← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

زِيَادَة الثِّقَة وَالله أعلم. (وَمُقْتَضَاهُ) أَي مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الإِمَام، (أَنه) أَي الرَّاوِي، (إِذا خَالف) أَي أحدا من الْحفاظ، (فَوجدَ حَدِيثه) أَي حَدِيث الرَّاوِي، (أَزِيد) أَي من حَدِيث الْحَافِظ، (أضرّ ذَلِك) أَي وجدان الْمُخَالفَة بِالزِّيَادَةِ (بحَديثه) أَي بِحَدِيث الرَّاوِي، (فَدلَّ) أَي كَلَام الإِمَام، (على أَن زِيَادَة الْعدْل عِنْده) أَي فِي مذْهبه. (لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا) وَفِيه أَنه بِإِطْلَاقِهِ يُنَافِي مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخ من أَن الزِّيَادَة مَقْبُولَة مَا لم تقع مُنَافِيَة لمن هُوَ أوثق. وَيُخَالف الْقَاعِدَة الْمَشْهُورَة من أَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي، فَكيف على السَّاكِت؟ فَإِن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. (وَإِنَّمَا تقبل من الْحَافِظ) يَعْنِي يشْتَرط فِي / قبُول الزِّيَادَة كَون من رَوَاهُ حَافِظًا. قَالَ الْعِرَاقِيّ: شَرط أَبُو بكر الصَّيْرَفِي من الشَّافِعِيَّة، وَكَذَا الْخَطِيب فِي قبُول الزِّيَادَة كَون من رَوَاهَا حَافِظًا. انْتهى. وَهَذَا لَا يُنَافِي إِطْلَاق أَصْحَاب القَوْل بِقبُول الزِّيَادَة، فَإِن الْخلاف عِنْدهم فِي [قبُول] زِيَادَة من لم يعرف بِالْحِفْظِ، وَأما من عرف بِالْحِفْظِ، وَهُوَ المُرَاد بِكَوْنِهِ ثِقَة أَي عدلا ضابطا، فَلَا خلاف عِنْدهم فِي

стр. 212

قبُول زِيَادَته مَعَ احْتِمَال الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ لَا يُخَالف من هُوَ أوثق مِنْهُ، وَهَذَا مَا سنح ببالي وَالله أعلم بحالي وَمَالِي. قَالَ محش: فَإِن قلت: كَيفَ جعله من مَدْلُول كَلَام الشَّافِعِي مَعَ أَنه لم يذكرهُ؟ وَكَيف جعله فصلا بَين الدَّلِيل [٧٦ - أ] ومدعاة؟ قلت: هُوَ من مَدْلُوله بِاعْتِبَار أَنه لما خص الضَّرَر بمخالفة الرَّاوِي لِلْحَافِظِ، [فقد] دلّ على أَن زِيَادَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. فَإِن قلت: إِن كَانَ المُرَاد أَن الزِّيَادَة مُطلقًا تقبل من الْحَافِظ، يرد عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الْحَافِظ إِذا كَانَت مُنَافِيَة لحافظ آخر يلْزم أَن لَا تقبل؟ وَإِن أَرَادَ أَن يقبل فِي الْجُمْلَة من الْحَافِظ، يرد عَلَيْهِ أَن زِيَادَة الثِّقَة على ثِقَة [آخر] دونهَا مَقْبُولَة، فَلَا يَسْتَقِيم الْحصْر؟ قلت: يُمكن المُرَاد من حصر قبُول الزِّيَادَة حصر عدم ردهَا عَلَيْهِ، لَكِن هَذَا الْجَواب إِنَّمَا يتم إِذا أَدعِي أَن حَافِظًا لَا يكون أوثق من حَافظ مَعَ أَنه يتَفَاوَت حَال الْحفاظ، وَالزِّيَادَة المنافية من الْمَرْجُوح مَرْدُودَة. (فَإِنَّهُ) أَي الشَّافِعِي، وَهُوَ دَلِيل لقَوْله: لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا. (اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه من الْحفاظ) الظَّاهِر أَن [من] بَيَان من، وَفِيه أَن هَذَا ميل من الشَّيْخ إِلَى مذْهبه من التَّقْيِيد فِي الْمُخَالفَة الْمَرْدُودَة بالأوثق، وَإِلَّا فَلَا دلَالَة فِي كَلَام الشَّافِعِي على / ٤٩ - ب / ذَلِك، بل قَوْله: إِذا شرك أحدا من الْحفاظ صَرِيح على خِلَافه! فَيتَعَيَّن أَن تكون من تبعيضية.

стр. 213

(وَجعل) أَي الشَّافِعِي ﵁ (نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته) أَي صِحَة حَدِيثه، وَكَمَال ضَبطه، (لِأَنَّهُ) أَي نُقْصَان حَدِيثه. (يدل على تحريه) بتَشْديد الرَّاء، أَي طلبه الأولى والأحرى. قَالَ تِلْمِيذه: لم [لَا] يجوز أَن يكون نقصانه عَن الْحَافِظ دَلِيلا على نُقْصَان حفظه؟ انْتهى. وَالْجَوَاب: إِن هَذَا فِيمَن لم يعرف بِالْحِفْظِ فَإِنَّهُ لما نقص من الحَدِيث علم أَنه تحرى واجتهد، فَيكون نقصانه بِالِاجْتِهَادِ فَيقبل، فَلَا يُخَالف قَوْلهم: من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، أَي من حفظ [من] الْحفاظ المعروفين بِالْحِفْظِ، أَو فِيمَن خَالف من هُوَ أَثِق مِنْهُ. (وَجعل) أَي الشَّافِعِي (مَا عدا ذَلِك) [٦٧ - ب] أَي النُّقْصَان (مضرا بحَديثه فَدخلت فِيهِ) أَي فِي مَا عدا ذَلِك (الزِّيَادَة) وَإِنَّمَا قَالَ: دخلت الزِّيَادَة لِأَن النُّقْصَان أَيْضا يكون مضرا كَمَا ذكر، (فَلَو كَانَت) أَي الزِّيَادَة (عِنْده) أَي عِنْد الشَّافِعِي، (مَقْبُولَة مُطلقًا) أَي أَعم من أَن يكون الرَّاوِي مُخَالفا لِلْحَافِظِ، أَو لمن هُوَ أوثق، أَو لمثله، علم ضَبطه، أَو لَا، (لم تكن) أَي الزِّيَادَة [الْمَذْكُورَة] ، (مضرَّة بِحَدِيث صَاحبهَا) بجعلها دَالَّة على ضعف مخرج حَدِيثه. (وَالله / سُبْحَانَهُ أعلم) قَالَ تِلْمِيذه: إِذا حمل كَلَام الإِمَام على مَا نَحن فِيهِ

стр. 214

فَظَاهره قبُول منع الزِّيَادَة مُطلقًا، لَا على التَّفْصِيل الْمَذْكُور. ويتبادر من سوق الْكَلَام فِي قَوْله: زِيَادَة راويهما إِلَى هُنَا، أَن الْمُخَالفَة من حَيْثُ الزِّيَادَة أَن يزِيد الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، أَو يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة. وَالْوَاقِع أَن المُرَاد مُجَرّد الْمُخَالفَة. انْتهى. وَالظَّاهِر: أَن كَلَام الإِمَام يدل على نوع الثَّانِي، وَهُوَ أَن يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة، وَيفهم مِنْهُ مُخَالفَة الأوثق بِالْأولَى، وَيخرج مِنْهُ مُخَالفَة الثِّقَة للثقة، فَمن أطلق قبُول زِيَادَة الثِّقَة فقد خَالف الإِمَام، وَكَذَا من قَيده بالنوع الأول فَتَأمل، فَإِنَّهُ مَوضِع زلل. ( [الْمَحْفُوظ والشاذ] ) (فَإِن خُولِفَ) أَي الرَّاوِي - وَالْمرَاد رَاوِي الصَّحِيح وَالْحسن - بِالزِّيَادَةِ، أَو النَّقْص فِي السَّنَد، أَو الْمَتْن على مَا ذكره السخاوي. (بأرجح) أَي بِسَبَب وجود راو أرجح حَالَة الْمُخَالفَة. (مِنْهُ) أَي من الرَّاوِي الْمُخَالف الْمَرْجُوح، فَخرج الْمسَاوِي لما فِيهِ من التَّوَقُّف. (لمزيد ضبط) مُتَعَلق ب: أرجح. (أَو كَثْرَة عدد) وَإِن [كَانَ] كل مِنْهُم دونه فِي الْحِفْظ والإتقان، لِأَن الْعدَد الْكثير أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد. وتطرق الْخَطَأ للْوَاحِد أَكثر مِنْهُ للْجَمَاعَة.

стр. 215

(أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات) الَّتِي سَيَأْتِي ذكرهَا وَمن جُمْلَتهَا: فقه الرَّاوِي، وعلو سَنَده، وَكَونه فِي كتاب تَلقاهُ الْأمة بِالْقبُولِ [٦٨ - أ] للتلازم. (فالراجح) / ٥٠ - أ / أَي من الْمُحدثين المتخالفين، (يُقَال لَهُ:) أَي فِي عرف الْمُحدثين، (الْمَحْفُوظ) لِأَن الْغَالِب أَنه مَحْفُوظ عَن الْخَطَأ، (وَمُقَابِله) بِكَسْر الْبَاء أَي نقيضه، (وَهُوَ الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ: الشاذ) لِأَنَّهُ انْفَرد عَن رِوَايَة بَقِيَّة الروَاة، وَبعد عَن أَسبَاب التَّرْجِيح. (مِثَال ذَلِك:) أَي مِثَال الشذوذ فِي السَّنَد. (مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة) بِضَم

стр. 216

الْعين، وَفتح التَّحْتِيَّة الأولى، وَهُوَ سُفْيَان، وَكَانَ إِمَامًا جَلِيلًا، وَدفن بالمعلى. (عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة) بِفَتْح مُهْملَة وَسُكُون وَاو، وَفتح مُهْملَة، وجيم، (عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن رجلا توفّي) بِضَمَّتَيْنِ، وَتَشْديد الْفَاء الْمَكْسُورَة، وَفتح التَّحْتِيَّة أَي مَاتَ (على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ،) أَي فِي زَمَانه، (وَلم يدع) أَي وَلم يتْرك (وَارِثا إِلَى مولى) أَي معتقا بِالْفَتْح (وَهُوَ) أَي الرجل (أعْتقهُ) أَي ذَلِك الْمولى، [وَترك] مَالا. (الحَدِيث) يجوز إعرابه مثلثا. وَتَمَامه: فَقَالَ [ ﷺ ] : " هَل لَهُ أحد؟ " قَالُوا: لَا إِلَّا غُلَاما [كَانَ] اعتقه، فَجعل [ ﷺ ] مِيرَاثه لَهُ، كَذَا فِي فَرَائض الْمشكاة. (وتابع ابْن عُيَيْنَة) بِالنّصب على أَنه مفعول مقدم (على وَصله) أَي وصل هَذَا الحَدِيث إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ (ابْن جريج) بالجيمين مُصَغرًا. وَرفع ابْن على أَنه فَاعل (وَغَيره) عطف عَلَيْهِ، (وَخَالفهُم) أَي أبن عُيَيْنَة، وَابْن جريج، وَغَيره (حَمَّاد بن زيد /، فَرَوَاهُ) أَي مُرْسلا.

стр. 217

(عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن عَوْسَجَة، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس ﵄. قَالَ أَبُو حَاتِم: الْمَحْفُوظ حَدِيث ابْن عُيَيْنَة) [يفهم مِنْهُ أَن الحَدِيث يُطلق على مَجْمُوع كَلَام الرَّاوِي الْمركب من الروَاة وَكَلَامه [ ﷺ ]] . (انْتهى) أَي كَلَامه كَمَا فِي نُسْخَة، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى أبي حَاتِم. (فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط، وَمَعَ ذَلِك رجح أَبُو حَاتِم رِوَايَة من) مَوْصُولَة صلتها (هُوَ) أفرد [٦٨ - ب] . بِاعْتِبَار لفظ من. وَفِي نُسْخَة: من هم رِعَايَة لِمَعْنى من، وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره: (أَكثر عددا مِنْهُ) أَي من حَمَّاد. وَقَالَ التلميذ: الأولى فِي الْمِثَال أَن يكون: بمتن خَالف فِيهِ الثِّقَة غَيره، لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع من الشذوذ وَنَحْوهَا إِنَّمَا هِيَ وَاقعَة بِالذَّاتِ على الْمَتْن لما فِيهِ، أَو فِي طَرِيقه مَا يقتضيها. انْتهى. وَيُمكن دَفعه بِأَن تعدد الْمِثَال [غير] لَازم [وَبِأَنَّهُ من بَاب الِاكْتِفَاء] ،

стр. 218

وَبِأَنَّهُ إِذا كَانَت الْمُخَالفَة فِي السَّنَد، فَهَذَا حكمه، فَكيف إِذا كَانَ فِي الْمَتْن؟ وَبِأَن الْمُخَالفَة فِي الْمَتْن نادرة، وَبِأَن يُدْرِكهَا كل أحد، وبأنها فهمت من بحث زِيَادَة الثِّقَة. ثمَّ مِثَاله فِي الْمَتْن: زِيَادَة " يَوْم عَرَفَة " فِي حَدِيث: " أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب " فَإِن الحَدِيث من جَمِيع طرقه / ٥٠ - ب / بِدُونِهَا. وَإِنَّمَا جَاءَ بهَا مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح، عَن أَبِيه، عَن عقبَة بن عَامر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَحَادِيث إِذا كثرت كَانَت أثبت من الْوَاحِد الشاذ، وَقد يهم الْحَافِظ أَحْيَانًا، على أَنه قد صحّح حَدِيث مُوسَى ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ: إِنَّه على شَرط مُسلم. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حسن صَحِيح. قلت: لَعَلَّهُم غفلوا عَن شذوذ الْمَتْن ونظروا إِلَى الْإِسْنَاد فَقَط فحكموا عَلَيْهِ بِمَا حكمُوا. وَمثل ذَا يَقع كثيرا من أهل الْعَرَبيَّة أَنهم يأْتونَ بِوَجْه صَحِيح من الْإِعْرَاب لكنه إِذا لوحظ الْمَعْنى تبين أَنه على خلاف الصَّوَاب.

стр. 219

وَقَالَ السخاوي: وَكَأن ذَلِك لِأَنَّهَا زِيَادَة ثِقَة غير مُنَافِيَة لِإِمْكَان حملهَا على حاضري عَرَفَة. انْتهى. وَيرد إِن الصَّوْم لَهُم مَكْرُوه، ولغيرهم مسنون وَلَا يخفى بعد تَوْجِيهه من وُجُوه: الأول: إِطْلَاق يَوْم عَرَفَة. وَالثَّانِي: [أَن] الْكَرَاهَة مُخْتَصَّة بِمن عجز عَن الذّكر وَالدُّعَاء: وبمن لم يكن عَلَيْهِ صَوْم الْقرَان والتمتع. وَالثَّالِث: [٦٩ - أ] أَن الْكَرَاهِيَة فِي يَوْم عَرَفَة تنزيهية بالِاتِّفَاقِ، وَالصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق حرَام [بِالْإِجْمَاع] فَلَا مناسة لذكره مَعهَا. (وَعرف) أَي علم علما جزئيا، وَلذَا لَا يُقَال: الله عَارِف. (من هَذَا التَّقْرِير) أَي الْمَفْهُوم فِي ضمن التَّحْرِير. وَأَرَادَ بِهِ تَقْرِير الْمَتْن حَيْثُ فرع قَوْله: فَإِن خُولِفَ على قَوْله: وَزِيَادَة راويهما أَي الْحسن وَالصَّحِيح، فَعلم أَن فَاعله إِنَّمَا هُوَ رَاوِي الْحسن وَالصَّحِيح، وَهُوَ مَقْبُول لَا من تَقْرِير الشَّرْح لِأَن الحكم بِكَوْن راو فِي مِثَال مَخْصُوص ثِقَة ومقبولا لَا يدل على وجوب كَونه مَقْبُولًا فِي جَمِيع الصُّور، وَكَذَا الحكم بِكَوْن راو شاذا فِي حَدِيث لَا يلْزم مِنْهُ كَونه غير مَقْبُول فِي جَمِيع الْأَحْوَال؛ / وَلذَا قَالَ فِيمَا سبق: فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط ... الخ.

стр. 220

وَالْحَاصِل: أَنه تحقق مِمَّا ذكرنَا: (أَن الشاذ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا) أَي فِي نفس الْمَتْن، أَو فِي سَنَده بِالزِّيَادَةِ أَو النَّقْص. (لمن هُوَ أولى مِنْهُ) أَي فِي الضَّبْط حَقِيقَة، أَو حكما كَمَا فِي التَّعَدُّد، وَفِي كَلَام الشَّرْح إِشَارَة إِلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ: بأرجح مِنْهُ، إِذْ يفهم مِنْهُ أَن الْمُخَالف يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ رُجْحَان مَا من الْجِهَات الْمَذْكُورَة. وَالْمرَاد بالمقيول أَعم من أَن يكون ثِقَة أَو صَدُوقًا. والشاذ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور هُنَا اخص مِمَّا ذكر فِي تَعْرِيف الصَّحِيح. قيل: هَذَا منَاف لما سبق من حصر المقبول فِي أَرْبَعَة أَقسَام: الصَّحِيح، وَالْحسن بقسميهما [مَعَ نفي الشذوذ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ فِي تَعْرِيفهَا، وَأجِيب بِأَنَّهُ حصر فِيمَا سبق الْمَرْوِيّ المقبول] فِيهَا، وَهَهُنَا جعل رَاوِي الشاذ أَي الزَّائِد على الْحسن أَو الصَّحِيح بسب الْمُخَالفَة لمن هُوَ أوثق مَقْبُولًا، وَلَا يلْزم من مقبولية الرَّاوِي مقبولية الْمَرْوِيّ، فَلَا تنَافِي. (وَهَذَا) أَي الَّذِي / ٥١ - أ / قَررنَا، (وَهُوَ الْمُعْتَمد فِي تَعْرِيف الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح) أَي المطابق للمعنى اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ المتفرد. وَبِه [٦٩ - ب] عرف الشَّافِعِي، وَأهل الْحجاز. وَقَالَ الخليلي - وَعَلِيهِ حفاظ الحَدِيث -: الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد

стр. 221

يشذ بِهِ شيخ ثِقَة أَو غَيره، فَمَا كَانَ عَن غير ثِقَة مَتْرُوك وَلَا يقبل، وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يُوقف وَلَا يحْتَج بِهِ. فَلم يعْتَبر الْمُخَالفَة وَلَا اقْتصر على الثِّقَة. وَقَالَ الْحَاكِم: الشاذ: هُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ لَهُ أصل بمتابع لذَلِك الثِّقَة، فَلم يعْتَبر الْمُخَالفَة وَلَكِن قَيده بالثقة. قَالَ ابْن الصّلاح: وَأما مَا حكم الشَّافِعِي عَلَيْهِ بالشذوذ فَلَا إِشْكَال فِيهِ وَأما مَا ذكرَاهُ أَي الخليلي وَالْحَاكِم فمشكل بِمَا يتفرد بِهِ الْعدْل الْحَافِظ الضَّابِط كَحَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَحَدِيث " النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته ". (الْمَعْرُوف وَالْمُنكر) (وَإِن وَقعت الْمُخَالفَة) كَذَا فِي نُسْخَة مصححة، وَفِي نُسْخَة: الْوَاو متن وَالْبَاقِي شرح. (مَعَ الضعْف) بِأَن كَانَ الرَّاوِي الْمُخَالف ضَعِيفا لسوء حفظه أَو جهالته، أَو نَحْوهمَا. وَهل الشاذ ضَعِيف أم لَا؟ وَالظَّاهِر: أَن الشاذ وَالْمُنكر كِلَاهُمَا ضَعِيف، لَكِن الشاذ رَاوِيه قد يكون مَقْبُولًا، وَالْمُنكر رَاوِيه ضَعِيف.

стр. 222

(فالراجح) أَي الْحَدِيثين (يُقَال لَهُ:) أَي عِنْد الْمُحدثين (الْمَعْرُوف) لكَونه مَعْرُوفا عِنْدهم، (وَمُقَابِله) أَي ضِدّه، (يُقَال لَهُ:) أَي عِنْدهم: (الْمُنكر) لأَنهم أنكروه. قَالَ السخاوي: فالمنكر مَا رَوَاهُ الضَّعِيف مُخَالفا. (مِثَاله:) أَي الْمُنكر (مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حبيب) بِضَم حاء مُهْملَة، وَفتح مُوَحدَة، وَتَشْديد تحتية مَكْسُورَة (ابْن حبيب) بِفَتْح، فَكسر، (وَهُوَ أَخُو حَمْزَة بن حبيب) وَفِي نُسْخَة: بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفتح الْمُوَحدَة، وَسُكُون الْيَاء فِي الثَّلَاثَة. وَالظَّاهِر: أَنه سَهْو قلم، (الزيات) بتَشْديد التَّحْتِيَّة، بَائِع الزَّيْت أَو صانعه (الْمُقْرِئ) بِضَم مِيم، وَسُكُون قَاف، وهمزة فِي آخِره يُبدل على مذْهبه وَقفا، وَهُوَ [٧٠ - أ] إِمَام الْقُرَّاء من أَتبَاع التَّابِعين. عرض عَلَيْهِ تلميذ لَهُ مَاء فِي يَوْم حَار فَأبى تورعا قَالَ: أَنا لَا آخذ أجرا على الْقُرْآن، أَرْجُو بذلك الفردوس. قَرَأَ / على جَعْفَر الصَّادِق بِإِسْنَاد الْمُسَمّى بسلسلة الذَّهَب، وعَلى جمَاعَة آخَرين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ.

стр. 223

وَالْحَاصِل: أَن أَخَاهُ روى (عَن أبي إِسْحَاق) أَي السبيعِي بِفَتْح مُهْملَة، وَكسر مُوَحدَة، بعْدهَا يَاء سَاكِنة، ثمَّ عين مُهْملَة. (عَن الْعيزَار) بِفَتْح مُهْملَة، وَسُكُون تحتية، وَألف بَين زَاي وَرَاء. (ابْن حُرَيْث) بِضَم مُهْملَة وَرَاء مَفْتُوحَة، وياء سَاكِنة بعْدهَا مُثَلّثَة. (عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من أَقَامَ الصَّلَاة) [أَي الْمَكْتُوبَة] (وَآتى) أَي أعْطى / ١٥ - ب /، (الزَّكَاة) أَي الْمَفْرُوضَة، (وَحج) أَي بَيت الله الْحَرَام، وفْق بالمشاعر الْعِظَام، (وَصَامَ) أَي شهر رَمَضَان بالتمام، (وقرى الضَّيْف) بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء، أَي أطْعمهُ إِذا وَجب عَلَيْهِ الْإِطْعَام (دخل الْجنَّة ") أَي دُخُولا أوليا بِسَلام. (قَالَ أَبُو حَاتِم:) أَي مخرجه، (هُوَ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور، (مُنكر) أَي بِسَبَب إِسْنَاده، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحا، (لِأَن غَيره) أَي غير حبيب، (من الثِّقَات) أَي الَّذِي رووا هَذَا الحَدِيث، (رَوَاهُ) أفرده بِاعْتِبَار لفظ غير. (عَن أبي إِسْحَاق مَوْقُوفا) أَي على ابْن عَبَّاس، وَقد رَوَاهُ حبيب مَرْفُوعا.

стр. 224

(وَهُوَ) أَي وَغير حبيب. (الْمَعْرُوف) أَي ضد الْمُنكر، وَفِي تَعْلِيله نظر، لِأَنَّهُ لَا يدل على أَن الضَّعِيف مُعْتَبر فِي الْمُنكر. قَالَ ابْن الصّلاح: الْمُنكر قِسْمَانِ: الأول: الْفَرد الْمُخَالف لما رَوَاهُ الثِّقَات. وَالثَّانِي: الْفَرد الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيه من الثِّقَة والإتقان مَا يحْتَمل مَعَه تفرده. وَقَالَ التلميذ: هَذَا خلاف مَا قدمه عَن الشَّافِعِي، لِأَن النُّقْصَان أضرّ بحَديثه، وَلم يكن ذَلِك دَلِيل تحريه، وَبِه عرف أَن المُرَاد مَا قلته، لَا مَا فهمه المُصَنّف. انْتهى. [٧٠ - ب] وَيُمكن دَفعه بِأَن كَلَامه هُنَاكَ مَبْنِيّ على زِيَادَة الثِّقَة فِي الْمَتْن، وَهنا على زِيَادَته فِي الْإِسْنَاد، مَعَ أَن الظَّاهِر من كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه أَرَادَ بِهِ من لم يعرف كَونه ثِقَة كَمَا أشبعنا الْكَلَام فِيهِ، وَالله أعلم. (وَعرف بِهَذَا) أَي بِمَا ذَكرْنَاهُ من التَّقْرِير الدَّال على الْفرق بَين الشاذ وَالْمُنكر. (أَن بَين الشاذ وَالْمُنكر عُمُوما وخصوصا من وَجه) أَي بِحَسب الْمَفْهُوم، وَهُوَ أَن يعْتَبر فِي كل مِنْهَا شَيْء لَا يعْتَبر فِي الآخر، وَيعْتَبر فِي كليهمَا [شَيْء آخر حَيْثُ اعْتبر فِي كليهمَا] مُخَالفَة الْأَرْجَح، وَفِي الشاذ مقبولية الرَّاوِي، وَفِي الْمُنكر ضعفه، وَأما بِحَسب الصدْق فبينهما مباينة كُلية، فَانْدفع اعْتِرَاض تِلْمِيذه بِأَنَّهُ يشْتَرط فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه، أَن يكون بَين الْمَذْكُورين مَادَّة اجْتِمَاع، يصدق

стр. 225

فِيهَا كل مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمَذْكُور هُنَا كَذَلِك. وَمَا ذكره فِي تَوْجِيهه لَيْسَ على حَده عِنْد الْقَوْم. انْتهى. وَبَيَان الدّفع أَن النِّسْبَة تعْتَبر تَارَة [بِحَسب الصدْق وَتارَة] بِحَسب الْوُجُود كَمَا فِي القضايا، وَتارَة بِحَسب الْمَفْهُوم، كَمَا يُقَال: المفهومان إِن لم يتشاركا فِي ذاتي فمتباينان، وَإِلَّا فَإِن تشاركا فِي جَمِيع الذاتيات فمتساويان كالحد والمحدود، وَإِن شَارك أَحدهمَا الآخر فِي ذاتيات دون الْعَكْس، فبينهما عُمُوم وخصوص مُطلقًا، وَإِن تشاركا فِي بَعْضهَا فبينهما عُمُوم وخصوص من وَجه كَذَا فِي " شرح الْمطَالع " للأبهري. وعَلى الِاصْطِلَاح الْأَخير ينزل / كَلَام المُصَنّف. أَو يُقَال: أَرَادَ أَن بَينهمَا عُمُوما وخصوصا من وَجه لُغَة، بِمَعْنى اجْتِمَاعهمَا من وَجه، وافتراقهما من وَجه، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: (لِأَن بَينهمَا اجتماعا فِي اشْتِرَاط الْمُخَالفَة، وافتراقا فِي أَن / ٥٢ - أ / الشاذ رِوَايَة ثِقَة) بِالْإِضَافَة. وَفِي نُسْخَة: رَاوِيه ثِقَة. (أَو صَدُوق) بِالْجَرِّ وَالرَّفْع، أَي لم ينْقل عَنهُ كذب لكنه غير ضَابِط. (وَالْمُنكر رِوَايَة ضَعِيف) بِالْإِضَافَة، وَفِي نُسْخَة: رَاوِيه ضَعِيف أَي لسوء حفظه أَو جهالته أَو نَحْو ذَلِك على مَا ذكره السخاوي. [٧١ - أ] وَقيل: لَيْسَ ثِقَة وَلَا صَدُوقًا.

стр. 226

(وَقد غَفَل) أَي عَن هَذَا الِاصْطِلَاح، أَو عَن هَذَا التَّحْقِيق (من سوىّ بَينهمَا) ، [أَرَادَ بِهِ ابْن الصّلاح، فَإِنَّهُ سّوى بَينهمَا حَيْثُ لم يُمّيز بَينهمَا] وَقَالَ: الْمُنكر بِمَعْنى الشاذ. قَالَ التلميذ: وَقد أطْلقُوا فِي غير مَوضِع النكارة على رِوَايَة الثِّقَة مُخَالفا لغيره، وَمن ذَلِك حَدِيث: " نزع الْخَاتم " حَيْثُ قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث مُنكر مَعَ أَنه راوية هّمّام بن يحيى، وَهُوَ ثِقَة، احْتج بِهِ أهل الصَّحِيح. قلت الْعبْرَة فِي الِاصْطِلَاح للأغلب، فَإِذا جَاءَ خِلَافه يؤول مَعَ أَنه يحْتَمل أَن لَا يكون هَمَّام ثِقَة عِنْد أبي دَاوُد لِأَنَّهُ مُجْتَهد لَا يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد غَيره. ثمَّ قَالَ: وَفِي عبارَة النَّسَائِيّ مَا يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه أَنه يُقَابل الْمَحْفُوظ، وَكَأن الْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف ليسَا بنوعين حقيقين تحتهما أَفْرَاد مَخْصُوصَة عِنْدهم، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي التَّضْعِيف. (وَالله أعلم) فَجَعلهَا المُصَنّف أنواعاً، فَلم توَافق مَا عِنْدهم. انْتهى. وَفِيه أَنه تتبع منقولاتهم، وَبنى اصْطِلَاحه على أَكثر استعمالاتهم، فَيكون مذْهبه التَّحْقِيق، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

стр. 227

( [المُتَابِع ومراتبه] ) (وَمَا تقدم ذكره من الْفَرد) الْوَاو عاطفة للمتن على الْمَتْن، وللشرح على الشَّرْح، فباعتبار الْمَتْن يرفع الْفَرد، وَبِاعْتِبَار الشَّرْح يخْفض. وَمثل هَذَا المزج لَا يستحسنه الْمُحَقِّقُونَ لكنه لما غلب الشَّرْح على الْمَتْن، وَجعله ككتاب وَاحِد، سَاغَ لَهُ ذَلِك، وَلَو قَالَ: والمتقدم ذكره، وَهُوَ الْفَرد لَكَانَ أولى. وَقَوله: (النِسبي) بِكَسْر النُّون، وَسُكُون السِّين، نِسْبَة إِلَى النِّسْبَة الْمُقَابلَة للْحَقِيقَة الَّتِي يُعَبِّر عَنْهَا المحدثون بالفرد الْمُطلق. (إِن) شَرْطِيَّة دخلت على الشَّرْح والمتن. (وجد بعد ظن كَونه [٧١ - ب] فَردا) أَي فَردا نسبياً، فَإِن الْفَرد الْمُطلق لَو تَابعه راو يخرج عَن كَونه فَردا، كَذَا قيل، وَفِيه بحث يَأْتِي. (قد) للتحقيق (وَافقه) أَي تَابع رَاوِيه (غَيره) أَي غير رَاوِيه، فَذَلِك الْغَيْر هُوَ راو آخر يدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا بعد: مُتَابعًا، وَهُوَ عبد الله. (فَهُوَ) أَي ذَلِك الْغَيْر (المُتابع) أَي متابعه أَو المتابع لَهُ أَي للْحَدِيث.

стр. 228

(بِكَسْر الْمُوَحدَة) وَفِي نُسْخَة: الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ مُسْتَدْرك. فَإِن قلت: لِم لَمْ يَجْعَل هُوَ رَاجعا إِلَى الْفَرد؟ وَيكون المتابعُ حِينَئِذٍ بِفَتْح الْبَاء كَمَا يَقْتَضِيهِ سوق الْكَلَام سَابِقًا، حَيْثُ يعود الضَّمِير إِلَى الْفَرد، ولاحقاً حَيْثُ جعل الشَّاهِد / ٥٢ - ب / صفة الحَدِيث لَا الرَّاوِي. وَيجوز أَن يَجْعَل ضمير فَهُوَ عَائِدًا إِلَى مَا يرويهِ ذَلِك الْغَيْر. وَالشَّاهِد والمتابع صفة الحَدِيث لَا الرَّاوِي. قلت: لَعَلَّه مُجَرّد اصْطِلَاح، فَإِن قيل: لِمَ قيد الْفَرد بالنسبي / مَعَ أَن المتابع بِهَذَا الْمَعْنى يُوجد للفرد الْمُطلق أَيْضا؟ فَإِنَّهُ إِن كَانَ وجد للراوي عَن صَحَابِيّ - بعد ظن انْفِرَاده - شريكٌ عَن ذَلِك الصَّحَابِيّ فَهُوَ المتابع، وَإِن كَانَ عَن صَحَابِيّ آخر فَهُوَ الشَّاهِد. يُقَال: سلّمنا ذَلِك، وَلَعَلَّه بِنَاء على الِاصْطِلَاح، فَإِنَّهُ فِي اصطلاحهم مُخْتَصّ بالفرد النسبي. (والمتابعة على مَرَاتِب:) وَإِن كَانَ مآلها إِلَى مرتبتين لِأَنَّهَا، (إِن حصلت للراوي نَفسه) أَي دون شَيْخه، فضلا عَن أَن يكون مَعَ شَيْخه، (فَهِيَ) أَي الْمُتَابَعَة (التَّامَّة) أَي الْكَامِلَة المختصة بِالتَّسْمِيَةِ. (وَإِن حصلت) أَي الْمُتَابَعَة (لشيخه) أَي دون الرَّاوِي نَفسه، (فَمن فَوْقه) أَي فَوق شيخ من مشايخه، (فَهِيَ القاصرة) وَحَاصِل كَلَامه: أَن الرَّاوِي المتفرد

стр. 229

فِي أثْنَاء السَّنَد إِن شُورِكَ من راوٍ، فَرَوَاهُ، عَن شَيْخه، أَو شُورِكَ شَيْخه فَمن فَوْقه إِلَى آخر السَّنَد، فَهُوَ المتابع. فَالْأول: هُوَ [٧٢ - أ] الْمُتَابَعَة التَّامَّة: وَلَا بُد فِي كَونهَا تَامَّة من اتِّفَاقهمَا فِي السَّنَد إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، فَإِن توبع وفارقه وَلَو فِي الصَّحَابِيّ، فَلَا تكون تَامَّة. وَالثَّانِي: القاصرة. وَكلما قربت مِنْهَا كَانَت أتم من الَّتِي بعْدهَا، وَقد يُسمى الآخر شَاهدا، لَكِن تَسْمِيَته تَابعا أَكثر. (وَيُسْتَفَاد مِنْهَا) أَي من الْمُتَابَعَة تَامَّة كَانَت، أَو قَاصِرَة، (التقوية) أَي للمتابَع بِفَتْح الْبَاء. (مِثَال الْمُتَابَعَة:) أَي الشاملة للتامة والقاصرة، (مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي " الْأُم ") اسْم كتاب لَهُ. (عَن مَالك، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر ﵃: أَن النَّبِي [ ﷺ ] ) أَي من أَن النَّبِي [ ﷺ ] ، وَهُوَ بَيَان لما رَوَاهُ، وَيجوز أَن يَجْعَل أَن النَّبِي بَدَلا لما رَوَاهُ.

стр. 230

(قَالَ: " الشَّهْر ") أَي جنسه تَارَة، أَو أَقَله (تِسْعٌ وعِشْرون) وَهَذَا مُحَقّق، وَفِيه حثِّ على طلب الْهلَال لَيْلَة الثَّلَاثِينَ، إِذْ قد يكون الشَّهْر ثَلَاثِينَ، وَقد لَا يكون، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، (فَلَا تَصُومُوا) أَي رَمَضَان (حَتَّى تَرَوْا) أَي تعلمُوا، وَلَو بِرُؤْيَة عدل، (الْهلَال) أَي هِلَال رَمَضَان، فَاللَّام للْعهد، (وَلَا تُفْطِرُوا) أَي لَا تدْخلُوا فِي إفطار رَمَضَان، بِأَن تتركوا صِيَامه، وتصلوا صَلَاة عيد الْفطر، وَنَحْو ذَلِك، (حَتَّى تَرَوْه) أَي الْهلَال. وَالْمرَاد هِلَال شَوَّال، (فَإِن غُمَّ) بِضَم الْغَيْن، وَتَشْديد الْمِيم، أَي خَفِي هِلَال رَمَضَان، (عَلَيْكُم) أَي على جميعكم بغيم وَنَحْوه، (فأكملوا الْعدة) أَي أَتموا عدد أَيَّام [شهر] شعْبَان (ثَلَاثِينَ) أَي يَوْمًا. (فَهَذَا) وَفِي نُسْخَة: وَهَذَا (الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ) أَي الَّذِي تقدم، / ٥٣ - أ /، (ظن قوم) أَي وهموا، (أَن الشَّافِعِي تفرد بِهِ) أَي بِلَفْظِهِ (عَن مَالك، فعدوه) أَي فَجعل الْقَوْم الحَدِيث الْمَذْكُور معدوداً (فِي غَرَائِبه،) أَي غرائب الشَّافِعِي، جمع غَرِيب، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ بعض الروَاة، أَو الحَدِيث الَّذِي ينْفَرد فِيهِ [٧٢ - ب] بَعضهم، بِأَمْر لَا يذكر فِيهِ غَيره، إِمَّا فِي مَتنه، أَو فِي إِسْنَاده. ثمَّ إِنَّمَا ظنُّوا هَذَا الظَّن بالشافعي، (لِأَن أَصْحَاب مَالك) أَي بَقِيَّتهمْ، (رَوَوْه) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (عَنهُ) أَي عَن مَالك، (بِهَذَا الْإِسْنَاد) أَي الَّذِي أسْندهُ الشَّافِعِي إِلَى / النَّبِي [ ﷺ ] .

стр. 231

(بِلَفْظ: " فَإِن غُمّ عَلَيْكُم ") أَي هِلَال رَمَضَان، (فاقْدِرُوا) بِضَم الدَّال، وَكسرهَا وَقيل: الضَّم خطأ. يُقَال: قَدر الشَّيْء قَدْراً بِالتَّخْفِيفِ أَو قدّرَه بِالتَّشْدِيدِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ كَذَا فِي " شمس الْعُلُوم ". فَالْمَعْنى: قدَّروا (لَهُ) - أَي لأجل تَحْقِيق هِلَال رَمَضَان - عَدد أَيَّام شهر شعْبَان، حَتَّى تكملوه ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثمَّ صُومُوا لرمضان وَلَو لم تروا هلاله حِينَئِذٍ بغيم وَنَحْوه. إِذْ الْمَقْصُود من الرُّؤْيَة الْعلم اليقيني، وَهُوَ إِمَّا بِرُؤْيَة الْهلَال عِنْد نُقْصَان الشَّهْر، وَإِمَّا بِحُصُول كَمَال الشَّهْر. وَحَاصِل مَعْنَاهُ: أَتموا شهر شعْبَان ثَلَاثِينَ، فيوافق قَوْله [ ﷺ ] : " فأكملوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ " فِي الْمَعْنى. وَقيل مَعْنَاهُ قدِّروا لَهُ منَازِل الْقَمَر، فَإِنَّهُ يدُلكم على أَن الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ، أَو ثَلَاثُونَ. قَالَ ابْن شُرَيْح: هَذَا خطاب لمن خصّه الله تَعَالَى بِهَذَا الْعلم، وَقَوله: " فأكملوا الْعدة " خطاب للعامة الَّتِي لم تُعنَ بِهِ، كَذَا فِي " النِّهَايَة " وَنَقله عَنهُ محش. أَقُول: قَول ابْن شُرَيْح وَمن سبقه وَتَبعهُ باطلٌ، لمُخَالفَة الْإِجْمَاع على عدم الِاعْتِمَاد بقول المنجمين وَلَو اتَّفقُوا على أَنه يرى، لقَوْله تَعَالَى مُخَاطبا لخير أمة أخرجت للنَّاس خطابا عَاما: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ وَلقَوْله عَلَيْهِ

стр. 232

الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْخِطَابِ الْعَام: " صُومُوا لِرُؤْيَتِه وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه " وَلما فِي نفس هَذَا الحَدِيث: " لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهلَال، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْه " وَلقَوْله [ ﷺ ] [٧٣ - أ] " إنّا أُمهٌ أُميّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ ". قَالَ الطبيي: دلّ على أَن معرفَة الشَّهْر لَيست إِلَى الكُتّاب والحُسّاب، كَمَا يزعمه أهل النُّجُوم. انْتهى. وَأَقُول: لَو صَامَ المنجم عَن رَمَضَان قَبْلَ رُؤْيَته بِنَاء على مَعْرفَته يكون عَاصِيا، وَلَا يُحسب عَن صَوْمه، وَلَو جَعل عيد الْفطر بِنَاء على زَعمه يكون فَاسِقًا، وَتجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فِي فعله، وَإِن عَدّ الْإِفْطَار حَلَالا، فضلا عَن عدَّة وَاجِبا صَار كَافِرًا وَمن الْغَرِيب أَنه جعل المنجم من الْخَواص، والبقية عَامَّة لم تُعْنَ بِهِ! وَأغْرب مِنْهُ نقل صَاحب " النِّهَايَة " قَوْله / ٥٣ - ب / وسكوتُهُ عَلَيْهِ الموهم

стр. 233

مِنْهُ قبولّهُ، فَإِنَّهُ لَا يحل لأحد نقل كَلَامه إِلَّا بنية الرَّد عَلَيْهِ، وَأما مَا ذكره بعض عُلَمَائِنَا عَن مُحَمَّد بن مُقَاتِل أَنه كَانَ يسْأَل المنجمين، ويعتمد على قَوْلهم بعد أَن يتَّفق على ذَلِك جمَاعَة [مِنْهُم] ، فَلَعَلَّهُ مَحْمُول على مَا يكون الْأَحْوَط فِيهِ اعْتِبَارا بِغَلَبَة الظَّن. وَلذَا ذكر السّرَخْسِيّ فِي كتاب الصَّوْم قَول من قَالَ: يُرجع إِلَى قَول أهل الْحساب عِنْد الِاشْتِبَاه [وَهَذَا] بعيد، فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " مَنْ أَتَى كَاهِناً أَو عَرَّافاً، فَصدّقَهُ بِمَا يَقُول فقد كَفَر بِمَا أَنْزلَ الله تَعَالَى على مُحمّدٍ [ ﷺ ] . " وَقَالَ فِي " التَّهْذِيب " يجب صَوْم رَمَضَان بِرُؤْيَة الْهلَال، أَو باستكمال شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَا يجوز تَقْلِيد المنجم فِي حسابه، لَا فِي الصَّوْم وَلَا فِي الْإِفْطَار. وَأما مَا نقل عَن " التاتارخانية ": هَل للمنجم أَن يعْمل بِحِسَاب نَفسه؟ فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: / أَنه يجوز وَالثَّانِي لَا يجوز.

стр. 234

أَقُول: الصَّحِيح أَن الأول لَا يجوز للْحَدِيث السَّابِق، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ كَاذِبًا لَا يجوز تَصْدِيقه فِي حق غَيره، فَكَذَا يكون كَاذِبًا فِي حق نَفسه بتكذيب الشَّارِع إِيَّاه، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. [هَذَا،] وتدل الْمُطَابقَة [٧٣ - ب] فِي اللَّفْظ على عدم صِحَة رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى إِلَّا حَالَة الضَّرُورَة، ثمَّ هَذَا الِانْفِرَاد وَإِن كَانَ ثَابتا بِاعْتِبَار هَذَا الْإِسْنَاد (لَكِن وجدنَا للشَّافِعِيّ مُتَابعًا) بِكَسْر الْبَاء (وَهُوَ عبد الله بن مَسْلَمَة) بِفَتْح وَسُكُون، ثمَّ فتحات، (القَعْنَبي) بِفَتْح قَاف، وَسُكُون مُهْملَة، وَفتح نون. (كَذَلِك) أَي مثل ذَلِك اللَّفْظ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِي. (أخرجه البُخَارِيّ) أَي إِسْنَاده بِلَفْظِهِ. (عَنهُ) أَي عَن عبد الله الْمَذْكُور إِلَى آخر السَّنَد. (عَن مَالك) قَالَ الشَّيْخ زَكَرِيَّا: فَدلَّ أَن على أَن مَالِكًا رَوَاهُ عَن عبد الله بن دِينَار باللفظين. (فَهَذِهِ) وَفِي نُسْخَة: وَهَذِه أَي الْمُتَابَعَة الْمُتَقَدّمَة. (مُتَابعَة تَامَّة، وَوجدنَا لَهُ) أَي للشَّافِعِيّ. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

стр. 235

(أَيْضا) هُوَ موهم أَن يكون لغيره أَيْضا، فَكَانَ حَقه أَن يذكر أَيْضا قبل قَوْله: لَهُ أَو بعد قَوْله: (مُتَابعَة قَاصِرَة فِي " صَحِيح ابْن خُزَيْمَة ") بِضَم الْحَاء، وَفتح الزَّاي، مُتَعَلق ب: وجدنَا لقَوْله: (من رِوَايَة عَاصِم بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد، عَن جده عبد الله بن عمر بِلَفْظ: " فكمِّلوا ثَلَاثِينَ ". وَفِي " صَحِيح مُسلم " [من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بن عُمَر] ، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵃ بِلَفْظ: " فاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ ". قَالَ السخاوي: فقد توبع عبد الله بن دِينَار من وَجْهَيْن: عَن ابْن عمر ﵄، ثمَّ لما استشعر المُصَنّف مناقشة فِي كَون المُتَابَعَتين الْأَخِيرَتَيْنِ مُتَابعَة بِنَاء على تفَاوت الْأَلْفَاظ حَيْثُ وَقع فِي الأولى مِنْهُمَا: " فكمِّلوا ثَلَاثِينَ " بدل قَوْله: " فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ ". وَفِي الثَّانِيَة مِنْهَا: " فاقِدرُوا ثَلَاثِينَ " بدله، / ٤٥ - أ / دَفعهَا بقوله:

стр. 236

(وَلَا اقصار فِي هَذِه الْمُتَابَعَة) الأوْلَى حذف " هَذِه "، لعُمُوم قَوْله: (- سَوَاء كَانَت) أَي الْمُتَابَعَة (تَامَّة، أم قَاصِرَة - على اللَّفْظ) مُتَعَلق ب: لَا اقْتِصَار، (بل لَو جَاءَت) أَي الْمُتَابَعَة مُطلقًا، (بِالْمَعْنَى لكفى لَكِنَّهَا) أَي الْمُتَابَعَة مطلقاُ، (مُخْتَصَّة [٧٤ - أ] بِكَوْنِهَا من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ) . ( [الشَّاهِد] ) (وَإِن وجد متن) أَي من الْفَرد النسبي كَمَا سبق. (يُروَى من حَدِيث صَحَابِيّ آخر يُشبههُ) أَي يماثل حَدِيث الصَّحَابِيّ ذَلِك الْفَرد النسبي، وَلَوْلَا جُعل الْمَتْن وَالشَّرْح كشيء وَاحِد لاخْتَلَّ معنى الْمَتْن فَتَأمل. (فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى) أَي جَمِيعًا. (أَو فِي الْمَعْنى فَقَط) لَا يُقَال: لِم لَم يعْتَبر الْمُتَابَعَة فِي اللَّفْظ فَقَط؟ مَعَ أَنه قد يتَصَوَّر بِأَن يَكون جَمِيع أَلْفَاظ الحَدِيث مُشْتَركَة، أُرِيد بهَا فِي أَحدهمَا معانٍ، وَفِي الآخر معانٍ، لِأَن مثل ذَلِك لَا يُسمى شَاهدا، لِأَن الْعبْرَة للمعنى، لَا سِيمَا وَأَنه نَادِر أَو غير مَوْجُود.

стр. 237

(فَهُوَ) أَي فالمشابه لذَلِك الْمَتْن هُوَ: (الشَّاهِد) . وَالْمُصَنّف أطلق الْمَسْأَلَة، وهم قيدوها فَقَالُوا: ثمَّ بعد فَقْد المتابعات على الْوَجْه المشروح إِذا وجد متن آخر فِي الْبَاب عَن صَحَابِيّ آخر يُشبههُ فَهُوَ الشَّاهِد. / فَلَو قَالَ: ثمَّ إِن وُجِدَ، لَكَانَ توضيحاً. وَلَو قَالَ: فَإِن وُجِدَ، لَكَانَ تَلْوِيحًا إِلَى كَلَام الْقَوْم، وتخليصاً من مخالفتهم. (ومثاله) أَي الشَّاهِد بقسميه. (فِي الحَدِيث الَّذِي قدمْنَاهُ) أَي عَن الشَّافِعِي وَغَيره، عَن ابْن عمر. (مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حُنَيْن) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَفتح، فَسُكُون (عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] فَذكر) أَي النَّسَائِيّ، أَو مُحَمَّد بن حُنْين، وَهُوَ أقرب، وبالمقام أنسب. (مثل حَدِيث عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر ﵃ سَواء) بِفَتْح السِّين وَهُوَ مَنْصُوب على الحالية أَي مستويين، فَإِنَّهُ مصدر فِي الأَصْل بِمَعْنى الاسْتوَاء، أُرِيد بِهِ معنى الْفَاعِل. (فَهَذَا) أَي الشَّاهِد، أَو فَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من الشَّهَادَة. (بِاللَّفْظِ) ويلرم من الْمَعْنى.

стр. 238

(وَأما) أَي وَأما الشَّاهِد (بِالْمَعْنَى) أَي فَقَط. (فَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد) بِكَسْر الزَّاي، وَبعدهَا تحتية. (عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ بِلَفْظ: " فَإِن [٧٤ - ب] غُمَّ عَلَيْكُم ") وَفِي نُسْخَة: غُمِّي بتَشْديد الْمِيم. وَكَانَ أَصله غَمَم وَهُوَ بِمَعْنى الأول، فَفِي " النِّهَايَة ": غُمّ علينا الْهلَال وغُمِّي وأُغْمِيَ: حالَ دون رُؤْيَته غيم أَو نَحوه. (فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ) أَي يَوْمًا (وَخص قوم الْمُتَابَعَة بِمَا حصل بِاللَّفْظِ، سَوَاء كَانَ من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ، أم لَا، وَالشَّاهِد) بِالنّصب عطف على الْمُتَابَعَة أَي وَخص قوم، أَو ذَلِك الْقَوْم الشَّاهِد. (بِمَا حصل بِالْمَعْنَى كَذَلِك) قَالَ المُصَنّف: أَي سَوَاء / ٥٤ - ب / كَانَ من رِوَايَة ذَلِك الصَّحَابِيّ أم لَا، قَالَ تِلْمِيذه: وَهُوَ ظَاهر. انْتهى. وَهَذَا الِاصْطِلَاح مَذْكُور فِي " الْخُلَاصَة " ويناسبه عبارَة الْمَتْن.

стр. 239

(وَقد تطلق الْمُتَابَعَة) فِيهِ مُسَامَحَة وَالْمرَاد المتابع ليلائم الْمُقَابلَة بِإِطْلَاقِهِ. (على الشَّاهِد، وَبِالْعَكْسِ) أَي وَقد يُطلق الشَّاهِد على المتابع، فَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِغَلَبَة اسْتِعْمَال الشَّاهِد فِي أحد معنييه عِنْد قوم، وَكَثْرَة اسْتِعْمَال المتابع عِنْد آخَرين، فَالْخِلَاف لَفْظِي لَا حَقِيقِيّ. (وَالْأَمر فِيهِ) أَي فِي مثله (سهل) إِذْ الْمَقْصُود الَّذِي هُوَ التقوية حَاصِل بِكُل مِنْهُمَا، سَوَاء سًمّي مُتَابعًا أَو شَاهدا. وَالْبُخَارِيّ يَأْتِي بمتابعة صَحَابِيّ أَو غَيره، وَمن الْفَرد الْمُطلق على مَا هُوَ كَلَام غَيره، بل صَرِيحه. قَالَ الْعِرَاقِيّ: الِاعْتِبَار أَن يَأْتِي إِلَى حَدِيث لبَعض الروَاة [فتعتبره] بروايات غَيره من الروَاة، بِسَبرِ طرق الحَدِيث لتعرف هَل شَاركهُ [فِي ذَلِك الحَدِيث راوٍ غَيره، فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أم لَا؟ فَإِن يكن شَاركهُ أحد] مِمَّن يعْتَبر بحَديثه، أَي يصلح أَن يخرج حَدِيثه للاعتبار بِهِ والاستشهاد بِهِ، فيسمى حَدِيث هَذَا الَّذِي شَاركهُ تَابعا. وَسَيَأْتِي بَيَان من يُعتبر بحَديثه فِي مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَإِن لم تَجِد أحدا تَابعه عَلَيْهِ عَن شَيْخه، فَانْظُر هَل تَابع أحد شيخَ شَيْخه عَلَيْهِ، فَرَوَاهُ مُتَابعًا لَهُ أم لَا؟ فَإِن وجدت أحدا تَابع شيخَ شَيْخه عَلَيْهِ فَرَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ فسمه [٧٥ - أ] أَيْضا تَابعا. وَقد يسمونه شَاهدا وَإِن لم تَجِد لأحد مِمَّن فَوْقه مُتَابعًا عَلَيْهِ، فَانْظُر هَل أَتَى بِمَعْنَاهُ حَدِيث آخر فِي الْبَاب [أم لَا] ؟ فَإِن أَتَى بِمَعْنَاهُ حَدِيث آخر، فَسم ذَلِك.

стр. 240

الحَدِيث شَاهدا، فَإِن لم تَجِد حَدِيثا آخر يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، فقد عُدِمت المتابعات، والشواهد، فَالْحَدِيث إِذا فَرد. انْتهى كَلَامه. وَيُسْتَفَاد من إِطْلَاقه أَن [٧٥ - أ] الِاعْتِبَار يكون للفرد مُطلقًا، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُطلق والنسبي. وصنيع المُصَنّف حَيْثُ جعل الْفَرد النسبي مَوْرِد الْقِسْمَة يُؤذن بِأَن الِاعْتِبَار إِنَّمَا يكون للفرد [النسبي] فَقَط، فَتَأمل حق تَأمل. ( [الاعتِبَار] ) (وَاعْلَم أنّ تَتَبعَ الطُّرُق) قيل: تَقْدِيره أَنه، أَو رُفِعَ مَا بعده على الإلغاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن هَذَانِ﴾ فَلَا قدح فِي المزج. وَقد ذكر مرَارًا أَنه جعل الشَّرْح مَعَ الْمَتْن كتابا وَاحِدًا، فَلَا يَرُد عَلَيْهِ أَن لفظ تتبع الطّرق يَنْبَغِي أَن يكون مَرْفُوعا بِالْمَتْنِ، ومنصوباً بالشرح، فَيقْرَأ بِالنّصب، فَكَانَ الشَّرْح الَّذِي بعد الْمَتْن نَاسِخا لإعرابه. (من الْجَوَامِع) أَي الْكتب الَّتِي جمع فِيهَا الْأَحَادِيث على تَرْتِيب أَبْوَاب الْكتب الْفِقْهِيَّة، كالكتب السِّتَّة، أَو تَرْتِيب الْحُرُوف الهجائية فِي أَوَائِل المُعَنْوَنِ عَنهُ، ككتاب الْإِيمَان، وَكتاب البِرِّ، [وَكتاب التَّوْبَة] ، وَكتاب الثَّوَاب، وَهَكَذَا إِلَى آخر الْحُرُوف، كَمَا فعله صَاحب " جَامع الْأُصُول "، أَو بِاعْتِبَار رِعَايَة الْحُرُوف فِي أَوَائِل أَلْفَاظ الحَدِيث، كَمَا فعله شيخ مَشَايِخنَا / ٥٥ - أ / الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي " الْجَامِع الصَّغِير ". (وَالْمَسَانِيد) أَي الْكتب الَّتِي جُمع فِيهَا مُسْند كل صَحَابِيّ على حِدة على

стр. 241

اخْتِلَاف فِي مَرَاتِب الصَّحَابَة وطبقاتهم، وَالْتزم نقل جَمِيع مروياتهم صَحِيحا كَانَ الحَدِيث أَو ضَعِيفا. وَجمع السُّيُوطِيّ فِي " جَامعه الْكَبِير " بَين الْأَمريْنِ، فَجعل الْقسم القولي على تَرْتِيب الْحُرُوف، وَالْقسم الْفعْلِيّ على تَرْتِيب المسانيد. (والأجزاء) وَهِي مَا دُون فِيهِ حَدِيث شخص وَاحِد، أَو أَحَادِيث جمَاعَة فِي مَادَّة وَاحِدَة. [٧٥ - ب] . (لذَلِك الحَدِيث) مُتَعَلق ب: التتبع، أَي لأجل معرفَة حَال الحَدِيث. (الَّذِي يُظن أَنه فَرد،) ظَاهره الْإِطْلَاق الشَّامِل للنسبي وَغَيره. (ليُعْلَم هَل لَهُ) أَي لراويه. (متابع أم لَا) ؟ وَكَذَا هَل لَهُ شَاهد أم لَا؟ كَمَا سبق، [وكما] سيرشدك إِلَى ذَلِك قَوْله: بل هُوَ هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَيْهِمَا. (هُوَ) أَي التتبع الْمَذْكُور هُوَ (الِاعْتِبَار) كَمَا تقدم فِي كَلَام الْعِرَاقِيّ

стр. 242

مفصلا (وَقَول ابْن الصّلاح) مُبْتَدأ، ومقوله: (معرفَة الِاعْتِبَار، والمتابِعات) بِكَسْر الْمُوَحدَة، وَيجوز فتحهَا (والشواهد) أَي إِلَى آخِره، وَالْخَبَر (قد يُوهم) أَي قَول ابْن الصّلاح، (أَن الِاعْتِبَار قسيم لَهما) أَي حَيْثُ أضيفت الْمعرفَة إِلَى الِاعْتِبَار وَمَا بعده. وَكَانَ حق الْعبارَة أَن يَقُول: التتبع هُوَ اعْتِبَار المتابعات، والشواهد. (وَلَيْسَ كَذَلِك) أَي فِي الْوَاقِع لِأَن الِاعْتِبَار هُوَ نفس معرفَة الْقسمَيْنِ، أَو عِلّة لمعرفتهما، فَلَيْسَ قسيما لَهما لعدم اندراج الثَّلَاثَة تَحت أَمر وَاحِد. فَإِن التَّقْسِيم هُوَ ضم الْقُيُود المتباينة، أَو المتخالفة إِلَى المَقْسَمِ، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك (بل هُوَ) أَي الِاعْتِبَار، (هَيْئَة التَّوَصُّل) أَي كَيْفيَّة التَّوَصُّل. (إِلَيْهِمَا) أَي المتابع وَالشَّاهِد، فَكيف يكون قسيماً لَهما! وَأغْرب تِلْمِيذه حَيْثُ قَالَ: مَا قَالَه ابْن الصّلاح صَحِيح لِأَن هيئةَ التَّوَصُّل إِلَى الشَّيْء غيرُ الشَّيْء انْتهى. وَفِيه أَنه لَيْسَ كُل مُغَاير للشَّيْء قسيماً لَهُ، فمراده أَنه لَيْسَ نوعا على حِدة قسيماً لَهما فَتدبر، ثمَّ تعقب، / وَإِلَّا فتأدب، فَإِن الْأَدَب خير من الذَّهَب.

стр. 243

(وَجَمِيع مَا تقدم من أَقسَام المقبول، تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة وَالله أعلم) أَي فيقدّم مَا هُوَ أَعلَى مرتبَة على مَا هُوَ دونه وَهَكَذَا، وَهَكَذَا قَالَ المُصَنّف: يَعْنِي إِذا تعَارض حديثان: صحيحٌ لذاته وَلغيره، وحسنٌ لذاته وَلغيره، قُدم الَّذِي لذاته على الَّذِي لغيره. وَقَالَ تِلْمِيذه: لم يراعوا فِي ترجيحاتهم هَذَا الِاعْتِبَار، ويُعرف هَذَا [٧٦ - أ] من صَنِيع الْبَيْهَقِيّ، وَالْغَزالِيّ فِي " تحصين المأخذ " انْتهى. وَفِيه أَنه على تَقْدِير ثُبُوت عدم اعْتِبَار / ٥٥ - ب / هَذِه المراعاة مِنْهُمَا، لَا يلْزم عدم اعْتِبَار غَيرهمَا. وغايته أَن الْمَسْأَلَة تكون خلافية، وَلَعَلَّ الشَّيْخ أطلق إِشَارَة إِلَى ضعف قَوْلهمَا، فَإِن التَّرْجِيح أَمر مُعْتَبر فِي جَمِيع مَرَاتِب الحَدِيث: من الضَّعِيف، وَالْحسن، وَالصَّحِيح، فَلَو لم يكن الاعتبارُ مُعْتَبرا لَكَانَ أمرا عَبَثا، وَلم يقل بِهِ عَاقل. ( [المُحْكَم] ) (ثمَّ المقبول) هَذَا تَقْسِيم ثانٍ للمقبول كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (يَنْقَسِم أَيْضا إِلَى مَعْمُول بِهِ، وَغير مَعْمُول بِهِ) أَي الانقسام منحصر فيهمَا. (لِأَنَّهُ إِن سَلِم) أَي الحَدِيث، (من الْمُعَارضَة) أَي من مُعَارضَة حَدِيث آخر يناقضه فِي الْمَعْنى، وَقَوله:

стр. 244

(أَي لم يَأْتِ خبر يُضَاده) حَاصِل الْمَعْنى: فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا قَالَ تِلْمِيذه الْمُعَارضَة مصدرّ، وَالْخَبَر الَّذِي لم يضاده اسمُ فَاعل، وَلَا حَاصِل على هَذَا الِاسْتِعْمَال مَعَ تيسير اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة. وَفِيه أَن تيسير اسْتِعْمَالهَا إِذا كَانَ متضمناً لتفسير مَعْنَاهَا يجوز الْعُدُول إِلَى بَيَان حاصلها ومبناها. (فَهُوَ) أَي المقبول السَّالِم هُوَ (الْمُحكم) أَي الَّذِي يُعْمَل بِهِ بِلَا شُبْهَة. (وأمثلته كَثِيرَة،) أورد الْحَاكِم مِنْهَا فِي مُسْند عَائِشَة ﵂: " إِن أَشَدَّ " الناسِ عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يُشَبِّهُونَ بخلْقِ الله ". وَجَاءَت امْرَأَة رِفاعة فَقَالَت: " إِن رِفَاعَةَ طَلّقني، فَتَزَوّجَتُ بعده عبدَ الرَّحْمَن بن الزُّبَيْر. ذكره السخاوي. (وَإِن عُورض) أَي ناقضه حَدِيث آخر فِي الْمَعْنى، (فَلَا يَخْلُو) أَي الْحَال من أحد الشَّيْئَيْنِ، (إِمَّا أَن يكون معارِضه) بِكَسْر الرَّاء، وَهُوَ الحَدِيث الآخر (مَقْبُولًا) بِأَن يكون صَحِيحا أَو حسنا. (مثله) فِيهِ إِشْكَال وَهُوَ أَنه إِن أُرِيد بِهِ أَن يكون المعارِض مُسَاوِيا للمعارَض

стр. 245

فِي الصِّحَّة أَو الْحسن، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، فَيرِد عَلَيْهِ أَنه تقدم أَن الْأَصَح يقدم على الصَّحِيح، وَيقدم الصَّحِيح على [٧٦ - ب] الْحسن، وَإِن أُرِيد بِهِ [أَن يكون] مثله فِي الْقبُول، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره لدلَالَة قَوْله: (أَو يكون مردوداً) عَلَيْهِ، وَيرد حِينَئِذٍ على انحصاره الْمُعَارضَة فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَن الْمُعَارضَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن ثابتةٌ أَيْضا على مَا اخْتَارَهُ تبعا لبَعْضهِم، وَقد ذكر تِلْمِيذه أَنه قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: المُرَاد بِهِ أصل القَبول لَا التَّسَاوِي فِيهِ، حَتَّى يكون الْقوي نَاسِخا للأقوى، بل الْحسن يكون نَاسِخا للصحيح لوُجُود أصل الْقبُول. قَالَ تِلْمِيذه: فِي هَذَا مُخَالفَة لما تقدم من قَوْله: يحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة. قَالَ قَائِل: هَذَا أَمر وَقع فِي أَثناء التَّقْرِير، فَلَا يبْحَث فِيهِ. قلت: [فَقَوله] : لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون / معارضهٌ مَقْبُولًا مثلَه، أَو يكون مردوداً، تَقْسِيم غير حاصر، لِأَنَّهُ جَازَ أَن يكون معارضه دونه فِي الْقبُول، وَلَيْسَ بمردود، / ٥٦ - أ / وَالله أعلم. انْتهى. وَالَّذِي سنح بالبال، وَالله أعلم بِالْحَال: أَنه لما قسَّم المقبول أَولا، وَذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْمُعَارضَة وَغَيره، ذكر هُنَا تقسيماً آخر بِاعْتِبَار أصل القَبول وَمُقَابِله، وَذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْمُعَارضَة المختصة بِهِ، أَو لَمَّا كَانَت تِلْكَ الْمُعَارضَة مختلَفاً فِيهَا، أعرض عَنْهَا وَذكر المعارضةَ الْمُتَّفق عَلَيْهَا، وَهَذَا بمذهبنا الْمَنْصُور أَحَق، وَمَا سبق بمختار مذْهبه أوفق. (وَالثَّانِي:) أَي الْمَرْدُود.

стр. 246

(لَا أثر لَهُ) أَي لَا تَأْثِير لَهُ فِي أَن يكون [مُقَابلا، فضلا عَن أَن يكون] مُعَارضا ومناقضاً. (لِأَن الْقوي) أَعم من أَن يكون صَحِيحا أَو حسنا. (لَا يُؤثر فِيهِ مخالفةُ الضَّعِيف) لعدم الْعَمَل بِهِ إِلَّا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ حَدِيث قوي فَيقدم على الرَّأْي كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا. أَو إِذا كَانَ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال بِشَرْط أَن لَا يكون مدافعاً لأصل من الْأُصُول [٧٧ - أ] . ( [مُخْتَلِفُ الحَدِيث] ) (وَإِن كَانَت الْمُعَارضَة) أَي مُعَارضَة حَدِيث، (بِمثلِهِ) أَي بمقبول آخر، (فَلَا يَخْلُو) أَي حِينَئِذٍ من أَمريْن: (إِمَّا أَن يُمكن الْجمع) أَي بِتَأْوِيل، أَو تَقْيِيد، أَو تَخْصِيص (بَين مدلوليهما) أَي معنييهما، (بِغَيْر تعسف) مُتَعَلق بِالْجمعِ، والتعسف: أزْيَد من التَّكَلُّف، لِأَنَّهُ خُرُوج عَن الجَادَّة. قَالَ المُصَنّف: لِأَن مَا كَانَ بتعسف فللخصم أَن يَرُدَّه، وينتقل إِلَى مَا بعده من الْمَرَاتِب، نَقله تِلْمِيذه. (أوْ لَا) أَي لَا يُمكن الْجمع مُطلقًا، أَو يُمكن، وَلكنه بتعسف. (فَإِن أمكن الْجمع) أَي بتكلف من غير تعسف، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي أمثلته، (فَهُوَ) أَي فقِسْم الحَدِيث الْمعَارض للْغَيْر الْمُمكن الْجمع بَينهمَا، (النَّوْع) أَي أحد

стр. 247

أَنْوَاعه، (المُسَمَّى) أَي الْمَذْكُور فِي حَقه أَنه (مُخْتَلِف الحَدِيث) بِكَسْر اللَّام أَي مُخْتَلف مَدْلُول حَدِيثه، ويناسبه مَا يُقَابله: فَهُوَ النَّاسِخ. وضَبَطه بَعضهم بِفَتْح اللَّام [على أَنه] مصدر ميمي، ويلائمه قَوْله فِيمَا بعد: فالترجيح وَقَالَ محشٍ: صَححهُ الشَّيْخ الجَزَرِي على صِيغَة اسْم الْفَاعِل وَبَعْضهمْ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول. هَذَا، وَالطِّيبِي جعل النَّاسِخ والمنسوخ، وَمَا عمل فِيهِ بالترجيح دَاخِلَة فِي مُخْتَلف الحَدِيث، وأمَّا " مُخْتَلِفُ " فَلم يَخْتَلِفُوا فِي رَفعه، لِأَنَّهُ فِي الْمَتْن خبر الْمُبْتَدَأ، وَإِن كَانَ ظاهرُ الشَّرْح يَقْتَضِيهِ أَن يكون مَنْصُوبًا على أَنه مفعول ثانٍ للمسمى، وَقد أَشَرنَا إِلَى دَفعه. وتكلف بل تعسف بَعضهم فَقَالَ: أَي الْمُسَمّى مُخْتَلف الحَدِيث إِيَّاه. وغيّره بَعضهم بقوله: بمختلف الحَدِيث بأنْ تكون الْبَاء مُتَعَلقا بِالْمُسَمّى، على أَنه قد سبق مرَارًا أَن المُصَنّف جعل كِتَابيه وَاحِدًا، فَمن قَرَأَ الْمَتْن، فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْمَتْن، وَمن قَرَأَ الشَّرْح يلْزمه إِعْرَاب الشَّرْح. وَهَذَا إِذا لم يُمكن الْجمع بَينهمَا وَلَو بِتَأْوِيل، فَلَو قَالَ: هُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال / ٥٦ - ب / لَهُ: مُخْتَلف الحَدِيث، لَحَسُنَ المَزْجُ، لَكَانَ أحسن.

стр. 248

ثمَّ المُرَاد [٧٧ - ب] بالاختلاف اخْتِلَاف مَدْلُوله ظَاهرا، هُوَ من أهم الْأَنْوَاع يضْطَر إِلَيْهِ جَمِيع الطوائف من الْعلمَاء، وَإِنَّمَا تكفل بِهِ الجامعون بَين التَّفْسِير، والْحَدِيث / وَالْفِقْه، وَالْأُصُول. وَأول مَن تكلم فِيهِ الإِمَام الشَّافِعِي ﵀، وَله فِيهِ مُجَلد جليل من جملَة كتب " الْأُم ". (ومثّل لَهُ) أَي لهَذَا النَّوْع (ابنُ الصّلاح بِحَدِيث " لَا عَدوى ") بِفَتْح وَسُكُون الْمُهْمَلَتَيْنِ وألفٍ مَقْصُورَة بعد وَاو، اسْم من الإعداء [كالدعوى] وَالتَّقوى من والأدعاء والاتقاء، وَهُوَ مَا يعدي من جَرَب أَو نَحوه، وإعداؤه مجاوزته مِن صَاحبه إِلَى غَيره بمجاورته. وَفِي " النِّهَايَة ": أعداه الداءُ يعديه إعداد، وَهُوَ أَن يُصِيبهُ مثل مَا لصَاحب الدَّاء. (وَلَا طِيَرَة ") وَهِي: التشاؤم بالشَّيْء على مَا كَانَ فِي عَادَة الْجَاهِلِيَّة، من أَنهم توجّهوا إِلَى جهةٍ وَرَأَوا طيراً طَار إِلَى يمينهم تفاءلوا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّه مبارك، وَإِن طَار إِلَى يسارهم تشاءموا وَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتهم. وَمِنْه أَصْحَاب المشأمة فِي مُقَابلَة أَصْحَاب الميمنة. والتشاؤم قد يكون بِغَيْر الطير، كمقابَلَة كلب، أَو حمَار، أَو كَافِر، أَو فَاجر. وَقد يكون بالْقَوْل كَمَا إِذا سمع يَا حيران، أَو لفظَ شَرّ، أَو نفي خير، فالتطير غلب فِي التشاؤم. أما الفأل الْحسن فَأَخذه مستَحْسَن كَمَا إِذا سمع يَا سعيد، يَا

стр. 249

رشيد، [يَا أَفْلح، يَا مَنْصُور، وأمثال ذَلِك] . والفأل بالمصحف مَا صدر عَن السّلف، وَاخْتلف فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ، وَلَا شكّ أَن التشاؤم بِمَا فِيهِ مَكْرُوه، سَوَاء بالحروف، أَو بِالْمَعْنَى. وَأما التفاؤل بِالْمَعْنَى أَو بِظُهُور بَسْمَلَة وَنَحْوهَا فَلَا بَأْس بِهِ، وَأما الْحُرُوف فَلَا دلَالَة لَهَا على الْقبْح وَالْحسن أبدا، ثمَّ الطِيَرة مصدر كالخِيَرة، وَلَا ثَالِث لَهما كَذَا فِي " النِّهَايَة ". وَفِي " الصِّحَاح ": تطيرت من الشَّيْء، وبالشيء، وَالِاسْم مِنْهُ: الطِيَرَة [٧٨ - أ] على وزن العِنَبَة، وَهِي مَا يُتَشَاءَم بِهِ من الفأل الرَّدِيء. قَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ بِكَسْر الطَّاء، وَفتح الْيَاء على وزن العِنَبَة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِي رِوَايَة الحَدِيث وكتبِ اللُّغَة، وَحكى القَاضِي، وابنُ الْأَثِير أَن مِنْهُم من سكَّن الْيَاء. وَتَمام الحَدِيث: " وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَر، وَلَا غُولَ ". والهامة: بتَخْفِيف الْمِيم، من طير اللَّيْل. وَقيل هِيَ البُوم، وَكَانَت الْعَرَب تزْعم أَن روح الْقَتِيل الَّذِي لَا يُدرِك ثَأْره تصير هَامة فَتَقول: اسقوني اسقوني، فَإِذا أدْرك ثَأْره طارت. وَكَانُوا يَزْعمُونَ أَن صَفَر حَيَّة فِي الْبَطن، وَالَّذِي يجده الْإِنْسَان عِنْد جوعه من عضِّه. وَقيل: كَانُوا يتشاءمون بَصَفر وَيَقُولُونَ: تكْثر فِيهِ الْفِتَن. والغُول: أحد الغيلان، وهم جنس من الجِن / ٥٧ - أ / كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا تتراءى للنَّاس فِي الفلاة فتتلَوَّن فِي صور شَتَّى، فَتغُولُهم أَي تُضِلُّهم عَن الطَّرِيق وتهلكهم،

стр. 250

فنفاه [ ﷺ ] وَلَيْسَ هُوَ نفيا لوُجُوده لقَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾ الْآيَة. بل إبِْطَال زعمهم فِي تَلوُّنه بالصور الْمُخْتَلفَة. وَأما مَا ذكره فِي " مُخْتَصر النِّهَايَة " أَن معنى لَا غُول، أَي لَا يَسْتَطِيع أَن يضِل أحدا، فَلَيْسَ على ظَاهره، لمُخَالفَته الْآيَة الْمَذْكُورَة. (مَعَ حَدِيث: " فِرَّ ") بِكَسْر الْفَاء، وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة، وَيجوز كسرهَا. (مَعَ المَجْذُومِ) وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الجُذَام. وَكَأَنَّهُ جُذِم أَي قُطِع. قَالَ فِي " الْقَامُوس ": الجُذَام كغُرَاب، عِلّة تَحْدُث من انتشار السَّوْدَاء فِي الْبدن كُله، فيَفْسُدُ مزاج الْأَعْضَاء وهيئاتها، وَرُبمَا / انْتهى إِلَى تَأكُّلِ الْأَعْضَاء وسقوطها عَن تقرح. (فراركَ) بِالنّصب أَي كفرارك (من الأسَد ") وَنَحْوه مِمَّا هُوَ ظَاهر الضَّرَر، أَي فِرَارًا شَدِيدا، أَو فِرَارًا على قدر توكلك على الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر. وَكَذَا مَعَ حَدِيث: " لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحّ ". (وَكِلَاهُمَا فِي [٧٨ - ب] الصَّحِيح) أَي معدودان فِيهِ، أما الأول: فَرَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم عَن جَابر ﵁ على مَا فِي " الْجَامِع الصَّغِير " للسيوطي.
следующие страницы →