← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سَمعه فِي حَال المذاكرة فقصد بذلك الْفرق بَين مَا حَدثهُ عَن مشايخه فِي حالتي التحديث والمذاكرة، وأحاديثُ المذاكرة قَلما يحتجون بهَا، أَو نبه بذلك على مَوضِع يُوهم تَعْلِيل الرِّوَايَة الَّتِي على شَرطه، أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يصحبها خلل الِانْقِطَاع، كَأَن يكون الرَّاوِي لَيْسَ على شَرطه، وَإِن كَانَ مَقْبُولًا، وَنَحْو ذَلِك. (وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْر الْجَزْم) مثل أَن يَقُول: يُذْكَر، أَو يُرْوى مَجْهُولا، (فَفِيهِ مقَال) أَي قَول كثير أَو مجَال اخْتِلَاف أَقْوَال. (وَقد أوضحت أَمْثِلَة ذَلِك) أَي أوردتها وَاضِحَة. وَقيل حق الْعبارَة: أوضحت ذَلِك بأمثلة وَاضِحَة، (فِي " النُكَت ") بِضَم النُّون، وَفتح الْكَاف اسْم كتاب للْمُصَنف مُشْتَمل على اعتراضات أوردهَا (على ابْن الصّلاح) قلت هَذَا إِيضَاح

стр. 282

فِي غَايَة [مِن] الْإِبْهَام، مَعَ أَنه لم يظْهر وَجه الِاسْتِدْرَاك. فَإِن الْجُمْهُور: إِذا لم يقبلُوا تَصْرِيح رَاوِي الْمُعَلق: بِأَن جَمِيع من أحذفه ... وَكَذَا قَول من يَقُول: حَدثنِي الثِّقَة، كَيفَ يقبلُونَ من الْتزم صِحَة كِتَابه، وَيذكر فِيهِ تعليقات، وَلم يُصَرح بِأَن [٨٨ - أ] تَعْلِيقه صَحِيح أم لَا؟ فَإِنَّهُ لَو صرح بِهِ لَكَانَ من قبيل مَا سبق. وَالْحَال أَنه يحْتَمل أَنه حذفه لغَرَض من الْأَغْرَاض، سَوَاء ذُكر بِصِيغَة الْجَزْم أَو بِصِيغَة التمريض. نعم صِيغَة الْمَجْهُول أبعدُ من الْمَعْلُوم فِي كَونه مَقْبُولًا ثمَّ رَأَيْت بعض متأخري المغاربة قَالَ: إِنَّه قسم ثانٍ من التَّعْلِيق، وأضاف إِلَيْهِ قَول

стр. 283

البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه: وَقَالَ لي فلَان، [وزادنا فلَان] فَوَسَمَ كل ذَلِك بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِل من حَيْثُ الظاهرُ الْمُنْفَصِل بِحَسب الْمَعْنى. وَقَالَ: إِذا قَالَ [قَالَ] لي، أَو قَالَ لنا: فَاعْلَم أَنه ذكره للاشتهاد لَا للاحتجاج. قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ عَمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات. وَأَحَادِيث المذاكرات قلمّا يحتجون بهَا، ورد ابْن الصّلاح هَذَا القَوْل، من حَيْثُ إِنَّه مُخَالف لما قَالَه أَبُو جَعفر بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ: كلما قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي، أَو قَالَ لنا، فَهُوَ عَرْضٌ ومناولة، وَذَلِكَ أَن أَبَا جَعْفَر أقدمُ مِنْهُ وَأعرف بالبخاري، وَفِيه بحث ظَاهر. ( [المُرْسَل] ) (وَالثَّانِي) أَي من أَقسَام السقط، (وَهُوَ مَا سقط من آخِره) أَي آخر إِسْنَاده (مَن) بِفَتْح الْمِيم، أَي صَحَابِيّ كَائِن، (بعد التَّابِعِيّ) وَإِنَّمَا قيدته بصحابي، فَإِن الحَدِيث الَّذِي حذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ (هُوَ المرسَل) وَهُوَ مَأْخُوذ من الْإِرْسَال بِمَعْنى الْإِطْلَاق، وَعدم الْمَنْع كَقَوْلِه تَعَالَى: (إِنَّا أرْسَلْنا الشَّيَاطِين على

стр. 284

الْكَافرين﴾ فَكَأَن المرسِل / ٦٤ - أ / أطلق الْإِسْنَاد وَلم يُقَيِّدهُ براوٍ مَعْرُوف، أَو مِن قَوْلهم: نَاقَة مِرسال، أَي سريعة السّير. كَأَن المُرسل أسْرع فِيهِ، فَحذف بعض إِسْنَاده، أَو من قَوْلهم: جَاءَ الْقَوْم أَرْسَالًا أَي مُتَفَرّقين، لِأَن بعض الإٍ سناد مُنْقَطع من بَقِيَّته. (وَصورته أَن يَقُول التَّابِعِيّ، سَوَاء كَانَ كَبِيرا) بِأَن لَقِي كثيرا من الصَّحَابَة / وَجَالسهمْ، وَكَانَت جُلّ رِوَايَته عَنْهُم، كقيس بن أبي حَازِم، وَسَعِيد بن الْمسيب، (أم صَغِيرا) وَفِي نُسْخَة: أَو صَغِيرا، بِأَن لم يلق من [٨٨ - ب] الصَّحَابَة إِلَّا الْعدَد الْيَسِير، أَو لَقِي جمَاعَة مَعَ كَون جلّ رِوَايَته عَن التَّابِعين، كيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. ذكره السخاوي. (قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] كَذَا، أَو فعل كَذَا، أَو فُعِل) بِصِيغَة الْمَجْهُول (بِحَضْرَتِهِ كَذَا، أَو نَحْو ذَلِك) أَي مِمَّا يُضَاف إِلَيْهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم من الرِّوَايَة، والسماعِ، والحُكْمِ، والجوابِ، والإجابِة، وَالْأَمر، وَالنَّهْي، وغيرِ ذَلِك مِمَّا يَشْمَل الحِلية وَنَحْوهَا. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَقَيده بَعضهم بالكبير. وَقَالُوا: لَا يكون حَدِيث صغَار التَّابِعين مُرْسلا، بل مُنْقَطِعًا، لأَنهم لم يلْقوا مِن الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد أَو الِاثْنَيْنِ، فَأكْثر روايتهم عَن التَّابِعين، وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَاف أَشَارَ ابْن الصّلاح بقوله: وَصورته الَّتِي لَا خلاف فِيهَا حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير.

стр. 285

وَقَالَ المُصَنّف: لم أر التَّقْيِيد [بالكبير] صَرِيحًا [عَن أحد] ، نعم قيد الشَّافِعِي ﵁ الْمُرْسل الَّذِي يُقبل إِذا اعتضد، بِأَن يكون من رِوَايَة التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يُسمى مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ الصَّغِير مُرْسلا وَأطْلقهُ الْفُقَهَاء والأصوليون على قَول مَن دون التَّابِعِيّ، مُنْقَطِعًا كَانَ أَو معضلاً: قَالَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلذَلِك قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره ". الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ: قَالَ رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. انْتهى. [وَإِلَيْهِ] ذهب الْخَطِيب، لَكِن قَالَ: إِن أَكثر مَا يُوصف بِالْإِرْسَال من حَيْثُ الِاسْتِعْمَال رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْحَاكِم وَغَيره من الْمُحدثين: الْمُرْسل مُخْتَصّ بالتابعي عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي " الْخُلَاصَة ": التَّحْقِيق أَن الْمُرْسل فِي اصْطِلَاح

стр. 286

الْمُحدثين أَن يتْرك التَّابِعِيّ الْوَاسِطَة بَينه وَبَين رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، [فَإِن ترك الرَّاوِي وَاسِطَة بَين الراويين] ، فَهَذَا يُسمى مُنْقَطِعًا، وَإِن ترك أَكثر من وَاحِد، فَهُوَ الْمُسَمّى بالمُعضل عِنْدهم، وَالْكل يُسمى مُرْسلا عِنْد الْفُقَهَاء والأصوليين. وَفِي " الْجَوَاهِر ": وَأما قَول الزُّهْرِيّ وَغَيره [٨٩ - أ] من التَّابِعِيّ الصَّغِير قَالَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَالْمَشْهُور عِنْد من خصّه بالتابعي أَنه مرسَل كالتابعي الْكَبِير، وَقيل: [بل] مُنْقَطع. انْتهى. وَمِنْه يعلم أَن التَّابِعِيّ إِذا لم تكن لَهُ رِوَايَة عَن الصَّحَابَة مُطلقًا وَأرْسل الحَدِيث، فَيَنْبَغِي أَن لَا يكون الْخلاف فِي كَونه مُنْقَطِعًا، كَمَا أَشَارَ / ٦٤ - ب / إِلَيْهِ السَّيِّد جمال الدّين الْمُحدث فِي " حَاشِيَة الْمشكاة " عِنْد قَوْله: وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " آفَة الْعلم النسْيَان " الحَدِيث. رَوَاهُ الدارِمي [مُرْسلا] ، حَيْثُ قَالَ: المُرَاد بِالْإِرْسَال هُنَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَهُوَ الِانْقِطَاع، لِأَن الْأَعْمَش لم يسمع من أحد من الصَّحَابَة، وَإِن ثَبت سَمَاعه من أنس، فالمرسل بِالْمَعْنَى الاصطلاحي. انْتهى وتوضيحه: أَن منشأ اخْتلَافهمْ فِي التَّابِعِيّ الصَّغِير، هُوَ أَن رِوَايَته عَن الصَّحَابِيّ قَليلَة نادرة، وَالْحكم إِنَّمَا يكون مَبْنِيا على الْغَالِب، فَإِذا تحقق عدم رِوَايَته عَن الصَّحَابِيّ، فَلَا وَجه للِاخْتِلَاف فِي كَون حَدِيثه مُرْسلا / بل يكون مُنْقَطِعًا قطعا، وَالله أعلم.

стр. 287

(وَإِنَّمَا ذكر) أَي الْمُرْسل، (فِي قسم الْمَرْدُود) مَعَ أَن الْمُعْتَمد عِنْد الْمُحدثين أَنه مَا حُذف مِنْهُ الصَّحَابِيّ وَهُوَ - لَا شكّ - أَنه ثِقَة. وَلذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِن الْمُرْسل حجَّة مُطلقًا بِنَاء على الظَّاهِر من حَاله، وَحسن الظَّن بِهِ أَنه مَا يروي حَدِيثه إِلَّا عَن الصَّحَابِيّ. وَإِنَّمَا حذفه لسَبَب من الْأَسْبَاب، كَمَا إِذا كَانَ يروي ذَلِك الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، كَمَا ذكر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: إِنَّمَا أطلقته إِذا سمعته من سبعين من الصَّحَابَة، وَكَانَ قد يحذف اسْم عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بالخصوص أَيْضا لخوف الْفِتْنَة (للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف) أَي فِي الْجُمْلَة؛ (لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون) أَي الْمَحْذُوف؛ (صحابياً، وَيحْتَمل) أَي احْتِمَالا بَعيدا، وَلذَا مَا اعْتَبرهُ الْجُمْهُور من الْأُصُولِيِّينَ، (أَن يكون تابعياً) بِأَن تَابع مَذْهَب الْفُقَهَاء وَغَيرهم، أَو لعدم تقيدهم بالرواية عَن الصَّحَابَة.

стр. 288

(وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يكون ضَعِيفا، وَيحْتَمل أَن يكون ثِقَة) [٨٩ - ب] لعدم تقيدهم بالرواية عَن الثِّقَات. وَأما على الأول: فَثِقَة جزما لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. (وعَلى الثَّانِي) أَي على تَقْدِير كَون التَّابِعِيّ ثِقَة، (يحْتَمل أَن يكون حَمَل) أَي أَخذ وَتحمل (عَن صَحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون حَمَل عَن تَابِعِيّ آخر) وعَلى الأول أَيْضا يحتملها، لَكِن المُرَاد بَيَان سَبَب ذكره فِي الْمَرْدُود، [وعَلى الأول ظهر الْمَرْدُود بِهِ] فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَان الِاحْتِمَالَات فِيهِ. (وعَلى الثَّانِي) وَهُوَ احْتِمَال كَون الثَّانِي حَامِلا عَن تَابِعِيّ آخر، (فَيَعُود) أَي يرجع (الِاحْتِمَال السَّابِق) وَهُوَ احْتِمَال كَون التَّابِعِيّ ضَعِيفا، أَو ثِقَة. وإلفاء إِمَّا لتقدير [أما] أَو لتوهمها. (ويتعدد) أَي وَيحْتَمل تعدداً آخر ويرتقي احْتِمَاله، (أما بالتجويز الْعقلِيّ فِي احْتِمَال التَّعَدُّد، فَإلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ) أَي مَعَ قطع النّظر عَن الدَّلِيل النقلي الْخَارِجِي، فَانْدفع مَا قَالَ تِلْمِيذه: محَال عِنْد الْعقل، أَن يجوز بَين التَّابِعِيّ وَالنَّبِيّ [ ﷺ ] من لَا يتناهى. كَيفَ وَقد وَقع التناهي فِي الْوُجُود

стр. 289

الْخَارِجِي بِذكر النَّبِي [ ﷺ ] . انْتهى. وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ الْكَثْرَة وأتى بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ مُبَالغَة، إِذْ من الْمَعْلُوم عِنْد الْعُقَلَاء أَن الانتساب إِلَى آدم ﵇ / ٦٥ - أ / أَمر متناه، فَكيف إِلَى نَبينَا ﷺ ، فمراده أَنه يَتَعَدَّد، أما بالتجويز الْعقلِيّ إِلَى أَتبَاع غير محصورة عِنْدهم، بِقَرِينَة الْمُقَابلَة بقوله: (وَأما بالاستقراء) أَي بالتتبع الْحَاصِل بِالدَّلِيلِ النقلي (فَإلَى) أَي فينتهي التَّعَدُّد إِلَى (سِتَّة أَو سَبْعَة) . قَالَ محشٍ: " أَو " للترديد، أَو بِمَعْنى بل، ثمَّ كتب فِي حَاشِيَته أَن " أَو " هَذِه تحتملهما، وحاصلهما: اخْتِيَاره أَن أَو بِمَعْنى [بل] لَكِن نقل التلميذ عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: " أَو " هُنَا للشَّكّ لِأَن السَّنَد الَّذِي ورد فِيهِ سَبْعَة أنفس اخْتلفُوا فِي واحدهم هَل هُوَ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ، فَإِن ثَبت صحبته فَإِن التَّابِعين سِتَّة، وَإِلَّا فسبعة. (وَهُوَ) أَي هَذَا الْعدَد، (أَكثر مَا وجد من رِوَايَة بعض التَّابِعين، عَن بعض) . وَاعْلَم أَن كَون الْمُرْسل [٩٠ - أ] حَدِيثا ضَعِيفا لَا يحْتَج بِهِ، إِنَّمَا هُوَ اخْتِيَار جمَاعَة من الْمُحدثين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵁، وَطَائِفَة من الْفُقَهَاء،

стр. 290

وَأَصْحَاب الْأُصُول. وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه، وَغَيرهم من أَئِمَّة / الْعلمَاء كأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: أَنه صَحِيح يحْتَج بِهِ، بل حكى ابْن جرير إِجْمَاع التَّابِعين بأسرهم على قبُوله، وَأَنه لم يَأْتِ عَن أحد مِنْهُم إِنْكَاره، وَلَا عَن أحد من الْأَئِمَّة بعدهمْ، إِلَى رَأس المئتين الَّذين هم من الْقُرُون الفاضلة، الْمَشْهُود لَهَا من الشَّارِع صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بالخيرية. وَبَالغ بعض الْقَائِلين بقوله، فقواه على الْمسند مُعَللا: بِأَن من أسْند فقد أحالك، وَمن أرسل فقد تكفل لَك، وَهَذَا إِذا لم يعرف حَاله. (فإنْ عُرِف من عَادَة التَّابِعِيّ أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة، فَذهب جُمْهُور الْمُحدثين) أَي على زَعمه، (إِلَى التَّوَقُّف) أَي فِي قبُوله ورده. وَيرد على المُصَنّف أَنه حِينَئِذٍ لَا يَصح جعله قسما من [أَقسَام] الْمَرْدُود الْقطعِي على مَذْهَبهم (لبَقَاء الِاحْتِمَال) إِذْ يجوز أَن يكون ثِقَة عِنْده لَا فِي نفس الْأَمر كَذَا قيل.

стр. 291

وَهُوَ غير صَحِيح؛ إِذْ الْكَلَام مَبْنِيّ على فرض أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة. وَعلم هَذَا من دأبه بالتتبع فِي نَقله، لَا بِنَاء على قَوْله. فَالصَّوَاب أَن يُقَال: لبَقَاء احْتِمَال أَن يكون هَذَا الْإِرْسَال بِخُصُوصِهِ من غير عَادَته. وَقَالَ شَارِح: إِلَى التَّوَقُّف، وَأَنه لَا يقبل. وَظَاهره منَاف للتوقف إنْ قُرئ بِفَتْح أَنه، وَأما إِذا قرئَ بِكَسْر إِنَّه، فَلهُ وَجه، وَهُوَ: أَن التَّعْلِيل إِنَّمَا هُوَ لعدم الْقبُول المستلزم لعِلَّة عدم الرَّد، وَهُوَ بَقَاء الِاحْتِمَال، إِذْ لَا يَصح الِاسْتِدْلَال مَعَ وجود الِاحْتِمَال نفيا وإثباتاً. (وَهُوَ أحد قولي أَحْمد) أَي غير الْمَشْهُور عَنهُ. (وَثَانِيهمَا: وَهُوَ قَول المالكيين والكوفيين) فَيرد على المُصَنّف أَنه لَا يَصح جعله قسما من الْمَرْدُود بِنَاء على جَمِيع الْمذَاهب. (يقبل) أَي الْمُرْسل، (مُطلقًا) [٩٠ - ب] . قَالَ / ٦٥ - ب / تِلْمِيذه: الأولى تَركه، أَو تَأْخِير قَول المالكيين والكوفيين عَن قَول الشَّافِعِي، إِذْ يُوهم الْإِطْلَاق أَنه سَوَاء عُرِفَ من عَادَته مَا ذُكرَ أوْ لَا، فيخالف مَا عِنْد الْكُوفِيّين والمالكيين. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بقوله: مُطلقًا سَوَاء اعتضد بمجيئه من وَجه آخر، أَو لم يعتضد بمجيئه بِدَلِيل قَوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِي: يقبل) أَي [لَا] مُطلقًا [بل] فِيهِ تَفْصِيل. (إِن اعتضد) على بِنَاء الْمَجْهُول، (بمجيئه من وَجه آخر) أَي إِسْنَاد آخر (يباين) أَي يغاير

стр. 292

(الطَّرِيق الأولى) وَفِي نُسْخَة: الأول لِأَن الطَّرِيق يؤنث وَيذكر (مُسْندًا كَانَ) أَي الثَّانِي، (أَو مُرْسلا) وَسَوَاء كَانَ الثَّانِي صَحِيحا، أَو حسنا، أَو ضَعِيفا، ذكره الشَّيْخ زَكَرِيَّا. (ليترجح احْتِمَال كَون الْمَحْذُوف) أَي فِي الْإِسْنَاد الأول. (ثِقَة فِي نفس الْأَمر) . وَفِيه بحثان: الأول: إِنَّه إِذا كَانَ الثَّانِي مُرْسلا أَيْضا لَا يظْهر وَجه التَّرْجِيح، إِذْ الضَّعِيف لَا يُقَوي الضَّعِيف، نعم، كَثْرَة الطّرق الضعيفة قد تقويه وتخرجه إِلَى حد الْحسن لغيره. وَالثَّانِي: أَنه إِذا اعتضد بِمُسْنَد، فَالْمُسْنَدُ هُوَ الْمُعْتَمد، وَلَا حَاجَة إِلَى الْمُرْسل، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: الْمسند قد يكون ضَعِيفا وَبَان بِهِ قُوَّة السَّاقِط وصلاحيته للاحتجاج، وَقد يُقَال: إنَّهُمَا دليلان إِذْ الْمسند دَلِيل بِرَأْسِهِ، والمرسل يعتضد بِهِ وَيصير دَلِيلا أخر، فيرجح بهما الْخَبَر عِنْد مُعَارضَة خبر لَيْسَ لَهُ طَرِيق سوى مُسْنده /. (وَنقل أَبُو بكر الرَّازِيّ) صَاحب شرعة الْإِسْلَام (من الْحَنَفِيَّة، وَأَبُو الْوَلِيد

стр. 293

الْبَاجِيّ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَالْجِيم نِسْبَة إِلَى باجة، بلد بإفريقية، مِنْهُ أَبُو [الْوَلِيد] سُلَيْمَان بن خلف الإِمَام المُصَنّف، ذكره " الْقَامُوس ". (من الْمَالِكِيَّة: أَن الرَّاوِي إِذا كَانَ يُرْسل عَن الثِّقَات) أَي تَارَة، (وَغَيرهم) أُخْرَى. (لَا يقبل مرسله اتِّفَاقًا) أَي إِذا عرف من حَاله [٩١ - أ] [أَنه] غير مُلْتَزم بِأَن يُرْسِلهُ عَن ثِقَة، فَلَا يقبل مرسله، وَأما إِذا لم يعلم حَاله، فمرسله مَقْبُول إتفاقا عِنْد الحنيفة والمالكية. ( [المعضل] ) (وَالْقسم الثَّالِث) أَشَارَ الشَّارِح إِلَى أَن الثَّالِث صفة لموصوف مَحْذُوف هُوَ الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: (من أَقسَام السقط) أَي الْحَذف. (من الْإِسْنَاد) صفة أُخْرَى، وَالْخَبَر قَوْله: (إِن كَانَ) أَي السقط، (بِاثْنَيْنِ) أَي حَاصِلا بهما (فَصَاعِدا) أَي فَكَذَا مَا يكون زَائِدا عَلَيْهِمَا، (مَعَ التوالي) أَي لَكِن بِشَرْط الْمُوَالَاة فِي مَوضِع السُّقُوط، (فَهُوَ

стр. 294

المعضل) أَي فالقسم الَّذِي [يكون] فِي إِسْنَاده ذَلِك هُوَ الْمُسَمّى بالمعضل، من أعضله أَي أعياه، فَهُوَ معضل بِهِ، أَو فِيهِ أَي معنى، فَكَأَن الْمُحدث الَّذِي حدث بِهِ أعضله وأعياه، فَلم ينْتَفع من يرويهِ عَنهُ. قَالَ السخاوي فِي " شرح الألفية "، هُوَ بِفَتْح الْمُعْجَمَة، من الرباعي المعتدي: يُقَال: أعضله، / ٦٦ - أ / فَهُوَ معضل وعضيل، كَمَا سمع فِي أعقدت الْعَسَل، فَهُوَ عقيد، بِمَعْنى معقد، وَأعله الْمَرَض، فَهُوَ عليل، بِمَعْنى مُعل، وفعيل بِمَعْنى مُفعل، إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْمُتَعَدِّي. والعضيل: المستغلق الشَّديد، فَفِي حَدِيث: " أَن عبدا [من عباد الله] قَالَ يَا رب لَك الْحَمد كَمَا يَنْبَغِي لجلال وَجهك وعظيم سلطانك، فأعضلت بالملكين، فَلم يدريا كَيفَ يكتبان ... " الحَدِيث. كَمَا قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ من العضال، الْأَمر الشَّديد الَّذِي لَا يقوم لَهُ صَاحبه. انْتهى. فَكَأَن الْمُحدث الَّذِي حدث بِهِ أعضله، حَيْثُ ضيق المجال من يُؤَدِّيه إِلَيْهِ، وَحَال بَينه وَبَين معرفَة رُوَاته بالتعديل أَو الْجرْح، وشدد عَلَيْهِ الْحَال،

стр. 295

وَيكون ذَلِك الحَدِيث معضلا لإعضال الرَّاوِي لَهُ، تمّ كَلَامه. قَالَ الشَّيْخ زَكَرِيَّا: وَأعلم أَن المعضل يُقَال للمشكل أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الضَّاد أَو بِفَتْحِهَا على أَنه مُشْتَرك، نبه عَلَيْهِ شَيخنَا. انْتهى. وَقَالَ ابْن الصّلاح: أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: أعضله فَهُوَ معضل بِفَتْح الضَّاد، [٩١ - ب] وَهُوَ اصْطِلَاح مُشكل المأخذ - وَوجه بِأَن مفعلا بِفَتْح الْعين، [لَا يكون] إِلَّا من ثلاثي لَازم، عدي بِالْهَمْزَةِ، وَهَذَا لَازم مَعهَا - وَقَالَ: [بحثت] فَوجدت لَهُ من قَوْلهم: أَمر عضيل، أَي مستغلق شَدِيد، فَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل يدل على الثلاثي. انْتهى. وَقد يُقَال: إِن أعضل بِمَعْنى استغلق لَازم، وَأما الْمُتَعَدِّي بِمَعْنى أعيا، فإشكال المأخذ بَاقٍ غير مندفع، فَالْأولى أَن يُقَال: إِنَّه من أعضله بِمَعْنى أعياه، فَفِي " الْقَامُوس ": عضل عَلَيْهِ ضيق، وَبِه الْأَمر: اشْتَدَّ كأعضل وأعضله، وتعضل الدَّاء الْأَطِبَّاء وأعضلهم ". هَذَا، وَفِي " الْخُلَاصَة ": المعضل: مَا سقط من سَنَده اثْنَان فَصَاعِدا. انْتهى كَلَامه. وَلم يعْتَبر فِيهِ التوالي، وَلَا عدم كَونه من المبادىء، وَلَا أَن [لَا] يكون من مُصَنف، وَكَذَا فِي " التَّحْقِيق ". وَفِي " الْجَوَاهِر " قيل: قَول الرَّاوِي: بَلغنِي، كَقَوْل

стр. 296

[مَالك] : بَلغنِي عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كَذَا / يُسمى مغضلا عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث. انْتهى. فَالْأولى أَن يَجْعَل المعضل من أَقسَام الْمَرْدُود، لَا من أَقسَام السقط، فَتدبر وَتَأمل. ( [المنُقطع] ) (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك، أَعنِي إِن لم يحصل مَجْمُوع مَا ذكر فِي المعضل، (بِأَن كَانَ السقط اثْنَيْنِ غير متواليين فِي موضِعين) مُجَرّد تَأْكِيد، وَإِلَّا فَغير المتواليين لَا يكون إِلَّا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، (مثلا فَهُوَ الْمُنْقَطع) والأنسب تَأْخِير قَوْله: فَهُوَ الْمُنْقَطع عَن قَوْله: (وَكَذَا إِن سقط وَاحِد فَقَط، أَو أَكثر من اثْنَيْنِ، لَكِن بِشَرْط عدم التوالي) ، قَالَ المُصَنّف: وَيُسمى مَا سقط مِنْهُ وَاحِد مُنْقَطِعًا فِي مَوضِع، وَمَا سقط مِنْهُ اثْنَان بِالشّرطِ مُنْقَطِعًا فِي موضِعين، وَهَكَذَا؛ إِن فِي ثَلَاثَة، فَفِي / ٦٦ - ب / ثَلَاثَة، وَإِن فِي أَرْبَعَة، فَفِي أَرْبَعَة، نَقله التلميذ. قيل: وَانْتِفَاء ذَلِك الْمَجْمُوع إِمَّا بِانْتِفَاء [٩٢ - أ]

стр. 297

الأثنينية فَصَاعِدا، بِأَن يكون وَاحِدًا، أَو بِانْتِفَاء التوالي من اثْنَيْنِ، أَو من أَكثر من اثْنَيْنِ كَذَلِك، فَذكر الْأَوْسَط وتقيده ب: مثلا ليَكُون إِشَارَة إِلَى الطَّرفَيْنِ، [ثمَّ ذكر الطَّرفَيْنِ] بعد قَوْله: فَهُوَ الْمُنْقَطع، لَا يَخْلُو عَن غلق. وَمَا قيل: من أَن النَّفْي الْحَاصِل فِي " إِلَّا " مُتَوَجّه إِلَى قيد التوالي، كَمَا يُقَال فِي الْعَرَبيَّة: إِن النَّفْي يرجع إِلَى الْقَيْد، وَإِذا فسره بِهِ وَعطف عَلَيْهِ بقوله: وَكَذَا، إِشَارَة إِلَى قُصُور عبارَة الْمَتْن، مَرْدُود، بِأَنَّهُ على تَقْدِير تَسْلِيم ذَلِك فِي أَمْثَال هَذِه الْمَوَاضِع، يَنْبَغِي أَن يدرج الْأَكْثَر من اثْنَيْنِ بِلَا توال فِي التَّفْسِير، ويعطف عَلَيْهِ الْوَاحِد فَقَط بقوله: وَكَذَا ... الخ. هَذَا، وَالصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، وَمِنْهُم الْخَطِيب، وَابْن عبد الْبر، وَغَيرهمَا من الْمُحدثين: أَن الْمُنْقَطع مَا لم يتَّصل إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه، سَوَاء ترك ذكر الرَّاوِي من أول الْإِسْنَاد، أَو وَسطه، أَو آخِره بِحَيْثُ يَشْمَل الْمُرْسل، والمعضل، وَالْمُعَلّق، إِلَّا أَن أَكثر مَا يُوصف بالانقطاع فِي الِاسْتِعْمَال رِوَايَة من دون التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، كمالك عَن ابْن عمر ﵄. وَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مَا اخْتَلَّ فِيهِ قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ رجل، سَوَاء كَانَ

стр. 298

محذوفا، أَو مَذْكُورا مُبْهما كمالك، عَن رجل، عَن ابْن عمر. هَذَا زبدة مَا فِي " الْخُلَاصَة ". وَقيل [هُوَ] مَا رُوِيَ عَن تَابِعِيّ أَو من دونه قولا لَهُ أَو فعلا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف بعيد، فَإِن هَذَا هُوَ الْمَقْطُوع لَا الْمُنْقَطع. (ثمَّ) تَقْسِيم ثانٍ للسقط بل للمردود بِاعْتِبَار الْقسْط، (إِن الْقسْط) " إِن " من الشَّرْح زِيَادَة ضَرَر، لِأَنَّهُ سَبَب تَغْيِير إِعْرَاب الْمَتْن من الرّفْع إِلَى النصب، إِلَّا بتكلف، بل بتعسف كَمَا سبق، وَالْمعْنَى أَن الْحَذف (من الْإِسْنَاد قد يكون وَاضحا يحصل الِاشْتِرَاك) أَي بَين الحذاق وَغَيرهم، (فِي [٩٢ - ب] مَعْرفَته) أَي يعرفهُ كل أحد، (بِكَوْن الرَّاوِي) بِالْبَاء السببيه، وَفِي نُسْخَة: بِاللَّامِ الأجلية، (مثلا لم يعاصر من روى عَنهُ) أَي لم يدْرك عصره. وَقَوله: مثلا: قيدُ لم يعاصر، يُفِيد أَنه كَذَلِك إِذا أدْرك عصره، لكنه مَا اجْتمع بِهِ. وَلذَا قَالَ التلميذ: قَوْله: يحصل ... الخ، مَعَ قَوْله يدْرك ... الخ تكْرَار. انْتهى. وَفِيه أَن الشَّرْح يَقْتَضِي الوضوح، مَعَ أَن الْكَلَام فِي الْوَاضِح. (أَو يكون) كَانَ / الْأَظْهر أَن يَقُول: وَقد يكون (خفِيا فَلَا يُدْرِكهُ إِلَّا الْأَئِمَّة الحُذاق) بِضَم مُهْملَة، وَتَشْديد مُعْجمَة، أَي المهرة، (المطلعون على طرق

стр. 299

الحَدِيث) أَي تفاصيل معرفَة رِجَاله، بكونهم ثِقَة وضبطا وَغير ذَلِك. (وَعلل الْأَسَانِيد) أَي من الِاتِّصَال، والانقطاع، وَنَحْوهمَا من الْعِلَل القادحة فِي السَّنَد. (فَالْأول:) أَي / ٦٧ - أ / من نَوْعي السقط (وَهُوَ الْوَاضِح يُدرك) أَي يعلم (بِعَدَمِ التلاقي) أَي الِاجْتِمَاع، (بَين الرَّاوِي وَشَيْخه) أَي على زَعمه (لكَونه) عِلّة للإدراك، أَي لكَون الرَّاوِي (لم يدْرك عصره) أَي عصر شَيْخه (أَو أدْركهُ) أَي عصره (لَكِن لم يجتمعا) . (وَلَيْسَت لَهُ مِنْهُ) أَي وَالْحَال أَنه لَيْسَ للراوي من شَيْخه على تَقْدِير إِدْرَاك عصره، (إجَازَة، وَلَا وجادة) كَمَا سَيَجِيءُ تفصيلهما. وَأما إِذا ثَبت إجَازَة أَو وجادة على تَقْدِير عدم الِاجْتِمَاع، فَإِن يثبت حِينَئِذٍ تلاق معنوي، فنفيهما مُعْتَبر فِي عدم التلاقي، لَكِن عده من الْوَاضِح لَا يَخْلُو عَن خَفَاء، فَكَأَنَّهُ أَمر إضافي. (وَمن ثمَّة) أَي وَمن أجل أَن الْإِدْرَاك الْمَذْكُور لم يحصل لكل أحد على الْوَجْه المسطور، (احْتِيجَ) أَي فِي هَذَا الْفَنّ (إِلَى التأريخ) بِالْهَمْز ويبدل، وَسَيَأْتِي

стр. 300

مَعْنَاهُ. (لتَضَمّنه تَحْرِير مواليد الروَاة) جمع مولد، وَهُوَ زمَان الْولادَة، (ووفياتهم) بِكَسْر الْفَاء، وَتَشْديد التَّحْتِيَّة، أَي انْتِهَاء حياتهم، وَكَذَلِكَ أمكنة حياتهم، ومماتهم (وأوقات طَلَبهمْ) أَي الحَدِيث، (وارتحالهم) أَي [٩٣ - أ] للسماع. (وَقد افتضح أَقوام أَدْعُو الرِّوَايَة عَن شُيُوخ) أَي كثيرين (ظهر بالتأريخ كذب دَعوَاهُم) ، اسْتِئْنَاف وُقُوع جَوَابا للسؤال عَن كَيْفيَّة الافتضاح وَسَببه، وَيحْتَمل أَن يكون صفة للشيوخ، بِتَقْدِير ضمير أَي كذب دَعوَاهُم بِالسَّمَاعِ مِنْهُم، أَي من الشُّيُوخ. ( [المدلس] ) (وَالْقسم الثَّانِي: وَهُوَ الْخَفي) الظَّاهِر: مَا فِيهِ السقط الْخَفي، (المدلس بِفَتْح اللَّام) . قَالَ تِلْمِيذه: الْمقسم السقط، والمدلس الْإِسْنَاد الَّذِي وَقع فِيهِ السقط، فَلَا يكون الْحمل حَقِيقِيًّا. انْتهى. وَهُوَ أحد نَوْعي المدلس، وَهُوَ مَا يَقع فِي الْإِسْنَاد.

стр. 301

وَالنَّوْع الآخر مَا يَقع فِي الشُّيُوخ، [وَهُوَ] أَن يروي عَن شيخ سَمعه فيسميه، أَو يكنيه، أَو ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يعرف بِهِ، كي لَا يعرف. وَالنَّوْع الأول مَكْرُوه جدا، وَكَأَنَّهُ لذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ. هَذَا، وَقيل: تَعْرِيفه الْخَارِج من التَّقْسِيم يصدق على الْأَقْسَام الْحَاصِلَة من التَّقْسِيم الأول. بِنَاء على ظَاهره، فإمَّا أَن يلْتَزم التصادق، ويدعى أَن التغاير اعتباري، أَو يُقيد كل مِنْهُمَا بِمَا لَا يُوجد فِي الآخر لتباين الْأَقْسَام. (سمي) أَي الْقسم الثَّانِي، (بذلك) أَي بالمدلس، (لكَون الرَّاوِي لم يسم من حَدثهُ، وأوهم سَمَاعه للْحَدِيث مِمَّن لم يحدثه) أَي (بِهِ) . وَمِنْه التَّدْلِيس فِي البيع، يُقَال: دلّس فلَان على فلَان، أَي ستر عَنهُ الْعَيْب الَّذِي فِي مَتَاعه، كَأَنَّهُ أظلم عَلَيْهِ الْأَمر. وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح رَاجع إِلَى ذَلِك من حَيْثُ إِن من أسقط من الْإِسْنَاد شَيْئا، فقد غطى ذَلِك الَّذِي أسْقطه، وَزَاد فِي التغطية لإتيانه بِعِبَارَة موهمه، وَكَذَا تَدْلِيس / ٦٧ - ب / / الشُّيُوخ، فَإِن الرَّاوِي يُغطي الْوَصْف الَّذِي بِهِ يعرف الشَّيْخ، أَو يُغطي الشَّيْخ بوصفه بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ، كَذَا حَقَّقَهُ البقاعي، وَبِه يَتَّضِح قَول المُصَنّف. (واشتقاقه) أَي أَخذ المدلس (من الدلس - بِالتَّحْرِيكِ -) أَي بتحريك الْأَوَّلين، (وَهُوَ اخْتِلَاط الظلام [٩٣ - ب] أَي (بِالنورِ) كَمَا يكون فِي أول

стр. 302

اللَّيْل، (سمي بذلك) أَي سمي المدلس بِالْمَعْنَى الاصطلاحي؛ (لاشْتِرَاكهمَا) أَي الْمَحْذُوف والنور (فِي الخفاء) وَهَذِه التَّسْمِيَة من تتمه وَجه التَّسْمِيَة الأولى، كَمَا لَا يخفى. (وَيرد) أَي وَحقه أَن يرد (المدلس) بِفَتْح اللَّام، (بِصِيغَة من صِيغ الْأَدَاء) أَي بِلَفْظ من أَلْفَاظ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْإِسْنَاد، [ك: أَنبأَنَا، وحديثا] ، (تحْتَمل) أَي الصِّيغَة، (وُقُوع اللِّقَاء) بِكَسْر اللَّام ممدودا، وَفِي نُسْخَة: بِضَم اللَّام، وَفِي آخِره يَاء مُشَدّدَة، (بَين المدلس) بِكَسْر اللَّام، (وَمن أسْند) أَي وَبَين من رُوِيَ (عَنهُ) قَالَ التلميذ: الأولى أَن يُقَال: يحْتَمل السماع، كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره. انْتهى. وَقَالَ السخاوي: كنى شَيخنَا باللقاء عَن السماع لتصريح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة فِي تَعْرِيفه بِالسَّمَاعِ. قيل: وَالْأولَى أَن يَقُول: وُقُوع السماع، لِأَن أَدَاء الحَدِيث على وَجه مشْعر على بِأَنَّهُ سَمعه مِمَّن روى عَنهُ، مُوجب لكَون الرَّاوِي مدلسا. ويرشدك إِلَيْهِ قَوْله: أوهم سَمَاعه. وَأما أَدَاؤُهُ على وَجه مشْعر باللقاء، فَلَا يُوجب، لِأَن اللِّقَاء مُعْتَبر فِي المدلس، كَمَا صرح بِهِ فِي الشَّرْح، وأوهم بِهِ الْمَتْن. (ك: عَن) أَي فلَان (وَكَذَا قَالَ) أَي فلَان لِئَلَّا يكون كذبا، وَلَفظ كَذَا من الشَّرْح مُسْتَغْنى عَنهُ بالْعَطْف. (وَمَتى) أَي وَإِنَّمَا قُلْنَا: حَقه أَن يرد المدلس. . الخ لِأَنَّهُ مَتى (وَقع) أَي

стр. 303

الحَدِيث، (بِصِيغَة صَرِيحَة [لَا يجوز فِيهَا] ) أَي فِي [السماع] ، وَهِي لَفْظَة: أَخْبرنِي أَو حَدثنِي، أَو سمعته، وَالْحَال أَنه ثَبت عدم السماع، (كَانَ) أَي الرَّاوِي، (كَاذِبًا) وَلَيْسَ بمدلس أصلا، وَفِي نُسْخَة: كَانَ كذبا، أَي الحَدِيث يكون حِينَئِذٍ لَا تدليسا. وَحَاصِله: أَنه مَتى وَقع الحَدِيث المدلس بِلَفْظ صَرِيح، فَهُوَ كذب أما إِذا وَقع من المدلس، أَي مِمَّن وَقع مِنْهُ التَّدْلِيس فِي بعض الصُّور حَدِيث بِلَفْظ صَرِيح، فَإِنَّهُ مَقْبُول إِذا كَانَ المدلس عدلا كَمَا يَجِيء فِيهِ حَدِيثه، وَهَذَا معنى قَوْله: [٩٤ - أ] (وَحكم من ثَبت عَنهُ التَّدْلِيس) أَي إِيرَاد الْإِسْنَاد بصيغةٍ تحْتَمل السماع (إِذا كَانَ عدلا) وَالْحكم مُبْتَدأ خَبره (أَن لَا يُقْبَل) : أَي الحَدِيث، (مِنْهُ) أَي من المدلس، أَو من أجل تدليسه، (إِلَّا إِذا صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ) أَي بَين السماع فِيهِ، بِحَيْثُ زَالَ احْتِمَال الِانْقِطَاع، وأتى بِلَفْظ مُبين للاتصال، وَصرح فِيهِ ك: سَمِعت، وَحدثنَا وَأخْبرنَا، فَهُوَ مَقْبُول مُحْتَج بِهِ (على الْأَصَح) لِأَن التَّدْلِيس لَيْسَ كذبا، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِين لظَاهِر الْإِسْنَاد / ٦٨ - أوضَرب من الْإِبْهَام بِلَفْظ مُحْتَمل، فَإِذا صرح بوصله، وَزَالَ الْإِبْهَام قُبِلَ، وَقيد بقوله: عدلا لِأَنَّهُ إِذا لم يكن عدلا، فَلَا يقبل مِنْهُ أصلا.

стр. 304

وَقَالَ فريق من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء: مَن عُرِف بارتكاب / التَّدْلِيس وَلَو مرّة صَار مجروحاً مردوداً فِي الرِّوَايَة، وإنْ بَين السماع وأتى بِصِيغَة صَرِيحَة فِي هَذَا الحَدِيث، أَو فِي غَيره من أَحَادِيثه. قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد الجَزرِي: التَّدْلِيس قِسْمَانِ: تَدْلِيس الْإِسْنَاد، وتدليس الشُّيُوخ أمّا تَدْلِيس الْإِسْنَاد فَهُوَ أَن يروي عَمَّن لقِيه أَو عاصره مَا لم يسمع مِنْهُ، مُوهِماً أَنه سَمعه مِنْهُ، وَلَا يَقُول: أخبرنَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، بل يَقُول: قَالَ فلَان، أَو عَن فلَان وإنّ فلَانا قَالَ، وَمَا أشبه ذَلِك. ثمَّ قد يكون بَينهمَا واحدٌ أَو قد يكون أَكثر، وَرُبمَا لم يُسقط المدلس شَيْخه، لَكِن يُسقط من بعده رجلا ضَعِيفا أَو صَغِير السن، يُحَسِّنُ الحَدِيث بذلك. وَكَانَ الْأَعْمَش، وَالثَّوْري، وَابْن عُيينة، وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم يَفْعَلُونَ هَذَا النَّوْع. وَمن ذَلِك مَا حكى ابْن خشرم: كُنَّا يَوْمًا عِنْد سُفْيَان بن عُيينة فَقَالَ: عَن الزُّهري فَقيل لَهُ: حَدثَك الزُّهْرِيّ؟ فَسكت، ثمَّ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ أسمعته من الزُّهْرِيّ؟ فَقَالَ: لم أسمعهُ من الزُّهْرِيّ، وَلَا مِمَّن سَمعه من الزُّهْرِيّ حَدثنِي عبد الرَّزَّاق عَن معْمَر، عَن [٩٤ - ب] الزُّهْرِيّ. وَهَذَا الْقسم من التَّدْلِيس مَكْرُوه [جدا] ، وفاعله مَذْمُوم عِنْد أَكثر الْعلمَاء. ومَن عُرِف بِهِ فَهُوَ

стр. 305

مَجْرُوح عِنْد جمَاعَة لَا تقبل رِوَايَته بَين السماع أَو لم يبنيه. وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فِيمَا بَين فِيهِ الِاتِّصَال، ك: سَمِعت، وَحدثنَا، وَنَحْو ذَلِك مَقْبُول، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مِنْهُ كثير. قَالَ النَّوَوِيّ: ذَلِك لِأَن هَذَا التَّدْلِيس لَيْسَ كذبا، بل لم يبين فِيهِ الِاتِّصَال، فلفظه مُحْتَمل، وَحكمه حكم المرسَل وأنواعه. وأجرى الشَّافِعِي هَذَا الحكم فِيمَن دلّس مرّة. وَأما تَدْلِيس الشُّيُوخ: وَهُوَ أَن يُسَمِّي شَيخا سمع مِنْهُ [بِغَيْر] اسْمه الْمَعْرُوف، أَو ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يشْتَهر كَيْلا يعرف. وَهَذَا أخف من الأول، وَيخْتَلف الْحَال فِي كَرَاهَته بِحَسب اخْتِلَاف الْقَصْد الْحَامِل عَلَيْهِ، وَهُوَ إِمَّا لكَونه ضَعِيفا، أَو صَغِيرا، أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة، أَو لكَونه مكثراً عَنهُ، أَو شَاركهُ فِي السماع عَنهُ جمَاعَة دونه. وتَسَمَّح بِهِ جمَاعَة من المصنفين، كالخطيب، وَقد أَكثر مِنْهُ. وَمِنْه قَول ابْن مُجَاهد المُقْرِئ: حَدثنَا عبد الله بن أبي عبد الله، يُرِيد أَبَا بكر عبد الله بن أبي دَاوُد السجسْتانِي. وَقَوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَند، يَعْنِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش، نِسْبَة إِلَى جد لَهُ. قلت: هُوَ مُحَمَّد بن حسن بن زِيَاد بن / ٦٨ - ب / هَارُون بن جَعْفَر بن سَنَد. انْتهى. وَقيل: المُدلَّس ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: مَا ذكره المُصَنّف: وَهُوَ أَن يُسقط اسْم شَيْخه الَّذِي سمع مِنْهُ،

стр. 306

ويرتقي إِلَى شيخ شَيْخه، أَو مَن فَوْقه، فيسند ذَلِك بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي الِاتِّصَال، بل بِلَفْظ موهمِ لَهُ، ك: عَن فلَان أَو قَالَ فلَان. وَإِنَّمَا يكون تدليساً إِذا كَانَ المدلس لَقِيه وَلم يسمع مِنْهُ، أَو سَمعه وَلم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث. مِثَال ذَلِك: مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن خَشْرم قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْد ابْن عُيينة ... الخ، وَثَانِيها: أَن يصف المدلس شَيْخه بِوَصْف لَا يُعرف بِهِ، من اسْم، أَو كنية، أَو نِسْبَة [٩٥ - أ] إِلَى قَبيلَة، أَو صفة، أَو بلدٍ، أَو نَحْو ذَلِك، كي يُوعر الطَّرِيق / إِلَى السماع لَهُ، كَقَوْل ابْن مُجَاهِد - أحد القُراء -: حَدثنَا عبد الله بن أبي عبد الله، يُرِيد بِهِ عبد الله بن أبي دَاوُد السِّجِسْتاني صَاحب " السّنَن " وَثَالِثهَا: تَدْلِيس التَّسْوِيَة: وَصورته أَن يروي حَدِيثا عَن شيخ ثِقَة، وَذَلِكَ الثِّقَة يرويهِ عَن ضَعِيف عَن ثِقَة فَيَأْتِي المدلس الَّذِي سمع الحَدِيث من الثِّقَة الأول، فَيسْقط الضَّعِيف الَّذِي فِي السَّنَد، وَيجْعَل الحَدِيث عَن شَيْخه الثِّقَة عَن الثِّقَة الثَّانِي، فيسوي الْإِسْنَاد كُله ثِقَات. فَهَذَا أشر أَقسَام التَّدْلِيس، لِأَن الثِّقَة الأول قد لَا يكون مَعْرُوفا بالتدليس، ويجده الْوَاقِف على السَّنَد كَذَلِك بعد التَّسْوِيَة قد رَوَاهُ عَن ثِقَة آخر، فَيحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَهَذَا غرور شَدِيد. وَأما الْقسم الأول: فمكروه جدا ذمه أَكثر الْعلمَاء، وَكَانَ شُعبة أَشَّدهم ذماً

стр. 307

فروى الشَّافِعِي، عَن شُعْبَة قَالَ: التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب. وَقَالَ لِأَن أزني أحب إليّ مِن أَن أدلس، قَالَ: وَهَذَا من شُعْبَة مَحْمُول على الزّجر والتنفير. وَالْقسم الثَّانِي أمره أخف وَفِيه تَضْييع للمروي عَنهُ والمروي، وتوعير لطريق مَعْرفَته على من يطْلب الْوُقُوف على حَاله. ( [المُرسْلُ الخَفِي] ) (وَكَذَا) أَي مثل المدلس فِي الرَّد (الْمُرْسل الْخَفي) قيل: الظَّاهِر أَنه عطف على قَوْله: المدلس. وَأدْخل كَذَا لطول الْعَهْد، أَي الثَّانِي هُوَ المدلس، والمرسل الْخَفي، أَي منقسم إِلَيْهِمَا. ثمَّ اعْلَم أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالْإِرْسَال هُنَا مَا سقط من سَنَده الصَّحَابِيّ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي حد الْمُرْسل، وَإِنَّمَا المُرَاد هُنَا مُطلق الِانْقِطَاع. ثمَّ الْإِرْسَال بِهَذَا الْمَعْنى على نَوْعَيْنِ: ظَاهر، وخفي فَالظَّاهِر: هُوَ أَن يروي الرجل عَمَّن لم يعاصره، أَي لم تثبت معاصرته أصلا بِحَيْثُ لَا يشْتَبه إرْسَاله باتصاله على أهل الحَدِيث، [٩٥ - ب] كَأَن يرويَ مَالك مثلا عَن سعيد بن الْمسيب.

стр. 308

الْخَفي: هُوَ أَن يروي عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ، أَو عَمَّن عاصره وَلم يلقه، فَهَذَا قد يخفى على كثير من أهل الحَدِيث لِكَوْنِهِمَا قد جَمعهمَا عصر وَاحِد، وَهَذَا أشبه بروايات المُدلِّسين، وَكَذَا حَقَّقَهُ / ٦٩ - أ / الْعِرَاقِيّ. (إِذا صدر من معاصر لم يلق) قيد اتفاقي لَا احترازي، وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: وَهُوَ الصادرِ مِن معاصر. وَلذَا قَالَ تِلْمِيذه: هَذَا الشَّرْط يُوهم أنّ لَهُ مفهوماً، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ إِذْ لَيْسَ لنا مُرْسل [خَفِي] إِلَّا مَا صدر عَن معاصر لم يلق. انْتهى. وَفِيه أَن الْحصْر غير صَحِيح لما تقدم من الصُّور، وَمن جُمْلَتهَا معاصر لم يلق (من حدث عَنهُ) كَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول: لم يُعرف لقاؤه، كَمَا صرح بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي. (بل بَينه) أَي المعاصر، (وَبَينه) أَي المُحدثِ عَنهُ، (وَاسِطَة) . ظَاهر كَلَامه أَن " بل " للإضراب، تَأْكِيدًا على وَجه الِانْتِقَال، وَيُمكن أَن يكون بل للإبطال، عُدُولًا عَن الْحصْر الْمَفْهُوم من الأول. وإفادة للْعُمُوم الْمُسْتَفَاد من الثَّانِي، فَإِنَّهُ يشْعر أَنه نفى الْوَاسِطَة مَعَ تحققها. وَهَذَا أَعم من أَن يكون معاصراً لَهُ، أَو لم يكن، فَيشْمَل جَمِيع [الصُّور] السَّابِقَة. (وَالْفرق بَين المدلس والمرسل الْخَفي دَقِيق) أَي وبالبيان حقيق (يحصل)

стр. 309

وَفِي نُسْخَة: حصل (تحريره بِمَا ذُكر هُنَا) أَي بِمَا ذكر / بعده من تَقْرِيره، كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهُوَ أَن التَّدْلِيس يخْتَص بمَن روى عَمَّن عُرف لقاؤه إِيَّاه) أَي والمرسل الْخَفي يخْتَص بِمن روى عَمَّن عاصره، وَلم يُعَرف أَنه لقِيه على مَا ذكره السخاوي، وَهُوَ معنى قَوْله: (فَأَما إنْ عاصره وَلم يُعرف أَنه لقِيه، فَهُوَ المرسَل الْخَفي) . قيل: الْأَظْهر فِي الْعبارَة أَن يَقُول: بِمَا يذكر؛ مُقَيّدا ب: الْآن أَو [٩٦ - أ] غير مُقَيّد. وَيجوز أَي حِينَئِذٍ أَن يُرَاد بِهِ التَّقْرِير السَّابِق فِي تَقْسِيم السقْط إِلَى الْوَاضِح والخفي، حَيْثُ اعْتبر فِي الأول عدم التلاقي، فَعلم أَن التلاقي مُعْتَبر فِي الْبَاقِي الَّذِي هُوَ المدلس بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، والمرسل الْخَفي من الأول، كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: من معاصرٍ لم يلق فعُلِم من مَجْمُوع مَا سبق الفرقُ بَينهمَا. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى إِذا لم يَجْعَل المرسَل الْخَفي قسما من الثَّانِي. (وَمن أَدخل) كصاحب " الْخُلَاصَة " (فِي تَعْرِيف التَّدْلِيس المعاصرة وَلَو بِغَيْر لُقي) كالنووي، والعراقي (لزِمه دُخُول المرسَل الْخَفي فِي تَعْرِيفه) أَي

стр. 310

تَعْرِيف التَّدْلِيس. (وَالصَّوَاب: التَّفْرِقَة بَينهمَا) وَفِيه أَنه لَا منع من أَن يكون بَينهمَا عُمُوما خُصُوصا. (وَيدل على أَن اعْتِبَار اللُقِيّ فِي التَّدْلِيس دون المعاصرة وَحدهَا لَا بُد مِنْهُ) خبر أَن مقدم على قَوْله: دون المعاصرة، وفاعل يدل قَوْله: (إطباق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ) مُتَعَلق بِالْعلمِ، أَي اتِّفَاقهم (على أَن رِوَايَة المُخَضْرمِين) جمع المُخَضْرَم بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين، وَفتح الرَّاء. يُقَال: خُضْرِم عَمَّا أدْركهُ: قُطِعَ، وَهُوَ الَّذِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وزَمنَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره. وَسَيَأْتِي الْخلاف فِي أَنهم هَل [هم] معدودون / ٦٩ - ب / من الصَّحَابَة، أم من كبار التَّابِعين؟ كَمَا هُوَ الصَّحِيح، وعَدهُم مُسلم عشْرين نفسا (كَأبي عُثْمَان النَّهْديَ) بِفَتْح نون، وَسُكُون هَاء (وَقيس بن أبي حَازِم عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَمن قبيل الْإِرْسَال) أَي الْخَفي (لَا من قبيل التَّدْلِيس، وَلَو كَانَ مُجَرّد المعاصرة يُكْتَفى بِهِ فِي التَّدْلِيس، لَكَانَ هَؤُلَاءِ مدلسين، لأَنهم عاصروا النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قطعا، وَلَكِن لم يعرف هَل لَقَوْهُ أم لَا) .

стр. 311

وَالظَّاهِر أَن المُخَضْرَم مَن عُرف عدم لُقِيّه، لَا مَن لم يعرف أَنه لقِيه، وَبَينهمَا فرق كَمَا لَا يخفى، فَيكون حَدِيثهمْ من الْمُرْسل الْجَلِيّ قريب [٩٦ - ب] من مَرَاسِيل الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاط اللقي فِي التَّدْلِيس: الإِمَام الشَّافِعِي، وَأَبُو بكر الْبَزَّار) بتَشْديد الزَّاي، فِي آخِره رَاء. (وَكَلَام الحَدِيث فِي " الْكِفَايَة " يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمد، وَيعرف عدم المُلاَقَاة بإخباره) أَي المدلس (عَن نَفسه بذلك) كَمَا أخبر ابْن عُيَيْنَة على مَا روى عَنهُ عَليّ بن خَشْرَم وَقد تقدم. (أَو بجزم إِمَام مِطَّلع) أَي بذلك وَهُوَ عدم الملاقاة، وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بالتاريخ كَحَدِيث العَوَّام - بِفَتْح مُهْملَة وَتَشْديد [وَاو]- ابْن حَوْشَب، عَن عبد الله بن أبي أوفى: " كَانَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَالَ بِلَال: قد قامِت الصَّلَاة نَهَضَ وكبّر ". وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: العَوَّام لم يُدْرِك ابْن أبي أوفى. (وَلَا يَكْفِي) أَي فِي عدم الملاقاة، (أَن يَقع فِي بعض / الطّرق زِيَادَة راوٍ) أَو أَكثر، كَمَا قَالَ بَعضهم، (بَينهمَا لاحْتِمَال أَن يكون) أَي هَذِه الزِّيَادَة أَو هَذَا الزَّائِد، (من الْمَزِيد) وَهُوَ أَن يزِيد الرَّاوِي فِي إِسْنَاد واحدٍ رجلا، أَو أَكثر وَهْماً مِنْهُ وغلطاً

стр. 312

وَحَاصِله: أَنه لَا يَكْفِي للْحكم بالتدليس وُقُوع زِيَادَة راوٍ بينَ مَن روى بِصِيغَة تحْتَمل السماع، وَبَين الْمَرْوِيّ عَنهُ فِي بعض الطّرق، فَلَا يُحكم بِمُجَرَّد هَذِه الزِّيَادَة بالتدليس لاحْتِمَال أَن يكون هَذَا الزَّائِد من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد. وَسَيَجِيءُ تَفْسِيره فِي الْمُخَالفَة. (وَلَا يُحكم) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (فِي هَذِه الصُّورَة) أَي الَّتِي وَقعت فِي بعض طرقها زيادةُ راوٍ (بِحكم كليّ) أَي قَطْعِيّ فِي أحد الْجَانِبَيْنِ، (لتعارض احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع) وَعدم مُرَجّح لأَحَدهمَا. (وَقد صنف فِيهِ [الْخَطِيب] أَي فِي بَيَان مَا ذكر من المُدلَّس، والمُرْسَل الْخَفي، والمزيد، وَالْفرق بَينهمَا، فصنف فِي خَفِي الْإِرْسَال [٩٧ - أ] كتابا سَمَّاهُ: (كتاب " التَّفْصِيل) بِمَعْنى التَّبْيِين، (لمبهم الْمَرَاسِيل ") . (وَكتاب " الْمَزِيد) أَي وصنف فِي مزِيد الْإِسْنَاد كتابا سَمَّاهُ: تَمْيِيز الْمَزِيد فِي (فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد ") أَي واستوعب فيهمَا مسَائِل الصُّورَتَيْنِ. (وانتهت هُنَا أَحْكَام السَّاقِط) وَفِي / ٧٠ - أ / نُسْخَة: حكم السَّاقِط (مِن الْإِسْنَاد) أَي وعُرِف حكم الْمَحْذُوف. قيل: الْأَنْسَب تَقْدِيم الحكم على الْأَقْسَام، إِذْ الْأَقْسَام للساقط، وَالْأَحْكَام للأقسام، بِأَن يَقُول: وانْتهى هُنَا أَحْكَام أَقسَام السَّاقِط، بل حق الْعبارَة أَن يُقَال: وانتهت هُنَا أَقسَام الْمَرْدُود، والقسط وَأَحْكَامه.

стр. 313

( [الطعْن وأسبابه] ) (ثمَّ الطعْن) أَي فِي رجال الْإِسْنَاد، (يكون بِعشْرَة أَشْيَاء) كَمَا سَيَجِيءُ مُجملا ومفصلاً (بَعْضهَا يكون أَشد فِي الْقدح) أَي فِي الطعْن وَالْجرْح (من بعضٍ: خمسةٌ مِنْهَا) أَي من الْعشْرَة، (تتَعَلَّق بِالْعَدَالَةِ) وَهِي الْكَذِب، والتهمة، وَالْفِسْق والجهالة، والبدعة. (وَخَمْسَة تتَعَلَّق بالضبط،) وَهِي الْخَمْسَة الْبَاقِيَة. (وَلم يحصل الاعتناء) أَي الاهتمام (بتمييز أحد الْقسمَيْنِ من الآخر) أَي بِأَن يبين جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالْعَدَالَةِ على حِدة، ثمَّ يبين جَمِيع مَا يتَعَلَّق بالضبط، بل بيّنها مختلطة، (لمصْلحَة اقْتَضَت ذَلِك) أَي عدم الْحُصُول الْمَذْكُور. (وَهِي) أَي الْمصلحَة، (ترتيبها) أَي الْعشْرَة (على الأشد فالأشد فِي موجَب الرَّد) بِفَتْح الْجِيم فِي إِيجَاب الرَّد، (على سَبِيل التدلي) أَي التنزل من الْأَعْلَى فِي الشدَّة إِلَى الْأَدْنَى فِيهَا، عكس طَرِيق الترقي من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، كَمَا فعل فِي تسميتهما لفاً ونشراً مُرَتبا. قيل: وَهَذَا لَا يَخْلُو من اسْتِدْرَاك لانفهامه من الأشد فالأشد. وَفِيه أَن الْعبارَة مُحْتَملَة لِأَن يكون للترقي وللتدلي، بل الأول هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن. يكون للترقّي وللتدلي، بل الأول هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن.

стр. 314

وَحَاصِله: أَنه أَرَادَ تقرب أَحدهَا إِلَى الآخر فِي الأشدية [٩٧ - ب] فَإِن بعض أَقسَام أحد الْقسمَيْنِ يَتَرَتَّب فِي الأشدية على بعض أَقسَام الآخر دون أَقسَام الآخر قيل: الأوضح فِي الْعبارَة: مَكَانهَا بِحَسب الشدَّة والضعف، إِذْ لَا أشدية للأخير ويُدفع بِأَن هَذِه عبارَة / مَشْهُورَة بَين البلغاء، وَقد ورد فِي الحَدِيث الشريف أَيْضا: " أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء، ثمَّ الأمثلُ، فالأمثل ". رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره. ويوجَّه بِأَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ سَبَب آخر لِلطَّعْنِ كَانَ الْأَخير أَشد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انحصر الطعْن فِي الْعشْرَة. (لِأَن الطعْن إِمَّا أَن يكون لكَذِب الرَّاوِي) بِفَتْح الْكَاف، وَكسر الذَّال، أفْصح من كسر أَوله، وَسُكُون ثَانِيه. وَيرد على الْمَتْن أَن الْكَذِب فَرد من أَنْوَاع الْفسق، وَلِهَذَا فيده فِي الشَّرْح بقوله: (فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ، بِأَن يروي عَنهُ [ ﷺ ] مَا لم يَقُلْهُ مُتَعَمدا لذَلِك) أَي بِخِلَاف مَا رَوَى سَاهِيا، فَالْمُرَاد بِالْكَذِبِ فِي الْمَتْن الْكَذِب على سَبِيل الْعمد. فَلَو قَالَ بدله: الافتراء وَهُوَ الْكَذِب عَن عمدٍ لَكَانَ أولى. ثمَّ لما كَانَ هَذَا الْكَذِب الْخَاص / ٧٠ - ب / أَشد أَنْوَاع الْفسق، وأقبح أَسبَاب الطعْن، حَتَّى قيل بِكفْر المفتري عَلَيْهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أفرده وَجعله كَأَنَّهُ جنس آخر، وَقدمه على الْكل. وَأما قَول محشٍ: وَإِنَّمَا قدّم الأول لكَون

стр. 315

الطعْن بِهِ أَشد فِي هَذَا الْفَنّ، وَإِن كَانَ الْفسق بِالْفِعْلِ أَشد من الْكل، فمردود بِمَا ذكرنَا. (أَو تهمته) أَي الرَّاوِي، (بذلك) أَي الْكَذِب الْمَذْكُور، (بِأَن لَا يروي ذَلِك الحَدِيث) أَي المطعون. وَالْأَظْهَر أَن يَقُول: بِأَن لَا يروي الحَدِيث (إِلَّا من جِهَته) أَي الرَّاوِي المُتَّهَم، (وَيكون) أَي ذَلِك الحَدِيث، (مُخَالفا للقواعد،) أَي قَوَاعِد الدّين (الْمَعْلُومَة) أَي من الشَّرِيعَة بِالضَّرُورَةِ. والعطف للتفسير وَالْبَيَان، [٩٨ - أ] وَسَيَجِيءُ مَا يشْعر بِأَن هَذَا من الأول، حَيْثُ عدّ كَونه مناقضاً لنَصّ الْقُرْآن من قَرَائِن كَونه مَوْضُوعا. (وَكَذَا مَن عُرف بِالْكَذِبِ فِي كَلَامه، وَإِن لم يظْهر مِنْهُ وُقُوع ذَلِك فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ) قلت: هَذَا دَاخل فِي الْفسق القولي، وجَعْلُه دَاخِلا فِي التُهمة غير مستبعد، (وَهَذَا دون الأول) . قَالَ تِلْمِيذه: قَوْله: وَهَذَا دون الأول مُسْتَغْنى عَنهُ. انْتهى وَكَأَنَّهُ فهم أَن هَذَا إِشَارَة إِلَى التُّهْمَة، وَالْمرَاد بِالْأولِ الْحَقِيقِيّ. وَالصَّوَاب جعله إِشَارَة إِلَى قَوْله: وَكَذَا مَن عرف ... الخ. وَجعل الأول إضافياً، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: أَو تهمته بذلك، ثمَّ وَجْهُ تَقْدِيم الثَّانِي على مَا بعده من الْفسق وَغَيره، أَنَّ كَون كلٍ من الْعشْرَة مُوجِبة للرَّدّ، وَإِنَّمَا هُوَ من جِهَة إِيجَابهَا بِحَسب ظن الْكَذِب فِي الرِّوَايَة، وَهَذَا هُوَ وَجه تَقْدِيم النَّوْعَيْنِ اللَّذين يليانه على الْفسق.

стр. 316

(أَو فُحْش غلطه أَي كثرته) بِأَن يكون خَطؤُهُ أَكثر من صَوَابه، أَو يتساويان إِذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَان من الْغَلَط وَالنِّسْيَان. (أَو غفلته) أَي ذُهُوله (عَن الإتقان) أَي الْحِفْظ والإيقان. وَالظَّاهِر: أَنه عطف على غلطه، لَا على الْفُحْش. وَالْمعْنَى: أَو فُحش غفلته، أَي كَثْرَة غفلته، لِأَن الظَّاهِر أَن مُجَرّد الْغَفْلَة لَيْسَ سَببا لِلطَّعْنِ لقلَّة من يعافيه الله مِنْهَا. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا بعد: أَو كَثُرَت غفلته. (أَو فسقه) قيل المُرَاد بِهِ ظُهُوره، لِأَن جعله مُوجبا لِلطَّعْنِ إِنَّمَا هُوَ بعد الْعلم بِهِ وظهوره، كَمَا سيصرح بِهِ. وَفِيه أَنه لَا تَخْصِيص لَهُ بذلك، بل الْجَمِيع كَذَلِك (أَي بِالْفِعْلِ أَو القَوْل) وَالْمرَاد بِالْفِعْلِ أَعم من عمل الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِمَّا لم يبلغ الْكفْر) أَي من / فعله أَو قَوْله. وَأما الْكفْر، فَهُوَ خَارج عَن المبحث، لِأَن الْكَلَام فِي الرَّاوِي الْمُسلم، وَبِه يظْهر فَسَاد قَول شَارِح: فَإِن مَا يبلغ الْكفْر دَاخل فِي [٩٨ - ب] الْفسق بالمُعْتَقَد، وَهِي الْبِدْعَة. انْتهى. مَعَ مَا فِيهِ أَن كل مَا يبلغ الْكفْر لَا يُسمى بِدعَة، بل من الْبدع مَا يبلغ الْكفْر، فَتَأمل / ٧١ - أ / حق التَّأَمُّل. (وبَيْنَه) أَي الْفسق، (وَبَين الأول) أَي كذب الرَّاوِي، (عُمُوم) أَي وخصوص مُطلقًا، فَالْأول أخص، وَالثَّانِي أَعم، لِأَن الْفسق يصدق على كل مَا صدق عَلَيْهِ الْكَذِب، دون الْعَكْس، وَأما بَينه وَبَين الثَّانِي، فعموم من وَجه. (وَإِنَّمَا أفرد الأول) مَعَ كَونه دَاخِلا فِي الْعَام، (لكَون الْقدح بِهِ أَشد فِي هَذَا الْفَنّ) وقدَّمنا مَا يزِيد بِهِ التَّحْقِيق.

стр. 317

(وَأما الْفسق بالمعتقد) أَي بالاعتقاد، أَو بِسَبَب مُعْتَقد السوء، (فَسَيَأْتِي بَيَانه) أَنه نوع خَاص يُسمى بالبدعة. (أَو وهمه: بِأَن يروي على سَبِيل التَّوَهُّم) أَي بِنَاء على الطّرف الْمَرْجُوح من الشَّك. (أَو مُخَالفَته أَي للثقات) أَو لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، وَفِي تأخيرهما عَن الْفسق نظر ظَاهر، فَإِنَّهُمَا أَكثر مُنَاسبَة للكذب من الْفسق بِالْفِعْلِ. (أَو جَهالته) بِفَتْح الْجِيم، (بِأَن لَا يُعرَف فِيهِ تَعْدِيل وَلَا تجريح معَّين) ، إِشَارَة إِلَى أَنه لَو جُرِحَ فِيهِ جَرْحٌ مُجَرَّد، لَا يكون فِي هَذِه الْمرتبَة، إِذْ التجريح لَا يُقبل مَا لم يبين وَجهه، بِخِلَاف التَّعْدِيل، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ أَن يَقُول: عدل أَو ثِقَة مثلا. (أَو بدعته) . اعْلَم أَن الْبِدْعَة أَضْعَف من مُقَدّمَة ومؤخرة، لِأَن اعْتِقَاد خلاف الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ بِنَاء على دَلِيل لَاحَ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤثر مثل مَا سِوَاهُ فِي عدم الِاعْتِمَاد؛ وَلذَا قد يُوجد فِي الصَّحِيح مَا يكون رَافِضِيًّا، أَو خارجياً، أَو معتزلياً. وَغَيرهم فِي رجال الْإِسْنَاد. (وَهِي اعْتِقَاد مَا أُحدث) أَي جُدِّد واختُرع (على خلاف الْمَعْرُوف) مُتَعَلق ب: أُحْدِث، (عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) مُتَعَلق [٩٩ - أ] بِالْمَعْرُوفِ، وَكَذَا عَن أَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " مَن أحدث

стр. 318

فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ ردّ " (لَا بمعاندة) فَإِن مَا يكون بمعاندة كفر، (بل بِنَوْع شُبْهَة) أَي دَلِيل بَاطِل سُمِّي [بهَا] ، لِأَنَّهُ يشبه الثَّابِت وَلَيْسَ بِثَابِت، لِأَن أَدِلَّة المبتدعة كلهَا مَدْخُول فِيهَا، وَإِن كَانَ الْكل يستدلون بِالْقُرْآنِ، لكنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ . (أَو سوء حفظه وَهِي:) أنّثَ بِاعْتِبَار الْخَبَر، وَهُوَ قَوْله: (عبارَة عَن أَن لَا يكون) بِصِيغَة النَّفْي هُوَ الصَّوَاب خلافًا لما فِي بعض النّسخ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيله فِي التَّفْصِيل. (غلطه أقل من إِصَابَته) سَوَاء كَانَ مُسَاوِيا، أَو أَكثر، وَأما إِذا كَانَ غلطه أقل من الْإِصَابَة، أَو قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، فَهُوَ مَقْبُول. ويَرِدُ على المُصَنّف أَنه لَا يظْهر الْفرق بَين الْغَفْلَة وَالوهم، وَكَذَا بَين فحش الْغَلَط، وَسُوء الْحِفْظ. وَإِن حمل فحش الْغَلَط على كثرته فِي نفس الْأَمر، وَسُوء الْحِفْظ على أَن لَا يكون الْغَلَط أقل من الْإِصَابَة / ٧١ - ب /، بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، لم يكن لتأخر سوء الْحِفْظ - أَي مَا يكون الْغَلَط مُسَاوِيا للإصابة، أَو أَكثر مِنْهَا عَن

стр. 319

فحش الْغَلَط - وَجْهٌ أصلا. ( [الْمَوْضُوع] ) (فالقسم الأول وَهُوَ / الطعْن بكذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ هُوَ الْمَوْضُوع) وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن الْمَوْضُوع هُوَ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الطعْن بكذب الرَّاوِي، لَا نفس الطعْن بِهِ، وَأما مَا قيل: من أَن المُرَاد بالطعن المطعون، فخلاف ظَاهر المَقْسَم كَمَا تقدم. ثمَّ يُقَال لَهُ أَيْضا: المُخْتَلَق بقاف بعد لَام مَفْتُوحَة، الْمَصْنُوع، لِأَن وَاضعه اختلقه، أَي افتراه، وصنعه، أَي من عِنْده. (وَالْحكم عَلَيْهِ) أَي على الحَدِيث، (بِالْوَضْعِ) أَي بِكَوْنِهِ مَوْضُوعا، أَو بِوَضْع الْوَاضِع إِيَّاه، (إِنَّمَا هُوَ) أَي الحكم عَلَيْهِ (بطرِيق الظَّن الْغَالِب) صفة [٩٩ - ب] كاشفة للتَّأْكِيد، إِذْ قد يُطلق الظَّن بِمَعْنى الْعلم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿الَّذين يَظُنُّون أَنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِم﴾ ، (لَا بِالْقطعِ) وَهُوَ تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا، مُبَالغَة فِي التَّأْكِيد. (إِذْ قد يصدق الكذوب) كَمَا أَن الصدوق قد يكذب. وَمِنْه قَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " كفى بِالْمَرْءِ كذِباً أَن يُحدِّث بكلٍ مَا سمع " رَوَاهُ مُسلم.

стр. 320

(لَكِن لأهل الْعلم بِالْحَدِيثِ مَلَكَة) أَي مهارة علمية وحَذاقة (قَوِيَّة يميزون بهَا ذَلِك) أَي الْمَوْضُوع من غَيره، والكَذب من الصدْق. (وَإِنَّمَا يقوم بذلك) أَي الحكم على الحَدِيث بِأَنَّهُ مَوْضُوع، (مِنْهُم) أَي من الْمُحدثين، بَيَان مقدم على قَوْله: (مَن يكون اطِّلَاعه تَاما) أَي كَامِلا فِي معرفَة الْأَسَانِيد، وَمَعْرِفَة رجال الحَدِيث، (وذهنه ثاقباً) أَي مضيئاً بتنوير قلبه، وَشرح صَدره، (وفهمه قَوِيا) أَي مُسْتَقِيمًا، (ومعرفته بالقرائن الدَّالَّة على ذَلِك) أَي كَون الحَدِيث مَوْضُوعا، (متمكنة) أَي ثَابِتَة راسخة. قَالَ الدَّارقُطْنِيُّ: يَا أهل بَغْدَاد لَا تظنوا أَن أحدا يقدر أَن يكذب على رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا حيّ، ذكره السخاوي. وَقَالَ الرّبيع بن خُثَيْم: إِن للْحَدِيث ضوء كضوء النَّهَار تعرفه، وظلمة كظلمة اللَّيْل تنكره. وَقَالَ ابْن الجَوْزِي: إِن الحَدِيث الْمُنكر يَقْشَعِرُّ لَهُ جلد طَالب [الْعلم] ، وينكسر مِنْهُ قلبه فِي الْغَالِب
следующие страницы →