← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يكون الحَدِيث صَحِيحا، وَهُوَ يحْتَمل أَنه حِينَئِذٍ حسنُ، أَو ضَعِيف، فبينه أَنه حسن بقوله: فَإِن خف الضَّبْط أَي ضبط الرَّاوِي المستلزمُ لضبط المرويّ. قيل: بِأَن كَانَ رَاوِي الحَدِيث مُتَأَخِّرًا [تأخراً] يَسِيرا عَن دَرَجَة الْحَافِظ الضَّابِط. وَلم يبلغ إِلَى مرتبَة الرَّاوِي الضَّعِيف الْفَاحِش الْخَطَأ. وناقش تِلْمِيذه بقوله: لم يحصل بِهَذَا تَمْيِيز الْحسن لأنّ الخِفة الْمَذْكُورَة غير منضبطة! انْتهى. وَيُمكن دَفعه بأنّ انضباطه مَبْنِيّ على العُرف، أَو على الْمَشْهُور والمستور، كَمَا قَالُوا فِي الْعَدَالَة، أَو على / الْعلم بالتتبع فِي رواياته، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (أَي قل) أَي ظهر قِلَّة ضَبطه. ولمَّا كَانَ اسْتِعْمَال الخِفة بضد الثّقَل مَشْهُورا، وَبِمَعْنى القِلة قَلِيل الْوُجُود احْتَاجَ إِلَى بَيَان فَقَالَ: (يُقَال: خَفّ القومُ خُفوقاً: قَلّوا) وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي " الْقَامُوس ": الخِف بِالْكَسْرِ الْخَفِيف، وَالْجَمَاعَة القليلة. وَكَأن الخِفة اسْتعْملت فِي الْكَيْفِيَّة، والكمية. (وَالْمرَاد) أَي من خفَّة الضَّبْط المستلزمة لفقد تَمام الضَّبْط الَّذِي هُوَ أحد شُرُوط الصَّحِيح. (مَعَ بَقِيَّة الشُّرُوط) أَي مَعَ وجود الْبَقِيَّة، أَو مَعَ بَقَاء الشُّرُوط (الْمُتَقَدّمَة فِي حَدّ الصَّحِيح) أَي من / ٤٢ - أ / اتِّصَال السَّنَد، وَالْعَدَالَة، وَعدم

стр. 177

الشذوذ، وَالْعلَّة وَمَعَ عدم كَثْرَة الطّرق أَيْضا كَمَا سَيَجِيءُ فِي كَلَامه. [إِن شَاءَ الله تَعَالَى] وَذَلِكَ ليخرج الصَّحِيح لغيره. [٥٦ - ب] . وَالْحَاصِل: أَن مَا كَانَ إِسْنَاده وَلَو فِي بعض رُوَاته دون الصَّحِيح فِي الضَّبْط والاتفاق. (فَهُوَ) زَاد فِي الشَّرْح ضمير الْفَصْل، أَي فَذَلِك الْخَبَر هُوَ. ( [الْحسن لذاته] ) (الْحسن لذاته) إِذْ هُوَ وَالصَّحِيح سَوَاء إِلَّا فِي تَمام الضَّبْط. وَأفَاد فَائِدَة الْفَصْل بقوله: (لَا لشَيْء خَارج) أَي يصير بِهِ حسنا لغيره. (وَهُوَ) أَي الْحسن لأمرٍ خَارج. (الَّذِي يكون حُسنُه) أَي مَعَ كَونه ضَعِيفا فِي نَفسه (بِسَبَب الاعتضَاد) أَي باشتداده لِكَثْرَة إِسْنَاده (نَحْو حَدِيث المَسْتُور) أَي الرَّاوِي الَّذِي لم يتَحَقَّق عَدَالَته، وَلَا جرحه، قَالَ السخاوي: المستور من لم يُنقَل فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل، وَكَذَا إِذا نُقلا وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا. وَفِي حَاشِيَة تِلْمِيذه قَالَ المُصَنّف: الرَّاوِي إِذا لم يُسَمّ كَرجُل يُسَمى مُبْهَمَاً، وإِنْ ذُكِر مَعَ عدم تَمْيِيز فَهُوَ المُهْمَل، وَإِن مُيزَ وَلم يَروِ عَنهُ إِلَّا وَاحِد فمجهول، وَإِلَّا فمستور. انْتهى

стр. 178

وَالْحَاصِل: أَن الرَّاوِي الَّذِي لم يتَحَقَّق أَهْلِيَّته المكتفى فِيهَا بِغَلَبَة الظَّن، وَكَذَا مَا كَانَ ضعفه لسوء حفظ رَاوِيه مَعَ كَونه عدلا، حَدِيثه ضَعِيف بِالنّظرِ إِلَى ذَاته لكنه قد يصير حسنا لغيره. (إِذا تعدّدت طرقه) فَإِن حَدِيث المستور مِمَّا يُتوقف فِيهِ، وتعدد طرقه قرينَة ترجح جَانب قَبوله، فَهُوَ حسن لَا لذاته. فَكل من الحَسَن لَا لذاته وَالصَّحِيح لَا لذاته إِنَّمَا يحصل بِكَثْرَة الطّرق، إِلَّا أَن رَاوِي الصَّحِيح ظَاهر الْعَدَالَة، وراوي الْحسن مَسْتُور الْعَدَالَة. ويُشْكِل على هَذَا قَول النَّوَوِيّ: حَدِيث " من حَفِظَ على أُمّتي أربعينَ حَدِيثا " ورد من طرق كثيرات بروايات متنوعات، وَاتفقَ الْحفاظ على أَنه حَدِيث ضَعِيف وَإِن كَثُرَت طرقه، وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَ الْحَافِظ المُنْذري: إِنَّه لَيْسَ فِي جَمِيع طرقه مَا يَقْوَى وَيقوم بِهِ الحُجة إِذْ لَا تَخْلُو طَرِيق مِنْهَا أَن يكون فِيهَا مَجْهُول، أَو مَعْرُوف مَشْهُور بالضعف. نعم، قَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي [٥٧ - أ] فِي أربعينه: إِنَّه رُوِيَ من طرق، وتقوى بهَا وركنوا إِلَيْهَا، وَعرفُوا صِحَّتهَا، وعولوا عَلَيْهَا. وَأجَاب عَنهُ

стр. 179

المنذِرِي بِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون سلك فِي ذَلِك سلوك من رأى أَن الْأَحَادِيث الضعيفة إِذا انْضَمَّ بَعْضهَا إِلَى بعض أحدث قُوَّة، فَظهر أَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، إِمَّا فِي نَفسهَا أَو فِي اخْتِلَاف الضعْف من الخفة والشدة / وَلذَا قَالَ السُّبْكِيّ وَغَيره: الحَدِيث إِذا اشْتَدَّ ضعفه لَا يُعْمَل بِهِ، وَلَا فِي الْفَضَائِل. وَكَأن المُرَاد بالشديد الضعْف أَن / ٤٢ - ب / لَا يَخْلُو طَرِيق من طرقه عَن كَذَّاب، أَو مُتهم بِالْكَذِبِ. وَيدل عَلَيْهِ وَضْعُ المُصَنّف الْمَسْأَلَة فِي نَحْو المستور وَالله أعلم. (وَخرج بِاشْتِرَاط بَاقِي الْأَوْصَاف الضَّعِيف) أَي وَخرج بِقَيْد بَقِيَّة الشُّرُوط الضَّعِيف، وَهُوَ مَا لم يَجمع شُرُوط الصَّحِيح، أَو الحَسَن، وَلَو بفقد شَرط وَاحِد مِمَّا يرجع لطعن فِي الرَّاوِي، وَلَو بالمخالفة، أَو سقط فِي السَّنَد. ويتفاوت ضعفه.

стр. 180

كتفاوت صِحَة الصَّحِيح، وحُسنِ الحَسَن، فأعلى مراتبه بِالنّظرِ لطعن الرَّاوِي: مَا انْفَرد بِهِ الوضاع، ثمَّ الْمُتَّهم بِهِ، ثمَّ الْكذَّاب، ثمَّ الْمُتَّهم بِهِ، ثمَّ الْفَاسِق، ثمَّ فَاحش الغَلَط، ثمَّ فَاحش الْمُخَالفَة، ثمَّ المختلِط، ثمَّ المبتدع الدَّاعِي، ثمَّ مَجْهُول الْعين، أَو الْحَال. وبالنظر للسقط: الْمُعَلق بِحَذْف السَّنَد كُله من غير ملَتزم الصِّحَّة كالبخاري ثمَّ المُعْضَل، ثمَّ الْمُنْقَطع، ثمَّ الْمُرْسل الجَليّ، ثمَّ الخَفي، ثمَّ المدلَّس وَلَا انحصار لَهُ فِي هَذِه، فتعريف الْحسن لذاته: خبر الْوَاحِد بِنَقْل عدلٍ خَفِيف الضَّبْط مُتَّصِل السَّنَد غير مُعَلل، وَلَا شاذّ بِهِ. ثمَّ الضَّعِيف مَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَا حَسَن. (وَهَذَا الْقسم من الْحسن) أَي الْحسن لذاته (مشارِكٌ) بِكَسْر الرَّاء. (للصحيح فِي الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي فِي أصل الِاسْتِدْلَال، وَالْعَمَل بِهِ. وَلذَا أدْرَجَتْه طَائِفَة من الْمُحدثين فِي نوع الصَّحِيح. (وَإِن كَانَ) أَي الْحسن، (دونه) أَي دون [٥٧ - ب] الصَّحِيح فِي الرُّتْبَة وَالْقُوَّة كَمَا عُرِف مِن حديهما، (ومشابِه لَهُ) أَي للصحيح، (فِي انقسامه إِلَى مَرَاتِب بَعْضهَا فَوق بعض، وبكثرة طرقه) أَي أَسَانِيد الْحسن. (يصحّح) بتَشْديد الْحَاء الأولى الْمَفْتُوحَة، أَي يُنسب إِلَى الصِّحَّة ويُحْكَم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ صَحِيح. قَالَ السَّخاوي: وَإِنَّمَا تُعْتَبرُ الْكَثِيرَة، والجَمعيّة فِي الطُرق

стр. 181

المنحطة، أما عِنْد التَّسَاوِي أَو الرجحان فمجيئه وَمن وَجه آخر يَكْفِي. وَحَاصِله: أنّ الحَدِيث الْحسن لذاته إِذا رُويَ من غير وجهٍ حَيْثُ كَانَت رُوَاته منحطة عَن مرتبَة رُوَاة الأول، أَو من وَجه واحدٍ مساوٍ لَهُ، أَو أرجح، يرْتَفع عَن دَرَجَة الْحسن إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح، وَصَارَ ثَانِي قسمي الصَّحِيح الْمُسَمّى بِالصَّحِيحِ لغيره وَهُوَ غير صَحِيح لذاته. (وَإِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْد تعدد الطّرق) أَي أَو طَرِيق وَاحِد مساوٍ لَهُ، أَو أرجح. (لِأَن للصورة الْمَجْمُوعَة قُوَّة تَجْبُر) بِفَتْح الْفَوْقِيَّة، وَضم الْمُوَحدَة، أَي تُصْلِح وتُعَوض. (القَدْرَ الَّذِي قصُر) بِضَم الصَّاد من الْقُصُور الْمَأْخُوذَة من الْقصر. (بِهِ) أَي بِسَبَب ذَلِك الْقدر. (ضَبْطُ رَاوِي الْحسن عَن رَاوِي الصَّحِيح) ذكر تِلْمِيذه أَنه قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: يُشْتَرطُ فِي التَّابِع أَي إِذا كَانَ وَاحِدًا أَن يكون أقوى أَو مُسَاوِيا حَتَّى لَو كَانَ / ٤٣ - أ / الْحسن لذاته يُروى من وَجه آخر حَسَنٍ لغيره لم يُحْكَمْ لَهُ بِالصِّحَّةِ. قلت: هَذَا معنى قَوْله:

стр. 182

(وَمن ثَمَة تُطْلقُ الصِّحَّة على الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو تفرد) أَي ذَلِك الْإِسْنَاد سَوَاء كَانَ التَّعَدُّد بمجيئه من وَجه وَاحِد آخر عِنْد التَّسَاوِي، أَو الرجحان، / أَو أَكثر عِنْد عدمهما. وَقَوله: (إِذا تعدد) ظرف لقَوْله: يُطلق. (وَهَذَا) أَي مَا مر من قَوْله: وَخبر الْآحَاد إِلَى هُنَا. أَو الحكم بِكَوْن الحَدِيث صَحِيحا أَو حسنا بِالْقطعِ. (حَيْثُ [٥٨ - أ] ينْفَرد الْوَصْف) أَي وصف الصِّحَّة وَالْحسن. وَأما إِذا جُمِعَا فَلَا حكم بِالْقطعِ لَا بِالصِّحَّةِ، وَلَا بالْحسنِ. (فَإِن جُمِعَا) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (أَي الصَّحِيح وَالْحسن فِي وصف وَاحِد) بِأَن جمع بَينهمَا فِي إطلاقهما على حَدِيث وَاحِد، (كَقَوْل التّرمِذي) أَي فِي " جَامعه ". (وَغَيره:) كالبخاري على مَا نَقله السخاوي، وكيعقوبَ بن شَيْبَة، فَإِنَّهُ جمع بَين الصِّحَّة، وَالْحسن، والغرابة فِي مَوَاضِع من كِتَابه. وكأبي عَليّ.

стр. 183

الطوسِيّ، فَإِنَّهُ جمع بَين الصِّحَّة، وَالْحسن فِي مَوَاضِع من كِتَابه الْمُسَمّى " بِالْأَحْكَامِ " على مَا ذكره التلميذ. (حَدِيث حسن صَحِيح) وَقد يزِيد لفظ غَرِيب وَلم يذكرهُ الشَّيْخ لكَون الغرابة لَا تنَافِي الْحسن وَالصِّحَّة (فللتَّرَدُّد) أَي فالجمع بَينهمَا لعدم الْقطع بالتردد. (الْحَاصِل من الْمُجْتَهد) قيل فِيهِ: إِنَّه يُنَافِي مَا يَأْتِي فِي مُحَصل الْجَواب حَيْثُ جعل فَاعل التَّرَدُّد هُوَ الْأَئِمَّة، وَيُمكن أَن يُؤَوَّل بِأَن المُرَاد بالتردد الْحَاصِل من أَئِمَّة الحَدِيث للمجتهد، فإنّ ترددهم إِنَّمَا هُوَ من أجل الْمُجْتَهد يَعْنِي لَو قَالُوا: صَحِيح لاستدل الْمُجْتَهد بِهِ مثل استدلاله بِالصَّحِيحِ، وَكَذَا لَو قَالُوا: حسن فترددوا لِئَلَّا يجْزم المجتهدُ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يُجريه مجْرى الصَّحِيح أَو مجْرى الْحسن. انْتهى. وَفِيه أَنه حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون الْمُجْتَهد مقلّداً! وَالظَّاهِر: أَنه لم يُرِد بالمجتهد الْمُجْتَهد الْمُطلق فَقَط، بل أَرَادَ بِهِ هُوَ وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث مِمَّن يُفتش عَن حَال الْأَحَادِيث، ويحقق أنّ كلا مِنْهَا من أَي قسم من الْأَقْسَام المتفاوتة فِي وجوب الْعَمَل ليفعل بِكُل مِنْهَا مَا يَنْبَغِي أَن يُفعل بِهِ، لِأَن الِاجْتِهَاد غير مَحْصُور، وَبِأَنَّهُ غير مسدود، وفضله وَاسع مَمْدُود وكل أحد من عباده يُؤجر على قدر اجْتِهَاده. ويدلُّ على مَا قُلْنَا تقدم الْمُجْتَهدين على المُصَحِّحِين. (فِي النَّاقِل) أَي فِي حق [٥٨ - ب] الرَّاوِي، وَاخْتِلَاف حَاله وَصِفَاته. (هَل اجْتمعت فِيهِ) أَي فِي النَّاقِل، أَو منقوله. (شُرُوط الصِّحَّة أَو قصر) أَي الرَّاوِي، أَو المرويّ (عَنْهَا) أَي عَن شُرُوط

стр. 184

الصِّحَّة؟ وَالْمرَاد بالناقل ناقل المقبول كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَإِن جُمِعَا، فَلَا يَرِدُ أَنه عِنْد عدم شُرُوط الصِّحَّة لَيْسَ مَخْصُوصًا بالحَسَن، / ٤٣ - ب / بل حَسَن أَو ضَعِيف وَقد أجَاب بعض عَن أصل السُّؤَال بِأَن المُرَاد: حسن لذاته صَحِيح لغيره، وَقيل: حسن لفظا، أَو لُغَة صَحِيح إِسْنَادًا أَو صِنَاعَةً (وَهَذَا) أَي وَهَذَا الْجَواب وَنَحْوه، (حَيْثُ) أَي فِي مَوضِع، (يحصل مِنْهُ) أَي من الْمُجْتَهد، وَقَول شَارِح: أَي من النَّاقِل، بعيدٌ مُوهِمٌ. وَلَعَلَّ هَذَا منشأ اعْتِرَاض التلميذ حَيْثُ قَالَ: يِرِدُ على هَذَا مَا إِذا كَانَ المتفرد قد جمع شُرُوط الصِّحَّة عِنْدهم، (التفرد) أَي الِانْفِرَاد، (بِتِلْكَ الرِّوَايَة) بِأَن لَيْسَ للْحَدِيث عِنْده إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد. وَقَالَ فِيهِ: حسن صَحِيح، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي جَوَابه. (وعُرِف بِهَذَا) أَي بِمَا ذَكرْنَاهُ من مُرَاد / التِّرْمِذِيّ، وَغَيره، (جَوَاب من اسْتشْكل الْجمع بَين الوصفين) أَي المتغايرين على مَوْصُوف وَاحِد، (فَقَالَ:) أَي مُعْتَرضًا، (الْحسن قَاصِر عَن الصَّحِيح) أَي فِي مرتبته المترتبة على تَعْرِيفه وَصفته. (فَفِي الْجمع بَين الوَصْفَيْن إِثْبَات لذَلِك القُصًورِ ونفيه) أَي وَنفي لَهُ وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: إِثْبَات ذَلِك الْقُصُور ونفيه، أَو التَّقْدِير إِثْبَات لنفيه أَي لنفي ذَلِك الْقُصُور. وَفِي حَاشِيَة تِلْمِيذه: قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: استُشْكِل الْجمع بَين

стр. 185

الصِّحَّة وَالْحسن، فَأُجِيب بِأَنَّهُ بِحَسب إسنادَين، فأورِدَ أَنه يَقُول: حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، فَأُجِيب بِمَا ذُكِر. وَمِنْهُم مَن أجَاب بالترادف فِي الْمَعْنى، يَعْنِي أَنه يَصح الِاسْتِدْلَال بِكُل مِنْهُمَا وَيحسن الْعَمَل بهما. فَقيل: لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ خلاف المتعارَف. وَقيل: يَردُ بِأَصْل التَّشْبِيه. ( [الْكَلَام حول قَوْلهم: حسن صَحِيح] ) (ومحصل الْجَواب) أَي الْمُتَقَدّم: (أَن [٥٩ - أ] تَرَدُّد أَئِمَّة الحَدِيث) أَي اخْتِلَاف حُذاقِهم، ونُقادِهم العارفين بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل، (فِي حَال ناقله) أَي أحد رُوَاته حَيْثُ يُرَقيه بَعضهم إِلَى مرتبَة الصِّحَّة. ويحط بَعضهم عَنْهَا إِلَى مرتبَة الْحسن، (اقْتضى للمجتهد) أَي كالترمذي، وَأَمْثَاله، (أنْ لَا يصفه بِأحد الوصفين) أَي فَحسب لما حصل لَهُ من التَّرَدُّد الْحَاصِل من اخْتلَافهمْ، (فيقل) الْأَظْهر فَيَقُول (فِيهِ: حسن بِاعْتِبَار وَصفه) أَي وصف الحُسن، (عِنْد قوم) أَي من الحُذّاق، (صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه) أَي صَحِيح. (عِنْد قوم) أَي آخَرين مِنْهُم. وَفِيه: أَنه يلْزم أَن يكون التِّرْمِذِيّ، بل البُخَارِيّ مُقَلدًا فِي التَّصْحِيح، والتحسين. وَالْمَفْهُوم من الْجَواب: أَولا هُوَ أنّ الْجمع بَين الوصفين إِنَّمَا هُوَ لحُصُول التَّرَدُّد الناشيء من الْمُجْتَهد كالبخاري، وَالتِّرْمِذِيّ مثلا فِي حق الرَّاوِي، وَلم يَقُم عِنْده مَا يُرَجّح أَحدهمَا على الآخر، وَإِلَّا فالصحة عِنْد

стр. 186

قوم تجامع الْحسن عِنْد قوم آخَرين، فَالْأَظْهر أَن يَجْعَل ذَلِك جَوَابا آخر وَيُقَال: معنى قَوْلهم حسن صَحِيح أَنه حسن عِنْد قوم صَحِيح عِنْد آخَرين. (وَغَايَة مَا فِيهِ) أَي فِي الْجَواب وَنِهَايَة مَا فِيهِ من الِاضْطِرَاب (أَنه حذف مِنْهُ حرف التَّرَدُّد) وَفِي / ٤٤ - أ / نُسْخَة: أَنه حذف أَي الْمُجْتَهد حرف التَّرَدُّد مَعَ أنّ كُلاً من النسختين صَحِيح ومؤداهما وَاحِد سَوَاء قرئَ حَذَف بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل، أَو الْمَفْعُول بِأَدْنَى اعتناء. وَالْمرَاد بِحرف التَّرَدُّد حرف الشَّك، أَو التنويع وَهُوَ أَو. (لأنّ حَقه أَن يَقُول: حسن أَو صَحِيح) فَفِي الرّضِي وَقد يحذف وَاو الْعَطف. قَالَ أَبُو عَليّ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت﴾ أَي وَقلت. وَحكى أَبُو زيد: أكلت سمكًا، لَبَناً، تَمرا. وَقد يحذف أَو كَمَا تَقول: لمن قَالَ: آكلُ السّمك، وَاللَّبن؟ كُلْ سمكًا لَبَناً أَي أَو لَبَنًا. وَذَلِكَ لقِيَام قرينَة دَالَّة على أنّ المُرَاد أَحدهمَا. (وَهَذَا) أَي هَذَا الْحَذف. (كَمَا حذف حرف الْعَطف من الَّذِي يُعَدُّ) بِضَم التَّحْتِيَّة، وَفتح الْعين وَتَشْديد الدَّال، مضارع مَجْهُول من عَده. قَالَ شَارِح: أَي كَمَا حذف من الْخَبَر.

стр. 187

المتعدد نَحْو: زيد عَالم جَاهِل وَالْأَظْهَر كَمَا قَالَ محشٍ: كَمَا يُقَال: دارٌ، غلامٌ جاريةٌ، ثوبٌ. / وَفِيه أَنهم قَالُوا: لَيْسَ فِي التعداد تركيب. وَهَذَا يدل على أَنه فِيهِ تركيب وعامل. وَفِي نُسْخَة: من الَّذِي بعده، أَي من الْمَعْطُوف الْوَاقِع بعد حرف الْعَطف. وَقيل: الْمَعْنى كَمَا يحذف حرف الْعَطف من الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَجِيء بعده، أَي بعد هَذَا الْقسم، وَهُوَ مَا يذكر فِيهِ الوصفان بِاعْتِبَار إسنادين. وَفِيه مُوَافقَة لقَوْل ابْن مَالك حَيْثُ اقْتصر ابْن مَالك على الْوَاو فَقَط، فَيَتعين كَون هَذَا تنظيراً للحذف السَّابِق. (وعَلى هَذَا) أَي مَا ذُكر من الْجَواب، (فَمَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح) مُبْتَدأ خَبره، (دون مَا قيل فِيهِ: صَحِيح؛ لأنّ الْجَزْم أقوى من التَّرَدُّد، وَهَذَا) أَي مَا ذكرنَا من الْجَواب بالتردد، (من حَيْثُ التفرُد،) أَي للإسناد دون التَّعَدُّد. (وَإِلَّا) أَي (إِذا لم يحصل التفرد) بِأَن ثَبت التَّعَدُّد. وَالْأَحْسَن أَن يقدر هَكَذَا وَأَن لَا يحصل، فَإِنَّهُ حذف الْفِعْل، وقلب النُّون لاماً وأدغم فَصَارَ وَإِلَّا، (فإطلاق الوصفين) أَي المتباينين، (مَعًا) أَي مُجْتَمَعيْن، (على الحَدِيث) أَي الْوَاحِد، (يكون) أَي يَصح، وَيجوز أَن يكون إطلاقهما (بِاعْتِبَار إسنادين) أَي مُخْتَلفين لَا أَنه

стр. 188

يجب، لجَوَاز أَن لَا يلْزم صِحَة شَيْء من الإسنادين فِي بعض الْموَاد، فَحِينَئِذٍ يجْرِي فِيهِ التَّوْجِيه الأول دون الثَّانِي. وَبِمَا قَررنَا انْدفع مَا قَالَ تِلْمِيذه: يرد على هَذَا مَا إِذا كَانَ كِلا الإسنادين على شَرط الصَّحِيح. ومَن تَتبع وَجَد صِدق مَا قلته فيهمَا. (أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر حسن وعَلى هَذَا) أَي الْجَواب [٦٠ - أ] ، أَو التَّقْدِير والتقرير. (فَمَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح، فَوق مَا قيل فِيهِ: صَحِيح فَقَط، إِذا كَانَ) أَي الصَّحِيح (فَردا) وَإِنَّمَا قَيده بذلك لِأَنَّهُ لَو لم يكن فَردا بل كَانَ مَشْهُورا / ٤٤ - ب / مثلا لم يَصح الْجَزْم بفوقية مَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح على إِطْلَاقه، بل إِنَّمَا يَصح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد قِسْمَيْة. وَهُوَ مَا يكون الصَّحِيح فِي كِلاَ الْمَوْضِعَيْنِ فِيهِ مشتهراً. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ تَعْلِيله بقوله: (لأنّ كَثْرَة الطّرق تُقَوي) أَي الحَدِيث من مرتبَة الصَّحِيح إِلَى مرتبَة الْأَصَح (فَإِن قيل: قد صرح التِّرْمِذِيّ) بِكَسْر الْمُثَنَّاة وَالْمِيم، وَقيل: بضمهما، وَقيل: بِفَتْح [ثمَّ كسر] . وَكلهَا بإعجام الذَّال نِسْبَة لمدينة قديمَة على طرف جيُحون نهر بَلْح كَذَا ذكره السخاوي وَغَيره. (بأنّ شَرط الْحسن أنْ يُرْوى من غير وجهٍ) أَي من غير طَرِيق وَاحِد، فأقله أَن يكون من إسنادَين.

стр. 189

(فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه؟ !) فَإِن هَذَا يَقْتَضِي أَن يُروى بِوَجْه وَاحِد فَقَط كَمَا هُوَ شَرط الْغَرِيب. (فَالْجَوَاب: أَن التِّرْمِذِيّ لم يُعَرف الْحسن مُطلقًا) أَي بِهَذَا التَّعْرِيف (وَإِنَّمَا عَرف بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَقع فِي كِتَابه) الظَّاهِر أَن يَقُول: وَإِنَّمَا عرفه ... الخ أَو عرف نوعا خَاصّا مِنْهُ، وَقَالَ شَارِح: الظَّاهِر أَن يُقَال: لنَوْع بِاللَّامِ إِلَّا أَنهم يتسامحون بِنَاء على جَوَاز الِاسْتِعَارَة فِي الْحَرْف، فيستعيرون بعض الْحُرُوف لبعضٍ آخر. انْتهى. وَحَاصِله: أَن الْبَاء بِمَعْنى اللَّام، وَهِي لِلْعِلَّةِ أَي لأجل نوع، / وَيُمكن أَن يُقَال: [إِن] الْبَاء للسَّبَبِيَّة، وَهِي تفِيد الْعلية، فَلَا يُحتاج إِلَى الْعَارِية. وَحذف الْمَفْعُول شَائِع وسائغ فِي الْعَرَبيَّة. وَقَالَ محشٍ: أَي عرفه مُقَيّدا بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَلَك أَن تَجْعَلهُ منزلا منزلَة اللَّازِم أَي أوقع التَّعْرِيف بِنَوْع خَاص، وَلَو حكم بِزِيَادَة الْبَاء يردُ عَلَيْهِ أَنَّهَا فِي غير الْخَبَر فِي النَّفْي سَمَاعي. انْتهى ويَرِدُ عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الْبَاء

стр. 190

فِي الْخَبَر سَوَاء [٦٠ - ب] يكون نفيا أَو إِثْبَاتًا جائزٌ من غير توقف على السماع على مَا هُوَ الْمَفْهُوم من الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة﴾ . ﴿ومَن يُرِدْ فِي بإلحاد﴾ . ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وأمثالها. قَوْله: (وَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا ... حُب النَّبِي محمدٍ إيانا) وَفِي " الْقَامُوس ": الْبَاء للتوكيد وَهِي الزَّائِدَة، وَتَكون زِيَادَة وَاجِبَة فِي: أَحْسِنْ بزيد، وغالبة وَهِي فَاعل ﴿كفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ (وَهُوَ) أَي ذَلِك النَّوْع الْمُعَرّف، (مَا يَقُول فِيهِ: حسن من غير صفة أُخْرَى) أَي مَضْمُومَة إِلَيْهِ من صَحِيح أَو غَرِيب، (وَذَلِكَ) أَي دَلِيله، أَو تَفْصِيله، (أَنه يَقُول) أَي التِّرْمِذِيّ، (فِي بعض الْأَحَادِيث:) أَي من جَامِعَة: (حسن) أَي فَقَط، (وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح) كَذَلِك، (وَفِي بَعْضهَا: غَرِيب) كَذَلِك، (وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح، وَفِي بَعْضهَا: حسن غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَينهمَا، (وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَين الثَّلَاثَة. (وتعريفه) أَي الْمَذْكُور أَولا / ٤٥ - أ / (إِنَّمَا وَقع على الأول) أَي على

стр. 191

النَّوْع الأول، وَهُوَ حسن، (فَقَط) أَي دون سَائِر الْأَنْوَاع، (وَعبارَته) أَي التِّرْمِذِيّ، (ترشد إِلَى ذَلِك) أَي تَدُل على مَا ذكرنه من أَن تَعْرِيفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط. (حَيْثُ قَالَ) ظرف لعبارته، (فِي آخر كِتَابه) أَي " الْجَامِع ":، (وَمَا قُلْنَا فِي كتَابنَا: حَدِيث حسن، فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ) أَي بالْحسنِ، (حَسَنٌ إِسْنَاده عندنَا) ضبط: بِفَتْح الْحَاء، وَالسِّين على أَنه صفة مُشبهة، فالنون منون. وبضم السِّين، وَفتح النُّون على أَنه فعل ماضي، وَعَلَيْهِمَا إِسْنَاده مَرْفُوع بالفاعلية. وبضم الْحَاء، وَسُكُون السِّين على أَنه مصدر مَنْصُوب على المفعولية مُضَاف إِلَى إِسْنَاده. وَأعلم أَنه لم يُصَرح فِي تَعْرِيف الْحسن بِنَفْي الْعِلَل، وَلَا باتصال السَّنَد، وَلَا بخفة الضَّبْط كَمَا ذكره الشَّيْخ سَابِقًا، وَزَاد الرِّوَايَة من غير وَجه. وَلَعَلَّ هَذَا اصْطِلَاح آخر بَينهمَا عُمُوم من وَجه. (فَكل حَدِيث يُرْوَى وَلَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ، ويُروَى من غير وَجه) أَي لم يكن فَردا بل جَاءَ من وَجه آخر فَأكْثر. [٦١ - أ] (نَحْو ذَلِك) بِالْجَرِّ صفة غير، بِالنّصب حَال مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يكون رَاوِي الطَّرِيق الثَّانِي مُتّهَمَاً بكذب. قَالَ السخاوي: أَي يكون الرَّاوِي فَوْقه، أَو مثله لَا.

стр. 192

دونه ليترجح بِهِ أحد الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَن سيئ الْحِفْظ مثلا حَيْثُ يَروِي يحْتَمل أَن يكون ضبط المرويّ، وَيحْتَمل أَن لَا يكون ضَبطه، فَإِذا أورد مثل مَا رَوَاهُ، أَو مَعْنَاهُ من وَجه آخر غلب على الظَّن أَنه ضَبطه، وَكلما كَثُرَ المتابع قَوِيَ الظَّن. انْتهى. وَجَوَاز كَونه فَوْقه يُعْلَم بِالْأولَى. (وَلَا يكون شاذاً، فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن) انْتهى كَلَام التِّرْمِذِيّ. وَلَا

стр. 193

يخفى أَن بعض أَفْرَاد الصَّحِيح بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف عِنْد أهل الحَدِيث داخلٌ فِي تَعْرِيف الْحسن على هَذَا التَّقْرِير، فَيَنْبَغِي أَن يُعرف الصَّحِيح بِنَوْع آخر. قَالَ الشَّيْخ: (فُعرِفَ بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عَرف الَّذِي يَقُول فِيهِ:) أَي فِي حَقه. حسن فَقَط. وَأما مَا يَقُول فِيهِ: حسن صَحِيح، أَو حسن غَرِيب) بِالْجمعِ بَينهمَا. (أَو حسن صَحِيح غَرِيب) بِالْجمعِ بَين الْكل. (فَلم يعرج) بتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة من التعريج على الشَّيْء، وَهُوَ الْإِقَامَة عَلَيْهِ أَي فَلم يُعَوّل (على تَعْرِيفه كَمَا لم يُعَرّج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ: صَحِيح فَقَط، أَو غَرِيب فَقَط، وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء لشهرته عِنْد أهل الْفَنّ) . قَالَ البِقَاعي: اسْتعْمل التِّرْمِذِيّ الْحسن لذاته، فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَقُول فِيهَا: حسن غَرِيب وَنَحْو ذَلِك. وعَرّف مَا رأى أَنه يُشْكِل لِأَنَّهُ يُخَرج الحَدِيث أَحْيَانًا وَيَقُول: فلَان ضَعِيف فِي سَنَده ثمَّ يَقُول: هَذَا حَدِيث حسن، فخشي أَن يُشَكَ ذَلِك على النَّاظر فيعترض

стр. 194

عَلَيْهِ بِأَنَّهُ: / ٤٥ - ب / كَيفَ يُحَسن مَا يُصَرح بِضعْف رَاوِيه أَو انْقِطَاعه وَنَحْو ذَلِك؟ ! فَعرفهُ أَنه إِنَّمَا حَسنة لكَونه اعتضد بِتَعَدُّد طرقه. انْتهى. وَهُوَ يُفِيد جَوَاز أنْ يُرَاد بقوله: نَحْو ذَلِك، مَا يَشْمَل دونه [٦١ - ب] أَيْضا. واستفيد مِنْهُ أَنه أَرَادَ بالْحسنِ الْمُطلق الحسنَ لغيره وَهَذَا معنى قَوْله: (وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ) أَي فِي حَقه، (فِي كِتَابه) أَي الْجَامِع، (حَسَن فَقَط إِمَّا لغموضه) أَي لخفائه كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ، وَبينا الكلامَ عَلَيْهِ. وَقَالَ شَارِح: لَعَلَّ وَجهه أَنهم حَدوه وَلم يحصل بِهِ حَدّ. فَقَالَ الخَطّابيّ: مَا عُرفَ مَخْرَجهُ، واشتهر رِجَاله. والمَخْرج: الموضِع الَّذِي خرج مِنْهُ الحَدِيث، وَهُوَ كَونه شامياً، عراقياً، مكياً، كوفياً كَأَن يكون الحَدِيث من رِوَايَة راوٍ، وَقد اشْتهر بِرِوَايَة حَدِيث أهل بَلَده كقتادة وَنَحْوه فِي الْبَصرِيين، فَإِن حَدِيث الْبَصرِيين إِذا جَاءَ عَن قَتَادَة وَنَحْوه كَانَ مخرجه مَعْرُوفا بِخِلَافِهِ عَن غَيرهم. وَذَلِكَ كِنَايَة عَن الِاتِّصَال، إِذْ المرسَل، والمنقطع والمعضل، لعدم ظُهُور حَالهَا لَا يُعْلم مخرج الحَدِيث. وَالْمرَاد بالشهرة: الشُّهْرَة بِالْعَدَالَةِ، والضبط. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي عبارَة الْخطابِيّ كثير تَلْخِيص، فَإِن الصَّحِيح أَيْضا مَا عُرِف مخرجه، فَيدْخل الصَّحِيح فِي حَد الْحسن. وَقَالَ ابْن الجَوزي: مَا فِيهِ ضعف قريب مُحْتمل، وَاعْترض ابْن دَقِيق الْعِيد على هَذَا الحدّ أَيْضا بِأَنَّهُ لَيْسَ مضبوطاً بضابط يتَمَيَّز بِهِ الْقدر الْمُحْتَمل على

стр. 195

غَيره. وَإِذا اضْطربَ هَذَا الْوَصْف لم يحصل التَّعْرِيف الْمُمَيز للْحَقِيقَة. وَأَيْضًا يَشْمَل تَعْرِيف التِّرْمِذِيّ مَا إِذا كَانَ بعض رُوَاته سيئ الْحِفْظ مِمَّن وُصِف بالغلط، وَالْخَطَأ غير فَاحش، أَو مَسْتُورا لم ينْقل فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل وَكَذَا إِذا نقل وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر، أَو مدلساً بالعنعنة لعدم منافاتها نفي اشْتِرَاط الْكَذِب. قَالَ ابْن الصّلاح بعد ذكره هَذِه الْحُدُود الثَّلَاثَة: كل هَذَا مُسْتبهم لَا يشفي العليل، وَلَيْسَ فِي كَلَام / التِّرْمِذِيّ، [٦٢ - أ] والخطابي مَا يفصل الحَسَن عَن الصَّحِيح. وَيُقَال: إِن الْحسن لذاته إِذا عَارض الصَّحِيح كَانَ مرجوحاً فضعفه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أرجح مِنْهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ ذكره السخاوي ثمَّ قَالَ: وَمَعَ مَا تكلفنا فِي تَوْجِيه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مَا حصل بهَا حد جَامع لِلْحسنِ، بل هُوَ مُستبهم لَا يشفي العليل لعدم ضبط الْقدر المُحْتمل من غَيره لضابط فِي آخر الْأَقْوَال، وَكَذَا الشُّهْرَة فِي أَولهَا، ولغير ذَلِك فيهمَا وَفِي تَعْرِيف التِّرْمِذِيّ الَّذِي زَعمه بعض الْحفاظ أَنه أَجودهَا. (وَأما لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد) أَي خَاصَّة لَهُ، وَلَا مُشَاحةً فِيهِ جزم ابْن سيد

стр. 196

النَّاس بِالثَّانِي خَاصَّة، بل خص هَذَا الِاصْطِلَاح بجامعه. وَتردد المُصَنّف فِي سَبَب اقْتِصَاره، وَرجح هُنَا الثَّانِي بقوله: (وَلذَلِك) أَي للتَّعْلِيل الثَّانِي، (قيدهُ) أَي التَّعْرِيف، (بقوله: عندنَا / ٤٦ - أ / وَلم ينْسبهُ) بِفَتْح الْيَاء، وَكسر السِّين أَي لم يُسْنده (إِلَى أهل الحَدِيث) أَي صَرِيحًا. (كَمَا فعل الْخطابِيّ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَتَشْديد الطَّاء المهلمة، هُوَ أَبُو سُلَيْمَان [حَمَدَ بن] مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَطاب، نُسِبَ إِلَى جَده. وَيُقَال: إِنَّه من سلالة زيد بن الخَطاب، كَانَ تفقه على الْقفال، و [ابْن] أبي هُرَيْرَة، وَغَيرهمَا كَذَا فِي " المقتفى ". قَالَ السخاوي: ويتأيد الأول بقول المُصَنّف فِي " الْكَبِير " الظَّاهِر أَنه لم يرد بقوله: عندنَا حِكَايَة اصْطِلَاحه مَعَ نَفسه، وَإِنَّمَا أَرَادَ عِنْد أهل الحَدِيث. كَقَوْل الشَّافِعِي: وإرسال ابْن الْمسيب عندنَا أَي أهل الحَدِيث فَإِنَّهُ كالمتفق عَلَيْهِ بَينهم. ويبعده قَوْله: وَمَا قُلْنَا، وَكَذَا قَوْله: فَإِنَّمَا أردنَا فَحِينَئِذٍ النُّون لإِظْهَار نعْمَة التَّلَبُّس بِالْعلمِ المتأكد تَعْظِيم أَهله عملا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ مَعَ الْأَمْن من الْإِعْجَاب، وَنَحْوه المذموم مَعَه مثل هَذَا. (وَبِهَذَا التَّقْرِير) وَهُوَ اعْتِبَار تعدد الطّرق فِي الْحسن وَالتَّفْصِيل فِي الْجَواب فِيمَا لَهُ إِسْنَاد [٦٢ - ب] وَاحِد، وَفِيمَا لَهُ إسنادان ... الخ

стр. 197

(ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِي طَال الْبَحْث فِيهَا) وَهِي الَّتِي أوردهَا فِي " الْخُلَاصَة ". (وَلم يُسْفر) بِضَم التَّحْتِيَّة، وَكسر الْفَاء، أَي لم ينكشِف (وجهُ توجيهها) من أسْفر وَجهه أَي أشرق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة﴾ أَي مضيئة. (فَللَّه الْحَمد على مَا ألهم) أَي بِغَيْر وَاسِطَة، (وعَلّم) بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ ومجمل الإيرادات على الواردات أَن ابْن الصّلاح قَالَ: إِن ذَلِك الِاخْتِلَاف رَاجِح إِلَى الْإِسْنَاد، فَإِذا رُوى الحَدِيث بِإِسْنَادَيْنِ: أَحدهمَا حسن، وَالْآخر صَحِيح استقام أَن يُقَال: إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح، أَي إِنَّه حسن بِالنِّسْبَةِ [إِلَى إِسْنَاد، صَحِيح بِالنِّسْبَةِ] إِلَى إِسْنَاد آخر على أَنه غير مستنكرٍ أَن يُرَاد بالْحسنِ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَهُوَ مَا يمِيل إِلَيْهِ النَّفس وَلَا يأباه الْقلب دون الْمَعْنى الاصطلاحي الَّذِي نَحن بصدده. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يَردُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الَّتِي قيل فِيهَا: حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَيلْزم عَلَيْهِ أَن يُطلق على الحَدِيث الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ أَنه حسن، ثمَّ أجَاب عَن الاستشسكال الْمَذْكُور بعد رد الجوابين بِأَن الْحسن لَا يشْتَرط فِيهِ الْقُصُور عَن الصِّحَّة إِلَّا حَيْثُ انْفَرد الْحسن، فيراد بالْحسنِ / حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الاصطلاحي.

стр. 198

وَأما أَن الْحسن فِي دَرَجَة الصِّحَّة، فالحسن حَاصِل لَا محَالة تبعا للصِّحَّة لِأَن وجود الدرجَة الْعليا، وَهِي الْحِفْظ، والإتقان لَا يُنَافِي وجود الْمرتبَة الدُّنْيَا، فَيصح أَن يُقَال: حسن بِاعْتِبَار الصّفة الدُّنْيَا، صَحِيح بِاعْتِبَار الصّفة الْعليا. قَالَ: وَيلْزم على هَذَا أَن يكون كل صَحِيح حسنا. قَالَ ابْن المَواقِ: كل صَحِيح عِنْد التِّرْمِذِيّ حسن، وَلَيْسَ كل حسن صَحِيحا. قَالَ ابْن / ٤٦ - ب / سيد النَّاس: قد بَقِي عَلَيْهِ أَنه اشْترط فِي الْحسن أَن يُروى نَحوه من وَجه آخر وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي الصَّحِيح: فَانْتفى أَن يكون كل صَحِيح حسنا، فالأفراد الصَّحِيحَة لَيست [٦٣ - أ] بحسنة عِنْد التِّرْمِذِيّ كَحَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. وَأجَاب عَنهُ الْعِرَاقِيّ: بِأَن التِّرْمِذِيّ يشْتَرط فِي الحَدِيث الْحسن مَجِيئه من وَجه آخر إِذا لم يبلغ مرتبَة الصَّحِيح، فَإِذا بلغَهَا لم يشْتَرط ذَلِك بِدَلِيل قَوْله فِي مَوَاضِع: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب. قَالَ السخاوي: لكنه منتقدٌ من جِهَة أُخْرَى. انْتهى. ووجههُ بِأَنَّهُمَا أَي الْحسن، وَالصَّحِيح متباينان وَلَيْسَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلقًا، فالضبط الَّذِي فِي الْحسن غير الضَّبْط الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام الشَّيْخ على مَا تحرر فِي حَده من التَّصْرِيح.

стр. 199

( [زِيَادَة الثِّقَة] ) (وَزِيَادَة راويهما) وَفِي نُسْخَة: رواتهما، (أَي الصَّحِيح وَالْحسن، مَقْبُولَة) إِذْ لَيْسَ فِيهَا سَبَب الردّ. وأضاف الرَّاوِي إِلَيْهِمَا لِأَن الْكَلَام فِي الثِّقَة، فَزِيَادَة غَيرهمَا بل رُوَاته مُطلقًا غير مَقْبُولَة، (مَا لم تقع) أَي الزِّيَادَة (مُنَافِيَة لرِوَايَة مَن) أَشَارَ فِي الشَّرْح إِلَى تَقْدِير مُضَاف فِي الْمَتْن. (هُوَ أوثق) أَي من راويهما فَمن التفضيلية مقدرَة مَعَ مدخولها وَبَين من بقوله: (مِمَّن لم يذكر تِلْكَ الزِّيَادَة) نُوقِشَ بِأَنَّهُ لَو وَقعت الزِّيَادَة مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ مسَاوٍ لَهُ فِي الوثوق لَا يُقْبل بل يتَوَقَّف فِيهَا مَعَ أَنه يصدق عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لم تقع مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ أوثق، ودُفع بِأَن المُرَاد من قَوْله: مَقْبُولَة، غير مَرْدُودَة قطعا [فَيصدق على مَا وَقعت الزِّيَادَة مُنَافِيَة للمساوي فِي الثِّقَة أَنَّهَا غير مَرْدُودَة قطعا] . وَالْأَظْهَر فِي الْجَواب: أَن التَّوَقُّف يَقْتَضِي عدم الْعَمَل لَا الرَّد أَلا ترى إِلَى مَا سَيَأْتِي من تَقْسِيم المقبول إِلَى معمولٍ بِهِ. وَغير مَعْمُول بِهِ؟

стр. 200

(لِأَن الزِّيَادَة إِمَّا أَن تكون لَا تنَافِي) أَي لَا تَعَارُض (بَينهَا) أَي بَين رِوَايَة من ذكر الزِّيَادَة (وَبَين راوية من لم يذكرهَا، فَهَذِهِ) أَي الزِّيَادَة، (تُقبل مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَت فِي اللَّفْظ، أم فِي الْمَعْنى، تعلق بهَا حكم شَرْعِي، أم لَا، غيرت الحكم الثَّابِت [٦٣ - ب] أم لَا، أوجبت نقصا من أَحْكَام ثبتَتْ بِخَبَر آخر أم لَا، علم اتِّحَاد الْمجْلس أم لَا، كثر الساكتون عَنْهَا أم لَا. ذكره السخاوي. وَزَاد الْعِرَاقِيّ بقوله: سَوَاء كَانَ ذَلِك من شخص واحدٍ بِأَن رَوَاهُ مرّة نَاقِصا وَمرَّة بِتِلْكَ الزِّيَادَة، أَو كَانَت الزِّيَادَة من غير من رَوَاهُ نَاقِصا. (لِأَنَّهَا أَي الزِّيَادَة) حِينَئِذٍ (فِي حكم الحَدِيث المستقل الَّذِي ينْفَرد بِهِ) أَي بروايته (الثِّقَة) أَي الْمُعْتَمد فِي الضَّبْط وَالْعَدَالَة، (وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره) عطف تَفْسِير للتفرد. (وَإِمَّا أَن تكون) أَي الزِّيَادَة، (مُنَافِيَة) / بِأَن تُعارِضَ روايةُ من ذكر الزِّيَادَة رِوَايَة من لم يذكرهَا تَعَارضا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا أصلا (بِحَيْثُ يلْزم من قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة (رد الرِّوَايَة الْأُخْرَى) كَمَا أَنه يلْزم من قبُول الرِّوَايَة الْأُخْرَى رد الزِّيَادَة / ٤٧ - أ / عَلَيْهَا.

стр. 201

(فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يَقع التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين معارضها) [يَعْنِي أَن هَذِه الزِّيَادَة قد يَقع التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين منافيها] . (فَيقبل الرَّاجِح) لكَون راوية أوثق، أَو شَيْء آخر فِيمَا إِذا كَانَت مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ مسَاوٍ. (ويردُ الْمَرْجُوح) سَوَاء كَانَ الْمُرَجح فِي جَانب رَاوِي الزِّيَادَة، أَو غَيره. وَهَذَا إِذا وجد الْمُرَجح، وَأما إِذا لم يُوجد كَمَا إِذا كَانَ زِيَادَة الرَّاوِي مُنَافِيَة رِوَايَة من هُوَ مثله فِي جَمِيع الْجِهَات لَا أدنى مِنْهُ وَلَا أوثق، فَلَا يَقع التَّرْجِيح هُنَاكَ بل يُتَوقف فيهمَا كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سبق. ثمَّ هَذَا الَّذِي حررناه يَشْمَل مَا إِذا كَانَ قَوْله: لِأَن الزِّيَادَة ... إِلَخ تقسيماً للزِّيَادَة، أَو تعليلاً لما فِي الْمَتْن. فَقَوْل تِلْمِيذه: هَذَا تَقْسِيم للزِّيَادَة لَا تَعْلِيل لما وَقع فِي الْمَتْن، هَذَا هُوَ الظَّاهِر من السُّوق، فَإِن اعْتَبرهُ المُصَنّف تعليلاً فَهُوَ أَعم مِمَّا فِي الْمَتْن. انْتهى مناقشة فِي غير مَحَله، فَإِن اعْتِبَار الْأَعَمّ لَا شكّ أَنه أتم، مَعَ أَنه قد تقدم أَن الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى جعل مَتنه وَشَرحه ككتاب واحدٍ بِالضَّمِّ ثمَّ قَول التلميذ: وَكَانَ اللَّائِق بِالتَّعْلِيلِ أَن يَقُول: لِأَن المنافية لرِوَايَة من هُوَ أوثق مُعَارضَة بأرجح، فَلم تقبل وَالَّتِي لم تناف بِمَنْزِلَة حَدِيث مُسْتَقل، وَيفهم مِنْهُ مَا نافى وَلَيْسَ بأوثق أَنه يقدم. انْتهى. غير لَائِق لما تقرر أَنه أَتَى بِعِبَارَة شَامِلَة للتَّعْلِيل وَالزِّيَادَة.

стр. 202

[٦٤ - أ] مَعَ زيادات من الإفادة الدَّالَّة على أَن مَا نافى وَلَيْسَ بأوثق باحتماليه غير مقدم على مَا تحقق. وَأعلم أَن معرفَة زِيَادَة الثِّقَة فن لطيف يستحسن الْعِنَايَة لما يُسْتَفَاد بِالزِّيَادَةِ من الْأَحْكَام، وَتَقْيِيد الْإِطْلَاق وإيضاح الْمعَانِي وَغير ذَلِك، وَإِنَّمَا يُعْرف بِجمع الطّرق الْأَبْوَاب، وَقد كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة لجمعه بَين الْفِقْه والْحَدِيث مشاراً إِلَيْهِ بِحَيْثُ قَالَ تِلْمِيذه ابْن حبَان: مَا رَأَيْت على أَدِيم الأَرْض من يحفظ الصِّحَاح بألفاظها، وَيقوم بِزِيَادَة كل لَفْظَة: زَاد فِي الْخَبَر ثِقَة مَا غَيره، حَتَّى كَأَن السّنَن نُصبَ عَيْنَيْهِ. (واشتهر عَن جمع من الْعلمَاء) أَي جُمْهُور الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيب عَنْهُم. (القَوْل بِقبُول الزِّيَادَة مُطلقًا) أَي على مَا سبق معنى الْإِطْلَاق. (من غير تَفْصِيل) أَي بَين زِيَادَة وَزِيَادَة، وَبَين حكم وَحكم، وَبَين شخص وشخص. وَقيل: لَا يقبل مُطلقًا مِمَّن رَوَاهُ نَاقِصا وَيقبل من غَيره من الثِّقَات لإشعاره بخلل فِي ضَبطه وَحفظه. وَقسمهَا ابْن الصّلاح إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: مَا يَقع مُخَالفا منافياً لما رَوَاهُ سَائِر الثِّقَات، فَهَذَا حكمه الرَّد. الثَّانِي: مَا لَا مُخَالفَة فِيهِ أصلا فيقبَل.

стр. 203

الثَّالِث: مَا يَقع بَين هَاتين المرتبين، وَهِي / ٤٧ - ب / زِيَادَة لَفْظَة فِي الحَدِيث لم يذكرهَا سَائِر رُوَاته كَحَدِيث: " جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا ". تفرد أَبُو مَالك الْأَشْجَعِيّ عَن سَائِر رُوَاته فَقَالَ: " وَجعلت تربَتهَا طهُورا " فَهَذَا الْقسم يشبه الأول لمنافاته لظَاهِر مَا أَتَى بِهِ الْجُمْهُور، وَيُشبه الثَّانِي لكَونه بِالْجمعِ [أَي بالتوفيقٍ] بَينهمَا صَار / كالواحد وَزَالَ التَّنَافِي. انْتهى كَلَام ابْن الصّلاح. وَلم يفصح بِحكم هَذَا الْقسم.

стр. 204

قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّحِيح قبُول هَذَا الْأَخير، يَعْنِي وَهُوَ مَا يُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال مثلا: مُرَاده بالتربة الأَرْض، وَهِي: الصَّعِيد المطابق لِلْآيَةِ والْحَدِيث الْوَارِد فِيهِ بِهَذَا اللَّفْظ الْمُوَافق لمَذْهَب الإِمَام الْأَعْظَم وَمن [٤٦ - ب] تبعه، لَا بِأَن يُقَال: المُرَاد بِالْأَرْضِ التربة كَمَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِي وَأَتْبَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِنَاء على أَن الْمُطلق يُقيد، فَإِن رد رِوَايَة الْمُنْفَرد إِلَى رِوَايَة الْجُمْهُور أولى من عَكسه، مَعَ احْتِمَال أَنه نقل بِالْمَعْنَى، وَاخْتَارَ المُصَنّف تَقْسِيم ابْن الصّلاح وأدرج الثَّالِث فِي الْقسم الأول وَأورد الْإِشْكَال على الْجُمْهُور بقوله: (وَلَا يتأتي ذَلِك) أَي لَا يَسْتَقِيم مَا ذَكرُوهُ من الْإِطْلَاق من غير تَفْصِيل. (على طَرِيق الْمُحدثين) أَي بأجمعهم، أَو الصرحين بالحدود، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: (الَّذين يشترطون فِي الصَّحِيح أَن لَا يكون) أَي الحَدِيث أَو رَاوِيه. (شاذا) فَإِنَّهُ على تَقْدِير قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا يلْزم رد الصَّحِيح مَعَ أَن الْمُحدثين يعْرفُونَ بِهِ الصَّحِيح. (ثمَّ يفسرون الشذوذ بمخالفة الثِّقَة من هُوَ أوثق مِنْهُ) فِيهِ أَن مُطلق الشذوذ لَيْسَ منافيا للصِّحَّة كَمَا سبق إِلَيْهِ الْإِشَارَة. قيل مُجَرّد اشْتِرَاط عدم الشذوذ الْمُفَسّر

стр. 205

بِمَا ذكر فِي الصَّحِيح لَا يُنَافِي قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا لعدم انحصار المقبول فِي الصَّحِيح بل مِنْهُ الْحسن، وَإِنَّمَا الْمنَافِي لَهُ اشْتِرَاطه فِي الصَّحِيح وَالْحسن جَمِيعًا. وَأجِيب بِأَن اشْتِرَاطه فِي الْحسن أَيْضا مُرَاده يدل عَلَيْهِ قَوْله الْآتِي: وَكَذَا الْحسن. وَفِي حَاشِيَة التلميذ عِنْد قَوْله: وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك ... الخ قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: لِأَن الْمُخَالفَة تصدق على زِيَادَة لَا تنافيها فَلَا يحسن الْإِطْلَاق وَلَيْسَ فِي الشاذ مَا يُخَالف، فَلذَلِك قيدت بِقَوْلِي: مَا لم يَقع منافيه، قلت: لَيْسَ فِي هَذَا زِيَادَة فَائِدَة وَمَا فِي الشَّرْح غَنِي عَن هَذَا. انْتهى. (وَالْعجب مِمَّن أغفل ذَلِك) أَي الشَّرْط الَّذِي ذكره المحدثون فِي الصَّحِيح أَن لَا يكون شاذا بِأَن أهمله وَلم يذكرهُ. يُقَال: أغفل الشَّيْء إِذا تَركه على ذكر مِنْهُ، كَذَا فِي " شمس الْعُلُوم "، فَلَا يرد أَنه لَا مُؤَاخذَة على الْغَفْلَة. (مِنْهُم) أَي من الْمُحدثين [٦٥ - أ] بَيَان لمن أغفل، وغفل شَارِح هُنَا عَن الْمَعْنى المُرَاد بذلك فَقَالَ: أَي ترك قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا. انْتهى. ويبطله قَول الشَّيْخ: (مَعَ اعترافه) أَي الْمُغَفَّل مِنْهُم فِي مَوضِع آخر. (بِاشْتِرَاط انْتِفَاء الشذوذ فِي [حد] الحَدِيث الصَّحِيح) أَي تَعْرِيفه.

стр. 206

(وَكَذَا) وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: وَكَذَلِكَ. (الْحسن) بِالْجَرِّ على أَنه عطف على الصَّحِيح، وبالرفع وَهُوَ الصَّحِيح على أَنه مُبْتَدأ قدم خَبره. أَي وحد الْحسن مَشْرُوط بِانْتِفَاء الشذوذ كانتفائه فِي حد الصَّحِيح. قَالَ التلميذ: قَالَ المُصَنّف: أَعَادَهُ أَي الصَّحِيح لأجل ذكر الْحسن فَإِنَّهُ أولى أَن يشْتَرط فِي الصَّحِيح. انْتهى. وَحَاصِل الْكَلَام: أَن الملائم لمَذْهَب من يَقُول بِالزِّيَادَةِ مُطلقًا مَعَ اعترافه بِاشْتِرَاط انتقاء الشذوذ مُطلقًا أَن يفصل أَو يفضل. (وَالْمَنْقُول عَن أَئِمَّة الحَدِيث الْمُتَقَدِّمين، كَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي) بِفَتْح الْمِيم، وَسُكُون الْهَاء، وَتَشْديد / التَّحْتِيَّة. (وَيحيى الْقطَّان) بِفَتْح الْقَاف، وَتَشْديد الطَّاء. (وَأحمد بن حَنْبَل، وَيحيى بن معِين) بِفَتْح مِيم، وَكسر عين. (وَعلي بن الْمَدِينِيّ) بِكَسْر الدَّال، بعْدهَا يَاء سَاكِنة، مَنْسُوب إِلَى الْمَدِينَة المطهرة على الصَّحِيح. (وَالْبُخَارِيّ، وَأبي زرْعَة) بِضَم زَاي، وَسُكُون رَاء، الرَّازِيّ. (وَأبي حَاتِم) بِكَسْر الْفَوْقِيَّة، والعوام يفتحونها.

стр. 207

(وَالنَّسَائِيّ) بِالْمدِّ وَالْقصر مَنْسُوب إِلَى نسا، بِفَتْح النُّون، والأعجام يكسرونها، بلد مَشْهُور فِي خُرَاسَان. (وَالدَّارَقُطْنِيّ) بِفَتْح الرَّاء، وَضم الْقَاف، وَسُكُون الطَّاء نِسْبَة إِلَى محلّة بِبَغْدَاد. (وَغَيرهم) أَي غير الْمَذْكُورين الْمُسْتَفَاد من قَوْله: كَعبد الرَّحْمَن، فَهُوَ للتأكد، أَو الْمُغَايرَة بِاعْتِبَار أَن غَيرهم لَيْسُوا فِي مرتبتهم كَمَا قيل فِي قَول الصرفيين: من نَحْو حسب يحْسب وأخواته. (اعْتِبَار التَّرْجِيح) بِالرَّفْع على أَنه خبر الْمَنْقُول، وَالْجُمْلَة حَالية. (فِيمَا يتَعَلَّق) يتَعَلَّق بِالِاعْتِبَارِ [٦٥ - ب] ، أَو التَّرْجِيح أَي فِي حكم يتَعَلَّق. (بِالزِّيَادَةِ) أَي إِذا كَانَت مُنَافِيَة. (وَغَيرهَا) مِمَّا يُعَارض كَمَا سبق. (وَلَا يعرف) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول، وَضَمنَهُ معنى النَّقْل أَي وَلَا ينْقل. (عَن أحد مِنْهُم إِطْلَاق قبُول الزِّيَادَة) أَي لَو سمع مِنْهُم لنقل عَنْهُم، وَفِيه من اللطافة أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، فَإِن الْإِطْلَاق أَمر زَائِد على التَّقْيِيد الَّذِي هُوَ اعْتِبَار التَّرْجِيح.

стр. 208

(وأعجب من ذَلِك) أَي من ذَلِك الْعجب. (إِطْلَاق كثير من الشَّافِعِيَّة) أَي التَّابِعين للشَّافِعِيّ الْمَنْسُوب إِلَى جده شَافِع، (القَوْل:) بِالنّصب. (بِقبُول زِيَادَة الثِّقَة) المنافية لتفسير الْمُحدثين الشذوذ بمخالفة الثِّقَة من هُوَ أوثق، اللَّازِم مِنْهُ أَنه لَا يقبل زِيَادَة هَذَا الْفَرد من الثِّقَة. (مَعَ أَن نَص الشَّافِعِي يدل على غير ذَلِك) أَي على عدم إِطْلَاق القَوْل بقبولها. قيل: وَجه الأعجبية أَن فِي كَلَام الشَّافِعِي وجد التَّصْرِيح، وَهُنَاكَ لم يُصَرح بِهِ، بل لزم مِمَّا اعْترف بِهِ. قَالَ التلميذ: لَيْسَ هَذَا مَحل مَا ذكره إمَامهمْ، لِأَنَّهُ فِيمَن يختبر ضَبطه، وَكَلَامهم فِي الثِّقَة، وَهُوَ عِنْدهم الْعدْل الضَّابِط فَلَا تعجب (فَإِنَّهُ) أَي الشَّافِعِي / ٤٨ - ب / رَحمَه الله تَعَالَى (قَالَ فِي أثْنَاء كَلَام هعلى مَا يعْتَبر بِهِ حَال الرَّاوِي) على مُتَعَلق بِكَلَامِهِ (فِي الضَّبْط) مُتَعَلق ب: يعْتَبر. (مَا نَصه:) بِالرَّفْع أَي مَا هُوَ كَلَام الشَّافِعِي بِلَفْظِهِ، أَو مَا هَذَا نَصه، وَهُوَ تَأْكِيد لما سبق وَهُوَ مقول قَالَ، وَمَا بعده بدل عَنهُ، وَفَائِدَته أَن لَا يتَوَهَّم أَنه نقل بِالْمَعْنَى. وَقَالَ محش: كلمة مَا فِي: مَا نَصه، مفعول قَالَ، وَنَصه مُبْتَدأ وَخَبره مَا بعده أَي قَوْله: وَيكون ... الخ. وَالْجُمْلَة صلَة مَا أَو صفة.

стр. 209

وَالْمعْنَى: أَن الشَّافِعِي قَالَ كلَاما نَصه وَمَعْنَاهُ الْقطعِي قَوْلنَا: وَيكون ... الخ. وعَلى هَذَا فالمنقول لَيْسَ عبارَة الشَّافِعِي بل محصلها، وَإِن حمل على أَنه عِبَارَته لَا يَخْلُو الْكَلَام من اسْتِدْرَاك. وَهُوَ قَوْله: مَا نَصه [٦٦ - أ] بل الأولى تَركه لإيهام خلاف الْمَقْصُود. قلت: وَفِيه انه كَانَ يفوت الْمَقْصُود كَمَا قدمْنَاهُ مَعَ أَنه لَو لم يقل: مَا نَصه، لَكَانَ نَصه لقَوْله السَّابِق: مَعَ / أَن نَص الشَّافِعِي، وَلقَوْله اللَّاحِق. انْتهى كَلَامه، فَتدبر وَتَأمل. وَالْحَاصِل: أَن الإِمَام قَالَ: (وَيكون) أَي الرَّاوِي (إِذا شرك) بِكَسْر الرَّاء، (أحدا من الْحفاظ لم يُخَالِفهُ) أَي حَقه أَن لَا يُخَالِفهُ الرَّاوِي لَا بِالزِّيَادَةِ وَلَا بِالنُّقْصَانِ. وَقيل: مَعْنَاهُ إِذا شركه لم يكن مُخَالفا لَهُ إِذْ المُرَاد بِالشّركَةِ هِيَ الشّركَة فِي التَّمام. (فَإِن خَالفه) أَي الرَّاوِي حَافِظًا وَلم يراع مَا هُوَ حَقه [بل خَالفه] بعد شركته فِي أصل الرِّوَايَة، فالمخالفة بِالنُّقْصَانِ مَقْبُولَة، وبالزيادة مَرْدُودَة، وَهَذَا معنى قَوْله: (فَوجدَ) بِالْفَاءِ التعقيبية، أَو التفصيلية (حَدِيثه) أَي الرَّاوِي (أنقص) أَي من رِوَايَة الْحَافِظ (كَانَ فِي ذَلِك) أَي وجدان الْمُخَالفَة بِالنُّقْصَانِ. (دَلِيل على صِحَة مخرج حَدِيثه) بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء، أَي خُرُوجه وظهوره، أَو

стр. 210

سَنَد. وَضبط فِي بعض الشُّرُوح بِضَم الْمِيم، وَتَشْديد الرَّاء، وَفَسرهُ بالراوي. وَفِيه أَن الحكم عَام والمخرج خَاص كالبخاري وَنَحْوه من المصنفين مَعَ أَنه لَا يُقَال: دَال على صِحَة الرَّاوِي، وَإِنَّمَا كَانَ النَّقْص دَلِيلا على صِحَة حَدِيثه لاحتياط فِي رِوَايَته. قيل: هَذَا إِذا لم يكن النُّقْصَان منافيا لما رَوَاهُ الْحَافِظ، وَأما إِذا كَانَ منافيا لما رَوَاهُ الْحَافِظ ومخلا لمقصود الْحَافِظ فَيضر ذَلِك بحَديثه. (وَمَتى خَالف) أَي الرَّاوِي، (مَا وصفت) أَي مَا ذكرته من وجدان حَدِيثه أنقص بِأَن يكون زَائِدا، وَكَذَا مَا يكون نَاقِصا كَمَا سبق. وَيُشِير إِلَيْهِ قَول الشَّيْخ فِيمَا بعد: فَدخلت ... الخ، فَإِنَّهُ يدل على أَن المضر لَيْسَ منحصرا فِي الزِّيَادَة. (أضرّ ذَلِك) أَي مَا ذكره من الْمُخَالفَة بِالزِّيَادَةِ. (بحَديثه) وَفِيه أَنه يُوهم أَن الزِّيَادَة على الْحَافِظ مُطلقًا غير مَقْبُولَة، مَعَ أَن المضر إِنَّمَا هُوَ الزَّائِد الْمنَافِي للأوثق. [٦٦ - ب] (انْتهى كَلَامه) . قيل حَاصِل كَلَامه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن الْعدْل الَّذِي لم يعرف ضَبطه إِذا عرض حَدِيثه على حَدِيث من شَاركهُ من الْحفاظ فَلم يُخَالِفهُ كَانَ ضابطا وَتبين أَنه ثِقَة، لِأَنَّهُ جمع مَعَ الْعَدَالَة / ٤٩ - أ / الضَّبْط، وَإِن خَالف تبين أَنه غير ضَابِط، فَلَيْسَ بِثِقَة لِأَن توهيمه أولى من توهيم الْحفاظ. وَإِذا كَانَ كَلَامه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِيمَا لم يعرف ضَبطه فَلَا يُنَافِيهِ إِطْلَاق أَصْحَابه قبُول

стр. 211

زِيَادَة الثِّقَة وَالله أعلم. (وَمُقْتَضَاهُ) أَي مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الإِمَام، (أَنه) أَي الرَّاوِي، (إِذا خَالف) أَي أحدا من الْحفاظ، (فَوجدَ حَدِيثه) أَي حَدِيث الرَّاوِي، (أَزِيد) أَي من حَدِيث الْحَافِظ، (أضرّ ذَلِك) أَي وجدان الْمُخَالفَة بِالزِّيَادَةِ (بحَديثه) أَي بِحَدِيث الرَّاوِي، (فَدلَّ) أَي كَلَام الإِمَام، (على أَن زِيَادَة الْعدْل عِنْده) أَي فِي مذْهبه. (لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا) وَفِيه أَنه بِإِطْلَاقِهِ يُنَافِي مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخ من أَن الزِّيَادَة مَقْبُولَة مَا لم تقع مُنَافِيَة لمن هُوَ أوثق. وَيُخَالف الْقَاعِدَة الْمَشْهُورَة من أَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي، فَكيف على السَّاكِت؟ فَإِن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. (وَإِنَّمَا تقبل من الْحَافِظ) يَعْنِي يشْتَرط فِي / قبُول الزِّيَادَة كَون من رَوَاهُ حَافِظًا. قَالَ الْعِرَاقِيّ: شَرط أَبُو بكر الصَّيْرَفِي من الشَّافِعِيَّة، وَكَذَا الْخَطِيب فِي قبُول الزِّيَادَة كَون من رَوَاهَا حَافِظًا. انْتهى. وَهَذَا لَا يُنَافِي إِطْلَاق أَصْحَاب القَوْل بِقبُول الزِّيَادَة، فَإِن الْخلاف عِنْدهم فِي [قبُول] زِيَادَة من لم يعرف بِالْحِفْظِ، وَأما من عرف بِالْحِفْظِ، وَهُوَ المُرَاد بِكَوْنِهِ ثِقَة أَي عدلا ضابطا، فَلَا خلاف عِنْدهم فِي

стр. 212

قبُول زِيَادَته مَعَ احْتِمَال الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ لَا يُخَالف من هُوَ أوثق مِنْهُ، وَهَذَا مَا سنح ببالي وَالله أعلم بحالي وَمَالِي. قَالَ محش: فَإِن قلت: كَيفَ جعله من مَدْلُول كَلَام الشَّافِعِي مَعَ أَنه لم يذكرهُ؟ وَكَيف جعله فصلا بَين الدَّلِيل [٧٦ - أ] ومدعاة؟ قلت: هُوَ من مَدْلُوله بِاعْتِبَار أَنه لما خص الضَّرَر بمخالفة الرَّاوِي لِلْحَافِظِ، [فقد] دلّ على أَن زِيَادَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. فَإِن قلت: إِن كَانَ المُرَاد أَن الزِّيَادَة مُطلقًا تقبل من الْحَافِظ، يرد عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الْحَافِظ إِذا كَانَت مُنَافِيَة لحافظ آخر يلْزم أَن لَا تقبل؟ وَإِن أَرَادَ أَن يقبل فِي الْجُمْلَة من الْحَافِظ، يرد عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الثِّقَة على ثِقَة [آخر] دونهَا مَقْبُولَة، فَلَا يَسْتَقِيم الْحصْر؟ قلت: يُمكن المُرَاد من حصر قبُول الزِّيَادَة حصر عدم ردهَا عَلَيْهِ، لَكِن هَذَا الْجَواب إِنَّمَا يتم إِذا أَدعِي أَن حَافِظًا لَا يكون أوثق من حَافظ مَعَ أَنه يتَفَاوَت حَال الْحفاظ، وَالزِّيَادَة المنافية من الْمَرْجُوح مَرْدُودَة. (فَإِنَّهُ) أَي الشَّافِعِي، وَهُوَ دَلِيل لقَوْله: لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا. (اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه من الْحفاظ) الظَّاهِر أَن [من] بَيَان من، وَفِيه أَن هَذَا ميل من الشَّيْخ إِلَى مذْهبه من التَّقْيِيد فِي الْمُخَالفَة الْمَرْدُودَة بالأوثق، وَإِلَّا فَلَا دلَالَة فِي كَلَام الشَّافِعِي على / ٤٩ - ب / ذَلِك، بل قَوْله: إِذا شرك أحدا من الْحفاظ صَرِيح على خِلَافه! فَيتَعَيَّن أَن تكون من تبعيضية.

стр. 213

(وَجعل) أَي الشَّافِعِي ﵁ (نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته) أَي صِحَة حَدِيثه، وَكَمَال ضَبطه، (لِأَنَّهُ) أَي نُقْصَان حَدِيثه. (يدل على تحريه) بتَشْديد الرَّاء، أَي طلبه الأولى والأحرى. قَالَ تِلْمِيذه: لم [لَا] يجوز أَن يكون نقصانه عَن الْحَافِظ دَلِيلا على نُقْصَان حفظه؟ انْتهى. وَالْجَوَاب: إِن هَذَا فِيمَن لم يعرف بِالْحِفْظِ فَإِنَّهُ لما نقص من الحَدِيث علم أَنه تحرى واجتهد، فَيكون نقصانه بِالِاجْتِهَادِ فَيقبل، فَلَا يُخَالف قَوْلهم: من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، أَي من حفظ [من] الْحفاظ المعروفين بِالْحِفْظِ، أَو فِيمَن خَالف من هُوَ أَثِق مِنْهُ. (وَجعل) أَي الشَّافِعِي (مَا عدا ذَلِك) [٦٧ - ب] أَي النُّقْصَان (مضرا بحَديثه فَدخلت فِيهِ) أَي فِي مَا عدا ذَلِك (الزِّيَادَة) وَإِنَّمَا قَالَ: دخلت الزِّيَادَة لِأَن النُّقْصَان أَيْضا يكون مضرا كَمَا ذكر، (فَلَو كَانَت) أَي الزِّيَادَة (عِنْده) أَي عِنْد الشَّافِعِي، (مَقْبُولَة مُطلقًا) أَي أَعم من أَن يكون الرَّاوِي مُخَالفا لِلْحَافِظِ، أَو لمن هُوَ أوثق، أَو لمثله، علم ضَبطه، أَو لَا، (لم تكن) أَي الزِّيَادَة [الْمَذْكُورَة] ، (مضرَّة بِحَدِيث صَاحبهَا) بجعلها دَالَّة على ضعف مخرج حَدِيثه. (وَالله / سُبْحَانَهُ أعلم) قَالَ تِلْمِيذه: إِذا حمل كَلَام الإِمَام على مَا نَحن فِيهِ

стр. 214

فَظَاهره قبُول منع الزِّيَادَة مُطلقًا، لَا على التَّفْصِيل الْمَذْكُور. ويتبادر من سوق الْكَلَام فِي قَوْله: زِيَادَة راويهما إِلَى هُنَا، أَن الْمُخَالفَة من حَيْثُ الزِّيَادَة أَن يزِيد الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، أَو يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة. وَالْوَاقِع أَن المُرَاد مُجَرّد الْمُخَالفَة. انْتهى. وَالظَّاهِر: أَن كَلَام الإِمَام يدل على نوع الثَّانِي، وَهُوَ أَن يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة، وَيفهم مِنْهُ مُخَالفَة الأوثق بِالْأولَى، وَيخرج مِنْهُ مُخَالفَة الثِّقَة للثقة، فَمن أطلق قبُول زِيَادَة الثِّقَة فقد خَالف الإِمَام، وَكَذَا من قَيده بالنوع الأول فَتَأمل، فَإِنَّهُ مَوضِع زلل. ( [الْمَحْفُوظ والشاذ] ) (فَإِن خُولِفَ) أَي الرَّاوِي - وَالْمرَاد رَاوِي الصَّحِيح وَالْحسن - بِالزِّيَادَةِ، أَو النَّقْص فِي السَّنَد، أَو الْمَتْن على مَا ذكره السخاوي. (بأرجح) أَي بِسَبَب وجود راو أرجح حَالَة الْمُخَالفَة. (مِنْهُ) أَي من الرَّاوِي الْمُخَالف الْمَرْجُوح، فَخرج الْمسَاوِي لما فِيهِ من التَّوَقُّف. (لمزيد ضبط) مُتَعَلق ب: أرجح. (أَو كَثْرَة عدد) وَإِن [كَانَ] كل مِنْهُم دونه فِي الْحِفْظ والإتقان، لِأَن الْعدَد الْكثير أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد. وتطرق الْخَطَأ للْوَاحِد أَكثر مِنْهُ للْجَمَاعَة.

стр. 215

(أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات) الَّتِي سَيَأْتِي ذكرهَا وَمن جُمْلَتهَا: فقه الرَّاوِي، وعلو سَنَده، وَكَونه فِي كتاب تَلقاهُ الْأمة بِالْقبُولِ [٦٨ - أ] للتلازم. (فالراجح) / ٥٠ - أ / أَي من الْمُحدثين المتخالفين، (يُقَال لَهُ:) أَي فِي عرف الْمُحدثين، (الْمَحْفُوظ) لِأَن الْغَالِب أَنه مَحْفُوظ عَن الْخَطَأ، (وَمُقَابِله) بِكَسْر الْبَاء أَي نقيضه، (وَهُوَ الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ: الشاذ) لِأَنَّهُ انْفَرد عَن رِوَايَة بَقِيَّة الروَاة، وَبعد عَن أَسبَاب التَّرْجِيح. (مِثَال ذَلِك:) أَي مِثَال الشذوذ فِي السَّنَد. (مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة) بِضَم
следующие страницы →