← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(لَا أثر لَهُ) أَي لَا تَأْثِير لَهُ فِي أَن يكون [مُقَابلا، فضلا عَن أَن يكون] مُعَارضا ومناقضاً. (لِأَن الْقوي) أَعم من أَن يكون صَحِيحا أَو حسنا. (لَا يُؤثر فِيهِ مخالفةُ الضَّعِيف) لعدم الْعَمَل بِهِ إِلَّا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ حَدِيث قوي فَيقدم على الرَّأْي كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا. أَو إِذا كَانَ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال بِشَرْط أَن لَا يكون مدافعاً لأصل من الْأُصُول [٧٧ - أ] . ( [مُخْتَلِفُ الحَدِيث] ) (وَإِن كَانَت الْمُعَارضَة) أَي مُعَارضَة حَدِيث، (بِمثلِهِ) أَي بمقبول آخر، (فَلَا يَخْلُو) أَي حِينَئِذٍ من أَمريْن: (إِمَّا أَن يُمكن الْجمع) أَي بِتَأْوِيل، أَو تَقْيِيد، أَو تَخْصِيص (بَين مدلوليهما) أَي معنييهما، (بِغَيْر تعسف) مُتَعَلق بِالْجمعِ، والتعسف: أزْيَد من التَّكَلُّف، لِأَنَّهُ خُرُوج عَن الجَادَّة. قَالَ المُصَنّف: لِأَن مَا كَانَ بتعسف فللخصم أَن يَرُدَّه، وينتقل إِلَى مَا بعده من الْمَرَاتِب، نَقله تِلْمِيذه. (أوْ لَا) أَي لَا يُمكن الْجمع مُطلقًا، أَو يُمكن، وَلكنه بتعسف. (فَإِن أمكن الْجمع) أَي بتكلف من غير تعسف، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي أمثلته، (فَهُوَ) أَي فقِسْم الحَدِيث الْمعَارض للْغَيْر الْمُمكن الْجمع بَينهمَا، (النَّوْع) أَي أحد

стр. 247

أَنْوَاعه، (المُسَمَّى) أَي الْمَذْكُور فِي حَقه أَنه (مُخْتَلِف الحَدِيث) بِكَسْر اللَّام أَي مُخْتَلف مَدْلُول حَدِيثه، ويناسبه مَا يُقَابله: فَهُوَ النَّاسِخ. وضَبَطه بَعضهم بِفَتْح اللَّام [على أَنه] مصدر ميمي، ويلائمه قَوْله فِيمَا بعد: فالترجيح وَقَالَ محشٍ: صَححهُ الشَّيْخ الجَزَرِي على صِيغَة اسْم الْفَاعِل وَبَعْضهمْ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول. هَذَا، وَالطِّيبِي جعل النَّاسِخ والمنسوخ، وَمَا عمل فِيهِ بالترجيح دَاخِلَة فِي مُخْتَلف الحَدِيث، وأمَّا " مُخْتَلِفُ " فَلم يَخْتَلِفُوا فِي رَفعه، لِأَنَّهُ فِي الْمَتْن خبر الْمُبْتَدَأ، وَإِن كَانَ ظاهرُ الشَّرْح يَقْتَضِيهِ أَن يكون مَنْصُوبًا على أَنه مفعول ثانٍ للمسمى، وَقد أَشَرنَا إِلَى دَفعه. وتكلف بل تعسف بَعضهم فَقَالَ: أَي الْمُسَمّى مُخْتَلف الحَدِيث إِيَّاه. وغيّره بَعضهم بقوله: بمختلف الحَدِيث بأنْ تكون الْبَاء مُتَعَلقا بِالْمُسَمّى، على أَنه قد سبق مرَارًا أَن المُصَنّف جعل كِتَابيه وَاحِدًا، فَمن قَرَأَ الْمَتْن، فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْمَتْن، وَمن قَرَأَ الشَّرْح يلْزمه إِعْرَاب الشَّرْح. وَهَذَا إِذا لم يُمكن الْجمع بَينهمَا وَلَو بِتَأْوِيل، فَلَو قَالَ: هُوَ النَّوْع الَّذِي يُقَال / ٥٦ - ب / لَهُ: مُخْتَلف الحَدِيث، لَحَسُنَ المَزْجُ، لَكَانَ أحسن.

стр. 248

ثمَّ المُرَاد [٧٧ - ب] بالاختلاف اخْتِلَاف مَدْلُوله ظَاهرا، هُوَ من أهم الْأَنْوَاع يضْطَر إِلَيْهِ جَمِيع الطوائف من الْعلمَاء، وَإِنَّمَا تكفل بِهِ الجامعون بَين التَّفْسِير، والْحَدِيث / وَالْفِقْه، وَالْأُصُول. وَأول مَن تكلم فِيهِ الإِمَام الشَّافِعِي ﵀، وَله فِيهِ مُجَلد جليل من جملَة كتب " الْأُم ". (ومثّل لَهُ) أَي لهَذَا النَّوْع (ابنُ الصّلاح بِحَدِيث " لَا عَدوى ") بِفَتْح وَسُكُون الْمُهْمَلَتَيْنِ وألفٍ مَقْصُورَة بعد وَاو، اسْم من الإعداء [كالدعوى] وَالتَّقوى من والأدعاء والاتقاء، وَهُوَ مَا يعدي من جَرَب أَو نَحوه، وإعداؤه مجاوزته مِن صَاحبه إِلَى غَيره بمجاورته. وَفِي " النِّهَايَة ": أعداه الداءُ يعديه إعداد، وَهُوَ أَن يُصِيبهُ مثل مَا لصَاحب الدَّاء. (وَلَا طِيَرَة ") وَهِي: التشاؤم بالشَّيْء على مَا كَانَ فِي عَادَة الْجَاهِلِيَّة، من أَنهم توجّهوا إِلَى جهةٍ وَرَأَوا طيراً طَار إِلَى يمينهم تفاءلوا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّه مبارك، وَإِن طَار إِلَى يسارهم تشاءموا وَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتهم. وَمِنْه أَصْحَاب المشأمة فِي مُقَابلَة أَصْحَاب الميمنة. والتشاؤم قد يكون بِغَيْر الطير، كمقابَلَة كلب، أَو حمَار، أَو كَافِر، أَو فَاجر. وَقد يكون بالْقَوْل كَمَا إِذا سمع يَا حيران، أَو لفظَ شَرّ، أَو نفي خير، فالتطير غلب فِي التشاؤم. أما الفأل الْحسن فَأَخذه مستَحْسَن كَمَا إِذا سمع يَا سعيد، يَا

стр. 249

رشيد، [يَا أَفْلح، يَا مَنْصُور، وأمثال ذَلِك] . والفأل بالمصحف مَا صدر عَن السّلف، وَاخْتلف فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ، وَلَا شكّ أَن التشاؤم بِمَا فِيهِ مَكْرُوه، سَوَاء بالحروف، أَو بِالْمَعْنَى. وَأما التفاؤل بِالْمَعْنَى أَو بِظُهُور بَسْمَلَة وَنَحْوهَا فَلَا بَأْس بِهِ، وَأما الْحُرُوف فَلَا دلَالَة لَهَا على الْقبْح وَالْحسن أبدا، ثمَّ الطِيَرة مصدر كالخِيَرة، وَلَا ثَالِث لَهما كَذَا فِي " النِّهَايَة ". وَفِي " الصِّحَاح ": تطيرت من الشَّيْء، وبالشيء، وَالِاسْم مِنْهُ: الطِيَرَة [٧٨ - أ] على وزن العِنَبَة، وَهِي مَا يُتَشَاءَم بِهِ من الفأل الرَّدِيء. قَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ بِكَسْر الطَّاء، وَفتح الْيَاء على وزن العِنَبَة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِي رِوَايَة الحَدِيث وكتبِ اللُّغَة، وَحكى القَاضِي، وابنُ الْأَثِير أَن مِنْهُم من سكَّن الْيَاء. وَتَمام الحَدِيث: " وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَر، وَلَا غُولَ ". والهامة: بتَخْفِيف الْمِيم، من طير اللَّيْل. وَقيل هِيَ البُوم، وَكَانَت الْعَرَب تزْعم أَن روح الْقَتِيل الَّذِي لَا يُدرِك ثَأْره تصير هَامة فَتَقول: اسقوني اسقوني، فَإِذا أدْرك ثَأْره طارت. وَكَانُوا يَزْعمُونَ أَن صَفَر حَيَّة فِي الْبَطن، وَالَّذِي يجده الْإِنْسَان عِنْد جوعه من عضِّه. وَقيل: كَانُوا يتشاءمون بَصَفر وَيَقُولُونَ: تكْثر فِيهِ الْفِتَن. والغُول: أحد الغيلان، وهم جنس من الجِن / ٥٧ - أ / كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنَّهَا تتراءى للنَّاس فِي الفلاة فتتلَوَّن فِي صور شَتَّى، فَتغُولُهم أَي تُضِلُّهم عَن الطَّرِيق وتهلكهم،

стр. 250

فنفاه [ ﷺ ] وَلَيْسَ هُوَ نفيا لوُجُوده لقَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾ الْآيَة. بل إبِْطَال زعمهم فِي تَلوُّنه بالصور الْمُخْتَلفَة. وَأما مَا ذكره فِي " مُخْتَصر النِّهَايَة " أَن معنى لَا غُول، أَي لَا يَسْتَطِيع أَن يضِل أحدا، فَلَيْسَ على ظَاهره، لمُخَالفَته الْآيَة الْمَذْكُورَة. (مَعَ حَدِيث: " فِرَّ ") بِكَسْر الْفَاء، وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة، وَيجوز كسرهَا. (مَعَ المَجْذُومِ) وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الجُذَام. وَكَأَنَّهُ جُذِم أَي قُطِع. قَالَ فِي " الْقَامُوس ": الجُذَام كغُرَاب، عِلّة تَحْدُث من انتشار السَّوْدَاء فِي الْبدن كُله، فيَفْسُدُ مزاج الْأَعْضَاء وهيئاتها، وَرُبمَا / انْتهى إِلَى تَأكُّلِ الْأَعْضَاء وسقوطها عَن تقرح. (فراركَ) بِالنّصب أَي كفرارك (من الأسَد ") وَنَحْوه مِمَّا هُوَ ظَاهر الضَّرَر، أَي فِرَارًا شَدِيدا، أَو فِرَارًا على قدر توكلك على الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر. وَكَذَا مَعَ حَدِيث: " لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحّ ". (وَكِلَاهُمَا فِي [٧٨ - ب] الصَّحِيح) أَي معدودان فِيهِ، أما الأول: فَرَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم عَن جَابر ﵁ على مَا فِي " الْجَامِع الصَّغِير " للسيوطي.

стр. 251

وَأما الثَّانِي: فَقَالَ الزَّرْكَشي: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، فَأَرَادَ المُصَنّف أَنَّهُمَا فِي مرتبَة وَاحِدَة من الصِّحَّة مَعَ قطع النّظر أَن أَحدهمَا أصح من الآخر كَمَا تقرر. (وظاهرهما التَّعَارُض) فِي الْمَعْنى الْمَدْلُول بهما؛ إِذا الأول [يدل] على نفي الإعداءِ مُطلقًا، وَالثَّانِي على إثْبَاته الْمُؤَكّد بِالْأَمر للجزم المشبهِ بالحتم (وَوجه الْجمع بَينهمَا) أَي بَين الْحَدِيثين، (أَن هَذِه الْأَمْرَاض) أَي من الجذام، والبَرَص، وَغَيرهمَا، (لَا تُعدي بطبعها) أَي كَمَا يَقُول بِهِ الطَّبْعِيَّة (ل، كن الله جعل مخالطةَ الْمَرِيض بهَا) أَي بِهَذِهِ الْأَمْرَاض، (للصحيح) مفعول ثَان للمخالطة، وَاللَّام للتقوية، (سَببا) مفعول ثَان ل: جعل، (لإعدائه) بِكَسْر الْهمزَة، (مَرَضَه) أَي لإعدائه تَعَالَى مرض الْمَرِيض إِلَى الصَّحِيح، (ثمَّ قد يتَخَلَّف ذَلِك) أَي الإعداء (عَن سَببه) وَهُوَ المخالطة، (كَمَا فِي غَيره من الْأَسْبَاب) حَيْثُ يتَخَلَّف السَّبَب، كَعَدم الشِبع بِالْأَكْلِ لمن لَهُ جوع الْبَقر، وَعدم الرّيّ بالشرب لمن لَهُ الاسْتِسْقَاء.

стр. 252

(كَذَا جمع بَينهمَا ابْن الصّلاح تبعا لغيره) وَحَاصِله: أَن النَّفْي فِي قَوْله [ ﷺ ] لِما كَانَ يَعْتَقِدهُ أهل الْجَاهِلِيَّة وبعضُ الْحُكَمَاء الفلسفية، وأرباب الْعُلُوم الرياضية والطبيعية، من أَن هَذِه الْأَمْرَاض من الجُذَام والبَرَص تُعدي بالطبع، / ٧٥ - ب / كَمَا زَعَمُوا أَن المَاء بالطبع يُغرِق، وَالنَّار بالطبع يُحرق. وَقد ردهما الله بكتابه أبلغ رد فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ومُوسَى ﵉، وَأَن الْإِثْبَات فِي الحَدِيث الثَّانِي بِاعْتِبَار السَّبَب العادي فِي جعل ذَلِك، ولكونه [ ﷺ ] رَحمَه للْعَالمين حذَّر أمته المرحومة من الضَّرَر الَّذِي يُوجد عِنْده عَادَة بِفعل الله تَعَالَى. وَفِي التَّشْبِيه بالأسد [٧٩ - أ] إِيمَاء إِلَى ذَلِك. وَقد يُقَال: [الْجمع بَينهمَا] بِأَن النَّفْي للاعتقاد، والأمرَ بالفرار للْفِعْل، كَمَا نَهى [ ﷺ ] عَن الدُّخُول فِي بلدِ الطَّاعُون مَعَ أَن المعتقد أنْ لَا تَأْثِير لغير الله تَعَالَى، وَأَنه: ﴿إِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَالظَّاهِر أَن الْأَمر بالفرار رخصَة للضعفاء، وَلذَا خصّه بالمخاطب. وَأما الكاملون المتوكلون، فَلَا حَرج فِي حَقهم إِذْ صَحَّ أَنه [ ﷺ ] أكل مَعَ مجذوم وَقَالَ: " باسم الله، ثِقَة بِاللَّه وتوكلاً عَلَيْهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره. وَأما مَا ورد

стр. 253

من أَنه [ ﷺ ] قَالَ لمجذوم جَاءَ ليبايعه، فَلم يمدّ يَده إِلَيْهِ وَقَالَ: " وَقد بَايَعت " فَمَحْمُول على بَيَان الْجَوَاز، أَو على اخْتِلَاف الْحَال. فَفِي الأول نَظَرَ إِلَى المسبِّب الْمُنَاسب لمقام الْجمع، وَفِي الثَّانِي: نَظَرَ إِلَى السَّبَب الملائم لمقام التَّفْرِقَة، وَبَين أَن كُلاّ من المقامين حق. (وَالْأولَى) أَي عِنْد المُصَنّف، (فِي الْجمع بَينهمَا أَن يُقَال: / إِن نَفْيه [ ﷺ ] باقٍ للعدوى على عُمُومه) وَفِيه أَنه على تَقْدِير الأول أَيْضا باقٍ على عُمُومه، لِأَن كَلَام ابْن الصّلاح لَيْسَ تَخْصِيصًا، بل هُوَ تَأْوِيل وَصرف عَن ظَاهره، ضَرُورَة الْجمع بَينه وَبَين معارضه، لَكِن المفهومَ من كَلَامه الْآتِي أَنه أَرَادَ بقوله: على عُمُومه، ظاهَره الْعَام، أَي لَا وجود للعدوى أصلا لَا بالطبع، وَلَا بِالسَّبَبِ. (وَقد صَحَّ قَوْله [ ﷺ ] : " لَا يُعْدي شَيْء شَيْئا ") أَرَادَ بِهِ أَنه مُؤيد لبَقَائه على عُمُومه. وَفِيه أَنه لَا فرق بَين هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث: " لَا عدوى " بل هُوَ أبلغ من هَذَا. قَالَ محشٍ: فَإِن قلت: هَذَا أَيْضا يقبل تأويلَ ابْن الصّلاح، قلت: سلمناه، لكّن تعدد عباراتِ الحَدِيث وتكررَها يدل على أَن المُرَاد بهَا مَا يتَبَادَر مِنْهَا،

стр. 254

انْتهى. وَفِيه [٧٩ - ب] أَن ابْن الصّلاح يُسَلَّم هَذَا، لكنْ صَرَفه عَن ظَاهره لحَدِيث آخر يُعَارضهُ بِحَسب الظَّاهِر، وَيُؤَيِّدهُ مُشَاهدَة التَّأْثِير السببي فِي الْغَالِب، فَيتَعَيَّن أَن يُحمل النَّفْي على الطَّبْع والحقيقة، والإثباتُ على السَّبَب وَالْمجَاز، كَمَا جمعُوا فِي قَوْله تَعَالَى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) أَي مَا رميت خلْقاً إِذْ رميت كسبْاً. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾ أَي مَا قَتَلْتُمُوهُمْ حَقِيقَة بل صُورَة، وَلَكِن الله قَتلهمْ حَقِيقَة. (وَقَوله) : أَي وَقد صَحَّ قَوْله ( [ ﷺ ] ) أَي مؤيد أَيْضا / ٥٨ - أ / لبَقَائه على عُمُومه (لمن عَارضه،) أَي بِحَسب الظَّاهِر، وَإِلَّا فمعارضة النَّبِي [ ﷺ ] كفر على الْحَقِيقَة، فَتحمل الْمُعَارضَة على الْمُعَارضَة اللُّغَوِيَّة لَا الاصطلاحية، فَالْمَعْنى: استشكله وَسَأَلَهُ وقابل كَلَامه (بِأَن الْبَعِير الأجرب يكون فِي الْإِبِل الصَّحِيحَة) أَي فِيمَا بَينهَا، فَقَوله: (فيخالطها) مُسْتَغْنى عَنهُ، (فتجرب) بِفَتْح الْفَوْقِيَّة، وَسُكُون الْجِيم، وَفتح الرَّاء، [وَفِي نُسْخَة: بِضَم الْفَوْقِيَّة، وَسُكُون الْجِيم] أَي فَتَصِير الْإِبِل جرباء (حَيْثُ رد عَلَيْهِ) أَي حِين رد على معارضته ومقابلته لقَوْله [ ﷺ ] " لَا يُعدِي

стр. 255

شَيْء شَيْئا " بِمَا ذكر، (بقوله:) مُسْتَغْنى عَنهُ ب: " قولُهُ " سَابِقًا. وَأما قَول شَارِح: وَقَوله [ ﷺ ] ذَلِك الحَدِيث لَا يَدفع الْإِيرَاد. فيرِدُ عَلَيْهِ أَنه يحْتَاج إِلَى الْعلم بِوُقُوع حَدِيث: " لَا يُعْدي شَيْء شَيْئا "، وَوَرَدَ مرَّتَيْنِ، الثَّانِيَة لدفع الْمُعَارضَة، فَتَأمل. ثمَّ رَأَيْت محشياً قَالَ عِنْد قَوْله: حَيْثُ رد عَلَيْهِ بقوله: الأولى ترك ذَلِك ليَكُون قَوْله: " فَمن أعدى " بَدَلا مِمَّا سبق من لفظ قَوْله [ ﷺ ] إِن كَانَ [قَوْله] بِمَعْنى مقوله، أَو مقولاً لَهُ إِن كَانَ بِمَعْنَاهُ المصدري. وتوجيهه: [٨٠ - أ] أَن قَوْله [ ﷺ ] فِي وَقت الردّ حَاصِل بِهَذَا الحَدِيث وَهُوَ: " فَمن أعدى ... "، أَو نقُول: التَّقْدِير وَقد صَحَّ قَوْله [ ﷺ ] الدَّال على عدم الإعداء. وَقَوله: " حَيْثُ " عِلّة لذَلِك. (" فَمن أعدى الأول ") ظَاهره أَنه أَرَادَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْكَلَام أَن وُقُوع الجرب - بِنَاء على السَّبَب - لَا يُنَافِي نفي الإعداء بالطبع المركوز فِي طباع الْجَاهِلِيَّة، وَإِلَّا فَلَو حمل الإعداء على الطَّبْع فَقَط، فَمَن أعدى الأول؟ إِذْ لَا فرق بَين طبع إبل وطبع إبل، ومقصود الشَّارِع [ ﷺ ] إِخْرَاجه

стр. 256

من فَسَاد عقيدته / وإيصاله إِلَى لب توحيده وَحَقِيقَته. وَالتَّعْبِير [بالإعداء] للمشاكلة. وَلذَا قَالَ النَّوَوِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: معنى الحَدِيث أَن الْبَعِير الأول الَّذِي جَرب من أجربه؟ . أَقُول: وَلَعَلَّ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم عَلِمَ بِنور النُّبُوَّة أَن المعارِض جعله مُعدياً بطبعه، فردّهُ عَلَيْهِ بقوله: " فَمن أعدى الأول ". (يَعْنِي أَن الله تَعَالَى ابْتَدَأَ ذَلِك) [أَي الإعداء (فِي الثَّانِي كَمَا ابْتَدَأَ) ] ) أَي مثل ابْتِدَائه (فِي الأول) وَفِيه نظر؛ إِذْ الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون بِسَبَب، وَأَن لَا يكون بِسَبَب، وَحَدِيث: " فر من المجذوم " وتأثير المخالطة بِحَسب الْمُشَاهدَة، وَحَدِيث " امْتِنَاعه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مبايعةَ المجذوم بِالْيَدِ " ظَاهر فِي أَن الثَّانِي لَيْسَ كَالْأولِ، فَتَأمل، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنى: " فَمن أعدى الأول "، بل هُوَ من بَاب إرخاء العِنَان للخصم، أَي سَلَّمْنَا أَن الْبَعِير أعدى الْإِبِل بمخالطته، فَمن أعدى الْبَعِير؟ وَإِنَّمَا عدل عَن الْبَعِير إِلَى الأول لِأَنَّهُ قد يُقَال: ذَلِك الْبَعِير خالط أجربَ آخر، وهَلُمّ جَرَّاً، فَدفع / ٨٥ - ب / كَلَامهم بِالْأولِ، وعبّر ب: مَن إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فعلُ الْفَاعِل الْحَقِيقِيّ. (وَأما الْأَمر بالفِرار من الجذوم، فَمن بَاب سَدّ الذرائع) أَي الْوَسَائِل إِلَى

стр. 257

الرذائل، كسوء الِاعْتِقَاد، أَي من بَاب سدِّ توهمها؛ (لِئَلَّا يتَّفق) ، كَانَ الْأَظْهر أَن يَقُول: لِأَنَّهُ إِن [٨٠ - ب] اتّفق. (للشَّخْص الَّذِي يخالطه) أَي المجذوم، (شَيْء) فَاعل يتَّفق، (من ذَلِك) أَي الجذام الَّذِي يدل عَلَيْهِ المجذوم، (بِتَقْدِير الله تَعَالَى ابْتِدَاء) أَي اتِّفَاقًا (لَا بالعدوى المنفية) توكيد لقَوْله: ابْتِدَاء (فيظنَ) بِالنّصب [عطف] على جَوَاب النَّفْي، (أَن ذَلِك،) أَي حُصُول الجذام (بِسَبَب مخالطته) أَي الشَّخْص للمجذوم، (فيعتقد صِحَة الْعَدْوى، فَيَقَع فِي الْحَرج) أَي فِي الْإِثْم. فِيهِ أَنه إِذا ظن أَن الجذام حصل بِسَبَب المخالطة، واعتقد صحةَ الْعَدْوى بالتأثير السببي لَا حرج فِيهِ، وَإِن أَرَادَ بِهِ أَنه بِسَبَب الْخلطَة يعْتَقد صِحَة الْعَدْوى بالطبع، فَيرد [عَلَيْهِ] : أَنه حِينَئِذٍ يجب على كل [أحد] أَن يجْتَنب مَا يتَعَلَّق بالأسباب، كالمعالجة بالأدوية، بل مزاولة الْأَطْعِمَة والأشربة، حَيْثُ يحْتَمل أَنه يظنّ أَنه الْأَدْوِيَة وَنَحْوهَا لَهَا تَأْثِير بطبعها، فيعتقد اعْتِقَاد الطبعية، فَيخرج عَن المِلَّة الحنيفية. (فَأمر بتَجَنُّبِه) أَي المجذوم وَهُوَ إِعَادَة للْمُدَّعى بِعِبَارَة أخصر؛ (حسماً للمادة)

стр. 258

ويَرِدُ عَلَيْهِ اجتنابه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم عَن المجذوم عِنْد إِرَادَة الْمُبَايعَة، مَعَ أَن منصب النُّبُوَّة بعيدٌ من أَن يُورِدُ لحسم مَادَّة ظن الْعَدْوى كلَاما يكون مَادَّة لظنها أَيْضا. فَإِن الْأَمر بالتجنب أظهرُ فِي فتح مَادَّة ظن أَن الْعَدْوى لَهَا تَأْثِير بالطبع، وعَلى كل تَقْدِير، فَلَا دلَالَة أصلا على نفي الْعَدْوى سَببا. وللشيخ التُّورِبشتي هُنَا كَلَام دَقِيق على وَجه التَّحْقِيق ذكرته فِي شرح الْمشكاة وَالله ولي التَّوْفِيق. (وَالله أعلم) وَكَانَ مَأْخَذ كَلَامه قَول صاحِب " النِّهَايَة " تَحت حَدِيث: " لَا يُوْرِدُ مُمرِض على مُصِح ": كَأَنَّهُ كره [ذَلِك مَخَافة] أَن يظْهر بمالِ المُصِحّ مَا ظَهَر بمالِ المُمْرِض، فيظن أَنَّهَا أعدتها فيأثم بذلك. انْتهى. يَعْنِي فيظن أَنه أعدتها بطبعها لقَوْله: فيأثم بذلك، لِأَنَّهُ لَو ظن أَنَّهَا أعدتها / بِسَبَبِهَا، فَلَا يَأْثَم بذلك، فَيكون من بَاب " إِذا سًمِعْتُم بأرضٍ فِيهَا طَاعُون فَلَا تَدْخُلوهَا " (وَقد صنف) وَفِي نُسْخَة: صنع (فِي هَذَا النَّوْع [٨١ - أ] الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى كتاب " اخْتِلَاف الحَدِيث "، لكنه لم يقْصد استيعابه) كِنَايَة عَن عدم استيعابه، وَإِلَّا فَمن أَيْن يعلم قَصده؟ لَكِن يُشِير إِلَيْهِ أَنه لم يفرده بالتأليف، بل

стр. 259

جعله جُزْء من كِتَابه " الْأُم ". وَأَقُول: بل لَا يُمكن الِاسْتِيعَاب لاخْتِلَاف فهوم أولى الْأَلْبَاب، وَإِنَّمَا أظهر الإِمَام فِي " الْأُم " طَرِيق الْجمع فِي بعض الْأَحَادِيث / ٥٩ - أ /، ليعلم كَيْفيَّة أَنْوَاع الْجمع، وَلَا يلْزم بَعْدَ ضبط الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة [اسْتِيعَاب] الْأَمْثِلَة الْجُزْئِيَّة، وَحَاصِله: أَنه ذكر جملَة إجمالية تُنبه العارفَ على طَريقَة الْجمع التفصيلية. (وَقد صنف فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (بعده) أَي بعد الشَّافِعِي (ابْن قُتَيبة) بِضَم الْقَاف، وَفتح الْفَوْقِيَّة، وباء سَاكِنة، وَهُوَ شيخ الشَّيْخَيْنِ وَقد أَجَاد. (والطَّحَاوِي) وَهُوَ إِمَام جليل من عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة، وَاسم كِتَابه، " مُشكل الْأَخْبَار ومعاني الْآثَار " وَقد أَفَادَ. (وَغَيرهمَا) قَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا أعرف حديثين صَحِيحَيْنِ متضادين، فمَن كَانَ عِنْده شَيْء فَليَأْتِنِي بِهِ لأؤلف بَينهمَا. (وَإِن لم يُمكن الجمعُ) أَي بِغَيْر تعسف، (فَلَا يَخْلُو) أَي الحَدِيث من أحد الْأَمريْنِ: (إِمَّا أَن يُعرف التَّارِيخ) أَي تَارِيخ الْحَدِيثين، (أوْ لَا) فِيهِ حَزَازَة فَإِنَّهُ جعله متْنا مُقَابلا لقَوْله فِي الْمَتْن: فَإِن أمكن ... وَحقّ الْعبارَة أَن يُقَابله بقوله: وَإِلَّا، وَلِهَذَا غير الأسلوب فِي الشَّرْح وجُعل مُقَابلا لقَوْله: وَإِن لم يُمكن، وَجعل قَوْله: أوْ لَا مُقَابلا لقَوْله: إِمَّا أَن يعرف. وَيُمكن

стр. 260

أَن يَجْعَل قَوْله فِي الْمَتْن: أَو لَا " على " أمكن "، أَي أوْ لَا يُمكن الْجمع، وَيجْعَل الْوَاو فِي: وَثَبتَ، للْحَال، بِتَقْدِير قد، لَا للْعَطْف ليحتاج إِلَى تَقْدِير الْمَعْطُوف [عَلَيْهِ] ، وَهَذَا بِاعْتِبَار حل الْمَتْن بِانْفِرَادِهِ، وَقد تقدم أَنه جعل الْمَتْن جُزْء من الشَّرْح، فَعَلَيهِ يتَعَيَّن أَن يكون معنى أوْ لَا، أَي أوْ لَا يعرف تاريخهما ( [النَّاسِخ والمنسوخ] ) (فَإِن عرف) أَي تاريخهما، (وَثَبت) يحْتَمل الْعَطف وَالْحَال، [٨١ - ب] (الْمُتَأَخر) أَي الْمُتَأَخر مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ محط الْمَقْصُود، لِأَنَّهُ إِذا علم الْمُتَأَخر، فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى تَارِيخ الْمُتَقَدّم. وَالْمرَاد أَنه ثَبت تَأَخّر أَحدهمَا (بِهِ) أَي بالتاريخ، (أَو بأصرحَ مِنْهُ) أَي من التَّارِيخ كنصه [ ﷺ ] على نسخ أحد الْخَبَرَيْنِ، أَو نَص صَحَابِيّ، كَمَا سيأتيان، (فَهُوَ) أَي الْمُتَأَخر، (النَّاسِخ، وَالْآخر) أَي الْمُتَقَدّم، الْمَنْسُوخ. فِي " الْخُلَاصَة ": النَّاسِخ: كل حَدِيث دلَّ على رفع حكم شَرْعِي سَابق، ومنسوخه كل حَدِيث رُفع حكمه الشَّرْعِيّ بِدَلِيل شَرْعِي مُتَأَخّر عَنهُ. وَهُوَ فن مُهِمّ

стр. 261

صَعب يغتفرُ إِلَيْهِ. وَعلمه فرض كِفَايَة أعيا الْفُقَهَاء، وأعجز الْعلمَاء. قَالَ حُذَيْفَة: إِنَّمَا يُفْتِي من عرفه. فَقيل لَهُ: من يعرفهُ؟ قَالَ: عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (والنسخ: رفعُ تعلق حكم شرع) أَي قطع تعلقه بالمكلفين. وَالْحكم: إِسْنَاد أَمر إِلَى آخر. بِاعْتِبَار توصيفه بشرعي أُرِيد بِهِ الْخطاب الْمُتَعَلّق [بِأَفْعَال الْعباد] . (بِدَلِيل شَرْعِي مُتَأَخّر عَنهُ) . / وَإِنَّمَا قَالَ: تعلق حكم، لِأَن نفس الحكم قديم لَا يرْتَفع، لِأَنَّهُ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال المُكلفين. قَالَ: شَارِح: وَخرج بِهِ الْمُبَاح بِحكم الأَصْل، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحكم شَرْعِي. وَفِيه بحث؛ لِأَن حكم إِبَاحَة الْأَشْيَاء إِنَّمَا عُلم بِالشَّرْعِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ / ٥٩ - ب / وَنَحْوه من قَوْله ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ ﴿وَجَعَلنَا نومكم سباتا وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا﴾ . قَالَ ثمَّ خرج الرّفْع بِالْمَوْتِ، وَالنَّوْم، والغفلة، وَالْجُنُون مِمَّا لَيْسَ بِدَلِيل شَرْعِي، وَفِيه نظر؛ لِأَن مَالهَا كلهَا إِلَى دَلِيل شَرْعِي. قَالَ: وَكَذَا بَيَان الْمُجْمل وَالِاسْتِثْنَاء وَالشّرط، وَنَحْوهَا مِمَّا هُوَ مُتَّصِل بالحكم مُبين لغايته، أَو مُنْفَصِل عَنهُ، مُخَصص لعُمُوم، أَو مُقَيّد لإِطْلَاق إِذْ لَا تَأَخّر فِيهَا، وَخرج أَيْضا قَول بعض الصَّحَابَة: خبر كَذَا نَاسخ. انْتهى.

стр. 262

والمجمل مَا لم يَتَّضِح دلَالَته مثل: بَيَان الْخَيط الْأَبْيَض بِالْفَجْرِ، عِنْد من [٨٢ - أ] جعله من قبيل الْمُجْمل، ومِن الْعَام الَّذِي يُرَاد بِهِ الْخَاص، مثل مَا وَقع من الشَّرْط فِي صلح الْحُدَيْبِيَة عِنْد قَوْلهم: ومَن جَاءَكُم منّا رددتموه علينا، فَإِن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَرَادَ الرِّجَال. ذكره البِقَاعِي. قَالَ التلميذ: نظر الْبَيْضَاوِيّ فِي هَذَا التَّعْرِيف، فَإِن الْحَادِث ضد السَّابِق، وَلَيْسَ رفع الْحَادِث للسابق وبأولى من رفع السَّابِق للحادث، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الَّتِي رد القَاضِي بهَا هَذَا التَّعْرِيف. (والناسخ: مَا دلّ) وَفِي نُسْخَة: مَا يدل (على الرّفْع الْمَذْكُور، وتسميته) أَي الرّفْع، (نَاسِخا مجَاز) من بَاب إِضَافَة الْفِعْل إِلَى السَّبَب وَالدَّلِيل. (لِأَن النَّاسِخ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله لقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فإطلاقه على الرّفْع المُرَاد بِهِ الدَّال عَلَيْهِ أَعم من أَن يكون آيَة أَو حَدِيثا، فالناسخ هُوَ الله ، وَإِن كَانَ يُجْرِي النّسخ على لِسَان نبيه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. (وتعريف النّسخ بِأُمُور:) أَي ثَلَاثَة بِحَسب مَا ذكرهَا المُصَنّف. (أصرحهَا:) أَي أَولهَا وأوضحها (مَا ورد فِي النَّص) أَي من كتابٍ، أَو

стр. 263

سنة، (كَحَدِيث بُريَدْة) بِضَم مُوَحدَة، وَفتح رَاء، وَسُكُون يَاء، (فِي " صَحِيح مُسلم ": كنت نَهَيْتُكُمْ) أَي أَولا، (عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا) ، بتَخْفِيف اللَّام، للتّنْبِيه. (فزوروها) أَي الْقُبُور؛ (فَإِنَّهَا) أَي الزِّيَارَة المفهومة من الْفِعْل، أَو الْقُبُور، أَي رؤيتها، (تُذَكر الْآخِرَة) وتذكر الْآخِرَة: تعين على استعداد الزَّاد للرحلة إِلَيْهَا، وتُزَهد فِي الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وتُقلّ طول الأمل، وتُحَسِّن الْعلم وَالْعَمَل، وترحم على الْأَحْيَاء والأموات، وَغَيرهَا من الْفَوَائِد الزاخرة، والعوائد الفاخرة. وَهَذَا الحَدِيث من غرائب النَّاسِخ والمنسوخ حَيْثُ يشملهما. وَالْغَالِب أَن يَكُونَا حديثين بَينهمَا فصل مَا، وَنَحْوه حَدِيث " رَجْمُ مَاعِزٍ دون جَلدٍ " بعد قَوْله: " الَّثِّيب بالَّثِّيب جلد مئة [٨٢ - ب] ورَجْم بِالْحِجَارَةِ ". وَبَيَان أَنْوَاع النَّاسِخ والمنسوخ لَيْسَ هَذَا مَحَله. (وَمِنْهَا) أَي من الْأُمُور الَّتِي يعرف بهَا النّسخ الدَّال على النَّاسِخ، (مَا يَجْزِم)

стр. 264

أَي الحَدِيث الَّذِي يجْزم (فِيهِ الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُ) أَي النَّاسِخ، أَو أحد الْحَدِيثين، (مُتَأَخّر) . قَالَ محشٍ: فِيهِ تساهل وَكَذَا / فِي قَوْله الْآتِي. وَيُمكن / ٦٠ - أ / تَوْجِيه كَلَام الشَّارِح بِأَن تجْعَل مَا مَصْدَرِيَّة، وَيجْعَل ضمير بِأَن عَائِد إِلَى الحَدِيث (كَقَوْل جَابر ﵁: " كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ترك الوُضوء) ، بِالرَّفْع على أَنه اسْم كَانَ، خَبره آخر الْأَمريْنِ، أَو بِالْعَكْسِ والوُضوء بِضَم الْوَاو، أَي ترك التوضي، (مِمَّا مَستِ النَّار) أَي طبخته. (أخرجه أَصْحَاب السّنَن) أَي الْأَرْبَعَة. (وَمِنْهَا مَا يعرف بالتاريخ، وَهُوَ) أَي مِثَاله (كثير) أَي لَا يحْتَاج إِلَى ذكره، كَحَدِيث شَداد بن أَوْس وَغَيره: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " أفطر الحَاجِم والمحْجُوم "، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ

стр. 265

وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم "، فقد بينَ الشَّافِعِي أَن الثَّانِي نَاسخ للْأولِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي سنة عشر، وَالْأول فِي سنة ثَمَان، كَذَا فِي " الْخُلَاصَة ". (وَلَيْسَ مِنْهَا) أَي من الْأُمُور الَّتِي يعرف بهَا النّسخ (مَا يرويهِ الصَّحَابِيّ الْمُتَأَخر الْإِسْلَام معارِضاً) بِكَسْر الرَّاء، (للمتقدم عَلَيْهِ) أَي لما يرويهِ صَحَابِيّ آخر مُتَقَدم عَلَيْهِ؛ (لاحْتِمَال أَن يكون الْمُتَأَخر (سَمعه) أَي مَا يرويهِ (من صَحَابِيّ آخر أقوم من الْمُتَقَدّم الْمَذْكُور، أَو مثله) بِالنّصب، (فَأرْسلهُ) أَي أسْند الْمُتَأَخر مَرْوِيه إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَحذف ذكر الصَّحَابِيّ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ اختصاراً. ويسمّى هَذَا مُرْسل الصَّحَابِيّ، وَهُوَ غير مُرْسل التَّابِعِيّ، وَسَيَجِيءُ حكمهمَا. قَالَ مُحَشٍ: فِيهِ أَنه يُمكن أَن يكون سَمَاعه مِنْ أقدم من مُتَقَدم الْإِسْلَام، أَو مثله، وَمَعَ هَذَا يكون حَدِيث [٨٣ - أ] مُتَأَخّر [الْإِسْلَام مُتَأَخِّرًا] ، أَو يُمكن أَن يُقَال: إِذا تطرق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال لَا يكون مُعَارضا، فارتفع الْإِشْكَال. (لَكِن إِن وَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ) أَي الصَّحَابِيّ، (لَهُ) أَي لمَرْويه (من النَّبِي [ ﷺ ]

стр. 266

فيتّجه) بتَشْديد التَّاء، أَي فَيتَوَجَّه ويتعيَّن. (أَن يكون) أَي مروية (نَاسِخا بِشَرْط أَن يكون لم يتَحَمَّل عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا قبل إِسْلَامه) فَإِنَّهُ لَو تحمل عَنهُ قبل إِسْلَامه، وَرَوَاهُ بعد إِسْلَامه جَازَ. قَالَ محشي: وَفِيه أَن عدم تحمل متأخرِ الْإِسْلَام شَيْئا من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قبل إِسْلَامه، لَا يُوجب تَأَخّر مرويه من مُتَقَدم الْإِسْلَام، لجَوَاز أَن يسمع [الْمُتَأَخر عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قبل أَن يسمع] مُتَقَدم الْإِسْلَام شَيْئا آخر. فَالصَّوَاب أَن يَقُول: بِشَرْط عدم تحمله شَيْئا مِنْهُ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قبل إِسْلَامه، مَعَ موت مُتَقَدم الْإِسْلَام قبل [إِسْلَام] الْمُتَأَخر، أَو مَعَ الْعلم بِأَن الْمُتَقَدّم لم يسمع شَيْئا بعد إِسْلَام الْمُتَأَخر تَأمل. انْتهى. وَيُمكن أَن يُقَال: اكْتفى المُصَنّف عَن ذكرهمَا لوضوح اعتبارهما. (وَأما الْإِجْمَاع) أَي على حكم شَرْعِي معَارض لحكم آخر شَرْعِي مُتَقَدم (فَلَيْسَ بناسخ) أَي لَهُ بِمُجَرَّدِهِ / ٦٠ - ب / لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، لِأَن الْإِجْمَاع هُوَ إِجْمَاع الْأمة. [وَالْأمة] لَا تنسخ حكما أَتَى بِهِ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، [كَذَا قيل، وَقيل لِأَنَّهُ لَا ينْعَقد إِلَّا بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم] ، وَبعدهَا ارْتَفع النّسخ.

стр. 267

(بل يدل على ذَلِك) أَي على وجود نَاسخ غَيره / يَعْنِي: بِالْإِجْمَاع يُستدل على وجود خبر مَعَه يَقع بِهِ النّسخ، كَذَا ذكره السخاوي. وَحَاصِله: أَن الْإِجْمَاع بِذَاتِهِ لَا يصلح أَن يكون نَاسِخا، لَا فِي حَيَاته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بعد مماته، بل إِذا تعَارض حديثان، والإجماعُ على حَدِيث يدل على أَن السَّنَد الَّذِي عمل بِهِ الْإِجْمَاع نَاسخ للْأولِ؛ إِذْ الْإِجْمَاع لَا بُد أَن يكون مُسْتَندا إِلَى سَنَد نَص من الْكتاب [٨٣ - ب] أَو السّنة. وَإِنَّمَا هُوَ أقوى مِنْهُمَا كَمَا ذَكرُوهُ، لِأَن الْكتاب وَالسّنة يجْرِي فيهمَا احْتِمَال الْمعَانِي، والمتقدم، والتأخر، والتخصيص، والتعميم وَنَحْو ذَلِك، بِخِلَاف الْإِجْمَاع، فَإِنَّهُ نَص فِي الْمَقْصُود. ثمَّ مُسْتَند الْإِجْمَاع قد يكون قِيَاسا، ومستند الْقيَاس النَّص، فَيرجع إِلَيْهِمَا. هَذَا، وَفِي كَلَام الشَّيْخ إِشَارَة لَطِيفَة إِلَى اعتراضٍ فِعْليّ على صَاحب " الْخُلَاصَة " حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا النَّوْع مِنْهُ مَا عرف بِنَصّ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْه مَا عرف بقول الصَّحَابِيّ، وَمِنْه مَا عرف بالتاريخ، وَمِنْه مَا عرف بِالْإِجْمَاع، كَحَدِيث " قتل شَارِب الْخمر فِي الرَّابِعَة " عُرِفَ نسخه بِالْإِجْمَاع

стр. 268

على خلافِه، وَالْإِجْمَاع لَا يَنْسَخ، وَإِنَّمَا يدل على النّسخ. انْتهى وَلَا شكّ أَن صَنِيع صَاحب " الْخُلَاصَة " أظهرُ، فَإِنَّهُ لَا يلْزم من علمنَا وبالإجماع، علمنَا بمستندهم من حَدِيث أَو غَيره، فَيصدق عَلَيْهِ أَنه مِمَّا يعرف بِهِ النَّاسِخ، فَلَا وَجه لعدول المُصَنّف عَن ذَلِك. (وَإِن لم يعرف التَّارِيخ) أَي تَارِيخ تَأَخّر أَحدهمَا، (فَلَا يَخْلُو) أَي الْحَال عَن أحد الْأَمريْنِ: (إِمَّا أَن يُمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح) ، التَّرْجِيح فِي اللُّغَة: جعل الشَّيْء راجحاً. وَفِي الِاصْطِلَاح: اقتران الأمارة بِمَا يتقوى بِهِ على معارضها. وَقد سرد مِنْهَا الْحَازِمِي فِي كِتَابه " النَّاسِخ والمنسوخ " خمسين، مَعَ إِشَارَته إِلَى زيادتها، وَبلغ بهَا غَيره زِيَادَة على مئة. (الْمُتَعَلّقَة بِالْمَتْنِ) كَكَوْنِهِ متْنا اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مثلا. وَهَذَا عَن الشَّافِعِي وَأَتْبَاعه، وَكَأن يكون مَدْلُوله الْحَظْر على مَا مَدْلُوله الْإِبَاحَة للِاحْتِيَاط. وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَأَصْحَابه. (أَو بِالْإِسْنَادِ أوْ لَا) كَكَوْنِهِ بِإِسْنَاد اتّصف بالأصحية مثلا، وَكَون أَحدهمَا سَمَاعا أَو عَرْضاً، وَالْآخر كِتَابَة أَو وِجادة أَو مناولة، وَكَون رَاوِي أحد الْحَدِيثين أَكثر عددا من الآخر [٨٤ - أ] ، أوْ لَهُ زِيَادَة ثِقَة، أَو فِطنة دون / ٦١ - أ / الآخر. كَذَا قَالُوا. وَفِي بَعْضهَا خلافٌ كَمَا تقدَّم من أَن الْمَذْهَب الْمَنْصُور عِنْد

стр. 269

عُلَمَائِنَا الْحَنَفِيَّة الأفقهية دون الأكثرية، وَالْأُضْحِيَّة. قَالَ تِلْمِيذه: قد يُقَال: هَذَا مِمَّا لَا معنى لَهُ، لِأَن ركن الْمُعَارضَة تَسَاوِي الحجتين، فِي الثُّبُوت، فَإِذا كَانَ أحد السندين أرجحَ لم تتَحَقَّق الْمُعَارضَة. انْتهى. وَأَيْضًا يُنَاقض كلامَه مَا قَالَ فِي تَقْرِير المقبول، حَيْثُ جعله مقسَماً ثَانِيًا، أَن المُرَاد بِهِ أصل الْقبُول لَا التَّسَاوِي فِيهِ، حَتَّى يكون الْقوي نَاسِخا للأقوى، بل الْحسن يكون نَاسِخا للصحيح، لوُجُود أصل الْقبُول، فَتدبر، فَإِن الْعقل يتحير. (فَإِن أمكن التَّرْجِيح تعين الْمصير إِلَيْهِ) أَي بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ، (وَإِلَّا) مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار الْمَتْن، وَإِلَّا ثَبت الْمُتَأَخر، وَيَأْتِي جَوَابه، وَبِاعْتِبَار الشَّرْح وَإِن لم يُمكن التَّرْجِيح، (فَلَا) أَي فَلم يتَعَيَّن المصيرُ إِلَيْهِ بل / يتَوَقَّف الحكم لَا لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ. (فَصَارَ مَا ظَاهره التَّعَارُض) قيد بِمَا ظَاهره التَّعَارُض، إِذْ لَا يتعارض

стр. 270

النصان فِي الْوَاقِع، وَلَا يَقع متناقضان شرعيان فِي نفس الْأَمر (وَاقعا على هَذَا التَّرْتِيب) . قَالَ تِلْمِيذه: مُقْتَضى النّظر طلبُ التَّارِيخ أَولا لتنتفي الْمُعَارضَة إِن وجد، ثمَّ إِذا لم يُوجد، (الجمعُ إِن أمكن) بِرَفْع الْجمع، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَقَوله: (فاعتبار النَّاسِخ والمنسوخ) عطف عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَة تَفْسِير التَّرْتِيب، وَإِنَّمَا عدلنا عَن الْجَرّ على سَبِيل الْبَدَلِيَّة وَالْبَيَان، مَعَ أَنه استعمالُ الأكثرِ الْمُخْتَار فِي الحَدِيث وَالْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَكَقَوْلِه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " بني الْإِسْلَام على خمس: شهادِة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ... " ليُوَافق قَوْله: (فالترجيح) فَإِنَّهُ يتَعَيَّن أَن يكون بِالرَّفْع بِنَاء على الْمَتْن، (إِن تعين) أَي الْمصير إِلَيْهِ بعد أنْ أمكن، (ثمَّ التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بِأحد [٨٤ - ب] الْحَدِيثين) حَتَّى يظْهر حكمه، ويتبينَ أمره. وَقيل: يُهْجَم فٌ يْفَتى بِوَاحِد مِنْهُمَا، أَو يُفْتَى بِهَذَا فِي وَقت، وَبِهَذَا فِي آخر، كَمَا يفعل أَحْمد، وَذَلِكَ غَالِبا بِسَبَب اخْتِلَاف رِوَايَات أَصْحَابه عَنهُ، كَذَا ذكره السخاوي، وَكَذَا صَنِيع مَالك وَأحمد فِي سَلام السَّهْو.

стр. 271

(وَالتَّعْبِير التَّوَقُّف أولى من التَّعْبِير بالتساقط) على مَا اشْتهر على الْأَلْسِنَة من أَن الدَّلِيلَيْنِ إِذا تَعَارضا تساقطا، أَي تساقط حكمهمَا، وَهُوَ يُوهم الِاسْتِمْرَار مَعَ أَن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن سُقُوط حكمهمَا إِنَّمَا هُوَ لعدم ظُهُور تَرْجِيح أَحدهمَا حِينَئِذٍ. وَلَا يلْزم مِنْهُ اسْتِمْرَار التساقط، مَعَ أَن إِطْلَاق التساقط على الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة خَارج عَن سنَن الْآدَاب السّنيَّة وَبِمَا ذكرنَا ظهر وَجه التَّعْلِيل بقوله: (لِأَن خَفَاء تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ للمعتبر) قيل الأولى إِلَى الْمُعْتَبر (فِي الْحَالة الراهنة) أَي الثَّابِتَة / ٦١ - ب / الْمَوْجُودَة. فَفِي " الصِّحَاح " [يُقَال] : رهن: دَامَ وَثَبت. وَقيل: أَي الحاصرة سميت بهَا، لِأَن الرَّهْن هُوَ الْحَبْس فِي اللُّغَة، والمرهون مَحْبُوس فِيهَا لَا فِيمَا قبلهَا، وَلَا فِيمَا بعْدهَا. (مَعَ احْتِمَال أَن يظْهر لغيره مَا خَفِي عَلَيْهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ . (وَالله أعلم) .

стр. 272

( [أَقسَام الْمَرْدُود] ) (ثمَّ الْمَرْدُود) لما فرغ لما من أَقسَام المقبول شرع فِي أَقسَام الْمَرْدُود. (وَمُوجب الرَّد) أَي مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ حُرْمَة الْعَمَل بِهِ، أَي الْمَرْدُود، وَحكمه الْمُتَرَتب عَلَيْهِ، كِلَاهُمَا لجِهَة وَاحِدَة. (إِمَّا أَن يكون) أَي الْمَرْدُود يَعْنِي رده، أَو مُوجب رده، فَانْدفع مَا قَالَ تِلْمِيذه: يُقَال على هَذَا: إِن الشَّرْح غير معنى الأَصْل. انْتهى. إِذْ كَانَ ظَاهر مُرَاعَاة الْجَانِبَيْنِ أَن يَقُول بِدُونِ الْعَطف: مُوجب رده إِمَّا أَن يكون بِسَبَبِهِ، وَالظَّاهِر أَنه اسْم مفعول من الْإِيجَاب، أَي مَا أوجب رده، أَي وَاجِب الرَّد، إِمَّا أَن يكون: (لسقط) بِاللَّامِ وَفِي نُسْخَة: [٨٥ - أ] بِالْمُوَحَّدَةِ، وتثليث السِّين، وَالْفَتْح هُنَا أظهر أَي لسقوطه بِحَذْف الْمُضَاف إِن كَانَ السقط بِمَعْنى مَا يسْقط، كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله فِيمَا بعد: إِن كَانَ بِاثْنَيْنِ. وَإِن كَانَ بِمَعْنى السُّقُوط، فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ. فِي الْمغرب: السقط بالحركات الثَّلَاث، ولد سقط قبل تَمَامه. وَكَذَلِكَ سقط النَّار: مَا يسْقط مِنْهَا عِنْد الْقدح، فَإِن أُرِيد / بِالسقطِ فَفِيهِ التَّجْرِيد، وَإِن كَانَ بِمَعْنى السُّقُوط فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ.

стр. 273

قَالَ محشي: وَيجوز أَن يقْرَأ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل كَمَا صحّح فِي بعض النّسخ، أَي مَا أوجب رد نَفسه، وَذَلِكَ بِاعْتِبَار اشتماله على السُّقُوط، أَو بِاعْتِبَار اشتماله على كَونه مَقْرُونا بالطعن. وَهَذَا معنى قَوْله: لسقط أَو طعن، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ قَوْله: مُوجب الرَّد، عطف تفسيري للمردود. وَلَك أَن تَقول: الْمُوجب بِالْفَتْح مصدر ميمي، أَي وجوب الرَّد إِمَّا أَن يكون لسقط أَو طعن، وَفِيه أَنه حِينَئِذٍ يبْقى الْمَرْدُود. أَو يَقُول: اللَّام فِي السقط زَائِدَة، وَالْمعْنَى مُوجب الرَّد بِالْكَسْرِ، إِمَّا السقط وَإِمَّا الطعْن، وَفِيه مَا ذكر. انْتهى. وَفِيه أَن مصدر الْمُوجب هُوَ الْإِيجَاب لَا الْوُجُوب، وَأَن خبر الْمَرْدُود على كل حَال: إِمَّا أَن يكون. وَحَاصِل الْكَلَام: أَن مَا يجب الرَّد بِسَبَبِهِ، وَهُوَ فَوَات صفة الْقبُول - أَعنِي الْعَدَالَة والضبط وَغَيرهمَا - إِمَّا أَن يكون لأجل سُقُوط، أَو سَببه حذف. (من إِسْنَاد) أَي على اخْتِلَاف أَنْوَاع الْحَذف، كَمَا سَيَأْتِي. (أَو طعن فِي راو) أَي من رُوَاة إِسْنَاده، (على اخْتِلَاف وُجُوه الطعْن) مِمَّا سَيَأْتِي (أَعم من أَن يكون) أَي الطعْن على اخْتِلَاف الْوُجُوه. (لأمر يرجع إِلَى ديانَة الرَّاوِي، أَو إِلَى ضَبطه) . فِيهِ أَن قَوْله: أَعم ... الخ مغن عَن قَوْله: على اخْتِلَاف وُجُوه الطعْن،

стр. 274

لَكِن إغناء الثَّانِي عَن الأول مِمَّا يتَسَامَح فِيهِ، بِخِلَاف / ٦٢ - أ / الْعَكْس، فَتَأمل. (فالسقط) أَي الْحَذف، (إِمَّا أَن يكون من مبادىء السَّنَد) أَي [٨٥ - ب] أَوَائِله. (من تصرف مُصَنف) ، فَمن الأولى: للتَّبْعِيض، وَالثَّانيَِة: ابتدائية. وَأَشَارَ المُصَنّف فِي الشَّرْح إِلَى تَقْدِير مُضَاف، وَالْمعْنَى أَنه نَشأ من تصرف مُصَنف، أَعم من أَن يكون مخرجا أَو غَيره، وَسَوَاء كَانَ السُّقُوط من الِابْتِدَاء فَقَط، كَمَا فِي الصُّورَة الثَّالِثَة من الصُّور الْمَذْكُورَة للمعلق كَمَا سَيَأْتِي. أَو مِنْهَا مبدوء بالسقوط من الْأَوْسَط، كَمَا فِي الصُّورَة الثَّانِيَة، أَو من الآخر أَيْضا كَمَا فِي الصُّورَة الأولى. (أَو من آخِره أَي الْإِسْنَاد) وَالْأولَى أَي السَّنَد، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الْمُعْتَمد اتِّحَاد الْإِسْنَاد والسند. وَالْمرَاد أَن يكون السُّقُوط من آخر السَّنَد فَقَط، بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، أَو يُقَال: المُرَاد من مبادئ السَّنَد، مَا يُقَال لَهُ المبادئ عرفا، فَتكون جمعية المبادئ مَعَ وحدة الآخر كَذَلِك. (بعد التَّابِعِيّ) قيد للْآخر، (أَو غير ذَلِك) أَي من غير شَرط الأولية والآخرية، أَو من غير ذَلِك الْمَذْكُور من المبادىء الْمقيدَة وَالْآخر.

стр. 275

( [الحَدِيث الْمُعَلق] ) (فَالْأول) وَهُوَ مَا يكون الْحَذف من مُبْتَدأ السَّنَد، ويعزى الحَدِيث إِلَى من فَوْقه (الْمُعَلق سَوَاء كَانَ السَّاقِط) أَي الْمَحْذُوف، (وَاحِدًا أم أَكثر) وَفِي نُسْخَة: أَو أَكثر أَي على التوالي، وَالْأَكْثَر أَعم من أَن يكون كل السَّنَد أَو بعضه، كَقَوْل البُخَارِيّ: وَقَالَ يحيى بن كثير، عَن عمر بن الحكم بن ثَوْبَان، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " إِذا قاء فَلَا يفْطر ". حَكَاهُ ابْن الصّلاح عَن بَعضهم، وَأقرهُ فَقَالَ: إِن لفظ التَّعْلِيق وجدته مُسْتَعْملا فِيمَا حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد أَو أَكثر، حَتَّى إِن بَعضهم اسْتَعْملهُ فِي حذف كل الْإِسْنَاد /. انْتهى. وَلم يذكر الْمزي هَذَا فِي كِتَابه " الْأَطْرَاف " فِي التَّعْلِيق، بل وَلَا مَا اقْتصر فِيهِ على الصَّحَابِيّ أَيْضا، مَعَ كَونه مَرْفُوعا، وَلم يشْتَرط صِيغَة الْجَزْم. وَلَعَلَّه اخْتَار مَذْهَب من تَأَخّر عَن ابْن الصّلاح، [٨٦ - أ] كالنووي، والمزي، فالتعليق عِنْدهم يكون بِصِيغَة الْجَزْم، ك: قَالَ فلَان، وروى فلَان، وبصيغة التمريض، ك: يرْوى، وَيذكر.

стр. 276

قَالَ ابْن الصّلاح: وَلم أجد لفظ التَّعْلِيق مُسْتَعْملا فِيمَا سقط مِنْهُ بعض رجال الْإِسْنَاد من وَسطه، وَلَا فِيمَا آخِره، وَلَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ جزم ك: يرْوى، وَيذكر. قَالَ: كَأَن التَّعْلِيق مَأْخُوذ من تَعْلِيق الْجِدَار، وَتَعْلِيق الطَّلَاق وَنَحْوهمَا، لما يشْتَرك الْجَمِيع فِيهِ من قطع الِاتِّصَال. واستبعد المُصَنّف أَخذه من تَعْلِيق الْجِدَار، وَلَعَلَّ وَجهه أَن الطَّرفَيْنِ أَو أَحدهمَا فِي تَعْلِيق الْجِدَار باقٍ على حَاله غيرُ سَاقِط، بِخِلَاف تَعْلِيق الحَدِيث. وَالله أعلم. (وَبَينه) أَي الْمُعَلق (وَبَين المُغْضَل الْآتِي ذكره، عُمُوم وخصوص من وَجه) / ٦٢ - ب / فِيهِ نظر، لِأَن المعضل قسم من الْقسم الثَّالِث الْمُقَابل للمعلق، فيكونان متباينين، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد من قَوْله السَّابِق: أَو غير ذَلِك، إِنَّمَا هُوَ الْمُغَايرَة مُطلقًا لَا المباينة، والتقسيم اعتباري لَا حَقِيقِيّ، والأقسام متصادقة. وَلَو قيل: المُرَاد هُوَ الْعُمُوم بِحَسب الْمَفْهُوم، دُفع بِأَنَّهُ يأباه. قَوْله: مَعَ بعض صور الْمُعَلق، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص من وَجه مجردَ الِاجْتِمَاع فِي وصف، والافتراق فِي آخر كَمَا سبق، وَبَيَانه قَوْله: (فَمن حَيْثُ تعريفُ المُعْضَل بِأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ) أَي من إِسْنَاده. (اثْنَان فَصَاعِدا) أَي على التوالي من أَي موضعٍ كَانَ، (يجْتَمع مَعَ بعض صور المُعَلَّق) وَهُوَ فِيمَا

стр. 277

إِذا كَانَ السَّاقِط اثْنَيْنِ فَصَاعِدا من مبادئ السَّنَد وتوضيحه: أَنَّهُمَا مجتمعان حَيْثُ أسقط مُصَنف من مبادئ السَّنَد أَكثر من وَاحِد على التوالي. وَيصدق المُعَلّق بِدُونِ المعضل، حَيْثُ أسقط مُصَنف من مبادئ السَّنَد [وَاحِدًا] أَو أَكثر [لَا] على التوالي، وَبِالْعَكْسِ حَيْثُ أسقط مُصَنف اثْنَيْنِ فَصَاعِدا على [٨٦ - ب] التوالي من الْأَوْسَط لَا من المبادئ، أَو أسقطهما مِنْهَا غير المُصَنّف، وَهَذَا معنى قَوْله: (وَمن حَيْثُ تقييدُ الْمُعَلق بِأَنَّهُ من تصرف المُصَنّف) أَي جنسه. (من مبادئ السَّنَد يفْتَرق) المعضل (مِنْهُ) أَي يصدق المُعْضَل بِدُونِ الْمُعَلق هَذَا وَيصدق المُعلق بِدُونِ المُعْضَل فِي صُورَة يكون السَّاقِط وَاحِدًا كَمَا علم من قَوْله: سَوَاء كَانَ، وَلذَا تَركه وَلم يذكر صدق المُعلق بِدُونِ المُعْضَل، وَإِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي ثُبُوت الْعُمُوم من وَجه. قَالَ تِلْمِيذه: لَا يَقع الِافْتِرَاق بِهَذَا، وَإِنَّمَا يَقع من حَيْثُ صدقُ الْمُعَلق [بِحَذْف وَاحِد] كَمَا فِي الصُّورَة الَّتِي اختُلف فِيهَا وَنَحْوهَا، وَالله أعلم. (إِذْ هُوَ) أَي المُعْضَل (أَعم من ذَلِك) لجَوَاز أَن يكون السَّاقِط من أواسط السَّنَد أَو من مباديه، لِأَن تصرفُ منصفٍ.

стр. 278

(وَمن صور الْمُعَلق: أَن يحذف جَمِيع السَّنَد، وَيُقَال مثلا: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) أَو يُقَال: فعل رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو فُعِل بِحَضْرَتِهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو نَحْو ذَلِك. (وَمِنْهَا أَن يحذِف) بِصِيغَة الْفَاعِل أَي المُصَنّف، أَو بِصِيغَة الْمَفْعُول، أَي يسْقط جَمِيع السَّنَد، (إِلَّا الصَّحَابِيّ) بِالنّصب أَو الرّفْع، (أَو إِلَّا الصَّحَابِيّ والتابعي مَعًا) / أَي مُجْتَمعين. قيل: وَلم يسْتَثْن التَّابِعِيّ فَقَط، مَعَ أَنه لم يشْتَرط التوالي فِي الْمُعَلق، فَيصدق ظَاهرا تَعْرِيفه على هَذِه الصُّورَة الَّتِي حذف آخِره، أَي الصَّحَابِيّ، وأوله أَيْضا بِنَاء على أَن معنى المرسَل مَا سقط من آخِره مَا بعد التَّابِعِيّ، أَي يذكر التَّابِعِيّ، ويحذف مَا بعده، فَيَنْبَغِي أَن لَا يكون الْمُعَلق كَذَلِك، بِقَرِينَة الْمُقَابلَة. وَفِيه أَن الْمُرْسل هُوَ مَا / ٦٣ - أ / سقط من آخِره فَقَط كَمَا مر، فَلَا يَشْمَل الْمُرْسل هَذِه الصُّورَة الَّتِي حذف آخِره وأوله، فَتكون دَاخِلَة فِي الْمُعَلق. (وَمِنْهَا أنْ يَحذف) أَي مُصَنف، (منْ حَدثهُ ويضيفه) أَي ينْسبهُ (إِلَى مَن فَوْقه، فَإِن كَانَ مَن فَوْقه [٨٧ - أ] شَيخا لذَلِك المُصَنّف) احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ شَيخا لَهُ، فَإِنَّهُ تَعْلِيق اتِّفَاقًا، فَيصح عَدهُ من صور التَّعْلِيق بِلَا خلاف.

стр. 279

(فقد اخْتلف فِيهِ) أَي فِي أَنه (هَل يُسَمى تَعْلِيقا أَو لَا؟ وَالصَّحِيح فِي هَذَا) - قَالَ تِلْمِيذه: أَي فِي مَحل الْخلاف أَنه هَل يُسمى تَعْلِيقا أم لَا - (التَّفْصِيل) وَهُوَ هَذَا: (فَإِن عرف بِالنَّصِّ) أَي نَص إِمَام مِن أَئِمَّة الحَدِيث، قَالَه التلميذ. (أَو الاستقراء) أَي بالتتبع التَّام، (أَن فَاعل ذَلِك) أَي الْحَذف، (مُدَلّس) بتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة، وَهُوَ الَّذِي يفعل ذَلِك ترويجاً لحديثه، (قُضي بِهِ) بِصِيغَة الْمَجْهُول، أَي حُكم بتدليسه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُعرف بِأَحَدِهِمَا أَنه مُدَلّس، (فتعليق) أَي فعله وَحَدِيثه مُعَلَّق، وَهَذَا يدل على مباينة الْمُعَلق للمدلس. وَفِيه أَنه يصدق تَعْرِيفه عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَن يُقيد تَعْرِيف المعلَّق، بِأَن يكون سُقُوط شَيْء من الْإِسْنَاد وَاضحا لَا خفِيا، حَتَّى يخرج المدلس (وَإِنَّمَا ذُكِر التَّعْلِيق فِي قسم الْمَرْدُود) أَي مَعَ أَن بعض أقسامه مَقْبُول يعْمل بِهِ، (للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف) أَي لكَون الرَّاوِي الْمَحْذُوف غير مَعْلُوم بِالْعَدَالَةِ والضبط. (وَقد يحكم بِصِحَّتِهِ) أَي الْمُعَلق أَو الْمَحْذُوف، وَهُوَ أقرب لقَوْله: (إِن عرف) أَي الْمَحْذُوف بِالْعَدَالَةِ والضبط، (بِأَن يَجِيء مُسَمّى) أَي مَوْصُوفا باسمه وَنسبه، أَو كنيته ولقبه، (من وَجه آخر) أَي من طَرِيق آخر، فَلَا يَصح جعل المعلَّق قسما من

стр. 280

الْمَرْدُود عِنْد الْجَمِيع (فَإِن قَالَ) أَي رَاوِي الْمُعَلق: (جَمِيع من أحذفه ثِقَات، جَاءَت) أَي حصلت (مَسْأَلَة التَّعْدِيل على الْإِبْهَام) كَأَن يَقُول الرَّاوِي: أَخْبرنِي الثِّقَة، وَفِي نُسْخَة: بِنصب الْمَسْأَلَة أَي كَانَت هَذِه الْمقَالة وَالْمَسْأَلَة. فكلمة جَاءَ هَذِه نَاقِصَة مثلهَا فِي: مَا جَاءَت حَاجَتك. (وَعند الْجُمْهُور) وَمِنْهُم: الْخَطِيب، والفقيه وَأَبُو بكر الصَّيْرَفِي، (لَا يُقبل) أَي الْمُبْهم، (حَتَّى يُسمى) ؛ لاحْتِمَال أَن يكون ثِقَة عِنْده دون غَيره، فَإِذا ذكر [٨٧ - ب] يعلم حَاله. قَالَ التلميذ: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء، لِأَنَّهُ تَقْدِيم للجرح المتوهم على التَّعْدِيل الصَّرِيح. وَفِيه أَن التَّعْدِيل الصَّرِيح على الْمُبْهم الْمَجْهُول كَلاَ تَعْدِيل (لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح هُنَا:) أَي فِي هَذَا المبحث (إِن وَقع الْحَذف فِي كتاب التزمت صِحَة " كالبخاري ") وَمثله مُسلم، (فَمَا أَتَى) أَي الْكتاب أَو صَاحبه (فِيهِ) أَي فِي التَّعْلِيق، (بِالْجَزْمِ) أَي بِصِيغَة الْجَزْم، ك: ذَكَرَ، وزادَ، ورَوَى فلَان، وَقَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، (دلّ) أَي / إِتْيَانه بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور (على أَنه) أَي الشَّأْن، (ثَبت إِسْنَاده) أَي المُعَلَّق / ٦٣ - ب / (عِنْده، وَإِنَّمَا حُذِف لغَرَض من الْأَغْرَاض) كالاقتصار، أَو خوف التّكْرَار، أَو بِأَن أسْند مَعْنَاهُ فِي الْبَاب وَلَو من طَرِيق آخر، فنبه بِالتَّعْلِيقِ عَلَيْهِ، أَو أَنه لم يسمعهُ مِمَّن يَثِق بِهِ، بِقَيْد الْعُلُوّ، أَو

стр. 281

سَمعه فِي حَال المذاكرة فقصد بذلك الْفرق بَين مَا حَدثهُ عَن مشايخه فِي حالتي التحديث والمذاكرة، وأحاديثُ المذاكرة قَلما يحتجون بهَا، أَو نبه بذلك على مَوضِع يُوهم تَعْلِيل الرِّوَايَة الَّتِي على شَرطه، أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يصحبها خلل الِانْقِطَاع، كَأَن يكون الرَّاوِي لَيْسَ على شَرطه، وَإِن كَانَ مَقْبُولًا، وَنَحْو ذَلِك. (وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْر الْجَزْم) مثل أَن يَقُول: يُذْكَر، أَو يُرْوى مَجْهُولا، (فَفِيهِ مقَال) أَي قَول كثير أَو مجَال اخْتِلَاف أَقْوَال. (وَقد أوضحت أَمْثِلَة ذَلِك) أَي أوردتها وَاضِحَة. وَقيل حق الْعبارَة: أوضحت ذَلِك بأمثلة وَاضِحَة، (فِي " النُكَت ") بِضَم النُّون، وَفتح الْكَاف اسْم كتاب للْمُصَنف مُشْتَمل على اعتراضات أوردهَا (على ابْن الصّلاح) قلت هَذَا إِيضَاح

стр. 282

فِي غَايَة [مِن] الْإِبْهَام، مَعَ أَنه لم يظْهر وَجه الِاسْتِدْرَاك. فَإِن الْجُمْهُور: إِذا لم يقبلُوا تَصْرِيح رَاوِي الْمُعَلق: بِأَن جَمِيع من أحذفه ... وَكَذَا قَول من يَقُول: حَدثنِي الثِّقَة، كَيفَ يقبلُونَ من الْتزم صِحَة كِتَابه، وَيذكر فِيهِ تعليقات، وَلم يُصَرح بِأَن [٨٨ - أ] تَعْلِيقه صَحِيح أم لَا؟ فَإِنَّهُ لَو صرح بِهِ لَكَانَ من قبيل مَا سبق. وَالْحَال أَنه يحْتَمل أَنه حذفه لغَرَض من الْأَغْرَاض، سَوَاء ذُكر بِصِيغَة الْجَزْم أَو بِصِيغَة التمريض. نعم صِيغَة الْمَجْهُول أبعدُ من الْمَعْلُوم فِي كَونه مَقْبُولًا ثمَّ رَأَيْت بعض متأخري المغاربة قَالَ: إِنَّه قسم ثانٍ من التَّعْلِيق، وأضاف إِلَيْهِ قَول

стр. 283

البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه: وَقَالَ لي فلَان، [وزادنا فلَان] فَوَسَمَ كل ذَلِك بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِل من حَيْثُ الظاهرُ الْمُنْفَصِل بِحَسب الْمَعْنى. وَقَالَ: إِذا قَالَ [قَالَ] لي، أَو قَالَ لنا: فَاعْلَم أَنه ذكره للاشتهاد لَا للاحتجاج. قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ عَمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات. وَأَحَادِيث المذاكرات قلمّا يحتجون بهَا، ورد ابْن الصّلاح هَذَا القَوْل، من حَيْثُ إِنَّه مُخَالف لما قَالَه أَبُو جَعفر بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ: كلما قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي، أَو قَالَ لنا، فَهُوَ عَرْضٌ ومناولة، وَذَلِكَ أَن أَبَا جَعْفَر أقدمُ مِنْهُ وَأعرف بالبخاري، وَفِيه بحث ظَاهر. ( [المُرْسَل] ) (وَالثَّانِي) أَي من أَقسَام السقط، (وَهُوَ مَا سقط من آخِره) أَي آخر إِسْنَاده (مَن) بِفَتْح الْمِيم، أَي صَحَابِيّ كَائِن، (بعد التَّابِعِيّ) وَإِنَّمَا قيدته بصحابي، فَإِن الحَدِيث الَّذِي حذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ (هُوَ المرسَل) وَهُوَ مَأْخُوذ من الْإِرْسَال بِمَعْنى الْإِطْلَاق، وَعدم الْمَنْع كَقَوْلِه تَعَالَى: (إِنَّا أرْسَلْنا الشَّيَاطِين على

стр. 284

الْكَافرين﴾ فَكَأَن المرسِل / ٦٤ - أ / أطلق الْإِسْنَاد وَلم يُقَيِّدهُ براوٍ مَعْرُوف، أَو مِن قَوْلهم: نَاقَة مِرسال، أَي سريعة السّير. كَأَن المُرسل أسْرع فِيهِ، فَحذف بعض إِسْنَاده، أَو من قَوْلهم: جَاءَ الْقَوْم أَرْسَالًا أَي مُتَفَرّقين، لِأَن بعض الإٍ سناد مُنْقَطع من بَقِيَّته. (وَصورته أَن يَقُول التَّابِعِيّ، سَوَاء كَانَ كَبِيرا) بِأَن لَقِي كثيرا من الصَّحَابَة / وَجَالسهمْ، وَكَانَت جُلّ رِوَايَته عَنْهُم، كقيس بن أبي حَازِم، وَسَعِيد بن الْمسيب، (أم صَغِيرا) وَفِي نُسْخَة: أَو صَغِيرا، بِأَن لم يلق من [٨٨ - ب] الصَّحَابَة إِلَّا الْعدَد الْيَسِير، أَو لَقِي جمَاعَة مَعَ كَون جلّ رِوَايَته عَن التَّابِعين، كيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. ذكره السخاوي. (قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] كَذَا، أَو فعل كَذَا، أَو فُعِل) بِصِيغَة الْمَجْهُول (بِحَضْرَتِهِ كَذَا، أَو نَحْو ذَلِك) أَي مِمَّا يُضَاف إِلَيْهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم من الرِّوَايَة، والسماعِ، والحُكْمِ، والجوابِ، والإجابِة، وَالْأَمر، وَالنَّهْي، وغيرِ ذَلِك مِمَّا يَشْمَل الحِلية وَنَحْوهَا. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَقَيده بَعضهم بالكبير. وَقَالُوا: لَا يكون حَدِيث صغَار التَّابِعين مُرْسلا، بل مُنْقَطِعًا، لأَنهم لم يلْقوا مِن الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد أَو الِاثْنَيْنِ، فَأكْثر روايتهم عَن التَّابِعين، وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَاف أَشَارَ ابْن الصّلاح بقوله: وَصورته الَّتِي لَا خلاف فِيهَا حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير.

стр. 285

وَقَالَ المُصَنّف: لم أر التَّقْيِيد [بالكبير] صَرِيحًا [عَن أحد] ، نعم قيد الشَّافِعِي ﵁ الْمُرْسل الَّذِي يُقبل إِذا اعتضد، بِأَن يكون من رِوَايَة التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يُسمى مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ الصَّغِير مُرْسلا وَأطْلقهُ الْفُقَهَاء والأصوليون على قَول مَن دون التَّابِعِيّ، مُنْقَطِعًا كَانَ أَو معضلاً: قَالَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلذَلِك قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره ". الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ: قَالَ رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. انْتهى. [وَإِلَيْهِ] ذهب الْخَطِيب، لَكِن قَالَ: إِن أَكثر مَا يُوصف بِالْإِرْسَال من حَيْثُ الِاسْتِعْمَال رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْحَاكِم وَغَيره من الْمُحدثين: الْمُرْسل مُخْتَصّ بالتابعي عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي " الْخُلَاصَة ": التَّحْقِيق أَن الْمُرْسل فِي اصْطِلَاح
следующие страницы →