ والموصوف بالغلط وَالْخَطَأ والمختلط بعد اخْتِلَاطه والمدلس إِذا عنعن وَمَا فِي إِسْنَاده انْقِطَاع ضَعِيف فأحاديث هَؤُلَاءِ من قبيل الْحسن عِنْده إِذا وجدت الشُّرُوط الثَّلَاثَة وَهِي أَن لَا يكون فِي الْإِسْنَاد من يتهم بِالْكَذِبِ وَأَن لَا يكون الحَدِيث شاذا وَأَن يرْوى مثل ذَلِك أَو نَحوه من وَجه آخر فَصَاعِدا وَلَيْسَت كلهَا فِي دَرَجَة وَاحِدَة بل بَعْضهَا أقوى من بعض وَمِمَّا يُقَوي هَذَا أَنه لم يتَعَرَّض لاشْتِرَاط اتِّصَال الْإِسْنَاد وَلذَا وصف كثيرا من الْأَحَادِيث المنقطعة بالْحسنِ وَأما قَوْله وَكَانَ التِّرْمِذِيّ ذكر أحد نَوْعي الْحسن وَذكر الْخطابِيّ الآخر مُقْتَصرا كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا رأى أَنه يشكل معرضًا عَمَّا رأى أَنه لَا يشكل أَو انه غفل عَن الْبَعْض وَذهل فَقَالَ بَعضهم فِيهِ إِن الْخطابِيّ لَا يُطلق اسْم الْحسن إِلَّا على النَّوْع الَّذِي ذكره وَهُوَ النَّوْع الَّذِي يُسَمِّيه من يَجْعَل الْحسن قسمَيْنِ باسم الْحسن لذاته وَأما النَّوْع الَّذِي تَركه وَهُوَ الَّذِي يُسمى عِنْدهم بالْحسنِ لغيره فَهُوَ من قبيل الضَّعِيف عِنْده فَتَركه لذَلِك لَا لما ذكر وَيظْهر أَن التِّرْمِذِيّ أَيْضا إِذا أطلق اسْم الْحسن فَإِنَّمَا يُرِيد بِهِ النَّوْع الَّذِي ذكره وَهُوَ الَّذِي يُسمى عِنْدهم بالْحسنِ لغيره وَأما النَّوْع الَّذِي تَركه فَهُوَ عِنْده من قبيل الصَّحِيح فَتَركه أَيْضا لذَلِك لَا لما ذكر وَهَذَا لَا يُنَافِي إِطْلَاق اسْم الْحسن على هَذَا النَّوْع إِذا وجدت قرينَة تدل على ذَلِك وَأما قَول بَعضهم إِن التِّرْمِذِيّ قد صحّح جملَة من الْأَحَادِيث لَا ترقى عَن رُتْبَة الْحسن مَعَ انه مِمَّن يفرق بَين الصَّحِيح وَالْحسن فَإِن فِيهِ إبهاما فَإِن أَرَادَ أَنه حكم بِصِحَّة أَحَادِيث هِيَ فِي رُتْبَة الْحسن لغيره فالاعتراض عَلَيْهِ وَارِد وَإِن أَرَادَ أَنه حكم

стр. 309

بِصِحَّة أَحَادِيث هِيَ فِي رُتْبَة الْحسن لذاته فالاعتراض عَلَيْهِ غير وَارِد فَإِن كثيرا من الْمُحدثين يدْخلهُ فِي الصَّحِيح ويجعله فِي أدنى مراتبه وَلذَا قَالُوا إِن من سمى الْحسن صَحِيحا لَا يُنكر أَنه دون الصَّحِيح الْمُقدم الْمُبين أَولا فَهَذَا إِذا اخْتِلَاف فِي الْعبارَة دون الْمَعْنى وَلذَا يبين من إمعان النّظر فِي هَذِه وتتبع مواردها أَن الْمُحدثين الَّذين رَأَوْا أَنه يَنْبَغِي أَن يَجْعَل بَين الصَّحِيح والضعيف وَاسِطَة عمد بَعضهم إِلَى قسم من أَقسَام الصَّحِيح وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي فِيهِ شَيْء من الضعْف فأنزله دَرَجَة وَجعله وَاسِطَة بَينهمَا وَسَماهُ بالْحسنِ فَتقبل المتبعون لآثارهم لذَلِك بِقبُول حسن فَجعلُوا اسْم الْحسن شَامِلًا للنوعين مَعًا غير أَنهم رَأَوْا أَن يفرقُوا بَينهمَا للاحتياج إِلَى ذَلِك فسموا الْقسم الَّذِي كَانَ مدرجا فِي الضَّعِيف باسم الْحسن لغيره وَقد حاول محاولون أَن يحدوا الْحسن مُطلقًا مَعَ اخْتِلَاف أَمرهمَا فَقَالَ بَعضهم الْحسن هُوَ الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده بالصدوق الضَّابِط الَّذِي لَيْسَ بتام الضَّبْط أَو بالضعيف الَّذِي لم يتهم بِالْكَذِبِ إِذا عضد عاضد مَعَ السَّلامَة من الشذوذ وَالْعلَّة وَقَالَ بَعضهم الْحسن مَا خلا من الْعِلَل وَكَانَ فِي سَنَده الْمُتَّصِل إِمَّا راو مَسْتُور لَهُ بِهِ شَاهد أَو راو مَشْهُور قَاصِر عَن كَمَال الإتقان وَقَالَ بَعضهم الْحسن مُسْند من قرب من دَرَجَة الثِّقَة أَو مُرْسل ثِقَة رُوِيَ من غير وَجه وَسلم من شذوذ وَعلة وَأما الْحسن لذاته فقد عرفه بَعضهم فَقَالَ هُوَ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ عِلّة وَلَا

стр. 310

شذوذ إِذا اتَّصل إِسْنَاده برواة معروفين بِالْعَدَالَةِ والضبط غير أَن فِي ضبطهم قصورا عَن ضبط رُوَاة الصَّحِيح فَجعله هُوَ وَالصَّحِيح سَوَاء إِلَّا فِي تفَاوت الضَّبْط فراوي الصَّحِيح يشْتَرط أَن يكون مَوْصُوفا بالضبط التَّام وراوي الْحسن لَا يشْتَرط أَن يكون ضابطا فِي الْجُمْلَة بِحَيْثُ لَا يكون مغفلا وَلَا كثير الْخَطَأ وَأما سَائِر شُرُوط الصَّحِيح فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهَا فِي الْحسن لذاته وَقد وجد فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين إِطْلَاق الْحسن على مَا ذكر وعَلى غَيره قَالَ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي حَدِيثه مُنكر وعامته حسان إِلَّا أَنه لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَقيل لشعبة لأي شَيْء لَا تروي عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان الْعَزْرَمِي وَهُوَ حسن الحَدِيث فَقَالَ من حسنه فَرَرْت وكأنهما أَرَادَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَهُوَ حسن الْمَتْن وَرُبمَا أطلق على الْغَرِيب قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِذا اجْتَمعُوا كَرهُوا أَن يخرج الرجل حسان أَحَادِيثه قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِنَّه عَنى الغرائب وَوجد للشَّافِعِيّ إِطْلَاقه فِي الْمُتَّفق على صِحَّته وَلابْن الْمَدِينِيّ فِي الْحسن لذاته وللبخاري فِي الْحسن لغيره وَبِالْجُمْلَةِ فَالتِّرْمِذِي هُوَ الَّذِي أَكثر من التَّعْبِير بالْحسنِ ونوه بِذكرِهِ وَلَكِن حَيْثُ ثَبت اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِي مَعْنَاهُ حِين إِطْلَاقه فَلَا يسوغ إِطْلَاق القَوْل بالاحتجاج بِهِ بل لَا بُد من النّظر فِي ذَلِك فَمَا كَانَ مِنْهُ منطبقا على الْحسن لذاته سَاغَ الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ منطبقا على الْحسن لغيره ينظر فِيهِ فَمَا كثرت طرقه يسوغ الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا لَا فَلَا

стр. 311

فَوَائِد تتَعَلَّق بمبحث الحَدِيث الْحسن الْفَائِدَة الأولى فِي أَن بعض الْأَحَادِيث قد يعرض لَهَا من الْأَحْوَال مَا يرفعها من درجتها إِلَى الدرجَة الَّتِي هِيَ فَوْقهَا قد يعرض لبَعض الْأَحَادِيث أَحْوَال تورثها قُوَّة وَبِذَلِك قد يرْتَفع الضَّعِيف من دَرَجَته إِلَى دَرَجَة الْحسن وَقد يرْتَفع الْحسن من دَرَجَته إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح وَلَيْسَ هَذَا الحكم خَاصّا بالضعيف وَالْحسن بل يَشْمَل الصَّحِيح أَيْضا بِاعْتِبَار تنوع درجاته إِلَّا أَن بحثنا الْآن إِنَّمَا يتَعَلَّق بهما فَقَط فَنَقُول إِن الحَدِيث الضَّعِيف قد يكون ضعفه مُمكن الزَّوَال وَقد يكون غير مُمكن الزَّوَال فَإِن كَانَ مُمكن الزَّوَال وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ الضعْف ناشئا من ضعف حفظ بعض رُوَاته مَعَ كَونه من أهل الصدْق والديانة فَإِذا جَاءَ مَا رَوَاهُ من وَجه آخر عرفنَا أَنه قد حفظه وَلم يخْتل فِيهِ ضَبطه فيرتفع بذلك من دَرَجَة الضَّعِيف إِلَى دَرَجَة الْحسن وَمثل ذَلِك مَا إِذا كَانَ ضعفه ناشئا من جِهَة الْإِرْسَال كَمَا فِي الْمُرْسل الَّذِي يُرْسِلهُ إِمَام حَافظ فَإِن ضعفه يَزُول بروايته من وَجه خر فيرتفع بذلك من دَرَجَة الضَّعِيف إِلَى دَرَجَة الْحسن وَمثل الْإِرْسَال التَّدْلِيس أَو جَهَالَة بعض الرِّجَال وَإِن كَانَ ضعفه غير مُمكن الزَّوَال كالضعف ينشأ من كَون الرَّاوِي مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ أَو كَون الحَدِيث شاذا فَإِن ضعفه لَا يَزُول بروايته من وَجه آخر فَلَا يرْتَفع بذلك من دَرَجَة الضَّعِيف إِلَى دَرَجَة الْحسن كَحَدِيث من حفظ على أمتِي

стр. 312

أَرْبَعِينَ حَدِيثا بَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرة الْفُقَهَاء فقد اتَّفقُوا على ضعفه مَعَ كَثْرَة طرقه قَالَ بعض الْحفاظ إِن هَذَا النَّوْع قد تكْثر فِيهِ الطّرق وغن كَانَت قَاصِرَة عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار حَتَّى يرتقي عَن رُتْبَة الْمُنكر الَّذِي لَا يجوز الْعَمَل بِهِ بِحَال إِلَى رُتْبَة الضَّعِيف الَّذِي يجوز الْعَمَل بِهِ فِي الْفَضَائِل وَرُبمَا صَارَت تِلْكَ الطّرق الْوَاهِيَة بِمَنْزِلَة الطَّرِيق الَّتِي فِيهَا ضعف يسير بِحَيْثُ لَو فرض مَجِيء ذَلِك الحَدِيث بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف يسير صَار مرتقيا من رُتْبَة الضَّعِيف إِلَى رُتْبَة الْحسن لغيره وكما قد يرتقي بعض الْأَحَادِيث من دَرَجَة الضَّعِيف إِلَى الْحسن قد يرتقي يعضها من دَرَجَة الْحسن إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح وَذَلِكَ فِي الْحسن لذاته فَإنَّك قد عرفت انه هُوَ وَالصَّحِيح سَوَاء لَا فرق بَينهمَا إِلَّا فِي أَمر وَاحِد وَهُوَ الضَّبْط فَإِن رُوَاته لَا يشْتَرط فيهم أَن يبلغُوا فِي الضَّبْط الدرجَة المشترطة فِي رُوَاة الصَّحِيح فَإِذا جَاءَ الحَدِيث الْحسن لذاته من وَجه آخر انجبر مَا فِيهِ من خفَّة الضَّبْط فيرتقي بذلك من دَرَجَته وَهِي الدرجَة الأولى من قسمي الْحسن إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح وَهِي الدرجَة الْأَخِيرَة مِنْهُ وَيُسمى هَذَا النَّوْع بِالصَّحِيحِ لغيره وَهَذَا النَّوْع غير دَاخل فِي حد الصَّحِيح الَّذِي سبق ذكره وَلذَا قَالَ بَعضهم وَأورد على هَذَا التَّعْرِيف أَن الْحسن إِذا رُوِيَ من غير وَجه ارْتقى من دَرَجَة الْحسن إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَهُوَ غير دَاخل فِي هَذَا الْحَد وَأجَاب بَان الْمَحْدُود هُوَ الصَّحِيح لذاته لَا لغيره وَمَا أورد من قبيل الثَّانِي وَاعْترض على ابْن الصّلاح بِأَنَّهُ اعتنى بالْحسنِ فَجعله قسمَيْنِ أَحدهمَا الْحسن لذاته وَالْآخر الْحسن لغيره فَكَانَ يَنْبَغِي ان يعتني بِالصَّحِيحِ وينبه على ان لَهُ قسمَيْنِ

стр. 313

أَيْضا أَحدهمَا الصَّحِيح لذاته وَالْآخر الصَّحِيح لغيره فَإِن كَانَ اقْتِصَاره على تَعْرِيف الصَّحِيح لذاته فِي بَابه وَذكر الصَّحِيح لغيره فِي نوع الْحسن مَبْنِيا على أَنه أَصله فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على تَعْرِيف الْحسن لذاته فِي بَابه ويكر الْحسن لغيره فِي نوع الضَّعِيف لِأَنَّهُ أَصله وَلَا يخفى أَن الْخطب فِي هَذَا الْأَمر سهل وَقد كثر اعْتِرَاض أنَاس على ابْن الصّلاح من جِهَة تَرْتِيب كِتَابه فَإِنَّهُم قَالُوا إِنَّه لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي وَفِي هَذَا الِاعْتِرَاض نظر فَإِن كِتَابه أملاه شَيْئا بعد شَيْء قَاصِدا بذلك أَن يجمع فِي كِتَابه مَا أمكنه جمعه من مسَائِل هَذَا الْفَنّ الَّتِي كَانَت مفرقة فِي كتب شَتَّى فَهُوَ أول من جمعه فِي كتاب وَاحِد حَتَّى صَار سهل المنال بعد أَن كَانَ لَا يحصله إِلَّا أَفْرَاد من أَرْبَاب الهمم الْعَالِيَة الَّذين لَهُم بِهِ ولوع شَدِيد حَتَّى لم يمنعهُم تَفْرِقَة من ان يجمعوه فِي صُدُورهمْ وَمثله لَا يَتَيَسَّر لَهُ حسن التَّرْتِيب لِأَن ذَلِك يعوقه عَن إتْمَام الْجمع والتأليف وَأمر التَّرْتِيب بعد ذَلِك سهل يقدر على الْقيام بِهِ من هُوَ أدنى مِنْهُ بمراتب وَهَذَا أَمر مُقَرر مَعْرُوف على أَن هَؤُلَاءِ المعترضين فيهم كثير من أَرْبَاب الْفضل والنبل فَكَانَ حَقهم أَن يقومُوا بِهَذَا الْأَمر المهم ويكتفوا مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى بقيامه الَّذِي هُوَ أهم على ان كِتَابه مُرَتّب فِي الْجُمْلَة بِحَيْثُ إِنَّه لَيْسَ فِيهِ تشويش من الاستفادة والإفادة وَذَلِكَ مَعَ انسجام عِبَارَته ولطف إِشَارَته نعم ذكر أَشْيَاء فِي مَوَاضِع رُبمَا كَانَ غَيرهَا أَشد مُنَاسبَة مِنْهَا إِلَّا أَن ذَلِك قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وعَلى كل حَال فالمعترضون معترفون بفضله وتقدمه فِي ذَلِك وَكَثِيرًا مَا يكون الِاعْتِرَاض دَلِيلا على علو مقَام الْمُعْتَرض عَلَيْهِ أجزل الله لَهُم جَمِيعًا الثَّوَاب وَالْأَجْر وَأبقى لَهُم فِي الْعَالمين حسن الذّكر

стр. 314

الْفَائِدَة الثَّانِيَة فِي بَيَان الْكتب الَّتِي يَهْتَدِي بهَا إِلَى معرفَة الحَدِيث الْحسن قَالَ ابْن الصّلاح كتاب أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ أصل فِي معرفَة الحَدِيث الْحسن وَهُوَ الَّذِي نوه باسمه وَأكْثر من ذكره فِي جَامعه وَيُوجد فِي متفرقات من كَلَام بعض مشايخه والطبقة الَّتِي قبله كأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا وتختلف النّسخ من كتاب التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله هَذَا حَدِيث حسن وَهَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَنَحْو ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن تصحح أصلك مِنْهُ بِجَمَاعَة أصُول وتعتمد على مَا اتّفقت عَلَيْهِ وَنَصّ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه على كثير من ذَلِك وَمن مظانه سنَن أبي دَاوُد فقد روينَا انه قَالَ ذكرت فِيهِ الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ وَمَا يُقَارِبه وروينا عَنهُ أَيْضا مَا مَعْنَاهُ أَنه يذكر فِي كل بَاب أصح مَا عرفه فِي ذَلِك الْبَاب وَقَالَ مَا كَانَ فِي كتابي حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد فقد بَينته وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض قلت فعلى هَذَا مَا وجدنَا فِي كِتَابه مَذْكُورا مُطلقًا وَلَيْسَ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ وَلَا نَص على صِحَّته أحد مِمَّن يُمَيّز بَين الصَّحِيح وَالْحسن عرفنَا أَنه من الْحسن عِنْد أبي دَاوُد وَقد يكون فِي ذَلِك مَا لَيْسَ بِحسن عِنْد غَيره وَلَا مندرج فِيمَا حققنا ضبط

стр. 315

الْحسن بِهِ على مَا سبق إِذْ حكى أَبُو عبد الله بن مَنْدَه الْحَافِظ أَنه سمع مُحَمَّد بن سعد البارودي بِمصْر يَقُول كَانَ من مَذْهَب أبي عبد الرَّحْمَن عَن كل من لم يجمع على تَركه وَقَالَ ابْن مَنْدَه وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي يَأْخُذ مأخذه وَيخرج الْإِسْنَاد الضَّعِيف إِذا لم يجد فِي الْبَاب غَيره لِأَنَّهُ أقوى عِنْده من رَأْي الرِّجَال اهـ وَقد تعقب الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي كَلَام ابْن الصّلاح فِي شَأْن سنَن أبي دَاوُد فَقَالَ فِيمَا كتبه على التِّرْمِذِيّ لم يرسم أَبُو دَاوُد شَيْئا بالْحسنِ وَعَمله فِي ذَلِك شَبيه بِعَمَل مُسلم الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يحمل كَلَامه على غَيره أَنه اجْتنب الضَّعِيف الواهي وأتى بالقسمين الأول وَالثَّانِي وَحَدِيث من مثل بِهِ من الروَاة مَوْجُود فِي كِتَابه دون الْقسم الثَّالِث قَالَ فَهَلا ألزم الشَّيْخ أَبُو عَمْرو مُسلما من ذَلِك مَا ألزم بِهِ أَبَا دَاوُد فَمَعْنَى كَلَامهمَا وَاحِد وَقَول أبي دَاوُد وَمَا يُشبههُ يَعْنِي فِي الصِّحَّة وَمَا يُقَارِبه يَعْنِي فِيهَا أَيْضا هُوَ نَحْو قَول مُسلم لَيْسَ كل الصَّحِيح نجده عِنْد مَالك وَشعْبَة وسُفْيَان فَاحْتَاجَ أَن ينزل إِلَى مثل لَيْث بن أبي سليم وَعَطَاء بن السَّائِب وَيزِيد بن أبي زِيَاد لما يَشْمَل الْكل من اسْم الْعَدَالَة والصدق وَإِن تفاوتوا فِي الْحِفْظ والإتقان وَلَا فرق بَين الطَّرِيقَيْنِ غير أَن مُسلما شَرط الصَّحِيح فتحرج من حَدِيث الطَّبَقَة الثَّالِثَة يَعْنِي الضَّعِيف وَأَبُو دَاوُد لم يَشْتَرِطه فَذكر مَا يشْتَد وهنه عِنْده وَالْتزم الْبَيَان عَنهُ

стр. 316

قَالَ وَفِي قَول أبي دَاوُد إِن بَعْضهَا أصح من بعض مَا يُشِير إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا من الصِّحَّة وَإِن تفاوتت فِيهِ لما تَقْتَضِيه صِيغَة أفعل فِي الْأَكْثَر اهـ وَقد امتعض أنَاس من هَذِه الْعبارَة لإشعارها بِأَن سنَن أبي دَاوُد بِمَنْزِلَة صَحِيح مُسلم فَإِن كلا مِنْهُمَا ذكر الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ وَمَا يُقَارِبه غير أَن مُسلما الْتزم أَن لَا يذكر الحَدِيث الضَّعِيف فِي كِتَابه وَأَبُو دَاوُد ذكره مَعَ بَيَان ضعفه فارتفع الْمَحْذُور من ذكر الضَّعِيف فِي كِتَابه فهما عِنْد إمعان النّظر فِي منزلَة وَاحِدَة بل رُبمَا عد ذكره الضَّعِيف مَعَ الْبَيَان من المزايا الَّتِي رُبمَا قَضَت برجحانه فَإِن معرفَة الضَّعِيف الضَّعِيف من المطالب المهمة وَهَذَا مِمَّا لم يخْطر فِي بَال أحد من عُلَمَاء الْأَثر فالبون بَينهمَا بعيد على أَن فِي سنَن أبي دَاوُد كثيرا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا انْقِطَاع أَو إرْسَال

стр. 317

أَو رِوَايَة عَن مَجْهُول كَرجل وَشَيخ مَعَ انه لم يشر إِلَى ضعفها وَإِن أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لم يتَعَرَّض لبَيَان الضعْف فِي هَذَا النَّوْع لظُهُوره وَقد نقل بَعضهم عَن بعض أهل الْأَثر أَنه قَالَ هُوَ تعقب واه جدا لَا يُسَاوِي سَمَاعه ثمَّ قَالَ وَهُوَ كَذَلِك لتَضَمّنه أحد شَيْئَيْنِ وُقُوع غير الصَّحِيح فِي مُسلم أَو تَصْحِيح كل مَا سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَقد أُجِيب عَن اعْتِرَاض ابْن سيد النَّاس بِأَن مُسلما الْتزم الصِّحَّة فِي كِتَابه فَلَيْسَ لنا ان نحكم على حَدِيث خرجه فِيهِ بِأَنَّهُ حسن عِنْده لما عرف من قُصُور الْحسن عَن الصَّحِيح وَأَبُو دَاوُد قَالَ إِن مَا سكت عَنهُ فَهُوَ صَالح والصالح يجوز أَن يكون صَحِيحا وَيجوز أَن يكون حسنا فالاحتياط أَن يحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ وَثمّ أجوبة أُخْرَى مِنْهَا ان العلمين إِنَّمَا تشابها فِي أَن كلا أَتَى بِثَلَاثَة أَقسَام لَكِنَّهَا فِي سنَن أبي دَاوُد رَاجِعَة إِلَى متون الْأَحَادِيث وَفِي مُسلم إِلَى رِجَاله وَلَيْسَ بَين ضعف الرجل وَصِحَّة حَدِيثه مُنَافَاة وَمِنْهَا أَن أَبَا دَاوُد قَالَ إِن مَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَينته ففهم أَن ثمَّ شَيْئا فِيهَا وَهن غير شَدِيد لم يلْتَزم بَيَانه وَمِنْهَا أَن مُسلما إِنَّمَا يروي عَن الطَّبَقَة الثَّالِثَة فِي المتابعات لينجبر الْقُصُور الَّذِي فِي رِوَايَة من هُوَ فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة ثمَّ إِنَّه يقل من حَدِيثهمْ جدا بِخِلَاف أبي دَاوُد فَإِنَّهُ يخرج هَؤُلَاءِ فِي الْأُصُول مَعَ الْإِكْثَار مِنْهَا والاحتجاج بهَا فَلذَلِك نزلت دَرَجَة كِتَابه عَن دَرَجَة كتاب مُسلم وَقَالَ الْعَلامَة أَبُو بكر مُحَمَّد بن رشيد الأندلسي السبتي فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن سيد النَّاس لَيْسَ يلْزم من كَون الحَدِيث لم ينص عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد بِضعْف وَلَا نَص عَلَيْهِ غَيره بِصِحَّة أَن يكون الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد حسنا إِذْ د يكون عِنْده صَحِيحا وَإِن لم يكن عِنْد غَيره كَذَلِك قَالَ الْعِرَاقِيّ وَقد يُجَاب عَن اعْتِرَاض ابْن رشيد بِأَن البن الصّلاح إِنَّمَا ذكر

стр. 318

مَا لنا أَن نَعْرِف بِهِ الحَدِيث عِنْده وَالِاحْتِيَاط أَن لَا نرتفع بِهِ إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَإِن جَازَ أَن يبلغهَا عِنْد أبي دَاوُد لِأَن عِبَارَته فَهُوَ صَالح أَي للاحتجاج بِهِ فَإِن كَانَ أَبُو دَاوُد يرى الْحسن رُتْبَة بَين الصَّحِيح والضعيف فالاحتياط مَا قَالَه ابْن الصّلاح وغن كَانَ رَأْيه كالمتقدمين فِي انقسام الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَضَعِيف فالاحتياط أَن يُقَال صَالح كَمَا عبر هُوَ بِهِ اهـ وَقد توهم بَعضهم من عبارَة الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ الْوَاقِعَة فِي خطْبَة كتاب التَّرْغِيب والترهيب أَنه ينْسب إِلَى أبي دَاوُد تَسْمِيَة مَا سكت عَنهُ حسنا وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن هَذَا غير مَعْرُوف وَالْمَعْرُوف عَنهُ تَسْمِيَته صَالحا وَقد نَظرنَا فِي عِبَارَته فَإِذا هِيَ لَا تدل على ذَلِك وَهِي وانبه على كثير مِمَّا حضرني حَال الْإِمْلَاء مِمَّا تساهل أَبُو دَاوُد فِي السُّكُوت عَن تَضْعِيفه أَو التِّرْمِذِيّ فِي تحسينه أَو ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي تَصْحِيحه لَا انتقادا عَلَيْهِم ﵃ بل مقياسا لمتبصر فِي نظائرها من هَذَا الْكتاب وكل حَدِيث عزوته إِلَى أبي دَاوُد وَسكت عَنهُ فَهُوَ كَمَا ذكر أَبُو دَاوُد وَلَا ينزل عَن دَرَجَة الْحسن وَقد يكون على شَرط الصَّحِيحَيْنِ اهـ فَقَوله فَهُوَ كَمَا ذكر أَبُو دَاوُد يُرِيد أَنه صَالح ثمَّ بَين أَن الصَّالح لَا ينزل عَن دَرَجَة الْحسن وَقد يرْتَفع إِلَى دَرَجَة مَا يكون على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَكَلَام أبي دَاوُد فِيمَا يتَعَلَّق بكتابه مَأْخُوذ من رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة وَقد وقفت على ملخصها فَرَأَيْت أَن أورد مِنْهُ شَيْئا قَالَ إِنَّكُم سَأَلْتُمُونِي أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب السّنَن أَهِي أصح مَا عرفت فِي الْبَاب فاعلموا أَنه كُله كَذَلِك إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن

стр. 319

أَحدهمَا أقدم إِسْنَادًا وَالْآخر أقوم من الْحِفْظ فَرُبمَا كتبت ذَلِك وَلَا أرى فِي كتابي من هَذَا عشرَة أَحَادِيث وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين وَإِن كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح فَإِنَّهَا تكْثر وَإِنَّمَا أردْت قرب منفعَته فَإِذا أعدت الحَدِيث فِي الْبَاب من وَجْهَيْن أَو ثَلَاثَة فَإِنَّمَا هُوَ من زِيَادَة كَلَام فِيهِ وَرُبمَا تكون كلمة زَائِدَة على الْأَحَادِيث وَرُبمَا اختصرت الحَدِيث الطَّوِيل لِأَنِّي لَو كتبته بِطُولِهِ لم يعلم بعض من يسمعهُ المُرَاد مِنْهُ وَلَا يفهم مَوضِع الْفِقْه مِنْهُ فاختصرته لذَلِك وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم فِيهَا وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره فَإِذا لم يكن مُسْند غير الْمَرَاسِيل فالمرسل يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مثل الْمُتَّصِل فِي الْقُوَّة وَلَيْسَ فِي كتاب السّنَن الَّذِي صنفته عَن رجل مَتْرُوك الحَدِيث شَيْء وَإِذا كَانَ فِيهِ حَدِيث مُنكر بَينته أَنه مُنكر وَلَيْسَ على نَحوه فِي الْبَاب غَيره وَمَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد فقد بَينته وَمِنْه مَا لَا يَصح سَنَده وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض وَهُوَ كتاب لَا ترد عَلَيْك سنة عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا وَهِي فِيهِ وَلَا أعلم شَيْئا بعد الْقُرْآن ألزم للنَّاس أَن يتعلموه من هَذَا الْكتاب وَلَا يضر رجلا أَن لَا يكْتب من الْعلم شَيْئا بعد مَا يكْتب هَذَا الْكتاب وَإِذا نظر فِيهِ وتدبره وتفهمه حِينَئِذٍ يعلم مِقْدَاره وَأما هَذِه الْمسَائِل مسَائِل الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث أُصُولهَا ويعجبني أَن يكْتب الرجل مَعَ هَذِه الْكتب من رَأْي أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَيكْتب أَيْضا مثل جَامع سُفْيَان الثَّوْريّ فَإِنَّهُ أحسن مَا وضع للنَّاس من الْجَوَامِع

стр. 320

وَالْأَحَادِيث الَّتِي وَضَعتهَا فِي كتاب السّنَن أَكْثَرهَا مشاهير وَهِي عِنْد كل من كتب شَيْئا من الحَدِيث إِلَّا أَن تمييزها لَا يقدر عَلَيْهِ كل النَّاس فَالْحَدِيث الْمَشْهُور الْمُتَّصِل الصَّحِيح لَيْسَ يقدر أَن يردهُ عَلَيْك أحد وَأما الحَدِيث الْغَرِيب فَإِنَّهُ لَا يحْتَج بِهِ وَلَو كَانَ من رِوَايَة الثِّقَات من أَئِمَّة الْعلم قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانُوا يكْرهُونَ الْغَرِيب من الحَدِيث وَقَالَ يزِيد بن أبي حبيب إِذا سَمِعت الحَدِيث فانشده كَمَا تنشد الضَّالة فَإِن عرف وَإِلَّا فَدَعْهُ وَلم أصنف فِي كتاب السّنَن إِلَّا الْأَحْكَام فَهَذِهِ أَرْبَعَة آلَاف وثمان مئة كلهَا فِي الْأَحْكَام فَأَما أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الزّهْد والفضائل وَغَيرهَا فَلم أخرجهَا وَالسَّلَام عَلَيْكُم اهـ وَقد اشْتهر هَذَا الْكتاب بَين الْفُقَهَاء اشتهارا عَظِيما لجمعه أَحَادِيث الْحُكَّام قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ فِي معالم السّنَن اعلموا رحمكم الله تَعَالَى أَن كتاب السّنَن لأبي دَاوُد كتاب شرِيف لم يصنف فِي علم الدّين كتاب مثله وَقد رزق الْقبُول من النَّاس كَافَّة فَصَارَ حكما بَين فرق الْعلمَاء وطبقات الْفُقَهَاء على اخْتِلَاف مذاهبهم فَلِكُل مِنْهُ ورد وَمِنْه شرب وَعَلِيهِ معول أهل الْعرَاق وَأهل مصر وبلاد الْمغرب وَكثير من أقطار الأَرْض فَأَما أهل خُرَاسَان فقد أولع أَكْثَرهم بِكِتَاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن الْحجَّاج وَمن نحا نَحْوهمَا فِي جمع الصَّحِيح على شَرطهمَا فِي السبك والانتقاد إِلَّا أَن كتاب أبي دَاوُد أحسن وضعا وَأكْثر فقها وَكتاب أبي عِيسَى أَيْضا كتاب حسن وَالله يغْفر لجماعاتهم وَيحسن على جميل النِّيَّة فِيمَا سعوا لَهُ مثوبتهم برحمته اهـ وَحَيْثُ عرفت مَا قيل فِي شَأْن كتب السّنَن الْمَذْكُورَة تعرف ان الْحَافِظ السلَفِي قد أفرط فِي التساهل حَيْثُ قَالَ فِي شَأْن الْكتب الْخَمْسَة قد اتّفق على صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب وَكَيف لَا يُقَال إِنَّه أفرط فِي التساهل وَأَبُو دَاوُد قد صرح بانقسام مَا فِي كتبه إِلَى صَحِيح وَغَيره وَالتِّرْمِذِيّ قد ميز فِي كِتَابه بَين الصَّحِيح وَالْحسن
следующие страницы →