Полный текст (700 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
عَمْرو بن الْعَاصِ، أَبُو عبد الله على الصَّحِيح، أحد عُلَمَاء زَمَانه.
رُوِيَ عَن البُخَارِيّ أَن أَحْمد وَجَمَاعَة يحتجون بِحَدِيث عَمْرو، لَكِن البُخَارِيّ مَا احْتج بِهِ فِي جَامعه، وَقَالَ أَبُو زُرعة: إِنَّمَا أَنْكَرُوا حَدِيثه لِكَثْرَة رِوَايَته، وَإِنَّمَا سمع أَحَادِيث بُسْرة، وَأخذ صحيفَة كَانَت عِنْدهَا فرواها [١٦٨ - أ] ، وَشُعَيْب لَا نعرفه وَلَكِن مَا علمت أحدا وثقة، بل ذكره ابْن حبَان فِي تَارِيخ الثِّقَات.
وَقَالَ ابْن عَدِي: عَمْرو بن شُعَيْب ثِقَة إِلَّا أَنه إِذا روى عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يكون مُرْسلا، قلت: قد ثَبت سماعُه عَن عبد الله، وَهُوَ الَّذِي رباه حَتَّى قيل: إِن مُحَمَّدًا مَاتَ فِي حَيَاة أَبِيه عبد الله وكَفِلَ شعيباً جده عبد الله، كَذَا فِي الْمِيزَان للذهبي، وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: الصَّحِيح أَن الضَّمِير فِي جده رَاجع إِلَى شُعَيْب، وَكَثِيرًا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد / وَالنَّسَائِيّ، غَيرهمَا بِلَفْظ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَحَدِيثه لَا طعن فِيهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: أنكر بَعضهم حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده بِاعْتِبَار أَن شعيباً سمع من مُحَمَّد لَا عَن جده عبد الله، فَيكون حَدِيثه مُرْسلا، لَكِن الصَّحِيح أَنه سمع من جده عبد الله، فَحَدِيثه بِهَذَا الطَّرِيق مُتَّصِل لَكِن لاحْتِمَال أَن يُرَاد بجده فِي الْإِسْنَاد مُحَمَّد لَا عبد الله لم يدْخل حَدِيثه بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الصِّحَاح. وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح البُخَارِيّ: تَرْجَمَة عَمْرو قَوِيَّة على الْمُخْتَار حَيْثُ لَا يُعَارض.
стр. 527
(وَقد لخصت كِتَابه الْمَذْكُور) أَي ذكرت خلاصته، (وزدت عَلَيْهِ) أَي على تراجم كِتَابه، (تراجم كَثِيرَة جِداً) بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد الدَّال مُبَالغَة فِي الْكَثْرَة.
قَالَ تِلْمِيذه: طالعت التَّلْخِيص الْمَذْكُور من خطّ المُصَنّف، وأظهرت فِيهِ سِتّ تراجم لَا وجود لَهَا فِي الْوُجُود وَهِي: حَمَّاد بن عِيسَى الجُهَنّي، عَن أَبِيه عَن جده عَبِيْدة بنِ صَيفي، وَعبد الله بن عبد الحكم عَن [أمه أُميمة، عَن أمهَا رُقَيْقة] ، وَعبد الله بن معَاذ بن عبد الله بن أبي جَعْفَر، عَن أَبِيه، عَن جده، وَبشير بن النُّعْمَان بن بشير بن [١٦٨ - ب] النُّعْمَان بن بشير، عَن أَبِيه، عَن النُّعْمَان بن بشير، وخَالِد بن مُوسَى بن زِيَاد بن جهور عَن أَبِيه، عَن جده جهور.
وَلما رَأَيْت هَذَا وضعت كتابا فِي هَذَا النَّوْع وبينت فِيهِ مَا كَانَ مُتَّصِلا بِالْآبَاءِ مِمَّا فِيهِ انْقِطَاع الْآبَاء، وفصّلت كل قسم على حِدته، وخَرجتُ فِي كل تَرْجَمَة / ١١٧ - أ / حَدِيثا إِلَّا مَا كَانَ فِي أحد الْكتب السِّتَّة، وَمَا كَانَ فِي بعض الْكتب الَّتِي لم تكن تحضرني [الْآن] إِذْ ذَاك فنسبته إِلَيْهَا، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 528
(وَأكْثر مَا وَقع فِيهِ [مَا تسلسلت فِيهِ] ) أَي من هَذَا النَّوْع، (الرِّوَايَة) أَي رِوَايَة الْأَبْنَاء (عَن الْآبَاء) عَن الأجداد، (بأَرْبعَة عشر أَبَا) أَي جدا، أُطلق عَلَيْهِ مجَازًا، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظ السَّمْعَاني فِي الذيل، قَالَ: أخبرنَا أَبُو شُجَاع عمر بن أبي الْحسن البسطامي الإِمَام بِقِرَاءَتِي، وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن يَاسر الجِياني من لَفظه، قَالَا: حَدثنَا السَّيِّد أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب من لَفظه ببلخ قَالَ: حَدثنِي سَيِّدي ووالدي أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة، قَالَ: حَدثنِي أبي أَبُو طَالب الْحسن بن عبيد الله سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبع مئة، قَالَ: حَدثنِي وَالِدي أَبُو عَليّ عبيد الله بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنِي أبي مُحَمَّد بن عبيد الله قَالَ: حَدثنِي أبي عبيد الله بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي أبي عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي أبي الْحسن بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي أبي الْحُسَيْن بن جَعْفَر [وَهُوَ أول من دخل بَلخ من هَذِه الطَّائِفَة] ، قَالَ: حَدثنِي أبي جَعْفَر] الملقب بِالْحجَّةِ، قَالَ: حَدثنِي أبي عبيد الله، قَالَ حَدثنِي [أبي] الْحُسَيْن الْأَصْغَر، قَالَ: حَدثنِي أبي [زين العابدين] عَليّ بن الْحُسَيْن بن
стр. 529
عَليّ، عَن أَبِيه عَن جده عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " لَيْسَ الخبرُ كالمُعَاينَةَ ". [١٦٩ - أ]
( [السَّابِق واللاحق] )
(وَإِن اشْترك اثْنَان) أَي فِي الرِّوَايَة، (عَن شيخ، وَتقدم موت أَحدهمَا) أَي أحد الراويين، (على الآخر فَهُوَ السَّابِق) /، أَي [بِاعْتِبَار أَحدهمَا] ، (واللاحق) بِاعْتِبَار الْأُخَر ٠
وَالْمرَاد [أَن] هَذَا النَّوْع يُسمى [السَّابِق] واللاحق، وَالتَّقْدِير ذُو السَّابِق واللاحق. قَالَ السخاوي: وَهُوَ نوع ظريف سَمَّاهُ بذلك الْخَطِيب. وَأما ابْن الصّلاح، فَإِنَّهُ قَالَ: معرفَة من اشْترك فِي الرِّوَايَة عَنهُ راويان مُتَقَدم ومتأخر. وَقَالَ الْجَزرِي: السَّابِق واللاحق عبارَة عَمَّن أشترك فِي الرِّوَايَة عَنهُ مُتَقَدم، ومتأخر، تبَاين وَقت وفاتهما تباينا شَدِيدا، فَحصل بَينهمَا أد بعيد، وَإِن كَانَ الْمُتَأَخر غير مَعْدُود من معاصري الأول وَمن الأول طبقته.
стр. 530
وَمن فَوَائِد هَذَا النَّوْع تَقْرِير حلاوة الْإِسْنَاد فِي الْقُلُوب، وَقَالَ السخاوي وَفَائِدَة ضَبطه: الْأَمْن من ظن سُقُوط شَيْء فِي إِسْنَاد الْمُتَأَخر، وتفقه الطَّالِب أَي تفهمه فِي معرفَة العالي والنازل، والأقدم من الروَاة عَن الشَّيْخ، وَمن بِهِ ختم حَدِيثه، أَي حَدِيث الشَّيْخ.
(وَأكْثر مَا) أَي زمَان، (وقفنا عَلَيْهِ من ذَلِك) أَي من تقدم موت أَحدهمَا على الآخر، أَو مِمَّا ذكر من السَّابِق و / ١١٧ - ب / اللَّاحِق، أَي مِمَّا بَينهمَا وَكلمَة من بَيَانِيَّة ل: " مَا "، أَو من التباعد بَين وفاتهما (مَا) قيل زَائِدَة، وَالْأَظْهَر أَنَّهَا موصلة، أَي صفة [مَا] فِي فوله: مَا وقفنا، أَي التباعد الَّذِي (بَين الراويين فِيهِ) أَي فِي الزَّمَان (فِي الْوَفَاة) أَي لأجل الْمَوْت وَفِي حَقه، (مئة) [أَي هَذَا الأمد وَهُوَ مئة] (وَخَمْسُونَ سنة) وَحَاصِل التَّرْكِيب أَن " مَا " عبارَة عَن الزَّمَان، و " أَكثر " مُبْتَدأ، وَمَا فِي " مَا بَين " خَبره، ومئة مُبْتَدأ، وَخَبره الظّرْف [١٦٩ - ب] الْمُقدم عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَة صلَة مَا، أَو الصِّلَة هِيَ الظروف، ومئة فَاعله، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْعَائِد ضمير فِيهِ، وَكلمَة مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ عبارَة عَن الزَّمَان، وَلَو ترك قَوْله: مَا بَين الروايين فِيهِ فِي الْوَفَاة، وَجعل مئة خير أَكثر لَكَانَ أحسن كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
(وَذَلِكَ) أَي تَقْرِيره وَبَيَانه وتحريره، (أَن الْحَافِظ) أَي فِي الحَدِيث، (السُلفي) بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، وَفتح اللَّام، وبالفاء، مَنْسُوب إِلَى سَلفَه بعض أجداده، وَمَعْنَاهُ: مَقْطُوع الشّفة. (سمع مِنْهُ) أَي من تِلْمِيذه الَّذِي هُوَ السَّلَفي، (أَبُو عَليّ
стр. 531
البَرداني) بِفَتْح مُوَحدَة وَسُكُون رَاء، (أحد مشايخه) أَي مَشَايِخ السلَفِي، (حَدِيثا) فَهُوَ من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر.
(وَرَوَاهُ) أَي البرداني ذَلِك الحَدِيث، (عَنهُ) أَي عَن السلَفِي، (وَمَات) أَي البرداني (على رَأس الْخمس مئة) .
(ثمَّ كَانَ آخر أَصْحَاب السلَفِي بِالسَّمَاعِ) قيد للْآخر، (سِبطه) مَرْفُوع على أَنه اسْم كَانَ أَي ولد وَلَده، (أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مكي، وَكَانَت وَفَاته) أَي السّبط، (سنة خمسين وست مئة) .
(وَمن قديم ذَلِك) أَي هَذَا النَّوْع إِذْ السُّلفي مُتَأَخّر عَن البُخَارِيّ، (أَن البُخَارِيّ حدث عَن تِلْمِيذه أبي الْعَبَّاس السراج) مر ذكره، (أَشْيَاء) أَي أَحَادِيث وَغَيرهَا فِي (التَّارِيخ وَغَيره، وَمَات) أَي البُخَارِيّ (سنة سِتّ وَخمسين ومئتين، وَآخر مَن حدث [عَن السَراج] بِالسَّمَاعِ أَبُو الْحُسَيْن) أَي أَحْمد بن أبي نصر مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر النَّيْسَابُورِي الزَّاهِد (الْخفاف) بِفَتْح / الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء صانع الخُف أَو بَائِعه، (وَمَات) أَي الخَفاف (سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَلَاث مئة)
стр. 532
فَيكون بَين وَفَاة البُخَارِيّ والخفاف [١٧٠ - أ] مئة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ سنة.
(وغالب مَا يَقع من ذَلِك) لِأَن أَعمار هَذِه الْأمة كَانَت بَين السِّتين وَالسبْعين، فالزايد على الْمِقْدَار هُنَا قَلِيل.
(أَن المسموع مِنْهُ) أَي الشَّيْخ، (قد يتَأَخَّر بعد موت أحد الراويين عَنهُ) أَي الَّذِي سمع عَنهُ عِنْد تقدم سنه حَال كَون المُسْمِع فِي ابْتِدَاء أمره (زَمَانا حَتَّى يسمع مِنْهُ) أَي عِنْد تقدم سنه، (بعض الْأَحْدَاث) جمع حدث بِالْفَتْح / ١١٨ - أ / وَهُوَ حَدِيث السن.
(ويعيش بعد السماع مِنْهُ دهراً طَويلا، فَيحصل من مَجْمُوع ذَلِك) أَي تَأَخّر الشَّيْخ بعد الراويين زَمَانا، ويعيش التلميذ بعد السماع مِنْهُ، (نَحْو هَذِه الْمدَّة) أَي المديدة الَّتِي تقدّمت من مئة وَخمسين سنة وَنَحْوهَا.
( [الرِّوَايَة عَن مُتفقي الِاسْم] )
(وَإِن روى الرَّاوِي عَن اثْنَيْنِ متفقي الِاسْم) بِكَسْر الْفَاء، ثمَّ لَا بُد من تَقْدِير " فَقَط "، ليَصِح الْعَطف عَلَيْهِ فِي قَوْله:
(أَو مَعَ اسْم الْأَب، أَو مَعَ اسْم الْجد) عطف على قَوْله: مَعَ اسْم الْأَب، فَلَا
стр. 533
يلْزم الِاتِّفَاق فِي [الِاسْم و] اسْم الْأَب، أَو على " فَقَط " الْمُقدر بعد قَوْله: مَعَ اسْم الْأَب، فَيلْزم الِاتِّفَاق فِي الِاسْم، وَاسم الْأَب وَالْجد وَكَذَا الْحَال فِي قَوْله:
(أَو مَعَ النِّسْبَة، وَلم يتميزا بِمَا يَخُصُّ كلا مِنْهُمَا) أَي بِبَعْض خواصهما الَّتِي يحصل بهَا التَّمْيِيز بَينهمَا.
(فَإِن كَانَا ثقتين لم يضر) يحْتَمل الْوُجُوه الثَّلَاثَة من الحركات، وَالْمعْنَى لم يضر لحُصُول الْمَقْصُود، وَهُوَ كَونه ثِقَة. قَالَ التلميذ: فُهم مِنْهُ أَنَّهُمَا إِذا كَانَا غير ثقتين، فَإِنَّهُ يضر، وَهُوَ الصَّحِيح، قَالَ: وَالْفرق بَين المُبْهَم والمُهْمَل، أَن الْمُبْهم لم يذكر لَهُ اسْم، والمهمل ذُكِر اسْمه مَعَ الِاشْتِبَاه.
(وَمن ذَلِك) أَي مِمَّا اتفقَا فِي الِاسْم فَقَط، (مَا وَقع فِي البُخَارِيّ فِي رِوَايَته عَن أَحْمد غير مَنْسُوب) أَي لم يذكر مَعَه مَا يتَمَيَّز بِهِ، (عَن ابْن وَهْب، فَإِنَّهُ) أَي أَحْمد الْمَذْكُور، (إِمَّا أَحْمد بن صَالح، أَو أَحْمد بن عِيسَى، أَو عَن مُحَمَّد) أَي أَو عَن رِوَايَته عَن مُحَمَّد (غير مَنْسُوب عَن أهل الْعرَاق، فَإِنَّهُ إِمَّا مُحَمَّد بن سَلام) بِفَتْح [١٧٠ - ب] مُهْملَة، وَلَام مُخَفّفَة، (أَو مُحَمَّد بن يحيى الذُّهَلي) بِضَم الْمُعْجَمَة، وَفتح الْهَاء.
стр. 534
هَذَا، وَمِثَال مَا اتّفق أَسمَاؤُهُم، وَأَسْمَاء آبَاءَهُم الْخَلِيل بن أَحْمد. الأول: هُوَ الْخَلِيل بن أَحْمد بن عَمْرو بن تَمِيم النَّحْوِي، صَاحب العَرُوض، روى عَن عَاصِم الْأَحول، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَالثَّانِي: خَلِيل بن أَحْمد أَبُو بِشْر المُزَني روى عَن المستنير.
وَمِثَال مَا اتّفق أَسمَاؤُهُم وَأَسْمَاء آبَائِهِم، وأجدادهم، أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان أَرْبَعَة متعاصرون فِي طبقَة وَاحِدَة.
فَالْأول: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك الْبَغْدَادِيّ.
وَالثَّانِي: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن عِيسَى السَّقطي الْبَصْرِيّ.
وَالثَّالِث: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان الدينَوَرِي.
وَالرَّابِع: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان الطَّرطُوسي.
وَمِثَال مَا اتّفق أَسمَاؤُهُم / وَأَسْمَاء آبَاءَهُم ونسبهم مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، الأول: القَاضِي أَبُو عبد الله / ١١٨ - ب / مُحَمَّد بن عبد الله بن المُثنى الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ شيخ البُخَارِيّ، وَالثَّانِي: أَبُو سَلمَة مُحَمَّد بن عبد الله بن زِيَاد الْأنْصَارِيّ.
(وَقد استوعبت) أَي فصلت (ذَلِك) أَي النَّوْع، (فِي " مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ ") أَي الْمُسَمّى " بِفَتْح الْبَارِي ".
(وَمن أَرَادَ لذَلِك ضابطاً كلياً يمتاز بِهِ أَحدهمَا عَن الآخر، فباختصاصه) أَي
стр. 535
فَعَلَيهِ بِمَعْرِِفَة اخْتِصَاصه، وَهَذَا مُخل بِاعْتِبَار الشَّرْح، أما بِاعْتِبَار الْمَتْن فَوَاضِح، والأوضح أَن يُقَال: التَّقْدِير فلْيُعْلم أَنه باختصاصه. (أَي الرَّاوِي) .
(بِأَحَدِهِمَا) أَي الشَّيْخَيْنِ، (يتَبَيَّن المهمل) وَبَيَانه أَن يكون تلميذ أَحدهمَا دون الآخر، أَو يكون تلميذاً لَهما لَكِن لَهُ بِأَحَدِهِمَا زِيَادَة اخْتِصَاص، كملازمة أَو بلدٍ أَو قَرْيَة لَيْسَ للْآخر. قَالَ التلميذ: قَوْله: فباختصاصه، هَذَا الضَّمِير يرجع إِلَى غير مَذْكُور، وَتقدم ذكر الرَّاوِي، فيوهم عوده إِلَيْهِ، فَصَارَ الْمحل قلقاً، فَكَانَ حَقه أَن يَقُول: فباختصاص أَحدهمَا بِالْآخرِ يتَبَيَّن المهمل.
(وَمَتى [١٧١ - أ] لم يتَبَيَّن ذَلِك) بِأَن لم يخْتَص بِأَحَدِهِمَا، (أَو كَانَ مُخْتَصًّا بهما مَعًا فإشكاله شَدِيد) ، أَي صَعب وَمَعَ ذَلِك، (فَيرجع) على بِنَاء الْمَجْهُول، أَي فيُرَد الْأَمر (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْإِشْكَال (إِلَى الْقَرَائِن، وَالظَّن الْغَالِب) أَي النَّاشِئ مِنْهَا، وَالْوَصْف بياني أَي ظن غالبي، وَقَالَ ابْن الصّلاح: وَرُبمَا قيل: بِظَنّ لَا يقوى.
( [إِنْكَار الرَّاوِي لحديثه] )
(وَإِن روى عَن شيخ) أَي ثِقَة عَن ثِقَة، (حَدِيثا فَجحد الشَّيْخ مَرْوية) أَي نَفَاهُ، (فَإِن كَانَ) أَي جحدُه، (جزما) هُوَ بِاعْتِبَار الْمَتْن تَمْيِيز، وَبِاعْتِبَار الشَّرْح خبر كَانَ، وَمَعْنَاهُ: على سَبِيل الْجَزْم.
стр. 536
(كأنْ يَقُول) أَي الشَّيْخ: (كذب عليَّ، أَو مَا رويت هَذَا، وَنَحْو ذَلِك) أَي لَيْسَ هَذَا من حَدِيثي، أَو مَا رويت لَهُ هَذَا، أَو مَا رويت هَذَا.
(فَإِن وَقع) أعَاد الشَّرْط للتَّأْكِيد، فَقَوْل تِلْمِيذه: " هَذَا " حَشْو [لَا مَحل لَهُ] ، وَكَأَنَّهُ تبعه شَارِح وأسقطه (مِنْهُ) أَي من الشَّيْخ (ذَلِك) أَي الْجحْد أَو الْجَزْم، [أَو الْجحْد] على سَبِيل الْجَزْم، (رد ذَلِك الْخَبَر) أَي الْمَرْوِيّ على الْمُخْتَار، وَهُوَ محكي عَن الشَّافِعِي، وَبَعْضهمْ بَالغ فِي ذَلِك فَنقل الْإِجْمَاع عَلَيْهِ (لِكَذب وَاحِد مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِه) .
قَالَ تِلْمِيذه: أَي لكذب الأَصْل فِي قَوْله: كذب عَليّ، أَو مَا رويت، إِن كَانَ الْفَرْع صَادِقا، ولِكَذب الْفَرْع فِي الرِّوَايَة إِن كَانَ الأَصْل صَادِقا فِي قَوْله: كذب [عَليّ] ، وَمَا رويت، إِلَّا أَن عَدَالَة الأَصْل تمنع كذبه، فَيجوز النسْيَان على الْفَرْع، وعدالة الْفَرْع تمنع كذبه، فَيجوز [النسْيَان] على الأَصْل، وَلم يتَبَيَّن مُطَابقَة الْوَاقِع مَعَ أَيهمَا، فَلذَلِك / ١١٩ - أ / لَا يكون قادحاً. انْتهى.
فَإِن قيل كَذِبُ الشَّيْخ مُسْتَلْزم لصِحَّة الحَدِيث لَا لرده، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الشَّيْخ كَاذِبًا فِي قَوْله: كذب عَليّ، فَكَانَ التلميذ صَادِقا، فَيكون الحَدِيث صَحِيحا، أُجيب بِأَنا سلَّمنا ذَلِك لكنه إِذا ظهر مِنْهُ الْكَذِب، فَلَا يُعتمد على قَوْله، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(وَلَا يكون) أَي رد (ذَلِك الْخَبَر قادحاً، فِي وَاحِد / مِنْهُمَا) أَي من الشَّيْخ والتلميذ [١٧١ - ب] ، وَأغْرب شَارِح فَقَالَ: أَي فِي شَيْء مِنْهُمَا، (للتعارض) ؛ إِذْ
стр. 537
لَيْسَ أَحدهمَا أولى بِقبُول مَا تضمن الْجرْح من الآخر، فَلَا يكون رد [الحَدِيث] الْمَرْوِيّ بِخُصُوصِهِ قادحاً فِي عُمُوم الرِّوَايَات الْبَاقِيَة عَنْهُمَا.
(أَو كَانَ جَحده احْتِمَالا) أَي على سَبِيل الِاحْتِمَال (كَأَن يَقُول: مَا أذكر هَذَا) أَي الحَدِيث، (أَو: لَا أعرفهُ) أَي الرَّاوِي، أَو نَحوه، ك: لَا أذكر أَنِّي حدثته، مِمَّا يَقْتَضِي جَوَاز أَن يكون نَسيَه.
(قُبل ذَلِك الحَدِيث فِي الْأَصَح) وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور أهل الحَدِيث، وَأكْثر الْفُقَهَاء والمتكلمين.
(لأنّ ذَلِك يُحمل على نِسْيَان الشَّيْخ) وَالْحكم للذاكر إِذْ المُثْبِت الجازِم مقدم على النَّافِي المتردد.
(وَقيل:) الْقَائِل بِهِ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة (لَا يُقْبَلُ لِأَن الْفَرْع تبع للْأَصْل فِي إِثْبَات الحَدِيث) أَي مُطلقًا، (بِحَيْثُ إِذا أثبت الأَصْل الحَدِيث تثبت رِوَايَة الْفَرْع، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يكون) أَي حَدِيثه أَو رِوَايَته (فرعا عَلَيْهِ، وتبعاً لَهُ فِي النَّفْي) وَفِي كثير من النّسخ: فِي التَّحْقِيق، وَلَعَلَّ التَّقْدِير: فِي تَحْقِيق النَّفْي، يَعْنِي وَقد
стр. 538
أنكرهُ أَصله، فَلَا يقبل حَدِيثه.
(وَهَذَا) أَي القَوْل، (مُتَعقبُ) أَي معترض، (فَإِن عَدَالَة الْفَرْع تَقْتَضِي صدقه، وَعدم علم الأَصْل لَا يُنَافِيهِ) أَي صدقه وَهُوَ مُثْبِتٌ جَازِم.
(فالمثبِت مقدم على النَّافِي) يَعْنِي الْمُثبت الْجَازِم مقدم على النَّافِي المتردد كَمَا سبق قبيل ذَلِك، وَأبْعد التلميذ حَيْثُ قَالَ: هَذَا لَيْسَ بجيد، لِأَن فِي مَسْأَلَة تَكْذِيب الأَصْل جزما الأَصْل نافٍ، وَالْفرع مُثبت، وَلَيْسَ الحكم فِيهَا للمثبت، فَالْأولى أَن يَقُول: لِأَن الْمُحَقق مقدم على المظنون، والجزم [مقدم] على الترديد.
(وَأما قِيَاس ذَلِك بِالشَّهَادَةِ) أَي على الشَّهَادَة بأنّ تَكْذِيب الأَصْل للفرع جرح للفرع فِي الشَّهَادَة، فَكَذَا فِي الرِّوَايَة، (ففاسد) لِأَنَّهُ قِيَاس مَعَ الْفَارِق، قَالَ التلميذ: ظَاهره أَنه جَوَاب سُؤال [١٧٢ - أ] مُقَدّر، وَحَاصِله: جَوَاب بالفارق وَهُوَ لَا يُؤثر حَتَّى يكون وارداً على الْعلَّة الجامعة، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. انْتهى. ثمَّ بَين الْفَارِق بقوله: (لِأَن شَهَادَة الْفَرْع لَا تُسْمَع) أَي اتِّفَاقًا (مَعَ الْقُدْرَة / ١١٩ - ب / على شَهَادَة الأَصْل، بِخِلَاف الرِّوَايَة) فَإِنَّمَا تُقْبَل - مَعَ الْقُدْرَة على رِوَايَة الشَّيْخ، وَهُوَ الأَصْل - رِوَايَة التلميذ وَهُوَ الْفَرْع اتِّفَاقًا (فَافْتَرقَا) أَي فرقا مؤثراً فِيمَا نَحن فِيهِ، على أَن بعض الْمُتَأَخِّرين
стр. 539
أجْرى الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّهَادَة [على الشَّهَادَة] إِذا ظهر توقف الأَصْل دون إِنْكَاره.
(وَفِيه، أَي فِي هَذَا النَّوْع صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب) بِالنّصب مُضَافا إِلَى قَوْله الْمَرْفُوع محلا بِاعْتِبَار الْمَتْن (من حدث وَنسي) . وَالْحَاصِل أَنه اسْم لكتابه، فَمَا ذكره شَارِح عطفا على الدَّارَقُطْنِيّ بل غير وَاحِد من الْأَئِمَّة غير صَحِيح.
(وَفِيه) أَي فِي كتاب من حدث، (مَا يدل على تَقْوِيَة الْمَذْهَب الصَّحِيح) أَي الَّذِي عبَّر عَنهُ المُصَنّف بالأصح، (لكَون كثير مِنْهُم) أَي من الْمُحدثين، (حدثوا بِأَحَادِيث، فَلَمَّا عُرِضت) أَي الْأَحَادِيث، (عَلَيْهِم) / أَي على محدثيها، (لم يتذكروها) أَي وَمَا أنكروها بل ترددوا فِيهَا.
(لكِنهمْ لاعتمادهم على الروَاة عَنْهُم) من جِهَة الْعَدَالَة، والضبط بِاعْتِبَار حسن الظَّن الْغَالِب عَلَيْهِم، (صَارُوا يَرْووُنَها) أَي تِلْكَ الْأَحَادِيث، (عَن الَّذين رَوَوْهَا عَنْهُم عَن أنفسهم) لَيْسَ تَأْكِيدًا لقَوْله: عَنْهُم، بل لسوق الْإِسْنَاد عَن تِلْكَ الروَاة إِلَى أنفسهم، وَلَا يُفِيد " عَنْهُم " إِلَّا تعْيين الروَاة، كَذَا قَالَه محشٍ.
وَقَالَ شَارِح: أَي يَنْتَهِي إِلَى أنفسهم، وَالْأَظْهَر أَن يُقَال: " عَنْهُم " مُتَعَلق
стр. 540
ب: رَوَوْها، و " عَن أنفسهم " مُتَعَلق ب: يَرْوُوَنَها، وَالْمعْنَى عَن قِبَلِ أنفسهم.
(كَحَدِيث سُهيل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي قصَّة الشَّاهِد وَالْيَمِين) وَهُوَ أَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين، وَبِهَذَا أَخذ الشَّافِعِي [١٧٢ - ب] أَنه إِذا كَانَ للْمُدَّعِي شَاهد وَاحِد يحلِف الْمُدَّعِي، فَيكون حلفه بِمَنْزِلَة شَاهد آخر.
(قَالَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاوردي:) بِفَتْح أَوله بعده رَاء، فألف، فواو مَفْتُوحَة، فراء سَاكِنة بعده دَال، فياء نِسْبَة (حَدثنِي بِهِ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن) وَفِي نُسْخَة: أبي عبد الرَّحْمَن، (عَن سُهَيْل) ، أَي الْمَذْكُور إِلَى آخر السَّنَد (قَالَ:) أَي الدَّرَاوردي:
(فَلَقِيت سُهَيْلاً، فَسَأَلته) أَي سُهَيْلاً، (عَنهُ) أَي عَن الحَدِيث، (فَلم يعرفهُ) أَي وَلم يُنكره بل تردد فِيهِ.
(فَقلت: إِن ربيعَة حَدثنِي عَنْك بِكَذَا، فَكَانَ سُهَيْل بعد ذَلِك يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عني) أَو وَهُوَ ثِقَة عِنْدِي، (أَنِّي حدثته عَن أبي بِهِ) أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَلَا
стр. 541
أحفظه، قَالَ التلميذ: إِن كَانَ هَذَا لفظ الْقِصَّة من غير تصرف، فَكَانَ حق سُهَيْل أَن يَقُول: حَدثنِي الدَّرَاوردي عَن ربيعَة عني أَنِّي حدثته عَن أبي. انْتهى. وَالظَّاهِر أَن فِيهِ تَصرفا، وَالْأَصْل فلقي سُهَيْل ربيعَة وَذكر / ١٢٠ - أ / أَنه حَدثهُ، وَإِلَّا فالإسناد يصير مُنْقَطِعًا.
(ونظائره كَثِيرَة) وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: لكَون كثير مِنْهُم.
( [المُسَلْسَل] )
(وَإِن اتّفق الروَاة) أَي: (فِي إِسْنَاد من الْأَسَانِيد فِي صِيغ الْأَدَاء) لمَّا كَانَ الْمَتْن وَالشَّرْح متغايرين فِي الْحَقِيقَة، وَإِن جُعلا كتابا وَاحِدًا فِي الحكم جَازَ تعلق الجَارين فِي معنى وَاحِد بقوله: اتّفق، مَعَ أَنه يُمكن أَن يكون الثَّانِي بدل الْبَعْض من الْكل بِإِعَادَة الْجَار.
(ك: سمعتُ فلَانا قَالَ: سَمِعت فلَانا، أَو: حَدثنَا فلَان قَالَ: حَدثنَا فلَان، وَغير ذَلِك) بِالْجَرِّ عطفا على مَحل سَمِعت، أَي وَغير مَا ذكر من الصيغتين (من الصِّيَغ) أَي من صِيغ الْأَدَاء أَي الَّتِي مثلهمَا فِي اتِّفَاق الروَاة بِاعْتِبَار الْإِسْنَاد، (أَو غَيرهَا) أَي غير صِيغ الْأَدَاء (من الْحَالَات القولية) أَي فَقَط (ك: سَمِعت فلَانا يَقُول: أشهد بِاللَّه لقد حَدثنِي فلَان إِلَى آخِره) أَي آخر السَّنَد. [١٧٣ - أ] .
стр. 542
قَالَ السخاوي: وكحديث أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لمُعاذ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: " إِنِّي أحبك، فَقُلْ فِي دبر كل صَلَاة: اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرِك وشُكرِك " الحَدِيث، فقد تسلسل، لنا بقول كلٍ من رُوَاته: وَأَنا أحبك / فَقُلْ
(أَو الفعلية) أَي فَقَط (كَقَوْلِه:) أَي الرَّاوِي: (دَخَلنَا على فلَان فأطعمنا تَمرا ... الخ، أَو القولية والفعلية مَعًا كَقَوْلِه: حَدِيثي فلَان وَهُوَ آخذ بلحيته قَالَ: آمَنت بِالْقدرِ ... إِلَى أَخّرهُ) . قَالَ السخاوي: وَذَلِكَ فِي حَدِيث وَاحِد كَحَدِيث أنس مَرْفُوعا: " لَا يجد العَبْد حلاوة الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره، وحلوه ومره، قَالَ: وَقبض رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم [على لحيته] وَقَالَ: آمَنت بِالْقدرِ ". فَقَط تسلسل لنا أَن يقبض كل وَاحِد من رُوَاته على لحيته مَعَ قَوْله: آمَنت الخ انْتهى.
وتفصيل إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ذكره الْعِرَاقِيّ بِإِسْنَادِهِ، وَهُوَ شيخ الْعَسْقَلَانِي شيخ السخاوي، وَلَعَلَّ أَخذ اللِّحْيَة إِشَارَة إِلَى أَن الْأَمر بيد الْغَيْر، وإيماء إِلَى التَّسْلِيم والانقياد لَهُ، وَلذَا يُقَال فِي الْأَمْثَال: لحية فلَان بيَدي، أَو هُوَ
стр. 543
مغلوبي، وَتَحْت تصرفي أتصرف فِيهِ كَيفَ أَشَاء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ .
(فَهُوَ المسلسل) بِفَتْح السِّين، وَهُوَ فِي اللُّغَة اتِّصَال الشَّيْء بعضه بِبَعْض، وَمِنْه سلسلة الْحَدِيد. قَالَ السخاوي: وَمن فَضِيلَة التسلسل الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فعلا وَنَحْوه، والاشتمال على مزِيد الضَّبْط من الروَاة.
(وَهُوَ) أَي المسلسل، (من صِفَات الْإِسْنَاد) أَي فَقَط بِخِلَاف الْمَرْفُوع وَنَحْوه، فَإِنَّهُ من صِفَات الْمَتْن، وَبِخِلَاف الصَّحِيح وَنَحْوه، فَإِنَّهُ من صفاتهما، ثمَّ الأَصْل أَن يَقع التسلسل من أول الْإِسْنَاد إِلَى أَخّرهُ كَمَا تقدم. / ١٢٠ - ب /
(وَقد يَقع التسلسل فِي مُعظم الْإِسْنَاد) [١٧٣ - ب] أَي أَكْثَره، (كَحَدِيث المسلسل بالأولية) أَي الْمَنْسُوب بِالْأولِ، وَهُوَ الحَدِيث المسلسل بِأول حَدِيث سَمعه كل وَاحِد مِنْهُم من شَيْخه.
стр. 544
وَإِنَّمَا قَالَ: فِي معظمه (لِأَن السلسلة تَنْتَهِي فِيهِ) أَي فِي إِسْنَاده (إِلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة،) وَفِي نُسْخَة: (فَقَط) ، وَهُوَ يُفِيد التوكيد للاستغناء عَنهُ بالانتهاء يَعْنِي ثمَّ انْقَطع فِيمَن فَوْقه.
(وَمن رَوَاهُ مسلسلا إِلَى منتهاه) أَي الْإِسْنَاد، وَهُوَ الصَّحَابِيّ الرَّاوِي هَذَا الحَدِيث، (فقد وهم) ، بِكَسْر الْهَاء أَي غلط. قَالَ السخاوي: وَمن المسلسل مَا هُوَ نَاقص التسلسل، إِمَّا فِي أَوله أَو وَسطه أَو آخِره، وَله أَمْثِلَة: كَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: " الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن " المسلسل بأولية وَقعت لجل رُوَاته حَيْثُ كَانَ أول حَدِيث سَمعه كل وَاحِد مِنْهُم من شَيْخه، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَصح التسلسل فِيهِ إِلَى ابْن عُيَيْنَة خَاصَّة، وَانْقطع فِيمَن فَوْقه على القَوْل الْمُعْتَمد. انْتهى.
وَالْحَاصِل: أَن المسلسل من الحَدِيث مَا توارد رجال إِسْنَاده وَاحِدًا فواحدا على حَالَة وَاحِدَة، سَوَاء كَانَت تِلْكَ الصّفة للرواة أَو للإسناد، وَسَوَاء مَا وَقع فِيهِ الْإِسْنَاد مُتَعَلقا بصيغ الْأَدَاء، أَو مُتَعَلقا بِزَمن الرِّوَايَة أَو مَكَانهَا، وَسَوَاء كَانَت صفة الروَاة قولا، أَو فعلا، أَو قولا وفعلا مَعًا كَمَا سبق، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ الْحَاكِم: وَمن أَنْوَاعهَا أَن تكون أَلْفَاظ الْأَدَاء فِي جَمِيع الروَاة دَالَّة على الِاتِّصَال، وَإِن اخْتلفت بِأَن قَالَ بَعضهم: سَمِعت، وَبَعْضهمْ: أخبرنَا، وَبَعْضهمْ:
стр. 545
حَدثنَا. هَذَا، وَمِثَال التسلسل بِالزَّمَانِ حَدِيث تسلسل " قصّ الأظافير " بِيَوْم الْخَمِيس، وَمِثَال التسلسل بِالْمَكَانِ، الحَدِيث / المسلسل " بإجابة الدُّعَاء فِي الْمُلْتَزم "، وَقد قَالَ ابْن الْجَزرِي فِي الْحصن: قد روينَا فِي استجابة [١٧٤ - أ] الدُّعَاء فِي الْمُلْتَزم حَدِيثا مسلسلا من طَرِيق أهل مَكَّة.
( [صِيغ الْأَدَاء] )
(وصيغ الْأَدَاء) أَي [أَدَاء] الرِّوَايَة فِي الْإِسْنَاد (الْمشَار إِلَيْهَا) أَي بقوله سَابِقًا فِي صِيغ الْأَدَاء، (على ثَمَان مَرَاتِب) أَي أَنْوَاع مرتبَة لكل مِنْهَا رُتْبَة.
(الأولى) : أَي الْمرتبَة الأولى:
(سَمِعت وحَدثني) أَي وَأَن كَانَ فرقا بَينهمَا كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي التَّرْتِيب الذكري، إِيمَاء إِلَيْهِ، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله:
(ثمَّ أَخْبرنِي، وقرأت عَلَيْهِ، وَهِي الْمرتبَة الثَّانِيَة) . وَالْحَاصِل أَنه إِنَّمَا كَانَ
стр. 546
سَمِعت وحَدثني فِي الْمرتبَة الأولى لِأَن السماع عَن الشَّيْخ أَعلَى الْمَرَاتِب، ثمَّ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ دون قِرَاءَة الشَّيْخ على خلاف مَشْهُور فِيهِ، وَلِأَن الْإِخْبَار يحْتَمل الْإِشَارَة وَالْكِتَابَة، وَلعدم حصره فِي المشافهة.
(ثمَّ قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع، وَهِي الثَّالِثَة) لعدم / ١٢١ - أ / المخاطبة فَفِيهِ عدم احْتِمَال التثبت والغفلة.
(ثمَّ أنبأني، وَهِي الرَّابِعَة) لِأَنَّهَا تحْتَمل الْإِجَازَة لِأَنَّهَا فِي عرف الْمُتَقَدِّمين بِمَعْنى الْإِخْبَار، وَفِي عرف الْمُتَأَخِّرين للإجازة.
(ثمَّ ناولني، وَهِي الْخَامِسَة) لما سَيَأْتِي أَنَّهَا أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة لما فِيهَا من التَّعْيِين والتشخيص، وَالْإِجَازَة دون السماع.
(ثمَّ شافهني أَي بِالْإِجَازَةِ، وَهِي السَّادِسَة) لِأَن مُطلق الْإِجَازَة المتلفظ بهَا دون المناولة.
(ثمَّ كتب إِلَيّ، أَي بِالْإِجَازَةِ وَهِي السَّابِعَة) لِأَن الْإِجَازَة الْمَكْتُوب بهَا دون المتلفظ بهَا. هَذَا مُجمل الْمَرَاتِب، وتفصيلها مَعَ تعليلها أَن وَجه تَقْدِيم سَمِعت على حَدثنِي، وَهُوَ أَن الثَّانِي يحْتَمل الْوَاسِطَة كَمَا يذكرهُ المُصَنّف، وَوجه تَقْدِيم حَدثنِي على أَخْبرنِي، مَا يذكرهُ، أَو كَون أَخْبرنِي مأخوذا من الْخَبَر وَهُوَ أَعم من
стр. 547
الحَدِيث، وَوجه تَقْدِيمه على قَرَأت عَلَيْهِ، مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا لَا يحْتَمل الْوَاسِطَة، احْتِمَال الْغَفْلَة، حَتَّى لم يَجْعَل بَعضهم [١٧٤ - ب] قَرَأت من وُجُوه التَّحَمُّل.
هَذَا، وَسَيَأْتِي مَا يُقَوي تَقْدِيم قَرَأت على أَخْبرنِي فِي: قَرَأت عَلَيْهِ، وَوجه تَقْدِيم " قَرَأت عَلَيْهِ " على " قُرِئ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع " تَأْكِيد من الْغَفْلَة بِاعْتِبَار الشَّيْخ والراوي، وَوجه تَقْدِيمه على أنبأني إِنَّمَا هُوَ بالاصطلاح حَيْثُ جعله الْمُتَأَخّرُونَ للإجازة، وَوجه تَقْدِيمه على ناولني أَنه لَيْسَ فِي المناولة تحديث أصلا، بل هُوَ أَن يُعْطِيهِ الشَّيْخ كِتَابه ويأذنه بالرواية [لِأَن مُطلق الْإِجَازَة المتلفظ بهَا دون المناولة] ، وَوجه تَقْدِيمه على الْإِجَازَة بالمشافهة أَنه أقوى مِنْهَا، وَوجه تَقْدِيمهَا على الْإِجَازَة بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ أَنه لَا مشافهة فِيهَا.
(ثمَّ " عَن " ونحوُها) بِالرَّفْع، (من الصِّيَغ المحتملة للسماع وَالْإِجَازَة وَلعدم السماع) أَي والمحتملة لعدمه (أَيْضا) وَهُوَ الْإِجَازَة فَقَط بالمشافهة أَو الْمُكَاتبَة.
(وَهَذَا) أَي نَحْوهَا (مثل: قَالَ، وَذكر، وروى) بالصيغ الْمَعْلُومَة وفاعلها فلَان، وَهَذَا إِذا كَانَ بِدُونِ الْجَار وَالْمَجْرُور، وَأما مَعَهُمَا مثل قَالَ لي فلَان، فَمثل حَدثنَا فِي أَنه مُتَّصِل، لكِنهمْ كثيرا مَا يستعملونها بهَا فِيمَا سَمِعُوهُ حَال المذاكرة دون التَّحْدِيد بِخِلَاف حَدثنَا.
стр. 548
( [طرق التَّحَمُّل وَالْأَدَاء] )
(فاللفظان الأوّلان) أَشَارَ فِي الشَّرْح إِلَى أَن الْمَتْن وَقع فِيهِ الْوَصْف / لموصوف مَحْذُوف، وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: الأوليَان أَي الكلمتان الأوليان، أَو الصيغتان (من صِيغ الْأَدَاء، وهما: " سَمِعت وحَدثني " صالحان) الأولَى ثابتان (لمن سمع وَحده من لفظ الشَّيْخ) .
(وَتَخْصِيص التحديث بِمَا سُمِع من لفظ الشَّيْخ) وَكَذَا الْإِخْبَار بِالْقِرَاءَةِ على / ١٢١ - ب / الشَّيْخ، (هُوَ الشَّائِع بَين أهل الحَدِيث اصْطِلَاحا) أَي وَإِن كَانَ لَا تساعده اللُّغَة كَمَا قَالَ: (وَلَا فرق بَين التحديث والإخبار من حَيْثُ اللُّغَة، وَفِي ادِّعَاء الْفرق بَينهمَا) أَي لُغَة، (تكلُّفّ شَدِيد) وَلَعَلَّ التَّكَلُّف هُوَ أَن الْإِخْبَار مَأْخُوذ من الخِبرةَ، وَهُوَ الِاخْتِيَار، وَفِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ بِمَعْنى الامتحان مَوْجُود، وَهُوَ أَنه هَل يُقَرره أم لَا؟
قَالَ ابْن الصّلاح: الْفرق بَينهمَا هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل [١٧٥ - أ] الحَدِيث، والاحتجاج لذَلِك من حَيْثُ اللُّغَة عناء وتكلُّفّ، وَخير مَا يُقَال فِيهِ: أَي أحسن مَا يُوَجه بِهِ: أَنه اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا بِهِ التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ.
(لَكِن لما تقرر الِاصْطِلَاح صَار ذَلِك حَقِيقَة عرفية، فتُقدم على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة) . ذكر السخاوي فِي " شرح الألفية ": أَن التَّمْيِيز بَين أخبرنَا، وَحدثنَا اسْتشْهد
стр. 549
لَهُ بعض الْأَئِمَّة بِأَنَّهُ لَو قَالَ: مَن أَخْبرنِي بِكَذَا، فَهُوَ حر، وَلَا نِيَّة لَهُ فَأخْبرهُ بذلك بعض أرقائه بِكِتَاب، أَو رَسُول أَو كَلَام، عَتَق، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: مَنْ حَدثنِي بِكَذَا، [فَإِنَّهُ] لَا يعْتق إِلَّا إِن شافهه، زَاد بَعضهم: والبشارة مثل الْخَبَر: انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن مبْنى الْأَيْمَان على عُرف أهل الزَّمَان، ثمَّ إِنَّه يحْتَمل أَن يكون عرفا خَاصّا، وَأَن يكون عَاما، ثمَّ الْمُحَقِّقُونَ فرقوا بَين التبشير والإخبار بِأَن الأول هُوَ الْخَبَر السَّابِق الَّذِي أَثُرهُ يظْهر على بَشرته، فَلَو قَالَ لعبيده: من بشرني بِكَذَا، فَهُوَ حُر، فالمُخبِر الأول يعْتق لَا غير، وَلَو قَالَ: مَن أَخْبرنِي، يعْتق كل من أخبرهُ مِنْهُم. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: " حَدثنَا " يَعْنِي فِي الْعرض بعيد من الْوَضع اللّغَوِيّ بِخِلَاف أخبرنَا، فَهُوَ صَالح لما حدّث بِهِ الشَّيْخ، وَلما قرئَ عَلَيْهِ فأقرّ بِهِ، فَلفظ الْإِخْبَار أَعم من التحديث، فَكل تحديث إِخْبَار، وَلَا ينعكس.
وَحَاصِل كَلَام الشَّيْخ أنّ العُرف مُقَدم على اللُّغَة كَمَا هُوَ مُقَرر، فَإِذا قَالَ الْمُحدث: " حدّثنا " يُحمل على السماع من الشَّيْخ، وَإِذا قَالَ: " أخبرنَا " يُحمل على سَماع الشَّيْخ.
(مَعَ أَن هَذَا الِاصْطِلَاح) وَهُوَ الْفرق، (إِنَّمَا شاع عِنْد المشارقة) أَي جُلَّهم (وَمن تَبِعَهُمْ) وَهُوَ مَذْهَب الأوْزَاعيّ، وَابْن جُرَيج، وَالْإِمَام الشَّافِعِي، وَمُسلم، بل قيل: إِنَّه مَذْهَب أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن وَهْبٍ الْمصْرِيّ، وَالنَّسَائِيّ.
(وَأما غَالب المغاربة) أَي ومَن تَبِعَهُمْ.
стр. 550
(فَلم يستعملوا هَذَا الِاصْطِلَاح [١٧٥ - ب] ، بل الْإِخْبَار والتحديثُ عِنْدهم بِمَعْنى وَاحِد) وَهُوَ جَوَاز إطلاقهما فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ مَعًا. وَقد قيل: إِن هَذَا مَذْهَب الْحِجَازِيِّينَ، والكوفيين، وقولِ الزُّهري، [وَمَالك] ، وسُفيان بن عُيينَة، وَيحيى بن سعيد / ١٢٢ - أ / فِي آخَرين من الْمُتَقَدِّمين، وَهُوَ مَذْهَب البُخَارِيّ وَجَمَاعَة إجلاء من الْمُحدثين.
(فَإِن جمع الرَّاوِي) أَي ضمير الْمُتَكَلّم فِي الْأَوَّلين بِقَرِينَة مَا تقدم من قَوْله: فالأولان. (أَي أَتَى بِصِيغَة الْجمع / فِي الصِّيغَة الأولى) أَي بِصِيغَة الْمرتبَة الأولى وَهِي " سَمِعت وحَدثني "، وَلَو كَانَ بالتوصيف لاختص ب سَمِعت. وَفِي بعض النّسخ بِصِيغَة الأول، وكأنَّ المُرَاد جنس الأول، فَيشْمَل الْأَوَّلَانِ جَمِيعًا.
(كأنْ) وَالْأَظْهَر بِأَن (يَقُول: حَدثنَا فلَان، أَو سمعنَا فلَانا يَقُول) أَي كَذَا، (فَهُوَ دَلِيل على أَنه سَمعه مِنْهُ مَعَ غَيره) أَعم من [أَن] يكون [ذَلِك] الْغَيْر وَاحِدًا، أَو
стр. 551
اثْنَيْنِ، مذكراً أَو مؤنثاً.
(وَقد تكون النُّون) أَي فِي الْمُتَكَلّم (للعظمة) أَي للمُعَظم نَفْسَه نَحْو: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ و ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن
(لَكِن بقلَّة) أَي يُوجد بِوَصْف قِلة فِي الْإِسْنَاد وَغَيره، إِذْ أَكثر مَا يَقُول الْمُنْفَرد: حدّثني وَأَخْبرنِي.
(وأولها) أَي الْحَقِيقِيّ وَهُوَ " سَمِعت " بِخُصُوصِهِ دون سَمِعت مَعَ حَدثنِي، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله الْآتِي: " لِأَن حَدثنِي ... " إِلَخ، فَالْأَظْهر تَفْسِير كِلاَ الضميرين بصيغ الْأَدَاء، وَتَفْسِير الأول بصيغ الْأَدَاء، وَالثَّانِي بالمراتب الثَّمَانِية على عكس مَا فعله المُصَنّف حَيْثُ قَالَ:
(أَي صِيغ الْمَرَاتِب، أصرحهَا، أَي أصرح صِيغ الْأَدَاء) ؛ لِأَن أول الْمَرَاتِب هُوَ مَجْمُوع " سَمِعت "، و " حَدثنِي " لَا سَمِعت وَحده الَّذِي هُوَ المُرَاد هَهُنَا، ثمَّ [إنّ] أَولهَا وَهُوَ " سَمِعت " أصرحهَا (فِي سَماع قَائِلهَا لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل الْوَاسِطَة) أَي بِخِلَاف حَدثنِي، وَمَا بعده. ومثاله: قَول الْحسن [١٧٦ - أ] الْبَصْرِيّ: حَدثنَا ابْن عَبَّاس على متن الْبَصْرَة، أَي ظهرهَا، فَإِنَّهُ لم يسمع من ابْن عَبَّاس.
(وَلِأَن حدّثني قد يُطلق فِي الْإِجَازَة تدليساً) أَي وسمعتُ لَا يكَاد يُطلق فِيهَا.
стр. 552
فِي حَاشِيَة التلميذ: قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: فَهَذَا يدل عَلَيْهِ مَا روى مُسلم فِي قِصة الرجل الَّذِي يقْتله الدَّجَّال ثمَّ يُحييه، فَيَقُول عِنْد ذَلِك: " أشهد أَنَّك الرجل الَّذِي حَدثنَا عَنْك رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ". ومِنَ الْمَعْلُوم أَن هَذَا الرجل لم يسمع من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا يُرِيد ب: " حَدثنَا " جماعةَ الْمُسلمين. انْتهى.
قلت: هَذَا يدل على جَوَاز الْإِطْلَاق لَا على الْإِطْلَاق تدليساً المستشْهَدِ [عَلَيْهِ] . تَمَّ كلامُهُ.
وَإِنَّمَا نَشأ هَذَا الِاعْتِرَاض من سوء ظَنّه بشيخه، وَقلة فهمه، وزعمه بِنَفسِهِ حَيْثُ جعل قَوْله: " فَهَذَا " رَاجعا إِلَى الْإِطْلَاق فِي الْإِجَازَة، وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى مَا قبله، فإنّ مثل هَذَا لَا يخفى على مَنْ لَهُ أدنى مُسْكَة من الْعقل / ١٢٢ - ب / والإلمام، فَكيف يخفى على شيخ الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ خَاتِمَة الْمُحدثين، ومرجع هَذَا الْفَنّ عِنْد الْأَنَام؟ ! وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذَا القَوْل بعد تَمام الْكَلَام، وفوض الْأَمر إِلَى ذَوي الإفهام، إِن صَحَّ أَنه قَرَّرَ مَا حُرِّر فِي هَذَا الْمقَام، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بالمرام.
وَالْحَاصِل: أَن " حَدثنِي وَسمعت " من أول الْمَرَاتِب، وَهُوَ السماع من الشَّيْخ كَمَا سبق، وَهَهُنَا أَشَارَ إِلَى التَّفَاوُت بَينهمَا فَقَالَ: أَولهَا أصرحهَا، وَقد اختلفَ فِي أنّ أيَّهما أصرح، فَاخْتَارَ الخطيبُ وتَبِعه المُصَنّف أنَّ أَولهَا " سَمِعت "، ثمَّ " حدّثني " لِمَا سبق
стр. 553
من الْأَدِلَّة، وَقَالَ بَعضهم: " حَدثنِي " لدلالته [على] أَن الشَّيْخ رَوَاهُ [إِيَّاه] بِخِلَاف سَمِعت، وَالْأول أصح.
هَذَا، وَمِمَّا يدل على / بطلَان كَلَام التلميذ أَن ابْن الْقطَّان قَالَ: وَأَنا أعلم أَن حَدثنَا لَيْسَ بِنَصّ فِي أَن قَائِلهَا [سمع] ، فَفِي مُسلم [١٧٦ - ب] حَدِيث الَّذِي يقْتله الدجّال ... الخ، قَالَ: وَمَعْلُوم أَن ذَلِك الرجل مُتَأَخّر الْمِيقَات، فَيكون مُرَاده حَدِيث أمته. هَذَا، إِن لم يكن ذَلِك الرجل الخَضِر ﵇.
(وأرفعها) [مُبْتَدأ، وَقَوله:] (مِقْدَارًا) تَمْيِيز أَي [أَعلَى] صِيغ الْأَدَاء فِي كل مرتبَة، (مَا يَقع فِي الْإِمْلَاء لما فِيهِ) أَي فِي الْإِمْلَاء، (من التثبت والتحفظ) يَعْنِي أَن السماع من لفظ الشَّيْخ إِمَّا إملاءً على الطَّالِب وَهُوَ يكْتب، وَإِمَّا سرداً، [وَالْأول] هُوَ الأرفع، وَأَعْلَى أقسامه لما فِيهِ من تثبت الشَّيْخ فِي الْإِمْلَاء، والطالب فِي الْكتاب فَهُما لذَلِك أبعدُ من الْغَفْلَة، وَأقرب إِلَى التَّحْقِيق، وتمييز الْأَلْفَاظ.
مثلا فِي الْمرتبَة الأولى إِذا قَالَ: حَدثنِي الشَّيْخ إملاء، فَهَذِهِ أرفع مرتبَة من أَن يَقُول: سَمِعت الشَّيْخ. وَبِهَذَا يتَبَيَّن لَك أَن الأولى تَقْدِيم قَوْله: وأرفعها على قَوْله: أَوَّلُها، أَو تَأْخِيره عَن قَوْله: كالخامس؛ لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِمُطلق الصِّيَغ أَولا كَانَ أَو غَيره، ولَمّا عُلِم حكم الأول وَالثَّانِي قَالَ:
стр. 554
(وَالثَّالِث) أَي من صِيغ الْأَدَاء، (وَهُوَ " أَخْبرنِي ") .
(وَالرَّابِع وَهُوَ " قَرَأت عَلَيْهِ " لمن قَرَأَ بِنَفسِهِ على الشَّيْخ، فَإِن جمع) أَي الرَّاوِي اللَّفْظَيْنِ، (كَأَن يَقُول: أخبرنَا [أَو قَرَأنَا] عَلَيْهِ) وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: بِالْوَاو وَلكنهَا بِمَعْنى أَو، (فَهُوَ كالخامس، وَهُوَ " قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع ") أَي مِنْهُ يَعْنِي أَن أخبرنَا وَنَحْوه يُقَال فِيمَا قرئَ على الشَّيْخ، وَهُوَ يسمع.
(وعُرِف من هَذَا) أَي مِمَّا ذكر [من] أَن " أَخْبرنِي وقرأت عَلَيْهِ " لمن [قَرَأَ] بِنَفسِهِ، (أَن التَّعْبِير ب: قَرَأتُ لمن قَرَأَ خير من التَّعْبِير بالإخبار) حَيْثُ يفهم من تَعْبِيره بعنوان الْقِرَاءَة أَن الْمَقْصُود من هَاتين الصيغتين بَيَان قِرَاءَته، وَلَا شكّ أَن " قَرَأت " / ١٢٣ - أ / فِي إِفَادَة ذَلِك الْمَقْصُود أصرح، وَأظْهر من " أَخْبرنِي " كَمَا صرح بِهِ بقوله:
(لِأَنَّهُ أفْصح بِصُورَة الْحَال) فالتعبير بقوله: قَرَأت على فلَان خير، وَقَوله: [١٧٧ - أ] لِأَنَّهُ أفْصح عِلّة الْعلَّة.
стр. 555
(تَنْبِيه:) أَي هَذَا تَنْبِيه مُحْتَاج إِلَى تَأمل فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ.
(الْقِرَاءَة على الشَّيْخ أحد وُجُوه التَّحَمُّل) أَي أحد أَنْوَاع أَخذ الْعلم (عِنْد الْجُمْهُور) أَي من الْمُحدثين.
(وأُبْعَدَ مَنْ أَبَى ذَلِك) أَي جَوَاز التَّحَمُّل بِالْقِرَاءَةِ على الشَّيْخ (من أهل الْعرَاق) وهم شِر ذمَّة قَليلَة.
(وَقد اشْتَدَّ إِنْكَار الإِمَام مَالك وَغَيره من الْمَدَنِيين) أَي الَّذين هم معْدن الْعلم، (عَلَيْهِم) أَي على الْعِرَاقِيّين (بذلك) أَي بِسَبَب ذَلِك القَوْل، أَو الإباء وَفِي نُسْخَة: فِي ذَلِك (حَتَّى بَالغ بَعضهم) أَي بعض الْمَدَنِيين، أَو بعض الْعلمَاء، وَهُوَ الْأَظْهر، (فرجحها) أَي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ، (على السماع من لفظ الشَّيْخ) وَهُوَ مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى على مَا ذكره الْعِرَاقِيّ.
(وَذهب جمع جمّ) أَي كثير، (مِنْهُم البُخَارِيّ - وَحَكَاهُ) أَي البُخَارِيّ أَي ذَلِك الْمَذْهَب (فِي أَوَائِل صَحِيحَة عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة -) فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْعلم فِي الْبَاب السَّادِس: / سَمِعت أَبَا عَاصِم [يَقُول] : عَن مَالك، وسُفْيَان: أَن الْقِرَاءَة على الْعَالم وقراءته سَوَاء، فَذهب جمع وَهُوَ مَعَهم. (إِلَى أَن السماع من لفظ الشَّيْخ وَالْقِرَاءَة) بِالنّصب، (عَلَيْهِ) أَي على الشَّيْخ، (يَعْنِي فِي الصِّحَّة، وَالْقُوَّة سَوَاء،)
стр. 556
تَفْسِير لما بعده وَهُوَ قَوْله: سَوَاء، وَكَانَ الأولى أَن يَقُول أَولا: سَوَاء، ثمَّ يَقُول: أَي فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة. (وَالله سُبْحَانَهُ أعلم) .
وَالْحَاصِل: أَن الْقِرَاءَة من الطَّالِب على الشَّيْخ، وَهُوَ سَاكِت يسمع - ويسميها أَكثر الْمُحدثين من [أهل] الْمشرق وخُرَاسان عرضا لكَون الْقَارئ يعرض على الْمُحدث مَرويه، سَوَاء [قَرَأَ هُوَ] ، أَو قَرَأَ غَيره وَهُوَ يسمع، وَسَوَاء قَرَأَ مِن كتاب أَو حِفظٍ، وَسَوَاء حفظ الشَّيْخ أم لَا إِذا أمسك أَصله هُوَ أَو ثقةُ من السامعين - أحدُ وُجُوه التَّحَمُّل، وَرِوَايَته صَحِيحَة عِنْد الْجُمْهُور بل عِنْد الْكل على مَا ذكره الْعِرَاقِيّ قَالَ: والمخالف لَا يُعْتد بِهِ فِي نقض الْإِجْمَاع من السّلف كَأبي عاصمٍ النَّبِيل، فِيمَا حَكَاهُ الرَّامَهُرْمُزِي عَنهُ. ووكيعٌ قَالَ: مَا [١٧٧ - ب] أُحَدثُ حَدِيثا قطّ عَرْضَاً.
(وَعَن مُحَمَّد بن سَلاَم: أَنه أدْرك الإِمَام [مَالك] بن أنس وَالنَّاس يقرؤون عَلَيْهِ، فَلم يسمع [مِنْهُ] لذَلِك، وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن بن سَلاَم الجُمَحِي لم يكتف بذلك فَقَالَ مَالك: أَخْرجُوهُ عني، وَكَانَ مَالك يَأْبَى هَذِه الْمقَالة أَشد الإباء، وَيَقُول: كَيفَ لَا يجْرِي الْعرض فِي الحَدِيث، وَيجْرِي فِي الْقُرْآن وَهُوَ أعظم، وَاسْتدلَّ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو سعيد الحَدَّاد فِيمَا / ١٢٣ - ب / حَكَاهُ البُخَارِيّ وَأقرهُ للمُعْتَمِد بِقصَّة ضَمام، وَأَن قَوْله للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: آللهُ أَمَرَك بِهَذَا؟ وَقَالَ
стр. 557
لَهُ: نعم، قِرَاءَة على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أخبر قومه فأجازوه أَي قبلوه.
هَذَا، وَوجه التَّسْوِيَة أَن لكل مِنْهُمَا جِهَة أرجحية ومرجوحية، فتعادلا، أما العَرْض، فلتمكن الْمُحدث بإنصاته وإقباله من الرَّد، وَعدم تمكن الطَّالِب مِنْهُ إِمَّا لهيبته، أَو طنه خطأ مَا عِنْده، أَو صحتهما مَعًا، وَلِهَذَا قَالَ ابْن فَارس: السَّامع أربط جأشاً، وأوعى قلباً، وَتَوزُّعُ الْفِكر إِلَى الْقَارئ أسْرع، وَأما اللَّفْظ فلعدم تَقْلِيد غَيره، ومزيد إقباله الَّذِي لَا يتهيأ لَهُ التشاغل عَنهُ إِلَّا بِقطع مَا هُوَ فِيهِ، ثمَّ الْآن الْعَمَل على الأول، وَعَلِيهِ المعوّل، فَإِنَّهُ بالتحقيق أكمل.
(والإنباء من حَيْثُ اللُّغَة) أَي مُطلقًا، (واصطلاح الْمُتَقَدِّمين) ، أَي من الْمُحدثين، (بِمَعْنى الْإِخْبَار إِلَّا فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ) أَي الإنباء (للإجازة ك: عَن؛ لِأَنَّهَا) ، أَي عَن (فِي عرف الْمُتَأَخِّرين للإجازة) .
قَالَ تِلْمِيذه: الْمقَام مقَام الْإِضْمَار لتقدم ذكرهم، وَهُوَ أخصر. قلت: عَدَل عَن الْإِضْمَار إِلَى الْإِظْهَار دفعا لوهم الْعود إِلَى الْمُتَقَدِّمين. قَالَ المُصَنّف والطبقة المتوسطة بَين [١٧٨ - أ] الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين لَا يذكرُونَ الإنباء إِلَّا مُقَيّدا بِالْإِجَازَةِ، فَلَمَّا كثر واشتهر اسْتغنى الْمُتَأَخّرُونَ عَن ذِكره التلميذ.
стр. 558
( [المعنعن] )
(وعنعنة المعاصر) سَوَاء ثَبت اللُّقي بَينهمَا أم لَا، عِنْد الْجُمْهُور وَالْبُخَارِيّ يشْتَرط اللقي كَمَا سَيَأْتِي، (مَحْمُولَة على / السماع، بِخِلَاف غير المعاصر فَإِنَّهَا) أَي عنعنته، (تكون مُرْسَلة) أَي إِن كَانَ تابعياً، (أَو مُنْقَطِعَة) إِن كَانَ من بعده
(فَشرط حملهَا على السماع ثُبُوت المعاصرة) . قَالَ تِلْمِيذه: هَذِه زِيَادَة مُسْتَغْنى عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذكرت لأجل الِاسْتِثْنَاء الَّذِي فِي الْمَتْن مَعَ تقدم قَوْله: بِخِلَاف غير المعاصر، فَلَو أُخِّرِ كَانَ أولى [يَعْنِي] لاتصاله بقوله:
(إِلَّا من المُدَلِّس فَإِنَّهَا) أَي العنعنة [مِنْهُ وَلَو كَانَ معاصراً] ، (لَيست مَحْمُولَة على السماع) ، [أَي لاتهامه بالتدليس فِي رِوَايَته إِلَّا إِذا صرح بِالتَّحْدِيثِ وَالسَّمَاع كَمَا سبق] .
(وَقيل: يشْتَرط فِي حمل عنعنة المعاصر على السماع، ثُبُوت لقائهما أَي الشَّيْخ والراوي عَنهُ، وَلَو مرّة وَاحِدَة) ، تَأْكِيد، تقدم فِي كَلَام المُصَنّف: أَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللُّقيّ وَلَو مرّة لَا يجْرِي فِي رواياته احْتِمَال أنْ لَا يكون قد سمع، لِأَنَّهُ يلْزم من جَرَيَانه أَن يكون مُدّلساً، وَالْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي غير المُدلِّس وَلذَا قَالَ:
стр. 559
(ليحصل الْأَمْن) أَي بِسَبَب اللُّقي مرّة الْمَحْمُول على السماع بِحَسب حسن الظَّن بِالْمُسلمِ، (فِي بَاقِي مُعَنْعَنهِ عَن كَونه من المُرسَل الْخَفي) / ١٢٤ - أ / فَإِن التَّدْلِيس مُخْتَصّ بِمن روى عَمَّن عُرف لقاؤه [إِيَّاه] ، فَأَما إِن عاصره وَلم يعرف أَنه لَقِيهُ، فَهُوَ المُرٍ سل الْخَفي كَمَا سبق، قَالَ تِلْمِيذه: تقدم مَا فِيهِ فَرَاجعه
(وَهُوَ) ، أَي هَذَا القيل أَو الِاشْتِرَاط هُوَ (الْمُخْتَار) أَي عِنْد جمَاعَة أَو عِنْده (تبعا لعَلي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ [١٧٨ - ب] وَغَيرهمَا من النقاد) بِضَم النُّون، وَتَشْديد الْقَاف أَي حُذاق الْمُحدثين ومحققيهم.
اعْلَم أَن العنعنة مصدر مَصْنُوع كالبسملة، والحمدلة، من عَنْعَنْتُ الحَدِيث إِذا رويته بلفظِ عَن، من [غير] بَيَان التحديث والإخبار وَالسَّمَاع، وَاخْتلفُوا فِي حكم الْإِسْنَاد المعنعن، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل، وَذهب إِلَيْهِ الجماهير من أَئِمَّة الحَدِيث: أَنه من قبيل الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل، ومحمول على السماع بِشَرْط سَلامَة الرَّاوِي الَّذِي رَوَاهُ بالعنعنة من التَّدْلِيس، وَيشْتَرط ثُبُوت الملاقاة لما رَوَاهُ عَنهُ [بالعنعنة] .
قَالَ ابْن الصّلاح: كَاد ابْن عبد الْبر يَدعِي إِجْمَاع أَئِمَّة الحَدِيث على ذَلِك. قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَمَا ذكرنَا من اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء هُوَ مَذْهَب أبي عَليّ الْمَدِينِيّ،
стр. 560
وَالْبُخَارِيّ، وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الحَدِيث.
وَأنكر مُسلم فِي خطْبَة صَحِيحَة اشْتِرَاط ذَلِك، وَإِن القَوْل الشَّائِع الْمُتَّفق [عَلَيْهِ] بَين أهل الْعلم بالأخبار قَدِيما وحديثاً أَنه يَكْفِي فِي ذَلِك أَن يثبت كَونهمَا فِي عصر وَاحِد، وَلم يَأْتِ فِي خبر وَاحِد أَنَّهُمَا اجْتمعَا أَو تشافها. وَاخْتَارَ المُصَنّف مَا قَالَه مُسلم، وَلذَا عبَّر عَن اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء ب: قيل، وَيُمكن أَنه اخْتَار قَول البُخَارِيّ وَلذَا أطلق قَوْله: وَهُوَ الْمُخْتَار، وَإِنَّمَا عبّر عَنهُ ب: قيل أَولا إِشَارَة إِلَى أَنه قَول شِرذَمَة قَليلَة فِي مُقَابلَة قَول الْجُمْهُور، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَونه مُخْتَارًا عِنْده وَعند غَيره، وَقد قَالَ ابْن الصّلاح: وَفِيمَا قَالَه مُسلم نظر. قَالَ: وَهَذَا الحكم لَا أرَاهُ يسْتَمر بعد الْمُتَقَدِّمين فِيمَا وجد من المصنفين، وَاشْتِرَاط / أَبُو مظفر السَّمْعَاني طول الصُّحْبَة مَعَ اللِّقَاء، وَأَبُو عَمْرو الدَّاني أَن يكون مَعْرُوف الرِّوَايَة عَنهُ، [١٧٩ - أ] وَذهب بَعضهم [إِلَى أَن] الْإِسْنَاد المعنعن من قبيل الْمُنْقَطع والمرسل، حَتَّى يتَبَيَّن اتِّصَاله، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 561
( [أَحْكَام طرق التَّحَمُّل وَالْأَدَاء] )
( [المُشافَهَة والمُكَاتَبَة] )
(وأطلقوا) أَي المحدثون، (المشافهة فِي الْإِجَازَة المُتَلفّظِ بهَا) ، أَي استعملوا " شافهني " بِالْإِجَازَةِ، الْمَوْضُوع ل: أجزتُ لَك، فِي أجزت لفُلَان، من طَرِيق الِاسْتِعَارَة حَيْثُ اسْتعْمل مَا وُضِع لإجازة الْحَاضِر فِي إجَازَة الْغَائِب بعلاقة الْإِذْن، وَهَذَا / ١٢٤ - ب / معنى قَوْله فِي الشَّرْح: (تَجوُّزاً) .
(و) أَي وأطلقوا، (كَذَا) ، أَي المشافهة تجوزاً، (الْمُكَاتبَة فِي الْإِجَازَة الْمَكْتُوب بهَا) . اعْلَم أَن الْإِجَازَة مصدر أجَاز، وَلها معَان ينطبق الِاصْطِلَاح مِنْهَا على الْإِبَاحَة، وحقيقتها الْإِذْن فِي الرِّوَايَة لفظا أَو كِتَابَة، تفِيد الْإِخْبَار [الإجمالى] عرفا، وَلِهَذَا كَانَت مُتَأَخِّرَة عَن الَّتِي قبلهَا إِذْ الْإِخْبَار فِيهَا تفصيلي.
وأركان الْإِجَازَة كَمَا صرح بِهِ مَعَ حَقِيقَتهَا الْكَمَال الشُّمُني - أحد أَئِمَّة الحَدِيث - أربعةٌ: الْمُجِيز، وَالْمجَاز لَهُ وَالْمجَاز بِهِ، وَلَفظ الْإِجَازَة، وَلَا يشْتَرط الْقبُول فِيهَا كَمَا قَالَه البُلقيني.
وَقَالَ أَبُو الْحسن بن فَارس: الْإِجَازَة مَأْخُوذَة من جَوَاز المَاء الَّذِي
стр. 562
يُسْقَاه المَال من الْمَاشِيَة والحَرث، يُقَال مِنْهُ: استجزت فلَانا فأجازني إِذا سقاك مَاء لماشيتك، أَو أَرْضك، فَكَذَا طَالب الْعلم يستجيز الْعَالم عِلْمَهُ، فيجيزه لَهُ إِيَّاه، فعلى هَذَا يجوز أَن يعدّى بِغَيْر حرف جر، وَلَا ذكر رِوَايَة فَيَقُول: [أجزت فلَانا] مسموعاتي.
[وَقيل: الْإِجَازَة إِذن فَعَلى هَذَا يَقُول لَهُ: أجزت لَهُ رِوَايَة مسموعاتي، وَإِذا قَالَ لَهُ: أجزت لَهُ] مسموعاتي، فَهُوَ على حَذف الْمُضَاف. انْتهى. واستعملوا فِي الأول شافهني فلَان، وَأَنا مشافِهُهُ [مجَازًا، لِأَن المشافهة] فِي اللُّغَة المخاطبة من فِيك إِلَى فيهِ لَا التَّلَفُّظ بِالْإِجَازَةِ فَقَط، [وَفِي الثَّانِي [١٧٩ - ب] كتب لي أَو إِلَيّ فلَان: أخبرنَا كِتَابَة فِي كِتَابه مجَازًا، لِأَن الْكِتَابَة عَام يتَنَاوَل الْإِجَازَة] وَغَيرهَا.
(وَهُوَ) ، أَي الْمُكَاتبَة (مَوْجُود فِي عبارَة كثير من الْمُتَأَخِّرين) أَي سَوَاء كتب الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب حَدِيثا أم لَا. (بِخِلَاف الْمُتَقَدِّمين فَإِنَّهُم إِنَّمَا يطلقونها) ، أَي الْمُكَاتبَة، (فِيمَا كتبه الشَّيْخ من الحَدِيث إِلَى الطَّالِب، سَوَاء أَذِنَ) أَي الشَّيْخ (لَهُ) ، أَي للطَّالِب (فِي رِوَايَته) ، يحْتَمل إِضَافَته إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، (أم لَا) ، يَعْنِي سَوَاء انْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِجَازَة أم لَا.
(لَا) ، أَي لَا يُطلق المتقدمون الْمُكَاتبَة (فِيمَا إِذا كتب إِلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ فَقَط) ، وَصُورَة انضمام الْإِجَازَة أَن يكْتب الشَّيْخ شَيْئا من حَدِيثه بِخَطِّهِ، أَو يَأْمر غَيره، فَيكْتب عَنهُ بِإِذْنِهِ، سَوَاء كَتَبَ أَو كُتِبَ عَنهُ إِلَى غَائِب، أَو حَاضر عِنْده وَيَقُول: أجزت لَك مَا كتبته لَك، وَنَحْو ذَلِك وَهِي شَبيهَة بالمناولة المقترنة بِالْإِجَازَةِ فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة.
стр. 563
( [المُناولة] )
(واشترطوا فِي صِحَة الرِّوَايَة) أَي بطرِيق الأرفعية بِهِ (بالمناوَلَة) لَا يخفى أَن الْمَتْن فِي صِحَة المناولة وَأَن الْبَاء من الشَّرْح مُتَعَلقَة بالرواية، (اقترانها) ، مفعول اشترطوا، أَي اقتران المناولة (بِالْإِذْنِ بالرواية) ، مُتَعَلق بِالْإِذْنِ.
(وَهِي) ، أَي المناولة، (إِذا / حصل هَذَا الشَّرْط) ، أَي الاقتران، (أرفع أَنْوَاع الْإِجَازَة لما فِيهَا) ، أَي فِي المناولة، (من التَّعْيِين) ، أَي تعْيين الْمجَاز (والتشخيص) ، أَي باستحضاره / ١٢٥ - أ / المُشَخص.
(وَصورتهَا) ، أَي المناولة، (أَن يدْفع الشَّيْخ أَصله أَو مَا قَامَ مقَامه) ، أَي الْمَنْقُول من أَصله وَهُوَ الْفَرْع المُقَابَل بأَصله الْمُقَابلَة الْمُعْتَبرَة. (للطَّالِب) ، مُتَعَلق ب: يدْفع.
(أَو يحضر الطَّالِب أصل الشَّيْخ) ، من الْإِحْضَار، أَي يَأْتِي بِهِ فيعرضه عَلَيْهِ، وَسَماهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة عرضا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا عرض المناولة، وَمَا تقدم [١٨٠ - أ] عرض الْقِرَاءَة ليتميز أَحدهمَا عَن الآخر، فَإِذا، عرض الطَّالِب الْكتاب على الشَّيْخ تَأمله الشَّيْخ، وَهُوَ عَارِف متيقظ ليعلم صِحَّته، وَعدم الزِّيَادَة فِيهِ، أَو
стр. 564
النَّقْص مِنْهُ أَو يتْرك تَحت يَده فيمرّ عَلَيْهِ بالمقابلة وَنَحْوهَا، إِن لم يكن عَارِفًا متيقظاً، وكل ذَلِك كَمَا صرح بِهِ الْخَطِيب على سَبِيل الْوُجُوب.
(وَيَقُول) ، أَي الشَّيْخ (لَهُ) أَي الطَّالِب (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَي صُورَتي الدّفع والإحضار:
(هَذِه) ، أَي هَذَا الْكتاب، وأنث لتأنيث الْخَبَر وَهُوَ قَوْله: (روايتي عَن فلَان) ، [أَو سَمَاعي عَن فلَان] ، [فاروه عني] ، أَو أجزت لَك رِوَايَته عني.
(وَشَرطه) بِصِيغَة الْمصدر مَرْفُوع على الابتدائية، وَالضَّمِير إِلَى الأرفع، وَفِي نُسْخَة: شُرِط بِصِيغَة الْمَجْهُول، (أَيْضا) ، [أَي مَعَ مَا تقدم] ، (أَن يُمكنهُ) ، بتَشْديد الْكَاف أَي يَجعله مُتَمَكنًا (مِنْهُ) ، أَي من الأَصْل. وَالْمعْنَى كَمَا يشْتَرط اقترانها بِالْإِذْنِ بالرواية يشْتَرط أَن يُمكن الشيخُ الطَّالِب من أَصله، أَو فَرعه الْقَائِم مقَامه، بِأَن يقدر على الِانْتِفَاع بِهِ.
(إِمَّا بالتمليك) ، وَهُوَ أَعلَى، وَفِي مَعْنَاهُ الوَقف عَلَيْهِ، أَو على الْعَام وَالنَّظَر لَهُ، (أَو بالعارية لينقل مِنْهُ) ، أَي ينسخه مِنْهُ بِنَفسِهِ، أَو بِغَيْرِهِ، (ويقابل عَلَيْهِ) ، أَي مُقَابلَة مُصححة، (وَإِلَّا) ، أَي وَإِن لم يُمكنهُ مِنْهُ بِأَحَدِهِمَا (بِأَن نَاوَلَهُ) وَأَجَازَ لَهُ رِوَايَته (واسترده فِي الْحَال) ، فَقَوله: أَن نَاوَلَهُ بدلٌ من إِلَّا، وَكَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول: كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ، أَو يَقُول: فَإِن نَاوَلَهُ واسترده فِي الْحَال، (فَلَا تتبين) أَرْفَعِيَّته لعدم احتواء
стр. 565
الطَّالِب عَلَيْهِ وغيبته عَنهُ إِلَّا أَنَّهَا صَحِيحَة.
وَتجوز للطَّالِب رِوَايَته إِذا وَجَدَ ذَلِك الأَصْل، أَو مُقَابَلاً بِهِ، وَغلب على ظَنّه سَلَامَته من تَغْيِير. هَذَا، وَفِي نُسْخَة: وَأما إِن نَاوَلَهُ ... الخ وَهُوَ ظَاهر، وَإِن شَرْطِيَّة [١٨٠ - ب] وَأما ترديد شَارِح بقوله: الظَّاهِر أنَّ إنْ شَرْطِيَّة، فَالصَّوَاب " إِن " بِالْفَاءِ، وَأَيْضًا يلْزم الِاسْتِدْرَاك، وَإِن قرئَ بِالْفَتْح - على أَنَّهَا مَصْدَرِيَّة أَي بِأَن نَاوَلَهُ لم يَتَوجه مَا ذكر إِلَّا أَنه غير ظَاهر، وَالْأولَى بِدُونِ الْفَاء - فَغير ظَاهر، وَالظَّاهِر من كَلَامه أَنه ضبط و " إِمَّا " بِكَسْر الْهمزَة فَوَقع فِيمَا وَقع. وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. / ١٢٥ - ب /
لَكِن (لَهَا) أَي لهَذِهِ الصُّورَة من صور المناولة (زِيَادَة مَزِنّة) ، بِفَتْح الْمِيم، وَكسر الزَّاي، وَتَشْديد التَّحْتِيَّة أَي مرتبَة من الرجحان (على الْإِجَازَة المُعَينة) ، أَي عِنْد أهل الحَدِيث قَدِيما وحديثاً خلافًا لجَماعَة من الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء، والأصوليين، فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا فَائِدَة فِي هَذِه المناولة وَلَا تَأْثِير لَهَا.
(وَهِي) ، أَي الْإِجَازَة الْمعينَة (أَن يُجِيزهُ / الشَّيْخ بِرِوَايَة كتاب معِين) ، أَي من التصانيف الْمَشْهُورَة، أَو بالأحاديث الْمَعْرُوفَة الْمعينَة المسطورة، وَقَالَ ابْن كثير: إِنَّهَا فِي الْكتاب الشهير كَأَن يَقُول: أجزت لَك رِوَايَة البُخَارِيّ عني.
(ويُعَيِّن) أَي الشَّيْخ (لَهُ) أَي للطَّالِب (كَيْفيَّة رِوَايَته) أَي الشَّيْخ (لَهُ) أَي للْكتاب بِأَن يبين لَهُ أَن رِوَايتي هَذَا الْكتاب عَن الْعَسْقَلَانِي مثلا إجَازَة، أَو سَمَاعا، أَو قِرَاءَة.
قَالَ شَارِح: وَأما مَا فِي نُسْخَة: فَلَا يتَبَيَّن لَهَا زِيَادَة مزية على الْإِجَازَة
следующие страницы →