Полный текст (855 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَكَذَا الْقوي
وَأما الصَّالح فَإِنَّهُ شَامِل للصحيح وَالْحسن لصلاحيتهما للاحتجاج وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي ضَعِيف يصلح للاعتبار
وَأما الْمَعْرُوف فَهُوَ مُقَابل الْمُنكر
وَأما المجود وَالثَّابِت فيشملان الصَّحِيح وَالْحسن
وَأما الْمُشبه فيطلق على الْحسن وَمَا يُقَارِبه فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كنسبة الْجيد إِلَى الصَّحِيح قَالَ أَبُو حَاتِم أخرج عَمْرو بن حُصَيْن الْكلابِي أول شَيْء أَحَادِيث مشبهة حسانا ثمَّ أخرج بعد أَحَادِيث مَوْضُوعَة فأفسد علينا مَا كتبنَا
تَنْبِيه قَول الْحفاظ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد دون قَوْلهم هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث حسن الْإِسْنَاد دون قَوْلهم هَذَا حَدِيث حسن لِأَنَّهُ قد يَصح الْإِسْنَاد أَو يحسن لثقة رِجَاله دون الْمَتْن لشذوذ اَوْ عِلّة فَإِن اقْتصر على ذَلِك إِمَام مُعْتَمد فَالظَّاهِر صِحَة الْمَتْن وَحسنه لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الشذوذ وَالْعلَّة
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَن الإِمَام مِنْهُم لَا يعدل عَن قَوْله صَحِيح إِلَى قَوْله صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا لأمر مَا وعَلى كل حَال فالتقييد بِالْإِسْنَادِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي صِحَة الْمَتْن أَو ضعفه
وَيشْهد لعدم التلازم مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي بكر بن خَلاد عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة قَالَ هَذَا حَدِيث مُنكر وَإِسْنَاده حسن
وَقد أورد الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه غير حدث يحكم على إِسْنَاده بِالصِّحَّةِ وعَلى
стр. 457
الْمَتْن بالوهاء لعلته أَو شذوذه وَقد فعل نَحْو لَك كثير من الْمُتَقَدِّمين وَمِمَّنْ فعل ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ الْمزي فَإِنَّهُ تكَرر مِنْهُ الحكم بصلاحية الْإِسْنَاد ونكارة الْمَتْن
وَزِيَادَة رَاوِي الصَّحِيح وَالْحسن تقبل مُطلقًا إِن لم تكن مُنَافِيَة لرِوَايَة من لم يذكرهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كالحديث المستقل الَّذِي ينْفَرد بِهِ الثِّقَة وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره فَإِن كَانَت مُنَافِيَة لَهَا بِحَيْثُ يلْزم قبُولهَا رد الرِّوَايَة الْأُخْرَى بحث عَن الرَّاجِح مِنْهُمَا فَإِن كَانَ الرَّاجِح مِنْهُمَا رِوَايَة من لم يذكر تِلْكَ الزِّيَادَة لمزيد ضَبطه أَو كَثْرَة عدده أَو غير ذَلِك من مُوجبَات الرجحان ردَّتْ تِلْكَ الزِّيَادَة وَإِن كَانَ الرَّاجِح مِنْهُمَا رِوَايَة من ذكر تِلْكَ الزِّيَادَة قبلت وَإِن لم ترجح إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى بِوَجْه مَا وَهُوَ نَادِر اخْتلف فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم تقبل وَقَالَ بَعضهم يتَوَقَّف فِيهَا
وَقد اشْتهر عَن جمع من الْعلمَاء إِطْلَاق القَوْل بِقبُول زِيَادَة الثِّقَة مَعَ أَن قبُولهَا مُقَيّد بِمَا ذكر آنِفا ولعلهم إِنَّمَا سكتوا عَن ذَلِك اكْتِفَاء بِمَا ذكرُوا فِي تَعْرِيف الصَّحِيح وَالْحسن من اعْتِبَار السَّلامَة من الشذوذ فيهمَا وفسروا الشذوذ بمخالفة الثِّقَة من هُوَ أوثق مِنْهُ فَلَو قبلوا زِيَادَة الثِّقَة مَعَ منافاتها لرِوَايَة من هُوَ أوثق مِنْهُ كَانُوا قد أخلوا بِمَا شرطوه من السَّلامَة من الشذوذ وَفِي ذَلِك من التَّنَاقُض الْجَلِيّ مَا لَا يخفى على أمثالهم
وَأما الَّذين لم يطلقوا القَوْل فِي قبُول زِيَادَة الثِّقَة فكثير مِنْهُم من أَئِمَّة الحَدِيث الْمُتَقَدِّمين عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَيحيى الْقطَّان وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فقد نقل عَنْهُم اعْتِبَار التَّرْجِيح فِي الزِّيَادَة وَغَيرهَا
وَمِنْهُم ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ قيد قبُول الزِّيَادَة باستواء الطَّرفَيْنِ فِي الْحِفْظ والإتقان فَإِن كَانَ السَّاكِت عددا أَو وَاحِدًا أحفظ مِنْهُ أَو لم يكن هُوَ حَافِظًا وَإِن كَانَ صَدُوقًا فَإِن الزِّيَادَة لَا تقبل
стр. 458
وَقد نحا نَحوه ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّمْهِيد إِنَّمَا تقبل الزِّيَادَة إِذا كَانَ راويها أحفظ وأتقن مِمَّن قصر أَو مثله فِي الْحِفْظ فَإِن كَانَت من غير حَافظ وَلَا متقن فَلَا الْتِفَات إِلَيْهَا
وَمِنْهُم ابْن السَّمْعَانِيّ فَإِنَّهُ قيد الْقبُول بِمَا إِذا لم يكن الساكتون مِمَّن لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا عَادَة أَو لم تكن مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله
وَقد وَقع فِي رِسَالَة الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُصُول مَا يُشِير إِلَى أَن زِيَادَة الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة عِنْده مُطلقًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه على مَا يعْتَبر بِهِ حَال الرَّاوِي فِي الضَّبْط مَا نَصه وَسُكُون إِذا شرك أحدا من الْحفاظ لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه فَوجدَ حَدِيثه أنقص كَانَ فِي ذَلِك دَلِيل على صِحَة مخرج حَدِيثه وَمَتى خَالف مَا وصفت أضرّ ذَلِك بحَديثه اهـ
فقد جعل زِيَادَة الْعدْل الَّذِي يختبر ضَبطه غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة الْحَافِظ بل مضرَّة بحَديثه لدلالتها على قلَّة ضَبطه وتحريه بِخِلَاف نَقصه من الحَدِيث لدلالته على تحريه فَإِذا كَانَت زِيَادَة الْعدْل الَّذِي لم يعرف ضَبطه بعد غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة الْحَافِظ تكون زِيَادَة الثِّقَة غير مَقْبُولَة إِذا خَالَفت رِوَايَة من هُوَ أوثق مِنْهُ رِعَايَة للراجح فِي الْمَوْضِعَيْنِ
فَإِن تصورت أَن نِسْبَة الْعدْل الَّذِي لم يعرف ضَبطه بعد إِلَى الْحَافِظ لَيست كنسبة الثِّقَة إِلَى من هُوَ أوثق مِنْهُ بل بَينهمَا فرق ظَاهر فافرض الْمَسْأَلَة فِي حَدِيث ورد من طَرِيقين رجال أَحدهمَا من الدرجَة الْعليا فِي رُوَاة الصَّحِيح وَرِجَال الآخر من الدرجَة الدُّنْيَا فِي رُوَاة الْحسن غير أَنه وَقعت فِي روايتهم زِيَادَة مُنَافِيَة لما وَقع فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي إسنادها من أَعلَى الْأَسَانِيد فَهَل تتَصَوَّر أَن من يرد الزِّيَادَة فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة يتَوَقَّف فِي رد الزِّيَادَة هُنَا وَبِمَا ذكرنَا يظْهر لَك قُوَّة مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر من دلَالَة كَلَام الإِمَام الشَّافِعِي على أَن زِيَادَة الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة عِنْده مُطلقًا
стр. 459
الشاذ وَالْمَحْفُوظ وَالْمُنكر وَالْمَعْرُوف
اخْتلفُوا فِي حد الحَدِيث الشاذ فَقَالَ جمَاعَة من عُلَمَاء الْحجاز هُوَ مَا روى الثِّقَة مُخَالفا لما رَوَاهُ النَّاس وَعبارَة الشَّافِعِي فِي ذَلِك لَيْسَ الشاذ من الحَدِيث أَن يروي الثِّقَة مَا لَا يروي غَيره إِنَّمَا الشاذ أَن يروي الثِّقَة حَدِيثا يُخَالف مَا روى النَّاس وَهُوَ مشْعر بِأَن الْمُخَالفَة الثِّقَة لمن هُوَ أرجح مِنْهُ وَإِن كَانَ وَاحِدًا كَافِيَة فِي الشذوذ
وَقَالَ أَبُو يعلى الخليلي الَّذِي عَلَيْهِ حفاظ الحَدِيث أَن الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد يشذ شيخ ثِقَة كَانَ أَو غير ثِقَة فَمَا كَانَ من غير ثِقَة فمتروك لَا يقبل وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ فَلم يشْتَرط فِي الشاذ تفرد الثِّقَة بل مُطلق التفرد
وَقَالَ الْحَاكِم الشاذ هُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ لَهُ أصل بمتابع لذَلِك الثِّقَة فَلم يشْتَرط فِيهِ مُخَالفَة النَّاس وَذكر أَنه يغاير الْمُعَلل من حَيْثُ إِن الْمُعَلل وقف على علته الدَّالَّة على جِهَة الْوَهم فِيهِ من إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث أَو وهم راو فِيهِ أَو وصل مُرْسل ومحو ذَلِك والشاذ لم يُوقف فِيهِ على عِلّة لذَلِك
قَالَ بعض الْعلمَاء وَهَذَا مشْعر بِأَنَّهُ أدق من الْمُعَلل فَلَا يتَمَكَّن من الحكم بِهِ إِلَّا من مارس الْفَنّ وَكَانَ فِي الذرْوَة الْعليا من الْفَهم الثاقب وَالْحِفْظ الْوَاسِع
وَمن أوضح أمثلته مَا أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من طَرِيق عبيد بن غَنَّام النَّخعِيّ عَن عَليّ بن حَكِيم عَن شريك عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي كل أَرض نَبِي كنبيكم وآدَم كآدم ونوح
стр. 460
كنوح وَإِبْرَاهِيم كإبراهيم وَعِيسَى كعيسى وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْبَيْهَقِيّ عِنْدهمَا والشذوذ منَاف للصِّحَّة كَمَا عرفت فِي حد الصَّحِيح مَعَ أَن فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة لَيْسَ لَهَا إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد تفرد بِهِ ثِقَة وَذَلِكَ كَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَحَدِيث النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته وَغير ذَلِك
وَقد ذكر ابْن الصّلاح فِي أَمر الشاذ تَفْصِيلًا أوردهُ بعد ان أنكر على الخليلي وَالْحَاكِم مَا أَتَيَا بِهِ من الْإِطْلَاق فِيهِ فَقَالَ
إِذا انْفَرد الرَّاوِي بِشَيْء نظر فِيهِ فَإِن كَانَ مَا انْفَرد بِهِ مُخَالفا لما رَوَاهُ من هُوَ أولى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لذَلِك وأضبط كَانَ مَا تفرد بِهِ شاذا مردودا وَإِن لم يكن فِيهِ مُخَالفَة لما رَوَاهُ غَيره وَإِنَّمَا هُوَ أَمر رَوَاهُ هُوَ وَلم يروه غَيره فَينْظر فِي ذَلِك الرَّاوِي الْمُنْفَرد فَإِن كَانَ عدلا حَافِظًا موثوقا بإتقانه وَضَبطه قبل مَا انْفَرد بِهِ وَلم يقْدَح الِانْفِرَاد فِيهِ كَمَا فِيمَا سبق من الْأَمْثِلَة وَإِن لم يكن مِمَّن يوثق بحفظه وإتقانه لذَلِك الَّذِي انْفَرد بِهِ كَانَ انْفِرَاده خارما لَهُ مزحزحا عَن حيّز الصَّحِيح
ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك دائر مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة بِحَسب الْحَال فِيهِ فَإِن كَانَ الْمُنْفَرد بِهِ غير بعيد من دَرَجَة الْحَافِظ الضَّابِط المقبول تفرده استحسنا حَدِيثه ذَلِك وَلم نحطه إِلَى قبيل الحَدِيث الضَّعِيف وغن كَانَ بَعيدا من ذَلِك رددنا مَا انْفَرد بِهِ وَكَانَ من قبيل الشاذ الْمُنكر فَخرج من ذَلِك أَن الشاذ الْمَرْدُود قِسْمَانِ أَحدهمَا الحَدِيث الْفَرد الْمُخَالف وَالثَّانِي الْفَرد الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيه من الثِّقَة والضبط مَا يَقع جَابِرا لما يُوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف اهـ
وَقد حاول بَعضهم الْجَواب عَن الْحَاكِم فَقَالَ إِن مُقْتَضى كَلَامه أَن فِي الصَّحِيح الشاذ وَغير الشاذ فَلَا يكون الشذوذ عِنْده منافيا للصِّحَّة فَقَالَ إِن مُقْتَضى كَلَامه أَن فِي الصَّحِيح الشاذ وَغير الشاذ فَلَا يكون الشذوذ عِنْده منافيا للصِّحَّة مُطلقًا وَيدل على ذَلِك أَنه ذكر فِي أَمْثِلَة الشاذ حَدِيثا أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من الْوَجْه الَّذِي حكم عَلَيْهِ
стр. 461
بالشذوذ وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ذكره الْحَاكِم فِي الشاذ من أَنه ينقدح فِي نفس النَّاقِد أَنه غلط وَلَا يقدر على إِقَامَة الدَّلِيل على لَك وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك لَيْسَ مِمَّا ينقدح فِي نفس النَّاقِد أَنه غلط
وَأما الخليلي فَإِن الْجَواب عَنهُ وَإِن كَانَ لَيْسَ سهلا كالجواب عَن الْحَاكِم فَإِنَّهُ يُمكن أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ فِي كَلَامه مَا يمْنَع تَسْمِيَة مَا ذكر من الْأَحَادِيث السَّابِقَة وَنَحْوهَا صَحِيحا وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَوْله إِنَّه يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ إِن الْحَدِيثين الصَّحِيحَيْنِ إِذا تَعَارضا وَلم يُمكن الْجمع بَينهمَا وَلَا تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر توقف فيهمَا فالتوقف فِي الحَدِيث لعَارض لَا يمْنَع من تَسْمِيَته صَحِيحا
والشذوذ وَنَحْوه يُطلق غَالِبا على مَا يتَعَلَّق بِالْمَتْنِ لوُجُود مَا يَقْتَضِي لَك فِيهِ أَو فِي طَريقَة وَقد يُطلق على مَا يتَعَلَّق بِالْمَتْنِ أَو السَّنَد وَعَلِيهِ يُقَال الشذوذ هُوَ مُخَالفَة الثِّقَة لمن هُوَ أرجح مِنْهُ سَوَاء كَانَت بِالزِّيَادَةِ أَو النَّقْص فِي الْمَتْن أَو السَّنَد
مِثَال الشذوذ فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع عَن يَمِينه
قَالَ الْبَيْهَقِيّ خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا فَإِن النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ من فعل النَّبِي ﷺ لَا من قَوْله وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ
وَمن أَمْثِلَة الشاذ من الْأَحَادِيث حَدِيث يَوْم عَرَفَة وَأَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب فَإِن الْمَحْفُوظ فِي ذَلِك إِنَّمَا هُوَ أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب وَقد جَاءَ الحَدِيث من جَمِيع الطّرق على هَذَا الْوَجْه
وَأما زِيَادَة يَوْم عَرَفَة فِيهِ فَإِنَّمَا بهَا مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر غير أَن هَذَا الحَدِيث وَهُوَ حَدِيث مُوسَى قد حكم بِصِحَّتِهِ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ إِنَّه على شَرط مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ إِنَّه حسن
стр. 462
صَحِيح وَكَأَنَّهُم جعلوها من قبيل زِيَادَة الثِّقَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْمُنَافَاة لِإِمْكَان حملهَا علا حاضري عَرَفَة فَإِن الصَّوْم مَكْرُوه لَهُم فِي ذَلِك الْيَوْم وغن كَانَ مُسْتَحبا لغَيرهم
وَمِثَال الشذوذ فِي السَّنَد مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا توفّي على عهد رَسُول الله ﷺ وَلم يدع وَارِثا إِلَّا مولى هُوَ أعْتقهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَل لَهُ أحد فَقَالُوا لَا إِلَّا غُلَام أعْتقهُ فَجعل ﷺ مِيرَاثه لَهُ فَإِن حَمَّاد بن زيد رَوَاهُ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة وَلم يذكر ابْن عَبَّاس وتابع ابْن عُيَيْنَة على وَصله ابْن جريج وَغَيره فَقَالَ أَبُو حَاتِم الْمَحْفُوظ حَدِيث ابْن عُيَيْنَة مَعَ كَون حَمَّاد من أهل الْعَدَالَة والضبط وَلَكِن رجح رِوَايَة من هم أَكثر عددا مِنْهُ
هَذَا من قبيل فِي الشاذ وَيُقَال لمقابله وَهُوَ الرَّاجِح من متن أَو سَنَد الْمَحْفُوظ وَفِي تَسْمِيَة بذلك إِشَارَة إِلَى أَن الشاذ لما كَانَ أقرب إِلَى وُقُوع الْخَطَأ وَالوهم فِيهِ من مُقَابِله الرَّاجِح عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة غير الْمَحْفُوظ
وَالْمُعْتَمد فِي حد الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح أَنه مَا يرويهِ الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أرجح مِنْهُ
وَأما الْمُنكر فقد اخْتلف أَيْضا فِي حَده وَالْمُعْتَمد فِيهِ بِحَسب الِاصْطِلَاح أَنه مَا يرويهِ غير الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أرجح مِنْهُ
فهما متباينان لَا يصدق أَحدهمَا على شَيْء مِمَّا يصدق عَلَيْهِ الآخر وهما يَشْتَرِكَانِ فِي اشْتِرَاط الْمُخَالفَة ويمتاز الشاذ عَنهُ بِكَوْن رَاوِيه ثِقَة ويمتاز الْمُنكر عَن الشاذ بِكَوْن رَاوِيه غير ثِقَة
وَقَالَ بعض أهل الْأَثر إِذا تفرد الصدوق بِمَا لَا متابع لَهُ فِيهِ وَلَا شَاهد وَلم يكن عِنْده من الضَّبْط مَا يشْتَرط فِي الصَّحِيح وَلَا الْحسن قيل لما تفرد بِهِ شَاذ
стр. 463
وَهَذَا هُوَ أحد الْقسمَيْنِ مِنْهُ فَإِن خُولِفَ مَعَ ذَلِك كَانَ مَا تفرد بِهِ أَشد فِي الشذوذ وَرُبمَا سَمَّاهُ بَعضهم مُنْكرا وَإِن كَانَ عِنْده من الضَّبْط مَا يشْتَرط فِي الصَّحِيح أَو الْحسن لكنه خَالف من هُوَ أرجح مِنْهُ قيل لما تفرد بِهِ شَاذ وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي من الشاذ وَهَذَا هُوَ الَّذِي شاع إِطْلَاق اسْم الشاذ عَلَيْهِ
وَإِذا تفرد المستور أَو الْمَوْصُوف بِسوء الْحِفْظ أَو المضعف فِي بعض مشايخه خَاصَّة أَو نحوهم مِمَّن لَا يحكم لحديثهم بِالْقبُولِ بِغَيْر عاضد يعضده بِمَا لَا متابع لَهُ وَشَاهد قيل لما تفرد بِهِ مُنكر وَهَذَا هُوَ أحد قسمي الْمُنكر وَهُوَ الَّذِي وجد إِطْلَاق الْمُنكر عَلَيْهِ لكثير من الْمُحدثين كأحمد وَالنَّسَائِيّ
فَإِن خُولِفَ مَعَ ذَلِك كَانَ مَا تفرد بِهِ أَجْدَر بِإِطْلَاق اسْم الْمُنكر عَلَيْهِ مِمَّا قبله وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي من الْمُنكر وَهُوَ الَّذِي شاع عِنْد الْأَكْثَرين إِطْلَاق اسْم الْمُنكر عَلَيْهِ
وَذكر مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحَة مَا نَصه وعلامة الْمُنكر فِي حَدِيث الْمُحدث إِذا مَا عرضت رِوَايَته للْحَدَث على رِوَايَة غَيره من أهل الْحِفْظ وَالرِّضَا خَالَفت رِوَايَته روايتهم وَلم تكد توافقها فَإِن الْأَغْلَب من حَدِيثه كَذَلِك كَانَ مهجور الحَدِيث غير مَقْبُولَة وَلَا مستعملة اهـ
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر والرواة الموصوفون بِهَذَا هم المتركون فعل هَذَا رِوَايَة الْمَتْرُوك عِنْد مُسلم تسمى مُنكرَة وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَجعل ابْن الصّلاح الْمُنكر بِمَعْنى الشاذ وَسوى بَينهمَا وَقسم الشاذ كَمَا ذكرنَا ذَلِك آنِفا إِلَى قسمَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي بحث الْمُنكر حَيْثُ قَالَ
بلغنَا عَن أبي بكر أَحْمد بن هَارُون البرديجي أَنه قَالَ الْمُنكر هُوَ الحَدِيث الَّذِي ينْفَرد بِهِ الرجل وَلَا يعرف مَتنه من غير رِوَايَته لَا من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلَا من وَجه آخر فَأطلق البرديجي ذَلِك وَلم يفصل وَإِطْلَاق الحكم على التفرد بِالرَّدِّ أَو النكارة أَو الشذوذ مَوْجُود فِي كَلَام كثير من أهل الحَدِيث وَالصَّوَاب فِيهِ
стр. 464
التَّفْصِيل الَّذِي بَيناهُ آنِفا فِي شرح الشاذ وَعند هَذَا نقُول الْمُنكر يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الشاذ فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ اهـ
وَقد أنكر عَلَيْهِ بعض الْعلمَاء التَّسْوِيَة بَينهمَا وانتصر لَهُ بَعضهم فَقَالَ قد أطْلقُوا فِي غير مَوضِع النكارة على رِوَايَة الثِّقَة مُخَالفا لغيره وَمن ذَلِك حَدِيث نزع الْخَاتم حَيْثُ قَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا حَدِيث مُنكر مَعَ أَنه من رِوَايَة همام بن يحيى وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ أهل الصَّحِيح وَفِي عبارَة النَّسَائِيّ مَا يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه أَنه يُقَابل الْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف ليسَا بنوعين حقيقين تحتهما أَفْرَاد مَخْصُوصَة عِنْدهم
وَأجِيب بِأَن الأولى فِي مُرَاعَاة الْأَكْثَر الْغَالِب فِي الِاسْتِعْمَال عِنْد جُمْهُور أهل الِاصْطِلَاح هَذَا مَا قيل فِي الْمُنكر
وَيُقَال لمقابله وَهُوَ الرَّاجِح من متن أَو سَنَد الْمَعْرُوف
مِثَال الْمُنكر من جِهَة الْمَتْن مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة من حَدِيث أبي زُكَيْرٍ يحيى بن مُحَمَّد بن قيس عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَو رَسُول الله ﷺ قَالَ كلوا البلح بِالتَّمْرِ فَإِن الشَّيْطَان إِذا رأى ذَلِك غاظه وَيَقُول غاش ابْن آدم حَتَّى أكل الْجَدِيد بالخلق
قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا حَدِيث مُنكر تفرد بِهِ أَبُو زُكَيْرٍ وَهُوَ شيخ صَالح أخرج لَهُ مُسلم فِي المتابعات غير أَنه لم يبلغ مبلغ من يحْتَمل تفرده بل قد أطلق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة القَوْل بالتضعيف فَقَالَ ابْن معِين ضَعِيف وَقَالَ ابْن حبَان لَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ الْعقيلِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه وَقَالَ ابْن عدي أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة سوى أَرْبَعَة عد مِنْهَا هَذَا
стр. 465
وَمِثَال الْمُنكر من جِهَة الْإِسْنَاد مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حبيب بن حبيب وَهُوَ أَخُو حَمْزَة بن حبيب الزيات الْمُقْرِئ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْعيزَار بن حُرَيْث عَن بَان عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الكاة وَحج وَصَامَ وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة
قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ مُنكر لِأَن غير حبيب من الثِّقَات رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق مَوْقُوفا وَهُوَ الْمَعْرُوف
وينقسم المقبول أَيْضا إِلَى مَأْخُوذ بِهِ وَغير مَأْخُوذ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يسلم من مُعَارضَة حَدِيث آخر يضاده أَولا
فَإِن سلم من ذَلِك قيل لَهُ الْمُحكم وَحكمه الْأَخْذ بِلَا توقف وأمثلته كَثِيرَة مِنْهَا لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ
وَإِن لم يسلم من مُعَارضَة حَدِيث آخر يضاده فَلَا يَخْلُو من أَن يكون معارضه مَقْبُولًا أَولا فَإِن كَانَ غر مَقْبُول فَالْحكم للمقبول إِذْ لَا حكم للضعيف مَعَ الْقوي وَإِن كَانَ مَقْبُولًا فَلَا يَخْلُو من أَن يُمكن بَينهمَا بِغَيْر تعسف أَولا فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا بِغَيْر تعسف أَخذ بهما مَعًا لظُهُور أَن لَا تضَاد بَينهمَا عِنْد إمعان النّظر ونما هُوَ بِالنّظرِ لما يَبْدُو فِي أول وهلة وَيُقَال لهَذَا النَّوْع مُخْتَلف الحَدِيث وللجمع بَين الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة فِيهِ تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث وَهُوَ أَمر لَا يقوم بِهِ حق الْقيام غير أَفْرَاد من الْعلمَاء الْأَعْلَام الَّذين لَهُم براعة فِي أَكثر الْعُلُوم لَا سِيمَا الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول وَالْكَلَام وَللْإِمَام الشَّافِعِي فِيهِ مُصَنف جليل من جملَة كتب الْأُم وَهُوَ أول من صنف فِي ذَلِك
قَالَ ابْن الصّلاح وَإِنَّمَا يكمل للْقِيَام بِمَعْرِِفَة مُخْتَلف الحَدِيث الْأَئِمَّة الجامعون بَين صناعتي الحَدِيث وَالْفِقْه الغواصون على الْمعَانِي الدقيقة وَاعْلَم أَن مَا يذكر فِي
стр. 466
هَذَا الْبَاب يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يُمكن الْجمع بَين الْحَدِيثين وَلَا يتَعَذَّر إبداء وَجه يَنْفِي تنافيهما فَيتَعَيَّن حِينَئِذٍ الْمصير إِلَى ذَلِك القَوْل بهما مَعًا ومثاله حَدِيث لَا عدوى وَلَا طيرة مَعَ حَدِيث لَا يُورد ممرض على مصح وَحَدِيث فر من المجذوم فرارك من الْأسد
وَوجه الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه الْأَمْرَاض لَا تعدِي بطبعها وَلَكِن الله ﵎ جعل مُخَالطَة الْمَرِيض بهَا للصحيح سَببا لإعدائه بمرضه ثمَّ قد يتَخَلَّف ذَلِك عَن سَببه كَمَا فِي سَائِر الْأَسْبَاب
فَفِي الحَدِيث الأول نفى ﷺ مَا كَانَ يَعْتَقِدهُ أهل الْجَاهِلِيَّة من أَن ذَلِك يعدي بطبعه وَلِهَذَا قَالَ فَمن أعدى الأول وَفِي الثَّانِي أعلم بِأَن الله سُبْحَانَهُ جعل ذَلِك سَببا لذَلِك وَلِهَذَا الحَدِيث أَمْثَال كَثِيرَة وَكتاب مُخْتَلف الحَدِيث لِابْنِ قُتَيْبَة فِي هَذَا الْمَعْنى إِن لم يكن قد أحسن فِيهِ من وَجه فقد أَسَاءَ فِي أَشْيَاء مِنْهُ قصر بَاعه فِيهَا وأتى بِمَا غَيره أولى وَأقوى
وَقد روينَا عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة الإِمَام أَنه قَالَ لَا أعرف أَنه رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ حديثان بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ متضادين فَمن كَانَ عِنْده فَليَأْتِنِي بِهِ لأؤلف بَينهمَا
الْقسم الثَّانِي أَن يتضادا بِحَيْثُ لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يظْهر كَون أَحدهمَا نَاسِخا والاخر مَنْسُوخا فَيعْمل بالناسخ وَيتْرك الْمَنْسُوخ
وَالثَّانِي أَن لَا تقوم دلَالَة على أَن النَّاسِخ أَيهمَا والمنسوخ أَيهمَا فَيفزع حِينَئِذٍ إِلَى التَّرْجِيح وَيعْمل بالأرجح مِنْهُمَا والأثبت كالترجيح بِكَثْرَة الروَاة أَو بصفاتهم فِي خمسين وَجها من وُجُوه الترجيحات وَأكْثر ولتفصيلها مَوضِع غير هَذَا اهـ
وَإِنَّمَا شرطُوا فِي مُخْتَلف الحَدِيث ان يُمكن فِيهِ الْجمع بِغَيْر تعسف لِأَن الْجمع
стр. 467
مَعَ التعسف لَا يكون إِلَّا بِحمْل الْحَدِيثين المتعارضين مَعًا أَو أَحدهمَا على وَجه لَا يُوَافق مَنْهَج الفصحاء فضلا عَن مَنْهَج البلغاء فِي كَلَامهم فَكيف يُمكن حِينَئِذٍ نِسْبَة ذَلِك إِلَى أفْصح الْخلق على الْإِطْلَاق وَلذَلِك جعلُوا هَذَا فِي حكم مَا لَا يُمكن فِيهِ الْجمع وَقد ترك بَعضهم ذكر هَذَا الْقَيْد اعْتِمَادًا على كَونه مِمَّا لَا يخفى
وَقد أنكر كثير من الْمُحَقِّقين كل تَأْوِيل بعيد وَإِن لم يتَبَيَّن فِيهِ التعسف حَتَّى توقفوا فِي كثير من الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات لأمر دعاهم إِلَى ذَلِك مَعَ انهم لَو أولوها كَمَا فعل غَيرهم لزال سَبَب التَّوَقُّف وَلَكِن لما رَأَوْا التَّأْوِيل فِيهَا لَا يَخْلُو عَن بعد لم يلتفتوا إِلَيْهِ وَمِنْهُم الْعَلامَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية فَإِنَّهُ مَعَ كَونه كَابْن حزم فِي شدَّة الْميل إِلَى التَّمَسُّك بالآثار مَتى لاحت عَلَيْهَا أَمارَة من أمارت الصِّحَّة
حكم بغلط الرَّاوِي فِي رِوَايَة وَأَنه ينشئ للنار خلقا وَذَلِكَ فِي حَدِيث تخاصم الْجنَّة وَالنَّار إِلَى ربهما الْمَذْكُور فِي البُخَارِيّ فِي بَاب إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ وَقَالَ إِن الصَّوَاب فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ فِي مَوضِع آخر وَهُوَ وَأما الْجنَّة فينشئ الله لَهَا خلقا غير أَن الرَّاوِي سبق لِسَانه إِلَى النَّار عوضا عَن الْجنَّة
مَعَ أَن كثيرا من الْعلمَاء ذَهَبُوا إِلَى تَأْوِيله مَعَ معارضته فِي الظَّاهِر لقَوْله ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ وَذَلِكَ للتخلص من نِسْبَة الْغَلَط إِلَى الرَّاوِي فَقَالَ بَعضهم المُرَاد بالخلق مَا يكون من غير ذَوي الْأَرْوَاح وَذَلِكَ كأحجار تلقي فِي النَّار وَذَلِكَ لِئَلَّا يلْزم أَن يعذب أحد بِغَيْر ذَنْب وَقَالَ بَعضهم لَا مَانع أَن يكون المنشأ للنار من ذَوي الْأَرْوَاح غير أَنهم لَا يُعَذبُونَ بهَا وَذَلِكَ كَمَا فِي خزنتها من الْمَلَائِكَة وَثمّ تأويلات أُخْرَى لَا يَلِيق ذكرهَا إِلَّا بِمن لَا يعرف قدر القَوْل الْفَصْل
وَحكم بوهم الرَّاوِي فِي زِيَادَة وَلَا يرقون وَفِي الحَدِيث الَّذِي ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي وصف السّبْعين ألفا الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب إِنَّهُم لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى
стр. 468
رَبهم يَتَوَكَّلُونَ وَهَذِه الزِّيَادَة وَهِي وَلَا يرقون وَقعت فِي إِحْدَى رِوَايَات مُسلم
وَاسْتدلَّ على كَونهَا وهما بِكَوْن الراقي محسنا إِلَى أَخِيه وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ وَقد سُئِلَ عَن الرقي من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن ينفع أَخَاهُ فلينفعه وَقَالَ لَا بَأْس بالرقي مَا لم يكن شركا
وَجعل الْفرق بَين الراقي والمسترقي أَن الراقي محسن نَافِع والمسترقي ملتفت إِلَى غير الله بِقَلْبِه مَعَ انه يُمكن تَخْصِيص الراقي هُنَا بِمن كَانَ مُعْتَمدًا على رقيته مُعْتَقدًا عظم نَفعهَا للمسترقي ملتفتا إِلَى ذَلِك كَمَا هُوَ مشَاهد فِي بعض الرقاة عرف أَخذ بِهِ وَكَانَ هُوَ النَّاسِخ وَالْآخر هُوَ الْمَنْسُوخ
مِثَال ذَلِك مَا رَوَاهُ مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عَنهُ فجحش شقَّه الْأَيْمن فصلى صَلَاة من الصَّلَوَات وَهُوَ قَاعد فصلينا وَرَاءه قعُودا فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنَّمَا جعل الله الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا صلى قَائِما فصلوا قيَاما وَإِذا ركع فاركعوا وَإِذا رفع فارفعوا وَإِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ
وَمَا رَوَاهُ مَالك أَيْضا عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ خرج فِي مَرضه فَأتى أَبَا بكر وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي بِالنَّاسِ فاستأخر أَبُو بكر فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن كَمَا أَنْت فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ إِلَى جنب أبي بكر فَكَانَ أَبُو بكر يُصَلِّي بِصَلَاة رَسُول الله وَكَانَ النَّاس يصلونَ بِصَلَاة أبي بكر اهـ
فَلَمَّا كَانَت صَلَاة النَّبِي ﷺ قَاعِدا وَالنَّاس خَلفه قيَاما فِي
стр. 469
مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ عرفنَا أَن أمره النَّاس بِالْجُلُوسِ فِي سقطته عَن الْفرس كَانَ قبل ذَلِك فَتكون صلَاته قَاعِدا وَالنَّاس خَلفه قيَاما ناسخة لِأَن يجلس النَّاس بجلوس الإِمَام وموافقة لما أجمع عَلَيْهِ النَّاس من أَن الصَّلَاة قَائِما إِذا أطاقها الْمُصَلِّي وَقَاعِدا إِذا لم يطق ذَلِك وَأَن لَيْسَ للمطيق الْقيام مُنْفَردا أَن يُصَلِّي قَاعِدا فَيصَلي الْمَرِيض خلف الإِمَام الصَّحِيح قَاعِدا وَالْإِمَام قَائِما وَيُصلي الإِمَام الْمَرِيض جَالِسا وَمن خَلفه من الأصحاء قيَاما يُصَلِّي كل مِنْهُمَا فَرْضه كَمَا لَو كَانَ مُنْفَردا وَلَو اسْتخْلف الإِمَام غَيره كَانَ حسنا
وَقد وهم بعض النَّاس وَقَالَ لَا يُؤمن أحد بعد النَّبِي ﷺ جَالِسا وَاحْتج بِحَدِيث رَوَاهُ مُنْقَطِعًا عَن رجل مَرْغُوب عَن الرِّوَايَة عَنهُ لَا يثبت بِمثلِهِ حجَّة على أحد فِيهِ لَا يُؤمن أحد بعدِي جَالِسا
وَإِن كَانَ مُتَعَلق الْحَدِيثين مِمَّا لَا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ كالخبر الْمَحْض أَو كَانَ مِمَّا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ كالأمر وَالنَّهْي وَلَكِن لم يعرف الْمُتَأَخر مِنْهُمَا نظر فِي المرجحات فَإِن وجد فِي أَحدهمَا مَا يَقْتَضِي رجحانه على الآخر أَخذ بِهِ وَترك الآخر فَإِن لم يُوجد ذَلِك وَجب التَّوَقُّف فيهمَا
أما الْقسم الأول وَهُوَ مَا لَا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ فَلِأَن التَّعَارُض فِيهِ بَين الْحَدِيثين إِنَّمَا يكون بالتناقض والتناقض بَين الْخَبَرَيْنِ يدل على أَن أَحدهمَا كذب قطعا تفلا يكون صادرا من النَّبِي ﷺ وَلما كَانَ غير مُتَعَيّن وَجب التَّوَقُّف فِي كل مِنْهُمَا فِي أَمر الدّين وَأمر التَّوَقُّف هُنَا مِمَّا لَا يظنّ أَنه توقف فِيهِ أحد يعرف
وَقد بلغ الإفراط فِي الِاحْتِيَاط بِبَعْض الْمُعْتَزلَة وَهُوَ أَبُو بكر بن كيسَان الْأَصَم الْبَصْرِيّ إِلَى أَن قَالَ كَمَا ذكره ابْن حزم لَو أَن مئة خبر ثَبت أَنَّهَا كلهَا صِحَاح إِلَّا وَاحِد مِنْهَا لَا يعرف بِعَيْنِه أَيهَا هُوَ فَإِن الْوَاجِب التَّوَقُّف عَن جَمِيعهَا
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ مَا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ فَلِأَن التَّعَارُض فِيهِ بَين
стр. 470
الْحَدِيثين لما لم يُوقف على طَرِيق إِزَالَته وَهُوَ معرفَة النَّاسِخ مِنْهُمَا أَو الرَّاجِح تعين الْمصير إِلَى التَّوَقُّف لعدم وجود طَرِيق إِلَى غير ذَلِك
وَأما الْجمع بَينهمَا فَغير مُمكن لإفضائه إِلَى التَّكْلِيف بالمحال وَقيل بالتخيير وَقيل غير ذَلِك
ومبحث التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح من أهم مبَاحث أصُول الْفِقْه وأصبعها وَقد أطلق الْعلمَاء فِي ميدانه الفسيح الأرجاء أَعِنَّة أقلامهم فَمن أَرَادَ الِاسْتِيفَاء فَعَلَيهِ بالكتب المبسوطة فِيهِ غير أَنه يَنْبَغِي لَهُ أَن يخْتَار مِنْهَا الْكتب الَّتِي لأربابها براعة فِي نَحْو الْأُصُول
فَوَائِد تتَعَلَّق بمبحث التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح
الْفَائِدَة الأولى
ذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى أَنه يمْتَنع أَن يرد فِي الشَّرْع متكافئان فِي نفس الْأَمر بِحَيْثُ لَا يكون لأَحَدهمَا مُرَجّح مَعَ تعارضهما من كل وَجه وَبِه قَالَ الْعَنْبَري وَابْن السَّمْعَانِيّ وَقَالَ هُوَ مَذْهَب الْفُقَهَاء وَحَكَاهُ عَن أَحْمد بن حَنْبَل القَاضِي وَأَبُو الْخطاب من أَصْحَابه وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي
قَالَ الصَّيْرَفِي فِي شرح الرسَالَة صرح الشَّافِعِي بِأَنَّهُ لَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ أبدا حديثان صَحِيحَانِ متضادان يَنْفِي أَحدهمَا مَا يُثبتهُ الآخر من غير جِهَة الْخُصُوص والعموم والإجمال وَالتَّفْسِير إِلَّا على وَجه النّسخ وَإِن لم نجده
وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن ذَلِك غير مُمْتَنع بل هُوَ جَائِز وواقع وَقد اخْتلفُوا على فرض وُقُوع التعادل فِي نفس الْأَمر مَعَ عجز الْمُجْتَهد عَن التَّرْجِيح بَينهمَا وَعدم وجود دَلِيل آخر فَقيل إِنَّه يُخَيّر وَقيل إِن الدَّلِيلَيْنِ يتساقطان وَيطْلب الحكم من مَوضِع آخر أَو يرجع إِلَى عُمُوم أولي الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة وَنقل ذَلِك عَن أهل
стр. 471
الظَّاهِر وَأنكر على ابْن حزم نسبته إِلَيْهِم وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ قَول بعض شُيُوخنَا وَهُوَ خطا بل الْوَاجِب الْأَخْذ بِالزَّائِدِ إِذا لم يقدر على استعمالهما جَمِيعًا
وَقيل إِن كَانَ التَّعَارُض بَين حديثين تساقطا وَلَا يعْمل بِوَاحِد مِنْهُمَا وَإِن كَانَ بَين قياسين يُخَيّر بَينهمَا
وَقيل بالتوقف واستبعده بَعضهم وَقَالَ كَيفَ يتَوَقَّف لَا إِلَى غَايَة وأمد إِذْ لَا يُرْجَى فِيهِ ظُهُور الرجحان وَإِلَّا لم يكن مِمَّا فرض فِيهِ التعادل فِي نفس الْأَمر بِخِلَاف مَا فِيهِ التعادل بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الْحَال فَإِنَّهُ يُرْجَى فِيهِ ظُهُور الْمُرَجح فيعقل التَّوَقُّف فِيهِ إِلَى أَن يظْهر الْمُرَجح
وَقيل يُؤْخَذ بالأشد وَقيل يُصَار إِلَى التَّوْزِيع إِن أمكن تَنْزِيل إِحْدَى الأمارتين على أَمر والأمارة الْأُخْرَى على أَمر آخر
وَقيل إِن الحكم فِيهِ كَالْحكمِ قبل وُرُود الشَّرْع فتجيئ فِيهِ الْأَقْوَال الْمَشْهُورَة فِي ذَلِك
وَقد نسب القَوْل الْمَذْكُور وَهُوَ القَوْل بتكافؤ الْأَدِلَّة إِلَى الْقَائِلين بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَلذَا قَالَ بعض الْعلمَاء إِن التَّرْجِيح بَين الظَّوَاهِر المتعارضة إِنَّمَا يتَعَيَّن عِنْد من يَقُول إِن الْمُصِيب فِي الْفُرُوع وَاحِد وَأما من يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فَلَا يتَعَيَّن عِنْده التَّرْجِيح لاعْتِقَاده أَن الْكل صَوَاب
وَقد أنكر كثير من الْعلمَاء هَذَا القَوْل
قَالَ الْعَلامَة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الشاطبي فِي كتاب الموافقات التَّعَارُض إِمَّا أَن يعْتَبر من جِهَة مَا فِي نفس الْأَمر وَإِمَّا من جِهَة نظر الْمُجْتَهد
أما من جِهَة مَا فِي نفس الْأَمر فَغير مُمكن بِإِطْلَاق وَقد مر آنِفا فِي كتاب الِاجْتِهَاد من ذَلِك فِي مَسْأَلَة أَن الشَّرِيعَة على قَول وَاحِد مَا فِيهِ كِفَايَة
стр. 472
وَأما من جِهَة نظر الْمُجْتَهد فممكن بِلَا خلاف إِلَّا أَنهم إِنَّمَا نظرُوا فِيهِ بِالنّسَبِ إِلَى كل مَوضِع لَا يُمكن فِيهِ الْجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ صَوَاب فَإِنَّهُ إِن أمكن الْجمع فَلَا تعَارض كالعام مَعَ الْخَاص وَالْمُطلق مَعَ الْقَيْد وَأَشْبَاه ذَلِك
وَقَالَ فِي كتاب الِاجْتِهَاد فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الشَّرِيعَة كلهَا ترجع إِلَى قَول وَاحِد فِي فروعها وَإِن كثر الْخلاف كَمَا أَنَّهَا فِي أُصُولهَا كَذَلِك
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أُمُور
أَحدهَا أَدِلَّة الْقُرْآن من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فنفى أَن يَقع فِيهِ الِاخْتِلَاف الْبَتَّةَ وَلَو كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين لم يصدق عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام على حَال والآيات فِي ذمّ الِاخْتِلَاف وَالْأَمر بِالرُّجُوعِ إِلَى الشَّرِيعَة كَثِيرَة كلهَا قَاطع فِي أَنَّهَا لَا اخْتِلَاف فِيهَا
الثَّانِي أَن عَامَّة أهل الشَّرِيعَة أثبتوا فِي الْقُرْآن وَالسّنة النَّاسِخ والمنسوخ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَين دَلِيلين يتعارضان بِحَيْثُ لَا يَصح اجْتِمَاعهمَا بِحَال وَإِلَّا لما كَانَ أَحدهمَا نَاسِخا وَالْآخر مَنْسُوخا وَالْفَرْض خلَافَة
فَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف من الدّين لما كَانَ لإِثْبَات النَّاسِخ والمنسوخ من غير نَص قَاطع فِيهِ فَائِدَة وَكَانَ الْكَلَام فِي ذَلِك كلَاما فِيمَا لَا يجني ثَمَرَة إِذْ كَانَ يَصح الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا ابْتِدَاء ودواما استنادا إِلَى أَن الِاخْتِلَاف أصل من أصُول الدّين لَكِن هَذَا بَاطِل بِإِجْمَاع على أَن الِاخْتِلَاف لَا أصل لَهُ فِي الشَّرِيعَة وَهَكَذَا القَوْل فِي كل دَلِيل مَعَ مُعَارضَة كالعموم وَالْخُصُوص وَالْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد وَمَا أشبه ذَلِك
الثَّالِث أَنه لَو كَانَ فِي الشَّرِيعَة مساغ للْخلاف لَأَدَّى إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق
стр. 473
لِأَن الدَّلِيلَيْنِ إِذا فَرضنَا تعارضهما وفرضناهما مقصودين مَعًا للشارع فإمَّا أَن يُقَال إِن الْمُكَلف مَطْلُوب بمقتضاهما أَو لَا أَو مَطْلُوب بِأَحَدِهِمَا دون الآخر والجميع غير صَحِيح
فَالْأول يَقْتَضِي افْعَل لَا تفعل لمكلف وَاحِد من وَجه وَاحِد وَهُوَ عين التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق
وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ خلاف الْفَرْض إِذْ الْفَرْض توجه الطّلب بهما فَلم يبْق إِلَّا الأول فليزم مِنْهُ مَا تقدم لَا يُقَال إِن الدَّلِيلَيْنِ بِحَسب شَخْصَيْنِ أَو حَالين لِأَنَّهُ خلاف الْفَرْض وَهُوَ أَيْضا قَول وَاحِد لَا قَولَانِ لِأَنَّهُ إِذا انْصَرف كل دَلِيل إِلَى جِهَة لم يكن ثمَّ اخْتِلَاف وَهُوَ الْمَطْلُوب
الرَّابِع أَن الْأُصُولِيِّينَ اتَّفقُوا على إِثْبَات التَّرْجِيح بَين الْأَدِلَّة المتعارضة إِذا لم يُمكن الْجمع وَأَنه لَا يَصح إِعْمَال أحد دَلِيلين متعارضين جزَافا من غير نظر فِي تَرْجِيحه على الآخر وَالْقَوْل بِثُبُوت الْخلاف فِي الشَّرِيعَة يرفع بَاب التَّرْجِيح جملَة إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ على ثُبُوت الْخلاف أصلا شَرْعِيًّا لصِحَّة وُقُوع التَّعَارُض فِي الشَّرِيعَة لَكِن لَك فَاسد فَمَا أدّى إِلَيْهِ مثله
الْخَامِس أَنه شَيْء لَا يتَصَوَّر لِأَن الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين إِذا قصدهما الشَّارِع مثلا لم يحصل مَقْصُوده لِأَنَّهُ إِذا قَالَ فِي الشَّيْء الْوَاحِد افْعَل لَا تفعل فَلَا يُمكن أَن يكون الْمَفْهُوم مِنْهُ طلب الْفِعْل لقَوْله لَا تفعل لقَوْله لَا تفعل وَلَا طلب تَركه لقَوْله افْعَل فَلَا يحصل للمكلف فهم التَّكْلِيف فَلَا يتَصَوَّر توجهه على حَال والأدلة على ذَلِك كَثِيرَة لَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى التَّطْوِيل انْتهى بِاخْتِصَار قَلِيل ثمَّ أورد بعد ذَلِك اعتراضات من طرف الْمُخَالفين وَأجَاب عَنْهَا
стр. 474
وَقَالَ الْفَخر فِي الْمَحْصُول اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يجوز تعادل الأمارتين فَمنع الْكَرْخِي مِنْهُ مُطلقًا وَجوزهُ الْبَاقُونَ
ثمَّ المجوزون اخْتلفُوا فِي حكمه عِنْد وُقُوعه فَعِنْدَ القَاضِي أبي بكر منا وَأبي عَليّ وَأبي هَاشم من الْمُعْتَزلَة حكمه التَّخْيِير وَعند بعض الْفُقَهَاء حكمه أَنَّهُمَا يتساقطان وَيجب الرُّجُوع إِلَى مُقْتَضى الْعقل
وَالْمُخْتَار أَن نقُول تعادل الأمارتين إِمَّا أَن يَقع فِي حكمين متنافيين وَالْفِعْل وَاحِد وَهُوَ كتعارض الأمارتين على كَون الْفِعْل قبيحا ومباحا وواجبا وَإِمَّا أَن يكون فِي فعلين متنافيين وَالْحكم وَاحِد نَحْو وجوب التَّوْجِيه إِلَى جِهَتَيْنِ قد غلب فِي ظَنّه أَنَّهُمَا جِهَة الْقبْلَة
أما الْقسم الأول فَهُوَ جَائِز فِي الْجُمْلَة لكنه غير وَاقع فِي الشَّرْع
إِمَّا أَنه جَائِز فِي الْجُمْلَة فَلِأَنَّهُ يجوز أَن يخبرنا رجلَانِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات وتستوي عدالتهما وَصدق لهجتهما بِحَيْثُ لَا يكون لأَحَدهمَا مزية على الآخر
وَأما أَنه فِي الشَّرْع غير وَاقع فالدليل عَلَيْهِ أَنه لَو تعادلت أمارتان على كَون هَذَا الْفِعْل مَحْظُورًا أَو مُبَاحا فإمَّا أَن يعْمل بهما مَعًا أَو يتركا مَعًا أَو يعْمل بِأَحَدِهِمَا دون الثَّانِيَة وَهُوَ محَال لِأَنَّهُمَا لما كَانَتَا فِي نفسيهما بِحَيْثُ لَا يُمكن الْعَمَل بهما الْبَتَّةَ كَانَ وضعهما عَبَثا والعبث غير جَائِز على الله تَعَالَى
وَأما الثَّالِث وَهُوَ أَن يعْمل بِإِحْدَاهُمَا دون الْأُخْرَى فإمَّا أَن يعْمل بِإِحْدَاهُمَا على التَّعْيِين أَولا على التَّعْيِين وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ تَرْجِيح من غير مُرَجّح فَيكون ذَلِك قولا فِي الدّين بِمُجَرَّد التشهي وَإنَّهُ غير جَائِز وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لأَنا إِذا خيرناه بَين الْفِعْل وَالتّرْك فقد أبحنا لَهُ الْفِعْل فَيكون تَرْجِيحا لأمارة الْإِبَاحَة بِعَينهَا على أَمارَة الْحَظْر وَلَك هُوَ الْقسم الَّذِي تقدم إِبْطَاله فَثَبت أَن القَوْل بتعادل الأمارتين فِي
стр. 475
حكمين متنافيين وَالْفِعْل وَاحِد يُفْضِي إِلَى هَذِه الْأَقْسَام الْبَاطِلَة فَوَجَبَ ان يكون بَاطِلا
ثمَّ قَالَ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ تعادل الأمارتين فِي فعلين متنافيين وَالْحكم وَاحِد فَهَذَا جَائِز وَمُقْتَضَاهُ التَّخْيِير وَالدَّلِيل على جَوَازه وُقُوعه فِي صور
إِحْدَاهَا قَوْله ﵊ فِي زَكَاة الْإِبِل فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة فَمن ملك مئتين فقد ملك أَربع خمسينات وَخمْس أربعينات فَإِن أخرج الحقات فقد أدّى الْوَاجِب إِذْ عمل بقوله فِي كل خمسين حَقه وَإِن اخْرُج بَنَات اللَّبُون فقد عمل بقوله فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَلَيْسَ أحد اللَّفْظَيْنِ أولى من الآخر
وثانيتها من دخل الْكَعْبَة فَلهُ أَن يسْتَقْبل أَي جَانب مِنْهَا شَاءَ لِأَنَّهُ كَيفَ فعل فَهُوَ مُسْتَقْبل شَيْئا من الْكَعْبَة
وثالثتها أَن الْوَلِيّ إِذا لم يجد من اللَّبن لَا مَا يسد رَمق أحد رضيعيه وَلَو قسمه عَلَيْهِمَا أَو منعهما لماتا وَلَو سقى أَحدهمَا مَاتَ الآخر فها هُنَا هُوَ مُخَيّر بَين أَن يسْقِي هَذَا فَيهْلك ذَاك أَو ذَاك فَيهْلك هَذَا وَلَا سَبِيل التَّخْيِير
ورابعتها أَن ثُبُوت الحكم فِي الفعليين المتنافيين نفس إِيجَاب الضدين وَذَلِكَ يَقْتَضِي إِيجَاب فعل الضدين كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَلا من الآخر
وَاحْتج الْخصم على فَسَاد التَّخْيِير بِأَن أَمارَة وجوي كل وَاحِد من الْفِعْلَيْنِ اقْتَضَت وُجُوبه على وَجه لَا يسوغ الْإِخْلَال بِهِ والتخيير بَينه وَبَين ضِدّه يسوغ الْإِخْلَال بِهِ فَالْقَوْل بالتخيير مُخَالف لمقْتَضى الأمارتين مَعًا
وَالْجَوَاب أَن اارة وجوب الْفِعْل تَقْتَضِي وُجُوبه قطعا فَأَما الْمَنْع من الْإِخْلَال بِهِ على كل حَال فموقوف على عدم الدّلَالَة على قيام غَيره مقَامه وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن التَّخْيِير مُخَالفا لمقْتَضى الأمارتين اهـ
стр. 476
وَقد اعْترض على الْفَخر فِي هَذَا الْموضع بعض من يَقُول بِوُقُوع التَّعَارُض فِي كَلَام الشَّارِع على جِهَة التكافؤ فَأتى بِمَا لَا يخرج عَن دَائِرَة الخيال وَاكْتفى بذلك عَن الْإِتْيَان بمثال
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
قد ذكر ابْن حزم فِي كتاب الإحكام فِي أصُول الْأَحْكَام مَبْحَث التَّعَارُض وَبَين فِيهِ مسلكه فَأَحْبَبْت إِيرَاد مَا ذكره على طَرِيق التَّلْخِيص قَالَ
فصل فِيمَا ادَّعَاهُ قوم من تعَارض النُّصُوص
قَالَ عَليّ إِذا تعَارض الحديثان أَو الْآيَتَانِ أَو الْآيَة والْحَدِيث فِيمَا يظنّ من لَا يعلم فَفرض على كل مُسلم اسْتِعْمَال كل ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بعض ذَلِك بِأولى بِالِاسْتِعْمَالِ من بعض وَلَا حَدِيث بأوجب من حَدِيث آخر مثله وَلَا آيَة أولى بِالطَّاعَةِ من آيَة أُخْرَى مثلهَا كل من عِنْد الله وكل سَوَاء فِي بَاب وجوب الطَّاعَة والاستعمال
قَالَ عَليّ وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَنه لَا فرق بَين وجوب طَاعَة قَول الله ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ وَبَين وجوب طَاعَة رَسُول الله ﷺ فِي أمره أَن يُصَلِّي الْمُقِيم ظهرا وَالْمُسَافر رَكْعَتَيْنِ وَأَنه لَيْسَ مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك بأوجب وَلَا أثبت مِمَّا جَاءَ من ذَلِك مَنْقُولًا نقلا صَحِيحا عَن النَّبِي ﷺ وَإِن كَانُوا قد اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الطَّرِيق الَّتِي بهَا يَصح النَّقْل فَقَط
فَإِذا ورد النصان كَمَا ذكرنَا فَلَا يَخْلُو مَا يظنّ بِهِ التَّعَارُض مِنْهُمَا وَلَيْسَ تَعَارضا من أحد أَرْبَعَة أوجه لَا خَامِس لَهَا
الْوَجْه الأول أَن يكون أَحدهمَا أقل مَعَاني من الآخر أَو يكون أَحدهمَا حاظرا وَالْآخر مبيحا أَو يكون أَحدهمَا مُوجبا وَالْآخر نافيا فَالْوَاجِب هَا هُنَا أَن يسْتَثْنى الْأَقَل مَعَاني من الْأَكْثَر مَعَاني وَذَلِكَ
стр. 477
٣ - مثل امْر الله بِقطع يَد السَّارِق والسارقة جملَة مَعَ قَوْله ﵊ لَا قطع إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا فَوَجَبَ اسْتثِْنَاء سَارِق أقل من ربع دِينَار من الْقطع وَبَقِي سَارِق مَا عدا ذَلِك على وجوب الْقطع عَلَيْهِ
وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ مَعَ إِبَاحَته الْمُحْصنَات من نسَاء أهل الْكتاب بالزواج فَكُن بذلك مستثنيات من جملَة المشركات وَبَقِي سَائِر المشركات على التَّحْرِيم
وَمثل أمره ﵊ أَن لَا ينفر أحد حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ وَأذن للحائض أَن تنفر قبل أَن تودع فَوَجَبَ اسْتثِْنَاء الْحَائِض من جملَة النافرين
فقد رَأينَا فِي هَذَا الْمسَائِل اسْتثِْنَاء الْأَقَل مَعَاني من الْأَكْثَر مَعَاني وَلَا نبالي فِي هَذَا الْوَجْه كُنَّا نعلم أَي النصين ورد أَولا أَو لَا نعلم ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الْأَكْثَر مَعَاني ورد أَولا أَو ورد آخرا كل ذَلِك سَوَاء وَلَا يتْرك وَاحِد مِنْهُمَا للْآخر ولكنهما يستعملان مَعًا كَمَا ذكرنَا
الْوَجْه الثَّانِي أَن يكون أحد النصين مُوجبا بعض مَا أوجبه النَّص الآخر أَو حاظرا بعض مَا حظره النَّص الآخر فَهَذَا يَظُنّهُ قوم تَعَارضا وتحيروا فِي ذَلِك فَأَكْثرُوا وخبطوا العشواء وَلَيْسَ فِي شَيْء من ذَلِك تعَارض وَقد بَينا غلطهم فِي هَذَا الْكتاب فِي كلامنا فِي بَاب دَلِيل الْخطاب وَذَلِكَ مثل قَوْله ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وَقَوله فِي مَوضِع آخر ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ فَكَانَ أمره تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين غير معَارض للإحسان إِلَى سَائِر النَّاس وَإِلَى الْبَهَائِم بل هُوَ بعضه وداخل فِي جملَته
وَقد غلط قوم فِي هَذَا الْبَاب فظنوا قَوْله ﵊ فِي سَائِمَة الْغنم كَذَا مُعَارضا لقَوْله فِي مَكَان آخر فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة وَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا بل الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر السَّائِمَة هُوَ بعض الحَدِيث الآخر وداخل فِي عُمُومه وَالزَّكَاة وَاجِبَة فِي السَّائِمَة بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ ذكر السَّائِمَة وَبِالْحَدِيثِ الآخر مَعًا وَالزَّكَاة وَاجِبَة فِي غير السَّائِمَة بِالْحَدِيثِ الآخر خَاصَّة
стр. 478
وَكَذَلِكَ غلط قوم آخَرُونَ فظنوا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة﴾ مُعَارضا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾
وَظن قوم أَن قَوْله تَعَالَى ﴿أَو دَمًا مسفوحا﴾ معَارض لقَوْله تَعَالَى لَا ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا قدمنَا قبل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء من النُّصُوص الَّتِي ذكرنَا نهي عَمَّا فِي الآخر
لَيْسَ فِي حَدِيث السَّائِمَة نهي عَن أَن يُزكي غير السَّائِمَة وَلَا أملا بهَا فَحكمهَا مَطْلُوب من غير حَدِيث السَّائِمَة
وَلَا فِي إخْبَاره تَعَالَى بِأَنَّهُ خلق الْخَيل لتركب وزينة نهي عَن أكلهَا وبيه \ عها وَلَا إِبَاحَة لَهما فحكمهما مَطْلُوب من مَكَان آخر
وَلَا فِي تَحْرِيمه تَعَالَى الدَّم المسفوح إِخْبَار بِأَن مَا عدا المسفوح حَلَال بل هُوَ كُله حرم بِالْآيَةِ الْأُخْرَى كَمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ فِي أمره تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْآبَاء نهي عَن الْإِحْسَان إِلَى غَيرهم وَلَا أَمر بِهِ فَحكم الْإِحْسَان إِلَى غير الْآبَاء مَطْلُوب من مَكَان آخر وَمن فرق بَين شَيْء من هَذَا الْبَاب فقد تحكم بِلَا دَلِيل وَتكلم بِالْبَاطِلِ بِغَيْر علم وَلَا هدى من الله تَعَالَى قَالَ عَليّ فَهَذَا وَجه
وَالْوَجْه الثَّالِث أَن يكون أحد النصين فِيهِ أَمر بِعَمَل مَا مُعَلّق بكيفية مَا أَو بِزَمَان مَا أَو مَكَان مَا أَو شخص مَا أَو عدد مَا وَيكون فِي النَّص الآخر نهي عَن عمل مَا بكيفية مَا أَو فِي زمَان مَا أَو مَكَان مَا أَو عدد مَا أَو عذر مَا وَيكون فِي كل وَاحِد من العملين الْمَذْكُورين اللَّذين أَمر بِأَحَدِهِمَا وَنهي عَن الآخر شَيْء مَا يُمكن أَن يسْتَثْنى من الآخر وَذَلِكَ بِأَن يكون على مَا وَصفنَا فِي كل نَص من النصين الْمَذْكُورين حكمان فَيكون بعض مَا ذكر فِي أحد النصين عَاما
стр. 479
لبَعض مَا ذكر فِي النَّص الآخر ولأشياء أخر مَعَه وَيكون الحكم الثَّانِي الَّذِي فِي النَّص الثَّانِي عَاما أَيْضا لبَعض مَا ذكر فِي هَذَا النَّص الآخر ولأشياء أخر مَعَه
قَالَ عَليّ وَهَذَا من أدق مَا يُمكن أَن يعْتَرض أهل الْعلم من تأليف النُّصُوص وَمن أغمضه وأصعبه وَنحن بِمثل من ذَلِك أَمْثِلَة تعين بحول الله وقوته على فهم هَذَا الْمَكَان اللَّطِيف ليعلم طَالب الْعلم الْحَرِيص عَلَيْهِ وَجه الْعَمَل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله وَمَا وجدنَا أحدا قبلنَا شغل باله فِي هَذَا الْمَكَان بِالشغلِ الَّذِي يسْتَحقّهُ هَذَا الْبَاب فَإِن الْغَلَط والتناقض يكثر فِيهِ جدا إِلَّا من سدده الله بمنة ولطفه لَا إِلَه لَا هُوَ
فَمن ذَلِك أمره ﵊ بالإنصات للخطبة وَفِي الصَّلَاة مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ فَنَظَرْنَا فِي النصين الْمَذْكُورين فَوَجَدنَا الْإِنْصَات عَاما يَشْمَل كل كَلَام سَلاما كَانَ أَو غَيره وَوجدنَا ذَلِك فِي وَقت خَاص وَهُوَ وَقت الْخطْبَة وَالصَّلَاة وَوجدنَا فِي النَّص الثَّانِي إِيجَاب رد السَّلَام وَهُوَ بعض الْكَلَام فِي كل حَالَة على الْعُمُوم
فَقَالَ بعض الْعلمَاء معنى ذَلِك أنصت إِلَّا عَن السَّلَام الَّذِي أمرت بإفشائه ورده فِي الْخطْبَة وَقَالَ بَعضهم رد السَّلَام وَسلم إِلَّا أَن تكون منصتا للخطبة أَو فِي الصَّلَاة
قَالَ عَليّ فَلَيْسَ أحد الاستثنائين أولى من الثَّانِي فَلَا بُد من طلب الدَّلِيل من غَيرهمَا وَقَالَ وَغنما صرنا إِلَى إِيجَاب رد السَّلَام وابتدائه فِي الْخطْبَة دون الصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة قد ورد فِيهَا نَص بَين بِأَنَّهُ ﵊ فِيهَا فَلم يرد بعد أَن كَانَ يرد وَأَنه سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء وَإنَّهُ أحدث أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
وَلَيْسَ امْتنَاع رد السَّلَام فِي الصَّلَاة مُوجبا أَن لَا يرد أَيْضا فِي الْخطْبَة لِأَن الْخطْبَة لَيست صَلَاة وَلم يلْزم فِيهَا اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَلَا شَيْء مِمَّا يلْزم فِي الصَّلَاة وَأما
стр. 480
الْخطْبَة فَإنَّا نَظرنَا فِي أمرهَا فَوَجَدنَا الْمَعْهُود وَالْأَصْل إِبَاحَة الْكَلَام جملَة ثمَّ جَاءَ النَّهْي عَن الْكَلَام فِي الْخطْبَة وَجَاء الْأَمر برد السَّلَام وَاجِبا فَكَانَ النَّهْي عَن الْكَلَام زِيَادَة عل مَعْهُود الأَصْل وَشَرِيعَة وَارِدَة قد تَيَقنا لُزُومهَا وَكَانَ رد السَّلَام وإفشاؤه أقل مَعَاني من النَّهْي عَن الْكَلَام فَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ فصرنا بِهَذَا إِلَى التَّرْتِيب الَّذِي ذكرنَا الْقسم الأول مِنْهُ آنِفا
قَالَ عَليّ ونقول قطعا إِنَّه لَا بُد ضَرُورَة فِي كل مَا كَانَ هَكَذَا من دَلِيل قَائِم بَين الْبُرْهَان على الصَّحِيح من الاستثنائين وَالْحق من الاستعمالين لِأَن الله قد تكفل بِحِفْظ دينه فَلَو لم يكن هَا هُنَا دَلِيل لائح وبرهان وَاضح لَكَانَ ضَمَان الله خائنا وَهَذَا كفر لمن أجَازه فصح أَنه لَا بُد من وجوده لمن يسره الله تَعَالَى لفهمه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْوَجْه الرَّابِع أَن يكون أحد النصين حاظرا لما أُبِيح فِي النَّص الآخر بأسره قَالَ عَليّ فَالْوَاجِب فِي هَذَا النَّوْع أَن نَنْظُر إِلَى النَّص الْمُوَافق لما كُنَّا عَلَيْهِ لَو لم يرد وَاحِد مِنْهُمَا فنتركه ونأخذ بِالْآخرِ لَا يجوز غير هَذَا أصلا
وبرهان ذَلِك أَنا على يَقِين من أننا قد كُنَّا على مَا فِي ذَلِك الحَدِيث الْمُوَافق لمعهود الأَصْل ثمَّ لزمنا يَقِينا الْعَمَل بِالْأَمر الْوَارِد بِخِلَاف مَا كُنَّا عَلَيْهِ بِلَا شكّ فقد صَحَّ عندنَا يَقِينا إخراجنا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ ثمَّ يَصح عندنَا نسخ ذَلِك الْأَمر الزَّائِد الْوَارِد بِخِلَاف مَعْهُود الأَصْل وَلَا يجوز أَن نَتْرُك يَقِينا بشك وَلَا أَن نخالف الْحَقِيقَة للظن وَقد نهى الله تَعَالَى عَن ذَلِك فَقَالَ ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن هم إِلَّا يخرصون﴾
وَلَا يحل أَن يُقَال فِيمَا صَحَّ وَورد الْأَمر بِهِ هَذَا مَنْسُوخ إِلَّا بِيَقِين وَلَا يحل أَن يتْرك أَمر قد تَيَقّن وُرُوده خوفًا أَن يكون مَنْسُوخا وَلَا أَن يَقُول قَائِل لَعَلَّه مَنْسُوخ كَيفَ وَنحن على يَقِين مَقْطُوع بِهِ من أَن الْمُخَالف لمعهود الأَصْل هُوَ النَّاسِخ بِلَا شكّ
وبرهان ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا من ضَمَان الله تَعَالَى حفظ الشَّرِيعَة وَالذكر الْمنزل
стр. 481
فَلَو جَازَ أَن يكون نَاسخ من الدّين مُشكلا بمنسوخ حَتَّى لَا يدْرِي النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ أصلا لَكَانَ الدّين غير مَحْفُوظ وَقد صَحَّ بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ نسخ الْمُوَافق لمعهود الأَصْل من النصين بورود النَّص النَّاقِل عَن تِلْكَ الْحَال
فَمن ذَلِك أمره ﵊ أَن لَا يشرب أحد قئما وَجَاء الحَدِيث بِأَنَّهُ ﵊ شرب قَائِما فَقُلْنَا نَحن عَليّ يَقِين من أَنه كَانَ الأَصْل أَن يشرب كل أحد كَمَا شَاءَ من قيام أَو قعُود أَو اضطجاع ثمَّ جَاءَ النَّهْي عَن الشّرْب قَائِما بِلَا شكّ فَكَانَ مَانِعا مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ من الْإِبَاحَة السالفة ثمَّ لَا نَدْرِي أنسخ ذَلِك بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ إِبَاحَة الشّرْب قَائِما أم لَا فَلم يحل لأحد ترك مَا قد تَيَقّن أَنه أَمر بِهِ خوفًا أَن يكون مَنْسُوخا فَإِن صَحَّ النّسخ بِيَقِين صرنا إِلَيْهِ وَلم نبال زَائِدا كَانَ على مَعْهُود الأَصْل أم مُوَافقا لَهُ
كَمَا فعلنَا فِي الْوضُوء مِمَّا مست النَّار فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنه روى جَابر أَنه كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار لأوجبنا الْوضُوء من كل مَا مست النَّار وَلَكِن مَا صَحَّ انه مَنْسُوخ تَرَكْنَاهُ
وَأما من تنَاقض فَأخذ مرّة بِحَدِيث قد ترك مثله فِي مَكَان آخر وَأخذ بضده فذو بُنيان هار يخَاف أَن ينهار بِهِ فِي النَّار
قَالَ عَليّ وغن أمدنا الله بعمر وأيدنا بعون من عِنْده فسنجمع فِي النُّصُوص الَّتِي ظَاهرهَا التَّعَارُض كتبا كَافِيَة من غَيرهَا فَهَذِهِ الْوُجُوه هِيَ الَّتِي فِيهَا الغموض وَقد بيناها بِتَوْفِيق الله
وَهَا هُنَا وَجه خَامِس ظَنّه أهل الْجَهْل مُعَارضا وَلَا تعَارض فِيهِ أصلا وَلَا إِشْكَال وَذَلِكَ وُرُود حَدِيث بِحكم مَا فِي وَجه مَا وورود حَدِيث آخر بِحكم آخر فِي ذَلِك الْوَجْه بِعَيْنِه فَظَنهُ قوم تَعَارضا وَلَيْسَ كَذَلِك ولكنهما جَمِيعًا مقبولان ومأخوذ بهما
وَنَحْو ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من طَرِيق ابْن مَسْعُود
стр. 482
بالتطبيق فِي الرُّكُوع وَرُوِيَ من طَرِيق أبي حميد وضع الأكف على الركب فَهَذَا لَا تعَارض فِيهِ وكلا الْأَمريْنِ جَائِز أَي ذَلِك فعله الْمَرْء حسن
قَالَ عَليّ إِلَّا أَن يَأْتِي أَمر بِأحد الْوَجْهَيْنِ فَيكون حِينَئِذٍ مَانِعا من الْوَجْه الآخر وَقد جَاءَ الْأَمر بِوَضْع الأكف على الركب نصا مَانِعا من التطبيق على مَا بَينا من أَخذ الزَّائِد الْمُتَيَقن فِي حَال وُرُوده وَمنعه مَا كَانَ مُبَاحا قبل ذَلِك وَقد وجدنَا أمرا ثَابتا بِالْأَخْذِ بالركب فَخرج عَن هَذَا الْبَاب وَصَحَّ أَن التطبيق مَنْسُوخ بِيَقِين على مَا جَاءَ عَن سعد أننا كُنَّا نفعله ثمَّ نهينَا عَنهُ وأمرنا بِالْأَخْذِ بالركب
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْعَال الصادرة مِنْهُ ﵊ لَا فِي الْأَوَامِر المتدافعة وَمثل ذَلِك مَا رُوِيَ من نَهْيه ﵊ عَن الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَالْمَرْأَة وخالتها مَعَ قَوْله تَعَالَى وَقد ذكر مَا حرم من النِّسَاء ثمَّ قَالَ ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ فَكَانَ نهي النَّبِي ﷺ مضادا إِلَى مَا نهرى الله عَنهُ فِي هَذِه الْآيَة
وَقد سقط هُنَا قوم أساؤوا النّظر جدا فَقَالُوا إِن ذكر بعض مَا قُلْنَا فِي نَص مَا وَعدم ذكره فِي نَص آخر دَلِيل على سُقُوطه وَهَذَا سَاقِط جدا لِأَنَّهُ لَا يلْزم تَكْرِير كل شَرِيعَة فِي كل آيَة وَفِي كل حَدِيث وَلَو لزم ذَلِك لبطلت جَمِيع شرائع الدّين أَولهَا عَن آخرهَا لِأَنَّهَا غير مَذْكُورَة فِي كل آيَة وَلَا فِي كل حَدِيث
فصح أَنه لَا تعَارض وَلَا اخْتِلَاف فِي شَيْء من الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح وَأَنه كُله مُتَّفق وَبَطل مَذْهَب من أَرَادَ ضرب الحَدِيث بعضه بِبَعْض أَو ضرب الحَدِيث بِالْقُرْآنِ وَصَحَّ أَن لَيْسَ شَيْء من كل ذَلِك مُخَالفا لسائره علمه من علمه وجهله من جَهله إِلَّا أَن الَّذِي ذكرنَا من الْعَمَل هُوَ الْقَائِم فِي بديهة الْعقل وَالَّذِي يَقُود إِلَيْهِ مَفْهُوم اللُّغَة الَّتِي خوطبنا بهَا فِي الْقُرْآن والْحَدِيث وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَكل ذَلِك كلفظة وَاحِدَة وَخبر وَاحِد مَوْصُول بعضه بِبَعْض ومضاف بعضه إِلَى بعض ومبني بعضه على بعض إِمَّا بعطف وَإِمَّا باستثناء وَهَذَانِ
стр. 483
الْوَجْهَانِ أَعنِي الْعَطف وَالِاسْتِثْنَاء يوجبان الْأَخْذ بِالزَّائِدِ أبدا وَقد بَين ذَلِك النَّبِي ﵊ فِي حلَّة عُطَارِد إِذْ قَالَ لعمر إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ ثمَّ بعث إِلَيْهِ حلَّة سيراء فَأَتَاهُ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله أبعثت إِلَيّ هَذِه وَقد قلت فِي حلَّة عُطَارِد مَا قلت إِنِّي لم أبعثها إِلَيْك لتلبسها وَفِي بعض الْأَحَادِيث إِنَّمَا بعثت إِلَيْك بهَا لتصيب بهَا حَاجَتك أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
فَفِي هَذَا الحَدِيث تَعْلِيم عَظِيم لاستعمال الْأَحَادِيث والنصوص وَالْأَخْذ بهَا كلهَا لِأَنَّهُ ﷺ أَبَاحَ ملك الْحلَّة من الْحَرِير وَبَيْعهَا وهبتها وكسوتها النِّسَاء وَأمر عمر أَن يَسْتَثْنِي من ذَلِك اللبَاس الْمَذْكُور فِي حَدِيث النَّهْي فَقَط وَأَن لَا يتَعَدَّى مَا أَمر إِلَى غَيره وَأَن لَا تعَارض بَين أَحْكَامه
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن حكمه ﵊ فِي عين مَا حكم على جَمِيع نوع تِلْكَ الْعين لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقع الْكَلَام على حلَّة سيراء كَانَ يَبِيعهَا عُطَارِد ثمَّ أخبر ﵊ أَن ذَلِك الحكم جَار فِي كل حلَّة حَرِير وَأخْبر أَن ذَلِك الحكم لَا يتَعَدَّى إِلَى غير اللبَاس وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا فِي عُمُوم الحكم وَإِبْطَال الْقيَاس
هَذَا مَا قَالَه ابْن حزم وَلم يقْتَصر على ذَلِك بل وَصله بتتمة فَقَالَ
فصل فِي تَمام الْكَلَام فِي تعَارض النُّصُوص
قَالَ عَليّ وَذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى ترك الْحَدِيثين إِذا كَانَ أَحدهمَا حاظرا وَالْآخر مبيحا أَو كَانَ أَحدهمَا مُوجبا وَالْآخر مسْقطًا قَالَ فَيرجع حِينَئِذٍ إِلَى مَا كُنَّا نَكُون عَلَيْهِ لَو لم يرد ذَانك الحديثان
قَالَ عَليّ وَهَذَا خطأ من جِهَات
أَحدهَا أننا قد أيقنا أَن الْأَحَادِيث لَا تتعارض وَإِذا بَطل التَّعَارُض فقد بَطل الحكم الَّذِي يُوجِبهُ التَّعَارُض إِذْ كل شَيْء بَطل سَببه فالمسبب فِيهِ بَاطِل بضرورة الْحس والمشاهدة
стр. 484
الثَّانِي أَنهم يتركون كلا الْخَبَرَيْنِ وَالْحق فِي أَحدهمَا بِلَا شكّ فَإِذا تركوهما جَمِيعًا فقد تركُوا لَاحق يَقِينا فِي أَحدهمَا وَلَا يحل لأحد أَن يتْرك الْحق الْيَقِين أصلا
الثَّالِث أَنهم لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ إِحْدَاهمَا حاظرة وَالْأُخْرَى مبيحة أَو إِحْدَاهمَا مُوجبَة وَالثَّانيَِة نَافِيَة بل يَأْخُذُونَ بالحكم الزَّائِد ويستثنون الْأَقَل من الْأَكْثَر وَقد بَينا فِيمَا سلف أَنه لَا فرق فِي وجوب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَبَين وجوب مَا جَاءَ فِي كَلَام النَّبِي ﵊
قَالَ عَليّ وَكَانَ فِي حجتهم فِي ذَلِك إِن أحد الْخَبَرَيْنِ نَاسخ بِلَا شكّ ولسنا نعلمهُ بِعَيْنِه فَلَمَّا لم نعلمهُ لم يجز لنا أَن نقدم عَلَيْهِ بِغَيْر علم فندخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ الْآيَة
قَالَ عَليّ وَهَذِه الْحجَّة فَاسِدَة من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنهم يلْزمهُم مثل ذَلِك فِي الْآيَتَيْنِ وهم لَا يَفْعَلُونَ لَك وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه لَا يجوز أَن يُقَال فِي خبر وَلَا آيَة إِن هَذَا مَنْسُوخ إِلَّا بِيَقِين وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ أننا على يَقِين من أَن الحكم الزَّائِد على مَعْهُود الأَصْل رَافع لما كَانَ النَّاس عَلَيْهِ قبل وُرُوده فَهُوَ النَّاسِخ بِلَا شكّ وَنحن على شكّ هَل نسخ ذَلِك الحكم بِحكم آخر يردنا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أم لَا فَحَرَام ترك الْيَقِين للشكوك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ عَليّ وَقد سبق خاطر أبي بكر مُحَمَّد بن دَاوُد إِلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ إِلَّا أَنه ﵀ اخترم قبل إنعام النّظر فِي ذَلِك وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِي كتاب الْوُصُول وَالْعَمَل فِي الْخَبَرَيْنِ المتعارضين كالعمل فِي الْآيَتَيْنِ وَلَا فرق
قَالَ عَليّ وَقَالَ بعض أهل الْقيَاس نَأْخُذ بأشبه الْخَبَرَيْنِ بِالْكتاب وَالسّنة
قَالَ عَليّ وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي ردوا إِلَيْهِ حكم هذَيْن الْخَبَرَيْنِ أولى بِأَن يُؤْخَذ بِهِ من الْخَبَرَيْنِ المردودين إِلَيْهِ بل النُّصُوص كلهَا سَوَاء فِي وجوب الْأَخْذ بهَا وَالطَّاعَة لَهَا فَإذْ قد صَحَّ ذَلِك بِيَقِين فَمَاذَا الَّذِي جعل بَعْضهَا مردودا وَبَعضهَا
стр. 485
مردودا إِلَيْهِ وَمَا الَّذِي أوجب أَن يكون بَعْضهَا أصلا وَبَعضهَا فرعا وَبَعضهَا حَاكما وَبَعضهَا مَحْكُومًا فِيهِ
فَإِن قَالَ الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي هذَيْن هُوَ الَّذِي حط درجتهما إِلَى أَن يعرضا على غَيرهمَا قَالَ عَليّ وَهَذِه دَعْوَى مفتقرة إِلَى برهَان لِأَنَّهُ لَيْسَ الِاخْتِلَاف لِكَوْنِهِمَا معروضا على غيهما لِأَن الِاخْتِلَاف بَاطِل فظنهم أَنه اخْتِلَاف ظن فَاسد يكذبهُ قَول الله ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَإذْ قد أبطل الله تَعَالَى الِاخْتِلَاف الَّذِي جَعَلُوهُ سَببا لعرض الْحَدِيثين على سنة أُخْرَى أَو آيَة أُخْرَى فقد وَجب ضَرُورَة أَن يبطل مسببه الَّذِي هُوَ الْعرض وَهَذَا برهَان ضَرُورِيّ
قَالَ عَليّ وَإِذا كَانَت النُّصُوص كلهَا سَوَاء فِي بَاب وجوب الْأَخْذ بهَا فَلَا يجوز تَقْوِيَة أَحدهمَا بِالْآخرِ وَغنما ذَلِك من بَاب طيب النَّفس وَهَذَا هُوَ اسْتِحْسَان الْبَاطِل وَقد أنكرهُ بَعضهم على بعض
قَالَ عَليّ وَقد رجح بعض أَصْحَاب الْقيَاس أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر بترجيحات فَاسِدَة نذكرها إِن شَاءَ الله ونبين غلطهم فِيهَا فَمن ذَلِك أَن قَالُوا إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ مَعْمُولا بِهِ وَالْآخر غير مَعْمُول بِهِ رجحنا بذلك الْخَبَر الْمَعْمُول بِهِ على غير الْمَعْمُول بِهِ
قَالَ عَليّ وَهَذَا بَاطِل لما نذكرهُ بعد هَذَا إِلَّا أننا نقُول هَا هُنَا جملَة لَا يَخْلُو الْخَبَر قبل أَن يعْمل بِهِ من أَن يكون حَقًا وَاجِبا أَو بَاطِلا فَإِن كَانَ حَقًا وَاجِبا لم يزده الْعَمَل بِهِ قُوَّة لِأَنَّهُ لَا يكن أَن يكون حق أَحَق من حق آخر فِي أَنه حق وَإِن كَانَ بَاطِلا فالباطل لَا يحقه أَن يعْمل بِهِ
قَالَ عَليّ وَقَالُوا إِن كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ حاظرا وَالْآخر مبيحا فَإنَّا نَأْخُذ بالحاظر وَنَدع الْمُبِيح
قَالَ عَليّ وَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ تحكم بِلَا برهَان وَلَو عكس عاكس
стр. 486
فَقَالَ بل نَأْخُذ بالمبيح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ أما كَانَ يكون قَوْله أقوى من قَوْلكُم وَلَكنَّا لَا نقُول ذَلِك بل نقُول إِن كل أَمر من الله تَعَالَى لنا فَهُوَ يسر وَهُوَ رفع الْحَرج وَهُوَ التَّخْفِيف وَلَا يسر وَلَا تَخْفيف وَلَا رفع حرج أعظم من شَيْء أدّى إِلَى الْجنَّة ونجى من جَهَنَّم سَوَاء كَانَ حظرا أَو إِبَاحَة
وَقَالَ فِي فصل آخر وَقد أجَاز بعض أَصْحَابنَا أَن يرد حَدِيث صَحِيح عَن النَّبِي ﷺ وَيكون الْإِجْمَاع على خِلَافه قَالَ دَلِيل على أَنه مَنْسُوخ
قَالَ عَليّ وَهَذَا عندنَا خطأ فَاحش مُتَيَقن لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَو وُرُود حَدِيث صَحِيح يكون الْإِجْمَاع على خِلَافه مَعْدُوم لم يكن قطّ فَمن ادّعى أَنه مَوْجُود فليذكره لنا وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى وجوده أبدا وَالثَّانِي أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فَمَا تكفل الله بِهِ فَهُوَ غير ضائع أبدا وَالْوَحي ذكر وَالذكر مَحْفُوظ بِالنَّصِّ فَكَلَامه ﵊ مَحْفُوظ بِحِفْظ الله فَلَو كَانَ الحَدِيث الَّذِي ادّعى هَذَا الْقَائِل أَنه مجمع على تَركه وَأَنه مَنْسُوخ كَمَا ذكر لَكَانَ ناسخه الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ قد ضَاعَ وَلم يحفظ
قَالَ عَليّ ولسنا ننكر أَن يكون حَدِيث صَحِيح وَآيَة صَحِيحَة التِّلَاوَة منسوخين إِمَّا بِحَدِيث آخر صَحِيح وَإِمَّا بِآيَة متلوة وَيكون الِاتِّفَاق على النّسخ الْمَذْكُور ثَبت إِلَّا أننا نقُول لَا بُد أَن يكون النَّاسِخ لَهما مَوْجُودا أَيْضا عندنَا مَنْقُولًا إِلَيْنَا مَحْفُوظًا عندنَا وَإِنَّمَا الَّذِي منعنَا مِنْهُ أَن يكون الْمَنْسُوخ مَحْفُوظًا مَنْقُولًا مبلغا إِلَيْنَا وَيكون النَّاسِخ لَهُ قد سقط وَلم ينْقل إِلَيْنَا لفظا فَهَذَا بَاطِل عندنَا مَعْدُوم الْبَتَّةَ
الْفَائِدَة الثَّالِثَة
قد عرفت فِيمَا سبق أَن الْحَدِيثين إِذا لَاحَ بَينهمَا التَّعَارُض ابتدئ أَولا بِالْجمعِ بَينهمَا فَإِن لم يُمكن ذَلِك نظر هَل هما مِمَّا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ أم لَا فَإِن كَانَا مِمَّا يُمكن وُقُوع النّسخ فه بحث عَن الْمُتَأَخر مِنْهُمَا فَإِن وقف عَلَيْهِ جعل نَاسِخا وَأخذ بِهِ
стр. 487
وَترك الآخر وغن كَانَا مِمَّا لَا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ أَو كَانَا مِمَّا يُمكن وُقُوع النّسخ فِيهِ لَكِن لم يُوقف عل الْمُتَأَخر مِنْهُمَا بحث عَن الرَّاجِح مِنْهُمَا فَإِن عرف أَخذ بِهِ وَترك الآخر وَإِن لم يعرف الرَّاجِح مِنْهُمَا تعين التَّوَقُّف فيهمَا
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي كتاب اللمع فِي بَاب القَوْل فِي تَرْجِيح أحد الْخَبَرَيْنِ على الآخر وَجُمْلَته أَنه إِذا تعَارض خبران وَأمكن الْجمع بَينهمَا وترتيب أَحدهمَا على الآخر فِي الِاسْتِعْمَال فعل وَإِن لم بمكن وَأمكن نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ فعل على مَا بَينته فِي بَاب بَيَان الْأَدِلَّة الَّتِي يجوز التَّخْصِيص بهَا وَمَا لَا يجوز فَإِن لم يُمكن ذَلِك رجح أَحدهمَا على الآخر بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح
وَقد أورد بعض الْعلمَاء هُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَن الْبَحْث هُنَا غنما هُوَ فِي تعَارض الْحَدِيثين المقبولين وَقد سبق قَرِيبا أَن الحَدِيث المقبول إِذا عَارضه حَدِيث غير مَقْبُول أَخذ بالمقبول وَترك الآخر إِذْ لَا حكم لضعيف مَعَ الْقوي وَمَا ذكر فِي هَذَا الْموضع يدل على أَن الْخَبَرَيْنِ المقبولين قد يكون أَحدهمَا راجحا وَالْآخر مرجوحا وَقد لَا يظْهر وَجه التَّرْجِيح فَيتَوَقَّف فيهمَا
وَقد تقرر أَن الثِّقَة إِذا خَالفه من هُوَ أرجح مِنْهُ سمي حَدِيثه شاذا والشاذ من الْمَرْدُود وَأَن الحَدِيث إِذا وَقع الْخلاف فِيهِ بالإبدال فِي مَتنه أَو سَنَده وَلَا مُرَجّح سمي حَدِيثه مضطربا والمضطرب من الْمَرْدُود
وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى تَقْدِيم التَّرْجِيح ثمَّ الْجمع ثمَّ النّسخ وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَقْدِيم التَّرْجِيح ثن النّسخ ثمَّ الْجمع وَقد ذكر بعض من ذهب إِلَى تَقْدِيم التَّرْجِيح على مَا سواهُ أَن الْعُقُول مطبقة على تَقْدِيم الرَّاجِح على غَيره فتقديم غَيره عَلَيْهِ هدم لقواعد الْأُصُول وَأما هَذِه الْأُصُول فَهِيَ من تَصَرُّفَات الْعُقُول
стр. 488
فَكل من أبدى فِيهَا وَجها معقولا قبل مِنْهُ وَإِن خَالف الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور
نعم يسوغ تَأْوِيل الْمَرْجُوح بعد تَقْدِيم الرَّاجِح عَلَيْهِ بِحمْلِهِ على الرَّاجِح عَلَيْهِ من غير أَن ينقص شَيْئا من مَعْنَاهُ وَلَيْسَ هَذَا من قبيل الْجمع فَإِن الْجمع هُوَ أَن يحمل كل مِنْهُمَا على بعض مَعْنَاهُ
وَأما قَول من قَالَ الإعمال أولى من الإهمال فَإِن أَرَادَ الإعمال وَلَو مَعَ رُجْحَان غَيره عَلَيْهِ فَمَمْنُوع وَإِن أَرَادَ الإعمال مَعَ تَسَاوِي الْحَدِيثين فَمُسلم
وَقَالَ بعض المرجحين لهَذَا القَوْل الملخص من التَّعَارُض من وَجْهَيْن
أَحدهمَا مَا يرجع إِلَى الرُّكْن بِأَن لم يكن بَين الدَّلِيلَيْنِ مماثلة كنص الْكتاب وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر مَعَ خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس أَو خبر الْوَاحِد مَعَ الْقيَاس لِأَن شَرط قبُول خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس أَن لَا يكون ثمَّة نَص من الْكتاب وَالسّنة المتواترة وَالْإِجْمَاع بِخِلَافِهِ
وَكَذَا إِذا كَانَ لأحد الْخَبَرَيْنِ من الْآحَاد أَو لأحد القياسين رُجْحَان على الآخر بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح لِأَن الْعَمَل بالراجح وَاجِب عِنْد عدم التيقن بِخِلَافِهِ وَلَا عِبْرَة للمرجوح بِمُقَابلَة الرَّاجِح
وَلَكِن هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم بَين خبري الْوَاحِد وَبَين القياسين لِأَن كلا مِنْهُمَا لَيْسَ بِدَلِيل مُوجب للْعلم وَإِنَّمَا يُوجب الظَّن أَو علم غَالب الرَّأْي وَهَذَا يحْتَمل التزايد من حَيْثُ الْقُوَّة بِوُجُوه التَّرْجِيح
فَأَما بَين النصين كتابا وَسنة متواترة فِي حق الثُّبُوت فَلَا يتَصَوَّر التَّرْجِيح لن الْعلم بثبوتهما قَطْعِيّ وَالْعلم الْقطعِي لَا يحْتَمل التزايد فِي نَفسه من حَيْثُ الثُّبُوت وَإِن كَانَ يحْتَملهُ من حَيْثُ الْجلاء والظهور إِلَّا إِذا وَقع التَّعَارُض فِي وجبهما بِأَن كَانَ أَحدهمَا محكما وَالْآخر فِيهِ احْتِمَال فالمحكم أولى
وَثَانِيهمَا مَا يرجع إِلَى الشَّرْط بِأَن لَا يثبت التَّنَافِي بَين الْحكمَيْنِ وَيتَصَوَّر
стр. 489
الْجمع بَينهمَا لاخْتِلَاف الْمحل وَالْحَال والقيد وَالْإِطْلَاق والحقيقة وَالْمجَاز وَاخْتِلَاف الزَّمَان حَقِيقَة أَو دلَالَة
وَبَيَانه أَن النصين إِذا تَعَارضا وَلم يكن أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما فإمَّا أَن لَا يكون بَينهمَا زمَان يصلح للنسخ فَفِي الخاصين يحمل أَحدهمَا على قيد أَو حَال أَو مجَاز مَا أمكن وَفِي العامين من وَجه يحمل على وَجه يتَحَقَّق الْجمع بَينهمَا وَفِي العامين لفظا يحمل أَحدهمَا على بعض وَالْآخر على بعض آخر أَو على الْقَيْد وَالْإِطْلَاق
وَأما أَن يكون بَينهمَا زمَان يصلح للنسخ بِأَن كَانَ الْمُكَلف يتَمَكَّن من الْفِعْل والاعتقاد أَو من الِاعْتِقَاد لَا غير على الِاخْتِلَاف فِيهِ فَيمكن الْعَمَل بالطريقين بالتناسخ والتخصيص وَالتَّقْيِيد وَالْحمل على الْمجَاز فِي العامين والخاصين فأصحاب الحَدِيث يرَوْنَ الْعَمَل بطرِيق التَّخْصِيص وَالْبَيَان أولى والمعتزلة يرَوْنَ الْعَمَل بالنسخ أولى
وَقَالَ مَشَايِخنَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي مَنْصُور الماتريدي ينظر فِي عمل الْأمة فِي ذَلِك فَإِن حملوه على النّسخ يجب الْعَمَل بِهِ وَإِن حملوه لى التَّخْصِيص يجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يعرف عمل الْأمة فِي ذَلِك على أحد الْوَجْهَيْنِ أَو اسْتَوَى عَمَلهم فِيهِ بِأَن عمل بَعضهم على أحد الْوَجْهَيْنِ وَبَعْضهمْ على الْوَجْه الآخر فَيرجع فِي ذَلِك إِلَى شَهَادَة الْأُصُول فَيعْمل بِالْوَجْهِ الَّذِي شهِدت بِهِ
وَإِن كَانَ أَحدهمَا خَاصّا وَالْآخر عَاما فَإِن عرف تاريخهما وَبَينهمَا زمَان يَصح فِيهِ النّسخ فَإِن كَانَ الْخَاص سَابِقًا وَالْعَام مُتَأَخِّرًا نسخ الْخَاص بِهِ وَإِن كَانَ الْعَام سَابِقًا وَالْخَاص مُتَأَخِّرًا نسخ من الْعَام بِقدر الْخَاص وَيبقى الْبَاقِي وَإِن وردا مَعًا وَكَانَ بَينهمَا زمَان لَا يَصح فِيهِ النّسخ يَبْنِي الْعَام على الْخَاص فَيكون المُرَاد من الْعَام مَا وَرَاء الْمَخْصُوص وَهَذَا قَول مَشَايِخ الْعرَاق وَالْقَاضِي أبي زيد وَمن تَابعه من دِيَارنَا
وَقَالَ الشَّافِعِيَّة يبْنى الْعَام على الْخَاص فِي الْفَصْلَيْنِ حَتَّى إِن الْخَاص السَّابِق
стр. 490
يكون مَبْنِيا للعام اللَّاحِق فَيكون المُرَاد من الْعَام مَا وَرَاء قدر الْمَخْصُوص بطرِيق الْبَيَان
وَالْجَوَاب فِيهِ على قَول مَشَايِخ سَمَرْقَنْد كَذَلِك إِذا لم يكن بَينهمَا زمَان يصلح للنسخ لِأَنَّهُ لَا ينْدَفع التَّنَاقُض إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيق فَأَما إِذا كَانَ زمَان يصلح للنسخ فَقَالُوا يتَوَقَّف فِي حق الِاعْتِقَاد وَيعْمل بِالنَّصِّ الْعَام بِعُمُومِهِ وَلَا يبْنى على الْخَاص اهـ
وَقد ذكر كثير من عُلَمَاء الْأُصُول أَن الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين قد يكونَانِ متقارنين فِي الْوُرُود عَن الشَّارِع وبينوا الحكم فِي ذَلِك فَقَالُوا وَإِن تقارن المتعارضان فَإِن تعذر الْجمع بَينهمَا بحث عَن الرَّاجِح مِنْهُمَا فَإِن لم يعلم تعين الْمصير إِلَى التَّخْيِير
وَلم يتَعَرَّضُوا لذكر النّسخ هُنَا لما أَن من شَرطه التَّرَاخِي بَينهمَا فَإِذا تقارنا الْوُرُود لم يُمكن جعل أَحدهمَا نَاسِخا وَالْآخر مَنْسُوخا
وَقد اسْتشْكل بعض الْعلمَاء ذَلِك فَقَالَ إِن التقارن بَين المتنافيين لَا يتَصَوَّر فِي كَلَام الشَّارِع لِأَنَّهُ تنَاقض لَا يَلِيق بمنصبه بل لَا بُد أَن يكون أَحدهمَا مُتَأَخِّرًا إِلَّا أَنه رُبمَا جهل التَّارِيخ
وَقد أجَاب عَن ذَلِك بَعضهم فَقَالَ يجوز
أَن يُرَاد بالتقارن هُنَا التقارن فِي زمن التَّكَلُّم بالنسة إِلَيْهِ تقدس وَتَعَالَى على الْوَجْه المتصور فِي حَقه إِذْ لَا يلْزم عَلَيْهِ تنَاقض لِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يكون ذَلِك الزَّمَان زمَان النِّسْبَة
وَأَن يُرَاد بِهِ التقارن فِي النُّزُول على النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذْ لَا يلْزم عَلَيْهِ تنَاقض لما ذكر
وَأَن يُرَاد بِهِ التقارن فِي الْوُرُود أَي الْوُصُول إِلَيْنَا أَي إِلَى الطَّبَقَة الأولى منا الآخذين عَنهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِن تصور تقارن ذَلِك إِذْ لَا يلْزم عَلَيْهِ تنَاقض أَيْضا لما ذكر
стр. 491
وَأَن يُرَاد بِهِ التَّعَاقُب بِالنِّسْبَةِ لزمان الْمُتَكَلّم أَو زمَان النُّزُول أَو زمَان الْوَلُود خُصُوصا فِي الْأَخير وَمن الْمَشْهُور ان تقارن الْأَقْوَال مَعَ اتِّحَاد الْقَائِل الْحَادِث لَيْسَ إِلَّا بِمَعْنى التَّعَاقُب
هَذَا وَلَعَلَّ الأسبق إِلَى الْفَهم من كَلَامهم أَن الْمدَار فِي التقارن بِمَعْنَاهُ الظَّاهِر أَو بِمَعْنى التَّعَاقُب وَغَيره بِالنِّسْبَةِ للْكتاب على زمَان النُّزُول وبالنسبة للسّنة على زمَان الْوُرُود أَي التَّكَلُّم مِنْهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
على أَن لقَائِل أَن يَقُول إِن التقارن بَين المتنافيين لَا يلْزم على الْإِطْلَاق أَن يكون تناقضا محذورا لجَوَاز أَن يكون للتَّخْيِير بَينهمَا أَو لحكمة أُخْرَى
فَإِن قلت حمل التقارن على التَّعَاقُب لَا يَصح هُنَا لِأَن مُقْتَضَاهُ النّسخ وَلم يذكر فِي أَحْكَام هَذَا الْقسم
قلت قد يمْنَع أَن مُقْتَضَاهُ ذَلِك بِنَاء على اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي النّسخ انْتهى مَا أجَاب بِهِ وليته لَو أَتَى بمثال ليعلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست محصورة فِي دَائِرَة الخيال كثير من الْمسَائِل الْمَفْرُوضَة الَّتِي لَا ينالها سوى الْوَهم لَا سِيمَا إِن كَانَت بعيدَة عَن الْفَهم
وَقد وَقع فِي كتب أصُول الْفِقْه مسَائِل كَثِيرَة مَبْنِيَّة على مُجَرّد الْفَرْض وَهِي لَيست دَاخِلَة فِيهِ وَكَثِيرًا مَا أوجب ذَلِك حيرة الْمطَالع النبيه حَيْثُ يطْلب لَهَا أَمْثِلَة فَيرجع بعد الْجد وَالِاجْتِهَاد وَلم يحظ بمثال وَاحِد
فَيَنْبَغِي الانتباه لهَذَا الْأَمر وَلما ذكره بعض الْعلمَاء وَهُوَ أَن كل مَسْأَلَة تذكر فِي أصُول الْفِقْه وَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا فروع فقهية أَو آدَاب شَرْعِيَّة أَو لَا تكون عونا فِي ذَلِك فَهِيَ غير دَاخِلَة فِي أصُول الْفِقْه وَذَلِكَ أَن هَذَا الْعلم لم يخْتَص بإضافته إِلَى الْفِقْه إِلَّا لكَونه مُفِيدا لَهُ ومحققا للِاجْتِهَاد فِيهِ فَإِذا لم يفد ذَلِك لم يكن أصلا لَهُ
وَيخرج على هَذَا كثير من الْمسَائِل الَّتِي تكلم عَلَيْهَا الْمُتَأَخّرُونَ وأدخلوها فِيهِ كَمَسْأَلَة ابْتِدَاء وضع اللُّغَات وَمَسْأَلَة الْإِبَاحَة هَل هِيَ تَكْلِيف أم لَا وَمَسْأَلَة أَمر
стр. 492
الْمَعْدُوم وَمَسْأَلَة كَانَ النَّبِي ﷺ متعبدا بشرع من قبله أم لَا
وَكَذَلِكَ كل مَسْأَلَة يَنْبَنِي عَلَيْهَا فقه إِلَّا أَنه لَا يحصل من الْخلاف فِيهَا خلاف فِي فرع من فروع الْفِقْه مثل مَسْأَلَة الْأَمر بِوَاحِد مُبْهَم من أَشْيَاء مُعينَة كَمَا فِي كَفَّارَة الْيَمين فَقيل إِن الْأَمر بذلك يُوجب وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِه وَقيل إِنَّه يُوجب الْكل فعل الْكل فَقيل الْوَاجِب أَعْلَاهَا وَإِن تَركهَا فَقيل يُعَاقب على أدناها فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَمَا أشبههَا من الْمسَائِل الَّتِي فرضوها مِمَّا لَا ثَمَرَة لَهُ فِي الْفِقْه غير دَاخِلَة فِي أُصُوله
وَقد رَأَيْت فِي كتاب الِاعْتِبَار فِي النَّاسِخ والمنسوخ من الحَدِيث لِلْحَافِظِ الْحَازِمِي عبارَة رُبمَا كَانَ لَهَا موقع عَظِيم هُنَا فِي الْمُقدمَة فِي بَيَان شُرُوط النّسخ وَمِنْهَا أَن يكون الْخطاب النَّاسِخ متراخيا عَن الْمَنْسُوخ فعلى هَذَا يعْتَبر الحكم الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يعدو أحد الْقسمَيْنِ إِمَّا أَن يكون مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا
فَإِن كَانَ مُتَّصِلا بِالْأولِ لَا يُسمى نسخا إِذْ من شَرط النّسخ التَّرَاخِي وَقد فقد هَا هُنَا لِأَن قَوْله ﵊ لَا تلبسوا القمص وَلَا السرويلات وَلَا الْخفاف إِلَّا أَن يكون رجل لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وغن كَانَ صدر الحَدِيث يدل على منع لبس لخفاف وعجزه يدل على جَوَازه وهما حكمان متنافيان غير أَنه لَا يُسمى نسخا لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ وَلَكِن هَذَا النَّوْع يُسمى بَيَانا
وَإِن كَانَ مُنْفَصِلا نظرت هَل يُمكن بَينهمَا فَإِن أمكن الْجمع جمع ١
стр. 493
الْبَلْخِي أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة إِسْحَاق بن الْحسن الْحَرْبِيّ سهل بن عمار الْعَتكِي
قَالَ أَبُو عبد الله جَمِيع من ذَكَرْنَاهُمْ فِي هَذَا النَّوْع بعد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ قوم قد اشهروا بالرواية وَلم يعدوا فِي الطَّبَقَة الْأَثْبَات المتقنين الْحفاظ
ذكر النَّوْع الثَّانِي وَالْخمسين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم معرفَة من رخص فِي الْعرض على الْعَالم وَرَآهُ سَمَاعا وَمن رأى بِالْإِجَازَةِ من بلد إِلَى بلد إِخْبَارًا وَمن أنكر ذَلِك وَرَأى شرح الْحَال فِيهِ عِنْد الرِّوَايَة
وَبَيَان الْعرض أَن يكون الرَّاوِي حَافِظًا متقنا فَيقدم المستفيد إِلَيْهِ جُزْءا من حَدِيثه أَو أَكثر من ذَلِك فيناوله فيتأمل الرَّاوِي حَدِيثه فَإِذا خَبره وَعرف أَنه من حَدِيثه قَالَ للمستفيد قد وقفت على مَا ناولتنيه وَعرفت الْأَحَادِيث كلهَا وَهَذِه رواياتي عَن شيوخي فَحدث بهَا عني فَقَالَ جمَاعَة من أَئِمَّة الحدي إِنَّه سَماع مِنْهُم من أهل الْمَدِينَة
أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة حَكَاهُ مَالك عَن شُيُوخه عَنهُ وَأَبُو عبد الله عِكْرِمَة مولى عبد الله بن عَبَّاس وَمُحَمّد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهَاب بن زهرَة الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الرَّأْي والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب وَيحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير الْقرشِي وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة اللَّيْثِيّ وَمَالك بن أنس بن أبي عَامر الأصبحي وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن أبي عبيد الأندراوردي فِي جمَاعَة بعدهمْ
وَمن أهل مَكَّة
مُجَاهِد بن جبر أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي مَوْلَاهُم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي فِي جمَاعَة بعدهمْ
стр. 494
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
قد عرفت أَن هَذَا الْفَنّ يبْحَث فِيهِ عَن مصطلح أهل الْأَثر قَالَ الْحَافِظ زين الدّين عبد الرَّحِيم الْعِرَاقِيّ فِي أول شرح ألفيته الَّتِي لخص فِيهَا كتاب ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْفَنّ وَبعد فَعلم الحَدِيث خطير وقعه كَبِير نَفعه عَلَيْهِ مدَار أَكثر الْأَحْكَام وَبِه يعرف الْحَلَال وَالْحرَام ولأهله اصْطِلَاح لَا بُد للطَّالِب من فهمه فَلهَذَا ندب إِلَى تَقْدِيم الْعِنَايَة بِكِتَاب فِي علمه اهـ
فَهَذَا الْفَنّ مدْخل لعلم الحَدِيث وَقد سَمَّاهُ بَعضهم بِعلم دراية الحَدِيث وعرفه بقوله علم بقوانين يعرف بهَا أَحْوَال السَّنَد والمتن من صِحَة وَحسن وَضعف وَرفع ووقف وَقطع وعلو ونزول وَكَيْفِيَّة التَّحَمُّل وَالْأَدَاء وصفات الرِّجَال وَمَا أشبه ذَلِك
وَقد اخْتَصَرَهُ بَعضهم فَقَالَ علم يعرف بِهِ أَحْوَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ وَقد نظمه الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي ألفيته فَقَالَ
(علم الحَدِيث ذُو قوانين تحد ... يدرى بهَا أَحْوَال متن وَسَنَد)
(فذانك الْمَوْضُوع وَالْمَقْصُود ... أَن يعرف المقبول والمردود)
وَقد فسر بَعضهم التَّعْرِيف الْمَذْكُور فَقَالَ قَوْله علم يُمكن أَن يُرَاد بِهِ الْقَوَاعِد والضوابط كَقَوْلِك كل حَدِيث صَحِيح يسوغ الِاحْتِجَاج بِهِ وَالْبَاء فِي قَوْله يعرف بِهِ للسَّبَبِيَّة وَاللَّام فِي قَوْله حَال الرَّاوِي والمروي للْجِنْس إِذْ لَا يعرف بِهَذَا الْعلم حَال الرَّاوِي الْمعِين أَو الْمَرْوِيّ الْمعِين وَإِنَّمَا يعرف بِهِ حَال غير الْمعِين
стр. 495
وَترى وَيجوز فِيهَا التَّنْوِين وَتَركه قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا﴾ أَي وَاحِدًا بعد وَاحِد بفترة بَينهمَا وتواتر الْخَبَر مَجِيء المخبرين بِهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد من غير اتِّصَال
وَهَاهُنَا مسَائِل مهمة تتَعَلَّق بِهَذَا المبحث
الْمَسْأَلَة الأولى
قد عرفت مِمَّا سبق أَن الْخَبَر لَا يُسمى متواترا إِلَّا إِذا وجد فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يكون ذَلِك الْخَبَر مِمَّا يدْرك بالحس وَيكون مُسْتَند المخبرين هُوَ الإحساس بِهِ على وَجه الْيَقِين وَذَلِكَ مثل أَن يَقُولُوا رَأينَا زيد يفعل كَذَا وَسَمعنَا عمرا يَقُول كَذَا فَإِن كَانَ الْخَبَر مِمَّا لَا يدْرك بالحس لَا يُسمى متواترا وَلَا يُفِيد الْعلم وَإِن كَانَ المخبرون بِهِ لَا يُحصونَ كَثْرَة فَلَو اسْتدلَّ مستدل على حُدُوث الْعَالم بِأَن أُنَاسًا لَا يحصرون يَقُولُونَ بحدوثه وقابله الْقَائِل بقدمه بِمثل دَلِيله وَقَالَ إِن أُنَاسًا لَا يحصرون يَقُولُونَ بقدمه فَمثل هَذِه الْمَسْأَلَة يجب أَن يرجع فِيهَا إِلَى الِاسْتِدْلَال بِأَمْر آخر
الثَّانِي أَن يكون عدد المخبرين بِهِ بلغ فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ فَإِن لم يبلغ المخبرون بِهِ هَذَا الْمبلغ لم يسم ذَلِك الْخَبَر متواترا وَإِن أَفَادَ الْعلم بِسَبَب أَمر آخر يدل على صدقه وَمن ثمَّ قَالَ بَعضهم الْمُتَوَاتر هُوَ خبر جمَاعَة يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم بصدقه فاحترز بقوله بِنَفسِهِ عَن الْخَبَر الَّذِي علم صدقه بِأَمْر آخر كقرينة دلّت على صدق من أخبر بِهِ
تَتِمَّة قد يكون الناقلون للْخَبَر طبقَة وَاحِدَة وَهِي الْجَمَاعَة الَّتِي استندت فِي الْإِخْبَار إِلَى الإحساس بالمخبر بِهِ وَهِي المثبتة لأصل الْخَبَر فَإِذا تلقينا الْخَبَر عَنْهَا فَالْأَمْر ظَاهر وَقد يكون الناقلون للْخَبَر طبقتين وَذَلِكَ فِيمَا إِذا تلقينا الْخَبَر عَن جمَاعَة تلقت الْخَبَر عَن الْجَمَاعَة الَّتِي استندت فِي الْإِخْبَار إِلَى الإحساس بالمخبر بِهِ وَيشْتَرط فِي
следующие страницы →