الصغار، وإنما الأمر يختلف باختلاف طبائعهم، لكن الملفت هنا في فعل الزبير مع ولده: أنه خشي عليه أن تحرضه نفسه على الهجوم على العدو وتقليد والده وهو في هذه السن؛ لذلك وكَّل به رجلًا!
يقول الحافظ: "وكأن الزبير آنس من ولده عبدالله شجاعة وفروسية فأركبه الفرس، وخشي عليه أن يهجم بتلك الفرس على ما لا يطيقه؛ فجعل معه رجلًا ليأمن عليه من كيد العدو إذا اشتغل هو عنه بالقتال" (١).
ومن شابه أباه فما ظلم!
стр. 107
الفصل الثالث
التربية الأخلاقية
стр. 108
قَبَسٌ نَبَويّ
«إنما بُعثت لأتمِّمَ صالح الأخلاق» (١).
هكذا أعلنها النبيُّ ﷺ موجَزَة بليغة، للدنيا كلها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، ولم يكتفِ بهذا البيان البديع فحسب؛ بل كانت أخلاقه ﷺ وتعاملاته مع الجميع مثالًا عمليًّا، وتجسيدًا حيًّا لمقولته، ولم يكتفِ بذلك: حتى نشر تلك الأخلاق وعلمَّها الصغار والكبار.
لما تزوَّج بأمِّ سلمة، كانت ابنتها زينب صغيرة معها، فلربما جاءت أمَّها والنبي ﷺ عندها يغتسل في بيتها، فتصرفها أم سلمة عنها بإرسالها للنبي ﷺ ، فتذهب الصغيرة لتدخل عليه وهو يغتسل، فلا تمنعه شفقته عليها، ورحمته بها، من أن يعلمها ويؤدبها على خُلُق الحياء، وهي في هذا السن؛ فينضح الماء في وجهها، ويقول لها: «ارجعي» (٢).
стр. 109
فانتفعت بتعليمه، ونضحه؛ فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت (١)!
وفي بيت أم سلمة: لا يزال تعليمه للصغار قائمًا، فكان للصبي كما كانت للفتاة نصيبٌ من تهذيب الأخلاق وغرسها، فهذا عُمر بن أبي سلمة، أخو زينب، يجلس على الطعام مع رسول الله ﷺ ، لكنه لم يتعلَّم كيف يأكل في وجود الكبار، وما الآداب التي ينبغي أن يراعيها، فكانت يده تطيش في الصَّحفة، ويأكل من نواحيها، فجاد النبي ﷺ عليه بالتعليم، ولم يمنعه صغر سنه من أن يوجهه؛ فقال له: «يا غُلام! سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك».
فانتفع عمر بتلك النصيحة باقي عمره كله؛ حتى أنه ذكر ذلك لما بلغ وقال: فما زالت تلك طِعْمتي بعد (٢).
ولم يكن اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار وتوجيههم خاصًّا بأهل بيته، أو من هم في حِجْرِه، بل كان كل من يقابله أو يعرض له، وتسنح الفرصة بالتربية والتوجيه؛ لا يتأخر عنه بشيء.
стр. 110
هذا غلامٌ من غلمان الأنصار، شأنه شأن الصغار، لا يكترث بأفعاله وتصرفاته، ويفعل ما يحلو له ويخطر بباله، يتحرك في بساتين المدينة، فإذا ما أحسَّ بجوع؛ التقط الحجر، ورمى النخل، فأسقط ما أسقط من التمر، وأكل!
ضاق به أصحاب البساتين، فأخذوه وانطلقوا به إلى النبي ﷺ ، فكيف واجه تلك المشكلة؟
لم يقل للشاكين والمتضررين: إنه غلامٌ صغير، لا يفقه، دعوه حتى يكبر! لا، لم يفعل.
ولم يعنِّف الغلام على سوء فعله، وجنايته على حق غيره، بلا مراعاة لسنِّه، لا، لم يفعل.
وإنَّما نَظَر إلى الغلام الصغير، وسأله في رفق أمام من أحضروه: «يا رافع! لم ترمي نَخْلَهم؟» فأجاب الغلام ببراءة وعفوية الصغار: الجوع يا رسول الله، أريد أن آكل. فنصحه بما يسدُّ حاجته، ولا يؤذي غيره؛ فقال له: «فلا ترمِ النخل، وكُلْ ما يسقط في أسافلها».
هكذا أدَّبه بعدم التعدِّي على حقِّ غيره، وسمح له بما تحتاج إليه نفسه، ولم يكتفِ بذلك؛ بل أَشْعَره مع النصح، بالشفقة والحب؛ فمسح رأسه، ودعا له: «اللهم أشبع بطنه» (١).
стр. 111
نعم، لم تكن لتمنعه عاطفة المحبة والشفقة على الصغار، من نصحهم، وتوجيههم، بل ووَسْمهم ببعض ما يُشعرهم بخطئهم، حتى لا يصير ذلك النقص خُلُقًا لهم بعد بلوغهم، وهذا عكس ما يقع فيه بعض المربِّين؛ من إيثار ما يهواه صغارهم، ولو على سبيل أخلاقهم!
ها هو ﷺ يُهدَى إليه ذات يومٍ عنبٌ من الطائف، وصادف هذا أن كان عنده صغير من صغار الصحابة، وهو: النعمان بن بشير ﵁، فأعطاه النبي ﷺ قِطْفًا له، وأرسل معه بآخر لأمه عَمْرة، وذاق الصبي العنب فأعجبه، فأكل نصيبه وأنهاه قبل أن يصل إلى أمِّه، فحدَّثته نفسه أن يأكل الآخر، واستحضر شفقة أُمِّه، ولم يستحضر وصية نبيِّه!
بعد أيام، لقي رسول الله ﷺ عَمْرة أمَّ النعمان، فسألها عما أرسل إليها مع ابنها، ففاجأته بأنها لم يصلها شيء!
فسأله النبيُّ ﷺ ليستوثق منه، ولعلَّ له عذرًا فيخبر به؛ فقال له: «هل بلَّغتَ»؟
فأجابه الصغير -على استحياء- وقد ذهبت عنه شفقة أمه، ولم
стр. 112
يجد إلا غدره بعهد نبيِّه فيما عهد به إليه: لا!
كذا جاء جوابه مختصرًا، لا يحمل سببًا ولا عذرًا؛ ففهم النبي ﷺ ما صنع الصبي، فأراد أن يلقنه درسًا ينفعه سائر حياته بعد ذلك؛ فأخذ بأذنه، وقال له: «يا غُدَر (١)، يا غُدَر» (٢)!
لقد أشفق ﷺ على الصغير أن يكون أمينًا، أعظم من إشفاقه عليه أن يحرم من عنقود اشتهاه، فانتفع بذلك طوال حياته، وحدَّث به.
هذا القبس النبوي في تربية الصغار؛ أشعل منه الصحب والآل فتيل تعاملهم، فأوقد لهم في طريق التربية الأخلاقية مشاعل وسُرجًا، بها اهتدوا، وعلى أضوائها ساروا؛ فأخرجوا جيلًا حسن الأخلاق، حُقَّ له أن يخلف جيلهم، ليتلوه في الأفضلية، كما تلاه في الزمن والتبعية. وفيما يلي صور ونماذج من تعاملهم في هذا الباب مع صغارهم.
стр. 113
التربية الأخلاقية في تراث الآل والأصحاب
يُعرِّفها بعضُ المعنيين بشؤون التربية بأنها: "تنشئة الصغير على المبادئ الأخلاقية المستمدة من القرآن والسنة، حتى يُصبح مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، في كل الظروف والأحوال، وذلك في إطار تكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة والمتوازنة" (١).
وهي في الوقت نفسه: "توجيه مستمر لأعمال الإنسان على سنن الاستقامة، حتى تتكون العادات الصالحة، والأخلاق الحميدة الراسخة" (٢).
والاهتمام بها إذا كان من الصِّغر؛ فهو أجدى وأنفع، فالتعديل والتقويم -فضلًا عن الغرس- لا يتأتى مع الكبير كما يتأتَّى مع الصغير، وقد تتابع على هذا العلماء، على اختلاف عصورهم:
فهذا أبو حامد الغزالي يقول: "إن الصبي إذا أُهمل في ابتداء نشوه؛ خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذَّابًا، حسودًا، سروقًا، نمَّامًا، لحوحًا، ذا فضول وضحك، وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب" (٣).
стр. 114
وبعده ابن القيِّم بقرنين من الزمان يؤكِّد على نفس المعنى بقوله:
"ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوَّده المربي في صغره، من حَردٍ، وغضبٍ، ولجاجٍ، وعجلةٍ، وخفَّة مع هواه، وطيشٍ، وحدَّةٍ، وجشعٍ، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخةً له، فلو تحرَّز منها غاية التحرُّز؛ فضحته ولا بدَّ يومًا ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها" (١).
ومن المعاصرين: الشيخ محمد الخضر حسين؛ يُعيد الصياغة، ويسهِّل العبارة؛ فيقول: "إنَّ الصبي يولد على الفطرة الخالصة، والطبع البسيط، فإذا قُوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق؛ انتقشت صورته في لوحها، ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئًا فشيئًا إلى أن تأخذ بجميع أطراف النفس، وتصير كيفية راسخة فيها، حائلةً لها عن الانفعال بضدها.
يؤيِّد هذا أنَّا إذا رأينا من الغرباء من هو لطيف الخطاب، جميل اللقاء، مهذب الألمعية، لا نرتاب في دعوى أنه ممن أنبته الله في البيوت الفاضلة نباتًا حسنًا" (٢).
وقد راعى الصحب والآل في هذا النوع من التربية بعض الأسس
стр. 115
الأخلاقية المتَّفق عليها، والتي يمكن تلخيص أهمِّها، وذكر بعض الصور المأثورة عنهم فيها؛ فيما يلي:
- أولًا: خُلُق التأدُّب مع الكبار:
توقير الكبير، لا سيَّما إن كان من أهل الفضل، أو العلم، من الأسس الأخلاقية الراقية، التي لا يختلف عليها العقلاء والمربون، ولهذا راعاها الصحب والآل مع صغارهم، خاصَّةً إذا ما جمعهم مجلسٌ واحدٌ، ولم يكن لقاءً عابرًا.
ولعلَّ أولى من يُقدَّم في الاحترام من الكبار: الوالدين.
ومع النصوص المتكاثرة في الحثِّ على البر، والترهيب من العقوق؛ إلا أننا نستل موقفًا واحدًا من تأديب الصحب للصغار في التعامل مع آبائهم، وقع على يد أبي هريرة ﵁.
يقول أبو غسان الضبي: خرجت أمشي مع أبي بظهر الحرة، فلقيني أبو هريرة، فقال لي: من هذا؟ قلت: أبي، فقال: لا تمش بين يدي أبيك، ولكن امش خلفه، أو إلى جنبه، ولا تَدَعْ أحدًا يحول بينك وبينه، ولا تمش فوق إجار أبوك تحته، ولا تأكل عرقًا قد نظر أبوك إليه، لعله قد اشتهاه" (١).
стр. 116
ويزداد الاحترام وجوبًا، والتوقير تأكيدًا إذا جُمع مع الأبوَّة: العلمُ والفضلُ.
هذا عبدالله بن عمر ﵁، يشهد مع صغر سنه مجلسًا لرسول الله ﷺ ، فيسمعه يُلقي على الحاضرين سؤالًا، وبدأ بعض الصحابة في الإجابة، وأحجم آخرون، ووقع في نفس ابن عمر جوابٌ حسنٌ للسؤال، بل قد علم لاحقًا -لما حسم النبي ﷺ نزاعهم بجوابه- أنه الجواب الصحيح، لكنَّ ابن عمر احتفظ بالجواب لنفسه، ولم يتفوَّه به؛ فلماذا؟!
لما أخبر والده بعد انفضاض المجلس؛ سأله عمر: ما منعك أن تكلم؟ فقال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا (١).
لقد تعلَّم ابن عمر، ولسنا في حاجة إلى أن نسمي من علَّمه، أنَّ للكبار مكانتهم، فإذا سكتوا؛ كان من هو دونهم أولى بالسكوت، لكنَّ أباه عمر يعدَّل شيئًا من ذلك الأدب، ويُضيف إليه ما يُعزز ثقة الصغير
стр. 117
بنفسه، مُبيِّنًا له أن ذلك لا يتنافى مع احترام الكبير؛ وهو: جواز الإجابة والرد باحترامٍ وأدب.
قال ابنُ القيِّم مُعلِّقًا على هذا الموقف: "وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء، من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم.
وفيه: أنه لا يُكرَه للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدب عليه" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه؛ وإن ظنَّ أنه الصواب".
وقال: "وفيه استحباب الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت" (٢).
وللعلماء بشكلٍ خاصٍّ توقيرٌ واحترامٌ عند الصحب والآل، إذ لهم نوع من الأبوَّة الدينية، وهذه الأبوة محل تقدير وثناء عند السلف، كما قال النووي عنهم:" إنهم كالوالدين لنا، وأجدى علينا فى مصالح آخرتنا التى هى دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا" (٣).
ومن نماذج هذه التربية على توقير أهل العلم والتأدُّب معهم: ما
стр. 118
ذكره الليث بن سعد؛ عن مجلس سعيد بن المسيب، وعادة الصغار فيه.
يقول الليث: "كان سعيد بن المسيب يركع ركعتين، ثم يجلس، فيجتمع إليه أبناء أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فلا يجترئ أحد منهم أن يسأله شيئًا؛ إلا أن يبتدئهم بحديث، أو يجيئه سائل فيسأل فيسمعون" (١).
وفي نفس الباب أيضًا: وصيَّة الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ لابنه: «يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا، وإن طال حتى يمسك» (٢).
- ثانيًا: خُلُق الصدق، والبعد عن الكذب:
هذا أصلٌ هامٌّ من أصول الأخلاق الإسلامية، والتي تحتاج إلى جهد لتركيزها وتثبيتها، ومن أهم وسائله المستخدمة: أن يتحلَّى الوالدان والمربُّون به في تعاملهم مع صغارهم، فتفعل فيهم القدوة والمثال، ما لا تفعله الأوامر والنواهي والأقوال.
стр. 119
أحد أوعية العلم من الصحابة، وهو: عبدالله بن مسعود ﵁، ينصح من حوله من الآباء والمربين ذات يومٍ، منبِّهًا إياهم على ذلك الخُلُق، محذِّرًا من التلاعب بمشاعر الصغار، بدعوى أنهم لا يفهمون، ولو بإخلاف وعد؛ فيقول لهم:
«إياكم والروايا، روايا الكذب، فإنَّ الكذب لا يصلح بالجد والهزل، ولا يَعِد أحدكم صبيَّه ثم لا ينجز له» (١).
وهذا ما كان الصَّحْب الكرام يطبقونه في تعامله مع صغارهم، ألا يعدوهم إلا بما يستطيعون الوفاء به.
ها هي امرأة يزورها النبي ﷺ في بيتها ذات يوم، فتتلمس البركة والدعاء لصغيرها الذي خرج يلعب كعادة أقرانه، فتناديه، وحضًّا له على الإسراع تعده أنه إذا أتى أعطته عطيَّة، إنه عبدالله بن عامر ﵁، قالت له أمُّه: «يا عبدالله! ها، تعال أعطِكْ».
فسمع النبي ﷺ عبارتها فقال لها: «وما أردتِ أن تعطيه؟»
قالت: «أعطيه تمرًا».
стр. 120
فقال لها رسول الله ﷺ : «أما إنك لو لم تعطه شيئًا؛ كُتبتْ عليك كذبة» (١).
فتأمَّل وعد المرأة بما تستطيع أن تفي به، ومراقبة الصغير للموقف كله، وانتفاعه به بعد بلوغه وكبره، فيطبقه، ويحدِّث به مَنْ بعده.
يقول السندي: "قوله: «لو لم تفعلي»، أي: لو لم تعطي شيئًا، فيدل الحديث على أن من لم يف بالوعد فهو كاذب، وعلى أنَّ الوعد بالصغير كالوعد بالكبير" (٢).
لكن ثمَّ أسلوبٌ آخر من ترسيخ هذا الخلق، خلق الصدق وذم الكذب، كانوا يستخدمونه مع صغارهم؛ وهو: الحثُّ عليه، والترهيب من ضده، وأنه ضارٌّ بصاحبه، دينًا ودنيا.
هذا أحد آل البيت الكرام، وهو عمُّ النبي ﷺ ، إنه العباس بن
стр. 121
عبدالملطلب ﵁، كان يرى احتفاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بابنه عبدالله بن عباس ﵃، فأراد له أن تدوم هذه المنزلة عنده، فنصحه وقدَّم بين يدي النصيحة بسببها، وعاقبتها؛ فقال له يومًا: «يا بني! إني أرى أمير المؤمنين يقربك، ويخلو بك، ويستشيرك مع ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاحفظ عني ثلاثًا»، ثم أوصاه بثلاث؛ كان منها: «ولا يجرِّبن عليك كذبة».
حدَّث ابن عباس لاحقًا أصحابه من التابعين بهذه الوصية، فاستملحها عامر الشعبي؛ فقال لابن عباس: يا أبا عباس! كل واحدة خير من ألف.
قال ابن عباس: «نعم، ومن عشرة آلاف» (١).
- ثالثًا: خُلُق حفظ الأسرار:
عادة ما ينشأ الصغير الذي تعوَّد على كتم الأسرار قويَّ الإرادة، رابط الجأش، ضابط اللسان، وبهذا تنشأ الثقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، بحفظ أسرار بعضهم البعض (٢).
ولأهمية هذا الخُلُق: فقد اعتنى الصحب والآل بتربية صغارهم
стр. 122
عليه، وحثهم على التمسك به، حتى لو كان ذلك بكتم السر عنهم هم أنفسهم.
لأنه كان خادمه، ويقضي له كثيرًا من حوائجه، ويرسله في طلبات له ولآل بيته، اطَّلع أنس بن مالك ﵁ الصبي الصغير على بعض أسراره ﷺ ، لكن إلى أي مدى يكتم أنس هذه الأسرار؟ وحتى متى لا يُحدِّث بها؟ لِنَدع الجواب لأنس نفسه:
يقول: خدمت رسول الله ﷺ يومًا، حتى إذا رأيت أني قد فرغت من خدمته، قلت: يقيل رسول الله ﷺ ، فخرجت متوجها إلى أهلي، فمررت بغلمان يلعبون، فأعجبني لعبهم، فقمت على الغلمان، فانتهى إليَّ رسول الله ﷺ وأنا قائم على الغلمان، فسلَّم على الغلمان، ثم أرسلني رسول الله ﷺ في حاجة له. وجلس رسول الله ﷺ ، في فيء حتى أتيته، فرجعت إلى أهلي بعد الساعة التي كنت أرجع إليهم فيها، فقالت لي أمي: ما حبسك اليوم يا بني؟
فقلت: «أرسلني رسول الله ﷺ في حاجة له».
فقالت: أي حاجة يا بني؟
فقلت: «يا أمَّاه! إنها سِرٌّ».
فقالت: يا بني! احفظ على رسول الله ﷺ سِرَّه.
أنْعِم بأمِّ سليم من أُمٍّ تربي صغيرها على حفظ السر، حتى عن نفسها،
стр. 123
فعلمنا بهذا إلى أي مدى حفظ الصبي السر، لكن حتى متى؟ أيفشيه بعد وفاة صاحب السر؟ أم بعد وفاة أمه؟
لقد سمع ثابت البُناني تلميذ أنس بن مالك هذا الحديث منه، فانتابه الفضول لمعرفة هذا الذي كتمه عن أمه؛ فقال له: يا أبا حمزة، أتحفظ تلك الحاجة اليوم أو تذكرها؟
قال أنس: «إي والله، وإني لأذكرها، ولو كنت محدِّثًا بها أحدًا من الناس لحدثتك بها يا ثابت» (١)! فانقطع الأمل عن ثابت أن يعرف هذا السرَّ، الذي دُفن مع أنس يوم مات!
يقول الحافظ ابن حجر: "قال بعض العلماء: كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي ﷺ ، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه" (٢).
لم يربِّ الصحب والآل صغارهم على حفظ سر رسول الله ﷺ وحده، وإنما كان ذلك على حفظ السرِّ عمومًا، مع كل من يختصهم به، ويعلمونهم بأثر هذا في الدنيا قبل الآخرة.
في وصية العباس بن عبدالمطلب ﵁ لابنه عبدالله، التي سقنا طرفًا منها منذ قليل، بعد أن ذكَّره بنعمة الله عليه، أن فتح له قلب أمير المؤمنين عمر، فصار الأخير يدنيه ويقربه، وينزله منزلة ليست لغيره؛
стр. 124
قال له: «فاحفظ عني ثلاثًا»، ثم أوصاه بثلاث؛ كان أولها: «اتق الله، ولا تفشينَّ له سرًّا» (١).
- رابعًا: خُلُق الرحمة، ومراعاة مشاعر الآخرين:
ليس كل الصغار رأوا آباءهم أحياء! ليس كل الصغار يجدون الكساء والعشاء!
هذه المعاني لا يدركها الصغار الذين لم يُحرموها بأنفسهم؛ إلا أن يعلمهم إياها آباؤهم، فيراعون مشاعر هؤلاء المحرومين، بالامتناع عن إظهار ما لديهم تارة، وبالإحسان والجود مرة أخرى.
يقول عمرو بن قيس الملائي (ت: ١٤٦ هـ) حاكيًا عن هذا النوع من التربية عند الصحابة والسَّلف: "كانوا يكرهون أن يعطي الرجل صبيه شيئًا، فيخرج به، فيراه المسكين فيبكي على أهله، ويراه اليتيم فيبكي على أهله" (٢).
بل إن بعضهم كان يذهب لأبعد من ذلك، فيمنع صغاره من أن يختطفوا شيئًا نُثر لهم جميعًا، حتى لا يجد بعضهم في نفسه على بعض، ويشتري لهم ما أرادوا، طالما يملك الاستطاعة على ذلك، ومن هؤلاء: أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁.
стр. 125
يقول مولاه وخادمه خالد بن سعد: «كان أبو مسعود إذا نُثِرَ -أي: السكر، وما يُشابهه من الحلوى- على الصبيان (١) منع صبيانه، واشترى لهم» (٢).
وهذه الرحمة والعاطفة لا يتوقَّف حدُّها على البشر فقط، بل تمتد لتشمل الطيور والحيوانات أيضًا، فلا تُروَّع، ولا تؤذى بغير وجه حق، خاصَّة إذا كانت في الحرم.
يخرج جعفر الصادق في صغره إلى بعض طرقات المدينة، فيمسك عصفورًا، ويلعب به كعادة الأطفال، وفي محاولة منه للهو: جعل ينتف صدغي العصفور!
رآه زين العابدين علي بن الحسين وهو على تلك الحالة، فأحب أن يُلقنه الدرس عمليًّا حتى لا ينساه، فأخذ بصدغي جعفر فنتفه، ثم قال: «يوجعك؟» قال جعفر: نعم.
قال عليٌّ: «فإن هذا يوجعه كما يوجعك، خلِّ سبيله، هذا حرم رسول الله ﷺ » (٣).
стр. 126
ورآه مرةً أخرى وهو يصيد يَعْسُوبًا (١)؛ فقال له: «خلِّ سبيله، هذا ينفع ولا يضر، يأكل الذِّبَّان (٢) والبَقّ (٣)» (٤).
- خامسًا: خُلُق الأمانة، وعدم التعدي على حقوق الناس:
لما علَّم النبي ﷺ رافعًا الغلام الصغير أن له من النخل ما سقط منه، وليس ما أسقط هو بيده؛ علَّم ذلك الصحابةُ صغارَهم، فنما هذا الخُلُق فيهم، بل وكان الكبار يكافؤونهم عليه.
في زمن عمر بن الخطَّاب ﵁ يخرج بعض الغلمان ليتلقطوا هذا البلح الذي يُقال له: الخلال، فخرج عليهم عمر، فلما رآهم ظن أنهم يُسقطونه من النخل، فشدَّ عليهم، وفرَّ الغلمان، وبقي واحدٌ منهم لم يفرَّ، ووقف ليواجه عمر، ويدافع عن نفسه!
إنه: سنان بن سلمة.
قال له: «يا أمير المؤمنين! إنما هو مما ألقت الريح».
فقال عمر: «فأرني أنظر، فإنه لا يخفى عليَّ».
стр. 127
فلمَّا رآه عمر؛ قال له: «صدقتَ، انطلق».
هنا طلب سنانٌ من عمر طلبًا عجيبًا، ندر أن يطلبه من هو مثله، ممن هو مثل عمر؛ قال له: «ترى هؤلاء الصبيان؟ ولَّوْا، ولو انطلقتَ وتواريتَ أخذوا ما معي»!
لم يطلب سنانٌ ما يريد صراحةً، لكنه عرَّض بطلب التأمين من عمر له من هؤلاء الغلمان، فكافأه عمر على أمانته، وشجاعته وصدقه، فانطلق معه حتى بلَّغه أُمَّه ومأمنه (١)!
وهذا أحد أفاضل آل البيت، وأئمتهم وعلمائهم، ينصح ابنه ذات يومٍ بعدم التعرُّض لحقوق الغير، وأن يصبر على ما يصيبه من نوائب؛ إنه: زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يقول لابنه: «يا بني اصبر على النوائب، ولا تتعرض للحقوق, ولا تُجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته له» (٢).
- سادسًا: الخصال والأخلاق الحسنة بصفة عامة:
لم يَدَعْ الصحبُ والآلُ خصلة من خصال الخير، وخُلُقًا مما يُمدح
стр. 128
به صاحب، يستطيعون الوصاية به؛ إلا فعلوا، وما قدَّمناه كان عيِّنة ومثالًا على ذلك، لكن ثمَّ صفات وأخلاقٌ أخرى نصحوا بها؛ فيما يلي سردها، مع الإشارة إلى شيء من مواقفهم حولها:
١ - النهي عن الغيبة:
في الوصية الثلاثية الذهبية من العباس بن عبدالمطلب ﵁ لابنه عبدالله، حتى يدوم الودُّ الذي عند عمر بن الخطاب له؛ قال العباس له: «ولا تغتابنَّ عنده أحدًا» (١).
٢ - الحثُّ على الاستزادة من العلم قبل التصدُّر:
كان أئمة آل البيت يدركون أن الناس سيصدرونهم رغمًا عنهم، لذا كان الكبير ينصح الصغير منهم بالتعلم، والجد فيه قبل أن يلجأ إليه الناس، فيسودوه، ويصدروا عن رأيه، وممن أُثر عنه هذه الوصية: الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁.
دعا الحسن ﵁ بنيه، وبني أخيه، فقال: «يا بني، وبني أخي، إنكم اليوم صغار قوم، يوشك أن تكونوا غدًا كبار آخرين، فتعلَّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه، وليضعه في بيته» (٢).
стр. 129
وقد انتبه الصغار تلك الوصية وانتفعوا بها، وهذا أحدهم يشهد له أقرانه بالهمة والجد، إنه: عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، يقول عنه الليث بن أبي سليم: «إن كنت لأغدو إلى عطاء؛ فأجد عبدالله بن الحسن قد سبقني إليه» (١)!
٣ - النهي عن الكسل والضجر:
بعض الصفات تكون لها تبعات سيئة، فالنهي عنها لأجل سدِّ باب الشر الذي يأتي من ورائها، ومن هذا الباب: النهي عن الكسل والضجر.
وهذا أحد أئمة آل البيت ينهى ابنه عن هاتين الخصلتين مبيِّنًا له أثرهما السيء؛ إنه أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، يقول لابنه يومًا:
«يا بني! إيَّاك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقَّا، وإن ضجرت لم تصبر على حق» (٢).
стр. 130
٤ - وصايا جامعة نافعة:
قد يجمع الوالد لابنه -أحيانًا- عِدَّة وصايا في مجلس واحد، وذلك يختلف باختلاف الصغار، وباختلاف الوصايا التي تحتاج إلى جمع وإلى تفريق. ومن هذه الوصايا الجامعة؛ ما عهد به جعفر بن محمد الصادق إلى ابنه موسى الكاظم.
يقول بعض أصحاب جعفر الصادق: دخلت على جعفر وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال: «يا بني! اقبل وصيتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدًا وتمت حميدًا.
يا بني! من رضي بما قسم له استغنى، ومن مدَّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه.
ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه.
يا بني! من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتُّهم.
стр. 131
يا بني! إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك.
يا بني! قل الحق لك أو عليك تستشان بين أقرانك.
يا بني! كن لكتاب الله تاليًا، وللسلام فاشيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، ولمن قطعك واصلًا، ولمن سكت عنك مبتدئًا، ولمن سألك معطيًا، وإياك والنميمة؛ فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة التعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف.
يا بني! إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه؛ فإن للجود معادن، وللمعادن أصولًا، وللأصول فروعًا، وللفروع ثمرًا، ولا يطيب ثمر إلا بأصول، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب.
يا بني إن زرت فزر الأخيار، ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها».
قال علي بن موسى: فما ترك هذه الوصية إلى أن توفي (١)!
стр. 132
الفصل الرابع
التربية الاجتماعية
стр. 133
قَبَسٌ نَبَويّ
لم يكن النبيُّ ﷺ مغلقًا مجلسه، أو قاصرًا تفاعله ومشاعره على الكبار فقط، بل كان للصغار والأطفال من ذلك نصيبٌ وافر، وحظٌّ حاضر، سواء ظهر ذلك بقوله، أو بفعله، أو بإقراره لفعل أصحابه وآله من حوله.
يُعلِّم أصحابه أن الرفق بالصغير، والشفقة عليه خصلة للمسلم لا تنفكُّ عنه؛ فيقول: «ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا» (١).
وكان يُؤتَى بالصغار إلى مجلسه، متفاوتة أعمارهم، مختلفةً اهتماماتهم وتصرفاتهم، فيتحمَّل ﷺ ما يصدر منهم، ولا تصدُّه هذه التصرفات عن استقبالهم، أو الإفساح لهم في مجالسه، لتخرج تربيتهم وتنشئتهم في محيط اجتماعي مخالطٍ لهم، غير منعزل عنهم.
يُؤتَى ﵊ بصبيٍّ صغير لم يأكل الطعام، فيجلسه في حجره، والصبي لا يدري شرف من يحمله، ولا قدر من يتعامل معه؛ فبحركة لا شعورية، وطبيعة لا إرادية، يبول الصبي في حجره الشريف ﷺ ، فيا لحَرَج أمِّه!
стр. 134
إلا أنه ﷺ لا يبدي ضَجَرًا، ولا يُظهِر تأفُّفًا؛ فضلًا عن أن يعاتب أو يلوم، بل في تواضعٍ ولينٍ «يدعو بماء، فينضح مكان بول الصبي، ولا يغسله» (١)!
وفي مجلس آخر من مجالسه ﷺ مع أصحابه، يُؤتَى بثيابٍ فيها خميصة سوداء صغيرة، فيقول: «من ترون أن نكسو هذه؟» فسكت القوم، وترقبوا من سيدعو؟ هل سيدعو أحد أقاربه، وينحله هذه الخميصة لابنته؟ أو يلبسها هو لإحدى بناته؟
لا، لم يفعل، وإنما فاجأهم بقوله:
«ائتوني بأمِّ خالد».
وقد كان بإمكانه ﷺ أن يعطيها والدَها خالد بن سعيد ﵁ ليكسوَها إيَّاها، لكنه طلب إحضارها في مجلسه، فأُتي بها تُحمَل، وانتظر الجميع أن تنال الصغيرة شرف تسليم النبي ﷺ لها الخميصة بيده، وأن تنال ابتسامة ونظرة ودعوة منه، لكنَّ كرمَه النبوي كان فوق ما ينتظرون، وعطاءَه فوق ما يطمحون!
لقد فاجأهم أخرى فأخذ الخميصة بيده، فألبسها لأم خالد، وقال: «أَبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي»، وكان فيها علم أخضر أو أصفر، فقال: «يا أمَّ خالد، هذا سناه، هذا سناه» -وسناه
стр. 135
بالحبشية: حسن-
أحضرها، وبيده الشريفة ألبسها، وبكلامه ودعائه جمَّلها ورفع ذكرها، فطمحت الصغيرة -وحُقَّ لها- فيما هو أكثر، فقامت تدور حوله، ورأت خاتم النبوة، فأطلقت ليدها العنان، لتتحسَّس هذا الذي لم تعهده على أحد، ولتلعب به كعادة الصغار.
أصاب الخجلُ خالدًا والدها، فذهب ينهرها ويزجرها، محاولًا أن يحفظ جانب نبيه الشريف عن عبث الصغيرة، وإن كانت ابنته، لكن مفاجآته لهم جميعًا هذا اليوم لم تنقضِ بعد؛ إذ ختمها بقوله لوالدها: «دعها» (١)!
لنا أن نتساءل: إلى أي مدى سيكون هذا الموقف مؤثِّرًا في نفس الصغيرة، فيجعلها تشب متكيِّفة مع هذه البيئة التي احتضنتها؟ بل كيف تأثيره في نفوس الحاضرين من أصحابه، الذين كانوا منذ سنوات قليلة يئدون بناتهم، وبعضهم لا يعبأ بالصغير أصلًا؟!
ومن هذا الحديث والذي قبله: أخذ العلماء فائدة في التعامل مع الصغار، لتُعمَّم بعد ذلك؛ فقال الحافظ ابن حجر:
"ويستفاد منه: الرفق بالأطفال، والصبر على ما يحدث منهم، وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم" (٢).
стр. 136
كذلك كان ﷺ إذا زار أحد أصحابه، ورأى طفله: خاطبه، وداعبه، وشاركه مشاعره، ولم يكن يهمله أو يتجاهله.
يقول أنس بن مالك، خادمه الصغير الذي خدمه عشر سنين، كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وإن كان ليخالطنا (١)، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه كان فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه، قال: «يا أبا عُمَيْر! ما فعل النُّغَيْر (٢)؟» قال: فكان يلعب به (٣).
وكان يرى أحفاده وآل بيته مع الصبيان يلعبون، فلا يُحجِّر عليهم، بل يمازحهم أمامهم، ليكون هذا ماثلًا في ذهن الآباء، فيحرصون على أن يُنشَّأَ صغارهم في جو جماعيٍّ بين الأطفال والصغار ممن هم في مثل عمرهم، غير منزوين أو منعزلين عنهم.
يخرج ﷺ مع أصحابه إلى طعام دُعُوا له، فإذا حسين يلعب مع الغلمان في الطريق، فاستمثل (٤) أمام القوم، ثم بسط يده وطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا، وجعل رسول الله ﷺ يضاحكه، حتى أخذه رسول الله ﷺ فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت قفاه، ثم أقنع رأسه (٥) رسول الله ﷺ فوضع فاه على فيه فقبله فقال: «حسين مني وأنا
стр. 137
من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط (١)» (٢).
هذا قبسٌ يسير من اهتمامه ﷺ بالتربية الاجتماعية للصغار، وسيأتي في تطبيقات آله وأصحابه ما يدل على المزيد مما عايشوه معه ﵊.
стр. 138
التربية الاجتماعية في تراث الآل والأصحاب
مرادنا هنا بالتربية الاجتماعية للصغير: أن يُنشَّأ تنشئة تُكيِّفه مع وسطه الاجتماعي، سواء مع الكبار، أو مع الأصدقاء ومن هم في سنه، وليكون فعَّالًا إيجابيًّا، بعيدًا عن الانطواء المزري، أو الخجل المقيت، يأخذ ويعطي، يبيع ويشتري، يخالط ويعاشر، وكل ذلك محاطٌ بغلاف من الأدب والاحترام.
ومن خلال التأمُّل والنظر في تعامل الصحب والآل مع صغارهم، نجد أنَّ هناك بعض الأساليب والوسائل التي استخدمها هؤلاء السَّلف في تربية صغارهم اجتماعيًّا؛ وهي:
- أوَّلًا: اصطحابهم إلى مجالس الكبار:
في أخذ الصغار واصطحابهم إلى مجالس الكبار تظهر نواقصهم، واحتياجاتهم التربوية، فيستطيع الوالد والمربي عند ذلك توجيه صغيره نحو الكمال، وتشجيعه على الجواب، خاصَّةً عندما يُطرحُ سؤال، فيتكلم بعد استئذان، وبأدب ووقار، فينمو عقله، وتتهذَّب نفسه، وينطلق لسانه، ويتعرَّف إلى أحاديث الكبار شيئًا فشيئًا، فيتهيأ لدخول المجتمع،
стр. 139
ويتدرج رويدًا رويدًا، بتدريب والده له. وما يُذكَر عن الصبي مع والده؛ يُذكَر عن البنت مع أمها (١).
هذا أحد الصحب الكرام، كانت له عادة في شهود مجلس رسول الله ﷺ ، وهي: أن يصحب ابنه الصغير معه، وكان هذا الابن يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، والنبي ﷺ لا ينهاه عن إحضار صغيره، ولا ينهى الصغير عن لعبه.
ومرت الأيام، وهلك الصبي، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه!
فقده النبي ﷺ فقال: «مالي لا أرى فلانا؟» قالوا: يا رسول الله، بنيه الذي رأيته هلك، فلم يعلِّق النبي ﷺ بشيء، وإنما انتظر حتى لقيه، فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزَّاه عليه، ثم قال: «يا فلان! أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك؟ أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟» قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي، قال: «فذاك لك» (٢).
ولم يكن هذا الصحابي الذي لم تذكر الرواية اسمه فريدًا بين إخوانه
стр. 140
في إحضار ولده معه لهذه المجالس النبوية الشريفة، بل كان هناك من هو أظهر اسمًا، وأرفع ذكرًا، يفعل فعله، لنعلم أنه أمرٌ لم يكن بعيدًا عن تربيتهم لصغارهم، هذا الرجل هو: عمر بن الخطاب ﵁.
اصطحب ولده الصغير عبدالله معه ذات يوم إلى المجلس النبوي، وبينما هم عند النبي ﷺ إذ أُتي بجُمَّار (١)، فقال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، مثلها كمثل المسلم، فحدثوني ماهي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فَسَكَتُّ، قال النبي ﷺ : «هي النخلة».
في طريق العودة: تحدث عبدالله الصغير مع والده عمر؛ فقصَّ عليه ما وقع في نفسه، فقال: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا (٢).
إن هذا المشهد ليعكس بوضوح أثر هذه المجالس على التربية
стр. 141
الاجتماعية للصغير، أبوه يُشهده مشاهد الخير والبركة مع الكبار، الصغير يتأدَّب في وجود الكبير فلا يتكلَّم، والوالد يشجِّع ولده على الجواب والكلام بأدب، طالما أنه يعرف الجواب الذي يظنه صحيحًا. فأنعم بها من تربية!
ويعظم الأثر والفائدة من حضور الصغير مثل هذه المجالس، إن كانت تلوح عليه مخايل النجابة، وآثار الفطنة، كما وقع مع عبدالله بن عباس ﵁.
يحكي عن نفسه فيقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال (١): لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من قد علمتم.
فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال عمر: «ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾»؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: «أكذاك تقول يا ابن عباس»؟ فقلت: «لا»، قال: «فما تقول»؟ قلت: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» (٢).
стр. 142
وثمَّ نفعٌ آخر خاصٌّ بالفتيات، أشار إليه بعض الصحابة، من وراء هذه الاجتماعيات للصغار، وهو في قول عمر بن الخطَّاب ﵁: ««أبرزوا الجارية التي لم تبلغ؛ لعل بني عمها أن يرغبوا فيها» (١).
وبوَّب عبدالرزاق في «مصنَّفه» على هذا بقوله: "باب إبراز الجواري، والنظر عند النكاح" (٢).
ومن هذا الباب أيضًا: أن أبا ظبيان حصين بن جندب أرسل ذات يوم امرأة إلى أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، واصطحبت المرأة معها جاريةً لها جُمَّة، فلما رأتها عائشة قالت:
«لو استترت هذه كان أخير».
فقالت المرأة لها: إنها لم تحض، ولا بدا بعد الحيض (٣).
فنفت المرأة عن الجارية ما كانت تظنه فيها أمُّ المؤمنين من البلوغ، وإلا فعائشة لا تلزمها بشيء قبل ذلك، ويدل على هذا قولها: «إذا احتلمت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها» يعني من التستر (٤).
стр. 143
وما ورد في هذا الباب يدل على أن إبراز الصغيرات دون البلوغ كان شيئًا مباحًا عندهم.
وبهذه الطريقة يعرف الناس أنَّ فلانًا لديه بنت للزواج، وهم يعرفونها في صغرها، فيرغب أحدهم في تزويجها لولده، أو أن الصبي نفسه وقعت تلك الفتاة في نفسه، فيجهز نفسه في الكبر لزواجه منها، وقد يكون هذا من أبواب تقليل مفاسد الرؤية الكاسرة لقلوب الفتيات.
- ثانيًا: تعويدهم سنة السلام:
السلام هو التحية الإسلامية بين المسلمين، والصغير يتعرض للقاء الناس على اختلاف مستوياتهم، فهو يحتاج ليتعرف على مفتاح الكلام والتواصل معهم. وهذا من التنشئة الاجتماعية السوية الصحيحة، لينتشر الود والمحبة بين الناس، كبيرهم وصغيرهم، فلا يكون الصغير انطوائيًا أو منعزلًا عنهم، يرى الكبيرَ يُسلِّم عليه، فيتعلَّم سنة السلام، فيشب عليها ويطبقها.
وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله: "باب التسليم على الصبيان" (١).
هذا أنس بن مالك ﵁ الخادم الصغير لرسول الله ﷺ ، كان يمشي
стр. 144
معه فرآه يقابل الصبيان في الطرقات فيُسلِّم عليهم.
رسخ الموقف في ذهن أنس، فشبَّ والمشهد في رأسه لا يشيب ولا يغيب، فبينما هو يمشي مع تلميذه ثابت البناني يومًا إذ لقي صبيانًا في طريقه، فاسحضر مشهد رسوله ﷺ فجاءت استجابته فورية؛ فإذا به يلقي السلام على الصبيان!
ثم يلتفت إلى ثابت ويقول له: «كان النبي ﷺ يفعله» (١).
يقول ابن بطَّال: "فيه -أي: في هذا الفعل- تدريبٌ للصغار على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام" (٢).
- ثالثًا: عيادتهم في المرض:
مما يُساعد على بناء الروابط الاجتماعية للأطفال: عيادتهم إذا مرضوا، فعندما يرى الطفل، وهو لا يزال في مرحلة الفطرة والصفاء، أن الرجال الكبار يأتونه؛ فيزداد ترابطًا معهم، واحترامًا لهم، ويتعوَّد هذه العادة الحسنة، كما أنها تُخفِّف من آلامه وأسقامه، وإذا ما دُعِمت بالدعاء له، وتوصيته بوصايا الخير والصبر؛ فإنها تؤتي أكلها كاملة مثمرة بإذن الله (٣).
стр. 145
وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله: "باب عيادة الصبيان" (١).
هذه امرأة من آل بيته ﷺ ، بل هي من بنات صاحب البيت، إنها زينب ﵍ (٢)، تمرض ابنتها (٣) مرضًا شديدًا يشفي بها على الموت، فتتلمس لها الزيارة، طمعًا في دعوة صالحة، تُشفَى بها البنت، أو تُخفَّف عنها بها آلام وسكرات الموت، إن حضر الأجل، فلم تجد خيرًا من أبيها لترسل إليه.
تحرَّك النبي ﷺ إليها، لكنه لم يذهب وحده، بل معه عددٌ من الصحابة: سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵁، وغيرهم، فحضروا الزيارة (٤)، ونفع الله بدعاء نبيِّه الصبية، وكُتبت لها الحياة (٥)!
فكيف أثَّر في نفسها بعد ذلك هذا المشهد من زيارة جدِّها وأصحابه لها؟
وهذا أبو موسى الأشعري ﵁ يسمع بمرض ابن أخيه الحسن بن