← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قَالَ وَفِي قَول أبي دَاوُد إِن بَعْضهَا أصح من بعض مَا يُشِير إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا من الصِّحَّة وَإِن تفاوتت فِيهِ لما تَقْتَضِيه صِيغَة أفعل فِي الْأَكْثَر اهـ وَقد امتعض أنَاس من هَذِه الْعبارَة لإشعارها بِأَن سنَن أبي دَاوُد بِمَنْزِلَة صَحِيح مُسلم فَإِن كلا مِنْهُمَا ذكر الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ وَمَا يُقَارِبه غير أَن مُسلما الْتزم أَن لَا يذكر الحَدِيث الضَّعِيف فِي كِتَابه وَأَبُو دَاوُد ذكره مَعَ بَيَان ضعفه فارتفع الْمَحْذُور من ذكر الضَّعِيف فِي كِتَابه فهما عِنْد إمعان النّظر فِي منزلَة وَاحِدَة بل رُبمَا عد ذكره الضَّعِيف مَعَ الْبَيَان من المزايا الَّتِي رُبمَا قَضَت برجحانه فَإِن معرفَة الضَّعِيف الضَّعِيف من المطالب المهمة وَهَذَا مِمَّا لم يخْطر فِي بَال أحد من عُلَمَاء الْأَثر فالبون بَينهمَا بعيد على أَن فِي سنَن أبي دَاوُد كثيرا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا انْقِطَاع أَو إرْسَال

стр. 317

أَو رِوَايَة عَن مَجْهُول كَرجل وَشَيخ مَعَ انه لم يشر إِلَى ضعفها وَإِن أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لم يتَعَرَّض لبَيَان الضعْف فِي هَذَا النَّوْع لظُهُوره وَقد نقل بَعضهم عَن بعض أهل الْأَثر أَنه قَالَ هُوَ تعقب واه جدا لَا يُسَاوِي سَمَاعه ثمَّ قَالَ وَهُوَ كَذَلِك لتَضَمّنه أحد شَيْئَيْنِ وُقُوع غير الصَّحِيح فِي مُسلم أَو تَصْحِيح كل مَا سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَقد أُجِيب عَن اعْتِرَاض ابْن سيد النَّاس بِأَن مُسلما الْتزم الصِّحَّة فِي كِتَابه فَلَيْسَ لنا ان نحكم على حَدِيث خرجه فِيهِ بِأَنَّهُ حسن عِنْده لما عرف من قُصُور الْحسن عَن الصَّحِيح وَأَبُو دَاوُد قَالَ إِن مَا سكت عَنهُ فَهُوَ صَالح والصالح يجوز أَن يكون صَحِيحا وَيجوز أَن يكون حسنا فالاحتياط أَن يحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ وَثمّ أجوبة أُخْرَى مِنْهَا ان العلمين إِنَّمَا تشابها فِي أَن كلا أَتَى بِثَلَاثَة أَقسَام لَكِنَّهَا فِي سنَن أبي دَاوُد رَاجِعَة إِلَى متون الْأَحَادِيث وَفِي مُسلم إِلَى رِجَاله وَلَيْسَ بَين ضعف الرجل وَصِحَّة حَدِيثه مُنَافَاة وَمِنْهَا أَن أَبَا دَاوُد قَالَ إِن مَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَينته ففهم أَن ثمَّ شَيْئا فِيهَا وَهن غير شَدِيد لم يلْتَزم بَيَانه وَمِنْهَا أَن مُسلما إِنَّمَا يروي عَن الطَّبَقَة الثَّالِثَة فِي المتابعات لينجبر الْقُصُور الَّذِي فِي رِوَايَة من هُوَ فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة ثمَّ إِنَّه يقل من حَدِيثهمْ جدا بِخِلَاف أبي دَاوُد فَإِنَّهُ يخرج هَؤُلَاءِ فِي الْأُصُول مَعَ الْإِكْثَار مِنْهَا والاحتجاج بهَا فَلذَلِك نزلت دَرَجَة كِتَابه عَن دَرَجَة كتاب مُسلم وَقَالَ الْعَلامَة أَبُو بكر مُحَمَّد بن رشيد الأندلسي السبتي فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن سيد النَّاس لَيْسَ يلْزم من كَون الحَدِيث لم ينص عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد بِضعْف وَلَا نَص عَلَيْهِ غَيره بِصِحَّة أَن يكون الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد حسنا إِذْ د يكون عِنْده صَحِيحا وَإِن لم يكن عِنْد غَيره كَذَلِك قَالَ الْعِرَاقِيّ وَقد يُجَاب عَن اعْتِرَاض ابْن رشيد بِأَن البن الصّلاح إِنَّمَا ذكر

стр. 318

مَا لنا أَن نَعْرِف بِهِ الحَدِيث عِنْده وَالِاحْتِيَاط أَن لَا نرتفع بِهِ إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَإِن جَازَ أَن يبلغهَا عِنْد أبي دَاوُد لِأَن عِبَارَته فَهُوَ صَالح أَي للاحتجاج بِهِ فَإِن كَانَ أَبُو دَاوُد يرى الْحسن رُتْبَة بَين الصَّحِيح والضعيف فالاحتياط مَا قَالَه ابْن الصّلاح وغن كَانَ رَأْيه كالمتقدمين فِي انقسام الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَضَعِيف فالاحتياط أَن يُقَال صَالح كَمَا عبر هُوَ بِهِ اهـ وَقد توهم بَعضهم من عبارَة الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ الْوَاقِعَة فِي خطْبَة كتاب التَّرْغِيب والترهيب أَنه ينْسب إِلَى أبي دَاوُد تَسْمِيَة مَا سكت عَنهُ حسنا وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن هَذَا غير مَعْرُوف وَالْمَعْرُوف عَنهُ تَسْمِيَته صَالحا وَقد نَظرنَا فِي عِبَارَته فَإِذا هِيَ لَا تدل على ذَلِك وَهِي وانبه على كثير مِمَّا حضرني حَال الْإِمْلَاء مِمَّا تساهل أَبُو دَاوُد فِي السُّكُوت عَن تَضْعِيفه أَو التِّرْمِذِيّ فِي تحسينه أَو ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي تَصْحِيحه لَا انتقادا عَلَيْهِم ﵃ بل مقياسا لمتبصر فِي نظائرها من هَذَا الْكتاب وكل حَدِيث عزوته إِلَى أبي دَاوُد وَسكت عَنهُ فَهُوَ كَمَا ذكر أَبُو دَاوُد وَلَا ينزل عَن دَرَجَة الْحسن وَقد يكون على شَرط الصَّحِيحَيْنِ اهـ فَقَوله فَهُوَ كَمَا ذكر أَبُو دَاوُد يُرِيد أَنه صَالح ثمَّ بَين أَن الصَّالح لَا ينزل عَن دَرَجَة الْحسن وَقد يرْتَفع إِلَى دَرَجَة مَا يكون على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَكَلَام أبي دَاوُد فِيمَا يتَعَلَّق بكتابه مَأْخُوذ من رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة وَقد وقفت على ملخصها فَرَأَيْت أَن أورد مِنْهُ شَيْئا قَالَ إِنَّكُم سَأَلْتُمُونِي أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب السّنَن أَهِي أصح مَا عرفت فِي الْبَاب فاعلموا أَنه كُله كَذَلِك إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن

стр. 319

أَحدهمَا أقدم إِسْنَادًا وَالْآخر أقوم من الْحِفْظ فَرُبمَا كتبت ذَلِك وَلَا أرى فِي كتابي من هَذَا عشرَة أَحَادِيث وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين وَإِن كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح فَإِنَّهَا تكْثر وَإِنَّمَا أردْت قرب منفعَته فَإِذا أعدت الحَدِيث فِي الْبَاب من وَجْهَيْن أَو ثَلَاثَة فَإِنَّمَا هُوَ من زِيَادَة كَلَام فِيهِ وَرُبمَا تكون كلمة زَائِدَة على الْأَحَادِيث وَرُبمَا اختصرت الحَدِيث الطَّوِيل لِأَنِّي لَو كتبته بِطُولِهِ لم يعلم بعض من يسمعهُ المُرَاد مِنْهُ وَلَا يفهم مَوضِع الْفِقْه مِنْهُ فاختصرته لذَلِك وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فَتكلم فِيهَا وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره فَإِذا لم يكن مُسْند غير الْمَرَاسِيل فالمرسل يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مثل الْمُتَّصِل فِي الْقُوَّة وَلَيْسَ فِي كتاب السّنَن الَّذِي صنفته عَن رجل مَتْرُوك الحَدِيث شَيْء وَإِذا كَانَ فِيهِ حَدِيث مُنكر بَينته أَنه مُنكر وَلَيْسَ على نَحوه فِي الْبَاب غَيره وَمَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد فقد بَينته وَمِنْه مَا لَا يَصح سَنَده وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض وَهُوَ كتاب لَا ترد عَلَيْك سنة عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا وَهِي فِيهِ وَلَا أعلم شَيْئا بعد الْقُرْآن ألزم للنَّاس أَن يتعلموه من هَذَا الْكتاب وَلَا يضر رجلا أَن لَا يكْتب من الْعلم شَيْئا بعد مَا يكْتب هَذَا الْكتاب وَإِذا نظر فِيهِ وتدبره وتفهمه حِينَئِذٍ يعلم مِقْدَاره وَأما هَذِه الْمسَائِل مسَائِل الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث أُصُولهَا ويعجبني أَن يكْتب الرجل مَعَ هَذِه الْكتب من رَأْي أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَيكْتب أَيْضا مثل جَامع سُفْيَان الثَّوْريّ فَإِنَّهُ أحسن مَا وضع للنَّاس من الْجَوَامِع

стр. 320

وَالْأَحَادِيث الَّتِي وَضَعتهَا فِي كتاب السّنَن أَكْثَرهَا مشاهير وَهِي عِنْد كل من كتب شَيْئا من الحَدِيث إِلَّا أَن تمييزها لَا يقدر عَلَيْهِ كل النَّاس فَالْحَدِيث الْمَشْهُور الْمُتَّصِل الصَّحِيح لَيْسَ يقدر أَن يردهُ عَلَيْك أحد وَأما الحَدِيث الْغَرِيب فَإِنَّهُ لَا يحْتَج بِهِ وَلَو كَانَ من رِوَايَة الثِّقَات من أَئِمَّة الْعلم قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانُوا يكْرهُونَ الْغَرِيب من الحَدِيث وَقَالَ يزِيد بن أبي حبيب إِذا سَمِعت الحَدِيث فانشده كَمَا تنشد الضَّالة فَإِن عرف وَإِلَّا فَدَعْهُ وَلم أصنف فِي كتاب السّنَن إِلَّا الْأَحْكَام فَهَذِهِ أَرْبَعَة آلَاف وثمان مئة كلهَا فِي الْأَحْكَام فَأَما أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الزّهْد والفضائل وَغَيرهَا فَلم أخرجهَا وَالسَّلَام عَلَيْكُم اهـ وَقد اشْتهر هَذَا الْكتاب بَين الْفُقَهَاء اشتهارا عَظِيما لجمعه أَحَادِيث الْحُكَّام قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ فِي معالم السّنَن اعلموا رحمكم الله تَعَالَى أَن كتاب السّنَن لأبي دَاوُد كتاب شرِيف لم يصنف فِي علم الدّين كتاب مثله وَقد رزق الْقبُول من النَّاس كَافَّة فَصَارَ حكما بَين فرق الْعلمَاء وطبقات الْفُقَهَاء على اخْتِلَاف مذاهبهم فَلِكُل مِنْهُ ورد وَمِنْه شرب وَعَلِيهِ معول أهل الْعرَاق وَأهل مصر وبلاد الْمغرب وَكثير من أقطار الأَرْض فَأَما أهل خُرَاسَان فقد أولع أَكْثَرهم بِكِتَاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن الْحجَّاج وَمن نحا نَحْوهمَا فِي جمع الصَّحِيح على شَرطهمَا فِي السبك والانتقاد إِلَّا أَن كتاب أبي دَاوُد أحسن وضعا وَأكْثر فقها وَكتاب أبي عِيسَى أَيْضا كتاب حسن وَالله يغْفر لجماعاتهم وَيحسن على جميل النِّيَّة فِيمَا سعوا لَهُ مثوبتهم برحمته اهـ وَحَيْثُ عرفت مَا قيل فِي شَأْن كتب السّنَن الْمَذْكُورَة تعرف ان الْحَافِظ السلَفِي قد أفرط فِي التساهل حَيْثُ قَالَ فِي شَأْن الْكتب الْخَمْسَة قد اتّفق على صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب وَكَيف لَا يُقَال إِنَّه أفرط فِي التساهل وَأَبُو دَاوُد قد صرح بانقسام مَا فِي كتبه إِلَى صَحِيح وَغَيره وَالتِّرْمِذِيّ قد ميز فِي كِتَابه بَين الصَّحِيح وَالْحسن

стр. 321

فَإِن قيل بِأَنَّهُ مِمَّن يدرج الْحسن فِي الصَّحِيح وَلَا يفرده بِنَوْع فَهُوَ قد جرى فِي ذَلِك على اصْطِلَاحه قيل إِن الْعلمَاء قد صَرَّحُوا بِأَن فِيهَا ضَعِيفا أَو مُنْكرا أَو نَحْو ذَلِك على أَن من سمى الْحسن صَحِيحا لَا يُنكر أَنه دون الصَّحِيح الْمُقدم ذكره فَالْفرق بَين من يُمَيّز بَينهمَا وَبَين من لَا يُمَيّز إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاف فِي الْعبارَة دون الْمَعْنى وَقَالَ بَعضهم إِن إِطْلَاق السلَفِي لهَذِهِ الْعبارَة مَعَ مَا فِي الْكتب الثَّلَاثَة فِي السّنَن من الضَّعِيف بِالنّظرِ إِلَى قلته بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره لَا سِيمَا النَّسَائِيّ فَإِنَّهَا أقلهَا بعد الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثا ضَعِيفا وَقد أضَاف بَعضهم إِلَى الْكتب الْخَمْسَة كتاب ابْن ماجة فَجَعلهَا بذلك سِتّ واول من فعل ذَلِك أَبُو الْفضل بن طَاهِر حَيْثُ أدرجه مَعهَا فِي الْأَطْرَاف ثمَّ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب الْإِكْمَال فِي أَسمَاء الرِّجَال كَذَا أثْبته الْمُؤلف وَصَوَابه الْكَمَال فِي وَهُوَ الْكتاب الَّذِي هذبه الْحَافِظ الْمزي وَقدمُوا ابْن ماجة على الْمُوَطَّأ لِكَثْرَة زوائده على الْخَمْسَة بِخِلَاف الْمُوَطَّأ وَلما كَانَ ابْن مَاجَه قد اخْرُج أَحَادِيث عَن رجال متهمين بِالْكَذِبِ وسرقة الْأَحَادِيث قَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن يَجْعَل السَّادِس كتاب الدَّارمِيّ فَإِنَّهُ قَلِيل الرِّجَال الضُّعَفَاء نَادِر الْأَحَادِيث الْمُنكرَة والشاذة وَإِن كَانَت فِيهِ أَحَادِيث مُرْسلَة وموقوفة فَهُوَ مَعَ ذَلِك أولى مِنْهُ وَقد جعل بعض الْعلمَاء كرزين السَّرقسْطِي السَّادِس الْمُوَطَّأ وَتَبعهُ على ذَلِك الْمجد ابْن الْأَثِير فِي كتاب جَامع الْأُصُول وَكَذَا غَيره وَأما كتب المسانيد فَهِيَ دون كتب السّنَن الرُّتْبَة وَكتب المسانيد هِيَ مَا أفرد فِيهِ حَدِيث كل صَحَابِيّ على حِدة من غير نظر للأبواب وَقد جرت عَادَة مصنفيها أَن يجمعوا فِي مُسْند كل صَحَابِيّ مَا يَقع لَهُم من حَدِيثه صَحِيحا كَانَ أَو سقيما وَلذَلِك لَا يسوغ الِاحْتِجَاج بِمَا يُورد فِيهَا مُطلقًا قَالَ الْحَافِظ ابْن الصّلاح كتب المسانيد غير مُلْحقَة بالكتب الْخَمْسَة الَّتِي هِيَ

стр. 322

الصحيحان وَسنَن أبي دَاوُد وَسنَن النَّسَائِيّ وجامع التِّرْمِذِيّ وَمَا جرى مجْراهَا فِي الِاحْتِجَاج بهَا والركون إِلَى مَا يُورد فِيهَا مُطلقًا كمسند أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ومسند عبيد الله بن مُوسَى ومسند أَحْمد بن حَنْبَل ومسند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ومسند عبد بن حميد ومسند الدَّارمِيّ ومسند أبي يعلى الْموصِلِي ومسند الْحسن بن سُفْيَان ومسند الْبَزَّار أبي بكر وأشباهها فَهَذِهِ جرت عَادَة مؤلفيها أَن يخرجُوا فِي مُسْند كل صَحَابِيّ مَا رَوَوْهُ من حَدِيثه غير متقيدين بِأَن يكون حَدِيثا محتجا بِهِ فَلهَذَا تَأَخَّرت مرتبتها وَإِن جلت لجلالة مؤلفيها عَن مرتبَة الْكتب الْخَمْسَة وَمَا ألحق بهَا من الْكتب المصنفة على الْأَبْوَاب وَالله أعلم اهـ وانتقد على ابْن الصّلاح عده مُسْند الدَّارمِيّ فِي كتب المسانيد لِأَنَّهُ مُرَتّب على الْأَبْوَاب وَإِنَّمَا سموهُ بالمسند كَمَا سمى البُخَارِيّ كِتَابه بالمسند لكَون أَحَادِيثه مُسندَة وانتقد عَلَيْهِ أَيْضا تَفْضِيل كتب السّنَن وَمَا ألحق بهَا على مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل مَعَ انه الْتزم الصَّحِيح بِمُسْنَدِهِ وَأجَاب الْعِرَاقِيّ بِأَنا لَا نسلم ذَلِك وَالَّذِي رَوَاهُ عَنهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث فَقَالَ انظروه فَإِن كَانَ فِي الْمسند وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة فَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيح فِي أَن كل مَا فِيهِ حجَّة بل هُوَ صَرِيح فِي أَن مَا لَيْسَ فِيهِ لَيْسَ بِحجَّة على ان ثمَّ أَحَادِيث مخرجة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَت فِيهِ قَالَ وَأما وجود الضَّعِيف فِيهِ فَهُوَ مُحَقّق بل فِيهِ أَحَادِيث مَوْضُوعَة جمعتها فِي جُزْء ولعَبْد الله ابْنه فِيهِ زيادات فِيهَا الضعْف والموضوع وَقد أورد الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات أَحَادِيث من الْمسند لاحت لَهُ فِيهَا سمة الْوَضع وَقد تصدى الْحَافِظ ابْن حجر للرَّدّ على ذَلِك فألف كتابا سَمَّاهُ القَوْل المسدد فِي الذب عَن الْمسند سرد فِيهِ الْأَحَادِيث الَّتِي جمعهَا الْعِرَاقِيّ وَهِي تِسْعَة وأضاف إِلَيْهَا خَمْسَة عشر حَدِيثا أوردهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَأجَاب عَنْهَا

стр. 323

وَقَالَ فِي كِتَابه تَعْجِيل الْمَنْفَعَة فِي رجال الْأَرْبَعَة لَيْسَ فِي الْمسند حَدِيث لَا أصل لَهُ إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث أَو أَرْبَعَة مِنْهَا حَدِيث عبد لارحمن بن عَوْف أَنه يدْخل الْجنَّة زحفا قَالَ وَيعْتَذر عَنهُ بِأَنَّهُ مِمَّا أَمر أَحْمد بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ فَترك عَلَيْهِ فَترك سَهوا أَو ضرب عَلَيْهِ وَكتب من تَحت الضَّرْب وَقَالَ بَعضهم إِن مُسْند أَحْمد لَا يوازيه كتاب من كتب المسانيد فِي الْكَثْرَة وَحسن السِّيَاق غير انه فَاتَهُ أَحَادِيث كَثِيرَة جدا بل قيل إِنَّه لم يَقع لَهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة الَّذين فِي الصَّحِيحَيْنِ وهم نَحْو مِائَتَيْنِ وَجُمْلَة مَا فِي الْمسند من الْأَحَادِيث أَرْبَعُونَ ألفا تكَرر مِنْهَا عشرَة آلَاف فَيبقى ثَلَاثُونَ ألفا وَقَالَ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِأبي شامة فِي كتاب الْبَاعِث على إِنْكَار الْبدع والحوادث قَالَ أَبُو الْخطاب وَأَصْحَاب الإِمَام أَحْمد يحتجون بالأحاديث الَّتِي رَوَاهَا فِي مُسْنده وأكثرها لَا يحل الِاحْتِجَاج بهَا وَإِنَّمَا أخرجهَا الإِمَام أَحْمد حَتَّى يعرف من أَيْن الحَدِيث مخرجه وَالْمُنْفَرد بِهِ أعدل أَو مَجْرُوح وَلَا يحل الْآن لمُسلم عَالم أَن لَا يذكر إِلَّا مَا صَحَّ لِئَلَّا يشقى فِي الدَّاريْنِ لما صَحَّ عَن سيد الثقلَيْن انه قَالَ من حدث عني بِحَدِيث يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين قَالَ وَيلْزم الْمُحدث أَن يكون على الصّفة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي أول كتَابنَا من الْحِفْظ والإتقان والمعرفة بِمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الشَّأْن وَقَالَ الْعَلامَة ابْن تَيْمِية فِي كتاب منهاج السّنة النَّبَوِيَّة فِي نقض كَلَام الشِّيعَة والقدرية لَيْسَ كل مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند أَن لَا يروي عَن المعروفين بِالْكَذِبِ عِنْده وَإِن

стр. 324

كَانَ فِي ذَلِك مَا هُوَ ضَعِيف وَشَرطه فِي الْمسند مثل شَرط أبي دَاوُد فِي سنَنه وَأما كتب الْفَضَائِل فيروي مَا سَمعه من شُيُوخه سَوَاء كَانَ صَحِيحا أَو ضَعِيفا فَإِنَّهُ لم يقْصد أَن لَا يروي فِي ذَلِك إِلَّا مَا ثَبت عِنْده ثمَّ زَاد ابْن أَحْمد زيادات وَزَاد أَبُو بكر الْقطيعِي زيادات وَفِي زيادات الْقطيعِي أَحَادِيث كَثِيرَة مَوْضُوعَة فَظن ذَلِك الْجَاهِل ان تِلْكَ من رِوَايَة أَحْمد وانه رَوَاهَا فِي الْمسند وَهَذَا خطأ قَبِيح فَإِن الشُّيُوخ الْمَذْكُورين شُيُوخ الْقطيعِي وَكلهمْ متأخرون عَن احْمَد وهم مِمَّن يروي عَن أَحْمد لَا مِمَّن يروي أَحْمد عَنهُ وَهَذَا مُسْند أَحْمد وَكتاب الزّهْد لَهُ وَكتاب النَّاسِخ والمنسوخ وَكتاب التَّفْسِير وَغير ذَلِك من كتبه يَقُول فِيهَا حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا عبد الرَّزَّاق فَهَذَا أَحْمد وَتارَة يَقُول حَدثنَا أَبُو معمر الْقطيعِي حَدثنَا عَليّ ين الْجَعْد حَدثنَا أَبُو نصر التمار فَهَذَا عبد الله وَكتابه فِي فَضَائِل الصَّحَابَة لَهُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا وَفِيه من زيادات الْقطيعِي يَقُول حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْجَبَّار الصُّوفِي وَأَمْثَاله مِمَّن هُوَ مثل عبد الله بن احْمَد فِي الطَّبَقَة وَهُوَ مِمَّن غَايَته أَن يروي عَن أَحْمد فَإِن أَحْمد ترك الرِّوَايَة فِي آخر عمره لما طلب الْخَلِيفَة أَن يحدثه وَيحدث ابْنه وَيُقِيم عِنْده فخاف على نَفسه من فتْنَة الدُّنْيَا فَامْتنعَ من التحديث مُطلقًا ليسلم من ذَلِك لِأَنَّهُ قد حدث بِمَا كَانَ عِنْده قبل ذَلِك قَالَ بعض الناظرين فِيهِ الْحق أَن فِي الْمسند أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة وَقد بلغ بَعْضهَا فِي الضعْف إِلَى أَن أدخلت فِي الموضوعات وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ احسن انتقاء وتحريرا من الْكتب الَّتِي لم تلتزم الصِّحَّة فِيهَا وَلَيْسَت الْأَحَادِيث الزَّائِدَة فِيهِ على مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَكْثَرَ ضعفا من الْأَحَادِيث الزَّائِدَة فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَلَيْهِمَا وعَلى كل حَال فسبيل من أَرَادَ الِاحْتِجَاج بِحَدِيث من كتب السّنَن لَا سِيمَا كتاب ابْن مَاجَه ومصنف ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق وَاحِد إِذْ جَمِيع الجامعين

стр. 325

لذَلِك لم يلتزموا أَن لَا يخرجُوا عَن الصَّحِيح وَالْحسن وعَلى ذَلِك ينظر فَإِن كَانَ مُرِيد الِاحْتِجَاج بِحَدِيث مِنْهَا متأهلا لتمييز الصَّحِيح من غَيره فَعَلَيهِ أَن ينظر فِي اتِّصَال إِسْنَاد الحَدِيث وَحَال رُوَاته ثمَّ يحكم على الْإِسْنَاد بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ الْبَحْث وَالنَّظَر فَيَقُول هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد أَو حسنه أَو ضعيفه وَمَعَ ذَلِك يسوغ لَهُ الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا كَانَ صَحِيح الْإِسْنَاد أَو حسنه حَتَّى يتَيَقَّن سَلَامَته من الشذوذ وَالْعلَّة إِذْ صِحَة الْإِسْنَاد أَو حسنه لَا تَقْتَضِي صِحَة الْمَتْن أَو حسنه فَإِذا تبينت لَهُ سَلَامَته من الشذوذ وَالْعلَّة سَاغَ لَهُ الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَ ابْن الصّلاح مُبينًا أَن صِحَة الْإِسْنَاد أَو حسنه لَا تَقْتَضِي صِحَة الحَدِيث أَو حسنه قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد أَو حسن الْإِسْنَاد دون قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح أَو حَدِيث حسن لِأَنَّهُ قد يُقَال هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا يَصح لكَونه شاذا أَو مُعَللا غير أَن المُصَنّف الْمُعْتَمد مِنْهُم إِذا اقْتصر على قَوْله إِنَّه صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يذكر لَهُ عِلّة وَلم يقْدَح فِيهِ فَالظَّاهِر مِنْهُ الحكم لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيح فِي نَفسه لِأَن عدم الْعلَّة والقادح هُوَ لِأَن عدم الْعلَّة والقادح هُوَ الأَصْل وَالظَّاهِر اهـ وَقد تعقب الْحَافِظ ابْن حجر عِبَارَته الْأَخِيرَة فَقَالَ الَّذِي لَا أَشك فِيهِ أَن الإِمَام مِنْهُم لَا يعدل عَن قَوْله صَحِيح إِلَى قَوْله صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا لأمر مَا وَإِن كَانَ مُرِيد الِاحْتِجَاج بِحَدِيث مِنْهَا غير متأهل لتمييز الصَّحِيح من غَيره فسبيله أَن يبْحَث عَن حَال ذَلِك فِي كَلَام الْأَئِمَّة فَإِن وجد أحدا مِنْهُم صَححهُ أَو حسنه فَلهُ أَن يقلده وغن لم يجد ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يقدم عل الِاحْتِجَاج بِهِ إِذْ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ خطر عَظِيم هَذَا وَمَا ذَكرْنَاهُ من ان كَانَ متأهلا لتمييز الصَّحِيح من غَيره فَلهُ أَن يحكم على الحَدِيث بِمُقْتَضى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ الْبَحْث وَالنَّظَر هُوَ مَبْنِيّ على مَذْهَب الْجُمْهُور الَّذين قَالُوا إِن المتميزين تَمام التَّمْيِيز يُمكن أَن يوجدوا فِي كل زمَان وَإِذا وجدوا سَاغَ لَهُم أَن يحكموا على الحَدِيث بِمَا يتَبَيَّن لَهُم من حَاله

стр. 326

وَقد خالفهم ابْن الصّلاح فِي ذَلِك فَقَالَ إِذا وجدنَا فِيمَا نروي من أَجزَاء الحَدِيث وَغَيرهَا حَدِيثا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم نجده فِي أحد الصَّحِيحَيْنِ وَلَا مَنْصُوصا على صِحَّته فِي شَيْء من مصنفات أَئِمَّة الحَدِيث الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة فَإنَّا لَا نتجاسر على جزم الحكم بِصِحَّتِهِ فقد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْأَسَانِيد لِأَنَّهُ مَا من إِسْنَاد من ذَلِك إِلَّا ونجد فِي رِجَاله من اعْتمد فِي رِوَايَته على مَا فِي كِتَابه عريا عَمَّا يشْتَرط فِي الصَّحِيح من الْحِفْظ والضبط والإتقان فآل الْأَمر إِذا فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فِي تصانيفهم الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة الَّتِي يُؤمن فِيهَا لشهرته من التَّغْيِير والتحريف وَصَارَ مُعظم الْمَقْصُود بِمَا يتداول من الْأَسَانِيد خَارِجا عَن ذَلِك إبْقَاء لسلسلة الْإِسْنَاد الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة زَادهَا الله شرفا اهـ وَقد خَالف الْجُمْهُور ابْن الصّلاح فَقَالُوا إِن ذَلِك مُمكن لمن تمكن فِي هَذَا الْفَنّ وقويت مَعْرفَته بالطرق الموصلة إِلَى ذَلِك وَعَلِيهِ جرى الْعَمَل فقد صحّح جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين أَحَادِيث لم يكن لمن تقدمهم فِيهَا تَصْحِيح فَمن المعاصرين لِابْنِ الصّلاح أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الْقطَّان صَاحب كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام والحافظ ضِيَاء الدّين مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي صَاحب المختارة وَهُوَ كتاب الْتزم فِيهِ ذكر الصَّحِيح وَقد ذكر فها أَحَادِيث لم يسْبق إِلَى تصحيحها والحافظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ وَمن الطَّبَقَة الَّتِي تلِي هَذِه الطَّبَقَة الْحَافِظ شرف الدّين عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي وَجرى على ذَلِك أنَاس بعده قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر قد اعْترض على ابْن الصّلاح كل من اختصر كَلَامه وَكلهمْ دفع فِي صدر كَلَامه من غير إِقَامَة دَلِيل وَلَا بَيَان تَعْلِيل وَمِنْهُم من احْتج

стр. 327

بمخالفة أهل عصره وَمن بعده لَهُ فِي ذَلِك كَابْن الْقطَّان والضياء الْمَقْدِسِي والزكي الْمُنْذِرِيّ وَمن بعدهمْ كَابْن الْمواق والدمياطي والمزي وَنَحْوهم وَلَيْسَ بوارد لِأَنَّهُ لَا حجَّة على ابْن الصّلاح بِعَمَل غَيره وَإِنَّمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِإِبْطَال دَلِيله أَو معارضته بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَمِنْهُم من قَالَ لَا سلف لَهُ فِي ذَلِك وَلَعَلَّه بناه على جَوَاز خلو الْعَصْر من الْمُجْتَهد وَهَذَا إِذا انْضَمَّ إِلَى مَا قبله من أَنه لَا سلف لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَعمل أهل عصره وَمن بعدهمْ على خلاف مَا قَالَ انتهض دَلِيلا للرَّدّ عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ إِن فِي عِبَارَته مناقشات مِنْهَا قَوْله فَإنَّا لَا نتجاسر فَظَاهره أَن الأولى ترك التَّعَرُّض لَهُ لما فِيهِ من التَّعَب وَالْمَشَقَّة وَإِن لم ينْهض إِلَى دَرَجَة التَّعَذُّر فَلَا يحسن بعد ذَلِك قَوْله فقد تعذر وَمِنْهَا أَنه ذكر مَعَ الضَّبْط الْحِفْظ والإتقان وَهِي لَيست مُتَغَايِرَة وَمِنْهَا أَنه يفهم من قَوْله بعد ذَلِك أَنه يعيب من حدث من كِتَابه ويصوب من حدث عَن ظهر قلبه وَالْمَعْرُوف عَن أَئِمَّة الحَدِيث خلاف ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَإِذا كَانَ الرَّاوِي عدلا لَكِن لَا يحفظ مَا سَمعه عَن ظهر قلب وَاعْتمد مَا فِي كِتَابه فَحدث مِنْهُ فقد فعل اللَّازِم فَحَدِيثه على هَذِه الصُّورَة صَحِيح قَالَ وَفِي الْجُمْلَة مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن الصّلاح من كَون الْأَسَانِيد مَا مِنْهَا إِلَّا وَفِيه من لم يبلغ دَرَجَة الضَّبْط المشترطة فِي الصَّحِيح إِن أَرَادَ أَن جَمِيع الْإِسْنَاد كَذَلِك فَمَمْنُوع لِأَن من جملَته من يكون من رجال الصَّحِيح وقلما يَخْلُو إِسْنَاد من ذَلِك وَإِن أَرَادَ أَن بعض الْإِسْنَاد كَذَلِك فَمُسلم لَكِن لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر إِلَّا فِي جُزْء ينْفَرد بروايته من وصف بذلك أما الْكتاب الْمَشْهُور الْغَنِيّ بشهرته عَن اعْتِبَار الْإِسْنَاد منا إِلَى مُصَنفه كالمسانيد وَالسّنَن مِمَّا لَا يحْتَاج فِي صِحَة نسبتها إِلَى مؤلفيها إِلَى اعْتِبَار إِسْنَاد معِين فَإِن المُصَنّف مِنْهُم إِذا روى حَدِيثا وَوجدت الشَّرَائِط مَجْمُوعَة وَلم يطلع الْمُحدث المتقن المضطلع فِيهِ على عِلّة لم يمْتَنع الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَو لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين

стр. 328

قَالَ ثمَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامه من قبُول التَّصْحِيح من الْمُتَقَدِّمين ورده من الْمُتَأَخِّرين قد يسْتَلْزم رد مَا هُوَ صَحِيح وَقبُول مَا لَيْسَ بِصَحِيح فكم من حَدِيث حكم بِصِحَّتِهِ إِمَام مُتَقَدم اطلع الْمُتَأَخر فِيهِ على عِلّة قادحة تمنع من الحكم بِصِحَّتِهِ وَلَا سِيمَا إِن كَانَ ذَلِك الْمُتَقَدّم مِمَّن لَا يرى التَّفْرِقَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن كَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قَالَ وَالْعجب مِنْهُ كَيفَ يَدعِي تَعْمِيم الْخلَل فِي جَمِيع الْأَسَانِيد الْمُتَأَخِّرَة ثمَّ يقبل تَصْحِيح الْمُتَقَدّم وَذَلِكَ التَّصْحِيح إِنَّمَا يصل إِلَى الْمُتَأَخر بِالْإِسْنَادِ الَّذِي يَدعِي فِيهِ الْخلَل فَإِن كَانَ ذَلِك الْخلَل مَانِعا من الحكم بِصِحَّة الْإِسْنَاد فَهُوَ مَانع من الحكم بِقبُول ذَلِك التَّصْحِيح وَإِن كَانَ لَا يُؤثر فِي الْإِسْنَاد الْمعِين الَّذِي يتَّصل بِهِ رِوَايَة ذَلِك الْكتاب إِلَى مُؤَلفه وينحصر النّظر فِي مثل أَسَانِيد ذَلِك المُصَنّف فِي المُصَنّف فَصَاعِدا لَكِن قد يقوى مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الصّلاح بِوَجْه آخر وَهُوَ ضعف نظر الْمُتَأَخِّرين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَقَدِّمين وَقيل إِن الْحَامِل لِابْنِ الصّلاح على ذَلِك أَن الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم كتاب كَبِير جدا يصفو لَهُ من تَصْحِيح كثير وَهُوَ مَعَ حرصه على جمع الصَّحِيح غزير الْحِفْظ كثير الِاطِّلَاع وَاسع الرِّوَايَة فيبعد كل الْبعد أَن يُوجد حَدِيث بشرائط الصِّحَّة لم يُخرجهُ وَهَذَا قد يقبل لكنه لَا ينْهض دَلِيلا على التَّعَذُّر اهـ وَقَالَ بَعضهم إِن مَا ذكره ابْن الصّلاح من وُقُوع الْخلَل فِي الْأَسَانِيد الْمُتَأَخِّرَة لَا ينْتج مدعاه لَا سِيمَا فِي الْكتب الْمَشْهُورَة الَّتِي استغنت بشهرتها عَن اعْتِبَار الْإِسْنَاد منا إِلَى مصنفيها ككتاب النَّسَائِيّ مثلا فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج فِي صِحَة نسبته إِلَى النَّسَائِيّ إِلَى اعْتِبَار حَال الْإِسْنَاد منا إِلَيْهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامه فَإِذا روى مُصَنفه حَدِيثا وَلم يعلله وَجمع إِسْنَاده شُرُوط الصِّحَّة وَلم يطلع الْمُحدث فِيهِ على عِلّة فَمَا الْمَانِع من الحكم

стр. 329

بِصِحَّتِهِ وَلَو لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين لَا سِيمَا وَأكْثر مَا يُوجد من هَذَا الْقَبِيل مِمَّا رُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَفِيهِمْ الضابطون المتقنون الْحفاظ وَيظْهر أَن هَذَا لَا يُنَازع فِيهِ من إِلْمَام بِهَذَا الشَّأْن غير أَنه رُبمَا يُقَال إِن ابْن الصّلاح رأى حسم هَذَا الْبَاب لِئَلَّا يدْخل مِنْهُ بعض المموهين الَّذِي لَا يميزون بَين الصَّحِيح والسقيم وهم مَعَ ذَلِك يدعونَ أَنهم من الجهابذة فِي هَذَا الْفَنّ وَكَثِيرًا مَا راج أَمرهم بَين الْجُمْهُور فَرَأى سد هَذَا الْبَاب أقل خطرا وكما سد ابْن الصّلاح بَاب التَّصْحِيح والتحسين كَذَلِك سد بَاب التَّضْعِيف قَالَ فِي مَبْحَث الضَّعِيف إِذا رَأَيْت حَدِيثا بِإِسْنَاد ضَعِيف فلك أَن تَقول هَذَا ضَعِيف وتعني أَنه بذلك الْإِسْنَاد ضَعِيف وَلَيْسَ لَك أَن تَقول هَذَا ضَعِيف وتعني بِهِ ضعف متن الحَدِيث بِنَاء على مُجَرّد ضعف ذَلِك الْإِسْنَاد فقد يكون كرويا بِإِسْنَاد آخر صَحِيح يثبت بِمثلِهِ الحَدِيث بل يتَوَقَّف جَوَاز ذَلِك على حكم إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث بِأَنَّهُ لم يرو بِإِسْنَاد يثبت بِهِ أَو بِأَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف اَوْ نَحْو هَذَا مُفَسرًا وَجه الْقدح فِيهِ فَإِن أطلق وَلم يُفَسر فَفِيهِ كَلَام يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَاعْلَم ذَلِك فَإِنَّهُ مِمَّا يغلط فِيهِ اهـ وَالْكَلَام الَّذِي أَشَارَ إِلَى أَنه سَيَأْتِي هُوَ مَا ذكره فِي النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين الْمَعْقُود لمعْرِفَة صفة من تقبل رِوَايَته وَمن ترد رِوَايَته وَهُوَ قلت وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يعْتَمد النَّاس فِي جرح الروَاة ورد حَدِيثهمْ على الْكتب الَّذِي صنفها أَئِمَّة الحَدِيث فِي الْجرْح الَّذِي صنفها أَئِمَّة الحَدِيث فِي الْجرْح التَّعْدِيل وقلما يتعرضون فِيهَا لبَيَان السَّبَب بل يقتصرون على مُجَرّد قَوْلهم فلَان ضَعِيف وَفُلَان لَيْسَ بِشَيْء أَو نَحْو ذَلِك أَو هَذَا حَدِيث ضَعِيف وَهَذَا حَدِيث غير ثَابت وَنَحْو ذَلِك فاشتراط بَيَان السَّبَب يُفْضِي إِلَى تَعْطِيل ذَلِك وسد بَاب الْجرْح فِي الْأَغْلَب الْأَكْثَر وَجَوَابه أَن ذَلِك وَإِن لم نعتمده فِي إِثْبَات الْجرْح وَالْحكم بِهِ فقد اعتمدناه فِي أَن توقفنا عَن قبُول حَدِيث من قَالُوا فِيهِ مثل ذَلِك بِنَاء على أَن ذَلِك أوقع عندنَا فيهم رِيبَة قَوِيَّة يُوجب مثلهَا التَّوَقُّف ثمَّ من انزاحت عَنهُ الرِّيبَة يبْحَث عَن حَاله فَإِن

стр. 330

أوجب الثِّقَة بعدالته قبلنَا حَدِيثه وَلم نتوقف كَالَّذِين احْتج بهم صاحبا الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مِمَّن مسهم مثل هَذَا الْجرْح من غَيرهم فَافْهَم ذَلِك فَإِنَّهُ خلص حسن اهـ وَالظَّاهِر أَن ابْن الصّلاح وغن سد الْبَاب سدا محكما من جِهَة فقد فتح خوخة من جِهَة أُخْرَى فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم بعد أَن ذكر تساهل صَاحبه فِي أَمر التَّصْحِيح فَالْأولى أَن نتوسط فِي أمره فَنَقُول مَا حكم بِصِحَّتِهِ وَلم نجد ذَلِك فِيهِ لغيره من الْأَئِمَّة إِن لم يكن من قبيل الصَّحِيح فَهُوَ من قبيل الْحسن يحْتَج بِهِ وَيعْمل بِهِ إِلَّا أَن تظهر عِلّة توجب ضعفه ويقاربه فِي حكمه صَحِيح ابْن حبَان لابستي اهـ فَإِن قَوْله إِلَّا أَن تظهر عِلّة توجب ضعفه يَشْمَل مَا إِذا كَانَت الْعلَّة مِمَّا ظهر للمتأخر بِسَبَب الْبَحْث وَالنَّظَر وَلَو لم يذكرهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين وَيظْهر أَن أَمر التَّضْعِيف أقرب مأخذا من أَمر التَّصْحِيح والتحسين قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي التَّقْرِيب بعد أَن ذكر ابْن الصّلاح كَمَا منع الْمُتَأَخِّرين من الحكم بِصِحَّة الحَدِيث اَوْ حسنه مَنعهم فِيمَا سَيَأْتِي آخر يثبت بِمثلِهِ الحَدِيث فَالْحَاصِل أَن ابْن الصّلاح سد بَاب التَّصْحِيح والتحسين والتضعيف على أهل هَذِه الْأَزْمَان لضعف أهليتهم وَإِن لم يُوَافق الأول وَلَا شكّ أَن الحكم بِالْوَضْعِ أولى بِالْمَنْعِ قطعا لَا حَيْثُ لَا يخفى كالأحاديث الطوَال الرَّكِيكَة الَّتِي وَضعهَا الْقصاص أَو مَا فِيهِ مُخَالفَة لِلْعَقْلِ أَو الْإِجْمَاع وَأما الحكم للْحَدِيث بالتواتر أَو الشُّهْرَة فَلَا يمْتَنع إِذا وجدت الطّرق الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك وَيَنْبَغِي التَّوَقُّف عَن الحكم بالفردية والغرابة وَعَن الْعِزَّة أَكثر اهـ وَقد أشكل الْعَصْر الَّذِي يَبْتَدِئ فِيهِ امْتنَاع التَّصْحِيح وَغَيره عِنْد ابْن الصّلاح فَإِن فِي قَوْله فقد تعذر فِي هَذِه الْأَعْصَار الِاسْتِقْلَال بِإِدْرَاك الصَّحِيح بِمُجَرَّد الْأَسَانِيد إِبْهَام وَالظَّاهِر أَن الِابْتِدَاء يكون مِمَّا بعد عصر آخر من ألف فِي

стр. 331

الصَّحِيح وَكَانَ بارعا فِي تَمْيِيزه من غَيره الْفَائِدَة الثَّالِثَة فِي معنى قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَنَحْو ذَلِك قَالَ الْحَافِظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ فِي تَعْلِيقه على جَامع التِّرْمِذِيّ الَّذِي سَمَّاهُ قوت المغتذي قَالَ ابْن الصّلاح قَول التِّرْمِذِيّ وَغَيره هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح فِيهِ إِشْكَال لن الْحسن قَاصِر عَن الصَّحِيح فَفِي الْجمع بَينهمَا فِي حَدِيث وَاحِد جمع بَين نفي ذَلِك الْقُصُور وإثباته قَالَ وَجَوَابه أَن ذَلِك رَاجع إِلَى الْإِسْنَاد فَإِذا رُوِيَ الحَدِيث الْوَاحِد بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا إِسْنَاد حسن وَالْآخر إِسْنَاد صَحِيح استقام أَن يُقَال فِيهِ إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح أَي إِنَّه حسن بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَاد صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَاد آخر على أَنه غير مستنكر أَن يكون بعض من قَالَ ذَلِك أَرَادَ بالْحسنِ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ وَهُوَ مَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَلَا يأباه الْعقل دون الْمَعْنى الاصطلاحي الَّذِي نَحن بصدده انْتهى وَقَالَ ابْن دَقِيق فِي الاقتراح يرد على الْجَواب الأول الْأَحَادِيث الَّتِي قيل فِيهَا حسن صَحِيح مَعَ انه لَيْسَ لَهَا إِلَّا مخرج وَاحِد قَالَ وَفِي كَلَام التِّرْمِذِيّ فِي مَوَاضِع يَقُول هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه قَالَ وَالَّذِي أَقُول فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِنَّه لَا يشْتَرط فِي الْحسن قيد الْقُصُور عَن الصَّحِيح وَإِنَّمَا يَجِيئهُ الْقُصُور وَيفهم ذَلِك إِذا اقْتصر على قَوْله حسن فالقصور يَأْتِيهِ من قبل الِاقْتِصَار لَا من حَيْثُ حَقِيقَته وذاته وَشرح ذَلِك وَبَيَانه أَنه هَا هُنَا صِفَات تَقْتَضِي قبُول الرِّوَايَة ولتلك الصِّفَات دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض كالتيقظ وَالْحِفْظ والإتقان مثلا فوجود

стр. 332

الدرجَة الدُّنْيَا كالصدق وَعدم التُّهْمَة بِالْكَذِبِ لَا يُنَافِيهِ وجود مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ كالحفظ مَعَ الصدْق فَيصح ان يُقَال فِي هَذَا إِنَّه حسن بِاعْتِبَار وجود الصّفة الدُّنْيَا وَهِي الصدْق مثلا صَحِيح بِاعْتِبَار الصّفة الْعليا وَهِي الْحِفْظ والإتقان وَيلْزم على هَذَا أَن يكون كل صَحِيح حسنا ويلتزم ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ وُرُود قَوْلهم هَذَا حَدِيث حسن فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَهَذَا مَوْجُود فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين انْتهى وَقَالَ الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير أصل هَذَا السُّؤَال غير مُتَّجه لِأَن الْجمع بَين الْحسن وَالصِّحَّة فِي حَدِيث وَاحِد رُتْبَة متوسطة بَين الصَّحِيح وَالْحسن قَالَ فَهُنَا ثَلَاث مَرَاتِب الصَّحِيح أَعْلَاهَا وَالْحسن أدناها وَالثَّالِثَة مَا تتشرب من كل مِنْهُمَا فَإِن كل مَا كَانَ فِيهِ شبه لم يتمخض لأَحَدهمَا اخْتصَّ برتبة مُفْردَة كَقَوْلِهِم للمز وَهُوَ مَا فِيهِ حلاوة وحموضة هَذَا حُلْو حامض أَي مز قَالَ فعلى هَذَا يكون مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح أَعلَى رتبه عِنْده من الْحسن وَيكون حكمه على الحَدِيث بِالصِّحَّةِ الْمَحْضَة أقوى من حكمه عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ مَعَ الْحسن قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ فِي نكته على ابْن الصّلاح وَهَذَا الَّذِي قَالَه ابْن كثير تحكم لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ بعيد من فهمهم معنى كَلَام التِّرْمِذِيّ قَالَ الإِمَام بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ والحافظ أَبُو الْفضل بن حجر كِلَاهُمَا فِي النكت على ابْن الصّلاح هَذَا يَقْتَضِي إِثْبَات قسم ثَالِث وَلَا قَائِل بِهِ وَعبارَة الزَّرْكَشِيّ وَهُوَ خرق لإجماعهم ثمَّ إِنَّه يلْزم عَلَيْهِ أَن لَا يكون فِي كتاب التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح إِلَّا قَلِيلا لقلَّة اقْتِصَاره على قَوْله هَذَا صَحِيح مَعَ أَن الَّذِي يعبر فِيهِ بِالصِّحَّةِ وَالْحسن أَكْثَره مَوْجُود فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ الشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ فِي محَاسِن الِاصْطِلَاح أَيْضا فِي هَذَا

стр. 333

الْجَواب نظر لَكِن جزم الإِمَام شمس الدّين الْجَزرِي فِي الْهِدَايَة فَقَالَ وَالَّذِي قَالَ صَحِيح حسن فَالتِّرْمِذِي يَعْنِي يشاب صِحَة وحسنا فَهُوَ إِذن دون الصَّحِيح معنى وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فَإِن قلت فَمَا عنْدك فِي رفع هَذَا الْإِشْكَال قلت يحْتَمل أَن يُرِيد بقوله حسن صَحِيح فِي هَذِه الصُّورَة الْخَاصَّة الترادف وَاسْتِعْمَال هَذَا قَلِيلا دَلِيل على جَوَازه كَمَا اسْتَعْملهُ بَعضهم حَيْثُ وصف الْحسن بِالصِّحَّةِ على قَول من أدرج الْحسن فِي الْقسم الصَّحِيح وَيجوز أَن يُرِيد حقيقتهما بِالصِّحَّةِ على قَول من أدرج الْحسن فِي الْقسم الصَّحِيح وَيجوز أَن يُرِيد حقيقتهما فِي إِسْنَاد وَاحِد بِاعْتِبَار حَالين وزمانين فَيجوز أَن يكون سمع هَذَا الحَدِيث من رجل مرّة فِي حَال كَونه مَسْتُورا أَو مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة ثمَّ ترقي ذَلِك الرجل المسمع وارتفع حَاله إِلَى دَرَجَة الْعَدَالَة فَسَمعهُ مِنْهُ التِّرْمِذِيّ أَو غَيره مرّة أُخْرَى فَأخْبر بالوصفين وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد انه سمع الحَدِيث الْوَاحِد على شيخ وَاحِد غير مرّة قَالَ وَهَذَا الِاحْتِمَال وغن كَانَ بَعيدا فَهُوَ أشبه مَا يُقَال قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون التِّرْمِذِيّ أدّى اجْتِهَاده إِلَى حسنه وَأدّى اجْتِهَاد غَيره إِلَى صِحَّته أَو بِالْعَكْسِ فَبَان أَن الحَدِيث فِي أَعلَى دَرَجَات الْحسن واول دَرَجَات الصَّحِيح فَجمع بَينهمَا بِاعْتِبَار مذهبين وَأَنت إِذا تَأَمَّلت تصرف التِّرْمِذِيّ لَعَلَّك تسكن إِلَى قَصده هَذَا انْتهى كَلَام الزَّرْكَشِيّ وَبَعضه مَأْخُوذ من الجعبري حَيْثُ قَالَ فِي مُخْتَصره وَقَوله حسن صَحِيح بِاعْتِبَار سندين أَو مذهبين

стр. 334

وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي النكت قد أجَاب بعض الْمُتَأَخِّرين عَن أصل الْإِشْكَال بِأَنَّهُ بِاعْتِبَار صدق الوصفين على الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَال رُوَاته عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث فَإِذا كَانَ فيهم من يكون حَدِيثه صَحِيحا عِنْد قوم وحسنا عِنْد قوم يُقَال لَك فِيهِ

стр. 335

قَالَ ويتعقب هَذَا بِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لأتى بِالْوَاو بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْده لَا بِالنِّسْبَةِ الَّتِي للْجمع فَيَقُول حسن وصحيح قَالَ ثمَّ إِن الَّذِي يتَبَادَر إِلَيْهِ الْفَهم أَن التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا يحكم على الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره فَهَذَا يقْدَح فِي الْجَواب ويتوقف أَيْضا على اعْتِبَار الْأَحَادِيث الَّتِي جمع التِّرْمِذِيّ فِيهَا بَين الوصفين فَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا مَا لَا اخْتِلَاف عِنْد جَمِيعهم فِي صِحَّتهَا قدح فِي الْجَواب أَيْضا لَكِن لَو سلم هَذَا الْجَواب لَكَانَ أقرب إِلَى مُرَاده من غَيره قَالَ وَإِنِّي لأميل إِلَيْهِ وأرتضيه وَالْجَوَاب عَمَّا يرد عَلَيْهِ مُمكن قَالَ وَقيل يجوز أَن يكون مُرَاده أَن ذَلِك بِاعْتِبَار وفين مُخْتَلفين وهما الْإِسْنَاد وَالْحكم فَيجوز أَن يكون قَوْله حسن أَي بِاعْتِبَار إِسْنَاده صَحِيح أَي بِاعْتِبَار حكمه لِأَنَّهُ من قبيل المقبول وكل مَقْبُول يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم الصِّحَّة وَهَذَا يمشي على قَول من يفرد الْحسن من الصَّحِيح بل يُسَمِّي الْكل صَحِيحا لَكِن يرد عَلَيْهِ مَا أوردناه أَولا من أَن التِّرْمِذِيّ أَكثر من الحكم بذلك على الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْإِسْنَاد قَالَ وَأجَاب بعض الْمُتَأَخِّرين بِأَنَّهُ أَرَادَ حسن على طَريقَة من يفرق بَين النَّوْعَيْنِ لقُصُور رُتْبَة رَاوِيه عَن دَرَجَة الصِّحَّة المصطلحة صَحِيح على طَريقَة من لَا يفرق بَينهمَا

стр. 336

قَالَ وَيرد عَلَيْهِ مَا أوردناه فِيمَا سبق قَالَ وَاخْتَارَ بعض من أدركناه أَن اللَّفْظَيْنِ عِنْده مترافان وَيكون إِتْيَانه بِاللَّفْظِ الثَّانِي بعد الول على سَبِيل التَّأْكِيد لَهُ كَمَا يُقَال صَحِيح ثَابت أَو جيد قوي أَو غير ذَلِك قَالَ وَهَذَا قد يقْدَح فِيهِ الْقَاعِدَة فَإِن الْحمل على التأسيس خير من الْحمل على التَّأْكِيد لِأَن الأَصْل عدم التَّأْكِيد لَكِن قد ينْدَفع الْقدح بِوُجُود الْقَرِينَة الدَّالَّة على ذَلِك وَقد وجدنَا فِي عبارَة غير وَاحِد كالدارقطني هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت قَالَ وَفِي الْجُمْلَة أقوى الْأَجْوِبَة مَا أجَاب بِهِ بَان دَقِيق الْعِيد انْتهى كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر فِي النكت قَالَ فِي شرح النخبة إِذا اجْتمع الصَّحِيح وَالْحسن فِي وصف وَاحِد فالتردد الْحَاصِل من الْمُجْتَهد فِي النَّاقِل هَل اجْتمعت فِيهِ شُرُوط الصِّحَّة أَو قصر عَنْهَا وَهَذَا حَدِيث يحصل مِنْهُ التفرد بِتِلْكَ الرِّوَايَة قَالَ ومحصل الْجَواب أَن تردد أَئِمَّة الحَدِيث فِي ناقليه اقْتضى للمجتهد أَن لَا يصفه بِأحد الوصفين فَيُقَال فِيهِ حسن بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم وَغَايَة مَا فِيهِ أَنه حذف مِنْهُ حرف التَّرَدُّد لِأَنَّهُ حَقه أَن يَقُول حسن أَو صَحِيح وَهَذَا كَمَا حذف حرف الْعَطف من الَّذِي بعده وعَلى هَذَا مَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح دون مَا قيل فِيهِ صَحِيح لِأَن الْجَزْم أقوى من التَّرَدُّد وَهَذَا من حَيْثُ التفرد وَإِلَّا فَإِذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين مَعًا على الحَدِيث يكون بِاعْتِبَار إسنادين أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر حسن وعَلى هَذَا فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح فَوق مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط إِذا كَانَ فَردا لِأَن كَثْرَة الطّرق تقَوِّي

стр. 337

فَإِن قيل قد صرح التِّرْمِذِيّ بِأَن شَرط الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه فَالْجَوَاب أَن التِّرْمِذِيّ لم يعرف الْحسن مُطلقًا وَغنما عرف بِنَوْع خَاص وَقع فِي كِتَابه وَهُوَ مَا يَقُول فِيهِ حسن من غير صفة أُخْرَى وذ لَك أَنه يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث حسن وَفِي بَعْضهَا صَحِيح وَفِي بَعْضهَا غَرِيب وَفِي بَعْضهَا حسن صَحِيح وَفِي بَعْضهَا حسن غَرِيب وَفِي بَعْضهَا صَحِيح غَرِيب وَفِي بَعْضهَا حسن صَحِيح غَرِيب وتعريفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط وَعبارَته ترشد إِلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ فِي أَوَاخِر كِتَابه وَمَا قُلْنَا فِي كتَابنَا حَدِيث حسن فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ حسن إِسْنَاده عندنَا فَكل حَدِيث رُوِيَ لَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بكذب ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك وَلَا يكون شاذا فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن يعرف بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عرف الَّذِي يَقُول فِيهِ حسن فَقَط أما مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح أَو حسن غَرِيب أَو حسن صَحِيح غَرِيب فَلم يعرج على تَعْرِيفه كَمَا لم يعرج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ صَحِيح فَقَط أَو غَرِيب فَقَط وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء بشهرته عِنْد أهل الْفَنّ وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ فِي كِتَابه حسن فَقَط إِمَّا لغموضه وَإِمَّا لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد وَلذَلِك قيد بقوله عندنَا وَلم ينْسبهُ إِلَى أهل الحَدِيث كَمَا فعل الْخطابِيّ وَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِي طَال الْبَحْث فِيهَا وَلم يسفر وَجه توجيهها فَللَّه الْحَمد على مَا ألهم وَعلم قلت وَظهر لي توجيهان آخرَانِ أَحدهمَا أَن المُرَاد حسن لذاته صَحِيح لغيره وَالْآخر أَن المُرَاد حسن بِاعْتِبَار إِسْنَاده صَحِيح أَي أَنه أصح شَيْء ورد فِي الْبَاب فَإِنَّهُ يُقَال أصح مَا ورد كَذَا وَإِن كَانَ حسنا اَوْ ضَعِيفا فَالْمُرَاد أرجحه أَو أَقَله ضعفا

стр. 338

ثمَّ إِن التِّرْمِذِيّ لم ينْفَرد بِهَذَا المصطلح بل سبقه إِلَيْهِ شَيْخه البُخَارِيّ كَمَا نَقله ابْن الصّلاح فِي غير مُخْتَصره وَالزَّرْكَشِيّ وَابْن حجر فِي نكتهما قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَاعْلَم أَن هَذَا السُّؤَال يرد بِعَيْنِه فِي قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لِأَن من شَرط الْحسن أَن يكون مَعْرُوفا من غير وَجه والغريب مَا انْفَرد بِهِ أحد رُوَاته وَبَينهمَا تناف قَالَ وَجَوَابه ان الْغَرِيب يطبق على أَقسَام غَرِيب من جِهَة الْمَتْن وغريب من جِهَة الْإِسْنَاد وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي دون الأول لِأَن هَذَا الْغَرِيب مَعْرُوف عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لَكِن تفرد بَعضهم بروايته عَن صَحَابِيّ فبحسب الْمَتْن حسن وبحسب الْإِسْنَاد غَرِيب لِأَنَّهُ لم يروه من تِلْكَ الْجَمَاعَة إِلَّا وَاحِد وَلَا مُنَافَاة بَين الْغَرِيب بِهَذَا الْمَعْنى وَبَين الْحسن بِخِلَاف سَائِر الغرائب فَإِنَّهَا تنَافِي الْحسن انْتهى مَا نقل من قوت المغتذي وَقد سُئِلَ الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية عَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا فَقَالَ الْجَواب أما الْغَرِيب فَهُوَ الَّذِي لَا يعرف إِلَّا من طَرِيق وَاحِد ثمَّ قد يكون صَحِيحا كَحَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَنَهْيه عَن بيع الْوَلَاء وهبته وَحَدِيث أَنه دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر فَهَذِهِ صِحَاح فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَهِي غَرِيبَة عَن أهل الحَدِيث فَالْأول إِنَّمَا ثَبت عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ عَن عمر بن الْخطاب وَالثَّانِي إِنَّمَا يعرف من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر وَالثَّالِث إِنَّمَا يعرف من رِوَايَة مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس وَلَكِن أَكثر الغرائب ضَعِيفَة وَأما الْحسن فِي اصْطِلَاح التِّرْمِذِيّ فَهُوَ مَا رُوِيَ من وَجْهَيْن وَلَيْسَ فِي رُوَاته من هُوَ مُتَّهم بِالْكَذِبِ وَلَا هُوَ شَاذ مُخَالف للأحاديث الصَّحِيحَة فَهَذِهِ الشُّرُوط هِيَ الَّتِي شَرطهَا التِّرْمِذِيّ فِي الْحسن لكم من النَّاس من يَقُول قد يُسَمِّي حسنا مَا لَيْسَ كَذَلِك مثل حَدِيث يَقُول فِيهِ حسن غَرِيب فَإِنَّهُ لم يرو إِلَّا من وَجه وَاحِد وَقد سَمَّاهُ حسنا

стр. 339

وَقد أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ قد يكون غَرِيبا لم يرو إِلَّا عَن تَابِعِيّ وَاحِد لَكِن رُوِيَ عَنهُ من وَجْهَيْن فَصَارَ حسنا لتَعَدد طرقه عَن ذَلِك الشَّخْص وَهُوَ فِي أَصله غَرِيب وَكَذَلِكَ الصَّحِيح الْحسن الْغَرِيب قد يكون مرويا بِإِسْنَاد صَحِيح غَرِيب ثمَّ رُوِيَ عَن الرَّاوِي الْأَعْلَى بطرِيق صَحِيح وَطَرِيق آخر فَيصير بذلك حسنا مَعَ أَنه صَحِيح غَرِيب لِأَن الْحسن مَا تعدّدت طرقه وَلَيْسَ فِيهَا مُتَّهم فَإِن كَانَ صَحِيحا من الطَّرِيقَيْنِ فَهَذَا صَحِيح مَحْض وَإِن كَانَ أحد الطَّرِيقَيْنِ لم يعلم صِحَّته فَهَذَا حسن وَقد يكون غَرِيب الْإِسْنَاد فَلَا يعرف بذلك الْإِسْنَاد إِلَّا من ذَلِك الْوَجْه وَهُوَ حسن الْمَتْن لِأَن الْمَتْن رُوِيَ من وَجْهَيْن وَلِهَذَا يَقُول وَفِي الْبَاب عَن فلَان وَفُلَان فَيكون لمعناه شَوَاهِد تبين أَن مَتنه حسن وَإِن كَانَ إِسْنَاده غَرِيبا وَإِذا قَالَ مَعَ ذَلِك إِنَّه صَحِيح فَيكون قد ثَبت من طَرِيق صَحِيح وَرُوِيَ من طَرِيق حسن فَاجْتمع فِيهِ الصِّحَّة وَالْحسن وَيكون غَرِيبا من ذَلِك الْوَجْه لَا يعرف من ذَلِك الْإِسْنَاد إِلَّا من ذَلِك الْوَجْه وغن كَانَ صَحِيحا من ذَلِك الْوَجْه فقد يكون صَحِيحا غَرِيبا وَهَذَا لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي اجْتِمَاع الْحسن والغربة وَقد تقدم أَنه قد يكون غَرِيبا ثمَّ يصير حسنا فَيكون حسنا غَرِيبا كَمَا ذكر من الْمَعْنيين وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة لأولي الْجد والعناية وَهنا تمّ الْكَلَام فِي المبحث الثَّانِي فِي الحَدِيث الْحسن وبينما كُنَّا نُرِيد أَن نشرع فِي المبحث الثَّالِث فِي الحَدِيث الضَّعِيف وقفنا على كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث لِلْحَافِظِ الجل الْمجمع على صدقه وإمامته فِي هَذَا الْفَنّ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الضَّبِّيّ الْمَعْرُوف بالحاكم فَوَجَدنَا فِيهِ فَوَائِد مهمة رائقة يَنْبَغِي لطالبي هَذَا الْفَنّ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَرَأَيْنَا أَن نورد من كل مَبْحَث من مباحثه شَيْئا مِمَّا ذكر فِيهِ حَتَّى يكون الْمطَالع لذَلِك كَأَنَّهُ مشرف عَلَيْهِ

стр. 340

قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله بن عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي الْحَمد لله ذِي الْمَنّ وَالْإِحْسَان وَالْقُدْرَة وَالسُّلْطَان الَّذِي أنشأ الْخلق بربوبيته وجنسهم بمشيئته وَاصْطفى مِنْهُم طَائِفَة أصفياء وجعلهم بررة أتقياء فهم خَواص عباده وأوتاد بِلَاده يصرف عَنْهُم البلايا ويخصهم بالخيرات والعطايا فهم القائمون بِإِظْهَار دينه والمتمسكون بسنن نبيه فَلهُ الْحَمد على مَا قدر وَقضى وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله زجر عَن اتِّخَاذ الْأَوْلِيَاء دون كِتَابه وَاتِّبَاع الْخلق دون نبيه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده الْمُصْطَفى وَرَسُوله الْمُجْتَبى بلغ عَنهُ رسَالَته فصلى الله عَلَيْهِ آمرا وناهيا ومبيحا وزاجرا وعَلى آله الطيبين قَالَ الْحَاكِم أما بعد فَإِنِّي لما رَأَيْت الْبدع فِي زَمَاننَا كثرت وَمَعْرِفَة النَّاس بأصول السّنَن قلت مَعَ إمعانهم فِي كِتَابه الْأَخْبَار وَكَثْرَة طلبَهَا على الإهمال والإغفال دَعَاني ذَلِك إِلَى تصنيف كتاب خَفِيف يشْتَمل على ذكر أَنْوَاع علم الحَدِيث مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ طلبه الْأَخْبَار المواظبون على كِتَابه الْآثَار وأعتمد فِي ذَلِك

стр. 341

سلوك الِاخْتِصَار دون الإطناب فِي الْإِكْثَار وَالله الْمُوفق لما قصدته والمان فِي بَيَان مَا أردته إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق الْبَصْرِيّ حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا شُعْبَة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ سَمِعت أبي يحدث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يزَال نَاس من أمتِي منصورين لَا يضرهم من خذلهم حَتَّى تقوم السَّاعَة سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الحميد الْآدَمِيّ يَقُول سَمِعت مُوسَى بن هَارُون يَقُول سَمِعت أحد بن حَنْبَل وَسُئِلَ عَن معنى هَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِن لم تكن هَذِه الطَّائِفَة المنصورة أَصْحَاب الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم قَالَ أَبُو عبد الله وَفِي مثل هَذَا قيل من أَمر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بِالْحَقِّ فَلَقَد أحسن أَحْمد بن حَنْبَل فِي تَفْسِير هَذَا الْخَبَر أَن الطَّائِفَة المنصورة الَّتِي يرفع الخذلان عَنْهُم إِلَى قيام السَّاعَة هم أَصْحَاب الحَدِيث وَمن أَحَق بِهَذَا التَّأْوِيل من قوم سلكوا محجة الصَّالِحين وَاتبعُوا آثَار السّلف من الماضين ودمغوا أهل الْبدع والمخالفين بسنن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله أَجْمَعِينَ سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن سهل الْفَقِيه ببخارى يَقُول سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن سَلام الْفَقِيه يَقُول لَيْسَ شَيْء أثقل على أهل الْإِلْحَاد وَلَا أبْغض إِلَيْهِم من سَماع الحَدِيث وَرِوَايَته بِإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله وعَلى هَذَا عهدنا فِي أسفارنا وأوطاننا كل من ينْسب إِلَى نوع من الْإِلْحَاد والبدع لَا ينظر إِلَى الطَّائِفَة المنصورة إِلَّا بِعَين الحقارة ويسميها الحشوية

стр. 342

ذكر أول نوع من أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث النَّوْع الأول من هَذِه الْعُلُوم معرفَة عالي الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا جَابر بن عبد الله على كَثْرَة حَدِيثه وملازمته رَحل إِلَى من هُوَ مثله أَو دونه مَسَافَة بعيدَة فِي طلب حَدِيث وَاحِد والعالية من الْأَسَانِيد لَيْسَ على مَا يتوهمه عوام النَّاس يعدون الْأَسَانِيد فَمَا وجدوا مِنْهَا أقرب عددا إِلَى رَسُول الله ﷺ يتوهمونه أَعلَى والعالية من الْأَسَانِيد الَّتِي تعرف بالفهم لَا بعد الرِّجَال غير هَذَا فَرب إِسْنَاد يزِيد عدده على السَّبْعَة وَالثَّمَانِيَة إِلَى الْعشْرَة وَهُوَ أَعلَى مِمَّا ينقص عَن ذَلِك

стр. 343

ومثاله مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا الْحسن بن عَليّ بن عَفَّان العامري حَدثنَا عبد الله بن نمير عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خصْلَة من نفاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث وَكذب وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا وعد أخلف وَإِذا خَاصم فجر هَذَا إِسْنَاد صَحِيح مخرج فِي كتاب مُسلم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه وَقد بلغ عدد رُوَاته سَبْعَة وَهُوَ أَعلَى من الْأَرْبَع الَّذِي قدمنَا ذكره فَإِن الْغَرَض فِيهِ الْقرب من سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش فَإِن الحَدِيث لَهُ وَهُوَ إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث وَكَذَلِكَ كل إِسْنَاد يقرب من الإِمَام الْمَذْكُور فِيهِ فَإِذا صحت الرِّوَايَة إِلَى ذَلِك الإِمَام بِالْعدَدِ الْيَسِير فَإِنَّهُ عالي حَدثنَا عَليّ بن الْفضل حَدثنَا الْحسن بن عَرَفَة الْعَبْدي حَدثنَا هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مطل الْغَنِيّ ظلم وَهَذَا أَعلَى مَا يَقع لأقراننا من الْأَسَانِيد وَفِي إِسْنَاده سَبْعَة إِلَى رَسُول الله ﷺ وَغنما صَار عَالِيا لقُرْبه من هشيم بن بشير وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ كل إِسْنَاد يقرب من عبد الْملك بن جريج وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك بن أنس وسُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهم من أَئِمَّة الحَدِيث فَإِنَّهُ عالي وَإِن زَاد

стр. 344

فِي عدده بعد ذكر الإِمَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ مِثَالا فَهَذِهِ عَلامَة الْإِسْنَاد العالي ذكر النَّوْع الثَّانِي من أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث النَّوْع الثَّانِي فِي معرف الحَدِيث الْعلم بالنازل من إِسْنَاد وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول النُّزُول ضد الْعُلُوّ فَمن عرف الْعُلُوّ فقد عرف ضِدّه وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن للنزول مَرَاتِب لَا يعرفهَا إِلَّا أهل الصَّنْعَة فَمِنْهَا مَا تُؤدِّي الضَّرُورَة إِلَى سَمَاعه نازلا وَمِنْهَا مَا يحْتَاج طَالب الْعلم لى معرفَة وتبحر فِيهِ فَلَا يكْتب النَّازِل وَهُوَ مَوْجُود بِإِسْنَاد أَعلَى مِنْهُ ذكر النَّوْع الثَّالِث من أَنْوَاع الحَدِيث النَّوْع الثَّالِث من هَذَا الْعلم معرفَة صدق الْمُحدث وإتقانه وثبته وَصِحَّة أُصُوله وَمَا يتحمله سنه ورحلته من الْأَسَانِيد وَغير ذَلِك من غفلته وتهاونه بِنَفسِهِ وَعلمه وأصوله حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْحَافِظ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله السَّعْدِيّ حَدثنَا مُعَاوِيَة بت هِشَام حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ مَا كل الحَدِيث سمعناه من رَسُول الله ﷺ كَانَ يحدثنا أَصْحَابنَا وَكُنَّا مشتغلين فِي رِعَايَة الْإِبِل وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا يطْلبُونَ مَا يفوتهُمْ سَمَاعه من رَسُول الله ﷺ فيسمعونه من أقرانهم وَمِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُم وَكَانُوا يشددون على من كَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ وَكَانَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاع التَّابِعين ثمَّ من أَئِمَّة الْمُسلمين يبحثون وينقرون عَن الحَدِيث إِلَى أَن يَصح لَهُم

стр. 345

وَمِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ طَالب الحَدِيث فِي زَمَاننَا أَن يبْحَث عَن أَحْوَال الْمُحدث أَولا هَل يعْتَقد الشَّرِيعَة فِي التَّوْحِيد وَهل يلْزم نَفسه طَاعَة الْأَنْبِيَاء وَالرسل فِيمَا أُوحِي إِلَيْهِم وَوَضَعُوا من الشَّرْع ثمَّ يتَأَمَّل هَل هُوَ صَاحب هوى يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ فَإِن الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَة لَا يكْتب عَنهُ وَلَا كَرَامَة لإِجْمَاع جمَاعَة من أَئِمَّة الْمُسلمين على تَركه ثمَّ يتعرف سنه هَل يحْتَمل سَمَاعه عَن شُيُوخه الَّذين يحدث عَنْهُم فقد رَأينَا من الْمَشَايِخ جمَاعَة أخبرونا بسن يقصر عَن لَقِي شُيُوخ حدثوا عَنْهُم ثمَّ يتَأَمَّل أُصُوله أعتيقة هِيَ أم جَدِيدَة فقد نبغ فِي عصرنا هَذَا جمَاعَة يشْتَرونَ الْكتب فيحدثون بهَا وَجَمَاعَة يَكْتُبُونَ سماعاتهم بخطوطهم فِي كتب عتيقة فِي الْوَقْت فيحدثون بهَا فَمن يسمع مِنْهُم من غير أهل الصَّنْعَة فمعذور بجهله فَأَما أهل الصَّنْعَة إِذا سمعُوا من أَمْثَال هَؤُلَاءِ بعد الْخِبْرَة فَفِيهِ جرحهم وإسقاطهم إِلَى أَن تظهر تَوْبَتهمْ على ان الْجَاهِل بالصنعة لَا يعْذر فَإِنَّهُ يلْزمه السُّؤَال عَمَّا لَا يعرفهُ وعَلى ذَلِك كَانَ السّلف ذكر الوع الرَّابِع من معرفَة عُلُوم الحَدِيث النَّوْع الرَّابِع من هَذَا الْعلم معرفَة المسانيد من الْأَحَادِيث وَهَذَا علم كَبِير من هَذِه الْأَنْوَاع لاخْتِلَاف أَئِمَّة الْمُسلمين فِي الِاحْتِجَاج بِغَيْر الْمسند والمسند من الحَدِيث أَن يرويهِ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ بجهله وَكَذَلِكَ سَماع شَيْخه من شَيْخه إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ إِن للمسند شَرَائِط غير مَا ذكرنَا مِنْهَا أَن يكون مَوْقُوفا وَلَا مُرْسلا

стр. 346

وَلَا معضلا وَلَا فِي رِوَايَته مُدَلّس فَهَذِهِ الْأَنْوَاع يَجِيء شرحها بعد هَذَا فَإِن معرفَة كل نوع مِنْهَا علم على الِانْفِرَاد وم شَرَائِط الْمسند أَن لَا يكون فِي إِسْنَاده أخْبرت عَن فلَان وَلَا رَفعه فلَان وَلَا أَظُنهُ مَرْفُوعا وَغير ذَلِك مِمَّا يفْسد بِهِ وَنحن مَعَ هَذِه الشَّرَائِط أَيْضا لَا نحكم لهَذَا الحَدِيث بِالصِّحَّةِ فَإِن الصَّحِيح من الحَدِيث لَهُ شَرط نذكرهُ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذكر النَّوْع الْخَامِس من هَذِه الْعُلُوم النَّوْع الْخَامِس مِنْهُ معرفَة الْمَوْقُوفَات من الرِّوَايَات إِن الْمَوْقُوف على الصَّحَابَة قَلما يخفى على أهل الْعلم وَمن الْمَوْقُوف الَّذِي يسْتَدلّ بِهِ على أَحَادِيث كَثِيرَة مَا حدّثنَاهُ أَحْمد بن كَامِل القَاضِي حَدثنَا يزِيد بن الْهَيْثَم حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر الفيدي حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن أبي سِنَان عَن عبد الله بن أبي الْهُذيْل عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَول الله ﴿لواحة للبشر﴾ قَالَ تلقاهم جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة فتلفحهم لفحة فَلَا تتْرك لَحْمًا على عظم إِلَّا وَضعته على العراقيب وَأَشْبَاه هَذَا من الْمَوْقُوفَات يعد فِي تَفْسِير الصَّحَابَة فَأَما مَا نقُول فِي تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِنَّه مُسْند فَإِنَّمَا نقُوله فِي غير هَذَا النَّوْع وَذَلِكَ فِيمَا إِذا أخبر الصَّحَابِيّ الَّذِي شهد الْوَحْي والتنزيل عَن آيَة من الْقُرْآن أَنَّهَا نزلت فِي كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ حَدِيث مُسْند وَمِمَّا يلْزم طَالب الحَدِيث مَعْرفَته نوع من الْمَوْقُوفَات وَهِي مُرْسلَة قبل الْوُصُول إِلَى الصَّحَابَة وَمِمَّا يلْزم طَالب الحَدِيث مَعْرفَته نوع آخر من الْمَوْقُوفَات وَهِي مُسندَة فِي

стр. 347

الأَصْل يقصر بِهِ بعض الروَاة فَلَا يسْندهُ مِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد الْعَنْبَري حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْعَبْدي حَدثنَا أُميَّة بن بسطَام حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا روح بن الْقَاسِم حَدثنَا مَنْصُور عَن ربعي بن حِرَاش عَن أبي مَسْعُود قَالَ إِن مَا حفظ النَّاس من آخر النُّبُوَّة إِذا لم تَسْتَحي فَاصْنَعْ مَا شِئْت هَذَا حَدِيث أسْندهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا عَن مَنْصُور وَقد قصر بِهِ روح بن الْقَاسِم فَوَقفهُ وَمِثَال هَذَا فِي الحَدِيث كثير وَلَا يعلم سندها إِلَّا الفرسان من حفاظ الحَدِيث وَلَا يعد فِي الْمَوْقُوفَات ذكر النَّوْع السَّادِس من معرفَة عُلُوم الحَدِيث النَّوْع السَّادِس من هَذَا الْعلم معرفَة الْأَسَانِيد الَّتِي لَا يذكر سندها عَن رَسُول الله ﷺ فَمن ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد حَدثنَا مُحَمَّد بن حبَان الصَّنْعَانِيّ حَدثنَا عَمْرو بن عبد الْغفار

стр. 348

الصَّنْعَانِيّ حَدثنَا بشر بن السّري حَدثنَا زَائِدَة عَن عمار بن أبي مُعَاوِيَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كُنَّا نتمضمض من اللَّبن وَلَا نَتَوَضَّأ مِنْهُ هَذَا بَاب كَبِير يطول ذكره بِالْأَسَانِيدِ فَمن ذَلِك مَا ذكرنَا وَمن ذَلِك قَول الصَّحَابِيّ الْمَعْرُوف بالصحبة أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا ونهينا عَن كَذَا وَكَذَا وَكُنَّا نؤمر بِكَذَا وَكُنَّا ننهي عَن كَذَا وَكُنَّا نَفْعل كَذَا وَكُنَّا نقُول وَرَسُول الله ﷺ فِينَا وَكُنَّا لَا نرى بَأْسا كَذَا وَكَانَ يُقَال كَذَا وَكَذَا وَقَول الصَّحَابِيّ من السّنة كَذَا وَأَشْبَاه مَا ذَكرْنَاهُ إِذا قَالَه الصَّحَابِيّ الْمَعْرُوف بالصحبة فَهُوَ حَدِيث مُسْند وكل ذَلِك مخرج فِي المسانيد ذكر النَّوْع السَّابِع من أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث النَّوْع السَّابِع من هَذَا الْعلم معرفَة الصَّحَابَة على مَرَاتِبهمْ وَقد قسمهم إِلَى اثْنَتَيْ عشرَة طبقَة والطبقة الثَّانِيَة عشرَة مِنْهُم صبيان وَأَطْفَال رَأَوْا رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح أَو فِي حجَّة الْوَدَاع أَو فِي غَيرهمَا ثمَّ قَالَ وَمن تبحر فِي معرفَة الصَّحَابَة فَهُوَ حَافظ كَامِل الْحِفْظ فقد رَأَيْت جمَاعَة من مَشَايِخنَا يروون الحَدِيث الْمُرْسل عَن تَابِعِيّ عَن رَسُول اله ﷺ فيتوهمونه صحابيا وَرُبمَا رووا الْمسند عَن صَحَابِيّ فيتوهمونه تابعيا ذكر النَّوْع الثَّامِن من عُلُوم الحَدِيث النَّوْع الثَّامِن من هَذَا الْعلم معرفَة الْمَرَاسِيل الْمُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بهَا وَهَذَا نوع من علم الحَدِيث صَعب قَلما يَهْتَدِي إِلَيْهِ إِلَّا المتبحر فِي هَذَا الْعلم فَإِن مَشَايِخ

стр. 349

الحَدِيث لم يَخْتَلِفُوا أَن الحَدِيث الْمُرْسل هُوَ الَّذِي يرويهِ الْمُحدث بأسانيد مُتَّصِلَة إِلَى التَّابِعِيّ فَيَقُول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ واكثر مَا تروى الْمَرَاسِيل من أهل الْمَدِينَة عَن سعيد بن الْمسيب وَمن أهل مَكَّة عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَمن أهل مصر عَن سعيد بن أبي هِلَال وَمن أهل الشَّام عَن مَكْحُول الدِّمَشْقِي وَمن أهل الْبَصْرَة عَن الْحسن بن أبي الْحسن وَمن أهل الْكُوفَة عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ وَقد يرْوى الحَدِيث بعد الحَدِيث عَن غَيرهم من التَّابِعين إِلَّا أَن الْغَلَبَة لرواياتهم وأصحها مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب وَهُوَ فَقِيه أهل الْحجاز ومقدمهم وَأول الْفُقَهَاء السَّبْعَة الَّذين يعد مَالك بن أنس إِجْمَاعهم إِجْمَاع كَافَّة النَّاس واما مَشَايِخ أهل الْكُوفَة فَإِن عِنْدهم أَن كل حَدِيث أرْسلهُ أحد من التَّابِعين أَو أَتبَاع التَّابِعين أَو من بعدهمْ من الْعلمَاء فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ مُرْسل وَهُوَ مُحْتَج بِهِ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك عندنَا فَإِن مُرْسل أَتبَاع التَّابِعين عندنَا معضل قَالَ يزِيد بن هَارُون لحماد بن زيد يَا أَبَا إِسْمَاعِيل هَل ذكر الله أَصْحَاب الحَدِيث فِي الْقُرْآن فَقَالَ بلَى ألم تسمع إِلَى قَول الله تَعَالَى ﴿ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فَهَذَا فِيمَن رَحل فِي طلب الْعلم ثمَّ رَجَعَ بِهِ إِلَى من وَرَاءه ليعلمهم إِيَّاه فَفِي هَذَا النَّص دَلِيل على أَن الْعلم المحتج بِهِ هُوَ المسموع غير الْمُرْسل هَذَا من الْكتاب واما من السّنة فَالْحَدِيث الْمَشْهُور المستفيض وَهُوَ قَوْله ﷺ نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها حَتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَى من لم يسْمعهَا

стр. 350

ذكر النَّوْع التَّاسِع من معرفَة عُلُوم الحَدِيث النَّوْع التَّاسِع من هَذَا الْعلم معرفَة الْمُنْقَطع من الحَدِيث وَهُوَ غير الْمُرْسل وقلما يُوجد فِي الْحفاظ من يُمَيّز بَينهمَا والمنقطع على أَنْوَاع ثَلَاثَة ١ - فمثال نوع مِنْهَا مَا حدّثنَاهُ أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد السماك بِبَغْدَاد حَدثنَا أَيُّوب بن سُلَيْمَان السَّعْدِيّ حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُوسَى اللاحوني أَبُو روح حَدثنَا هِلَال بن حق عَن الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء وَهُوَ ابْن الشخير عَن رجلَيْنِ من بني حَنْظَلَة عَن شَدَّاد بن أَوْس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلم أَحَدنَا أَن يَقُول فِي صلَاته اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك التثبت فِي الْأُمُور وعزيمة الرشد وَأَسْأَلك قلبا سليما وَلِسَانًا صَادِقا وَأَسْأَلك شكر نِعْمَتك وَحسن عبادتك وأستغفرك لما تعلم وَأَعُوذ بك من شَرّ مَا تعلم وَأَسْأَلك من خير مَا تعلم هَذَا الْإِسْنَاد مِثَال لنَوْع من الْمُنْقَطع لجَهَالَة الرجلَيْن بَين أبي الْعَلَاء بن الشخير وَشَدَّاد بن أَوْس وشواهده فِي الحَدِيث كَثِيرَة ٢ - وَقد يروي الحَدِيث وَفِي إِسْنَاده رجل غير مُسَمّى وَلَيْسَ بمنقطع وَمِثَال ذَلِك مَا أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَحْبُوب التَّاجِر بمرو حَدثنَا أَحْمد بن سيار حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير أَنبأَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد حَدثنَا شيخ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي على النَّاس زمَان يُخَيّر الرجل بَين الْعَجز والفجور فَمن أدْرك ذَلِك الزَّمَان فليختر الْعَجز على الْفُجُور وَهَكَذَا واه عتاب بن بشير والهياج بن بسطَام عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وَإِذا

стр. 351

الرجل الَّذِي لم يقفوا على اسْمه أَبُو عمر الجدلي وَهَذَا النَّوْع من الْمُنْقَطع الَّذِي لَا يقف عَلَيْهِ إِلَّا الْحَافِظ الْفَهم المتبحر فِي الصَّنْعَة وَله شَوَاهِد كَثِيرَة جعلت هَذَا الْوَاحِد شَاهدا لَهَا ٣ - وَالنَّوْع الثَّالِث من الْمُنْقَطع أَن يكون فِي الْإِسْنَاد رِوَايَة راو لم يسمع من الَّذِي يروي عَنهُ الحَدِيث قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ الَّذِي هُوَ مَوضِع الْإِرْسَال وَلَا يُقَال لهَذَا النَّوْع من الحَدِيث مُرْسل وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ مُنْقَطع مِثَاله مَا حدّثنَاهُ أَبُو النَّصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفَقِيه حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ ذكر الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن يثيع عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن وليتموها أَبَا بكر فقوي أَمِين لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَإِن وليتموها عليا فهاد مهْدي يقيكم على طَرِيق مُسْتَقِيم هَذَا إِسْنَاد لَا يتأمله متأمل إِلَّا علم اتِّصَاله وَسَنَده فَإِن الْحَضْرَمِيّ وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر ثقتان وَسَمَاع عبد الرَّزَّاق من سُفْيَان الثَّوْريّ واشتهاره بِهِ مَعْرُوف وَكَذَلِكَ سَماع الثَّوْريّ من أبي إِسْحَاق واشتهاره بِهِ مَعْرُوف وَفِيه انْقِطَاع فِي موضِعين فَإِن عبد الرَّزَّاق لم يسمعهُ من الثَّوْريّ وَالثَّوْري لم يسمعهُ من أبي إِسْحَاق أخبرناه أَبُو عَمْرو بن السماك حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْهَيْثَم القَاضِي

стр. 352

حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي السّري حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أَخْبرنِي النُّعْمَان بن أبي شيبَة الجندي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق فَذكر نَحوه حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي دارم الْحَافِظ بِالْكُوفَةِ حَدثنَا الْحسن بن عُلْوِيَّهُ الْقطَّان حَدثنِي عبد السَّلَام بن صَالح حَدثنَا عبد الله بن نمير حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن يثيع عَن حُذَيْفَة قَالَ ذكرُوا الْإِمَارَة والخلافة عِنْد النَّبِي ﷺ فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ وكل من تَأمل مَا ذَكرْنَاهُ من الْمُنْقَطع علم وتيقن أَن هَذَا الْعلم من الدَّقِيق الَّذِي لَا يَسْتَدْرِكهُ إِلَّا الْمُوفق والطالب المتعلم ذكر النَّوْع الْعَاشِر من عُلُوم الحَدِيث النَّوْع الْعَاشِر معرفَة المسلسل من الْأَسَانِيد وَلم يذكر الْحَاكِم تَعْرِيف المسلسل وَإِنَّمَا نَوعه إِلَى ثَمَانِيَة أَنْوَاع اكْتفى فِيهَا بِذكر أمثلتها ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا فَهَذِهِ أَنْوَاع المسلسل من الْأَسَانِيد الْمُتَّصِلَة الَّتِي لَا يشوبها تَدْلِيس وآثار السماع بَين الروايين ظَاهِرَة غير أَن رسم الْجرْح وَالتَّعْدِيل عَلَيْهِمَا مُحكم وَإِنِّي لَا أحكم لبَعض هَذِه الْأَسَانِيد بِالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا ذكرتها ليستدل بشواهدها عَلَيْهَا وَقد تعرض ابْن الصّلاح لعبارة الْحَاكِم مَعَ بَيَان حد المسلسل فَاقْتضى الْحَال إِيرَاد عِبَارَته هُنَا إتماما للفائدة قَالَ النَّوْع الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ معرفَة المسلسل من الحَدِيث التسلسل من نعوت الْأَسَانِيد وَهُوَ عبارَة عَن تتَابع رجال الْإِسْنَاد وتواردهم فِيهِ وَاحِدًا بعدواحد على صفة أَو حَالَة وَاحِدَة وينقسم ذَلِك إِلَى مَا يكون صفة للرواية والتحمل وَإِلَى مَا يكون صفة للرواة

стр. 353

أَو حَالَة لَهُم ثمَّ إِن صفاتهم فِي ذَلِك وأحوالهم أقوالا وأفعالا وَنَحْو ذَلِك تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا نحصيه ونوعه الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِلَى ثَمَانِيَة أَنْوَاع وَالَّذِي ذكره فِيهَا إِنَّمَا هُوَ صور وأمثله ثَمَانِيَة وَلَا انحصار لذَلِك فِي ثَمَانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ وَمِثَال مَا يكون صفة للرواية والتحمل مَا يتسلسل بسمعت فلَانا قَالَ سَمِعت فلَانا إِلَى آخر الْإِسْنَاد أَو يتسلسل بحديثنا أَو أخبرنَا إِلَى آخِره وَمن ذَلِك أخبرنَا وَالله فلَان قَالَ أخبرنَا وَالله فلَان إِلَى آخِره وَمِثَال مَا يرجع إِلَى صِفَات الروَاة وأقوالهم وَنَحْوهَا إِسْنَاد حَدِيث اللَّهُمَّ أَعنِي على شكرك وذكرك وَحسن عبادتك المسلسل بقَوْلهمْ إِنِّي أحبك فَقل وَحَدِيث التشبيك بِالْيَدِ وَحَدِيث الْعد فِي الْيَد فِي أشباه لذَلِك نرويها وتروى كَثِيرَة وَخَيرهَا مَا كَانَ فِيهَا دلَالَة على اتِّصَال السماع وَعدم التَّدْلِيس وَمن فَضِيلَة التسلسل اشتماله على مزِيد الضَّبْط من الروَاة وقلما تسلم المسلسلات من ضعف أَعنِي فِي وصف التسلسل لَا فِي أصل الْمَتْن وَمن المسلسل مَا يَنْقَطِع تسلسله فِي وسط إِسْنَاده وَذَلِكَ نقص فِيهِ وَهُوَ كالمسلسل بِأول حَدِيث سمعته على مَا هُوَ الصَّحِيح فِي ذَلِك وَالله أعلم ذكر النَّوْع الْحَادِي عشر من عُلُوم الحَدِيث هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم هُوَ معرفَة الْأَحَادِيث المعنعنة وَلَيْسَ فِيهَا تَدْلِيس وَهِي مُتَّصِلَة بِإِجْمَاع أَئِمَّة أهل النَّقْل فالرواة الَّذين لَيْسَ من مذاهبهم التَّدْلِيس سَوَاء عندنَا ذكرُوا سماعهم أَو لم يذكروه

стр. 354

ذكر النَّوْع الثَّانِي عشر من عُلُوم الحَدِيث هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم هُوَ المعضل من الرِّوَايَات فقد ذكر إِمَام الحَدِيث عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ فَمن بعده من أَئِمَّتنَا أَن المعضل من الرِّوَايَات أَن يكون بَين الْمُرْسل إِلَى رَسُول الله ﷺ أَكثر من رجل وَأَنه غير مُرْسل فَإِن الْمَرَاسِيل للتابعين دون غَيرهم مِثَال هَذَا النَّوْع من الحَدِيث مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم حَدثنَا ابْن وهب أَخْبرنِي مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ قَاتل عبد مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أذن لَك سيدك قَالَ لَا فَقَالَ لَو قتلت لدخلت النَّار قَالَ سَيّده فَهُوَ حر يَا رَسُول الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ الْآن فقاتل فقد أعضل هَذَا الْإِسْنَاد عَمْرو بن شُعَيْب ثمَّ لَا نعلم أحدا من الروَاة وَصله وَلَا أرْسلهُ عَنهُ فَهُوَ معضل وَلَيْسَ كل شَيْء مَا يشبه هَذَا معضلا فَرُبمَا أعضل أَتبَاع التَّابِعين الحَدِيث وأتباعهم فِي وَقت ثمَّ وصلاه أَو أرْسلهُ فِي وَقت وَالنَّوْع الثَّانِي من المعضل أَن يعضله من أَتبَاع التَّابِعين فَلَا يرويهِ عَن أحد ويوقفه فَلَا يذكرهُ عَن رَسُول الله ﷺ معضلا ثمَّ يُوجد ذَلِك الْكَلَام عَن رَسُول الله ﷺ مُتَّصِلا هَذَا وَقد قضى الْحَال بِأَن نورد هُنَا مَا قَالَه أنَاس من أَرْبَاب الْفَنّ مِمَّن كَانَ بعد الْحَاكِم إتماما للفائدة قَالَ ابْن الصّلاح المعضل لقب لنَوْع خَاص من الْمُنْقَطع فَكل معضل مُنْقَطع وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلا وَقوم يسمونه مُرْسل كَمَا سبق وَهُوَ عبارَة عَمَّا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ أعضله فَهُوَ معضل بِفَتْح الضَّاد وَهُوَ اصْطِلَاح

стр. 355

مُشكل المأخذ من حَيْثُ اللُّغَة وبحثت فَوجدت لَهُم قَوْلهم أَمر عضيل أَي مستغلق شَدِيد وَلَا الْتِفَات فِي ذَلِك إِلَى معضل بِكَسْر الضَّاد وَإِن كَانَ مثل عضيل فِي الْمَعْنى ومثاله مَا يرويهِ تَابع التَّابِعِيّ قَائِلا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ مَا يرويهِ من دون تَابِعِيّ التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَو عَن أبي بكر أَو عمر أَو غَيرهمَا غير ذَاكر للوسائط بَينه وَبينهمْ وَذكر أَبُو بكر نصر السجْزِي الْحَافِظ قَول الرَّاوِي بَلغنِي نَحْو قَول مَالك بَلغنِي عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للملوك طَعَامه وَكسوته الحَدِيث وَقَالَ أَي السجْزِي أَصْحَاب الحَدِيث يسمونه المعضل قلت وَقَول المصنفين من الْفُقَهَاء وَغَيرهم قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا وَنَحْو ذَلِك كُله من قبيل المعضل لما تقدم وَسَماهُ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ فِي بعض كَلَامه مُرْسلا وَذَلِكَ على مَذْهَب من يُسمى كل مَا لَا يتَّصل مُرْسلا كَمَا سبق وَإِذا روى تَابِعِيّ التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ حَدِيثا مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث مُتَّصِل مُسْند إِلَى رَسُول الله ﷺ فقد جعله الْحَاكِم أَبُو عبد الله نوعا من المعضل مِثَاله مَا روينَاهُ عَن الْأَعْمَش عَن الشّعبِيّ قَالَ يُقَال للرجل يَوْم الْقِيَامَة عملت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا عملته فيختم على فِيهِ الحَدِيث فقد أعضله الْأَعْمَش وَهُوَ عِنْد الشّعبِيّ عَن أنس عَن رَسُول الله ﷺ مُتَّصِل مُسْند قلت هَذَا جيد حسن لِأَن هَذَا الِانْقِطَاع بِوَاحِد مضموما إِلَى الْوَقْف يشْتَمل على الِانْقِطَاع بِاثْنَيْنِ الصَّحَابِيّ وَرَسُول الله ﷺ فَذَلِك بِاسْتِحْقَاق اسْم الإعضال أولى وَالله أعلم وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ المعضل مَا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا من أَي
следующие страницы →