Полный текст (855 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الرجل الَّذِي لم يقفوا على اسْمه أَبُو عمر الجدلي وَهَذَا النَّوْع من الْمُنْقَطع الَّذِي لَا يقف عَلَيْهِ إِلَّا الْحَافِظ الْفَهم المتبحر فِي الصَّنْعَة وَله شَوَاهِد كَثِيرَة جعلت هَذَا الْوَاحِد شَاهدا لَهَا
٣ - وَالنَّوْع الثَّالِث من الْمُنْقَطع أَن يكون فِي الْإِسْنَاد رِوَايَة راو لم يسمع من الَّذِي يروي عَنهُ الحَدِيث قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ الَّذِي هُوَ مَوضِع الْإِرْسَال وَلَا يُقَال لهَذَا النَّوْع من الحَدِيث مُرْسل وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ مُنْقَطع
مِثَاله مَا حدّثنَاهُ أَبُو النَّصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفَقِيه حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ ذكر الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن يثيع عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن وليتموها أَبَا بكر فقوي أَمِين لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَإِن وليتموها عليا فهاد مهْدي يقيكم على طَرِيق مُسْتَقِيم
هَذَا إِسْنَاد لَا يتأمله متأمل إِلَّا علم اتِّصَاله وَسَنَده فَإِن الْحَضْرَمِيّ وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر ثقتان وَسَمَاع عبد الرَّزَّاق من سُفْيَان الثَّوْريّ واشتهاره بِهِ مَعْرُوف وَكَذَلِكَ سَماع الثَّوْريّ من أبي إِسْحَاق واشتهاره بِهِ مَعْرُوف وَفِيه انْقِطَاع فِي موضِعين فَإِن عبد الرَّزَّاق لم يسمعهُ من الثَّوْريّ وَالثَّوْري لم يسمعهُ من أبي إِسْحَاق
أخبرناه أَبُو عَمْرو بن السماك حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْهَيْثَم القَاضِي
стр. 352
حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي السّري حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أَخْبرنِي النُّعْمَان بن أبي شيبَة الجندي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق فَذكر نَحوه
حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي دارم الْحَافِظ بِالْكُوفَةِ حَدثنَا الْحسن بن عُلْوِيَّهُ الْقطَّان حَدثنِي عبد السَّلَام بن صَالح حَدثنَا عبد الله بن نمير حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن يثيع عَن حُذَيْفَة قَالَ ذكرُوا الْإِمَارَة والخلافة عِنْد النَّبِي ﷺ فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ
وكل من تَأمل مَا ذَكرْنَاهُ من الْمُنْقَطع علم وتيقن أَن هَذَا الْعلم من الدَّقِيق الَّذِي لَا يَسْتَدْرِكهُ إِلَّا الْمُوفق والطالب المتعلم
ذكر النَّوْع الْعَاشِر من عُلُوم الحَدِيث
النَّوْع الْعَاشِر معرفَة المسلسل من الْأَسَانِيد وَلم يذكر الْحَاكِم تَعْرِيف المسلسل وَإِنَّمَا نَوعه إِلَى ثَمَانِيَة أَنْوَاع اكْتفى فِيهَا بِذكر أمثلتها ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا فَهَذِهِ أَنْوَاع المسلسل من الْأَسَانِيد الْمُتَّصِلَة الَّتِي لَا يشوبها تَدْلِيس وآثار السماع بَين الروايين ظَاهِرَة غير أَن رسم الْجرْح وَالتَّعْدِيل عَلَيْهِمَا مُحكم وَإِنِّي لَا أحكم لبَعض هَذِه الْأَسَانِيد بِالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا ذكرتها ليستدل بشواهدها عَلَيْهَا
وَقد تعرض ابْن الصّلاح لعبارة الْحَاكِم مَعَ بَيَان حد المسلسل فَاقْتضى الْحَال إِيرَاد عِبَارَته هُنَا إتماما للفائدة قَالَ النَّوْع الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ معرفَة المسلسل من الحَدِيث
التسلسل من نعوت الْأَسَانِيد وَهُوَ عبارَة عَن تتَابع رجال الْإِسْنَاد وتواردهم فِيهِ وَاحِدًا بعدواحد على صفة أَو حَالَة وَاحِدَة
وينقسم ذَلِك إِلَى مَا يكون صفة للرواية والتحمل وَإِلَى مَا يكون صفة للرواة
стр. 353
أَو حَالَة لَهُم ثمَّ إِن صفاتهم فِي ذَلِك وأحوالهم أقوالا وأفعالا وَنَحْو ذَلِك تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا نحصيه
ونوعه الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِلَى ثَمَانِيَة أَنْوَاع وَالَّذِي ذكره فِيهَا إِنَّمَا هُوَ صور وأمثله ثَمَانِيَة وَلَا انحصار لذَلِك فِي ثَمَانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ
وَمِثَال مَا يكون صفة للرواية والتحمل مَا يتسلسل بسمعت فلَانا قَالَ سَمِعت فلَانا إِلَى آخر الْإِسْنَاد أَو يتسلسل بحديثنا أَو أخبرنَا إِلَى آخِره وَمن ذَلِك أخبرنَا وَالله فلَان قَالَ أخبرنَا وَالله فلَان إِلَى آخِره
وَمِثَال مَا يرجع إِلَى صِفَات الروَاة وأقوالهم وَنَحْوهَا إِسْنَاد حَدِيث اللَّهُمَّ أَعنِي على شكرك وذكرك وَحسن عبادتك المسلسل بقَوْلهمْ إِنِّي أحبك فَقل وَحَدِيث التشبيك بِالْيَدِ وَحَدِيث الْعد فِي الْيَد فِي أشباه لذَلِك نرويها وتروى كَثِيرَة وَخَيرهَا مَا كَانَ فِيهَا دلَالَة على اتِّصَال السماع وَعدم التَّدْلِيس
وَمن فَضِيلَة التسلسل اشتماله على مزِيد الضَّبْط من الروَاة وقلما تسلم المسلسلات من ضعف أَعنِي فِي وصف التسلسل لَا فِي أصل الْمَتْن وَمن المسلسل مَا يَنْقَطِع تسلسله فِي وسط إِسْنَاده وَذَلِكَ نقص فِيهِ وَهُوَ كالمسلسل بِأول حَدِيث سمعته على مَا هُوَ الصَّحِيح فِي ذَلِك وَالله أعلم
ذكر النَّوْع الْحَادِي عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم هُوَ معرفَة الْأَحَادِيث المعنعنة وَلَيْسَ فِيهَا تَدْلِيس وَهِي مُتَّصِلَة بِإِجْمَاع أَئِمَّة أهل النَّقْل فالرواة الَّذين لَيْسَ من مذاهبهم التَّدْلِيس سَوَاء عندنَا ذكرُوا سماعهم أَو لم يذكروه
стр. 354
ذكر النَّوْع الثَّانِي عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم هُوَ المعضل من الرِّوَايَات فقد ذكر إِمَام الحَدِيث عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ فَمن بعده من أَئِمَّتنَا أَن المعضل من الرِّوَايَات أَن يكون بَين الْمُرْسل إِلَى رَسُول الله ﷺ أَكثر من رجل وَأَنه غير مُرْسل فَإِن الْمَرَاسِيل للتابعين دون غَيرهم
مِثَال هَذَا النَّوْع من الحَدِيث مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم حَدثنَا ابْن وهب أَخْبرنِي مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ قَاتل عبد مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أذن لَك سيدك قَالَ لَا فَقَالَ لَو قتلت لدخلت النَّار قَالَ سَيّده فَهُوَ حر يَا رَسُول الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ الْآن فقاتل
فقد أعضل هَذَا الْإِسْنَاد عَمْرو بن شُعَيْب ثمَّ لَا نعلم أحدا من الروَاة وَصله وَلَا أرْسلهُ عَنهُ فَهُوَ معضل وَلَيْسَ كل شَيْء مَا يشبه هَذَا معضلا فَرُبمَا أعضل أَتبَاع التَّابِعين الحَدِيث وأتباعهم فِي وَقت ثمَّ وصلاه أَو أرْسلهُ فِي وَقت
وَالنَّوْع الثَّانِي من المعضل أَن يعضله من أَتبَاع التَّابِعين فَلَا يرويهِ عَن أحد ويوقفه فَلَا يذكرهُ عَن رَسُول الله ﷺ معضلا ثمَّ يُوجد ذَلِك الْكَلَام عَن رَسُول الله ﷺ مُتَّصِلا
هَذَا وَقد قضى الْحَال بِأَن نورد هُنَا مَا قَالَه أنَاس من أَرْبَاب الْفَنّ مِمَّن كَانَ بعد الْحَاكِم إتماما للفائدة قَالَ ابْن الصّلاح المعضل لقب لنَوْع خَاص من الْمُنْقَطع فَكل معضل مُنْقَطع وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلا وَقوم يسمونه مُرْسل كَمَا سبق وَهُوَ عبارَة عَمَّا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا
وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ أعضله فَهُوَ معضل بِفَتْح الضَّاد وَهُوَ اصْطِلَاح
стр. 355
مُشكل المأخذ من حَيْثُ اللُّغَة وبحثت فَوجدت لَهُم قَوْلهم أَمر عضيل أَي مستغلق شَدِيد وَلَا الْتِفَات فِي ذَلِك إِلَى معضل بِكَسْر الضَّاد وَإِن كَانَ مثل عضيل فِي الْمَعْنى
ومثاله مَا يرويهِ تَابع التَّابِعِيّ قَائِلا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ مَا يرويهِ من دون تَابِعِيّ التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَو عَن أبي بكر أَو عمر أَو غَيرهمَا غير ذَاكر للوسائط بَينه وَبينهمْ
وَذكر أَبُو بكر نصر السجْزِي الْحَافِظ قَول الرَّاوِي بَلغنِي نَحْو قَول مَالك بَلغنِي عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للملوك طَعَامه وَكسوته الحَدِيث وَقَالَ أَي السجْزِي أَصْحَاب الحَدِيث يسمونه المعضل
قلت وَقَول المصنفين من الْفُقَهَاء وَغَيرهم قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا وَنَحْو ذَلِك كُله من قبيل المعضل لما تقدم وَسَماهُ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ فِي بعض كَلَامه مُرْسلا وَذَلِكَ على مَذْهَب من يُسمى كل مَا لَا يتَّصل مُرْسلا كَمَا سبق
وَإِذا روى تَابِعِيّ التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ حَدِيثا مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث مُتَّصِل مُسْند إِلَى رَسُول الله ﷺ فقد جعله الْحَاكِم أَبُو عبد الله نوعا من المعضل مِثَاله مَا روينَاهُ عَن الْأَعْمَش عَن الشّعبِيّ قَالَ يُقَال للرجل يَوْم الْقِيَامَة عملت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا عملته فيختم على فِيهِ الحَدِيث فقد أعضله الْأَعْمَش وَهُوَ عِنْد الشّعبِيّ عَن أنس عَن رَسُول الله ﷺ مُتَّصِل مُسْند
قلت هَذَا جيد حسن لِأَن هَذَا الِانْقِطَاع بِوَاحِد مضموما إِلَى الْوَقْف يشْتَمل على الِانْقِطَاع بِاثْنَيْنِ الصَّحَابِيّ وَرَسُول الله ﷺ فَذَلِك بِاسْتِحْقَاق اسْم الإعضال أولى وَالله أعلم
وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ المعضل مَا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا من أَي
стр. 356
مَوضِع كَانَ سَوَاء سقط الصَّحَابِيّ والتابعي أَو التَّابِعِيّ وَتَابعه أَو اثْنَان قبلهمَا لَكِن بِشَرْط أَن يكون سقوطهما من مَوضِع وَاحِد أما إِذا سقط وَاحِد من بَين رجلَيْنِ ثمَّ سقط من وَمَوْضِع آخر من الْإِسْنَاد وَاحِد آخر فَهُوَ مُنْقَطع فِي موضِعين وَلم أجد فِي كَلَامهم إِطْلَاق المعضل عَلَيْهِ وَأما قَول ابْن الصّلاح المعضل هُوَ عبارَة عَمَّا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا فَهُوَ وَإِن قَول ابْن الصّلاح المعضل هُوَ عبارَة عَمَّا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا فَهُوَ وَإِن كَانَ مُطلقًا فَهُوَ مَحْمُول عَلَيْهِ اهـ
وَقَالَ غَيره إِن قَول ابْن الصّلاح إِن المعضل لقب لنَوْع خَاص من الْمُنْقَطع فَكل معضل مُنْقَطع وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلا إِنَّمَا هُوَ جَار على قَول من لَا يخص الْمُنْقَطع بِمَا سقط من إِسْنَاده راو وَاحِد وَلَا يَخُصُّهُ بالمرفوع وَقد نقلنا سَابِقًا شَيْئا مِمَّا ذكره الْحَاكِم فِي الْمُنْقَطع
وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ اخْتلف فِي صُورَة الحَدِيث الْمُنْقَطع فَالْمَشْهُور أَنه مَا سقط من رُوَاته راو وَاحِد غير الصَّحَابِيّ وَحكى ابْن الصّلاح عَن الْحَاكِم وَغَيره من أهل الحَدِيث أَنه مَا سقط مِنْهُ قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ شخص وَاحِد وَإِن كَانَ أَكثر من وَاحِد سمي معضلا وَيُسمى أَيْضا مُنْقَطِعًا فَقَوْل الْحَاكِم قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ لَيْسَ بجيد فَإِنَّهُ لَو سقط التَّابِعِيّ كَانَ مُنْقَطِعًا أَيْضا فَالْأولى أَن يعبر بِمَا قُلْنَا قبل الصَّحَابِيّ
وَقَالَ ابْن عبد الْبر الْمُنْقَطع مَا لم يتَّصل إِسْنَاده والمرسل مَخْصُوص بالتابعين فالمنقطع أَعم وَحكى ابْن الصّلاح عَن بَعضهم أَن الْمُنْقَطع مثل الْمُرْسل شَامِل لكل مَا لَا يتَّصل إِسْنَاده قَالَ وَهَذَا الْمَذْهَب أقرب وَإِلَيْهِ صَار طوائف من الْفُقَهَاء وَغَيرهم وَهُوَ الَّذِي ذكره الْخَطِيب فِي كِفَايَته إِلَّا أَن أَكثر مَا يُوصف بِالْإِرْسَال من حَيْثُ الِاسْتِعْمَال مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ عَن النَّبِي ﷺ واكثر مَا يُوصف بالانقطاع مَا رَوَاهُ من دون التَّابِعين عَن الصَّحَابَة مثل مَالك عَن ابْن عمر وَنَحْو ذَلِك اهـ
стр. 357
وَقد صنف ابْن عبد الْبر كتابا فِي وصل مَا فِي الْمُوَطَّأ من الْمُرْسل والمنقطع والمعضل قَالَ وَجَمِيع مَا فِيهِ من قَوْله بَلغنِي وَمن قَوْله عَن الثِّقَة عِنْده مِمَّا لم يسْندهُ أحد وَسِتُّونَ حَدِيثا كلهَا مُسندَة من غير طَرِيق مَالك إِلَّا أَرْبَعَة لَا تعرف أَحدهَا إِنِّي لَا أنسى وَلَكِن أنسى لأسن وَالثَّانِي أَن رَسُول الله أرِي أَعمار النَّاس قبله أَو مَا شَاءَ الله فَكَأَنَّهُ تقاصر أَعمار أمته وَالثَّالِث قَول معَاذ وَآخر مَا وصاني بِهِ رَسُول الله وَقد وضعت رجْلي فِي الغرز أَن قَالَ حسن خلقك للنَّاس وَالرَّابِع إِذا نشأت بحريّة ثمَّ تشاءمت فَتلك عين غديقة
وَمن مظان الْمُرْسل والمنقطع والمعضل كتاب السّنَن لسَعِيد بن مَنْصُور
تَنْبِيه قد وَقع فِي كَلَام بعض عُلَمَاء الحَدِيث اسْتِعْمَال المعضل فِيمَا لم يسْقط فِيهِ شَيْء من الْإِسْنَاد أصلا وَذَلِكَ فِيمَا فِيهِ إِشْكَال من جِهَة الْمَعْنى مِثَال ذَلِك مَا رَوَاهُ الدولابي فِي الكنى من طَرِيق خُلَيْد بن دعْلج عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه مَرْفُوعا من كَانَت وَصيته على كتاب الله كَانَت كَفَّارَة لما ترك من زَكَاته وَقَالَ هَذَا معضل يكَاد يكون بَاطِلا وَالظَّاهِر أَنه هُنَا بِكَسْر الضَّاد من قَوْلهم أعضل الْأَمر إِذا اشْتَدَّ واستغلق وَأمر معضل لَا يَهْتَدِي لوجهه
ذكر النَّوْع الثَّالِث عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع هُوَ معرفَة المدرج فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ من كَلَام الصَّحَابَة وتخليص كَلَام غَيره من كَلَامه
وَمِثَال ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَبُو بكر بن إِسْحَاق الْفَقِيه أَنبأَنَا عمر بن حَفْص السدُوسِي حَدثنَا عَاصِم بن عَليّ حَدثنَا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن الْحسن بن الْحر
стр. 358
عَن الْقَاسِم بن مخيمرة قَالَ أَخذ عَلْقَمَة بيَدي وحَدثني أَن عبد الله أَخذ بِيَدِهِ وَأَن رَسُول الله ﷺ أَخذ بيد رَسُول الله أَخذ بيد عبد الله فَعلمه فِي الصَّلَاة وَقَالَ قل التَّحِيَّات لله والصلوات فَذكر التَّشَهُّد قَالَ فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ
هَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن زُهَيْر وَغَيره عَن الْحسن بن الْحر وَقَوله إِذا قلت هَذَا مدرج فِي الحَدِيث من كَلَام عبد الله بن مَسْعُود ثمَّ ذكر دَلِيل الإدراج
قَالَ أهل الْأَثر الإدراج نَوْعَانِ إدراج فِي الْمَتْن وإدراج فِي الْإِسْنَاد أما الإدراج فِي الْمَتْن فَهُوَ أَن يُورد فِي متن الحَدِيث مَا لَيْسَ مِنْهُ على وَجه يُوهم أَنه مِنْهُ وَيُسمى ذَلِك المورد مدرج الْمَتْن وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام مدرج فِي آخر الحَدِيث ومدرج فِي أَوله ومدرج فِي أَثْنَائِهِ
أما المدرج فِي آخر الحَدِيث فَهُوَ الْغَالِب الْمَشْهُور فِي هَذَا النَّوْع وَلذَا اقْتصر ابْن الصّلاح عَلَيْهِ ومثاله مَا ورد فِي آخر حَدِيث التَّشَهُّد الْمَذْكُور سَابِقًا وَهُوَ فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ فَإِن هَذَا الْكَلَام مدرج فِي الحَدِيث من كَلَام عبد الله بن مَسْعُود وَهُوَ مدرج فِي آخر الحَدِيث
وَقد رَوَاهُ شبابه بن سوار عَنهُ ففصله وَبَين أَنه من قَول عبد الله فَقَالَ قَالَ عبد الله فَإِذا قلت ذَلِك فقد قضيت مَا عَلَيْك من الصَّلَاة فَإِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ شَبابَة ثِقَة وَقد فصل آخر الحَدِيث وَجعله من قَول ابْن مَسْعُود وَهُوَ أصح من رِوَايَة من أدرج آخِره وَقَوله أشبه بِالصَّوَابِ
وَأما المدرج فِي أول الحَدِيث فقليل ومثاله مَا رَوَاهُ شبابه بن سوار وَغَيره عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَسْبغُوا الْوضُوء ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار
стр. 359
فَقَوله أَسْبغُوا الْوضُوء من قَول أبي هُرَيْرَة أدرج فِي الحَدِيث فِي أَوله وَيدل على الإدراج مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة انه قَالَ أَسْبغُوا الْوضُوء فَإِن أَبَا الْقَاسِم ﷺ قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار رَوَاهُ بَعضهم مُقْتَصرا على الْمَرْفُوع
ثمَّ إِن قَول أبي هُرَيْرَة أَسْبغُوا الْوضُوء قد رُوِيَ فِي الصَّحِيح مَرْفُوعا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
وَقَالَ بَعضهم إِن هَذَا الْقسم نَادِر جدا حَتَّى إِنَّه يعز أَن يُوجد لَهُ مِثَال ثَان يعزز بِهِ هَذَا الْمِثَال
واما المدرج فِي أثْنَاء الحَدِيث فَهُوَ كثير إِذا نظر إِلَى مَا أدرج لتفسير الْأَلْفَاظ الغريبة ومثاله خبر هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه عَن بسرة بنت صَفْوَان مَرْفُوعا من مس ذكره أَو أنثييه أَو رفغيه فَليَتَوَضَّأ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَا رَوَاهُ عبد الحميد عَن هِشَام وَقد وهم فِي ذكر الْأُنْثَيَيْنِ والرفغ وإدراجه ذَلِك فِي حَدِيث بسرة وَالْمَحْفُوظ أَن ذَلِك من قَول عُرْوَة غير مَرْفُوع وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثِّقَات عَن هِشَام مِنْهُم أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا
وَقد رُوِيَ من طَرِيق أَيُّوب من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ وَكَانَ عُرْوَة يَقُول إِذا مس رفغيه أَو أنثييه أَو ذكره فَليَتَوَضَّأ فَكَانهُ لَاحَ لَهُ من معنى الْخَبَر أَن مس مَا قرب من الذّكر بِمَنْزِلَة مس الذّكر فَقَالَ مَا قَالَ فَظن بعض الروَاة أَن مَا قَالَه هُوَ نفس الْخَبَر فأوردوه كَذَلِك وَقد تبين للباحثين أَن الْأُنْثَيَيْنِ والرفغ مدرجان فِي أثْنَاء الْخَبَر
وَقد رُوِيَ من مس رفغه أَو أنثييه أَو ذكره فَليَتَوَضَّأ وَقد توهم بَعضهم أَنه على هَذِه الرِّوَايَة يكون مِثَالا ثَانِيًا لما وَقع فِيهِ الإدراج فِي الأول وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن أول الحَدِيث هُوَ من مس وَآخره فَليَتَوَضَّأ فالإدراج على كل حَال إِنَّمَا وَقع فِي أثْنَاء الحَدِيث والرفغ بِضَم الرَّاء وَفتحهَا أصل الفخذين
وَمِثَال مَا أدرج فِي أثْنَاء الحَدِيث لتفسير لفظ غَرِيب حَدِيث أَنا زعيم
стр. 360
والزعيم الْحميل بِبَيْت فِي الْجنَّة الحَدِيث فَقَوله والزعيم الْحميل مدرج فِي أثْنَاء الحَدِيث لتفسير اللَّفْظ الْغَرِيب فِيهِ
والإدراج بِجَمِيعِ أقسامه مَحْظُور قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ من تعمد الإدراج فَهُوَ سَاقِط الْعَدَالَة وَمِمَّنْ يحرف الْكَلم عَن موَاضعه وَهُوَ مُلْحق بالكذابين وَقد اسْتثْنى بَعضهم من ذَلِك مَا ادرج لتفسير لفظ غَرِيب لقلَّة وُقُوع الالتباس فِيهِ وَقد فعله الزُّهْرِيّ وَغَيره
وَلَا يسوغ الحكم بالإدراج إِلَّا إِذا وجد مَا يدل عَلَيْهِ فَمن ذَلِك دلَالَة المدرج على امْتنَاع نسبته إِلَى النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ كَقَوْل أبي هُرَيْرَة فِي حَدِيث للْعَبد الْمَمْلُوك أَجْرَانِ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك وكقول ابْن مَسْعُود كَمَا جزم بِهِ سُلَيْمَان بن حَرْب فِي حَدِيث الطَّيرَة شرك وَمَا منا إِلَّا وَمن ذَلِك تَصْرِيح بعض الروَاة بِالْفَصْلِ وَذَلِكَ بإضافته لقائله ويتقوى باقتصار بعض الروَاة على الأَصْل كَحَدِيث التَّشَهُّد وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر
وَمِمَّا دلّ الدَّلِيل على الإدراج فِيهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة وَمن مَاتَ يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل النَّار فَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ النَّبِي ﷺ كلمة وَقلت أَنا أُخْرَى فذكرهما فَأفَاد أَن إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ من قَوْله ثمَّ وَردت رِوَايَة ثَالِثَة أفادت ان الْكَلِمَة الَّتِي من قَوْله هِيَ الثَّانِيَة وأكد ذَلِك رِوَايَة رَابِعَة اقْتصر فِيهَا على الْكَلِمَة الأولى مُضَافَة إِلَى النَّبِي ﷺ
وَمِمَّا دلّت الأمارة على الإدراج فِيهِ حَدِيث الْكُسُوف على مَا ورد فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَهُوَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا تجلى الله لشَيْء من خلقه خشع لَهُ فَإِن هَذِه الْجُمْلَة الْأَخِيرَة وَهِي فَإِن الله إِذا تجلى لشَيْء من خلقه خشع لَهُ يظْهر أَنَّهَا مدرجة من كَلَام بعض الروَاة وَلذَا لم تقع فِي سَائِر الرِّوَايَات مَعَ أَن حَدِيث الْكُسُوف قد رُوِيَ عَن بضعَة عشر من الصَّحَابَة على انه يَكْفِي أَن يُقَال إِنَّهَا مُخَالفَة للرواية الَّتِي وَقعت فِي الصَّحِيح وَهِي أَن الشَّمْس وَالْقَمَر
стр. 361
آيتان من آيَات الله لَا ينخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى ذكر الله وَالصَّلَاة
قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ إِن هَذِه الزِّيَادَة لم يَصح نقلهَا فَيجب تَكْذِيب قَائِلهَا وَغنما الْمَرْوِيّ مَا ذكرنَا يَعْنِي الحَدِيث الَّذِي لَيست فِيهِ هَذِه الزِّيَادَة قَالَ وَلَو كَانَ صَحِيحا لَكَانَ تَأْوِيله أَهْون من مُكَابَرَة أُمُور قَطْعِيَّة فكم من ظواهر أولت بالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا تتبين فِي الوضوح إِلَى هَذَا الْحَد وَأعظم مَا يفرح بِهِ الملحدة أَن يُصَرح نَاصِر الشَّرْع بِأَن هَذَا وَأَمْثَاله على خلاف الشَّرْع فيسهل عَلَيْهِ طَرِيق إبِْطَال الشَّرْع إِن كَانَ شَرطه أَمْثَال ذَلِك
وَقد ضعف الْعَلامَة ابْن دَقِيق الْعِيد الحكم بالإدراج فِيمَا إِذا كَانَ المدرج مقدما على اللَّفْظ الْمَرْوِيّ أَو فِي أَثْنَائِهِ لَا سِيمَا فِي مثل من مس ذكره أَو أنثييه فَليَتَوَضَّأ وَقَالَ إِن الإدراج إِنَّمَا يكون بِلَفْظ تَابع يُمكن استقلاله عَن اللَّفْظ السَّابِق
قَالَ بعض الْعلمَاء وَكَأن الْحَامِل لَهُم على عدم تَخْصِيص الإدراج بآخر الْخَبَر تَجْوِيز كَون التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من الرَّاوِي لظَنّه الرّفْع فِي الْجَمِيع واعتماده على الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَيبقى المدرج حِينَئِذٍ فِي أول الْخَبَر أَو أَثْنَائِهِ
وعَلى كل حَال فالمرجع إِلَى الدَّلِيل الْمُقْتَضى لغَلَبَة الظَّن فَإِذا وجد حكم بالإدراج سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الآخر أَو فِي الأول أَو فِي الْوسط
هَذَا وَأما مدرج الْإِسْنَاد فَهُوَ مَا يكون الإدراج فِيهِ لَهُ تعلق مَا بِالْإِسْنَادِ وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام
الْقسم الأول أَن يكون الحَدِيث عِنْد رَاوِيه بِإِسْنَاد إِلَّا طرفا مِنْهُ فَإِنَّهُ عِنْده بِإِسْنَاد آخر فيروي الرَّاوِي عَنهُ جَمِيعه بِالْإِسْنَادِ الأول
وَيلْحق بِهَذَا الْقسم قسم أفرده بَعضهم عَنهُ وَهُوَ أَن يسمع الحَدِيث من شَيْخه إِلَّا طرفا ثمَّ يسمع لَك الطّرف بِوَاسِطَة عَنهُ ثمَّ يرويهِ جَمِيعه عَنهُ بِلَا وَاسِطَة
وَمِثَال ذَلِك حَدِيث إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس فِي قصَّة
стр. 362
العرنيين وان النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُم لَو خَرجْتُمْ إِلَى إبلنا فشربتم من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا فَإِن لَفْظَة وَأَبْوَالهَا إِنَّمَا سَمعهَا حميد ن قَتَادَة عَن أنس كَمَا بَينه مُحَمَّد بن أبي عدي ومروان بن مُعَاوِيَة وَيزِيد بن هَارُون وَغَيرهم إِذْ رَوَوْهُ عَن حميد عَن أنس بِلَفْظ فشربتم من أَلْبَانهَا وَعِنْدهم قَالَ حميد قَالَ قَتَادَة عَن انس وَأَبْوَالهَا فرواية إِسْمَاعِيل على هَذَا فِيهَا إدراج فِيهِ تَدْلِيس
الْقسم الثَّانِي أَن يدرج بعض حَدِيث فِي حَدِيث آخر مُخَالف لَهُ فِي السَّنَد
ومثاله حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تباغضوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تدابروا وَلَا تنافسوا الحَدِيث
فَقَوله وَلَا تنافسوا مدرج فِي هَذَا الحَدِيث أدرجه ابْن أبي مَرْيَم فِيهِ من حَدِيث آخر لمَالِك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَلَا تجسسوا وَلَا تحسسوا وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا وكلا الْحَدِيثين مُتَّفق عَلَيْهِ من طَرِيق مَالك وَلَيْسَ فِي الأول وَلَا تنافسوا وَهُوَ فِي الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ الْخَطِيب وَابْن عبد الْبر إِن ابْن مَرْيَم قد وهم فِي ذَلِك وَخَالف جَمِيع الروَاة عَن مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَقَالَ حَمْزَة الْكِنَانِي لَا أعلم أحدا قَالَهَا عَن مَالك فِي حَدِيث أنس غَيره
الْقسم الثَّالِث أَن يروي جمَاعَة الحَدِيث بأسانيد مُخْتَلفَة فيرويه عَنْهُم راو فَيجمع الْكل على إِسْنَاد وَاحِد من تِلْكَ الْأَسَانِيد وَلَا يبين الِاخْتِلَاف
ذكر النَّوْع الرَّابِع عشر من عُلُوم الحَدِيث
النَّوْع الرَّابِع عشر من هَذَا الْعلم معرفَة التَّابِعين
وَهَذَا النَّوْع يشْتَمل على عُلُوم كَثِيرَة فَإِنَّهُم على طَبَقَات فِي التَّرْتِيب وَمَتى غفل
стр. 363
الْإِنْسَان عَن هَذَا الْعلم لم يفرق بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ لم يفرق أَيْضا بَين التَّابِعين وَأَتْبَاع التَّابِعين قَالَ الله ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾
وَقد ذكرهم رَسُول الله ﷺ كَمَا حدّثنَاهُ أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد بن السماك بِبَغْدَاد وَأَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب الموي بنيسابور وَأَبُو أَحْمد بكر بن مُحَمَّد الصَّيْرَفِي بمرو قَالُوا حَدثنَا أَبُو قلَابَة عبد الْملك بن مُحَمَّد الرقاشِي حَدثنَا أَزْهَر بن سعد حَدثنَا ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَلَا أَدْرِي أذكر رَسُول الله ﷺ بعد قرنه قرنين أَو ثَلَاثَة
هَذَا حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح لمُسلم بن الْحجَّاج وَله عِلّة عَجِيبَة حدّثنَاهُ مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ حَدثنَا مُحَمَّد بن نعيم حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا أَزْهَر حَدثنَا ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير النَّاس قَرْني قَالَ فَحدثت بِهِ يحيى بن سعيد فَقَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث ابْن عون عَن عبد الله فَقلت لَهُ بلَى فِيهِ قَالَ لَا فَقلت إِن أَزْهَر حَدثنَا عَن ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ رَأَيْت أَزْهَر جَاءَ بكتابه لَيْسَ فِيهِ عَن عبد الله قَالَ عَمْرو بن عَليّ فاختلفت إِلَى أَزْهَر قَرِيبا من شَهْرَيْن للنَّظَر فِيهِ فَنظر فِي كِتَابه ثمَّ خرج فَقَالَ لم أَجِدهُ إِلَّا عَن عُبَيْدَة عَن النَّبِي ﷺ
فَخير النَّاس قرنا بعد الصَّحَابَة من شافه أَصْحَاب الرَّسُول ﷺ وَحفظ عَنْهُم الدّين وَالسّنَن وهم قد شهدُوا الْوَحْي والتنزيل
стр. 364
فَمن الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين وهم قوم لَحِقُوا الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ سعيد بن الْمسيب وَقيس بن أبي حَازِم وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقيس بن عباد وَأَبُو ساسان حضين بن الْمُنْذر وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة وَأَبُو رَجَاء العطاردي
وَمن الطَّبَقَة الثَّانِيَة الْأسود بن يزِيد وعلقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد
وَمن الطَّبَقَة الثَّالِثَة عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَشُرَيْح بن الْحَارِث وهم خمس عشرَة طبقَة آخِرهم من لَقِي أنس بن مَالك من أهل الْبَصْرَة وَمن لَقِي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الْكُوفَة وَمن لَقِي السَّائِب بن يزِيد من أهل الْمَدِينَة وَمن لَقِي عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء من أهل مصر وَمن لَقِي أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ من أهل الشَّام
وَأما الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة فسعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر وَعُرْوَة بن الزبير وخارجة بن زيد بن ثَابت وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَسليمَان بن يسَار فَهَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء السَّبْعَة عِنْد الْأَكْثَر من عُلَمَاء الْحجاز
وَأما المخضرمون من التَّابِعين فهم الَّذين أدركوا الْجَاهِلِيَّة وحياة رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَت لَهُم صُحْبَة فَمنهمْ أَبُو رَجَاء العطاردي وَأَبُو وَائِل الْأَسدي وسُويد بن غَفلَة وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ
وحَدثني بعض مَشَايِخنَا من الأدباء أَن المخضرم اشتقاقه من أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يخضرمون آذان الْإِبِل يقطعونها لتَكون عَلامَة لإسلامهم إِن أغير عَلَيْهَا أَو حوربوا
стр. 365
وَمن التَّابِعين بعد المخضرمين طبقَة ولدُوا فِي زمَان رَسُول الله ﷺ وَلم يسمعوا مِنْهُ مِنْهُم مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَأَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف وَسَعِيد بن سعد بن عبَادَة والوليد بن عبَادَة بن الصَّامِت وعلقمة بن قيس
وطبقة تعد فِي التَّابِعين وَلم يَصح سَماع أحد مِنْهُم من الصَّحَابَة مِنْهُم إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد النَّخعِيّ وَإِنَّمَا رِوَايَته الصَّحِيحَة عَن عَلْقَمَة وَالْأسود وَلم يدْرك أحدا من الصَّحَابَة وَلَيْسَ هَذَا بإبراهيم بن يزِيد النَّخعِيّ الْفَقِيه وَمِنْهُم ثَابت بن عجلَان الْأنْصَارِيّ وَلم يَصح سَمَاعه من ابْن عَبَّاس وَإِنَّمَا يروي عَن عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس
وطبقة عداده عِنْد النَّاس فِي أَتبَاع التَّابِعين وَقد لقوا الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان وَقد لَقِي عبد الله بن عمر وَأنس بن مَالك وَأَبا أُمَامَة بن سهل وَقد أَدخل على عبد الله بن عمر وَجَابِر بن عبد الله انْتهى مَا ذكره الْحَاكِم
قَالَ بعض أهل الْأَثر اخْتلف فِي طَبَقَات التَّابِعين فجعلهم مُسلم فِي كتاب الطَّبَقَات ثَلَاث طَبَقَات وجعلهم ابْن سعد أَربع طَبَقَات وَقَالَ الْحَاكِم هم خمس عشرَة طبقَة الأولى مِنْهَا قوم لَحِقُوا الْعشْرَة مِنْهُم سعيد بن الْمسيب وَقيس بن أبي حَازِم وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقيس بن عباد وَأَبُو ساسان حضين بن الْمُنْذر وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة وَأَبُو رَجَاء العطاردي
وَقد اعْترض على الْحَاكِم فِي ذَلِك فَإِن سعيد بن الْمسيب إِنَّمَا ولد فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَلم يسمع من أَكثر الْعشْرَة بل قَالَ بَعضهم إِنَّه لَا تصح لَهُ رِوَايَة عَن أحد من الْعشْرَة إِلَّا سعد بن أبي وَقاص وَكَانَ سعد آخِرهم موتا على انه لَيْسَ فِي التَّابِعين من أدْرك الْعشْرَة وَسمع مِنْهُم سوى قيس بن أبي حَازِم ذكر ذَلِك الْحَافِظ
стр. 366
عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن خرَاش وَرُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ إِنَّه روى عَن التِّسْعَة وَلم يرو عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف
ذكر النَّوْع الْخَامِس عشر من عُلُوم الحَدِيث
وَهُوَ معرفَة أَتبَاع التَّابِعين فَإِن غلط من لَا يعرفهُمْ عظم وهم الطَّبَقَة الثَّالِثَة بعد النَّبِي ﷺ وَفِيهِمْ جمَاعَة من أَئِمَّة الْمُسلمين وفقهاء الْأَمْصَار وَفِي هَذِه الطَّبَقَة جمَاعَة يشْتَبه على المتعلم أساميهم فيتوهمهم من التَّابِعين لنسب يجمعهُمْ أَو غير ذَلِك
مِنْهُم الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَهُوَ الَّذِي يعرف بالحسين الْأَصْغَر يروي عَنهُ عبد الله بن الْمُبَارك وَغَيره وَرُبمَا قَالَ الرَّاوِي عَن حُسَيْن بن عَليّ عَن أَبِيه فيشتبه على من لَا يتَحَقَّق أَنه مُرْسل ويتوهمه من التَّابِعين وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن أَوْلَاد عَليّ بن الْحُسَيْن وين العابدين سِتَّة مِنْهُم وهم حدثوا مُحَمَّد وَعبد الله وَزيد وَعمر وحسين وَفَاطِمَة وَلَيْسَ فيهم تَابِعِيّ غير مُحَمَّد وَهُوَ أَبُو جَعْفَر باقر الْعُلُوم
وَمِنْهُم سُلَيْمَان الْأَحول وَهُوَ سُلَيْمَان بن أبي مُسلم الْمَكِّيّ وَرُبمَا رُوِيَ عَنهُ عَن ابْن عَبَّاس فيتأمل الرَّاوِي حَاله فَيَقُول هَذَا كَبِير وَهُوَ خَال عبد الله بن أبي نجيح فَلَا يُنكر أَن يلقى الصَّحَابَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ من الأتباع ورواياته عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس
وَمِنْهُم سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي وعدداه فِي المصريين كَبِير السن وَالْمحل روى عَنهُ عَمْرو بن الْحَارِث وَشعْبَة وَاللَّيْث وَقد قيل عَنهُ عَن الْبَراء بن عَازِب فَإِذا تَأمل الرَّاوِي مَحَله وسنه وجلالة الروَاة عَنهُ لَا يستبعد كَونه من التَّابِعين وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن بَينه وَبَين الْبَراء عبيد بن فَيْرُوز
стр. 367
فقد ذكرنَا هَذِه الْأَسَامِي ليستدل بهَا على جمَاعَة من أَتبَاع التَّابِعين لم نذكرهم وَيعلم بذلك أَن معرفَة التباع نوع كَبِير من الْعلم
ذكر النَّوْع السَّادِس عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع فِي معرفَة الأكابر الروَاة عَن الأصاغر وَشرح هَذِه لامعرفة أَن طَالب هَذَا الْعلم إِذا كتب حَدِيثا لليث عَن عبد الله بن صَالح لَا يتَوَهَّم أَن الرَّاوِي دون الْمَرْوِيّ عَنهُ كَذَلِك إِذا روى حَدِيثا لِابْنِ جريح عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَمَا أشبه هَذَا ومثاله فِي الرِّوَايَات كثير
والمثال الثَّانِي لهَذَا النَّوْع أَن يروي الْعَالم الْحَافِظ الْمُتَقَدّم عَن الْمُحدث الَّذِي لَا يعلم غير الرِّوَايَة من كِتَابه فَيَنْبَغِي للطَّالِب أَن يعلم فضل التَّابِع على الْمَتْبُوع
مِثَال هَذَا رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَن عبد الله بن دِينَار وأشباهه وَرِوَايَة احْمَد وَإِسْحَاق عَن عبيد الله بن مُوسَى وأشباهه وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَجْرُوح بل كلهم من أهل الصدْق إِلَّا أَن الروَاة عَنْهُم أَئِمَّة حفاظ وهم محدثون فَقَط وَقد رَأَيْت فِي زَمَاننَا من هَذَا النَّوْع مَا يطول ذكره اهـ
قَالَ بعض أهل الْأَثر هَذَا نوع مُهِمّ تَدْعُو إِلَيْهِ الهمم الْعَالِيَة وَالنَّفس الزاكية وَقد قيل لَا يكون الرجل مُحدثا حَتَّى يَأْخُذ عَمَّن فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه
وَمن فَوَائِد مَعْرفَته الْأَمْن من أَن يظنّ الانقلاب فِي السَّنَد والأمن من أَن يتَوَهَّم كَون الْمَرْوِيّ عَنهُ أكبر أَو أفضل نظرا إِلَى أَن الْأَغْلَب كَون الْمَرْوِيّ عَنهُ كَذَلِك فتجهل منزلتهما
وَمن هَذَا النَّوْع رِوَايَة الصَّحَابَة عَن التَّابِعين وَمِنْهَا رِوَايَة العبادلة وَغَيرهم من
стр. 368
الصَّحَابَة كَأبي هُرَيْرَة وَأنس عَن كَعْب الحبار
وَمِمَّنْ جرى على ذَلِك الإِمَام البُخَارِيّ فقد ذكرُوا أَن الَّذين كتب عَنْهُم وَحدث عَنْهُم ينقسمون إِلَى خَمْسَة طَبَقَات الطَّبَقَة الأولى من حَدثهُ عَن التَّابِعين مثل مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ حَدثهُ عَن حميد وَمثل مكي بن إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ حَدثهُ عَن يزِيد بن أبي عبيد وَمثل أبي نعيم فَإِنَّهُ حَدثهُ عَن الْأَعْمَش
الطَّبَقَة الثَّانِيَة من كَانَ فِي عصر هَؤُلَاءِ لكنه لم يسمع من ثِقَات التَّابِعين كسعيد بن أبي مَرْيَم وَأَيوب بن سُلَيْمَان
الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَهِي الْوُسْطَى من مشايخه من لم يلق التَّابِعين لَكِن أَخذ عَن كبار أَتبَاع التَّابِعين كسليمان بن حَرْب وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَهَذِه الطَّبَقَة قد شَاركهُ مُسلم فِي الْأَخْذ عَنْهُم
الطَّبَقَة الرَّابِعَة رفقاؤه فِي الطّلب وَمن سمع قبله قَلِيلا كَأبي حَاتِم الرَّازِيّ وَعبد بن حميد وَاحْمَدْ بن النَّضر وَإِنَّمَا يخرج عَن هَؤُلَاءِ مَا فَاتَهُ عَن مشايخه أَو مَا لم يجده عِنْد غَيرهم
الطَّبَقَة الْخَامِسَة قوم فِي عداد طلبته فِي السن والإسناد سمع مِنْهُم للفائدة كَعبد الله بن حَمَّاد الأملي وَعبد الله بن أبي الْعَاصِ الْخَوَارِزْمِيّ وحسين بن مُحَمَّد القباني
وَقد روى عَنْهُم أَشْيَاء يسيرَة وَعمل فِي الرِّوَايَة عَنْهُم بِمَا روى عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع أَنه قَالَ لَا يكون الرجل عَالما حَتَّى يحدث عَمَّن فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه وَمِمَّا رُوِيَ عَنهُ نَفسه أَنه قَالَ لَا يكون الْمُحدث كَامِلا حَتَّى يكْتب عَمَّن هُوَ فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه
ذكر النَّوْع السَّابِع عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذَا الْعلم فِي معرفَة أَوْلَاد الصَّحَابَة فَإِن من جهل هَذَا النَّوْع
стр. 369
اشْتبهَ عَلَيْهِ كثير من الرِّوَايَات وَأول مَا يلْزم الحديثي مَعْرفَته من ذَلِك أَوْلَاد سيد الْبشر مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ وَمن صحت الرِّوَايَة عَنهُ مِنْهُم وَقد رُوِيَ الحَدِيث عَن زهاء مئتي رجل وَامْرَأَة من أهل الْبَيْت ثمَّ بعد هَذَا معرفَة أَوْلَاد التَّابِعين وَأَتْبَاع التَّابِعين وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين علم كَبِير وَنَوع بِذَاتِهِ من أَنْوَاع علم الحَدِيث
ذكر النَّوْع الثَّامِن عشر من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من علم الحَدِيث فِي معرفَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل وهما فِي الأَصْل نَوْعَانِ كل نوع مِنْهُمَا علم بِرَأْسِهِ وَهُوَ ثَمَرَة هَذَا الْعلم والمرقاة الْكَبِيرَة مِنْهُ وَقد تَكَلَّمت عَلَيْهِ فِي كتاب الْمدْخل إِلَى معرفَة الصَّحِيح بِكَلَام شاف رضيه كل من رَآهُ من أهل الصَّنْعَة
وأصل عَدَالَة الْمُحدث أَن يكون مُسلما لَا يَدْعُو إِلَى بِدعَة وَلَا يعلن من أَنْوَاع الْمعاصِي مَا تسْقط بِهِ عَدَالَته فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك حَافِظًا لحديثه فَهِيَ أرفع دَرَجَات الْمُحدثين وَإِن كَانَ صَاحب كتاب فَلَا يَنْبَغِي أَن يحدث إِلَّا من أُصُوله وَأَقل مَا يلْزمه أَن يحسن قِرَاءَة كِتَابه وَإِن كَانَ الْمُحدث غَرِيبا لَا يقدر على إِخْرَاج أُصُوله فَلَا يكْتب عَنهُ إِلَّا مَا يحفظه إِذا لم يُخَالف الثِّقَات فِي حَدِيثه فَإِن حدث من حفظه الْمَنَاكِير الَّتِي لَا يُتَابع عَلَيْهَا لم يُؤْخَذ عَنهُ
وَقد اخْتلف أَئِمَّة الحَدِيث فِي أصح الْأَسَانِيد فحدثنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول أصح الْأَسَانِيد كلهَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر
وَسمعت أَبَا بكر بن أبي دارم الْحَافِظ بِالْكُوفَةِ يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه عَن
стр. 370
أبي بكر بن أبي شيبَة قَالَ أصح الْأَسَانِيد كلهَا الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن عَليّ
حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الله الصَّيْرَفِي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن حَمَّاد الدوري بحلب قَالَ أَخْبرنِي أَحْمد بن الْقَاسِم بن نصر بن دوست قَالَ حَدثنَا حجاج ابْن الشَّاعِر قَالَ
اجْتمع أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ فِي جمَاعَة مَعَهم اجْتَمعُوا فتذاكروا فَذكرُوا أَجود الْأَسَانِيد الْجِيَاد
فَقَالَ رجل مِنْهُم أَجود الْأَسَانِيد شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عَامر أخي أم سَلمَة عَن أم سَلمَة
وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَجود الْأَسَانِيد ابْن عون عَن مُحَمَّد عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ
وَقَالَ أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل أَجود الْأَسَانِيد الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه
وَقَالَ يحيى الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله
فَقَالَ لَهُ إِنْسَان الْأَعْمَش مثل الزُّهْرِيّ فَقَالَ بَرِئت من الْأَعْمَش أَن يكون مثل الزُّهْرِيّ الزُّهْرِيّ يرى الْعرض وَالْإِجَازَة وَكَانَ يعْمل لبني أُميَّة وَذكر الْأَعْمَش فمدحه فَقَالَ فَقير صبور مُجَانب للسُّلْطَان وَذكر علمه بِالْقُرْآنِ وورعه
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْحفاظ قد ذكر كل مِنْهُم مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي أصح الْأَسَانِيد وَلكُل صَحَابِيّ رُوَاة من التَّابِعين وَلَهُم أَتبَاع وَأَكْثَرهم ثِقَات فَلَا يُمكن أَن يقطع الحكم فِي أصح الْأَسَانِيد لصحابي وَاحِد فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِن أصح أَسَانِيد أهل الْبَيْت جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ إِذا كَانَ الرَّاوِي عَن جَعْفَر ثِقَة
стр. 371
وَأَصَح أَسَانِيد الصّديق إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر
وَأَصَح أَسَانِيد عمر الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن جده
وَأَصَح أَسَانِيد المكثرين من الصَّحَابَة كَعبد الله بن عمر مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأَصَح أَسَانِيد أنس مَالك بن أنس عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس
ثمَّ ذكر أَوْهَى الْأَسَانِيد ثمَّ قَالَ وَالْكَلَام فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل أَكثر مِمَّا يُمكن الِاسْتِقْصَاء فِيهِ لكني قصدت الِاخْتِصَار فِي هَذَا الْكتاب ليستدل بِالْحَدِيثِ الْوَاحِد على أَحَادِيث كَثِيرَة وَقد استقصيت الْكَلَام فِي إِبَاحَة جرح الْمُحدث فِي الْمدْخل إِلَى معرفَة كتاب الإكليل فاستغنت بِهِ عَن إِعَادَته اهـ
ذكر النَّوْع التَّاسِع عشر من عُلُوم الحَدِيث
وَهُوَ معرفَة الصَّحِيح والسقيم وَهَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم غير الْجرْح وَالتَّعْدِيل الَّذِي قدمنَا ذكره فَرب إِسْنَاد يسلم من الْمَجْرُوحين غير مخرج فِي الصَّحِيح فكم من حَدِيث لَيْسَ فِي إِسْنَاده إِلَّا ثِقَة ثَبت وَهُوَ مَعْلُول واه
فَالصَّحِيح لَا يعرف برواته فَقَط وَإِنَّمَا يعرف بالفهم وَالْحِفْظ وَكَثْرَة السماع
وَلَيْسَ لهَذَا النَّوْع من الْعلم عون اكثر من مذاكرة أهل الْفَهم والمعرفة ليظْهر مَا يخفى من عِلّة الحَدِيث فَإِذا وجدت مثل هَذِه الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة غير مخرجة فِي كتابي الْإِمَامَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم لزم صَاحب الحَدِيث التنقير عَن علته ومذاكرة أهل الْمعرفَة بِهِ لتظهر علته
وَصفَة الحَدِيث الصَّحِيح أَن يرويهِ عَن رَسُول الله ﷺ صَحَابِيّ زائل عَنهُ اسْم الْجَهَالَة وَهُوَ أَن يروي عَنهُ تابعيان عَدْلَانِ ثمَّ يتداوله أهل
стр. 372
الحَدِيث بِالْقبُولِ إِلَى وقتنا هَذَا كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة
أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم الْأَصَم حَدثنَا عبيد بن شريك قَالَ حَدثنَا نعيم بن حَمَّاد قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول قيل لشعبة من الَّذِي يتْرك حَدِيثه قَالَ إِذا روى عَن المعروفين مَا لَا يعرفهُ المعرفون فَأكْثر ترك حَدِيثه وَإِذا اتهمَ بِالْكَذِبِ ترك حَدِيثه وَإِذا أَكثر الْغَلَط ترك حَدِيثه وَإِذا روى حَدِيثا اجْتمع عَلَيْهِ أَنه غلط ترك حَدِيثه وَمَا كَانَ غير هَذَا فارو عَنهُ
أَخْبرنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَبِيه عَن الرّبيع بن خثيم قَالَ إِن من الحَدِيث حَدِيثا لَهُ وضوء كضوء النَّهَار نعرفه بِهِ وَإِن من الحَدِيث حَدِيثا لَهُ ظلمَة كظلمة اللَّيْل نعرفه بهَا
حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري قَالَ حَدثنَا يحيى بن معِين قَالَ حَدثنَا جرير عَن رَقَبَة ان عبد الله بن مسور الْمَدَائِنِي وضع أَحَادِيث على رَسُول الله ﷺ فاحتملها النَّاس
حَدثنَا أَبُو بكر الشَّافِعِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل السّلمِيّ قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز الأويسي قَالَ حَدثنَا مَالك قَالَ كَانَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن يَقُول لِابْنِ شهَاب إِن حَالي لَيست تشبه حالك فَقَالَ لَهُ ابْن شهَاب وَكَيف لَك قَالَ ربيعَة أَنا أَقُول بِرَأْي من شَاءَ أَخذه فَاسْتَحْسَنَهُ وَعمل بِهِ وَمن شَاءَ تَركه وَأَنت فِي الْقَوْم تحدث عَن النَّبِي ﷺ فيحفظ
ذكر النَّوْع الْعشْرين من عُلُوم الحَدِيث
النَّوْع الْعشْرُونَ من هَذَا الْعلم بعد معرفَة مَا قدمنَا كره من صِحَة الحَدِيث إتقانا وَمَعْرِفَة لَا تقليدا وظنا معرفَة فقه الحَدِيث إِذْ هُوَ ثَمَرَة هَذِه الْعُلُوم وَبِه قوام الشَّرِيعَة
стр. 373
يم ذكر أُنَاسًا مِمَّن عرف بِفقه الحَدِيث من أهل الحَدِيث مِنْهُم مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي وَعبد الله بن الْمُبَارك وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَاحْمَدْ بن مُحَمَّد بن حَنْبَل وَعلي بن عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي وَأَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَغَيرهم
وَأورد عِنْد ذكر كل وَاحِد مِنْهُم مَا قيل فِي شَأْنه من الثَّنَاء ولربما أورد شَيْئا من كَلَامه مِمَّا يتَعَلَّق بِهَذَا النَّوْع
ثمَّ قَالَ قد اختصرت هَذَا الْبَاب وَتركت أسامي جمَاعَة من أَئِمَّتنَا كَانَ من حَقهم أَن أذكرهم فِي هَذَا الْموضع فَمنهمْ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَمُحَمّد بن عبد الْوَهَّاب الْعَبْدي وَأَبُو بكر الجارودي وَإِبْرَاهِيم بن أبي طَالب وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ ومُوسَى بن هَارُون الْبَزَّاز ة الْحسن بن عَليّ المعمري وَعلي بن الْحُسَيْن بن الْجُنَيْد وَمُحَمّد بن مُسلم بن واره وَمُحَمّد بن عقيل الْبَلْخِي وَغَيرهم من مَشَايِخنَا ﵃ أَجْمَعِينَ
ذكر النَّوْع الْحَادِي وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع فِي معرفَة نَاسخ الحَدِيث من منسوخه وَأَنا ذَاكر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى مِنْهُ أَحَادِيث يسْتَدلّ بهَا على الْكثير
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مهْدي بن رستم قَالَ حَدثنَا مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن يحيى بن جعدة عَن عبد الله بن عَمْرو الْقَارِي عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ توضئوا مِمَّا غيرت النَّار
стр. 374
قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا المر مَنْسُوخ والناسخ لَهُ مَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَوْف قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عَيَّاش قَالَ حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار ثمَّ ذكر أَمْثِلَة أُخْرَى
ذكر النَّوْع الثَّانِي وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع مِنْهُ فِي معرفَة الْأَلْفَاظ الغريبة فِي الْمُتُون وَهَذَا علم قد تكلم فِيهِ جمَاعَة من أَتبَاع التَّابِعين مِنْهُم مَالك وَالثَّوْري وَشعْبَة فَمن بعدهمْ
وَأول من صنف الْغَرِيب فِي الْإِسْلَام النَّضر بن شُمَيْل لَهُ فِيهِ كتاب هُوَ عندنَا بِلَا سَماع ثمَّ صنف فِيهِ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام كِتَابه الْكَبِير اهـ
قَالَ ابْن الصّلاح وَخَالف بَعضهم الْحَاكِم فَقَالَ أول من صنف فِيهِ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَقَالَ بَعضهم أول من جمع فِي هَذَا الْفَنّ شَيْئا وألفه أَبُو عُبَيْدَة ثمَّ النَّضر بن شُمَيْل ثمَّ عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي وَكَانَ فِي عصر أبي عُبَيْدَة وتاخر عَنهُ وصنف فِي ذَلِك قطرب ثمَّ بعد المئتين جمع أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام كِتَابه الْمَشْهُور
ذكر النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذَا الْعلم فِي معرفَة الْمَشْهُور من الْأَحَادِيث وَالْمَشْهُور غير الصَّحِيح فَرب حدي مَشْهُور لم يخرج فِي الصَّحِيح فَمن ذَلِك طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَمِنْه نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وَمِنْه لَا نطاح إِلَّا بولِي وَمِنْه من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم بلجام من نَار فَكل هَذِه الْأَحَادِيث مَشْهُورَة بأسانيدها وطرقها وأبواب يجمعها أَصْحَاب الحَدِيث وكل حَدِيث مِنْهَا تجمع طرقه فِي جُزْء أَو جزئين وَلم يخرج فِي الصَّحِيح مِنْهَا حرف
стр. 375
وَأما الْأَحَادِيث المخرجة فِي الصَّحِيح فَمِنْهَا إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَغنما لكل امْرِئ مَا نوا وَمِنْهَا إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من النَّاس الحَدِيث وَمِنْهَا كل مَعْرُوف صَدَقَة وَمِنْهَا إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ وَمِنْهَا تقتل عمارا الفئة الباغية وَمِنْهَا الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَمِنْهَا لَا تقاطعوا وَلَا تدابروا والطوال من الْأَحَادِيث مثل حَدِيث الْإِيمَان وَحَدِيث الزَّكَاة وَحَدِيث الْحَج وَحَدِيث الْمِعْرَاج
وَمن الطوَال الَّتِي لم تخرج فِي الصَّحِيح حَدِيث الطير وَحَدِيث قس بن سَاعِدَة وَحَدِيث أم معبد وَغَيرهَا من الطوَال
فَهَذِهِ الْأَنْوَاع الَّتِي ذكرنَا من الْمَشْهُور الَّذِي يعرفهُ أهل الْعلم وقلما يخفى ذَلِك عَلَيْهِم وَهُوَ الْمَشْهُور الَّذِي يَسْتَوِي فِي مَعْرفَته الْخَاص وَالْعَام
وَأما الْمَشْهُور الَّذِي يعرفهُ أهل الصَّنْعَة فمثال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي الْوَزير التَّاجِر قَالَ حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدثنِي سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي مجلز عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قنت شهرا بعد الرُّكُوع يَدْعُو على رعل وذكوان
قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح وَله رُوَاة عَن أنس غير أبي مجلز وَرَوَاهُ عَن أبي مجلز غير التَّيْمِيّ وَرَوَاهُ عَن التَّيْمِيّ غير الْأنْصَارِيّ وَلَا يعلم ذَلِك غير أهل الصَّنْعَة فَإِن غَيرهم يَقُول هُوَ صَاحب أنس وَهَذَا حَدِيث غَرِيب أَن يرويهِ عَن رجل عَن أنس
وَلَا يعلم ان الحَدِيث عِنْد الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَله عَن قَتَادَة طرق كَثِيرَة وَلَا يعلم أَيْضا أَن الحَدِيث بِطُولِهِ فِي ذكر العرنيين يجمع ويذاكر بِطرقِهِ وأمثال هَذَا الحَدِيث أُلُوف من الْأَحَادِيث الَّتِي لَا يقف على شهرتها غير أهل الحَدِيث الْمُجْتَهدين فِي جمعه ومعرفته
стр. 376
ذكر النَّوْع الرَّابِع وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع مِنْهُ فِي معرفَة الْغَرِيب من الحَدِيث وَلَيْسَ هَذَا الْعلم ضد الأول فَإِنَّهُ يشْتَمل على أَنْوَاع شَتَّى لَا بُد من شرحها فِي هَذَا الْموضع
فنوع مِنْهُ غرائب الصَّحِيح مِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْجَبَّار قَالَ حَدثنَا يُونُس بن بكير عَن عبد الْوَاحِد بن أَيمن المَخْزُومِي قَالَ حَدثنِي أَيمن قَالَ سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول كُنَّا يَوْم الخَنْدَق نحفر الخَنْدَق فعرضت فِيهِ كذانة وَهِي الْجَبَل فَقلت يَا رَسُول الله كذانة قد عرضت فِيهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ رشوا عَلَيْهَا ثمَّ قَامَ النَّبِي ﷺ فَأَتَاهَا وبطنه معصوب بِحجر من الْجُوع فَذكر حَدِيثا
стр. 377
طَويلا فِيهِ ذكر أهل الصّفة ودعوة النَّبِي ﷺ إيَّاهُم وَهُوَ حَدِيث فِي ورقة وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح عَن خَلاد بن يحيى الْمَكِّيّ عَن عبد الْوَاحِد بن أَيمن فَهَذَا حَدِيث صَحِيح وَقد تفرد بِهِ عبد الْوَاحِد بن أَيمن عَن أَبِيه وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح
وَالنَّوْع الثَّانِي من غرائب الحَدِيث غرائب الشُّيُوخ مِثَاله مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ أخبرنَا الشَّافِعِي قَالَ أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا بيع حَاضر لباد هَذَا حَدِيث غَرِيب لمَالِك بن أنس عَن نَافِع وَهُوَ إِمَام يجمع حَدِيثه تفرد بِهِ عَنهُ الشَّافِعِي وَهُوَ غمام مقدم وَلَا نعلم أحدا حدث بِهِ عَنهُ غير الرّبيع بن سُلَيْمَان وَهُوَ ثِقَة مَأْمُون
وَالنَّوْع الثَّالِث من غَرِيب الحَدِيث غرائب الْمُتُون مِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْخُزَاعِيّ بِمَكَّة قَالَ حَدثنَا أَبُو يحيى بن أبي مَسَرَّة
стр. 378
قَالَ حَدثنَا خَلاد بن يحيى قَالَ حَدثنَا أَبُو عقيل عَن مُحَمَّد بن سوقة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله إِن هَذَا الدّين متين فأوغل فِيهِ بِرِفْق وَلَا تبغض إِلَى نَفسك عبَادَة الله فَإِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى
هَذَا حَدِيث غَرِيب الْإِسْنَاد والمتن فَكل مَا رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ من الْخلاف على مُحَمَّد بن سوقة فَأَما ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر فَلَيْسَ يرويهِ غير مُحَمَّد \ بن سوقة وَعنهُ أَبُو عقيل وَعنهُ خَلاد بن يحيى فَهَذِهِ الْأَنْوَاع الَّتِي ذكرتها مِثَال لألوف من الحَدِيث تجْرِي على مثالها وسننها
ذكر النَّوْع الْخَامِس وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع فِيهِ معرفَة الْأَفْرَاد من الْأَحَادِيث وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع
النَّوْع الأول فِيهِ معرفَة سنَن رَسُول الله ﷺ الَّتِي يتفرد بهَا أهل مَدِينَة وَاحِدَة عَن الصَّحَابِيّ
وَمِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو نصر أَحْمد بن سهل الْفَقِيه ببخارى قَالَ حَدثنَا صَالح بن مُحَمَّد بن حبيب الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا عَليّ بن حَكِيم قَالَ حَدثنَا شريك عَن أبي الْحَسْنَاء عَن الحكم بن عتيبة عَن حَنش قَالَ كَانَ عَليّ ﵁ يُضحي بكبشين بكبش عَن النَّبِي ﷺ وبكبش عَن نَفسه وَقَالَ كَانَ أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أضحي عَنهُ فَأَنا أضحي عَنهُ أبدا
تفرد بِهِ أهل الْكُوفَة من اول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره لم يشركهم فِيهِ أحد
стр. 379
ثمَّ اورد لِلْبَصْرَةِ وَالْمَدينَة ومصر وَالشَّام وَمَكَّة وخراسان لكل وَاحِدَة مِنْهَا حَدِيثا قد تفرد بِهِ أَهلهَا والمثال الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنهُ كَاف فِي الْوُقُوف على هَذَا النَّوْع بِالنّظرِ إِلَى الْمُبْتَدِئ وَلذَلِك اقتصرنا عَلَيْهِ وَقد جرينا على هَذَا النهج فِي كثير من الْمَوَاضِع
النَّوْع الثَّانِي من الْأَفْرَاد أَحَادِيث يتفرد بروايتها رجل وَاحِد عَن إِمَام من الْأَئِمَّة
وَمِثَال ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن شَيبَان الرَّمْلِيّ قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ بعث سَرِيَّة إِلَى نجد فبلغت سُهْمَانهمْ اثْنَي عشر بَعِيرًا فنفلنا النَّبِي ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا
تفرد بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ أَحْمد بن شَيبَان الرَّمْلِيّ
قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا النَّوْع من الْأَفْرَاد يكثر وَلَا يُمكن ذكره لكثرته وَهُوَ عِنْد أهل الصَّنْعَة مُتَعَارَف وَقد ذكر مِثَاله
فَأَما النَّوْع الثَّالِث من الْأَفْرَاد فَإِنَّهُ أَحَادِيث لأهل الْمَدِينَة ينْفَرد بهَا عَنْهُم أهل مَكَّة مثلا وَأَحَادِيث ينْفَرد بهَا الخراسانيون عَن أهل الْحَرَمَيْنِ مثلا وَهَذَا نوع يعز وجوده وفهمه
حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد بن السماك بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى الْمَدَائِنِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة قَالَ حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق - ح - وَحدثنَا أَبُو الْعَبَّاس المحبوبي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن اللَّيْث قَالَ حَدثنَا يحيى بن إِسْحَاق الكاجفوني قَالَ حَدثنَا عبد الْكَبِير بن دِينَار عَن
стр. 380
أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء قَالَ كَانَ رجل يُقَال لَهُ نعم فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أَنْت عبد الله
قَالَ أَبُو عبد الله أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي إِمَام تَابِعِيّ من أهل الْكُوفَة وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث عِنْد الْكُوفِيّين عَنهُ فَإِن عبد الْكَبِير دِينَار مروزي وَمُحَمّد بن الْفضل بن عَطِيَّة بخاري وَقد تفردا بِهِ عَنهُ فَهُوَ من أَفْرَاد الخراسانيين عَن الْكُوفِيّين
ذكر النَّوْع السَّادِس وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم فِي معرفَة المدلسين الَّذين لَا يُمَيّز من كتب عَنْهُم بَين مَا سَمِعُوهُ وَمَا لم يسمعوه وَفِي التَّابِعين وَأَتْبَاع التَّابِعين وَإِلَى عصرنا هَذَا مِنْهُم جمَاعَة
قَالَ أَبُو عبد الله فالتدليس عندنَا على سِتَّة أَجنَاس
فَمن المدلسين من دلّس عَن الثِّقَات الَّذين هم فِي الثِّقَة مثل الْمُحدث أَو فَوْقه أَو دونه إِلَّا أَنهم لم يخرجُوا من عداد الَّذين تقبل أخبارهم
الْجِنْس الثَّانِي قوم يدلسون الحَدِيث فَيَقُولُونَ قَالَ فلَان فَإِذا وَقع إِلَيْهِم من ينقر عَن سماعاتهم ويلح ويراجعهم ذكرُوا فِيهِ سماعاتهم
الْجِنْس الثَّالِث قوم دلسوا عَن أَقوام مجهولين لَا يدْرِي من هم وَأَيْنَ هم
стр. 381
قَالَ أَبُو عبد الله وَقد روى جمَاعَة من الْأَئِمَّة عَن قوم من المجهولين مِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَبَقِيَّة بن الْوَلِيد قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل إِذا حدث بَقِيَّة عَن الْمَشْهُورين فرواياته مَقْبُولَة وَإِذا حدث عَن المجهولين فرواياته غير مَقْبُولَة
وَالْجِنْس الرَّابِع قوم دلسوا أَحَادِيث رووها عَن الْمَجْرُوحين فغيروا أساميهم وَكُنَاهُمْ كي لَا يعرفوا
وَالْجِنْس الْخَامِس قوم دلسوا عَن قوم سمعُوا مِنْهُم الْكثير وَرُبمَا فاتهم الشَّيْء عَنْهُم فيدلسونه
قَالَ أَبُو عبد الله وَمن هَذِه الطَّبَقَة جمَاعَة من الْمُحدثين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مخرج حَدِيثهمْ فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن المتبحر فِي هَذَا الْعلم يُمَيّز بَين مَا سَمِعُوهُ وَمَا دلسوه
وَالْجِنْس السَّادِس قوم رووا عَن شُيُوخ لم يروهم قطّ وَلم يسمعوا مِنْهُم وَإِنَّمَا قَالُوا قَالَ فلَان فَحمل لَك عَنْهُم على السماع وَلَيْسَ عِنْدهم عَنْهُم سَماع عَال وَلَا نَازل
قَالَ أَبُو عبد الله قد ذكرت فِي هَذِه الْأَجْنَاس السِّتَّة أَنْوَاع التَّدْلِيس ليتأمله طَالب هَذَا الْعلم فيقيس بِالْأَقَلِّ على الْأَكْثَر وَلم اسْتحْسنَ ذكر أسامي من دلّس من أَئِمَّة الْمُسلمين صِيَانة للْحَدِيث وَرُوَاته غير أَنِّي أدل على جملَة يَهْتَدِي إِلَيْهَا الباحث عَن الْأَئِمَّة الَّذين دلسوا وَالَّذين تورعوا عَن التَّدْلِيس وَهُوَ أَن أهل الْحجاز والحرمين ومصر للعوالي من مَذْهَبهم وَكَذَلِكَ أهل خُرَاسَان وَالْجِبَال وأصبهان وبلاد فَارس وخوزستان وَمَا وَرَاء النَّهر لَا يعلم أحد من أئمتهم دلّس
وَأكْثر الْمُحدثين تدليسا أهل الْكُوفَة وَنَفر يسير من أهل الْبَصْرَة
فَأَما مَدِينَة السَّلَام بَغْدَاد فقد خرج مِنْهَا جمَاعَة من أهل الحَدِيث مثل أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم وَأبي نوح عبد الرَّحْمَن بن غَزوَان وَأبي كَامِل مظفر بن مدرك
стр. 382
وَأبي مُحَمَّد يُونُس بن مُحَمَّد الْمُؤَدب وهم فِي الطَّبَقَة الأولى من أهل بَغْدَاد لَا يذكر عَنْهُم وَعَن أقرانهم من الطَّبَقَة الأولى التَّدْلِيس ثمَّ الطَّبَقَة الثَّانِيَة بعدهمْ الْحسن بن مُوسَى الأشيب وسريج بن النُّعْمَان الْجَوْهَرِي وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو الْأَزْدِيّ والمعلى بن مَنْصُور وأقرانهم من هَذِه الطَّبَقَة لم يذكر عَنْهُم التَّدْلِيس
ثمَّ الطَّبَقَة الثَّالِثَة إِسْحَاق بن عِيسَى بن الطباع وَمَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ وَسليمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي وَأَبُو نصر عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز التمار لم يذكر عَنْهُم وَعَن طبقتهم التَّدْلِيس
ثمَّ الطَّبَقَة الرَّابِعَة مِنْهُم مثل الْهَيْثَم بن خَارِجَة وَالْحكم بن مُوسَى وَخلف بن هِشَام وَدَاوُد بن عَمْرو الضَّبِّيّ لم يذكر عَنْهُم وَعَن طبقتهم التَّدْلِيس
ثمَّ الطَّبَقَة الْخَامِسَة مثل إِمَام الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل ومزكي الروَاة يحيى بن معِين وصاحبي الْمسند ابْن أبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد لم يذكر عَن وَاحِد مِنْهُم التَّدْلِيس
ثمَّ الطَّبَقَة السَّادِسَة وَالسَّابِعَة لم يذكر عَنْهُم ذَلِك إِلَّا لأبي بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الباغندي الوَاسِطِيّ فَإِن أَخذ أحد من أهل بَغْدَاد التَّدْلِيس فَعَن الباغندي وَحده
ذكر النَّوْع السَّابِع وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع مِنْهُ فِي معرفَة علل الحَدِيث وَهُوَ علم بِرَأْسِهِ غير الصَّحِيح والسقيم وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سَلمَة بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا قدامَة السَّرخسِيّ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول لِأَن
стр. 383
أعرف عِلّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي أحب إِلَيّ من أَن أكتب عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي
وَقد اقتصرنا من عبارَة الْحَاكِم هُنَا على هَذَا الْقدر وَسَتَأْتِي تَتِمَّة عِبَارَته فِي مَبْحَث أفردناه لهَذَا النَّوْع
ذكر النَّوْع الثَّامِن وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع مِنْهُ فِي معرفَة الشاذ من الرِّوَايَات وَهُوَ غير الْمَعْلُول مَا يُوقف على علته أَنه دخل حَدِيث فِي حَدِيث أَو وهم فِيهِ راو أَو أرْسلهُ وَاحِد فوصله واهم
فَأَما الشاذ فَإِنَّهُ حَدِيث يتفرد بِهِ ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ للْحَدِيث أصل متابع لذَلِك الثِّقَة
سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُتَكَلّم الْأَشْقَر يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق يَقُول سَمِعت يُونُس بن عبد الْأَعْلَى يَقُول قَالَ لي الشَّافِعِي لَيْسَ الشاذ أَن يروي الثِّقَة حَدِيثا يُخَالف فِيهِ النَّاس هَذَا الشاذ من الحَدِيث
ذكر النَّوْع التَّاسِع وَالْعِشْرين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم فِي معرفَة سنَن لرَسُول الله ﷺ يعارضها مثلهَا فيحتج أَصْحَاب الْمذَاهب بأحداهما وهما فِي الصِّحَّة والسقم سيان
وَمِثَال ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ أخبرنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ أخبرنَا الشَّافِعِي قَالَ أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن نبيه بن وهب أَن عمر بن عبيد الله أَرَادَ أَن يُزَوّج طَلْحَة بن عمر ابْنة شيبَة بن جُبَير فَأرْسل إِلَى
стр. 384
أبان بن عُثْمَان ليحضر ذَلِك وَهُوَ أَمِير الْحَاج فَقَالَ أبان سَمِعت عُثْمَان بن عَفَّان يَقُول سَمِعت رَسُول الله يَقُول لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح وَلَا يخْطب
قَالَ أَبُو عبد الله فِي النَّهْي عَن نِكَاح الْمحرم بَاب مخرج أَكْثَره فِي الصَّحِيح
ويعارضه هَذَا الْخَبَر حَدثنِي عَليّ بن حمشاذ الْعدْل قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ نكح مَيْمُونَة وَهُوَ محرم
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَطَاوُس بن كيسَان وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَمُجاهد بن جبر وَعبد الله بن أبي مليكَة وَغَيرهم عَن عبد الله بن عَبَّاس وَكَانَ سعيد بن الْمسيب يُنكر هَذَا الحَدِيث
وَقد كَانَ يزِيد بن الْأَصَم يروي عَن أبي رَافع انه كَانَ يَقُول كنت وَالله الرَّسُول بَين رَسُول الله ﷺ ومَيْمُونَة وَمَا تزَوجهَا إِلَّا حَلَالا
وَقد خرجت عليته فِي كتاب الإكليل فِي عمْرَة الْقَضَاء بتفصيله وَشَرحه حَتَّى لقد شفيت
وَذكر الْحَاكِم خَمْسَة أَمْثِلَة هَذَا أَحدهَا ثمَّ قَالَ وَقد جعلت هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرتها مِثَالا لأحاديث كَثِيرَة يطول شرحها فِي الْكتاب
стр. 385
ذكر النَّوْع الثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذَا الْعلم فِي معرفَة الْأَخْبَار الَّتِي لَا معَارض لَهَا بِوَجْه من الْوُجُوه
وَمِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ حَدثنَا وهب بن جرير قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن مُصعب بن سعد عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول
قَالَ أَبُو عبد الله هَذِه سنة صَحِيحَة لَا معَارض لَهَا وَذكر أَمْثِلَة أُخْرَى لهَذَا النَّوْع ثمَّ قَالَ وَقد جعلت هَذِه الحاديث مِثَالا لسنن كَثِيرَة لَا معَارض لَهَا وَقد صنف عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِيهِ كتابا كَبِيرا
ذكر النَّوْع الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم فِي معرفَة زِيَادَة أَلْفَاظ فقهية فِي أَحَادِيث يتفرد فِيهَا بِالزِّيَادَةِ راو وَاحِد
وَهَذَا مِمَّا يعز وجوده ويقل فِي أهل الصَّنْعَة من يحفظه وَقد كَانَ أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه بِبَغْدَاد يذكر بذلك وَأَبُو نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عدي الْجِرْجَانِيّ بخراسان وبعدهما شَيخنَا أَبُو الْوَلِيد
وَمِثَال هَذَا النَّوْع مَا أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن الطوسي بنيسابور وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ بِمَكَّة قَالَا حَدثنَا أَبُو يحيى بن أبي مَسَرَّة قَالَ حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد الْجَارِي قَالَ حَدثنَا زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُطِيع عَن أَبِيه عَن جده عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
стр. 386
وَسلم من شرب فِي إِنَاء ذهب أَو فضَّة أَو فِي إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك فَإِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم
قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا حَدِيث رُوِيَ عَن أم سَلمَة وَهُوَ مخرج فِي الصَّحِيح وَكَذَلِكَ رُوِيَ من غير وَجه عَن ابْن عمر واللفظة أَو إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك لم نكتبها إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد
ذكر النَّوْع الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذَا الْعلم فِي معرفَة مَذَاهِب الْمُحدثين
قَالَ مَالك بن أنس لَا يُؤْخَذ الْعلم من صَاحب هوى يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ
وَقَالَ يحيى بن معِين كَانَ مُحَمَّد بن مناذر الشَّاعِر زنديقا يخرج إِلَى الْبَطْحَاء فيصطاد العقارب ثمَّ يرسلها على الْمُسلمين فِي الْمَسْجِد الْحَرَام
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِنِّي لأروي الحَدِيث على ثَلَاثَة أوجه أسمع الحَدِيث من الرجل أتخذه دينا وأسمع الحَدِيث من الرجل أتوقف فِي حَدِيثه وأسمع الحَدِيث من لارجل لَا أَعْتَد بحَديثه وَأحب معرفَة مذْهبه
وَقَالَ أَبُو نعيم ذكر الْحسن بن صَالح عِنْد الثَّوْريّ فَقَالَ ذَاك رجل كَانَ يرى السَّيْف على أمة مُحَمَّد ﷺ قَالَ أَبُو عبد الله الْحسن بن صَالح فَقِيه ثِقَة مَأْمُون مخرج فِي الصَّحِيح وَغنما عَنى الثَّوْريّ أَنه كَانَ زيدي الْمَذْهَب
قَالَ أَبُو عبد الله قد ذكرت مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي الْوَقْت من مَذَاهِب الْمُتَقَدِّمين وَلم يحْتَمل الِاخْتِصَار أَكثر مِنْهُ وَفِي الْقلب أَن أذكر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فِي غير هَذَا الْكتاب مَذَاهِب الْمُحدثين بعد هَذِه الطَّبَقَة من شُيُوخ شيوخي وَالله الْمُوفق لذَلِك بمنه اهـ
стр. 387
أَقُول قد عرفت من الْعبارَات الْوَارِدَة فِي هَذَا النَّوْع مَا أَرَادَ الْحَاكِم بمذاهب الْمُحدثين هُنَا وَقد سُئِلَ بعض البارعين فِي علم الْأَثر عَن مَذَاهِب الْمُحدثين مرَادا بذلك الْمَعْنى الْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور فَأجَاب عَمَّا سُئِلَ عَنهُ بِجَوَاب يُوضح حَقِيقَة الْحَال وغن كَانَ فِيهِ نوع إِجْمَال وَقد أحبننا إِيرَاده هُنَا مَعَ اخْتِصَار مَا
قَالَ أما البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد فإمامان فِي الْفِقْه وَكَانَا من أهل الِاجْتِهَاد
وَأما مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَنَحْوهم فهم على مَذْهَب أهل الحَدِيث لَيْسُوا مقلدين لوَاحِد بِعَيْنِه من الْعلمَاء وَلَا هم من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين على الْإِطْلَاق بل يميلون إِلَى قَول أَئِمَّة الحَدِيث كالشافعي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وأمثالهم وهم إِلَى مَذَاهِب أهل الْحجاز أميل مِنْهُم إِلَى مَذَاهِب أهل الْعرَاق
وَأما أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فأقدم من هَؤُلَاءِ كلهم من طبقَة يحيى بن سعيد الْقطَّان وَيزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وأمثال هَؤُلَاءِ من طبقَة شُيُوخ الإِمَام أَحْمد وَهَؤُلَاء كلهم لَا يألون جهدا فِي اتِّبَاع السّنة غير أَن مِنْهُم من يمِيل إِلَى مَذْهَب الْعِرَاقِيّين كوكيع وَيحيى بن سعيد وَمِنْهُم من يمِيل إِلَى مَذْهَب الْمَدَنِيين كَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي
وَأما الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ كَانَ يمِيل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي إِلَّا أَنه لَهُ اجْتِهَاد وَكَانَ من أَئِمَّة السّنة والْحَدِيث وَلم يكن حَاله كَحال أحد من كبار الْمُحدثين مِمَّن جَاءَ على أَثَره فالتزم التَّقْلِيد فِي عَامَّة الْأَقْوَال إِلَّا فِي قَلِيل مِنْهَا مِمَّا يعد ويحصر فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أقوى فِي الِاجْتِهَاد مِنْهُ وَكَانَ أفقه وَأعلم مِنْهُ
стр. 388
ذكر النَّوْع الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم مذاكرة الحَدِيث والتمييز بهَا والمعرفة عِنْد المذاكرة بَين الصدوق وَغَيره فَإِن المجازف فِي المذاكرة يجازف فِي التحديث
وَلَقَد كتبت على جمَاعَة من أَصْحَابنَا فِي المذاكرة أَحَادِيث لم يخرجُوا من عهدتها قطّ وَهِي مثبتة عِنْدِي وَكَذَلِكَ أَخْبرنِي أَبُو عَليّ الْحَافِظ وَغَيره من مَشَايِخنَا أَنهم حفظوا على قوم فِي المذاكرة مَا احْتَجُّوا بلك على جرحهم ونسأل الله حسن العواقب والسلامة مِمَّا نَحن فِيهِ بمنة الله وَطوله
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب يَقُول حَدثنَا الْحسن بن عَليّ بن عَفَّان العامري قَالَ حَدثنَا أَبُو يحيى الْحمانِي عَن الْأَعْمَش عَن جَعْفَر بن إِيَاس عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد قَالَ تَذَاكَرُوا الحَدِيث فَإِن الحَدِيث يهيج الحَدِيث
أَخْبرنِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن القَاضِي قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن هَاشم قَالَ حَدثنَا وَكِيع قَالَ حَدثنَا كهمس عَن الْحسن عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ تزاوروا وَأَكْثرُوا ذكر الحَدِيث فَإِنَّكُم إِن لم تَفعلُوا يندرس الحَدِيث وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله قَالَ تَذَاكَرُوا الحَدِيث فَإِن حَيَاته مذاكرته
ذكر النَّوْع الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع مِنْهُ معرفَة التصحيفات فِي الْمُتُون فقد زلق فِيهِ جمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث سَمِعت أَحْمد بن يحيى الذهلي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد القدوس يَقُول قصدنا شَيخا لنسمع مِنْهُ وَكَانَ فِي كِتَابه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ادهنوا غبا فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اذْهَبُوا عَنَّا
стр. 389
وَأورد الْحَاكِم أَمْثِلَة لهَذَا النَّوْع وَنقل أَن شَيخا أَجْلِس للتحديث فَحدث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل الْبَعِير وَأَنه قَالَ لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا خرس يُرِيد أَنه صحف النغير بالبعير وصحف الجرس بالخرس
قَالَ فِي النِّهَايَة وَفِي الحَدِيث أَنه ﵊ قَالَ لأبي عُمَيْر أخي أنس يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير النغير تَصْغِير النغر وَهُوَ طَائِر يشبه العصفور أَحْمَر المنقار وَقَالَ وَفِي الحَدِيث لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا جرس الجرس هُوَ الجلجل الَّذِي يعلق على الدَّوَابّ قيل إِنَّمَا كرهه لِأَنَّهُ يدل على أَصْحَابه بِصَوْتِهِ وَكَانَ ﵊ يحب أَن لَا يعلم الْعَدو بِهِ حَتَّى يَأْتِيهم فَجْأَة وَقيل غير ذَلِك
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم سَمِعت أَبَا مَنْصُور بن أبي مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول كنت بعدن الْيمن يَوْمًا وأعرابي يذاكرنا فَقَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى نصب بَين يَدَيْهِ شَاة فأنكرت ذَلِك عَلَيْهِ فجَاء بِجُزْء فِيهِ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى نصب بَين يَدَيْهِ عنزة فَقلت أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ عنزة أَي عَصا
قَالَ أَبُو عبد الله قد ذكرت مِثَالا يسْتَدلّ بِهِ على تصحيفات كَثِيرَة الْمُتُون صحفها قوم لم يكن الحَدِيث بيشقهم نُسْخَة حرفتهم كَمَا قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك
ذكر النَّوْع الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم معرفَة تصحيفات الحدثين فِي الْأَسَانِيد سَمِعت أَحْمد بن يحيى الذهلي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَبدُوس يَقُول
стр. 390
سَمِعت بعض مَشَايِخنَا يَقُول قَرَأَ علينا شيخ بَغْدَاد عَن شقبان الثَّوْريّ عَن جلد الجداء عَن الجسر
وَذكر أمثل كَثِيرَة هَذَا أغربها فَإِن الأَصْل عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن خَالِد الْحذاء عَن الْحسن وَكَأن خَالِدا كَانَ مَكْتُوبًا بِغَيْر ألف على طَريقَة بعض الْكتاب فِي حذفهَا فِي مثله
ثمَّ قَالَ الْحَاكِم وَقد جعلت هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرتها مِثَالا لتصحيفات كَثِيرَة أحث بِهِ المتعلم على معرفَة أسامي رُوَاة الحَدِيث اهـ
وَقد جعل ابْن الصّلاح هَذَا النَّوْع وَالَّذِي قبله نوعا وَاحِدًا غير أَنه قسمه إِلَى قسمَيْنِ وَقد أَحْبَبْت إِيرَاد كَلَامه هَا هُنَا على طَرِيق الِاخْتِصَار
قَالَ النَّوْع الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ معرفَة الْمُصحف من أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها هَذَا فن جليل إِنَّمَا ينْهض بأعبائه الحذاق من الْحفاظ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْهُم وَله فِيهِ تصنيف مُفِيد وروينا عَن أبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ وَمن يعرى من الْخَطَأ والتصحيف
فمثال التَّصْحِيف فِي الْإِسْنَاد حَدِيث شُعْبَة عَن الْعَوام بن مراجم عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا صحف فِيهِ يحيى بن معِين فَقَالَ مُزَاحم بالزاي والحاء فَرد عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ ابْن مراجم بالراء الْمُهْملَة وَالْجِيم
وَمِثَال التَّصْحِيف فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ ابْن لَهِيعَة عَن كتاب مُوسَى بن عقبَة إِلَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَن زيد بن ثَابت أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم فِي الْمَسْجِد وَإِنَّمَا هُوَ بالراء احتجر فِي الْمَسْجِد بخص أَو حَصِير حجرَة يُصَلِّي فِيهَا فصحفه ابْن لَهِيعَة لكَونه أَخذه من كتاب بِغَيْر سَماع ذكر ذَلِك مُسلم فِي كتاب التَّمْيِيز لَهُ
следующие страницы →