Полный текст (700 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(أَو فُحْش غلطه أَي كثرته) بِأَن يكون خَطؤُهُ أَكثر من صَوَابه، أَو يتساويان إِذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَان من الْغَلَط وَالنِّسْيَان.
(أَو غفلته) أَي ذُهُوله (عَن الإتقان) أَي الْحِفْظ والإيقان. وَالظَّاهِر: أَنه عطف على غلطه، لَا على الْفُحْش. وَالْمعْنَى: أَو فُحش غفلته، أَي كَثْرَة غفلته، لِأَن الظَّاهِر أَن مُجَرّد الْغَفْلَة لَيْسَ سَببا لِلطَّعْنِ لقلَّة من يعافيه الله مِنْهَا. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا بعد: أَو كَثُرَت غفلته.
(أَو فسقه) قيل المُرَاد بِهِ ظُهُوره، لِأَن جعله مُوجبا لِلطَّعْنِ إِنَّمَا هُوَ بعد الْعلم بِهِ وظهوره، كَمَا سيصرح بِهِ. وَفِيه أَنه لَا تَخْصِيص لَهُ بذلك، بل الْجَمِيع كَذَلِك
(أَي بِالْفِعْلِ أَو القَوْل) وَالْمرَاد بِالْفِعْلِ أَعم من عمل الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِمَّا لم يبلغ الْكفْر) أَي من / فعله أَو قَوْله. وَأما الْكفْر، فَهُوَ خَارج عَن المبحث، لِأَن الْكَلَام فِي الرَّاوِي الْمُسلم، وَبِه يظْهر فَسَاد قَول شَارِح: فَإِن مَا يبلغ الْكفْر دَاخل فِي [٩٨ - ب] الْفسق بالمُعْتَقَد، وَهِي الْبِدْعَة. انْتهى. مَعَ مَا فِيهِ أَن كل مَا يبلغ الْكفْر لَا يُسمى بِدعَة، بل من الْبدع مَا يبلغ الْكفْر، فَتَأمل / ٧١ - أ / حق التَّأَمُّل.
(وبَيْنَه) أَي الْفسق، (وَبَين الأول) أَي كذب الرَّاوِي، (عُمُوم) أَي وخصوص مُطلقًا، فَالْأول أخص، وَالثَّانِي أَعم، لِأَن الْفسق يصدق على كل مَا صدق عَلَيْهِ الْكَذِب، دون الْعَكْس، وَأما بَينه وَبَين الثَّانِي، فعموم من وَجه.
(وَإِنَّمَا أفرد الأول) مَعَ كَونه دَاخِلا فِي الْعَام، (لكَون الْقدح بِهِ أَشد فِي هَذَا الْفَنّ) وقدَّمنا مَا يزِيد بِهِ التَّحْقِيق.
стр. 317
(وَأما الْفسق بالمعتقد) أَي بالاعتقاد، أَو بِسَبَب مُعْتَقد السوء، (فَسَيَأْتِي بَيَانه) أَنه نوع خَاص يُسمى بالبدعة. (أَو وهمه: بِأَن يروي على سَبِيل التَّوَهُّم) أَي بِنَاء على الطّرف الْمَرْجُوح من الشَّك.
(أَو مُخَالفَته أَي للثقات) أَو لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، وَفِي تأخيرهما عَن الْفسق نظر ظَاهر، فَإِنَّهُمَا أَكثر مُنَاسبَة للكذب من الْفسق بِالْفِعْلِ.
(أَو جَهالته) بِفَتْح الْجِيم، (بِأَن لَا يُعرَف فِيهِ تَعْدِيل وَلَا تجريح معَّين) ، إِشَارَة إِلَى أَنه لَو جُرِحَ فِيهِ جَرْحٌ مُجَرَّد، لَا يكون فِي هَذِه الْمرتبَة، إِذْ التجريح لَا يُقبل مَا لم يبين وَجهه، بِخِلَاف التَّعْدِيل، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ أَن يَقُول: عدل أَو ثِقَة مثلا.
(أَو بدعته) . اعْلَم أَن الْبِدْعَة أَضْعَف من مُقَدّمَة ومؤخرة، لِأَن اعْتِقَاد خلاف الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ بِنَاء على دَلِيل لَاحَ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤثر مثل مَا سِوَاهُ فِي عدم الِاعْتِمَاد؛ وَلذَا قد يُوجد فِي الصَّحِيح مَا يكون رَافِضِيًّا، أَو خارجياً، أَو معتزلياً. وَغَيرهم فِي رجال الْإِسْنَاد.
(وَهِي اعْتِقَاد مَا أُحدث) أَي جُدِّد واختُرع (على خلاف الْمَعْرُوف) مُتَعَلق ب: أُحْدِث، (عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) مُتَعَلق [٩٩ - أ] بِالْمَعْرُوفِ، وَكَذَا عَن أَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " مَن أحدث
стр. 318
فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ ردّ "
(لَا بمعاندة) فَإِن مَا يكون بمعاندة كفر، (بل بِنَوْع شُبْهَة) أَي دَلِيل بَاطِل سُمِّي [بهَا] ، لِأَنَّهُ يشبه الثَّابِت وَلَيْسَ بِثَابِت، لِأَن أَدِلَّة المبتدعة كلهَا مَدْخُول فِيهَا، وَإِن كَانَ الْكل يستدلون بِالْقُرْآنِ، لكنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ .
(أَو سوء حفظه وَهِي:) أنّثَ بِاعْتِبَار الْخَبَر، وَهُوَ قَوْله: (عبارَة عَن أَن لَا يكون) بِصِيغَة النَّفْي هُوَ الصَّوَاب خلافًا لما فِي بعض النّسخ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيله فِي التَّفْصِيل. (غلطه أقل من إِصَابَته) سَوَاء كَانَ مُسَاوِيا، أَو أَكثر، وَأما إِذا كَانَ غلطه أقل من الْإِصَابَة، أَو قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، فَهُوَ مَقْبُول.
ويَرِدُ على المُصَنّف أَنه لَا يظْهر الْفرق بَين الْغَفْلَة وَالوهم، وَكَذَا بَين فحش الْغَلَط، وَسُوء الْحِفْظ. وَإِن حمل فحش الْغَلَط على كثرته فِي نفس الْأَمر، وَسُوء الْحِفْظ على أَن لَا يكون الْغَلَط أقل من الْإِصَابَة / ٧١ - ب /، بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، لم يكن لتأخر سوء الْحِفْظ - أَي مَا يكون الْغَلَط مُسَاوِيا للإصابة، أَو أَكثر مِنْهَا عَن
стр. 319
فحش الْغَلَط - وَجْهٌ أصلا.
( [الْمَوْضُوع] )
(فالقسم الأول وَهُوَ / الطعْن بكذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ هُوَ الْمَوْضُوع) وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن الْمَوْضُوع هُوَ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الطعْن بكذب الرَّاوِي، لَا نفس الطعْن بِهِ، وَأما مَا قيل: من أَن المُرَاد بالطعن المطعون، فخلاف ظَاهر المَقْسَم كَمَا تقدم. ثمَّ يُقَال لَهُ أَيْضا: المُخْتَلَق بقاف بعد لَام مَفْتُوحَة، الْمَصْنُوع، لِأَن وَاضعه اختلقه، أَي افتراه، وصنعه، أَي من عِنْده.
(وَالْحكم عَلَيْهِ) أَي على الحَدِيث، (بِالْوَضْعِ) أَي بِكَوْنِهِ مَوْضُوعا، أَو بِوَضْع الْوَاضِع إِيَّاه، (إِنَّمَا هُوَ) أَي الحكم عَلَيْهِ (بطرِيق الظَّن الْغَالِب) صفة [٩٩ - ب] كاشفة للتَّأْكِيد، إِذْ قد يُطلق الظَّن بِمَعْنى الْعلم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿الَّذين يَظُنُّون أَنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِم﴾ ، (لَا بِالْقطعِ) وَهُوَ تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا، مُبَالغَة فِي التَّأْكِيد.
(إِذْ قد يصدق الكذوب) كَمَا أَن الصدوق قد يكذب. وَمِنْه قَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " كفى بِالْمَرْءِ كذِباً أَن يُحدِّث بكلٍ مَا سمع " رَوَاهُ مُسلم.
стр. 320
(لَكِن لأهل الْعلم بِالْحَدِيثِ مَلَكَة) أَي مهارة علمية وحَذاقة (قَوِيَّة يميزون بهَا ذَلِك) أَي الْمَوْضُوع من غَيره، والكَذب من الصدْق.
(وَإِنَّمَا يقوم بذلك) أَي الحكم على الحَدِيث بِأَنَّهُ مَوْضُوع، (مِنْهُم) أَي من الْمُحدثين، بَيَان مقدم على قَوْله: (مَن يكون اطِّلَاعه تَاما) أَي كَامِلا فِي معرفَة الْأَسَانِيد، وَمَعْرِفَة رجال الحَدِيث، (وذهنه ثاقباً) أَي مضيئاً بتنوير قلبه، وَشرح صَدره، (وفهمه قَوِيا) أَي مُسْتَقِيمًا، (ومعرفته بالقرائن الدَّالَّة على ذَلِك) أَي كَون الحَدِيث مَوْضُوعا، (متمكنة) أَي ثَابِتَة راسخة.
قَالَ الدَّارقُطْنِيُّ: يَا أهل بَغْدَاد لَا تظنوا أَن أحدا يقدر أَن يكذب على رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا حيّ، ذكره السخاوي.
وَقَالَ الرّبيع بن خُثَيْم: إِن للْحَدِيث ضوء كضوء النَّهَار تعرفه، وظلمة كظلمة اللَّيْل تنكره.
وَقَالَ ابْن الجَوْزِي: إِن الحَدِيث الْمُنكر يَقْشَعِرُّ لَهُ جلد طَالب [الْعلم] ، وينكسر مِنْهُ قلبه فِي الْغَالِب
стр. 321
( [طرق معرفَة الوضْع] )
(وَقد يعرف الْوَضع: بِإِقْرَار وَاضعه) أَي وَاضع الحَدِيث المتفرد بِهِ كَقَوْل عمر بن صبيح: أَنا وضعت خطْبَة النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَي الَّتِي نَسَبهَا إِلَيْهِ. وكالحديث الطَّوِيل عَن أبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي فَضَائِل سور الْقُرْآن، اعْترف رَاوِيه / ٧٢ - أ / بِالْوَضْعِ، وأُنكِر على الثَّعْلَبِيّ، الْبَيْضَاوِيّ، وَغَيرهمَا من الْمُفَسّرين الَّذين ذَكرُوهُ فِي تفاسيرهم، من غير بَيَان وَضعه.
قَالَ شَارِح: ويُنزَّل منزلَة الْإِقْرَار [١٠٠ - أ] أَن يُعَيِّن المنفردُ بِهِ تاريخَ مولده، بِمَا لَا يُمكن مَعَه الْأَخْذ عَن شَيْخه. انْتهى. وَفِيه أَنه مَعَ احْتِمَال التَّدْلِيس كَيفَ يحكم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ؟
(قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَكِن) أَي مَعَ هَذَا، (لَا يقطع بذلك) أَي بِالْوَضْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بقاطع فِي كَونه مَوْضُوعا. قيل: لَا يحصل الْقطع من الْقَرَائِن الأُخر أَيْضا، فَمَا الْوَجْه فِي تَخْصِيص الِاسْتِدْرَاك بِهِ؟ أُجِيب بِأَنَّهُ قد يُتوهم حُصُول الْقطع بِهِ لكَونه أقرب من سَائِر الْقَرَائِن.
(لاحْتِمَال أَن يكون كَذَب فِي ذَلِك الْإِقْرَار. انْتهى) [يَعْنِي] ولاحتمال أَن يكون صَادِقا فِيهِ، وَلَو رُجِّح الثَّانِي، / لِأَنَّهُ يبعد عَادَة أَن يَنْسِب إِلَى نَفسه مثل هَذَا الْأَمر الشنيع من غير باعث ديني، أَو دُنْيَوِيّ.
стр. 322
وَالْغَالِب أَن الدَّاعِي إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَة، وَحِينَئِذٍ يبعد أَن يكون كذبا، لَكِن لاحْتِمَال [جرأته] على الله تَعَالَى، وَقلة حيائه من الْخلق، أَو قَصْدِ فَسَاده فِي الرِّوَايَة، وَعدم الْعَمَل بهَا لَا يقطع بِالْوَضْعِ إِلَّا إِذا دلّ دليلٌ على صدقه، على مَا ذكره فِي " المنهل "، [فَإِنَّهُ] إِذا تواردت الْأَدِلَّة على شَيْء يُقْطَع بِهِ.
(وَفهم مِنْهُ) أَي من كَلَامه هَذَا، (بَعضهم) أَي كَابْن الْجَزرِي على مَا ذكره السخاوي، أَنه أَي مُرَاده (أَنه لَا يُعْمَل بذلك الْإِقْرَار أصلا) أَي لَا قطعا وَلَا ظنا، لاحْتِمَال كَونه كَاذِبًا. ورَدّ عَلَيْهِ المُصَنّف وَقَالَ: (وَلَيْسَ ذَلِك) أَي عدم الْعَمَل بِهِ، (مُرَاده) أَي مَقْصُود ابْن دَقِيق الْعِيد.
(وَإِنَّمَا نفى الْقطع) [أَي الْجَزْم وَالْيَقِين فِي كَونه مَوْضُوعا، (بذلك) أَي بذلك الْإِقْرَار؛ لما فِيهِ من الِاحْتِمَال، وَلَا يلْزم من نفي الْقطع] نفي الحكم، أَي نفي الْإِقْرَار نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ الحكم بِالْوَضْعِ، كَذَا قَالَ شَارِح. وَالصَّوَاب: أَنه لَا يلْزم من نفي الْقطع بقوله نفي الحكم مُطلقًا، أَي لَا قطعا وَلَا ظنا.
(لِأَن الحكم) أَي الشرعيّ (يَقع) أَي غَالِبا (بِالظَّنِّ الْغَالِب وَهُوَ) أَي إِقْرَاره (هَهُنَا) أَي فِي هَذَا الْمحل (كَذَلِك) [١٠٠ - ب] أَي مِمَّا يُحْكَم عَلَيْهِ بِالظَّنِّ. فَإنَّا
стр. 323
نحكم بِالظَّاهِرِ، وَالله أعلم بالسرائر.
(وَلَوْلَا ذَلِك) أَي جَوَاز الحكم بِالظَّنِّ، (لما سَاغَ) أَي لما جَازَ (قتل المُقِرّ بِالْقَتْلِ وَلَا) زَائِدَة للتَّأْكِيد، أَي وَلَمَا جَازَ (رجم الْمُعْتَرف بِالزِّنَا، لاحْتِمَال أَن يَكُونَا كاذبينِ فِيمَا اعترفا بِهِ) . قَالَ الْحَنَفِيّ: وَفِيه خَفَاء، لِأَن غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه وَقع مِنْهُ خبران متناقضان، فَكيف يغلب الظَّن بكذب الأول؟ انْتهى.
ويُردُّ [قَوْله] بِمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، من أَن أحدا من الْمُسلمين إِذا أسْند إِلَى رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا، ثمَّ اعْترف أَنه كذب، فَلَا شكّ أَنه يغلب على الظَّن صدقه فِي الثَّانِي، وَكذبه فِي الأول، إِذْ لَا يجترئ مُؤمن على نِسْبَة مثل هَذَا الْقَبِيح الشنيع - الَّذِي اتّفق الْعلمَاء / ٧٢ - ب / على أَنه كَبِيرَة، بل قَالَ بَعضهم: إِنَّه كفر - إِلَى نَفسه، على أَن الأَصْل فِي خبر الْمُؤمن الصدْق بِمُقْتَضى حسن الظَّن بِهِ، وَلذَا يُقْبَلُ خبر وَاحِد فِي الديانَات، وَإِن كَانَ الْخَبَر من حَيْثُ هُوَ يحْتَمل الصدْق وَالْكذب بالتجويز الْعقلِيّ، وَلذَا لَا يُقْطَعُ بِهِ وَلَا يُحْزَمُ بمضمونه، إِلَّا إِذا أحَال الْعقل كذبه عَادَة، فصح قِيَاس الشَّيْخ اعترافه بِإِقْرَار الْقَاتِل، واعتراف الزَّانِي على مَا ورد بهما الشَّرْع، مَعَ أَن الحكم عَام، سَوَاء أنكر أَو لَا، فَمَعَ ظُهُور الْأَمر غَايَة الظُّهُور والجلاء لَا معنى لقَوْله: فِيهِ خَفَاء. (وَمن الْقَرَائِن الَّتِي يُدْرَك بهَا الوضْع) أَي وَضعه، أَو يعرف بهَا الْمَوْضُوع (مَا
стр. 324
يُؤْخَذ من حَال الرَّاوِي) كالتقرب للخلفاء، والأمراء بِوَضْع مَا يُوَافق فعلهم ورأيهم، وَغير ذَلِك.
(كَمَا وَقع لِلْمَأْمُونِ بن أَحْمد أَنه ذُكِرَ بِحَضْرَتِهِ الْخلاف فِي كَون الْحسن) أَي الْبَصْرِيّ، (سمع من أبي هُرَيْرَة أوْ لَا / فساق) أَي مَأْمُون، (فِي الْحَال إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ:) [قَالَ] محشِ: إِنَّه بدلٌ من " إِسْنَادًا ". وَقَالَ شَارِح: التَّقْدِير قَائِلا [١٠ - أ] فِيهِ أَنه قَالَ. وَقيل: إِسْنَادًا ثَابتا على أَنه قَالَ. وَالظَّاهِر أَن التَّقْدِير إِسْنَادًا مُتَّصِلا إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، مَذْكُورا فِيهِ أَنه - أَي الرَّاوِي - قَالَ: (" سمع الْحسن من أبي هُرَيْرَة ﵄ ") أَي إِلَى آخر مَا ذكره، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمدْخل "، وَنَحْوه: أَن عبد الْعَزِيز بن الْحَارِث التَّمِيمِي سُئِلَ عَن فتح مَكَّة، فَقَالَ عَنْوَة، فطولب بِالْحجَّةِ فَقَالَ: حَدثنَا ابْن الصَّواف: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد: [حَدثنَا أبي] : حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، عَن مَعْمَر، عَن الزُّهري، عَن أنس:
стр. 325
أَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي فتح مَكَّة، أَكَانَ صلحا أَو عَنْوَةً، فسألوا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: " كَانَ عَنْوة ".
هَذَا، مَعَ أَنه اعْترف أَنه صنعه فِي الْحَال ليندفع بِهِ الْخصم.
(وكما وَقع لِغيَاث بن إِبْرَاهِيم) أَي النَخَعي، (حَيْثُ دخل على المَهْديّ) بِفَتْح مِيم، وَسُكُون هَاء، وَتَشْديد يَاء، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْمَنْصُور عبد الله العباسي، وَالِد هَارُون الرشيد، وَهُوَ الْبَانِي لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام سَابِقًا بِنَاء مسقفاً، خلاف مَا بناه بَنو عُثْمَان مقبباً لاحقاً.
(فَوَجَدَهُ) أَي فصادف غياثُ الْمهْدي حَال كَونه (يلْعَب بالحمام) جنس واحدته حمامة، (فساق فِي الْحَال) أَي لِطَمعِ المَال، (إِسْنَادًا إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: " لَا سَبْق) بِفَتْح فَسُكُون، مصدر سبقت أسبِق، وبفتح الْبَاء مَا يَجْعَل من المَال رهنا على الْمُسَابقَة. وَالْمعْنَى: لَا يحل أَخذ المَال بالمسابقة إِلَّا فِي هَذِه الثَّلَاثَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِفَتْح الْبَاء، كَذَا فِي " النِّهَايَة ".
(إِلَّا فِي نَصلٍ) وَهُوَ حَدِيدَة السهْم، (أَو خُفِّ) وَهُوَ لِلْإِبِلِ، (أَو حافرٍ) وَهُوَ للخيل، (أَو جنَاح ") بِفَتْح الْجِيم أَي ريش وَهُوَ للطائر، أَي إِلَّا فِي ذَوَات هَذِه الْأَشْيَاء / ٧٣ - أ / من السِّهَام، وَالْإِبِل، وَالْخَيْل.
стр. 326
(فَزَاد فِي الحَدِيث) أَي الثَّابِت، على مَا فِي " الْجَامِع الصَّغِير " بِلَفْظ: " لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُف، أَو حافر، أَو نَصْل " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. (" أَو جَناح ") أَي هَذَا اللَّفْظ.
(فَعرف المهديّ) أَي من كَمَال عقله (أَنه كَذَب) أَي فِي الزِّيَادَة، (لأَجله، فَأمر بِذبح الحَمَام) . قَالَ السخاوي: فَأمر لَهُ بِبَدْرَة: يَعْنِي عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمَّا قَفَى قَالَ: أشهد على قفاك أَنه قفا كَذَّاب، ثمَّ ترك الْحمام، بل أَمر بذبحها، وَقَالَ. أَنا حَملته على ذَلِك. انْتهى.
وَالْأَظْهَر مَا رُوِيَ أَن المهديّ استحسنه أَولا، وَأَعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمَّا أدبر أُلقيَ فِي قلب الْمهْدي أَنه كَذَب لأَجله، فَأمر بِذبح الْحمام، لكَونه سَببا لوضع الحَدِيث وَكذب على رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن لم يتَعَرَّض لَهُ، وَلم يَأْخُذ مَا أعطَاهُ، فَهَذَا الحَدِيث مَأْخُوذ بِاعْتِبَار جزئه الْأَخير، بِخِلَاف السَّابِق، فَإِنَّهُ مَوْضُوع بِتَمَامِهِ.
стр. 327
(وَمِنْهَا) أَي من الْقَرَائِن، (مَا يُؤْخَذ من حَال الْمَرْوِيّ، كَأَن يكون مناقضاً لنَصّ الْقُرْآن) كالتجسيم، (وَالسّنة المتواترة) بِخِلَاف المشهورات وَغَيرهَا من الْآحَاد، (أَو / الْإِجْمَاع الْقطعِي) كالإجماع الْغَيْر السكوتي، الْمَنْقُول بطرِيق التَّوَاتُر، بِخِلَاف الْإِجْمَاع السكوتي وَالْمَنْقُول بطرِيق الْآحَاد. قيل: تَقْيِيد الْإِجْمَاع بالقطعي يدل على أَن الْإِجْمَاع الظني - مثل الَّذِي [يثبت] بِخَبَر الْوَاحِد - لَا يَجْعَل الْخَبَر المناقض لَهُ مَوْضُوعا.
(أَو صَرِيح الْعقل) لم يذكر الْقيَاس صَرِيحًا، فَأَما أَن يدرج فِي صريحٍ الْعقل، أَو يَجْعَل مَا لَا يدل مناقضة [الحَدِيث] إِيَّاه على كَونه مَوْضُوعا، كالإجماع الظني، وَمَا عدا الْمُتَوَاتر من السّنَن.
(حَيْثُ لَا يَقبل شَيْء من ذَلِك) أَي مِمَّا ذكر من النصين، وَالْإِجْمَاع، وَالْعقل، (والتأويل) وَكَذَا إِن لم يحْتَمل سُقُوط شَيْء مِنْهُ على بعض رُوَاته يَزُول بِهِ ذَلِك.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع " فَقَالَ: وكل خبر أوْهَمَ بَاطِلا
стр. 328
وَلم يَقْبَل التَّأْوِيل، فمكذوب، [١٠٢ - أ] أَو نقص مِنْهُ مَا يزِيل بِهِ الْوَهم. قَالَ شَارِحه: وَقد يُمَثَّلُ لَهُ بِرِوَايَة: " لَا يبْقى على ظهر الأَرْض بعد مئة سنة نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ " لعدم مطابقتها الْوَاقِع حَيْثُ سقط على راويها: " مِنْكُم " وكَرِكَّةٍ اللَّفْظ، إِن وَقع التَّصْرِيح بِأَنَّهُ لفظ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُروَ بِالْمَعْنَى، وَرُبمَا تَجْتَمِع ركّة اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَذَلِكَ أبلغ، بل ركاكة الْمَعْنى كَافِيَة فِي الدّلَالَة على الْوَضع وَفَسَاد مَعْنَاهُ، وكالمجازفة فِي الْوَعْد والوعيد، ومخالفته الشَّرْع.
(ثمَّ الْمَرْوِيّ تَارَة يخترعه الْوَاضِع) أَي يكون الْمَرْوِيّ كلَاما لنَفس الْوَاضِع، وَهُوَ أَكثر، كَمَا يذكرهُ أهل التعاويذ فِي / ٧٣ - ب / إِسْنَاد الدُّعَاء.
(وَتارَة يَأْخُذهُ من كَلَام غَيره، كبعض السّلف الصَّالح) مِنْهَا كَلِمَات عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهَا موقوفات الْحسن، حَيْثُ قيل فِي حَقه: كَلَامه يشبه كَلَام الْأَنْبِيَاء، وَنَحْو كَلَام مَالك بن دِينَار، وفُضَيْل بن عِيَاض، ومعارف الجُنيْد وَغَيرهم.
стр. 329
(أَو قدماء الْحُكَمَاء) كالحارث بن كَلَدَة، وبقراط، وأفلاطون.
(أَو الْإسْرَائِيلِيات) أَي أقاويل بني إِسْرَائِيل مِمَّا ذكر فِي التَّوْرَاة، أَو أَخذ من عُلَمَائهمْ ومشايخهم. وَالظَّاهِر أَن يقدَّر الْمُضَاف فِي الْأَوَّلين، أَي كَلَام بعض السّلف، أَو كَلَام قدماء الْحُكَمَاء.
(أَو يَأْخُذ) كَانَ حَقه أَن يَقُول: وَتارَة يَأْخُذ (حَدِيثا ضَعِيف الْإِسْنَاد، فيُركب لَهُ إِسْنَادًا صَحِيحا ليروج) بتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة أَي الْإِسْنَاد، أَو الْمَفْتُوحَة أَي الحَدِيث، فَهَذَا الحَدِيث مَوْضُوع [الْإِسْنَاد] لَا الْمَتْن. وَقد يذكر كلَاما لَيْسَ لَهُ أصل، كَمَا يذكرهُ أهل التعاويذ فِي إِسْنَاد دُعَاء القِدْح وَنَحْوه، فيذكر لَهُ إِسْنَادًا جلّ رِجَاله من أعاظم الْمُحدثين، منتهياً إِلَيْهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو إِلَى أحد من أكَابِر أمته كالخَضِر، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَالْإِمَام جَعْفَر الصَّادِق، وَقد يذكر [١٠٢ - ب] فِي آخِره أنّ مَن شكَّ فِي هَذَا اكفر.
( [أَسبَاب الْوَضع] )
(وَالْحَامِل [للواضع] ) أَي السَّبَب الْبَاعِث (على الْوَضع إِمَّا عدم الدِّين كالزنادقة) ، تَمْثِيل للواضع لَا للحامل، أَو الْمُضَاف مَحْذُوف، وَكَذَا
стр. 330
الْبَوَاقِي وهم المبطنون للكفر المظهرون لِلْإِسْلَامِ، أَو الَّذين لَا يتدينون بدين. يَفْعَلُونَ ذَلِك [أَي كوضع الزَّنَادِقَة] اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ ليضلوا بِهِ النَّاس، فقد قَالَ حمّاد بن زيد / فِيمَا أخرجه العُقَيلي: إِنَّهُم وضعُوا أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث. وَقَالَ الْمهْدي: أقرّ عِنْدِي رجل من الزَّنَادِقَة بِوَضْع مئة حَدِيث، وَهِي تجول فِي أَيدي النَّاس. ذكره السخاوي. وَقَالَ ابْن عَدِيّ: لَمَّا أُخِذَ عبد الْكَرِيم بن أبي العوجاء، - الَّذِي أَمر بِضَرْب عُنُقه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عليّ - لُيضْرَبَ عُنُقه قَالَ: لقد وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث، أُحَرِّم فِيهَا وأُحَلِّل. وَمِنْهُم: الْحَارِث الكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة، وَأَمْثَاله وضعُوا جُمَلاً بل ألوفاً من الحَدِيث اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ، وتلبيساً على الْمُسلمين. فَبين نقاد الحَدِيث أمرهَا فِي ذَلِك كُله، وَلم يَخْفَ عَنْهُم من شَأْنهَا مَا خَفِي على غَيرهم بِحَيْثُ لما قيل لِابْنِ الْمُبَارك: هَذِه الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة! قَالَ: يعِيش لَهَا الجهابذة أَي نقاد الحَدِيث، وحذاقهم، قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ انْتهى. وَكَأَنَّهُ [أَرَادَ أَنه] من جملَة حفظ لفظ الذّكر حفظُ مَعْنَاهُ
стр. 331
وَمن جملَة مَعَانِيه: الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الدَّالَّة على توضيح مبانيه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ / ٧٤ - أ / فَفِي الْحَقِيقَة تكفّل الله تَعَالَى بِحِفْظ الْكتاب وَالسّنة، بِأَن يُقيم من عباده مَنْ يُجدِّدُ أَمر دينهم فِي كل قرن، بل فِي كل زمَان
والمظانّ للموضوعات كَثِيرَة: مِنْهَا الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي الضُّعَفَاء، " كالكامل " لِابْنِ عَدِيّ، بل [١٠٣ - أ] أُفرِدَت بالتأليف كتصنيف ابْن الْجَوْزِيّ فِي " الموضوعات "، وَلَكِن تعقبه الْعلمَاء فِي كثير من الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا فِي كِتَابه وَقد جمع شيخ مَشَايِخنَا السُّيُوطِيّ، والسخاويّ، بعد الزَّرْكَشي وَغَيره الْأَحَادِيث المشتهرة على الْأَلْسِنَة، وبينوها بَيَانا شافياً، وأظهروا مخرجيها وحكموا بِبُطْلَان بَعْضهَا نقلا وافياً. وَقد اقتصرت فِي كراسة على أَحَادِيث اتَّفقُوا على وَضعهَا وَبطلَان أَصْلهَا وسميته: " الْمَصْنُوع فِي معرفَة الْمَوْضُوع " لَا يَسْتَغْنِي الطَّالِب عَنهُ.
(أَو غَلَبَة الْجَهْل، كبعض المتعبدين) أَي المنتسبين إِلَى الْعِبَادَة والزَّهَادة، وضعُوا أَحَادِيث فِي الْفَضَائِل والرغائب، كَصَلَاة لَيْلَة نصف شعْبَان، وَلَيْلَة الرغائب وَنَحْوهمَا. ويتدينون فِي ذَلِك فِي زعمهم وجهلهم، وهم أعظم الْأَصْنَاف ضَرَرا على أنفسهم وَغَيرهم، لأَنهم يَرونه قُربة، ويرجون عَلَيْهِ المثوبة، فَلَا يُمكن تَركهم لذَلِك، وَالنَّاس يعتمدون عَلَيْهِم، ويركنون إِلَيْهِم، لِمَا نُسبوا إِلَيْهِ من الزّهْد وَالصَّلَاح، ويقتدون بأفعالهم، ويعتنون بِنَقْل أَقْوَالهم، حَتَّى قد يخفى على
стр. 332
بعض عُلَمَاء الْأمة وأكابرِهم، ثِقَة واعتماداً على مَا نقلوه، فيقَعون فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ.
وَمِثَال ذَلِك: مَا رُوِيَ عَن أبي عِصْمَة نوح بن أبي مَرْيَم المَرْوَزِي، قَاضِي مَرْو فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عمار الْمروزِي، أَنه قيل لأبي عصمَة: من أَيْن لَك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة، وَلَيْسَ عِنْد أَصْحَاب عِكرمة هَذَا؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت النَّاس قد أَعرضُوا عَن الْقُرْآن، وَاشْتَغلُوا بِفقه أبي حنيفَة، وَمَغَازِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق، فَوضعت هَذَا حُسبةً
(أَو فَرْط العصبية) : أَي إفراطها، وَشدَّة التعصب / لمذهبهم. وَقد روى ابْن أبي حاتِم عَن شيخ من الْخَوَارِج أَنه كَانَ يَقُول بعد [١٠٣ - ب] مَا تَابَ: انْظُرُوا عَمَّن تأخذون دينكُمْ، فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيَّرناه حَدِيثا. زَاد غَيره فِي رِوَايَة: ونحتسب الْخَيْر فِي إضلالكم. ذكره السخاوي، وَقَالَ الْجَزرِي: وَقوم وضعوها تعصباً وَهوى، كمأمون ابْن أَحْمد الهَروي فِي وَضعه حَدِيثا: " يكون فِي أمتِي رجلٍ " يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس، يكون أضرَّ على أمتِي من إِبْلِيس " وَلَقَد رَأَيْت رجلا قَامَ يَوْم جُمعة وَالنَّاس مجتمعون قبل الصَّلَاة، فابتدأ ليورده، فَسقط من قامته مغشياً عَلَيْهِ.
(كبعض / ٧٤ - ب / المقلدين) كَمَا ذكر الواحدي حَدِيث أُبَيِّ بن كَعْب
стр. 333
الطَّوِيل فِي فَضَائِل السُّور، سُورَة فسورة تبعا لِلثَّعْلَبِي فِي تَفْسِيره، وقلده غَيره فِي ذكرهَا فِي تفاسيرهم، كالزَّمَخْشرِي، والبيضاويّ وَكلهمْ أخطؤا، وَلَا يُنَافِي ذَلِك مَا ورد فِي فَضَائِل كثير من السُّور، مِمَّا هُوَ صَحِيح، أَو حسن، أَو ضَعِيف. وتكفل بإيراده الْعِمَاد بن كثير فِي " تَفْسِيره "، والجلال السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى " بالدر المنثور فِي التَّفْسِير الْمَأْثُور ".
(أَو اتِّبَاع هوى لبَعض الرؤساء) كَمَا ذكر مِثَاله فِي كَلَام الْجَزرِي، وكحديث " أبي حنيفَة سراج أمتِي "، وكزيادة: " الجِنَاح " فِيمَا تقدم.
(أَو الإغراب) أَي الْإِتْيَان بِحَدِيث غَرِيب يرغب النَّاس فِيهِ، (لقصد الاشتهار) أَي ليشتهر عِنْد الْعَامَّة أَنهم من الْعلمَاء الْكِبَار، أَو ليشتهر ذَلِك الحَدِيث فِي أهل الديار. وذُكر فِي " خلاصةِ الطَّيِّبِيّ ": أَن مِن الواضعين قوما من السُّؤَّال والشحاذين، يقفون فِي الْأَسْوَاق والمساجد، فيضعون على رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم أَحَادِيث بأسانيد صَحِيحَة قد حفظوها، فَيذكرُونَ الموضوعات بِتِلْكَ الْأَسَانِيد.
قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الطَيَالسي: صلى أَحْمد بن حَنْبَل، وَيحيى بن مَعِين فِي مَسْجِد الرُّصَافة فَقَامَ بَين أَيْدِيهِمَا قاصُّ فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن مَعِين
стр. 334
قَالَا: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: حَدثنَا مَعْمَر، عَن قَتَادة، عَن أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول [ ﷺ ] : مَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَخلق الله من كل كلمةٍ مِنْهَا طَائِر، منقاره من ذهب، وريشه من مَرْجان، وَأخذ فِي قصَّته من نَحْو عشْرين ورقة، فَجعل أَحْمد ينظر إِلَى يحيى، [وَيحيى] ينظر إِلَى أَحْمد فَقَالَ: أَنْت حدثته بِهَذَا! فَقَالَ: وَالله مَا سَمِعت بِهِ إِلَّا هَذِه السَّاعَة، [قَالَ] فسكتا جَمِيعًا حَتَّى فرغ فَقَالَ: أَي أَشَارَ يحيى بِيَدِهِ أنْ تعال، فَجَاءَهُ مُتَوَهمًا لنوال الْخَيْر فَقَالَ لَهُ يحيى: مَن حَدثَك بِهَذَا؟ فَقَالَ: أَحْمد بن حَنْبَل، وَيحيى بن مَعين، فَقَالَ: أَنا ابْن معِين، هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل، مَا سمعنَا بِهَذَا قطّ فِي حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِن كَانَ وَلَا بُد من الْكَذِب فعلى غَيرنَا، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن معِين [قَالَ: نعم] قَالَ: [لم] أزل أسمع أَن ابْن معِين أَحمَق، وَمَا عَلمته إِلَّا هَذِه السَّاعَة، قَالَ يحيى: وَكَيف علمت أَنِّي أَحمَق؟ قَالَ: كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يحيى بن معِين، وَأحمد بن حَنْبَل غيركما، كتبت عَن سَبْعَة عشر أَحْمد بن حَنْبَل غير هَذَا، قَالَ: / فَوضع أَحْمد بن حَنْبَل كَفه على وَجهه، وَقَالَ: دَعه يقوم، فَقَامَ كَالْمُسْتَهْزِئِ بهما.
(وكل ذَلِك حرَام بِإِجْمَاع مَن يعْتد بِهِ) أَي يعْتَبر بقوله (إِلَّا أنّ بعض الكرَّامية) بتَشْديد الرَّاء على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، ذكره السخاوي. قيل وهم فرقة من المشبهة نسبت إِلَى عبد الله / ٧٥ - أ / بن كرَّام، وَهُوَ الَّذِي صرَّح بِأَن معبوده على الْعَرْش، وَأطلق اسْم الْجَوْهَر عَلَيْهِ تَعَالَى، وهم يدَّعون زِيَادَة الْوَرع، وَالتَّقوى، والمعرفة
стр. 335
التَّامَّة. (وَبَعض المتصوفة) أَي مِنْهُم أَو من غَيرهم، (نُقِل عَنْهُم إِبَاحَة الْوَضع فِي التَّرْغِيب) أَي فِي الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، (والترهيب) أَي التخويف عَن الْمعْصِيَة والبَطَالة.
وَحَاصِله: [١٠٤ - ب] أَن بَعضهم جوزوا وضع الْأَحَادِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ حكم من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وترغيباً للنَّاس فِي الْحَسَنَات، [وزجراً لَهُم عَن السَّيِّئَات] ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي بعض الرِّوَايَات: " مَن كذب عليّ مُتَعَمدا لُيضِلَّ بِهِ النَّاس، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ". وَأخذُوا بمفهومه جَوَاز الْكَذِب عَلَيْهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لقصد اهتداء النَّاس. وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَشْهُور بِدُونِ زِيَادَة " ليضل بِهِ النَّاس " أنّ " عَلَيَّ للضَّرَر، وَنحن إِنَّمَا نكذب لَهُ، وَحمل بَعضهم على أَن المُرَاد بِهِ مَنْ قَالَ فِي حَقه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: ساحرٌ، أَو مَجْنُون، أَو شَاعِر، وأمثال ذَلِك.
(وَهُوَ خطأ من فَاعله نَشأ عَن جهل) لِمّا ذكرنَا من الحَدِيث الدَّال على الْعُمُوم. وَأما مَا ذَكرُوهُ، فَهُوَ من التأويلات الْفَاسِدَة، بِنَاء على غفلتهم عَن الْقَوَاعِد الدِّينِيَّة.
(لِأَن التَّرْغِيب والترهيب من جملَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) وَإِن كَانَ بَينهمَا وَبَين
стр. 336
سَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فرق من حَيْثُ إِن الضَّعِيف مُعْتَبر فيهمَا دون سَائِر الْأَحْكَام مَعَ أَنه يُقَدم على الرَّأْي أَيْضا عِنْد فَقْدِ بَقِيَّة الْأَدِلَّة.
(وَاتَّفَقُوا) أَي عُلَمَاء الْإِسْلَام من الْمُحدثين وأرباب الْكَلَام، (على أَن تعمد الْكَذِب على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم من الْكَبَائِر) أَي من أكبرها بعد الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى، وَهَذَا دَلِيل آخر على كَون إِبَاحَة الْوَضع فِي التَّرْغِيب والترهيب خطأ، أَو من تَتِمَّة الدَّلِيل الأول، بِأَن يكون الِاتِّفَاق على أنّ تعمدَ الْكَذِب من الْكَبَائِر فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. فَفِي " الْجَوَاهِر " قَالَ الذَّهَبِيّ: إنْ كَانَ فِي الْحَلَال وَالْحرَام يكفر إِجْمَاعًا، وإنْ كَانَ فِي التَّرْغِيب والترهيب لَا يكفر عِنْد الْجُمْهُور.
(وَبَالغ أَبُو مُحَمَّد الجُوَيني) نِسْبَة إِلَى جُوَين، كزُبَير، كُوْرَة بخُرَاسَان، (فكفَّر) بِالتَّشْدِيدِ [١٠٥ - أ] أَي نسب إِلَى الْكفْر (من تعمّد الْكَذِب) أَي مُطلقًا، (على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون زجرا لَهُم، وَيدل عَلَيْهِ قَول المُصَنّف: وَبَالغ، [وَيحْتَمل] أَن يكون اجْتِهَادًا مِنْهُ، وَهُوَ يحْتَمل الْخَطَأ والمجاوزة عَن الْحَد فِي الْمُبَالغَة، لَا سِيمَا مَعَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع. وَلذَا قَالَ وَلَده إِمَام الْحَرَمَيْنِ: هَذَا زلَّة من الشَّيْخ.
стр. 337
(وَاتَّفَقُوا على تَحْرِيم رِوَايَة الْمَوْضُوع) أَي إِذا عُلِم أَنه مَوْضُوع، (إِلَّا مَقْرُونا ببيانه) أَي إِلَّا نقلا مُتَّصِلا بِبَيَان كَونه مَوْضُوعا.
(لقَوْله صلى / الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: من حدَّث عنّي بِحَدِيث) يَسْتَوِي فِيهِ التَّرْغِيب والترهيب وَغَيرهمَا، (يُرَى) بِفَتْح الْيَاء، أَي يعْتَقد، أَو بضَمهَا وَهُوَ أبلغ أَي يظنّ (أَنه كَذِب) بِفَتْح أَو كسر، يَعْنِي وَلم يبين أَنه كذب، (فَهُوَ أحد الكَاذِبين ") ضُبِطَ بِصِيغَة الْجمع، والتثنية.
(أخرجه مُسلم) وَأفَاد أَن غَيره من الْأَحَادِيث الضعيفة الَّتِي يحْتَمل صدقهَا تجوز رِوَايَتهَا فِي التَّرْغِيب، والترهيب، والفضائل، من غير بَيَان ضعفه.
( [الْمَتْرُوك] )
(وَالْقسم الثَّانِي من أَقسَام الْمَرْدُود، وَهُوَ مَا يكون بِسَبَب تُهْمَة الرَّاوِي بِالْكَذِبِ هُوَ الْمَتْرُوك) جعله قسما مُسْتقِلّا، وَسَماهُ متروكا، لِأَن اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ مَعَ تفرده لَا يسوغ الحكم بِالْوَضْعِ.
стр. 338
( [المُنْكَر] )
(وَالثَّالِث:) لف يَجِيء نبشره، (الْمُنكر على رَأْي) بِالتَّنْوِينِ فِي الْمَتْن، وبتركه فِي الشَّرْح لِإِضَافَتِهِ إِلَى (مَنْ لَا يشترِط فِي الْمُنكر قيد الْمُخَالفَة) وَأما الْمُنكر الَّذِي فِيمَا سبق فِي مُقَابلَة الْمَعْرُوف، فَإِنَّهُ على رَأْي [مَن] شَرط الْمُخَالفَة.
وَحَاصِله: أَن مَا يكون الطعْن فِيهِ سَبَب كَثْرَة الْغَلَط، لَا يكون مُنْكرا [أَي على ذَلِك الرَّاوِي] إِلَّا على رَأْي من لَا يشْتَرط فِي الْمُنكر مُخَالفَة الثِّقَة للضعيف كَمَا تقدم، وَأما من يشْتَرط فِيهِ ذَلِك، فَلَا.
(وَكَذَا) أَي على ذَلِك الرَّأْي (الرَّابِع وَالْخَامِس، فمَن فحُش غلطه) ، نشر مُرَتّب، ومَن [١٠٥ - ب] تعليلية، فَهُوَ رَاجع إِلَى الثَّالِث. (أَو كَثُرَت غفلته) إِلَى الرَّابِع. (أَو ظهر فسقه،) إِلَى الْخَامِس وَفِيه أَن الظُّهُور مُعْتَبر فِي الْجَمِيع، فَلَا وَجه للتخصيص.
(فَحَدِيثه مُنكر) .
стр. 339
( [الْوَهم فِي الْإِسْنَاد والمتن] )
(ثمَّ الْوَهم) أَي رِوَايَة الحَدِيث على سَبِيل التَّوَهُّم، وَذَلِكَ قد يَقع فِي الْإِسْنَاد وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقد يَقع فِي الْمَتْن، مثل إِدْخَال حديثٍ فِي حَدِيث آخر. وَالْأول قد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا، لِمَا فِي التَّعْلِيل بِالْإِرْسَال واشتباه الضَّعِيف بالثقة. مثل أَن يَجِيء الحَدِيث بِإِسْنَاد مَوْصُول، وَيَجِيء أَيْضا بِإِسْنَاد مُنْقَطع أقوى من الْإِسْنَاد الْمَوْصُول. وَقد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد خَاصَّة من غير قدح فِي صِحَة الْمَتْن.
ومثاله: مَا رَوَاهُ الثِّقَات كيَعْلى بن عُبَيْد، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر، / ٧٥ - ب / عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " البيِّعان " بِالْخِيَارِ ... " الحَدِيث، فَهَذَا إسنادٌ مُتَّصِل بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل، وَهُوَ مُعَلَّل غير صَحِيح، والمتن على كل حَال صَحِيح. وَالْعلَّة فِي قَوْله: عَن عَمْرو بن دِينَار، يَعْلَى بن عُبَيْد، وَعَدَلَ عَن عبد الله بن دِينَار الْمُوَافق لَهُ فِي اسْم أَبِيه إِلَى عَمْرو بن دِينَار، وَكِلَاهُمَا ثِقَة.
(وَهُوَ الْقسم السَّادِس، وَإِنَّمَا أفْصح بِهِ) أَي عبر عَنهُ باسمه الصَّرِيح، وَلم يقل:
стр. 340
وَالسَّادِس؛ (لطول الْفَصْل) أَي بابِهِ، والبحث فِيهِ، وَهُوَ مُقْتَض للاهتمام بِهِ كَمَا فِي الْأَقْسَام الْآتِيَة، وَلذَا أَيْضا عطف ب: ثُمَّ الدَّال على التَّرَاخِي، إِشَارَة إِلَى أَن التَّرَاخِي بِحَسب الرُّتْبَة فَانْدفع مَا قيل: إِن طول الْفَصْل إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْح، لَا فِي الْمَتْن، وَأَيْضًا ينْدَفع بِأَنَّهُ قد يُعد مَا فِي الْمَتْن طولا أَيْضا، فَالْمُرَاد [١٠٦ - أ] بِالْفَصْلِ، الفاصلة بَين قَوْله فِيمَا سبقْ: أَو وهمه، وَبَين قَوْله: (إِن اطلع) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (عَلَيْهِ أَي على الْوَهم) ، وَأما إِن لم يُطلع عليهِ، فَهُوَ المقبول. وَفِيه أَن جَمِيع أَسبَاب الطعْن مُشْتَركَة فِي أَنه مَتى مَا لم يطلع عَلَيْهِ، فَهُوَ مَقْبُول. فبالاطلاع يَجْعَل مُوجبا لِلطَّعْنِ، فَلَا وَجه لاخْتِصَاص الِاطِّلَاع بالسادس.
(بالقرائن الدَّالَّة على وَهْمِ رَاوِيه) المنبهَة للعارف عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه، فَيحكم بِعَدَمِ صِحَة الحَدِيث لذَلِك اكْتِفَاء بِغَلَبَة الظَّن، أَو يتَرَدَّد لعدم تَرْجِيح أحد الطَّرفَيْنِ، فَيتَوَقَّف فِي الحكم بِالصِّحَّةِ وَعدمهَا. وَأما إِذا لم يطلع عَلَيْهِ بِمَا ذكر من الْقَرَائِن، فَالظَّاهِر السَّلامَة من الْجرْح، فَهُوَ من أَقسَام المقبول.
(مِنْ وَصْل مُرْسَل) من بَيَانِيَّة للقرائن. (أَو مُنْقَطع) عطف على مُرْسل (أَو إدخالِ حَدِيث فِي حَدِيث) عطف على وصل، وَكَذَا (أَو نَحْو ذَلِك من الْأَشْيَاء
стр. 341
القادحة) كإرسال مَوْصُول، أَو وقف مَرْفُوع.
قَالَ السخاوي: كإبدال راوٍ ضَعِيف بِثِقَة، كَمَا اتّفق لِابْنِ مَرْدُويَه فِي حَدِيث مُوسَى بن عُقْبَة، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر رَفعه: " إِن اللهَ أذهب عَنْكُم عُبَّية الْجَاهِلِيَّة " فَإِنَّهُ قَالَ: إِن رَاوِيه غَلِظَ فِي تَسْمِيَته مُوسَى بن عُقْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدة، وَذَاكَ ثِقَة، وَابْن عُبَيْدَة ضَعِيف. انْتهى. وعُبية الْجَاهِلِيَّة: بِضَم مُهْملَة وَكسرهَا، وَتَشْديد مُوَحدَة، ثمَّ يَاء مُشَدّدَة، فُعُّولة أَو فُعَّيْلَة، وَهِي: الكِبْر على مَا فِي " النِّهَايَة ".
وَقَالَ شَارِح: مِثَاله مَا انْفَرد بِهِ مُسلم فِي " صَحِيحه " من رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم: حَدثنَا الأَوْزَاعِيّ، عَن قَتَادَة: أنّه كتب إِلَيْهِ يُخبرهُ عَن أنس بن مَالك: أنّه حَدثهُ قَالَ: " صليت خلف النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر، وَعمر [١٠٦ - ب] وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَكَانُوا يستفتحون / ٧٦ - أ " بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين، لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا "
ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْوَلِيد، عَن الْأَوْزَاعِيّ: أَخْبرنِي إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة: أنّه سمع أنس بن مَالك يذكر ذَلِك. وروى فِي " الْمُوَطَّأ " عَن حُميد،
стр. 342
عَن أنس ﵁ قَالَ: " صليت وَرَاء أبي بكر، وَعمر، وَعُثْمَان - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَن سَائِر الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ - فكلهم لَا يقرؤن: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ". وَزَاد الْوَلِيد بن مُسلم عَن مَالك بِهِ: " صليت خلف رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ... ". قَالَ ابْن عبد البَرّ: وَهُوَ عِنْدهم خطأ. وَحَدِيث أنس قد أعلّه الشَّافِعِي فِيمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة ".
(وَتحصل معرفَة ذَلِك) أَي الْوَهم، (بِكَثْرَة التتبع) أَي النّظر فِي رجال الْأَسَانِيد، واختلافات الْمُتُون.
(وَجمع الطّرق) أَي الْأَسَانِيد الْمُشْتَملَة على الْمُتُون، واستقصائها من المَجاَمِع وَالْمَسَانِيد، وَالنَّظَر فِي اخْتِلَاف رُوَاة كل حَدِيث، وضبطهم، وإتقانهم - ليحصل التَّرْجِيح بذلك، ويُعْلم أَنه مَوْصُول، أَو مُرْسل، أَو نَحْوهمَا - وَرِوَايَة غَيرهم على سَبِيل التَّوَهُّم، فقد رُوِيَ عَن عَليّ بن المَديني أَنه قَالَ: الْبَاب إِذا لم تُجْمَعْ طرقه لم يتَبَيَّن خَطؤُهُ.
( [المعَلَّل] )
(فَهَذَا / هُوَ المعَلَّل) فِيهِ مُسَامَحَة، فَإِن مَا فِيهِ الْوَهم هُوَ المعَلَّل، وَقد
стр. 343
وَقع فِي عبارَة كثير من الْمُحدثين، كالبخاري، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن عَدي وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَكَذَا فِي عبارَة الْمُتَكَلِّمين والأصوليين تَسْمِيَته بالمعلول. ورده ابْن الصّلاح بِأَن ذَلِك مرذول عِنْد أهل الْعَرَبيَّة واللغة، لِأَن الْمَعْلُول من: عَلَّهُ بِالشرابِ، أَي سقَاهُ مرّة بعد أُخْرَى، وَهُوَ غير ملائم، وَسَماهُ مُعَلَّلاً.
قَالَ الْعِرَاقِيّ: الأجود فِي تَسْمِيَته: الْمُعَلل، وَكَذَا وَقع هُوَ فِي عبارَة [١٠٧ - أ] بَعضهم، وَأكْثر عباراتهم فِي الْفِعْل، أعله فلَان بِكَذَا، وَقِيَاسه مُعَلّ قَالَ الْجَوْهَرِي: لَا أَعَلكَ الله بعلته، أَي مَا أَصَابَك بمصيبته. وَأما عَلَّلَهُ، فَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلهُ أهل اللُّغَة بِمَعْنى ألهاه بالشَّيْء وشغله بِهِ، من تَعْلِيل الصَّبِي بِالطَّعَامِ.
قَالَ السخاوي: وَمَا يَقع من اسْتِعْمَال [أهل] الحَدِيث لَهُ حَيْثُ يَقُولُونَ: علله فلَان، فعلى طَرِيق الِاسْتِعَارَة. انْتهى. وَكَأن وَجه الشّبَه الشّغل، فَإِن الْمُحدث يشْتَغل بِمَا فِيهِ من الْعِلَل.
هَذَا، وَالْعلَّة عبارَة عَن أَسبَاب خُفْيَة غامضة قادحة فِي صِحَة الحَدِيث. فَالْحَدِيث
стр. 344
الْمُعَلل هُوَ الَّذِي اطلع على عِلّة تقدح فِي صِحَّته، مَعَ أَن ظَاهره السَّلامَة، لَيْسَ للجرح مدْخل فِيهَا، لكَونه ظَاهر السَّلامَة.
(وَهُوَ) أَي هَذَا النَّوْع (من أغمض أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث وأدقها) عطف تَفْسِير أَي أخفاها دركاً، وأدقها إدراكاً. قيل: ومِن أشرفها، حَتَّى قَالَ ابْن المَهْدي: لِأَن أعرف علةَ حَدِيث واحدٍ أحبّ إليّ من أَن أكتب عشْرين حَدِيثا / ٧٦ - ب / لَيْسَ عِنْدِي.
(وَلَا يقوم بِهِ) أَي بِعلم هَذَا الْفَنّ الغامض حقَّ الْقيام بِهِ، (إِلَّا مَن رزقه الله تَعَالَى فهما ثاقباً) أَي مضيئاً مُدْرِكاً، (وحفظاً وَاسِعًا) أَي شَامِلًا للأسانيد والمتون، (ومَلَكَة قَوِيَّة) أَي مهارة راسخة، وحذاقة ثَابِتَة (بِالْأَسَانِيدِ والمتون) أَي باختلافهما، وَاسْتِيفَاء الْعلم بهما، واستقصائهما.
(وَلِهَذَا) أَي وَلكَون هَذَا الْفَنّ أغمض الْأَنْوَاع، أَو لعدم الْقيام بِهِ إِلَّا مَن رزقه الله تَعَالَى ووفقه، وَقَلِيل مَا هم. (لم يتَكَلَّم فِيهِ إِلَّا قَلِيل من أهل هَذَا الشَّأْن) أَي مَعَ أَن شَأْنهمْ كلهم أَن يتكلموا فِيهِ، ويحكموا بِمَا يَقْتَضِيهِ.
(كعلي بن المَديني) بِالْيَاءِ (وَأحمد [١٠٧ - ب] ) بن حَنْبَل، وَالْبُخَارِيّ
стр. 345
وَيَعْقُوب بن شَيْبَة، وَأبي حَاتِم) وَفِي نُسْخَة بِزِيَادَة: الرَّازِيّ، (وَأبي زُرْعة) بِضَم الزَّاي (والدارقُطْني) وَمر ضَبطه.
(وَقد) للتَّعْلِيل، (تقصر عبارَة الْمُعَلل) بِكَسْر اللَّام، أَي النَّاقِد النَّاظر فِي عِلّة الحَدِيث الْمُعَلل، (عَن إِقَامَة الْحجَّة على دَعْوَاهُ) بِأَن يعلم أَن فِي الحَدِيث قصورا، لَكِن لَا يقدر على بَيَانه.
(كالصيرفي فِي نقد الدِّينَار وَالدِّرْهَم) . قَالَ ابْن مهْدي: إِنَّه إلهام، لَو قلت لَهُ: من أَيْن قلت هَذَا؟ لم تكن لَهُ حجَّة. وَكم مِمَّن لَا يَهْتَدِي لذَلِك.
هَذَا، وَأعلم أَن بَعضهم يُطلق الْعلَّة على غير الْمَعْنى الْمَذْكُور، ككذب الرَّاوِي، وفسقه، وغفلته، وَسُوء حفظه، وَنَحْوه من أَسبَاب تَضْعِيف الحَدِيث كالتدليس. وَالتِّرْمِذِيّ / سمى النّسخ عِلّة. قَالَ السخاوي: فَكَأَنَّهُ [أَرَادَ] عِلّة مَانِعَة من الْعَمَل لَا الاصطلاحية.
стр. 346
( [المُدْرَجُ وأقسامه] )
(ثمَّ الْمُخَالفَة، وَهُوَ الْقسم السَّابِع، إِن كَانَت وَاقعَة) ، إِشَارَة إِلَى أَن خبر كَانَ مُقَدَّر فِي الْمَتْن، كَمَا أَشَارَ إِلَى أَن الْبَاء فِي الْمَتْن سببيّة فِي قَوْله: (بِسَبَب) تَغْيِير السِّيَاق، أَي سِيَاق الْإِسْنَاد) ، إِشَارَة إِلَى أَن اللَّام للْعهد، أَو بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ .
ثمَّ اعتُرض بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بتغيير سِيَاق الْإِسْنَاد تَغْيِيره بِاعْتِبَار نَفسه لَا فِي الْمَتْن، يلْزم أَن لَا ينْدَرج فِيهِ الْقسم الرَّابِع، والشق الثَّانِي من الْقسم الثَّالِث، وَإِن أُرِيدَ تَغْيِيره أَعم من أَن يكون بِاعْتِبَار نَفسه [أَو بِاعْتِبَار] مُتَعَلّقه، وَهُوَ الْمَتْن والْحَدِيث، يتدرج فِيهِ مُدْرَجُ الْمَتْن أَيْضا. وَدفع بِأَن يُقَال: أَرَادَ بمدرج الْمَتْن مَا يكون التَّغْيِير فِي الْمَتْن فَقَط. أَو يُقَال: مَا يكون فِي إِسْنَاده وَمَتنه تَغْيِير، فَهُوَ بِاعْتِبَار الأول مدرج الْإِسْنَاد، وَبِاعْتِبَار الثَّانِي مدرج الْمَتْن.
(فالواقع) أَي الحَدِيث الثَّابِت، (فِيهِ ذَلِك التَّغْيِير) ، وَبِه [١٠٨ - أ] تنْدَفع الْمُسَامحَة الْوَاقِعَة فِي الْمَتْن، (هُوَ) على مَا فِي نُسْخَة، (مُدْرَج الْإِسْنَاد) وَإِنَّمَا
стр. 347
سمي بِهِ، لِأَن المغير أَدخل / ٧٧ - أ / خللاً فِي الْإِسْنَاد، فالإسناد مُدْخَلٌ فِيهِ.
وَأعلم أَن تَفْسِير مدرج الْإِسْنَاد بِظَاهِرِهِ يَشْمَل مقابلاته الْآتِيَة، غير مَا يَلِيهِ من التَّقْدِيم، وَالتَّأْخِير، وَزِيَادَة الرَّاوِي، وإبداله، وتغيير حرف، أَو حُرُوف، فَلَا تصح الْمُقَابلَة، كَمَا يدل عَلَيْهِ لَفظه، أَو اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يخْتَص هَذَا التَّغَيُّر على وَجه لَا يشملها باستعانة السِّيَاق.
(وَهُوَ أَقسَام:) أَي أَقسَام أَرْبَعَة، وَهُوَ لَا ينْحَصر عقلا فِيهَا، فانحصاره فِيهَا استقرائي، والاستقراء غير مَعْلُوم.
(الأول: أَن يروي جمَاعَة الحَدِيث) فِيهِ مُسَامَحَة إِذْ حق الْعبارَة: مَا يرويهِ جمَاعَة (بأسانيد مُخْتَلفَة) وَكَذَا فِي الْبَاقِي. (فرويه عَنْهُم راو) أَي مطعون بالمخالفة، (فَيجمع) أَي الرَّاوِي، (الْكل) [أَي كلهم] يَعْنِي جَمِيع تِلْكَ الْجَمَاعَة، (على إِسْنَاد وَاحِد من تِلْكَ الْأَسَانِيد، وَلَا يبين الِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف الْأَسَانِيد.
وَحَاصِله: أَنه يسمع الرَّاوِي حَدِيثا عَن جمَاعَة مُخْتَلفين فِي إِسْنَاده، فيرويه عَنْهُم بِاتِّفَاق، وَلم يبين الِاخْتِلَاف. مِثَاله: حَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: عَن بنْدَارٍ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَهدي، عَن سُفْيَان الثَّوْري، عَن وَاصِلٍ، وَمَنْصُور، والأعمَش، عَن أبي وَائِل، عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَالَ: قلت يَا رَسُول الله: " أَي الذَّنب
стр. 348
أعظم ... "؟ الحَدِيث. هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن كثير العَبْدِي، عَن سُفْيَان، فرواية وَاصِل هَذِه مُدْرَجة على رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش، لِأَن واصلاً لم يَذكر فِيهِ عمرا، بل رَوَاهُ عَن أبي وَائِل، عَن عبد الله.
وَإِنَّمَا ذكره فِيهِ مَنْصُور وَالْأَعْمَش، فَوَافَقَ رِوَايَته بروايتهما، وَقد بَين الإسنادين مَعًا يحيى بن القَطان فِي رِوَايَة عَن سُفْيَان، [١٠٨ - ب] وفَصَلَ أَحدهمَا عَن الآخر. كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " فِي كتاب الْمُحَاربين عَن عَمْرو بن عَليّ، عَن يحيى، عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل، عَن عَمْرو.
وَعَن / سُفْيَان، عَن وَاصل، عَن أبي وَائِل، عَن عبد الله من غير ذكر عَمْرو بن شُرَحْبيل.
(الثَّانِي: أَن يكون الْمَتْن عِنْد راوٍ) أَي بِإِسْنَاد وَاحِد، كَمَا يدل عَلَيْهِ بُعَيْدَ هَذَا بِالْإِسْنَادِ الأول، فَيصح الِاسْتِثْنَاء بقوله:
(إِلَّا طرفا) ، أَي بَعْضًا (مِنْهُ، فَإِنَّهُ) أَي الطّرف (عِنْده بِإِسْنَاد آخر، فيرويه راوٍ عَنهُ تَاما بِالْإِسْنَادِ الأول) وَهَذَا هُوَ المطعون بالمخالفة للثقات. مِثَاله: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زَائِدَة، وشَريك، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة،
стр. 349
كلهم عَن عَاصِم بن كُلَيْب، عَن أَبِيه، عَن وَائِل بن حُجْر فِي صفة صَلَاة رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ فِيهِ: " ثمَّ جِئْت بعد ذَلِك فِي زمَان برد شَدِيد، فَرَأَيْت النَّاس عَلَيْهِم جُل الثِّيَاب، تُحَرك أَيْديهم تَحت الثِّيَاب ". قَالَ مُوسَى بن هَارُون: وَذَلِكَ عندنَا وهم.
فَقَوله: " ثمَّ جِئْت " / ٧٧ - ب / لَيْسَ هُوَ بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَإِنَّمَا هُوَ أُدرِج عَلَيْهِ عَن عَاصِم، عَن عبد الْجَبَّار بن وَائِل، عَن بعض أَهله، عَن وَائِل، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُبَيَّناً زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَأَبُو بدر شُجَاع بن الْوَلِيد، فَميَّزا قصَّة تَحْرِيك الْأَيْدِي من تَحت الثِّيَاب، وفصلاها من الحَدِيث، وذكرا إسنادها كَمَا ذكرنَا.
(وَمِنْه) أَي من قبيل الْقسم الثَّانِي، (أَن يَسْمَع الحَدِيث من شَيْخه) أَي بِلَا وَاسِطَة، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من الْعبارَة، (إِلَّا طرفا مِنْهُ، فَيَسْمَعه عَن شَيْخه بِوَاسِطَة) الْأَظْهر أَن يَقُول بدل فيسمعه: عَن مَن سَمعه من شَيْخه، (فيرويه) أَي الحَدِيث، [راوٍ] عَنهُ) أَي عَن شَيْخه، (تَاما) أَي من غير اسْتثِْنَاء الطّرف، (بِحَذْف الْوَاسِطَة) مَعَ أَنه لم يسمع الطّرف إِلَّا بِوَاسِطَة، وَهَذَا هُوَ المطعون [١٠٩ - أ] [بالمخالفة] .
(الثَّالِث: أَن يكون عِنْد الرَّاوِي متنان مُخْتَلِفَانِ بِإِسْنَادَيْنِ مُخْتَلفين) إِمَّا عَن صحابِيين، أَو عَن وَاحِد فَقَط، (فيرويهما) مَعًا كَامِلين، أَو مختصرين أَو أَحدهمَا
стр. 350
مُخْتَصرا دون الأول، (راو عَنهُ مُقْتَصرا على أحد الإسنادين) هَذَا هُوَ المطعون بالمخالفة.
(أَو يروي) أَي راوٍ، (أحد الْحَدِيثين) أَي الْمُخْتَلِفين ليظْهر الْفرق بَين هَذَا الْوَجْه وَالْوَجْه الثَّانِي، فَاللَّام للْعهد. (بِإِسْنَادِهِ الْخَاص بِهِ، لَكِن يزِيد فِيهِ) أَي فِي أحد الْحَدِيثين، (مِن الْمَتْن الآخر) أَي وَله إِسْنَاد آخر، (مَا لَيْسَ فِي الأول) أَي فِي الحَدِيث الأول، أَو الْمَتْن الأول، وَهُوَ الْمَذْكُور بقوله: أحد الْحَدِيثين، فَهُوَ مِن وَضْع الظَّاهِر مَوضِع ضَمِيره.
ومثاله: حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن أبي مَرْيَم، عَن مَالك، عَن الزُّهْرِي، عَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: " لَا تباغضوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تنافسوا ... " الحَدِيث. فَقَوله: " وَلَا تنافسوا " مدرجة [فِي الحَدِيث] أدرجها ابْن أبي مَرْيَم من حديثٍ آخر لمَالِك، عَن أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " إيَّاكُمْ وَالظَّن، فَإِن الظَّن أكذبُ الحَدِيث، وَلَا تَجَسَّسُوا [وَلَا تَحَسَّسُوا] وَلَا تنافسوا، وَلَا تَحَاسَدُوا ". وكلا الْحَدِيثين مُتَّفق عَلَيْهِ من طَرِيق مَالك. وَلَيْسَ
стр. 351
فِي الأول: " وَلَا تنافسوا "، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الحَدِيث الثَّانِي.
(الرَّابِع: أَن يَسُوق) أَي / راو، أَو مُحدث (الْإِسْنَاد) أَي إِسْنَاد حَدِيث فَقَط، (فيَعْرض لَهُ عَارض) أَي فَلَا يذكر متن الحَدِيث لما يقطعهُ عَنهُ قَاطع، (فَيَقُول كلَاما من قِبَل نَفسه، فيظن بعض مَنْ سَمعه) أَي ذَلِك الرَّاوِي، وَهُوَ المطعون بالمخالفة، (أَن الْكَلَام هُوَ متن ذَلِك الْإِسْنَاد، فيرويه عَنهُ كَذَلِك) أَي على أَنه متن ذَلِك الْإِسْنَاد. وَبِهَذَا التَّقْرِير الْمُوَافق لتحرير [١٠٩ - ب] السخاوي يظْهر مِنْهُ أَنه لَا ذكر لمتن الحَدِيث فِي الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد، فَلَا / ٨٧ - أ / يصدق تَعْرِيف مدرج الْمَتْن عَلَيْهِ، فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا قيل: من أَن تَعْرِيف مدرج الْمَتْن غيرُ مَانع لدُخُول الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد فِيهِ.
(هَذِه) أَي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة، (أَقسَام مُدْرَج الْإِسْنَاد) أما الثَّلَاثَة الأول، فَظَاهر، وَأما الْأَخير، فتغيير السِّيَاق بِاعْتِبَار أَن سِيَاق الْإِسْنَاد يَقْتَضِي أَن يذكر الحَدِيث بعده، لَا كلَاما مِن قِبَل نَفسه.
(وَأما مدرج الْمَتْن: فَهُوَ أَن يَقع فِي الْمَتْن كَلَام) أَي وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد، (لَيْسَ مِنْهُ) أَي لَيْسَ ذَلِك الْكَلَام من جملَة ذَلِك الْمَتْن.
وَحَاصِله: أَن يذكر الرَّاوِي - صحابياً أَو غَيره - كلَاما لنَفسِهِ أَو غَيره، فيرويه مَنْ بَعْدَهُ مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ من غير فصل يتَمَيَّز عَنهُ، بِأَن يعزوه لقائله صَرِيحًا أَو كنايه، فَيَتوَهَّم مَنْ لَا يعرف حَقِيقَة الْحَال أَنه من الحَدِيث. وَحَقِيقَته على مَا صرح بِهِ
стр. 352
السخاوي: إِضَافَة الشَّيْء لغير قَائِله.
قَالَ محشي: هَذَا التَّعْرِيف لمدرج الْمَتْن أَعم من تَعْرِيفه الْخَارِج من عبارَة الْمَتْن. إِذْ قَوْله: كَلَام لَيْسَ مِنْهُ، أَعم من أَن يكون من كَلَام نَفسه أَو غَيره، من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ، إِلَّا أَن يُخَصّ بِكَلَام غَيره، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْكَلَام لُيفَرَّقَ بَين مدرج الْمَتْن ومدرج الْإِسْنَاد من الْقسم الرَّابِع.
وَحَاصِله: أَن الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد يكون بِتَمَامِهِ مِمَّا يظُن أَنه حَدِيث مُسْتَقل. وَأما مدرج الْمَتْن فيظن أَنه جُزْء من الحَدِيث.
(فَتَارَة يكون) أَي إدراج الْمَتْن (فِي أَوله) مِثَاله: مَا رَوَاهُ الْخَطِيب من رِوَايَة أبي قطَن وشَبَابَة، فروياً عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " أَسْبِغُوا الْوضُوء، ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار ". فَقَوله: أَسْبغُوا الْوضُوء، من قَول [١١٠ - أ] أبي هُرَيْرَة، وَصِلَ بِالْحَدِيثِ فِي أَوله، كَذَلِك وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " عَن آدم بن إِيَاس، عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: أَسْبغُوا [الْوضُوء] ، فَإِن أَبَا الْقَاسِم [ ﷺ ] [قَالَ] : " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار ".
قَالَ الْخَطِيب: وهِمَ أَبُو قطنٍ وشَبَابَة فِي روايتهما هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة على مَا سقنا، وَذَلِكَ أَن قَوْله: أَسْبغُوا، من كَلَام أبي هُرَيْرَة، وَقَوله: " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار " من كَلَام النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.
стр. 353
(وَتارَة فِي أَثْنَائِهِ) ، مِثَاله: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " من رِوَايَة عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن بُسْرَة بنت صَفْوَان قَالَت: سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: " مَنْ مَسَّ ذَكَرَه أَو أُنَثَيْيه أَو رُفْغَيْه فَليَتَوَضَّأ ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَا رَوَاهُ عبد الحميد، عَن هِشَام، وَوهم فِي ذكر الأنْثَيَيْنِ والرُفْغ / وإدراجه ذَلِك فِي حَدِيث بُسْرَة. قَالَ: وَالْمَحْفُوظ أَن ذَلِك من قَول عُرْوَة. انْتهى.
وَفِي " النِّهَايَة ": من السّنة نتف الرُّفغين، أَي الإبطين. وَإِذا التقى الرفغان وَجب الْغسْل، أَي أصُول الفخذين / ٧٨ - ب / وَالرَّاء تضم وتفتح. انْتهى. وَالظَّاهِر أَن الْمَعْنى الثَّانِي هُوَ المُرَاد هُنَا.
(وَتارَة فِي آخِره) مِثَاله: مَا روى أَبُو خَيْثَمَة زهيرُ بن مُعَاوِيَة، عَن الْحسن بن الحُرّ، عَن الْقَاسِم بن مُخَيْمِرَة عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم علَّمه التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة فَقَالَ: " قل: التَّحِيَّات لله " فَذكر حِين قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله: فَإِذا قلت هَذَا، فقد قضيت صَلَاتك، إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ، وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو خَيْثَمة، فأدرج فِي الحَدِيث قَوْله: فَإِذا قلت ... الخ
стр. 354
وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن مَسْعُود لَا من [١١٠ - ب] كَلَام النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَمن الدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الثِّقَة عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان رَوَاهُ عَن ابْن الحًرِّ الْمَذْكُور هَكَذَا. وَاتفقَ حُسَيْن الْجعْفِيّ، وَابْن عجلَان وَغَيرهمَا فِي روايتهم عَن الْحسن بن الحًرِّ على ترك هَذَا الْكَلَام فِي آخر الحَدِيث، مَعَ اتِّفَاق كل من روى التَّشَهُّد عَن عَلْقَمَة وَغَيره عَن ابْن مَسْعُود على ذَلِك. وَرَوَاهُ شَبَابة عَن أبي خَيْثَمَة فوصله أَيْضا.
(وَهُوَ) أَي مَا يَقع فِي الآخر هُوَ (الْأَكْثَر) وقوعاً أَو اسْتِعْمَالا، فَيكون بِمَعْنى الأشهَر، (لِأَنَّهُ يَقع بعطف جملَة على جملَة) يَعْنِي وَهُوَ حِينَئِذٍ يكون غَالِبا فِي الآخر، وَبِه انْدفع مَا قَالَ محشي: وَفِيه أَن الظَّاهِر أَنه دَلِيل لقَوْله: أَكثر، وَيرد عَلَيْهِ أَنه لَا نسلم أَن الآخر دَائِما يكون بعطف كَلَام مُسْتَقل على آخر مثله، بل رُبمَا يكون بعطف مُفْرد على مُفْرد، بل بِلَا عطف، وَلَو سلم أَن الْأَخير يَقع بعطف الْجُمْلَة [على الْجُمْلَة] وَلَا يَقع بعطف الْمُفْرد أَو بِدُونِ الْعَطف، فَلَا نسلم أَن الْوَاقِع بعطف الْجُمْلَة [على الْجُمْلَة] يدل إِلَى الأكثرية، مَعَ أَن الأول وَالثَّانِي يقعان بعطف الْجُمْلَة أيضاَ. انْتهى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِوُقُوع الْعَطف حسب الْغَالِب فِي الْوَاقِع، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُمكن استقلاله عَن اللَّفْظ السَّابِق، فيتميز من لفظ الحَدِيث، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بِغَيْر جملَة. وَلِهَذَا قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: إِنَّمَا يكون الإدراج بِلَفْظ تَابع يُمكن استقلاله
стр. 355
عَن اللَّفْظ السَّابِق، وَاسْتشْكل - أَي ابْن دَقِيق الْعِيد - على الْأَوَّلين فَقَالَ: وَمِمَّا يضعف أَن يكون مدرجا فِي أثْنَاء لفظ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لَا سِيمَا إِن كَانَ مقدَّماً على اللَّفْظ الْمَرْوِيّ، أَو مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بواو الْعَطف، كَمَا لَو قَالَ: " مَن مس أُنْثَييه وذَكَرَه فَليَتَوَضَّأ "، بِتَقْدِيم لفظ: " الْأُنْثَيَيْنِ " على " الذَكَر "، فههنا يضعف الإدراج لما [١١١ - أ] فِيهِ من اتِّصَال هَذِه اللَّفْظَة بالعامل الَّذِي هُوَ من لفظ رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ المُصَنّف: لَا مَانع من الحكم على مَا فِي الأول، وَالْآخر، أَو الْوسط بالإدراج، إِذا قَامَ / ٧٩ - أ / الدَّلِيل الْمُؤثر غَلَبَة الظَّن.
(أَو بدَمج مَوْقُوف) أَي أَو كَانَت الْمُخَالفَة بِسَبَب دمج، وَأظْهر لَفْظَة كَانَت / فِي الشَّرْح فِي الْأَقْسَام الْآتِيَة دون هَذَا لطول الْعَهْد هُنَاكَ. فِي " الْقَامُوس " درج: مَشى، والمَدْرَج: المَسلَك، ودَمَجَ: دخل فِي الشَّيْء واستحكم فِيهِ. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَنه تفنن فِي الْعبارَة، وَالتَّحْقِيق أَن الدَّمج أَدخل فِي الخفاء من الدرْج، كَمَا أَن المزج أَدْخَلُ مِنْهُمَا فِي المخالطة، بِحَيْثُ يصير المازج والممزوج كشيء وَاحِد، بِحَيْثُ لَا يُمكن التَّفْرِقَة بَينهمَا أصلا.
(من كَلَام الصَّحَابَة،) من بَيَانِيَّة لموقوف، (أَو من بعدهمْ) بِفَتْح الْمِيم، عطفا على الصَّحَابَة، وَفِيه تسَامح من بَاب عُمُوم الْمجَاز، وَإِلَّا، فَالْمَوْقُوفُ هُوَ مَا يُروى
следующие страницы →