Полный текст (855 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عبدا حَدِيث الْبَراء أسلمت نَفسِي إِلَيْك قصَّة الطير قصَّة الْمُفطر فِي رَمَضَان أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى السّفر من الْعَذَاب طرق الْحسن عَن صعصعة كَانَ إِذا بعث سَرِيَّة
من كذب عَليّ مُتَعَمدا اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها إِذا أَتَاكُم كريم قوم تقتل عمارا الفئة الباغية ذَكَاة الْجَنِين خطْبَة عمر بالجابية شَرّ النَّاس من يخَاف لِسَانه لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة لَيْسَ بالكذاب من أصلح بَين النَّاس إِن أول مَا نبدأ بِهِ أَن نصلي ثمَّ نذبح من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ بست الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا
الكمأة من الْمَنّ نعم الإدام الْخلّ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد كل مُسكر حرَام إِن من الشّعْر لحكمة قصَّة العرنيين صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا اخْتِلَاف الْأَخْبَار فِي تَزْوِيج مَيْمُونَة بنت الْحَارِث النَّاس كإبل مئة دَعْوَة ذِي النُّون إِن الله يحب ان تقبل رخصَة أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء إِنَّه ليغان على قلبِي الْمُؤمن غر كريم
ذكر النَّوْع الْحَادِي وَالْخمسين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم معرفَة جمَاعَة من الروَاة لم يحْتَج بِحَدِيثِهِمْ فِي الصَّحِيح وَلم يسقطوا وَهَذَا علم حسن فَإِن فِي رُوَاة الْأَخْبَار جمَاعَة بِهَذِهِ الصّفة
وَمِثَال ذَلِك فِي الصَّحَابَة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة لم يَصح الطَّرِيق إِلَيْهِ من جِهَة الناقلين فَلم يخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ عتبَة بن غَزوَان وَأَبُو كَبْشَة مولى رَسُول الله والأرقم بن أبي الأرقم وَقُدَامَة بن مَظْعُون والسائب بن مَظْعُون وشجاع بن وهب الْأَسدي وَأَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة بن
стр. 422
ربيعَة وَعباد بن بشر وسلامة بن وقش فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة
إِلَّا أَنِّي ذكرت هَؤُلَاءِ ﵃ فَإِنَّهُم من الْمُهَاجِرين الَّذين شهدُوا بَدْرًا وَلَيْسَ لَهُم فِي الصَّحِيح رِوَايَة إِذْ لم يَصح إِلَيْهِم الطَّرِيق وَلَهُم ذكر فِي الصَّحِيح من رِوَايَات غَيرهم من الصَّحَابَة مثل قَوْله ﷺ لكل أمة أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَمَا يشبه هَذَا
وَمِثَال ذَلِك فِي التَّابِعين محمدب ن طَلْحَة بن عبيد الله مُحَمَّد بن أبي بن كَعْب السَّائِب بن خَلاد بن السَّائِب مُحَمَّد بن أُسَامَة بن زيد عمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابت سعيد بن سعد بن عبَادَة عبد الرَّحْمَن بن جَابر بن عبد الله إِسْمَاعِيل بن زيد بن ثَابت هَؤُلَاءِ التابعون عَن علو محالهم فِي التَّابِعين وعلو محَال آبَائِهِم فِي الصَّحَابَة لَيْسَ فِي الصَّحِيح ذكر لفساد الطَّرِيق إِلَيْهِم لَا لجرح فيهم وَفِي التَّابِعين جمَاعَة من هَذِه الطَّبَقَة
وَمِثَال ذَلِك فِي أَتبَاع التَّابِعين إِبْرَاهِيم بن مُسلم الهجري عبد الرَّحْمَن بن عبد الله المَسْعُودِيّ قيس بن الرّبيع الْأَسدي
وَمِثَال ذَلِك فِي أَتبَاع الأتباع مطلب بن زِيَاد حَمَّاد بن شُعَيْب سعيد بن زيد أَخُو حَمَّاد يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ عَائِذ بن حبيب مُحَمَّد بن ربيعَة الْكلابِي إِسْمَاعِيل بن عبد الْكَرِيم الصَّنْعَانِيّ
وَمِثَال ذَلِك فِي الطَّبَقَة الْخَامِسَة من الْمُحدثين عون بن عمَارَة الغبري وَالقَاسِم بن الحكم العرني
وَمِثَال ذَلِك فِي الطَّبَقَة السَّادِسَة من الْمُحدثين أَحْمد بن عبد الْجَبَّار العطاردي الْحَارِث بن أبي أُسَامَة أَحْمد بن عبيد بن نَاصح النَّحْوِيّ إِسْمَاعِيل بن الْفضل
стр. 423
وَمن أهل الْكُوفَة
عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ وعامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ وَالْحسن بن صَالح بن حَيّ
وَمن أهل الْبَصْرَة
قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي وَأَبُو الْعَالِيَة زِيَاد بن فَيْرُوز وكهمس بن الْحسن الْهِلَالِي وَسَعِيد بن أبي هروبة فِي آخَرين بعدهمْ
وَمن أهل مصر
عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَأَشْهَب بن عبد الْعَزِيز وَعبد الله بن وهب وَعبد الله بن عبد الحكم بن أعين وَجَمَاعَة من المالكيين بعدهمْ وَكَذَلِكَ جمَاعَة من أهل الشَّام وخراسان
قَالَ أَبُو عبد الله وَقد رَأَيْت أَن جمَاعَة من مشايخي يرَوْنَ الْعرض سَمَاعا وَالْحجّة عِنْدهم فِي ذَلِك مَا حدّثنَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني قَالَ حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا اللَّيْث بن سعد قَالَ حَدثنِي سعيد المَقْبُري عَن شريك بن عبد الله عَن أنس بن مَالك قَالَ
بَينا نَحن جُلُوس مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ جَاءَ رجل فَذكر الحَدِيث قَالَ يَا مُحَمَّد إِنِّي سَائِلك فمشتد عَلَيْك فِي الْمَسْأَلَة فَلَا تجدن فِي نَفسك فَقَالَ سل مَا بدا لَك فَقَالَ الرجل نشدتك بِرَبِّك وَرب من قبلك الله أرسلك إِلَى النَّاس كلهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ نعم
قَالَ أَبُو عبد الله احْتج شيخ الصَّنْعَة أَبُو عبد الله بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم من الْجَامِع الصَّحِيح بِهَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْعرض على الْمُحدث
أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْفضل بن مُحَمَّد الشعراني قَالَ حَدثنَا جدي
стр. 424
قَالَ سَمِعت إِسْمَاعِيل بن أبي أويس سَمِعت خَالِي مَالك بن أنس يَقُول قَالَ لي يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق الْتقط لي مئة حَدِيث من حَدِيث ابْن شهَاب حَتَّى رويها عَنْك عَنهُ قَالَ مَالك فكتبتها ثمَّ بعثت بهَا إِلَيْهِ فَقيل لمَالِك أسمعها مِنْك قَالَ هُوَ أفقه من ذَلِك
أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز قَالَ حَدثنِي الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي مطرف بن عبد الله قَالَ صَحِبت مَالِكًا سبع عشرَة سنة فَمَا رَأَيْته قَرَأَ الْمُوَطَّأ على أحد وسمعته يَأْبَى أَشد الإباء على من يَقُول لَا يجْزِيه إِلَّا السماع وَيَقُول كَيفَ لَا يقنعك أَن تَأْخُذهُ عرضا والمحدث أَخذه عرضا وَلم لَا تجوز لنَفسك ان تعرض أَنْت كَمَا عرض هُوَ
حَدثنَا أَبُو بكر الشَّافِعِي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي قَالَ حَدثنَا ابْن أبي أويس قَالَ سُئِلَ مَالك عَن حَدِيثه أسماع هُوَ فَقَالَ مِنْهُ سَماع وَمِنْه عرض وَلَيْسَ الْعرض بِأَدْنَى عندنَا من السماع
قَالَ أَبُو عبد الله قد ذكرنَا مَذْهَب جمَاعَة من الْأَئِمَّة فِي الْعرض فَإِنَّهُم أجازوه على الشَّرَائِط الَّتِي قدمنَا ذكرهَا وَلَو عاينوا مَا عايناه من محدثي زَمَاننَا لما أجازوه فَإِن الْمُحدث إِذْ لم يعرف مَا فِي كِتَابه كَيفَ يعرض عَلَيْهِ
وَأما فُقَهَاء الْإِسْلَام الَّذين أفتوا فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَإِن فيهم من لم ير الْعرض سَمَاعا وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الْقِرَاءَة على الْمُحدث أهوَ إِخْبَار أم لَا وَبِه قَالَ الشَّافِعِي المطلبي بالحجاز وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام والبويطي والمزني بِمصْر وَأَبُو حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد بن حَنْبَل بالعراق وَعبد الله بن الْمُبَارك وَيحيى بن يحيى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه بالمشرق وَعَلِيهِ عهدنا أَئِمَّتنَا وَبِه قَالُوا وَإِلَيْهِ ذَهَبُوا وَإِلَيْهِ نَذْهَب وَبِه نقُول إِن الْعرض لَيْسَ بِسَمَاع وغن الْقِرَاءَة على الْمُحدث إِخْبَار وَالْحجّة عِنْدهم فِي ذَلِك قَوْله ﷺ نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها حَتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَى من لم يسْمعهَا وَقَوله ﷺ تَسْمَعُونَ وَيسمع
стр. 425
مِنْكُم فِي أَخْبَار كَثِيرَة
حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ أخبرنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ أخبرنَا الشَّافِعِي قَالَ أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه أَن رَسُول ﷺ قَالَ نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها فوعاها وأداها فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه
قَالَ الشَّافِعِي فَلَمَّا ندب رَسُول الله ﷺ إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها إِلَى من يُؤَدِّيهَا وَالْأَمر وَاحِد دلّ على انه ﷺ لَا يَأْمر أَن يُؤدى عَنهُ إِلَّا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة على من أُدي إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَدِّي عَنهُ حَلَال يُؤْتى وَحرَام يجْتَنب وحد يُقَام وَمَال يُؤْخَذ وَيُعْطى ونصيحة فِي دين وَدُنْيا
قَالَ أَبُو عبد الله وَالَّذِي أختاره فِي الرِّوَايَة وعهدت عَلَيْهِ أَكثر مشايخي وأئمة عصري أَن يَقُول فِي الَّذِي يَأْخُذهُ من الْمُحدث لفظا وَلَيْسَ مَعَه أحد حَدثنِي فلَان وَمَا يَأْخُذهُ من الْمُحدث لفظا مَعَ غَيره حَدثنَا فلَان وَمَا قَرَأَ على الْمُحدث بِنَفسِهِ أَخْبرنِي فلَان وَمَا قرئَ على الْمُحدث فَأجَاز وَهُوَ حَاضر أخبرنَا فلَان وَمَا عرض على الْمُحدث فَأجَاز لَهُ رِوَايَته شفاها يَقُول فِيهِ أنبأني فلَان وَمَا كتب إِلَيْهِ الْمُحدث من مَدِينَة وَلم يشافهه بِالْإِجَازَةِ يَقُول كتب إِلَيّ فلَان
سَمِعت أَبَا بكر إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَقِيه بِالريِّ يَقُول سَأَلت أَبَا شُعَيْب الْحَرَّانِي الْإِجَازَة لِأَصْحَابِي بِالريِّ فَقَالَ أَبُو شُعَيْب حَدثنَا جدي قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن أعين عَن شُعْبَة قَالَ كتب إِلَيّ الْمَنْصُور بِحَدِيث ثمَّ لَقيته بعد ذَلِك فَسَأَلته عَن ذَلِك الحَدِيث فَقَالَ لي أَلَيْسَ قد حدثتك بِهِ إِذا كتبت بِهِ إِلَيْك فقد حدثتك
حَدثنَا الزبير بن عبد الْوَاحِد قَالَ أخبرنَا أَبُو تُرَاب مُحَمَّد بن سهل قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد بن قطن بن كثير قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة قَالَ سَمِعت
стр. 426
بَقِيَّة يَقُول لقيتني شُعْبَة بِبَغْدَاد فَقَالَ لي لَو لم ألقك لمت مَعَك كتاب بجير بن سعد قَالَ قلت لَا قَالَ إِذا رجعت فاكتبه واختمه وَوجه بِهِ إِلَيّ
هَذَا آخر مَا انتقيناه من كتاب الْمعرفَة فِي أصُول الحَدِيث للْحَاكِم أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي وَقد أوردنا هُنَا جلّ مَا أوردهُ فِيهِ من الْفَوَائِد المهمة فِي كل نوع من النواع واقتصرنا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تعدّدت فِيهَا الْأَمْثِلَة على أقل مَا يُمكن الِاقْتِصَار عَلَيْهِ رِعَايَة لحَال الْمُبْتَدِئ الَّذِي توخينا أَن يحصل لَهُ من مطالعة كتَابنَا هَذَا خطّ وافر من الْمعرفَة بِهَذَا الْفَنّ وفقنا الله سُبْحَانَهُ لما يحب ويرضى
وَقد وَقع إِلَيْنَا حِين الانتقاء نُسْخَة كتبت فِي الْقَاهِرَة فِي دَار الحَدِيث الكاملية سنة ٦٣٤ وقرئت فِي قلعة الْجَبَل على بعض أهل الْأَثر وَهِي منقولة من نُسْخَة الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ الْمُثبت عَلَيْهَا صُورَة سَمَاعه فِي آخر كل جُزْء من اجزائها الْخَمْسَة من الشَّيْخ الإِمَام أبي نزار ربيعَة بن الْحسن اليمني الْحَضْرَمِيّ سنة ٦٠٢
وَهَذَا مِثَال جَمِيع الْجُزْء الأول من علم الحَدِيث على الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أبي نزار ربيعَة بن الْحسن بن عَليّ بن يحيى الْحَضْرَمِيّ اليمني بِحَق سَمَاعه لَهُ وقراءته على أبي المطهر الصيدلاني بإجازته من ابْن خلف عَن مُصَنفه بِقِرَاءَة الشريف أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي الْقَاسِم الإدريسي الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي بن عبد الله الْمُنْذِرِيّ وملهم بن فتوح بن بِشَارَة الصُّوفِي وَعبد الْبَاقِي بن أبي مُحَمَّد بن عَليّ الخشاب وبركات بن ظافر بن عَسَاكِر وَصَحَّ بِمَسْجِد المسمع بِمصْر يَوْم السبت من شهر ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْنِ وست مئة
стр. 427
وَهَذَا مِثَال مَا كتب فِي آخر الْجُزْء الثَّانِي بلغ السماع لجَمِيع هَذَا الْجُزْء على الشَّيْخ الإِمَام العلام الزَّاهِد أبي نزار ربيعَة بن الْحسن بن عَليّ بن عبد الله بن يحيى بن أبي الشجاع الْحَضْرَمِيّ بِحَق قِرَاءَته لَهُ على أبي المطهر الْقَاسِم بن الْفضل بن عبد الْوَاحِد الصيدلاني بإجازته من الأديب أبي بكر أَحْمد بن أبي الْحسن بن خلف الشِّيرَازِيّ بِحَق سَمَاعه من الْحَاكِم أبي عبد الله مُصَنفه صَاحبه الْفَقِيه الْمُحدث عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي بن عبد الله الْمُنْذِرِيّ وَاخْتِيَار الدّين أَبُو المناقب ملهم بن فتوح بن بِشَارَة الصُّوفِي وبركات بن ظافر بن عَسَاكِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ فِي نَهَار يَوْم السبت السَّادِس من ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وست مئة وَالْحَمْد لله حق حَمده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد خير خلقه وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا اهـ
وَاعْلَم أَن طرق نقل الحَدِيث وتحمله من أهم مبَاحث هَذَا الْفَنّ وَقد تعرض لَهَا عُلَمَاء الْأُصُول فِي كتبهمْ وَقد كتب فِيهَا ابْن الصّلاح مَا يشفي الغليل وَلما كَانَ مَا ذكر فِي هَذَا النَّوْع وَهُوَ النَّوْع الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الَّذِي ختم بِهِ الْحَاكِم كِتَابه دَاخِلا فِيهَا وَكَانَ هَذَا المبحث سهل المأخذ أحببنا أَن لَا تعرض لَهُ كَمَا لم نتعرض فِي كثير من الْمَوَاضِع لأمثاله وَغنما اكتفينا بِدلَالَة الطَّالِب على مَنْزِلَته من الْفَنّ كي لَا يزهد فِيهِ وعَلى مظان الْبَحْث عَنهُ كي يرجع إِلَيْهَا عِنْد حُصُول الدَّاعِي إِلَى ذَلِك
غير أَن رَأينَا نذْكر هُنَا شَيْئا مِمَّا قيل فِي الْإِجَازَة لفرط ولوع كثير من الْمُتَأَخِّرين بهَا فَنَقُول من أَقسَام الْأَخْذ والتحمل الْإِجَازَة وَهِي دون السماع وَهِي تِسْعَة أَنْوَاع
النَّوْع الأول أَن يُجِيز معينا لمُعين كَانَ يَقُول أجزت لَك أَو لكم الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ فهرستي وَنَحْو ذَلِك هَذَا أَعلَى أَنْوَاع الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَن المناولة وَقد اخْتلف فِيهَا فَقَالَ بعض الْعلمَاء بجوازها وَقَالَ بَعضهم بِعَدَمِ جَوَازهَا
стр. 428
قَالَ ابْن الصّلاح وَزعم بَعضهم أَنه لَا خلاف فِي جزوازها وَلَا خَالف فِيهَا أهل الظَّاهِر وَإِنَّمَا خلافهم فِي غير هَذَا النَّوْع وَزَاد القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فَأطلق نفي الْخلاف وَقَالَ لَا خلاف فِي جَوَاز الرِّوَايَة بالإجاة من سلف الْأمة وَخَلفهَا وَادّعى الْإِجْمَاع من غير تَفْصِيل وَحكى الْخلاف فِي الْعَمَل بهَا
قلت هَذَا بَاطِل فقد خَالف فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ جماعا من أهل الحَدِيث وَالْفُقَهَاء والأصوليين وَذَلِكَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي رُوِيَ عَن صَاحبه الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ كَانَ لاشافعي لَا يرى الْإِجَازَة فِي الحَدِيث قَالَ الرّبيع وَأَنا أُخَالِف الشَّافِعِي فِي هَذَا
وَقد قَالَ بإبطالها جمَاعَة من الشافعيين مِنْهُم القاضيان حُسَيْن بن مُحَمَّد المروروذي وَأَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي وَعَزاهُ إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي وَقَالا جَمِيعًا لَو جَازَت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة وَرُوِيَ هَذَا الْكَلَام عَن شُعْبَة وَغَيره
وَمِمَّنْ أبطلها من أهل الحَدِيث الإِمَام إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي الملقب بِأبي الشَّيْخ والحافظ أَبُو نصر الوائلي السجْزِي وَحكى أَبُو نصر فَسَادهَا عَمَّن لقِيه قَالَ أَبُو نصر جمَاعَة من أهل الْعلم يَقُولُونَ قَول الْمُحدث قد أجزت لَك أَن تروي عني تَقْدِيره قد أجزت لَك مَا لَا يجوز فِي الشَّرْع لِأَن الشَّرْع لَا يُبِيح رِوَايَة من لم يسمع
قلت وَيُشبه هَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو بكر مُحَمَّد بن ثَابت الخجندي أحد من أبطل الْإِجَازَة من الشَّافِعِيَّة عَن أبي طَاهِر الدباس أحد أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة قَالَ من قَالَ لغيره أجزت لَك أَن تروي عني مَا لم تسمع فَكَانهُ يَقُول أجزت لَك أَن تكذب عَليّ
ثمَّ إِن الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْعَمَل وَقَالَ بِهِ جَمَاهِير أهل الْعلم من أهل الحَدِيث وَغَيرهم القَوْل بتجويز الْإِجَازَة وَإِبَاحَة الرِّوَايَة بهَا وَفِي الِاحْتِجَاج لذَلِك غموض
стр. 429
وَيتَّجه أَن نقُول إِذا أجَاز لَهُ أَن يروي عَنهُ مروياته وَقد أخبرهُ هَا جملَة فَهُوَ كَمَا لَو أخبرهُ تَفْصِيلًا وإخباره بهَا غير مُتَوَقف على التَّصْرِيح نطقا كَمَا فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ كَمَا سبق وَغنما الْغَرَض حُصُول الإفهام والفهم وَذَلِكَ يحصل بِالْإِجَازَةِ المفهمة وَالله أعلم
ثمَّ إِنَّه كَمَا تجوز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ يجب الْعَمَل بالمروي بهَا خلافًا لمن قَالَ من أهل الظَّاهِر وَمن تَابعهمْ إِنَّه لَا يحب الْعَمَل بِهِ وَإنَّهُ جَار مجْرى الْمُرْسل وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِجَازَة مَا يقْدَح فِي اتِّصَال الْمَنْقُول بهَا وَفِي الثِّقَة بِهِ وَالله اعْلَم
النَّوْع الثَّانِي أَن يعين الشَّخْص الْمجَاز لَهُ دون الْكتاب الْمجَاز كَأَن يَقُول أجزت لَك أَو لكم جَمِيع مسموعاتي أَو جَمِيع مروياتي وَمَا أشبه ذَلِك
وَالْخلاف فِي هَذَا النَّوْع أقوى وَأكْثر وَالْجُمْهُور من الْعلمَاء من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم على تَجْوِيز الرِّوَايَة بهَا أَيْضا وعَلى إِيجَاب الْعَمَل بِمَا يوي بهَا بِشَرْطِهِ
النَّوْع الثَّالِث أَن يُجِيز الْغَيْر بِوَصْف الْعُمُوم كَأَن يَقُول أجزت لمن أدْرك زماني وَمَا أشبه ذَلِك
وَهَذَا نوع تكلم فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ مِمَّن جوز الْإِجَازَة وَاخْتلفُوا فِي جَوَازه كَانَ ذَلِك مُقَيّدا بِوَصْف خَاص أَو نَحوه فَهُوَ إِلَى الْجَوَاز أقرب كَانَ يَقُول أجزت لطلبة الْعلم بِمَدِينَة كَذَا كَذَا
قَالَ ابْن الصّلاح وَلم نر وَلم نسْمع عَن أحد مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ انه اسْتعْمل هَذِه الْإِجَازَة فروى بهَا وَلَا عَن الشرذمة المتاخرة الَّذين سوغوها وَالْإِجَازَة فِي أَصْلهَا ضعف وتزداد بِهَذَا التَّوَسُّع والاسترسال ضعفا كثيرا لَا يَنْبَغِي احْتِمَاله
النَّوْع الرَّابِع الْإِجَازَة للْمَجْهُول أَو بِالْمَجْهُولِ كَأَن يَقُول أجزت لمُحَمد بن
стр. 430
خَالِد الْحَمَوِيّ وَهُنَاكَ جمَاعَة مشتركون فِي هَذَا الِاسْم وَهَذِه النِّسْبَة أَو أجزت لفُلَان أَن يروي عني بعض مسموعاتي أَو كتاب السّنَن وَهُوَ يروي جملَة من كتب السّنَن الْمَعْرُوفَة
وَهَذِه الْإِجَازَة فَاسِدَة لَا فَائِدَة لَهَا وَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل مَا إِذا أجَاز لجَماعَة مسمين مُعينين بأنسابهم والمجيز غير عَارِف بهم فَهَذَا غير قَادِح فِي صِحَة الْإِجَازَة كَمَا لَا يقْدَح فِي صِحَة السماع عدم مَعْرفَته بِمن يحضر مَجْلِسه للسماع مِنْهُ
النَّوْع الْخَامِس الْإِجَازَة الْمُعَلقَة بِالشّرطِ كَأَن يَقُول أجزت لفُلَان إِن شَاءَ فلَان وَقد اخْتلف فِيهَا فَقَالَ قوم لَا تجوز لِأَن مَا يفْسد بالجهالة يفْسد بِالتَّعْلِيقِ وَقَالَ قوم هِيَ جَائِزَة وَقد وَقع ذَلِك من بعض أَئِمَّة الحَدِيث فقد وجد بِخَط أبي بكر بن أبي خَيْثَمَة صَاحب يحيى بن معِين أجزت لأبي زَكَرِيَّا يحية بن مسلمة أَن يروي عني مَا أحب من تاريخي الَّذِي سَمعه مني أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْأَصْبَغ وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى كَمَا سمعاه مني وأذنت لَهُ فِي ذَلِك وَلمن أحب من أَصْحَابه فَإِن أحب أَن تكون الْإِجَازَة لأحد بعد هَذَا فَأَنا أجزت لَهُ ذَلِك بكتابي هَذَا وَكتبه أَحْمد بن أبي خَيْثَمَة بِيَدِهِ فِي شَوَّال سنة سِتّ وَسبعين ومئتن
وَمِمَّنْ وَقع مِنْهُم ذَلِك حفيد يَعْقُوب بن شيبَة فقد قَالَ فِي إجَازَة لَهُ يَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب بن شيبَة قد أجزت لعمر بن أَحْمد الْخلال وَابْنه عبد الرَّحْمَن بن عمر ولختنه عَليّ بن الْحسن جَمِيع مَا فَاتَهُ من حَدِيثي مِمَّا لم يدْرك سَمَاعه من الْمسند وَغَيره وَلكُل من أحب عمر فليرووه عني إِن شاؤوا وكتبت لَهُم ذَلِك بخطي فِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة
وَلَو قَالَ الْمُجِيز أجزت لمن يَشَاء فلَان أَو نَحْو فَالْأَظْهر الْبطلَان لِأَن فِيهَا جَهَالَة وتعليقا وَلَو قَالَ أجزت لمن يَشَاء الْإِجَازَة فَهُوَ مثل أجزت لمن يَشَاء فلَان بل هَذَا أظهر فِي الْبطلَان لِأَنَّهَا أَشد فِي الْجَهَالَة والانتشار من حَيْثُ إِنَّهَا علقت بِمَشِيئَة من لَا يحصر عَددهمْ
стр. 431
وَلَو قَالَ أجزت لَك كَذَا إِن شِئْت رِوَايَته عني أَو اجزت لَك كَذَا إِن شِئْت أَن تروي عني أَو أجزت لفُلَان إِن شَاءَ الرِّوَايَة عني فَالْأَظْهر الْأَقْوَى أَن ذَلِك إِذْ قد انْتَفَت فِيهِ الْجَهَالَة وَحَقِيقَة التَّعْلِيق وَلم يبْق سوى صيغته وَهُوَ تَصْرِيح بِمُقْتَضى الْحَال وَمُقْتَضى الْحَال فِي كل إجَازَة تَفْوِيض الرِّوَايَة بهَا إِلَى مَشِيئَة الْمجَاز لَهُ فَكَانَ هَذَا مَعَ كَونه بِصِيغَة التَّعْلِيق تَصْرِيحًا بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاق وحكاية للْحَال لَا تَعْلِيقا فِي الْحَقِيقَة
النَّوْع السَّادِس الْإِجَازَة للمعدوم وَهِي على قسمني أَحدهمَا أَن يعْطف الْمَعْدُوم على الْمَوْجُود كَأَن يَقُول أجزت لفُلَان وَلمن يُولد لَهُ وَالثَّانِي أَن يخصص الْمَعْدُوم بِالْإِجَازَةِ من غير عطف كَأَن يَقُول أجزت لفُلَان وَلمن يُولد لَهُ وَالثَّانِي أَن يخصص الْمَعْدُوم بِالْإِجَازَةِ من غير عطف كَانَ يَقُول أجزت لمن يُولد لفُلَان وَهُوَ أَضْعَف من الْقسم الأول أقرب إِلَى الْجَوَاز
وَحكى ابْن الصّلاح عَن أبي نصر بن الصّباغ أَنه بَين بُطْلَانهَا قَالَ ابْن الصّلاح وَذَلِكَ هُوَ الصَّحِيح الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيره لِأَن الأجازة فِي حكم الْإِخْبَار جملَة بالمجاز فَكَمَا لَا يَصح الْإِخْبَار للمعدوم لَا تصح الْإِجَازَة لَهُ ول قَدرنَا أَن الْإِجَازَة إِذن فَلَا يَصح ذَلِك أَيْضا للمعدوم وَهَذَا يُوجب أَيْضا بطلَان الْإِجَازَة للطفل الصَّغِير الَّذِي لَا يَصح سَمَاعه
النَّوْع السَّابِع الْإِجَازَة لمن لَيْسَ بِأَهْل حِين الْإِجَازَة للْأَدَاء وَالْأَخْذ عَنهُ وَذَلِكَ يَشْمَل صورا لم يذكر ابْن الصّلاح مِنْهَا إِلَّا الصَّبِي وَلم يفرده بِنَوْع بل ذكره فِي آخر الْكَلَام على الْإِجَازَة للمعدوم
وَالْإِجَازَة للصَّبِيّ إِن كَانَ مُمَيّزا فَهِيَ صَحِيحَة كسماعه وَقد نقل خلاف ضَعِيف فِي صِحَة سَمَاعه غير أَنه لَا يعْتد بِهِ وغن كَانَ تغير مُمَيّز فقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم لَا تصح الْإِجَازَة لَهُ كَمَا يَصح السماع لَهُ وَقَالَ بَعضهم تصح الْإِجَازَة لَهُ وَقَالَ بذلك الْخَطِيب وَاحْتج لَهُ بِأَن الْإِجَازَة إِنَّمَا هِيَ إِبَاحَة الْمُجِيز لَهُ أَن تيروي عَنهُ وَالْإِبَاحَة تصح للعاقل وَغير الْعَاقِل وَقَالَ وعَلى هَذَا رَأينَا كَافَّة شُيُوخنَا يجيزون للأطفال الْغَيْب عَنْهُم من غير أَن يسْأَلُوا عَن مبلغ أسنانهم وَحَال تمييزهم
стр. 432
وَلم نرهم أَجَازُوا لمن لم يكن مولودا فِي الْحَال
وَأما الْإِجَازَة للْكَافِرِ فَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ لم أجد فِيهَا نقلا وَقد تقدم نقلا وَقد تقدم ان سَمَاعه صَحِيح وَلم أجد عَن أحد من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين الْإِجَازَة للْكَافِرِ إِلَّا أَن شخصا من الْأَطِبَّاء مِمَّن رَأَيْته بِدِمَشْق وَلم أسمع عَلَيْهِ يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن عبد السَّيِّد بن الديَّان سمع الحَدِيث فِي حَال يَهُودِيَّته على أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن الصُّورِي وَكتب اسْمه فِي طبقَة السماع مَعَ السامعين وَأَجَازَ ابْن عبد الْمُؤمن الصُّورِي وَكتب اسْمه فِي طبقَة السماع وَالْإِجَازَة بِحُضُور الْحَافِظ أبي الْحجَّاج يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الْمزي وَبَعض السماع بقرَاءَته وَذَلِكَ فِي غير مَا حَدِيث مِنْهَا جُزْء ابْن نمير فلولا أَن الْمزي يرى جَوَاز ذَلِك مَا أقرّ عَلَيْهِ ثمَّ هدى الله ابْن عبد السَّيِّد الْمَذْكُور لِلْإِسْلَامِ وَحدث وَسمع مِنْهُ أَصْحَابنَا اهـ واما الْإِجَازَة لِلْفَاسِقِ والمبتدع فَهِيَ أولى بِالْجَوَازِ من الْإِجَازَة للْكَافِرِ ويؤديان إِذا زَالَ الْمَانِع
النَّوْع الثَّامِن إجَازَة مَا لم يسمعهُ الْمُجِيز وَلم يتحمله بعد ليرويه الْمجَاز لَهُ إِذا تحمله الْمُجِيز بعد ذَلِك وَقد اخْتلف فِيهَا فَقَالَ بَعضهم هِيَ غر صَحِيحَة وَقَالَ بَعضهم هِيَ صَحِيحَة
قَالَ ابْن الصّلاح يَنْبَغِي أَن يَبْنِي هَذَا عِلّة ان الْإِجَازَة فِي حكم الْإِخْبَار بالمجاز جملَة أَو هِيَ إِذن فَإِن جعلت فِي حكم الْإِخْبَار لم تصح هَذِه الْإِجَازَة إِذْ كَيفَ يخبر بِمَا لَا خبر عِنْده مِنْهُ وغن جعلت إِذْنا انبنى هَذَا على الْخلاف فِي تَصْحِيح الْإِذْن فِي بَاب الْوكَالَة فِيمَا لم يملكهُ الْمُوكل بعد مثل ان يُوكل فِي بيع العَبْد الَّذِي يُرِيد ان يَشْتَرِيهِ وَقد أجَاز ذَلِك بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالصَّحِيح بطلَان هَذِه الْإِجَازَة
وعَلى هَذَا يتَعَيَّن على من يروي بِالْإِجَازَةِ عَن شيخ أجَاز لَهُ جَمِيع مسموعاته مثلا أَن
стр. 433
يبْحَث حَتَّى يعلم ان ذَاك الَّذِي يُرِيد رِوَايَته عَنهُ مِمَّا سَمعه قبل تَارِيخ هَذِه الْإِجَازَة
وَأما إِذا قَالَ أجزت لَك مَا صَحَّ وَمَا يَصح عنْدك من مسوعاتي فَهَذَا لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل وَقد فعله الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره وَجَائِز أَن يروي بذلك عَنهُ مَا صَحَّ عِنْده بعد الْإِجَازَة انه سَمعه قبل الْإِجَازَة وَيجوز ذَلِك وَإِن اقْتصر على قَوْله مَا صَحَّ عنْدك وَلم يقل وَمَا يَصح لِأَن المُرَاد أجزت لَك أَن تروي عني مَا صَحَّ عنْدك فَالْمُعْتَبر إِذا فِيهِ صِحَة ذَلِك عِنْده حَالَة الرِّوَايَة
النَّوْع التَّاسِع إجَازَة الجاز كَأَن يَقُول أجزت لَك مجازاتي أَو أجزت لَك رِوَايَة مَا أُجِيز لي رِوَايَته
وَقد منع من ذَلِك بَعضهم وصنف فِيهِ جُزْءا وَذَلِكَ لِأَن الْإِجَازَة ضَعِيفَة فيشتد ضعفها باجتماع إجازتين
وَالْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَن ذَلِك جَائِز وَقد حكى الْخَطِيب تَجْوِيز ذَلِك عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي الْعَبَّاس بن عقدَة وَغَيرهمَا وَقد فعله الْحَاكِم فِي تَارِيخه وَقد كَانَ الْفَقِيه الزَّاهِد نصر بن إِبْرَاهِيم الْمَقْدِسِي يروي بِالْإِجَازَةِ عَن الْإِجَازَة وَرُبمَا تَابع بَين ثَلَاث مِنْهَا
وَيَنْبَغِي لمن يروي بِالْإِجَازَةِ عَن الْإِجَازَة أَن يتَأَمَّل كَيْفيَّة إجَازَة شيخ شَيْخه لشيخه ومقتضاها حَتَّى لَا يروي بهَا مَا لم ينْدَرج تحتهَا فَإِذا كَانَ مثلا صُورَة إجَازَة شيخ لشيخه أجزت لَهُ مَا صَحَّ عِنْده من سماعاتي فَرَأى شَيْئا من مسموعات شيخ شَيْخه فَلَيْسَ لَهُ أَن يروي ذَلِك عَن شَيْخه عَنهُ حَتَّى يستبين انه مِمَّا كَانَ قد صَحَّ عِنْد شَيْخه كَونه من مسموعات شَيْخه وَالَّذِي أجَازه على ذَلِك الْوَجْه وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد صِحَة ذَلِك عِنْده الْآن عملا بِلَفْظِهِ وتقييده وَمن لَا يتفطن لهَذَا وَأَمْثَاله يكثر عثاره
هَذِه أَنْوَاع الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة وَبَقِي نوع آخر وَهِي الْإِجَازَة المقرونة بالمناولة وَهِي أَعلَى أَنْوَاع الْإِجَازَة على الْإِطْلَاق وَلها صور أَعْلَاهَا أَن يدْفع الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب أصل سَمَاعه أَو فَرعه مُقَابلا بِهِ وَيَقُول هَذَا سَمَاعي أَو روايتي عَن فلَان فاروه عني أَو أجزت لَك رِوَايَته عني ثمَّ يملكهُ إِيَّاه أَو يَقُول لَهُ خُذْهُ وانسخه وقابل بِهِ ثمَّ رده إِلَيّ أَو نَحْو ذَلِك
وَقد ذكر البُخَارِيّ الْحجَّة على صِحَة المناولة فِي كتاب الْعلم فِي بَاب مَا يذكر فِي المناولة وَكتاب أهل الْعلم بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ حَيْثُ قَالَ وَاحْتج بعض أهل الْحجاز فِي المناولة بِحَدِيث النَّبِي ﷺ حَيْثُ كتب لأمير السّريَّة كتابا وَقَالَ لَا تَقْرَأهُ حَتَّى تبلغ مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلَا بلغ ذَلِك الْمَكَان قَرَأَهُ على النَّاس أخْبرهُم بِأَمْر النَّبِي ﷺ
حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ بعث بكتابه رجلا وَأمره أَن يَدْفَعهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرين فَدفعهُ عَظِيم الْبَحْرين إِلَى كسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مزقه فحسبت أَن ابْن الْمسيب قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَن يمزقوا كل ممزق
وَوجه الدّلَالَة فِي الأول أَن النَّبِي ﷺ ناول أَمِير السّريَّة كتابا بِدُونِ أَن يقرأه عَلَيْهِ فَجَاز لَهُ الْإِخْبَار بِمَا فِي الْكتاب بِمُجَرَّد المناولة وَوجه الدّلَالَة فِي الثَّانِي أَن النَّبِي ﷺ ناول رَسُوله الْكتاب وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ فَجَاز أَن يسند مَا فِيهِ إِلَيْهِ وَيَقُول هَذَا كتاب رَسُول الله وَتقوم الْحجَّة بِهِ على الْمَبْعُوث إِلَيْهِ كَمَا لَو شافههم النَّبِي ﷺ بذلك وَيَنْبَنِي على ذَلِك أَن الشَّيْخ إِذا ناول الطَّالِب كتابا جَازَ لَهُ أَن يروي عَنهُ مَا فِيهِ
هَذَا والمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ حَالَة مَحل السماع عِنْد جمَاعَة من أَئِمَّة
стр. 434
الحَدِيث وَقد غلا بَعضهم فَجَعلهَا أرفع من السماع لِأَن الثِّقَة بِكِتَاب الشَّيْخ مَعَ إِذْنه فَوق الثِّقَة بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وَأثبت لما يدْخل من الْوَهم عل السَّامع والمسمع وَالصَّحِيح أَنَّهَا منحطة عَن السماع من الشَّيْخ وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ
وَأما المناولة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِجَازَة كَأَن يناوله الْكتاب مُقْتَصرا على قَوْله هَذَا من حَدِيثي أَو سَمَاعي وَلَا يَقُول اروه عني وَلَا أجزت لَك رِوَايَته عني وَنَحْو ذَلِك فَهَذِهِ رِوَايَة مختلة لَا تجوز الرِّوَايَة بهَا وعابها غير وَاحِد من الْفُقَهَاء والأصوليين على الْمُحدثين الَّذين أجازوها وسوغوا الرِّوَايَة بهَا وَحكى الْخَطِيب عَن طَائِفَة من أهل الْعلم أَنهم صححوها وأجازوا الرِّوَايَة بهَا
وَالْمَشْهُور فِي فعل الْإِجَازَة أَن يعدي بِاللَّامِ فَيُقَال أجزت لفُلَان وَأَجَازَ بَعضهم أَن يُقَال أجزت فلَانا قَالَ ابْن الصّلاح روينَا عَن أبي الْحسن أَحْمد بن فَارس الأديب المُصَنّف ﵀ أَنه قَالَ قَالَ معنى الْإِجَازَة فِي كَلَام الْعَرَب مَأْخُوذ من جَوَاز المَاء الَّذِي يسقاه المَال من الْمَاشِيَة والحرث يُقَال مِنْهُ استجزت فلَانا فأجازني إِذا أسقاك مَاء لأرضك اَوْ ماشيتك كَذَلِك طَالب الْعلم يسْأَل الْعَالم أَن يُجِيزهُ علمه فيجيزه إِيَّاه
قلت فللمجيز على هَذَا أَن يَقُول أجزت فلَانا مسموعاتي أَو مروياتي فيعديه بِغَيْر حرف جر من غير حَاجَة إِلَى ذكر لفظ الرِّوَايَة أَو نَحْو ذَلِك وَيحْتَاج إِلَى ذَلِك من يَجْعَل الْإِجَازَة بِمَعْنى التسويغ وَالْإِذْن وَالْإِبَاحَة وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف فَيَقُول أجزت لفُلَان رِوَايَة مسموعاتي مثلا وَمن يَقُول مِنْهُم أجزت لَهُ مسموعاتي فعلى سَبِيل الْحَذف الَّذِي لَا يخفى نَظِيره اهـ
وَمَا رَوَاهُ ابْن الصّلاح عَن ابْن فَارس هُوَ مِمَّا ذكره فِي جُزْء لَهُ صَغِير سَمَّاهُ مَأْخَذ الْعلم وَقد أورد ذَلِك فِي بَاب الْإِجَازَة وَقد رَأَيْت أَن أورد نبذا مِنْهُ مِمَّا يتَعَلَّق بِمَا نَحن فِيهِ إتماما للفائدة
стр. 435
فَأَما الْإِجَازَة فَأن يكْتب الْعَالم أَو يكْتب عَنهُ بأَمْره إِنِّي أجزت لفُلَان أَن يروي عني مَا صَحَّ عِنْده من حَدِيثي اَوْ مؤلفاتي وَمَا أشبه هَذَا من الْكَلَام فَذَلِك أَيْضا فِي الْجَوَاز وَالْقُوَّة كَالَّذي ذَكرْنَاهُ فِي المناولة وَغَيرهَا وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وَالْحسن بن عمَارَة وَابْن جريح وَغَيرهم من الْعلمَاء
وَالدَّلِيل على صِحَة الْإِجَازَة مَا حَدثنَا عَليّ بن مهرويه حَدثنَا أَحْمد بن أبي خَيْثَمَة حَدثنَا أَحْمد بن أَيُّوب حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ بن جحش بن رياب وَأَصْحَابه وَبعث مَعَهم كتابا وَأمره أَن لَا ينظر فِيهِ حَتَّى يسير يَوْمَيْنِ ثمَّ ينظر فِيهِ فَمضى لما آمره بِهِ فَلَمَّا سَار عبد الله يَوْمَيْنِ فتح الْكتاب فَإِذا فِيهِ إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف فترصد بهَا قُريْشًا وَتعلم لنا من أخبارهم فَقَالَ عبد الله وَأَصْحَابه سمعا وَطَاعَة لرَسُول الله ﷺ فَمَضَوْا ولقوا بنخلة لقريش فَقتلُوا عَمْرو بن الحضري كَافِرًا وغنموا مَا كَانَ مَعَهم من تِجَارَة لقريش
وَهَذَا الحَدِيث وَمَا أشبهه من كتب رَسُول الله ﷺ حجَّة فِي الْإِجَازَة لِأَن عبد الله وَأَصْحَابه عمِلُوا بِمَا كتب لَهُ رَسُول الله ﷺ من غير ان يكلمهم بِشَيْء فَكَذَلِك الْعَالم إِذا أجَاز لطَالب الْعلم فَلهُ أَن يروي وَيعْمل بِمَا صَحَّ عِنْده من حَدِيثه وَعلمه
وبلغنا أَن نَاسا يكْرهُونَ الْإِجَازَة إِن اقْتصر عَلَيْهَا بطلت الرحل وَقعد النَّاس عَن طلب الْعلم وَنحن لسنا نقُول إِن طَالب الْعلم يقْتَصر على الْإِجَازَة فَقَط ثمَّ لَا يسْعَى لطلب علم وَلَا يرحل لَكنا نقُول الْإِجَازَة لمن كَانَ لَهُ فِي الْقعُود عَن الطّلب عذر من قُصُور نَفَقَة أَو بعد مَسَافَة أَو صعوبة مَسْلَك
فَأَما أَصْحَاب الحَدِيث فَمَا زَالُوا يتجشمون المصاعب ويركبون الْأَهْوَال ويفارقون الأوطان وينأون عَن الأحباب آخذين بِالَّذِي حث عَلَيْهِ رَسُول الله
стр. 436
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي حدّثنَاهُ سُلَيْمَان بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مَاجَه حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا حَفْص بن سُلَيْمَان حَدثنَا كثير بن شنظير عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم
صلَة مهمة يتَعَلَّق معظمها بِالصَّحِيحِ وَالْحسن
اعْلَم أَن بعض الْعلمَاء قد سلك فِي بَيَان هَذَا الْفَنّ وَحصر أقسامه الْمَشْهُورَة وتعريفها مسلكا صَار قَرِيبا قريب الْمدْرك وَقد أَحْبَبْت أَن نتبع أَثَره فِي ذَلِك موردين لباب مَا أوردهُ مَعَ زيادات يقتضيها الْمقَام وَرُبمَا وَقع فِي أثْنَاء ذَلِك تكْرَار لبَعض مَا سبق لأمر يحمل عَلَيْهِ فنذكره من غير إِشَارَة وَقد آن أَن نشرع فِي ذَلِك فَنَقُول
الْخَبَر إِمَّا ان يرويهِ جمَاعَة يبلغون فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ أَولا فَالْأول الْمُتَوَاتر وَالثَّانِي الْآحَاد
والمتواتر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد لِأَن علم الْإِسْنَاد علم يبْحَث فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه من حَيْثُ صِفَات رُوَاته وصيغ أدائهم ليعْمَل بِهِ أَو يتْرك
والمتواتر صَحِيح قطعا فَيجب الْأَخْذ بِهِ من غير توقف وَهُوَ يُفِيد الْعلم بطرِيق الْيَقِين والمتواتر ينْدر أَن يكون لَهُ إِسْنَاد مَخْصُوص كَمَا يكون لأخبار الْآحَاد لاستغنائه بالتواتر عَن ذَلِك وَإِذا وجد لَهُ إِسْنَاد معِين لم يبْحَث عَن أَحْوَال رِجَاله بِخِلَاف خبر الْآحَاد فَإِن فِيهِ الصَّحِيح وَغير الصَّحِيح وَالصَّحِيح مِنْهُ لَا يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ على طَرِيق الْيَقِين نعم قد تقترن قَرَائِن تفِيد الْعلم بِالصِّحَّةِ
وَلَا بُد ف خبر الْآحَاد ان يكون لَهُ إِسْنَاد معِين يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال رِجَاله وصيغ أدائهم وَنَحْو ذَلِك ليعلم المقبول مِنْهُ من غَيره فانحصر الْبَحْث هُنَا فِي خبر الْآحَاد
وَخبر الأحاد إِن كَانَت رُوَاته فِي كل طبقَة ثَلَاثَة فَأكْثر يُسمى مَشْهُورا
стр. 437
وَإِن كَانَت رُوَاته فِي بعض الطَّبَقَات اثْنَيْنِ وَلم تنقص فِي سائرها عَن ذَلِك يُسمى عَزِيزًا
وَإِن انْفَرد فِي بعض الطَّبَقَات أَو كلهَا راو وَاحِد يُسمى غَرِيبا
وَالْمَشْهُور عِنْدهم أَنه لَا يشْتَرط فِي الْمَشْهُور والعزيز التَّعَدُّد فِي الطَّبَقَة الأولى فيسمون الحَدِيث مَشْهُورا إِذا رَوَاهُ فِي كل طبقَة ثَلَاثَة فَأكْثر وَإِن كَانَ من رَوَاهُ من الصَّحَابَة أقل من ثَلَاثَة ويسمون الحَدِيث عَزِيزًا إِذا رَوَاهُ فِي بعض الطَّبَقَات اثْنَان وَلم تنقص رُوَاته فِي سائرها عَن ذَلِك وَإِن كَانَ الرَّاوِي لَهُ من الصَّحَابَة وَاحِدًا فَقَط
والغريب إِن كَانَت الغرابة فِيهِ فِي أصل السَّنَد يُسمى الْفَرد الْمُطلق وَيُقَال لَهُ أَيْضا الْغَرِيب الْمُطلق وَإِن كَانَت الغرابة فِيهِ فِي غير أصل السَّنَد يُسمى الْفَرد النسبي وَيُقَال لَهُ أَيْضا الْغَرِيب النسبي وَالْمرَاد بِأَصْل السَّنَد أَوله
وَقد عرفت آنِفا أَن الْغَرِيب مَا ينْفَرد بروايته شخص فِي أَي مَوضِع كَانَ من مَوَاضِع السَّنَد وَأَن انْفِرَاد الصَّحَابِيّ فَقَط بِالْحَدِيثِ لَا يُوجب الحكم لَهُ بالغرابة
فالفرد الْمُطلق هُوَ مَا ينْفَرد بروايته عَن الصَّحَابِيّ وَاحِد من التَّابِعين وَذَلِكَ كَحَدِيث النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء فَإِنَّهُ تفرد بِهِ عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر
وَقد يتفرد بِهِ راو عَن ذَلِك المتفرد وَذَلِكَ كَحَدِيث شعب الْإِيمَان فَإِنَّهُ تفرد بِهِ أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَتفرد بِهِ عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح وَقد يسْتَمر التفرد فِي جَمِيع رُوَاته أَو أَكْثَرهم وَفِي مُسْند الْبَزَّار والمعجم الْأَوْسَط للطبراني أَمْثِلَة كَثِيرَة لذَلِك
والفرد النسبي هُوَ مَا ينْفَرد بروايته وَاحِد مِمَّن بعد التَّابِعين وَذَلِكَ بِأَن يرويهِ عَن الصَّحَابِيّ أَكثر من وَاحِد ثمَّ ينْفَرد بالرواية عَن وَاحِد مِنْهُم أَو أَكثر وَاحِد
ويقل إِطْلَاق اسْم الْفَرد على الْفَرد لانسبي وَغنما يُطلق عَلَيْهِ فِي الْغَالِب اسْم الْغَرِيب قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن أهل الِاصْطِلَاح قد غايروا بَين الْفَرد والغريب
стр. 438
من حَيْثُ كثر الِاسْتِعْمَال وقلته فالفرد أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد الْمُطلق والغريب أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد النسبي وَهَذَا من حَيْثُ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِمَا وَأما من حَيْثُ استعمالهم الْفِعْل الْمُشْتَقّ فَلَا يفرقون فَيَقُولُونَ فِي الْمُطلق والنسبي تفرد بِهِ فلَان أَو أغرب بِهِ فلَان وَلَا يسوغ الحكم بالتفرد إِلَّا بعد الِاعْتِبَار وَالِاعْتِبَار هُوَ تتبع الطّرق من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد والأجزاء لذَلِك الحَدِيث الَّذِي يظنّ أَنه فَرد ليعلم هَل لرِوَايَة متابع أَو هَل لَهُ شَاهد أم لَا ومظنة معرفَة الطّرق الَّتِي يحصل بهَا المتابعات والشواهد وينتفي بهَا التفرد كتب الْأَطْرَاف
قَالَ الْعِرَاقِيّ الِاعْتِبَار أَن تَأتي إِلَى حَدِيث لبَعض الروَاة فتعتبره بروايات غَيره من الروَاة بسبر طرق الحَدِيث لتعرف هَل شَاركهُ فِي ذَلِك الحَدِيث راو غَيره فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أم لَا فَإِن يكن شَاركهُ أحد مِمَّن يعْتَبر بحَديثه أَي يصلح أَن يخرج حَدِيثه للاعتبار بِهِ والاستشهاد بِهِ سمي حَدِيث هَذَا الَّذِي شَاركهُ تَابعا وَسَيَأْتِي بَيَان من يعْتَبر بحَديثه فِي مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل
وَإِن لم تَجِد أحدا تَابعه عَلَيْهِ عَن شَيْخه فَانْظُر هَل تَابع أحد شيخ شَيْخه فَرَوَاهُ مُتَابعًا لَهُ أم لَا فَإِن وجدت أحدا تَابع شيخ شَيْخه عَلَيْهِ فَرَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ فسمه أَيْضا تَابعا وَقد يسمونه شَاهدا
وَإِن لم تَجِد فافعل ذَلِك فِيمَن فَوْقه إِلَى آخر الْإِسْنَاد حَتَّى فِي الصَّحَابِيّ فَكل من وجد لَهُ متابع فسم حَدِيث الَّذِي شَاركهُ تَابعا وَقد يسمونه شَاهدا
فَإِن لم تَجِد لأحد مِمَّن فَوْقه مُتَابعًا عَلَيْهِ فَانْظُر هَل أَتَى بِمَعْنَاهُ حَدِيث آخر فسم ذَلِك الحَدِيث شَاهدا وَإِن لم تَجِد حَدِيثا آخر يُؤَدِّي مَعْنَاهُ فقد عري من المتابعات والشواهد فَالْحَدِيث إِذا فَرد
قَالَ ابْن حبَان وَطَرِيق الِاعْتِبَار فِي الْأَخْبَار مِثَاله أَن يروي حَمَّاد بن سَلمَة حَدِيثا لم يُتَابع عَلَيْهِ عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فَينْظر هَل روى ذَلِك ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَإِن
стр. 439
وجد علم أَن للْخَبَر أصلا يرجع إِلَيْهِ وَإِن لم يُوجد ذَلِك فَثِقَة غير ابْن سِيرِين رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ فَأَي ذَلِك وجد يعلم بِهِ أَن الحَدِيث يرجع إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا انْتهى
قلت فمثال مَا عدمت فِيهِ المتابعات من هَذَا الْوَجْه من وَجه يثبت مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة أرَاهُ رَفعه أحبب حَبِيبك هونا مَا الحَدِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا من هَذَا الْوَجْه قلت أَي من وَجه يثبت وَقد رَوَاهُ الْحسن بن دِينَار وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة اهـ
مِثَال مَا وجد لَهُ تَابع وَشَاهد مَا روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ مر بِشَاة مطروحة أعطيتهَا مولاة لميمونة من الصَّدَقَة فَقَالَ أَلا أخذُوا إهابها فدبغوه فانتفعوا فَلم يذكر فِيهِ أحد من أَصْحَاب عَمْرو بن دِينَار فدبغوه إِلَّا ابْن عُيَيْنَة وَقد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن نافعالمكي عَن عَمْرو فَلم يذكر الدّباغ
فَنَظَرْنَا هَل نجد أحدا تَابع شَيْخه عَمْرو بن دِينَار على ذكر الدّباغ فِيهِ عَن عَطاء أم لَا فَوَجَدنَا أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ تَابع عمرا عَلَيْهِ روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن وهب عَن أُسَامَة عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأهل شَاة مَاتَت أَلا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عَطاء وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج عَن عَطاء فَكَانَت هَذِه متابعات لرِوَايَة ابْن عُيَيْنَة
ثمَّ نَظرنَا فَوَجَدنَا لَهُ شَاهدا وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن وَعلة الْمصْرِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر
стр. 440
والمتابعة إِن حصلت للراوي نَفسه فَهِيَ الْمُتَابَعَة التَّامَّة وَإِن حصلت لشيخه فَمن فَوْقه فَهِيَ الْمُتَابَعَة القاصرة
وَالشَّاهِد إِن كَانَ يشبه متن الحَدِيث الْفَرد فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَهُوَ الشَّاهِد بِاللَّفْظِ وغن كَانَ يُشبههُ فِي الْمَعْنى فَقَط فَهُوَ لاشاهد بِالْمَعْنَى وَالشَّاهِد متن يرْوى عَن صَحَابِيّ آخر يشبه متن الحَدِيث الْفَرد
وَقد أورد الْحَافِظ ابْن حجر مِثَالا تَجْتَمِع فِيهِ الْمُتَابَعَة التَّامَّة والمتابعة القاصرة وَالشَّاهِد بِاللَّفْظِ وَالشَّاهِد بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال وَلَا تفطروا حَتَّى تروه فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة الثَّلَاثِينَ
وَقد ظن قوم أَن هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْفظ قد تفرد بِهِ الشَّافِعِي عَن مَالك فعدوه فِي غَرَائِبه لِأَن أَصْحَاب مَالك رَوَوْهُ عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ فَنَظَرْنَا فَوَجَدنَا للشَّافِعِيّ مُتَابعًا وَهُوَ عبد الله القعْنبِي أخرجه البُخَارِيّ عَنهُ عَن مَالك بِلَفْظ الشَّافِعِي فَهَذِهِ مُتَابعَة تَامَّة وَقد دلّ على أَن مَالِكًا رَوَاهُ عَن عبد الله بن دِينَار باللفظين مَعًا
وَوجدنَا عبد الله بن دِينَار قد توبع فِيهِ عَن ابْن عمر من وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا أخرجه مُسلم من طَرِيق أبي أُسَامَة عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر فَذكر الحَدِيث وَفِي آخِره فَإِن غمي عَلَيْكُم فاقدروا ثَلَاثِينَ وَالثَّانِي مَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من طَرِيق عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد عَن أَبِيه عَن جده ابْن عمر بِلَفْظ فَإِن غم عَلَيْكُم فكملوا ثَلَاثِينَ فَهَذِهِ مُتَابعَة لَكِنَّهَا قَاصِرَة
وَله شَاهِدَانِ احدهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن آدم عَن
стр. 441
شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ فَإِن غمي عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ وَثَانِيهمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن حنين عَن ابْنة عَبَّاس بِلَفْظ حَدِيث ابْن دِينَار عَن ابْن عمر سَوَاء وَهُوَ فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ فَهَذَا شَاهد بِاللَّفْظِ وَمَا قبله شَاهد بِالْمَعْنَى
تَنْبِيهَات
التَّنْبِيه الأول يُسمى حَدِيث الَّذِي شَارك الرَّاوِي فِيهِ تَابعا وَقد يُسمى شَاهدا وَأما الشَّاهِد فَلَا يُسمى تَابعا وَقَالَ بَعضهم إِن التابعيختص بِمَا كَانَ بِاللَّفْظِ سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ أم غَيره وَالشَّاهِد يخْتَص بِمَا كَانَ بِالْمَعْنَى كَذَلِك وَقَالَ الْجُمْهُور مَا أَتَى عَن ذَلِك الصَّحَابِيّ فتابع وَمَا أَتَى عَن صَحَابِيّ آخر فشاهد فعندهم أَن رِوَايَة ابْن وَعلة الْمَذْكُورَة تكون مُتَابعَة لعطاء وَمَا رَوَاهُ يكون مُتَابعًا لَا شَاهدا
وَيُقَال للتابع المتابع المكسر قَالَ بَعضهم قد طلق المتابع على الشَّاهِد وَالشَّاهِد على المتابع والخطب فِي ذَلِك سهل إِذْ الْمَقْصُود الَّذِي هُوَ التقوية حَاصِل بِكُل مِنْهُمَا فَإِذا قَامَت قرينَة تدل على الْمَقْصُود لم يكن فِي ذَلِك بَأْس غير أَن الْغَالِب اسْتِعْمَال كل مِنْهُمَا فِي مَعْنَاهُ الَّذِي يسْبق إِلَى الذِّهْن
التَّنْبِيه الثَّانِي أَنه لَا انحصار للمتابعات والشواهد فِي الثِّقَة وَلذَا قَالَ ابْن الصّلاح وَاعْلَم أَنه قد يدْخل فِي بَاب الْمُتَابَعَة والاستشهاد رِوَايَة من لَا يحْتَج بحَديثه وَحده بل يكون معدودا فِي الضُّعَفَاء وَفِي كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم جمَاعَة من الضُّعَفَاء ذكراهم فِي المتابعات والشواخد وَلَيْسَ كل ضَعِيف يصلح لذَلِك وَلِهَذَا يَقُول الدَّارَقُطْنِيّ فلَان يعْتَبر بِهِ وَفُلَان لَا يعْتَبر بِهِ
قَالَ بعض الْعلمَاء وَإِنَّمَا يدْخلُونَ الضُّعَفَاء لكَون المتابع لَا اعْتِمَاد عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاعْتِمَاد على من قبله وَقَالَ بَعضهم إِنَّه لَا انحصار لَهُ فِي ذَلِك بل قد يكون كل من المتابع والمتابع عَلَيْهِ إِلَّا أَن باجتماعهما تحصل الْقُوَّة
стр. 442
التَّنْبِيه الثَّالِث قد عرفت أَنهم قسموا خبر الْآحَاد إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مَشْهُور وعزيز وغريب وَهَذَا التَّقْسِيم إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى عدد الروَاة وَلما كَانَ كل قسم من هَذِه الْأَقْسَام لَا يَخْلُو من صَحِيح وَغير صَحِيح عَادوا انيا فقسموه بِالنّظرِ إِلَى هَذِه الْجِهَة إِلَى مَقْبُول ومردود ثمَّ قسموا كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى أَقسَام
وَقد آن أَوَان الشُّرُوع فِي ذَلِك مرجئين الْبَحْث عَن الشاذ الَّذِي يعد قسما من أَقسَام الْفَرد الَّذِي كُنَّا فِي صدده وَكَذَلِكَ الْمُنكر إِلَى الْموضع الَّذِي يَلِيق بهما فِيمَا سَيَأْتِي فَنَقُول
خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ نقبول ومردود فالمقبول هُوَ مَا دلّ دَلِيل على رُجْحَان ثُبُوته فِي نفس الْأَمر والمردود مَا لم يدل على رُجْحَان ثُبُوته فِي نفس الْأَمر
فَإِن قلت يدْخل فِي تَعْرِيف الْمَرْدُود الْخَبَر الَّذِي لَا يتَرَجَّح ثُبُوته وَلَا عدم ثُبُوته بل يتساوى فِي الْأَمْرَانِ قلت نعم وَاعْتذر عَن ذَلِك من أدخلهُ فِيهِ بِأَن مُوجبه لما كَانَ التَّوَقُّف صَار كالمردود فَألْحق بِهِ لَا لوُجُود مَا يُوجب الرَّد بل لعدم وجود مَا يُوجب الْقبُول وَمن جعله قسما مُسْتقِلّا عرف الْمَرْدُود بِأَنَّهُ الْخَبَر الَّذِي دلّ دَلِيل على رُجْحَان عدم ثُبُوته فِي نفس الْأَمر
وَعرف الْخَبَر المتوقف فِيهِ بِأَنَّهُ الْخَبَر الَّذِي لم يدل دَلِيل على رُجْحَان ثُبُوته وَلَا على رُجْحَان عدم ثُبُوته وَهَذَا هُوَ الْخَبَر الْمَشْكُوك فِيهِ وَهُوَ كثير جدا تكَاد تكون أَفْرَاده أَكثر من أَفْرَاد الْقسمَيْنِ الآخرين وَحكم هَذَا الْقسم التَّوَقُّف فِيهِ الْبَتَّةَ إِلَى أَن يُوجد مَا يلْحقهُ بِأحد الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين
والمقبول يَنْقَسِم لى أَرْبَعَة أَقسَام صَحِيح لذاته وصحيح لغيره وَحسن لذاته وَحسن لغيره وَذَلِكَ لِأَن الحَدِيث إِن اشْتَمَل من صِفَات الْقبُول على أَعلَى
стр. 443
مراتبها فَهُوَ الصَّحِيح لذاته وَإِن لم يشْتَمل على أَعلَى مراتبها فَإِن وجد فِيهِ مَا يجْبر ذَلِك الْقُصُور الْوَاقِع فِيهِ فَهُوَ الصَّحِيح لَا لذاته بل لغيره وَهُوَ العاضد
وَقد مثل ذَلِك ابْن لاصلاح بِحَدِيث مُحَمَّد بنعمرو بن عَلْقَمَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم يبالسواك عِنْد كل صَلَاة فَإِن مُحَمَّد بن عَمْرو من الْمَشْهُورين بِالصّدقِ والصيانة لكنه لم يكن من أهل الإتقان حَتَّى ضعفه بَعضهم من جِهَة سوء حفظه وَوَثَّقَهُ بَعضهم لصدقه وجلالته فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك كَونه رُوِيَ من وَجه آخر أمنا بذلك مَا كُنَّا نخشاه من جِهَة سوء حفظه وانجبر بِهِ ذَلِك النَّقْص الْيَسِير فالتحق الْإِسْنَاد بِدَرَجَة الصَّحِيح
وَإِن لم يُوجد فِيهِ مَا يجْبر ذَلِك الْقُصُور الْوَاقِع فِيهِ فَهُوَ الْحسن لذاته وَإِن كَانَ الحَدِيث مَا يَقْتَضِي التَّوَقُّف فِيهِ لَكِن وجد مَا يرجح جَانب قبُوله فَهُوَ الْحسن لَا لذاته بل لغيره وَهُوَ العاضد وَذَلِكَ نَحْو أَن يكون فِي الْإِسْنَاد مَسْتُور الْحَال إِذا كَانَ غير مُغفل وَلَا كثير الْخَطَأ فِي الرِّوَايَة وَلَا مُتَّهم بِالْكَذِبِ وَنَحْوه من منافيات الْعَدَالَة فَإِذا ورد من طَرِيق آخر زَالَ التَّوَقُّف فِيهِ وَحكم بحسنه لَا لذاته بل للعاضد
فَالصَّحِيح هُوَ مَا اتَّصل إِسْنَاده بِنَقْل عدل ضَابِط عَن مثله من أَوله إِلَى منتهاه وَسلم من شذوذ وَعلة
واحترزوا بالقيد الأول وَهُوَ قَوْلهم مَا اتَّصل إِسْنَاده عَمَّا لم يتَّصل إِسْنَاده وَهُوَ الْمُنْقَطع والمعضل والمرسل عِنْد من لَا يحْتَج بِهِ
وبالقيد الثَّانِي وَهُوَ قَوْلهم بِنَقْل عدل عَن نقل مَجْهُول الْعين أَو الْحَال أَو الْمَعْرُوف بِعَدَمِ الْعَدَالَة
وبالقيد الثَّالِث وَهُوَ قَوْلهم ضَابِط غير الضَّابِط وَهُوَ الْمُغَفَّل وَكثير الْخَطَأ
وبالقيد الرَّابِع وَهُوَ قَوْلهم وَسلم من شذوذ وَعلة مَا لم يسلم من ذَلِك وَهُوَ الشاذ والمعلل
стр. 444
قَالَ بَعضهم الْأَخْضَر أَن يُقَال بِنَقْل ثِقَة عَن مثله لِأَن الثِّقَة عِنْدهم هُوَ من جمع بَين الْعَدَالَة والضبط
وَأجِيب بِأَن الثِّقَة قد ة يُطلق على من كَانَ عدلا فِي دينه وَإِن كَانَ غير مُحكم الضَّبْط والتعريف يَنْبَغِي أَن يجْتَنب فِيهِ الْأَلْفَاظ الَّتِي رُبمَا أوقعت فِي اللّبْس
وَهَذَا التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ للصحيح لذاته وَهُوَ الَّذِي ينْصَرف اسْم الصَّحِيح إِلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق
وَالْحسن مَا اتَّصل إِسْنَاده بِنَقْل عدل عَن مثله من أَوله إلة منتهاه وَكَانَ فِي رُوَاته مَعَ كَونهم موسومين بالضبط من لَا يكون قَوِيا فِيهِ وَسلم من شذوذ وَعلة
وَالْمرَاد بالْحسنِ هُنَا الْحسن لذاته وَهُوَ كَالصَّحِيحِ لذاته فِي كل شَيْء إِلَّا فِي أَمر وَاحِد وَهُوَ تَمام الضَّبْط فَإِن الصَّحِيح لذاته لَا بُد أَن يكون كل وَاحِد من رُوَاته تَامّ الضَّبْط وَالْحسن لذاته لَا بُد أَن يكون فِي رُوَاته من لَا يكون تَامّ الضَّبْط وَقد ظهر لَك أَن المُرَاد بالضابط فِي تَعْرِيف الصَّحِيح التَّام الضَّبْط وَقد اخْتَار بَعضهم التَّصْرِيح بذلك دفعا للالتباس
وَالْحسن لذاته إِذا ورد من طَرِيق آخر مسَاوٍ للطريق الذيورد مِنْهُ أَو أرجح ارْتَفع إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح لغيره فَإِن ورد من طَرِيق أدنى من الطَّرِيق الَّذِي ورد مِنْهُ لم يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ وَذَلِكَ كَأَن يرد من طَرِيق الْحسن لغيره إِلَّا أَن يَتَعَدَّد هَذَا الطَّرِيق
وَالْحَاصِل أَن الْحسن لذاته يرْتَفع عَن دَرَجَته إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح إِذا ورد من طَرِيق وَاحِد يكون مُسَاوِيا لطريقة أَو راجحا عَلَيْهِ أَو من طرق مُتعَدِّدَة وَلَو كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا منحطا عَنهُ
وَأما قَول الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح بلاجمع بَين الوصفين مَعًا فللعلماء فِي مُرَاده أَقْوَال نكتفي هُنَا بإيراد أَحدهَا وَهُوَ أَن الحَدِيث الْمَوْصُوف بذلك إِن لم يكن لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد فوصفه بالوصفين مَعًا يكون
стр. 445
إِمَّا بِالنّظرِ إِلَى تردد النَّاظر فِي حَال الروَاة هَل هم مِمَّن بلغ دَرَجَة رُوَاة الصَّحِيح فَيحكم على مَا رَوَوْهُ بِالصِّحَّةِ أم هم مِمَّن قصر عَن تِلْكَ الدرجَة فَيحكم على مَا رَوَوْهُ بالْحسنِ
وَإِمَّا بِالنّظرِ إِلَى اخْتِلَاف أَئِمَّة الحَدِيث فِي ذَلِك فَكَأَنَّهُ يقة ل هَذَا حَدِيث حسن عِنْد قوم صَحِيح عِنْد قوم
وعَلى الْوَجْهَيْنِ يكون مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط أقوى مِمَّا قيل فِيهِ حسن صَحِيح لِأَنَّهُ يشْعر بِالْجَزْمِ بِخِلَاف مَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح لِأَنَّهُ يشْعر إِمَّا بتردد الْفِكر فِيهِ بَين الصِّحَّة وَالْحسن وَإِمَّا باخْتلَاف الْأَئِمَّة فِيهِ
وَإِن كَانَ الحَدِيث الْمَوْصُوف بالوصفين مَعًا لَهُ إسنادين يكون إطلاقهما مَعًا عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى حَال الْإِسْنَاد فَكَأَنَّهُ يَقُول هَذَا حَدِيث حسن بِالنّظرِ إِلَى أحد الإسنادين وصحيح بِالنّظرِ إِلَى الْإِسْنَاد الاخر وعَلى هَذَا فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح أقوى مِمَّا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط هَذَا إِذا كَانَ لَهُ إِسْنَاد وَاحِد فَإِن كَانَ لَهُ أَيْضا إسنادان لم يتَعَيَّن ذَلِك لاحتمالان يكون كل مِنْهُمَا على شَرط الصَّحِيح فَيكون أقوى مِمَّا قيل فِيهِ حسن صَحِيح فَإِذا كَانَ لَهُ إسنادان وَجب الْبَحْث لأولا عَن حَالهمَا فَإِذا عرف الحكم برجحان مَا يقْضِي الْحَال برجحانه
فَإِن قيل إِن الترمي قد صرح بِأَن شَرط الْحسن أَن يروي من غير وَجه فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه
يُقَال إِن التِّرْمِذِيّ لم يعرف الْحسن مُطلقًا وَغنما عرف نوعا خَاصّا مِنْهُ وَهُوَ مَا يَقُول فِيهِ حسن من غير صفة أُخْرَى وَذَلِكَ أَنه يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث حسن وَفِي بَعْضهَا صَحِيح وَفِي بَعْضهَا غَرِيب وَفِي بَعْضهَا حسن صَحِيح وَفِي بَعْضهَا حسن غَرِيب وَفِي بَعْضهَا صَحِيح غَرِيب وَفِي بَعْضهَا حسن صَحِيح غَرِيب
стр. 446
وتعريفه إِنَّمَا وَقع على مَا يَقُول فِيهِ حسن فَقَط وَيدل على ذَلِك مَا قَالَه فِي آخر كِتَابه وَهُوَ مَا قُلْنَا فِي كتَابنَا حَدِيث حسن فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ حسن إِسْنَاده عندنَا فَكل حَدِيث يرْوى لَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بكذب ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك وَلَا يكون شاذا فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن
فَعرف بِهَذَا إِنَّمَا عرف مَا يَقُول فِيهِ حسن فَقَط وَأما مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح أَو حسن غَرِيب أَو حسن صَحِيح غَرِيب فَلم يعرفهُ كَمَا لم يعرف مَا يَقُول فِيهِ صَحِيح أَو غَرِيب وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك لشهرته عِنْد أهل الْفَنّ وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ حسن فَقَط إِمَّا لخفائه وَإِمَّا لِأَنَّهُ اصْطِلَاح لَهُ جَدِيد لم يكن من قبل فَوَجَبَ تَعْرِيفه من قبله ليعرف مَا أَرَادَ بِهِ
ويتفاوت الصَّحِيح الرُّتْبَة بِسَبَب تفَاوت الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للصِّحَّة فِي الْقُوَّة فَمن الرُّتْبَة الْعليا فِي ذَلِك مَا رُوِيَ بِإِسْنَاد أطلق عَلَيْهِ بعض الْأَئِمَّة أَنه أصح الْأَسَانِيد كالزهري عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه وكمحمد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة بن عَمْرو السَّلمَانِي عَن عَليّ وكإبراهيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود
ويليها فِي الرُّتْبَة مثل رِوَايَة بريد بن عبد الله بن أبي بردة عَن جده عَن أَبِيه أبي مُوسَى وَمثل رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس
ويليها فِي الرُّتْبَة مثل رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَمثل رِوَايَة الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة فَإِن الْجَمِيع يشملهم اسْم الْعَدَالَة والضبط إِلَّا أَن للمرتبة الأولى من الصِّفَات المرجحة مَا يَقْتَضِي تَقْدِيم روايتهم على الَّتِي تَلِيهَا وَفِي الَّتِي تَلِيهَا من قُوَّة الضَّبْط مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمهَا على الثَّالِثَة وَهِي مُقَدّمَة على رِوَايَة من يعد مَا ينْفَرد بِهِ حسنا كمحمد بن إِسْحَاق عَن عَاصِم بن عمر عَن جَابر وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَقس على هَذَا مَا يُشبههُ
стр. 447
وَقد اخْتلف فِي أصح الْأَسَانِيد فَقَالَ البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد كلهَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر
وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أصح الْأَسَانِيد كلهَا الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وَرُوِيَ نَحوه عَن أَحْمد بن حَنْبَل
وَعَن خلف بن هِشَام الْبَزَّار أَنه قَالَ سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل أَي الْأَسَانِيد أثبت فَقَالَ أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر
وَقَالَ معمر وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة أصح الْأَسَانِيد كلهَا الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن عَليّ
وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَقْوَال أخر مَذْكُورَة فِي المبسوطات
وَالْمُخْتَار أَنه لَا يحكم لإسناد بِأَنَّهُ أصح الْأَسَانِيد كلهَا إِذْ لَا يُمكن أَن يحكم لكل راو ذكر فِيهِ بِأَنَّهُ قد حَاز أَعلَى صِفَات الْقبُول من الْعَدَالَة والضبط وَنَحْوهمَا عل وَجه لَا يوازيه فِيهِ أحد من الروَاة الْمَوْجُودين فِي عصره وَلذَلِك اضْطَرَبَتْ أَقْوَال من خَاضَ فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ لديهم دَلِيل مقنع واكثر الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة فِي ذَلِك متكافئة يعسر تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض فِي الْأَكْثَر فَالْحكم حِينَئِذٍ على إِسْنَاد معِين بِأَنَّهُ أصح الْأَسَانِيد على الْإِطْلَاق مَعَ عدم اتِّفَاقهم فِيهِ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح
قَالَ بعض الْحفاظ وَمَعَ ذَلِك يُمكن للنَّاظِر المتقن تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض من حَيْثُ حفظ الإِمَام الَّذِي رجح وإتقانه وَإِن لم يتهيأ ذَلِك على الْإِطْلَاق فَلَا يَخْلُو النّظر فِيهِ من فَائِدَة لِأَن مَجْمُوع مَا نقل عَن الْأَئِمَّة من ذَلِك يُفِيد تَرْجِيح التراجم الَّتِي حكمُوا لَهَا بالأصحية على مَا لم يَقع لَهُ حكم من أحدهم
وَهَذَا حَيْثُ لم يكن مَانع وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر البرديجي أجمع أهل النَّقْل صِحَة أَحَادِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه وَعَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة منرواية مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَمعمر مَا لم يَخْتَلِفُوا فَإِذا اخْتلفُوا توقف فِيهَا
стр. 448
هَذَا وَلما كَانَ لَا يلْزم من كَون الْإِسْنَاد أصح من غَيره أَن يكون الْمَتْن كَذَلِك قصر الْأَئِمَّة الحكم عل الْإِسْنَاد فَقَط وَلَا يحفظ عَن أحد مِنْهُم أَنه قَالَ إِن الْأَحَادِيث المروية بِإِسْنَاد كَذَا من الْأَسَانِيد الَّتِي حكم لَهَا بِأَنَّهَا أصح من غَيرهَا هِيَ أصح الْأَحَادِيث
فَإِن كَانَ وَلَا بُد من الحكم فَيَنْبَغِي تَقْيِيد كل تَرْجَمَة بصحابيها أَو بالبلدة الَّتِي مِنْهَا أَصْحَاب تِلْكَ التَّرْجَمَة بِأَن يُقَال أصح أَسَانِيد فلَان كَذَا وَأَصَح أَسَانِيد أهل بَلْدَة كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ أقل انتشارا وَأقرب إِلَى الْحصْر بِخِلَاف الأول فَإِنَّهُ فِي أَمر وَاسع شَدِيد الانتشار وَالْحَاكِم فِيهِ على خطر من الْخَطَأ وَالْخَطَأ فِيهِ أَكثر من الْخَطَأ فِي مثل قَوْلهم لَيْسَ فِي الروَاة من اسْمه كَذَا سوى فلَان
وعَلى ذَلِك يُقَال أصح أَسَانِيد ابْن عمر مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَأَصَح أَسَانِيد ابْن مَسْعُود سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود وَأَصَح أَسَانِيد أنس بن مَالك مَالك عَن الزُّهْرِيّ وَلَهُمَا من الروَاة جمَاعَة فَأثْبت أَصْحَاب ثَابت حَمَّاد بن زيد وَقيل حَمَّاد بن سَلمَة وَأثبت أَصْحَاب قَتَادَة شُعْبَة وَقيل هِشَام الدستوَائي
وَأَصَح أَسَانِيد المكيين سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر وَأَصَح أَسَانِيد اليمانيين معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة وَأثبت أَسَانِيد المصريين اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَن عقبَة بن عَامر وَأَصَح أَسَانِيد الْكُوفِيّين يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد عَن عَليّ
وَمن الرُّتْبَة الْعليا مَا اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاجه فِي صَحِيحهمَا وَذَلِكَ لجلالة شَأْنهمَا فِي هَذَا الْعلم وتقديمها على غَيرهمَا فِيهِ وفرط عنايتهما بتمييز الصَّحِيح
стр. 449
من غَيره وتلقي عُلَمَاء الحَدِيث لكتابيهما بِالْقبُولِ حَتَّى حكمُوا فِي الْجُمْلَة على كَون مَا روياه أصح الصِّحَاح
وَلم يَخْتَلِفُوا فِي هَذَا الْأَمر وَغنما اخْتلفُوا فِي أَمر آخر وَهُوَ ان مَا روياه هَل يُفِيد الْعلم أم لَا فَذهب ابْن الصّلاح وَمن نحا نَحوه إِلَى أَنه يُفِيد علم الْيَقِين وَاسْتثنى من ذَلِك أحرفا يسيرَة تكلم عَلَيْهَا بعض أهل النَّقْد كالدارقطني وَغَيره قَالَ وَهِي مَعْرُوفَة عِنْد أهل هَذَا الشَّأْن
وَاسْتثنى بَعضهم أَيْضا مَا وَقع التَّعَارُض بَين مدلوليه مِمَّا اتّفق وُقُوعه فِي كِتَابَيْهِمَا وَذَلِكَ لِاسْتِحَالَة أَن يُفِيد المتناقضان الْعلم وَهَذَا حَيْثُ لم يظْهر رُجْحَان أَحدهمَا على الآخر فَإِن ظهر ذَلِك كَانَ الحكم للراجح وَصَارَ مُفِيدا للْعلم
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن مَا روياه يُفِيد الظَّن مَا لم يتواتر وَذَلِكَ لِأَن شَأْن الْآحَاد إِفَادَة الظَّن وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا وتلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ إِنَّمَا يَقْتَضِي وجوب الْأَخْذ بِمَا فيهمَا من غير بحث لالتزامهما إِخْرَاج الصَّحِيح فَقَط وفرط براعتهما فِي مَعْرفَته بِخِلَاف غَيرهمَا فَإِن مِنْهُم من لم يلْتَزم إِخْرَاج الصَّحِيح فَقَط وَمِنْهُم من الْتزم ذَلِك غير أَنه لَيْسَ لَهُ من البراعة فِي ذَلِك مَا لَهما
فَلم يتَعَيَّن وجوب الْعَمَل بِمَا فِي غير كِتَابَيْهِمَا إِلَّا بعد الْبَحْث وَالنَّظَر فَإِن تبينت صِحَّته وَجب الْأَخْذ بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَظهر أَن إِجْمَاع الْعلمَاء على وجوب الْأَخْذ بِمَا فيهمَا إِن ثَبت الْإِجْمَاع لَا يدل على إِجْمَاعهم على الْقطع بِأَنَّهُ من كَلَام النَّبِي ﷺ فَإِن الْأمة مأمورة بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ حَيْثُ لَا يطْلب الْقطع وَالظَّن قد يُخطئ
هَذَا وَقد قسم الْجُمْهُور الحَدِيث الصَّحِيح بِالنّظرِ إِلَى تفَاوت الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للصِّحَّة فِيهِ إِلَى سَبْعَة أَقسَام كل قسم مِنْهَا أَعلَى مِمَّا بعده
الْقسم الأول مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم ويعبر عَنهُ أهل الحَدِيث بقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ أَو على صِحَّته ومرادهم بالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ اتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ لَا اتِّفَاق الْأمة وَقَالَ ابْن الصّلاح يلْزم من اتِّفَاقهمَا اتِّفَاقهم لتلقيهم لَهُ بِالْقبُولِ
الْقسم الثَّانِي مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ
стр. 450
الْقسم الثَّالِث مَا انْفَرد بِهِ مُسلم
الْقسم الرَّابِع مَا هُوَ على شَرطهمَا مِمَّا لم يُخرجهُ وَاحِد مِنْهُمَا
الْقسم الْخَامِس مَا هُوَ على شَرط البُخَارِيّ مِمَّا لم يُخرجهُ
الْقسم السَّادِس مَا هُوَ على شَرط مُسلم مِمَّا لم يُخرجهُ
الْقسم السَّابِع مَا لَيْسَ على شَرطهمَا وَلَا شَرط وَاحِد مِنْهُمَا وَلَكِن صَححهُ أحد الْأَئِمَّة المعتمدين فِي ذَلِك
وترجيح كل قسم من هَذِه الْأَقْسَام السَّبْعَة على مَا بعده إِنَّمَا هُوَ من قبيل تَرْجِيح الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لَا تَرْجِيح كل وَاحِد من أَفْرَاده على كل وَاحِد من أَفْرَاد الآخر وَلذَلِك سَاغَ أَن يرجح بعض مَا فِي قسم من الْأَقْسَام على مَا قبله إِذا وجد مَا يَقْتَضِي التَّرْجِيح وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ الحَدِيث عِنْد مُسلم مَشْهُورا فَإِنَّهُ يقدم على مَا فِي البُخَارِيّ إِذا لم يكن كَذَلِك وكما لَو كَانَ الحَدِيث الَّذِي لم يخرجَاهُ من تَرْجَمَة وصفت بِكَوْنِهَا من أصح الْأَسَانِيد كمالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر فَإِنَّهُ يقدم على مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا مثلا لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي إِسْنَاده من فِيهِ مقَال
وَأما تَقْدِيم صَحِيح البُخَارِيّ على صَحِيح مُسلم فقد صرح بِهِ الْجُمْهُور يُوجد من أحد التَّصْرِيح بعكسه وَلَو صرح أحد بذلك لرده عَلَيْهِ شَاهد العيان فالصفات الَّتِي تَدور عَلَيْهَا الصِّحَّة فِي كتاب البُخَارِيّ أتم مِنْهَا فِي كتاب مُسلم وَأسد وَشَرطه فِيهَا أقوى وَأَشد
أما رجحانه من حَيْثُ الِاتِّصَال فلاشتراطه أَن يكون الرَّاوِي قد ثَبت لَهُ لِقَاء من روى عَنهُ وَلَو مرّة وَاكْتفى مُسلم بالمعاصرة وَأما مَا أَرَادَ مُسلم إِلْزَام البُخَارِيّ بِهِ من أَنه يلْزمه أَن لَا يقبل العنعنة أصلا فَلَيْسَ بِلَازِم لِأَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللِّقَاء مرّة كَانَ من المستبعد فِي رواياته احْتِمَال أَن لَا يكون سمع مِنْهُ وَإِذا فرض ذَلِك كَانَ مدلسا وَالْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي غير المدلس
стр. 451
وَأما رجحانه من حَيْثُ الْعَدَالَة والضبط فَلِأَن الرِّجَال الَّذين تكلم فيهم من رجال مُسلم أَكثر عددا من الرِّجَال الَّذين تكلم من رجال البُخَارِيّ فَإِن الَّذين انْفَرد البُخَارِيّ بهم أَربع مئة وَبضْعَة وَثَمَانُونَ رجلا تكلم بالضعف فِي ثَمَانِينَ مِنْهُم وَالَّذين انْفَرد بهم مُسلم سِتّ ومئة وَعِشْرُونَ رحلا تكلم فِي الضعْف فِي مئة وَسِتِّينَ مِنْهُم
وَالَّذين انْفَرد البُخَارِيّ بهم مِمَّن تكلم فِيهِ أَكْثَرهم من شُيُوخه لَقِيَهُمْ وخبرهم وَخبر حَدِيثهمْ بِخِلَاف مُسلم فَأكْثر من انْفَرد بِهِ مِمَّن تكلم فِيهِ من الْمُتَقَدِّمين وَلَا شكّ أَن الْمَرْء أعرف بِحَدِيث شُيُوخه من حَدِيث غَيرهم مِمَّن تقدم عَنهُ على أَن البُخَارِيّ لم يكثر من إِخْرَاج أَحَادِيث من تكلم فيهم من رِجَاله بِخِلَاف مُسلم
وَأما رجحانه من حَيْثُ عدم الشذوذ والإعلال وَنَحْو ذَلِك فَلِأَن مَا انتقد على البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث أقل عددا مِمَّا انتقد على مُسلم فَإِن مَا انتقد عَلَيْهِمَا بلغ مئتين وَعشْرين حَدِيثا اشْتَركَا فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا واختص البُخَارِيّ مِنْهَا بِثمَانِيَة وَسبعين وَمُسلم بمئة وَإِن كَانَ الانتقاد فِي أَكثر مَا انتقد من أحاديثهما مَبْنِيا على علل لَيست بقادحة
وَأما رُجْحَان نفس البُخَارِيّ على نفس مُسلم فِي صناعَة الحَدِيث فَذَلِك مِمَّا لَا ريب فِيهِ وَقد كَانَ مُسلم تِلْمِيذه وخريجه وَلم يزل يَسْتَفِيد مِنْهُ ويتتبع آثاره
وَقد أَشَارَ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب منهاج السّنة حَيْثُ قَالَ إِن التَّصْحِيح لم يُقَلّد أَئِمَّة الحَدِيث فِيهِ البُخَارِيّ وَمُسلمًا بل جُمْهُور مَا صَحَّحَاهُ كَانَ قبلهمَا عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث صَحِيحا متلقى بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ فِي عصرهما مَا صَحَّحَاهُ إِلَّا مَوَاضِع يسيرَة نَحْو عشْرين حَدِيثا انتقدها عَلَيْهِمَا طَائِفَة من الْحفاظ وَهَذِه الْمَوَاضِع المنتقدة غالبها فِي مُسلم
стр. 452
وَقد انتصر طَائِفَة لَهما فِيهَا وَطَائِفَة قررت قَول المنتقد وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فَإِن فِيهَا مَوَاضِع منتقدة بِلَا ريب مثل حَدِيث أم حَبِيبَة وَحَدِيث خلق الله التربة يَوْم السبت وَحَدِيث صَلَاة الْكُسُوف بِثَلَاث ركوعات وَأكْثر وفيهَا مَوَاضِع لَا انتقاد فِيهَا فِي البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أبعد الْكِتَابَيْنِ عَن الانتقاد وَلَا يكَاد يروي لفظا فِيهِ انتقاد إِلَّا ويروي اللَّفْظ الآخر الَّذِي يبين أَنه منتقد فَمَا فِي كِتَابه لفظ منتقد إِلَّا وَفِي كِتَابه مَا يبين أَنه منتقد
وَفِي الْجُمْلَة من نقد سَبْعَة آلَاف دِرْهَم فَلم يبهرج فِيهَا إِلَّا دَرَاهِم يسيرَة وَمَعَ هَذَا فَهِيَ مفيدة لَيست مغشوشة مَحْضَة فَهَذَا إِمَام فِي صَنعته والكتابان سَبْعَة آلَاف حَدِيث وَكسر وَالْمَقْصُود أَن أحاديثهما نقدها الْأَئِمَّة الجهابذة قبلهم وبعدهم وَرَوَاهَا خلائق لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله فَلم ينفردا لَا بِرِوَايَة وَلَا بتصحيح وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الحفيظ يحفظ هَذَا الدّين كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾
هَذَا وكما يتَفَاوَت الصَّحِيح بِالنّظرِ إِلَى الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للصِّحَّة فِيهِ يتَفَاوَت الْحسن بِالنّظرِ إِلَى الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة لِلْحسنِ فِيهِ
وَأَعْلَى مَرَاتِب الْحسن رِوَايَة بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَابْن إِسْحَاق عَن التَّيْمِيّ وأمثال ذَلِك
وَيَتْلُو ذَلِك رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الله وَعَاصِم بن ضَمرَة وحجاج بن أَرْطَاة وَنَحْوهم مِمَّن اخْتلف فِي تَحْسِين حَدِيثه وتضعيفه
قَالَ بعض الباحثين إِن الَّذِي لَهُ مَرَاتِب إِنَّمَا هُوَ الْحسن لذاته وَأما الْحسن
стр. 453
لغيره فَلَا مَرَاتِب لَهُ لَكِن فِي عِبَارَات أهل الْفَنّ مَا يدل على أَن لَهُ أقساما مُتعَدِّدَة فَإِنَّهُم كروا أَن الْحسن لغيره
يَشْمَل مَا كَانَ فِي رُوَاته سيئ الْحِفْظ مِمَّن كثر مِنْهُ الْغَلَط اَوْ الْخَطَأ أَو مَسْتُور لم ينْقل فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل أَو نقل فِيهِ الْأَمْرَانِ مَعًا وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر أَو مُدَلّس بالعنعنة لعدم مُنَافَاة ذَلِك اشْتِرَاط نفي الاتهام بِالْكَذِبِ
ويشمل أَيْضا مَا فِيهِ إرْسَال من إِمَام حَافظ لَا يشْتَرط الِاتِّصَال أَو انْقِطَاع بَين ثقتين حافظين
وَلأَجل كَون مَا ذكر مُوجبا للتوقف عَن الاحتجاح بِهِ اشترطوا فِيهِ أَن لَا يرد من طَرِيق آخر مسَاوٍ لطريقة أَو فَوْقه لترجيح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ المتساويين الموجبين للتوقف وَذَلِكَ لِأَن سيئ الْحِفْظ مثلا يحْتَمل أَن يكون ضبط مَا روى وَيحْتَمل أَن لَا يكون ضَبطه فَإِذا ورد مثل مَا رَوَاهُ أَو مَعْنَاهُ من طَرِيق آخر غلب على الظَّن أَنه ضبط وَكلما كثر المتابع قوي الظَّن
وَمَا ذكر من عدم اشْتِرَاط الِاتِّصَال فِي الْحسن لغيره هُوَ المطابق لما فِي جَامع التِّرْمِذِيّ الَّذِي هُوَ أول من عرف هَذَا النَّوْع وَأكْثر من ذكره فقد حكم لأحاديث بالْحسنِ مَعَ وجود الِانْقِطَاع فِيهَا
وَذكر بعض الْعلمَاء أَن بعض الْأَحَادِيث الضعيفة إِذا كثرت طرقها قوي بَعْضهَا بَعْضًا وَصَارَت بذلك من قبيل الْحسن فيحتج بهَا وَقد نحا نَحْو ذَلِك ابْن لاقطان حَيْثُ قَالَ هَذَا الْقسم لَا يحْتَج بِهِ كُله بل يعْمل بِهِ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال ويتوقف عَن الْعَمَل بِهِ فِي الْأَحْكَام إِلَّا إِذا كثرت طرقه أَو عضده اتِّصَال عمل أَو مُوَافقَة شَاهد صَحِيح أَو ظَاهر الْقُرْآن
وَاسْتحْسن ذَلِك الْحَافِظ ابْن حجر وَصرح فِي مَوضِع آخر بِأَن الضَّعِيف الَّذِي ضعفه نَاشِئ عَن سوء الْحِفْظ إِذا كثرت طرقه ارْتقى إِلَى مرتبَة الْحسن وَلكنه هُوَ مُتَوَقف فِي شُمُول الْحسن الْمُسَمّى بِالصَّحِيحِ عِنْد من لَا يفرق بَينهمَا
стр. 454
وَقد أَشَارَ الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد الاقتراح إِلَى التَّوَقُّف فِي إِطْلَاق الِاحْتِجَاج بالْحسنِ حَيْثُ قَالَ إِن هَا هُنَا أوصافا يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة إِذا وجدت فِي الرَّاوِي فَإِن كَانَ هَذَا الحَدِيث الْمُسَمّى بالْحسنِ مِمَّا قد وجدت فِيهِ هَذِه الصِّفَات على أقل الدَّرَجَات الَّتِي يجب مَعهَا الْقبُول فَهُوَ صَحِيح وَإِن لم تُوجد فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن سمي حسنا
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يرد هَذَا إِلَى أَمر اصطلاحي وَهُوَ أَن يُقَال إِن الصِّفَات الَّتِي يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة لَهَا مَرَاتِب ودرجات فأعلاها وأوسطها يُسمى صَحِيحا وَأَدْنَاهَا يُسمى حسنا وَحِينَئِذٍ يرجع الْأَمر إِلَى الِاصْطِلَاح وَيكون الْكل صَحِيحا فِي الْحَقِيقَة والمر فِي الِاصْطِلَاح قريب لَكِن من أَرَادَ هَذِه الطَّرِيقَة فَعَلَيهِ أَن يعْتَبر مَا سَمَّاهُ أهل الحَدِيث حسنا ويتحقق وجود الصِّفَات الَّتِي يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث اهـ
وَمِمَّنْ كَانَ لَا يحْتَج بالْحسنِ أَبُو حَاتِم الرَّاوِي فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن حَدِيث فحسنه فَقيل لَهُ أتحتج بِهِ فَقَالَ إِنَّه حسن فأعيد عَلَيْهِ السُّؤَال مرَارًا وَهُوَ لَا يزِيد على قَوْله إِنَّه حسن وَنَحْوه أَنه سُئِلَ عَن عبد ربه بن سعيد فَقَالَ إِنَّه لَا بَأْس بِهِ فَقيل لَهُ أتحتج بحَديثه فَقَالَ هُوَ حسن الحَدِيث الْحجَّة سُفْيَان وَشعْبَة
وَقد وجد فِي كَلَامهم إِطْلَاق الْحسن على الْغَرِيب قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانُوا إِذا اجْتَمعُوا كَرهُوا أَن يخرج الرجل حسان أَحَادِيثه قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِنَّه عَنى الغرائب وَوجد للشَّافِعِيّ إِطْلَاقه فِي الْمُتَّفق على صِحَّته وَلابْن الْمَدِينِيّ فِي الْحسن لذاته وللبخاري فِي الْحسن لغيره
وَقد وجد إِطْلَاقه مرَادا بِهِ الْمَعْنى اللّغَوِيّ كَمَا وَقع لِابْنِ عبد الْبر حَيْثُ روى فِي كتاب الْعلم حَدِيث معَاذ بن جبل مَرْفُوعا تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة
стр. 455
وَطَلَبه عبَادَة الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن جدا وَلَكِن لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد قوي أَرَادَ بالْحسنِ حسن اللَّفْظ لِأَنَّهُ من رِوَايَة مُوسَى الْبُلْقَاوِيُّ وَهُوَ كَذَّاب نسب إِلَى الْوَضع عَن عبد الرَّحِيم الْعمي وَهُوَ مَتْرُوك
قَالَ بعض الْعلمَاء يلْزم على هَذَا ان يُطلق على الحَدِيث الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ أَنه حسن وَلَك لَا يَقُوله أحد من الْمُحدثين إِذا جروا عل اصطلاحهم
وَقَالَ بَعضهم يلْزم على هَذَا أَن يُوصف كل حَدِيث ثَابت بذلك لِأَن الْأَحَادِيث كلهَا حَسَنَة الْأَلْفَاظ بليغة
وَالظَّاهِر ان المُرَاد بالْحسنِ فِي مثل عبارَة ابْن عبد الْبر مَا يمِيل إِلَيْهِ ذُو الطَّبْع السَّلِيم إِذا طرق سَمعه وجود شَيْء يُنكر فِيهِ فَإِن أَكثر الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا الضُّعَفَاء يجد السَّامع مِنْهَا حزازة فِي نَفسه وَلذَلِك قَالَ بَعضهم إِن الحَدِيث الْمُنكر ينفر مِنْهُ قلب طَالب الْعلم فِي الْغَالِب
وَفِي الْجُمْلَة حَيْثُ اخْتلف صَنِيع الْأَئِمَّة فِي إِطْلَاق لفظ الْحسن فَلَا يسوغ إِطْلَاق القَوْل بالاحتجاج بِهِ إِلَّا بعد النّظر فِي ذَلِك فَمَا كَانَ مِنْهُ منطبقا على الْحسن لذاته فَهُوَ مَقْبُول يسوغ الِاحْتِجَاج بِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ منطبقا على الْحسن لغيره فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن ورد من طرق يحصل من مجموعها مَا يتَرَجَّح بِهِ جَانب الْقبُول قبل وَاحْتج بِهِ وَمَا لَا فَلَا وَهَذِه أُمُور جملية لَا ينجلي أمرهَا إِلَّا بِالْمُبَاشرَةِ
وَمن الْأَلْفَاظ المستعملة عِنْد أهل الحَدِيث فِي المقبول الْجيد وَالْقَوِي والصالح وَالْمَعْرُوف وَالْمَحْفُوظ والمجود وَالثَّابِت والمشبه
فَأَما الْجيد فقد سوى بَعضهم بَينه وَبَين الصَّحِيح وَقد وَقع فِي كَلَام التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ فِي الطِّبّ هَذَا حَدِيث جيد حسن وَقَالَ بَعضهم إِنَّه وَإِن كَانَ بِمَعْنى صَحِيح لَكِن الجهبذ من الْمُحدثين لَا يعدل عَن صَحِيح إِلَى جيد إِلَّا لنكتة كَأَن يرتقي الحَدِيث عِنْده عَن الْحسن لذاته ويتردد فِي بُلُوغه دَرَجَة الصَّحِيح فالوصف بِهِ أنزل رُتْبَة من الْوَصْف بِصَحِيح
стр. 456
وَكَذَا الْقوي
وَأما الصَّالح فَإِنَّهُ شَامِل للصحيح وَالْحسن لصلاحيتهما للاحتجاج وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي ضَعِيف يصلح للاعتبار
وَأما الْمَعْرُوف فَهُوَ مُقَابل الْمُنكر
وَأما المجود وَالثَّابِت فيشملان الصَّحِيح وَالْحسن
وَأما الْمُشبه فيطلق على الْحسن وَمَا يُقَارِبه فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كنسبة الْجيد إِلَى الصَّحِيح قَالَ أَبُو حَاتِم أخرج عَمْرو بن حُصَيْن الْكلابِي أول شَيْء أَحَادِيث مشبهة حسانا ثمَّ أخرج بعد أَحَادِيث مَوْضُوعَة فأفسد علينا مَا كتبنَا
تَنْبِيه قَول الْحفاظ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد دون قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث حسن الْإِسْنَاد دون قَوْلهم هَذَا حَدِيث حسن لِأَنَّهُ قد يَصح الْإِسْنَاد أَو يحسن لثقة رِجَاله دون الْمَتْن لشذوذ اَوْ عِلّة فَإِن اقْتصر على ذَلِك إِمَام مُعْتَمد فَالظَّاهِر صِحَة الْمَتْن وَحسنه لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الشذوذ وَالْعلَّة
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَن الإِمَام مِنْهُم لَا يعدل عَن قَوْله صَحِيح إِلَى قَوْله صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا لأمر مَا وعَلى كل حَال فالتقييد بِالْإِسْنَادِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي صِحَة الْمَتْن أَو ضعفه
وَيشْهد لعدم التلازم مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي بكر بن خَلاد عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة قَالَ هَذَا حَدِيث مُنكر وَإِسْنَاده حسن
وَقد أورد الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه غير حدث يحكم على إِسْنَاده بِالصِّحَّةِ وعَلى
стр. 457
الْمَتْن بالوهاء لعلته أَو شذوذه وَقد فعل نَحْو لَك كثير من الْمُتَقَدِّمين وَمِمَّنْ فعل ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ الْمزي فَإِنَّهُ تكَرر مِنْهُ الحكم بصلاحية الْإِسْنَاد ونكارة الْمَتْن
وَزِيَادَة رَاوِي الصَّحِيح وَالْحسن تقبل مُطلقًا إِن لم تكن مُنَافِيَة لرِوَايَة من لم يذكرهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كالحديث المستقل الَّذِي ينْفَرد بِهِ الثِّقَة وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره فَإِن كَانَت مُنَافِيَة لَهَا بِحَيْثُ يلْزم قبُولهَا رد الرِّوَايَة الْأُخْرَى بحث عَن الرَّاجِح مِنْهُمَا فَإِن كَانَ الرَّاجِح مِنْهُمَا رِوَايَة من لم يذكر تِلْكَ الزِّيَادَة لمزيد ضَبطه أَو كَثْرَة عدده أَو غير ذَلِك من مُوجبَات الرجحان ردَّتْ تِلْكَ الزِّيَادَة وَإِن كَانَ الرَّاجِح مِنْهُمَا رِوَايَة من ذكر تِلْكَ الزِّيَادَة قبلت وَإِن لم ترجح إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى بِوَجْه مَا وَهُوَ نَادِر اخْتلف فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم تقبل وَقَالَ بَعضهم يتَوَقَّف فِيهَا
وَقد اشْتهر عَن جمع من الْعلمَاء إِطْلَاق القَوْل بِقبُول زِيَادَة الثِّقَة مَعَ أَن قبُولهَا مُقَيّد بِمَا ذكر آنِفا ولعلهم إِنَّمَا سكتوا عَن ذَلِك اكْتِفَاء بِمَا ذكرُوا فِي تَعْرِيف الصَّحِيح وَالْحسن من اعْتِبَار السَّلامَة من الشذوذ فيهمَا وفسروا الشذوذ بمخالفة الثِّقَة من هُوَ أوثق مِنْهُ فَلَو قبلوا زِيَادَة الثِّقَة مَعَ منافاتها لرِوَايَة من هُوَ أوثق مِنْهُ كَانُوا قد أخلوا بِمَا شرطوه من السَّلامَة من الشذوذ وَفِي ذَلِك من التَّنَاقُض الْجَلِيّ مَا لَا يخفى على أمثالهم
وَأما الَّذين لم يطلقوا القَوْل فِي قبُول زِيَادَة الثِّقَة فكثير مِنْهُم من أَئِمَّة الحَدِيث الْمُتَقَدِّمين عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى الْقطَّان وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فقد نقل عَنْهُم اعْتِبَار التَّرْجِيح فِي الزِّيَادَة وَغَيرهَا
وَمِنْهُم ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ قيد قبُول الزِّيَادَة باستواء الطَّرفَيْنِ فِي الْحِفْظ والإتقان فَإِن كَانَ السَّاكِت عددا أَو وَاحِدًا أحفظ مِنْهُ أَو لم يكن هُوَ حَافِظًا وَإِن كَانَ صَدُوقًا فَإِن الزِّيَادَة لَا تقبل
стр. 458
وَقد نحا نَحوه ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّمْهِيد إِنَّمَا تقبل الزِّيَادَة إِذا كَانَ راويها أحفظ وأتقن مِمَّن قصر أَو مثله فِي الْحِفْظ فَإِن كَانَت من غير حَافظ وَلَا متقن فَلَا الْتِفَات إِلَيْهَا
وَمِنْهُم ابْن السَّمْعَانِيّ فَإِنَّهُ قيد الْقبُول بِمَا إِذا لم يكن الساكتون مِمَّن لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا عَادَة أَو لم تكن مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله
وَقد وَقع فِي رِسَالَة الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُصُول مَا يُشِير إِلَى أَن زِيَادَة الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة عِنْده مُطلقًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه على مَا يعْتَبر بِهِ حَال الرَّاوِي فِي الضَّبْط مَا نَصه وَسُكُون إِذا شرك أحدا من الْحفاظ لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه فَوجدَ حَدِيثه أنقص كَانَ فِي ذَلِك دَلِيل على صِحَة مخرج حَدِيثه وَمَتى خَالف مَا وصفت أضرّ ذَلِك بحَديثه اهـ
فقد جعل زِيَادَة الْعدْل الَّذِي يختبر ضَبطه غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة الْحَافِظ بل مضرَّة بحَديثه لدلالتها على قلَّة ضَبطه وتحريه بِخِلَاف نَقصه من الحَدِيث لدلالته على تحريه فَإِذا كَانَت زِيَادَة الْعدْل الَّذِي لم يعرف ضَبطه بعد غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة الْحَافِظ تكون زِيَادَة الثِّقَة غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة من هُوَ أوثق مِنْهُ رِعَايَة للراجح فِي الْمَوْضِعَيْنِ
فَإِن تصورت أَن نِسْبَة الْعدْل الَّذِي لم يعرف ضَبطه بعد إِلَى الْحَافِظ لَيست كنسبة الثِّقَة إِلَى من هُوَ أوثق مِنْهُ بل بَينهمَا فرق ظَاهر فافرض الْمَسْأَلَة فِي حَدِيث ورد من طَرِيقين رجال أَحدهمَا من الدرجَة الْعليا فِي رُوَاة الصَّحِيح وَرِجَال الآخر من الدرجَة الدُّنْيَا فِي رُوَاة الْحسن غير أَنه وَقعت فِي روايتهم زِيَادَة مُنَافِيَة لما وَقع فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي إسنادها من أَعلَى الْأَسَانِيد فَهَل تتَصَوَّر أَن من يرد الزِّيَادَة فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة يتَوَقَّف فِي رد الزِّيَادَة هُنَا وَبِمَا ذكرنَا يظْهر لَك قُوَّة مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر من دلَالَة كَلَام الإِمَام الشَّافِعِي على أَن زِيَادَة الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة عِنْده مُطلقًا
стр. 459
الشاذ وَالْمَحْفُوظ وَالْمُنكر وَالْمَعْرُوف
اخْتلفُوا فِي حد الحَدِيث الشاذ فَقَالَ جمَاعَة من عُلَمَاء الْحجاز هُوَ مَا روى الثِّقَة مُخَالفا لما رَوَاهُ النَّاس وَعبارَة الشَّافِعِي فِي ذَلِك لَيْسَ الشاذ من الحَدِيث أَن يروي الثِّقَة مَا لَا يروي غَيره إِنَّمَا الشاذ أَن يروي الثِّقَة حَدِيثا يُخَالف مَا روى النَّاس وَهُوَ مشْعر بِأَن الْمُخَالفَة الثِّقَة لمن هُوَ أرجح مِنْهُ وَإِن كَانَ وَاحِدًا كَافِيَة فِي الشذوذ
وَقَالَ أَبُو يعلى الخليلي الَّذِي عَلَيْهِ حفاظ الحَدِيث أَن الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد يشذ شيخ ثِقَة كَانَ أَو غير ثِقَة فَمَا كَانَ من غير ثِقَة فمتروك لَا يقبل وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ فَلم يشْتَرط فِي الشاذ تفرد الثِّقَة بل مُطلق التفرد
وَقَالَ الْحَاكِم الشاذ هُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ لَهُ أصل بمتابع لذَلِك الثِّقَة فَلم يشْتَرط فِيهِ مُخَالفَة النَّاس وَذكر أَنه يغاير الْمُعَلل من حَيْثُ إِن الْمُعَلل وقف على علته الدَّالَّة على جِهَة الْوَهم فِيهِ من إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث أَو وهم راو فِيهِ أَو وصل مُرْسل ومحو ذَلِك والشاذ لم يُوقف فِيهِ على عِلّة لذَلِك
قَالَ بعض الْعلمَاء وَهَذَا مشْعر بِأَنَّهُ أدق من الْمُعَلل فَلَا يتَمَكَّن من الحكم بِهِ إِلَّا من مارس الْفَنّ وَكَانَ فِي الذرْوَة الْعليا من الْفَهم الثاقب وَالْحِفْظ الْوَاسِع
وَمن أوضح أمثلته مَا أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من طَرِيق عبيد بن غَنَّام النَّخعِيّ عَن عَليّ بن حَكِيم عَن شريك عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدم ونوح
стр. 460
كنوح وَإِبْرَاهِيم كإبراهيم وَعِيسَى كعيسى وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْبَيْهَقِيّ عِنْدهمَا والشذوذ منَاف للصِّحَّة كَمَا عرفت فِي حد الصَّحِيح مَعَ أَن فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة لَيْسَ لَهَا إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد تفرد بِهِ ثِقَة وَذَلِكَ كَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَحَدِيث النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته وَغير ذَلِك
وَقد ذكر ابْن الصّلاح فِي أَمر الشاذ تَفْصِيلًا أوردهُ بعد ان أنكر على الخليلي وَالْحَاكِم مَا أَتَيَا بِهِ من الْإِطْلَاق فِيهِ فَقَالَ
إِذا انْفَرد الرَّاوِي بِشَيْء نظر فِيهِ فَإِن كَانَ مَا انْفَرد بِهِ مُخَالفا لما رَوَاهُ من هُوَ أولى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لذَلِك وأضبط كَانَ مَا تفرد بِهِ شاذا مردودا وَإِن لم يكن فِيهِ مُخَالفَة لما رَوَاهُ غَيره وَإِنَّمَا هُوَ أَمر رَوَاهُ هُوَ وَلم يروه غَيره فَينْظر فِي ذَلِك الرَّاوِي الْمُنْفَرد فَإِن كَانَ عدلا حَافِظًا موثوقا بإتقانه وَضَبطه قبل مَا انْفَرد بِهِ وَلم يقْدَح الِانْفِرَاد فِيهِ كَمَا فِيمَا سبق من الْأَمْثِلَة وَإِن لم يكن مِمَّن يوثق بحفظه وإتقانه لذَلِك الَّذِي انْفَرد بِهِ كَانَ انْفِرَاده خارما لَهُ مزحزحا عَن حيّز الصَّحِيح
ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك دائر مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة بِحَسب الْحَال فِيهِ فَإِن كَانَ الْمُنْفَرد بِهِ غير بعيد من دَرَجَة الْحَافِظ الضَّابِط المقبول تفرده استحسنا حَدِيثه ذَلِك وَلم نحطه إِلَى قبيل الحَدِيث الضَّعِيف وغن كَانَ بَعيدا من ذَلِك رددنا مَا انْفَرد بِهِ وَكَانَ من قبيل الشاذ الْمُنكر فَخرج من ذَلِك أَن الشاذ الْمَرْدُود قِسْمَانِ أَحدهمَا الحَدِيث الْفَرد الْمُخَالف وَالثَّانِي الْفَرد الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيه من الثِّقَة والضبط مَا يَقع جَابِرا لما يُوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف اهـ
وَقد حاول بَعضهم الْجَواب عَن الْحَاكِم فَقَالَ إِن مُقْتَضى كَلَامه أَن فِي الصَّحِيح الشاذ وَغير الشاذ فَلَا يكون الشذوذ عِنْده منافيا للصِّحَّة فَقَالَ إِن مُقْتَضى كَلَامه أَن فِي الصَّحِيح الشاذ وَغير الشاذ فَلَا يكون الشذوذ عِنْده منافيا للصِّحَّة مُطلقًا وَيدل على ذَلِك أَنه ذكر فِي أَمْثِلَة الشاذ حَدِيثا أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من الْوَجْه الَّذِي حكم عَلَيْهِ
следующие страницы →