← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 598

آداب التربية في تراث الآل والأصحاب

أحمد الجابري

Полный текст (200 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الاجتماعية للصغير، أبوه يُشهده مشاهد الخير والبركة مع الكبار، الصغير يتأدَّب في وجود الكبير فلا يتكلَّم، والوالد يشجِّع ولده على الجواب والكلام بأدب، طالما أنه يعرف الجواب الذي يظنه صحيحًا. فأنعم بها من تربية! ويعظم الأثر والفائدة من حضور الصغير مثل هذه المجالس، إن كانت تلوح عليه مخايل النجابة، وآثار الفطنة، كما وقع مع عبدالله بن عباس ﵁. يحكي عن نفسه فيقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال (١): لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من قد علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال عمر: «ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾»؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: «أكذاك تقول يا ابن عباس»؟ فقلت: «لا»، قال: «فما تقول»؟ قلت: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» (٢).

стр. 142

وثمَّ نفعٌ آخر خاصٌّ بالفتيات، أشار إليه بعض الصحابة، من وراء هذه الاجتماعيات للصغار، وهو في قول عمر بن الخطَّاب ﵁: ««أبرزوا الجارية التي لم تبلغ؛ لعل بني عمها أن يرغبوا فيها» (١). وبوَّب عبدالرزاق في «مصنَّفه» على هذا بقوله: "باب إبراز الجواري، والنظر عند النكاح" (٢). ومن هذا الباب أيضًا: أن أبا ظبيان حصين بن جندب أرسل ذات يوم امرأة إلى أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، واصطحبت المرأة معها جاريةً لها جُمَّة، فلما رأتها عائشة قالت: «لو استترت هذه كان أخير». فقالت المرأة لها: إنها لم تحض، ولا بدا بعد الحيض (٣). فنفت المرأة عن الجارية ما كانت تظنه فيها أمُّ المؤمنين من البلوغ، وإلا فعائشة لا تلزمها بشيء قبل ذلك، ويدل على هذا قولها: «إذا احتلمت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها» يعني من التستر (٤).

стр. 143

وما ورد في هذا الباب يدل على أن إبراز الصغيرات دون البلوغ كان شيئًا مباحًا عندهم. وبهذه الطريقة يعرف الناس أنَّ فلانًا لديه بنت للزواج، وهم يعرفونها في صغرها، فيرغب أحدهم في تزويجها لولده، أو أن الصبي نفسه وقعت تلك الفتاة في نفسه، فيجهز نفسه في الكبر لزواجه منها، وقد يكون هذا من أبواب تقليل مفاسد الرؤية الكاسرة لقلوب الفتيات. - ثانيًا: تعويدهم سنة السلام: السلام هو التحية الإسلامية بين المسلمين، والصغير يتعرض للقاء الناس على اختلاف مستوياتهم، فهو يحتاج ليتعرف على مفتاح الكلام والتواصل معهم. وهذا من التنشئة الاجتماعية السوية الصحيحة، لينتشر الود والمحبة بين الناس، كبيرهم وصغيرهم، فلا يكون الصغير انطوائيًا أو منعزلًا عنهم، يرى الكبيرَ يُسلِّم عليه، فيتعلَّم سنة السلام، فيشب عليها ويطبقها. وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله: "باب التسليم على الصبيان" (١). هذا أنس بن مالك ﵁ الخادم الصغير لرسول الله ﷺ ، كان يمشي

стр. 144

معه فرآه يقابل الصبيان في الطرقات فيُسلِّم عليهم. رسخ الموقف في ذهن أنس، فشبَّ والمشهد في رأسه لا يشيب ولا يغيب، فبينما هو يمشي مع تلميذه ثابت البناني يومًا إذ لقي صبيانًا في طريقه، فاسحضر مشهد رسوله ﷺ فجاءت استجابته فورية؛ فإذا به يلقي السلام على الصبيان! ثم يلتفت إلى ثابت ويقول له: «كان النبي ﷺ يفعله» (١). يقول ابن بطَّال: "فيه -أي: في هذا الفعل- تدريبٌ للصغار على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام" (٢). - ثالثًا: عيادتهم في المرض: مما يُساعد على بناء الروابط الاجتماعية للأطفال: عيادتهم إذا مرضوا، فعندما يرى الطفل، وهو لا يزال في مرحلة الفطرة والصفاء، أن الرجال الكبار يأتونه؛ فيزداد ترابطًا معهم، واحترامًا لهم، ويتعوَّد هذه العادة الحسنة، كما أنها تُخفِّف من آلامه وأسقامه، وإذا ما دُعِمت بالدعاء له، وتوصيته بوصايا الخير والصبر؛ فإنها تؤتي أكلها كاملة مثمرة بإذن الله (٣).

стр. 145

وقد بوَّب البخاري لهذا في «صحيحه» بقوله: "باب عيادة الصبيان" (١). هذه امرأة من آل بيته ﷺ ، بل هي من بنات صاحب البيت، إنها زينب ﵍ (٢)، تمرض ابنتها (٣) مرضًا شديدًا يشفي بها على الموت، فتتلمس لها الزيارة، طمعًا في دعوة صالحة، تُشفَى بها البنت، أو تُخفَّف عنها بها آلام وسكرات الموت، إن حضر الأجل، فلم تجد خيرًا من أبيها لترسل إليه. تحرَّك النبي ﷺ إليها، لكنه لم يذهب وحده، بل معه عددٌ من الصحابة: سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵁، وغيرهم، فحضروا الزيارة (٤)، ونفع الله بدعاء نبيِّه الصبية، وكُتبت لها الحياة (٥)! فكيف أثَّر في نفسها بعد ذلك هذا المشهد من زيارة جدِّها وأصحابه لها؟ وهذا أبو موسى الأشعري ﵁ يسمع بمرض ابن أخيه الحسن بن

стр. 146

علي بن أبي طالب؛ فيذهب لزيارته، وهو الأكبر سنًّا، فيدخل عليٌّ عليه فيجده عنده، فيسأله عن سبب هذه الزيارة، قائلًا له: «ما غدا بك أيها الشيخ؟» فيجيبه أبو موسى: «سمعت بوجع ابن أخي، فأحببت أن أعوده» (١). - رابعًا: اصطحابهم للحفلات المشروعة والأعراس: من خصائص مرحلة الطفولة أن يكثر بها الفرح والمرح واللعب، ومن المناسبات التي تكون مظنة لمثل هذا: الأفراح، والمناسبات السعيدة، والدعوة إليها إنما تُوجَّه في الأصل للكبار، فإذا ما صحب الكبار صغارهم إليها؛ فهذا سببٌ لإدخال السرور عليهم، فتبتهج نفوسهم، وتتحرك مشاعرهم، وتُصقَل اجتماعيتهم، وتُوطَّد العلاقات بينهم وبين أبناء سنهم، ومن هم أكبر منهم. وقد كان لهذا العامل نصيبٌ وافرٌ في تربية الصحابة صغارهم. وقد بوَّب البخاريُ في «صحيحه» لهذا بقوله: "باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس" (٢).

стр. 147

هؤلاء نسوة من الصحابيات، دُعين إلى عرس، فاصطحبن صغارهن معهن، وفي طريق العودة الصغار فرحين مسرورين؛ فإذا بالنبي ﷺ يراهم فيقوم إليهم، وأنس بن مالك ﵁ معه، يراقب تعليقه ﵊ على هذا الفعل، فإذا به تعليق المقرِّ، الراضي بصنيعهن، بل إنه ﷺ تفاعل مع فرحتهن، فصرح لهم جميعًا بمكنون قلبه؛ فقال لهم: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي» (١). فيا لفرحة الصبيان المتضاعفة بعد هذه الكلمة. - خامسًا: منحهم الحرية في اختيار أصدقائهم: من السنن الاجتماعية الثابتة بين الناس: الصحبة والصداقة، فمن طبيعة النفس البشرية أن تُخالط الناس، وتتعرف عليهم، وتتخذ من بينهم ثلة، تقترب منهم، وتعيش معهم حياة الأخوة والصحبة والمحبة. فإذا كان الصبي لن يعيش وحده، ويحتاج إلى أخوَّة وصداقة؛ فمن الجيد والمفيد أن يساعده والداه في اختيار هؤلاء الأصدقاء، وأن يشيرا عليه، لا أن يعنفاه، ويبعدانه عن أبناء سنه؛ فمثل هذا ينشئه منعزلا منطويًا. مر معنا فيما مضى مرور أنس بن مالك ﵁ على الصبيان وتسليمه

стр. 148

عليهم (١)، وحكى أن مثل هذا وقع من رسول الله ﷺ ، والذي يستوقفنا في هذا المشهد الآن: كيف أن الآباء يتركون صغارهم على حريتهم، ليلهوا ويلعبوا مع أقرانهم، دون تضييق عليهم! وكيف أن أنسًا -وغيره من الصحابة- يمر على الصبيان على حالتهم؛ فلا يفزعهم، ولا يخرجهم عن حالتهم من اللهو واللعب! وقد يتدخل الوالد في ذلك بشيء من التوجيه والنصح، حرصًا على ابنه، كما نصح زين العابدين الحسين بن علي، ابنه أبا جعفر الباقر محمد بن علي، الذي نقل نصيحته بعد ذلك؛ فقال: قال لي أبي يومًا: «لا تصحبن خمسة، ولا تحادثهم، ولا ترافقهم في طريق». قلتُ: جعلت فداك يا أبه، من هؤلاء الخمسة؟ قال: «لا تصحبن فاسقا، فإنه بايعك بأكلة فما دونها» قلتُ: يا أبه! وما دونها؟ قال: «يطمع فيها ثم لا ينالها». قلتُ: يا أبه! ومن الثاني؟ قال: «لا تصحبن البخيل؛ فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه».

стр. 149

قلتُ: يا أبه! ومن الثالث؟ قال: «لا تصحبن كذابا، فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب، ويقرب منك البعيد». قلتُ: يا أبه! ومن الرابع؟ قال: «لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك». قلتُ: يا أبه! ومن الخامس؟ قال: «لا تصحبن قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع» (١). - سادسًا: حرصهم على تكنيتهم من الصغر حتى لا يُساء إليهم بلقب: الأسماء والألقاب هي علامة على الرجل في قومه ومجتمعه، وغالبًا ما ينشأ الصغير عليها، فتلازمه بعد ذلك في حياته كظله، ومن هنا كان من عادة العرب أن يُسرعوا بتكنية أولادهم وهم صغار قبل البلوغ

стр. 150

والزواج، خوفًا من أن يلصق بهم لقب من الألقاب قد يسيء إليهم. ولذلك كان عبدالله بن عمر ﵁ يوصي الآباء بقوله: «بادروا أولادكم بالكنى، قبل أن تغلب عليهم الألقاب» (١). وهذا أحد الأئمة من آل البيت، يسير على هذا الهدي، فيكني أولاده، ويوصي أصحابه بأن يكتنوا؛ إنه: أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين: يقول معمر بن خثيم: قال لي أبو جعفر: «بمن تُكنَّى؟» قلتُ: ما اكتنيت، وما لي من ولد. قال: «وما يمنعك من ذلك؟! إنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق به، أنا أكنيك»، قلت: بلى، قال: «أنت أبو محمد» (٢).

стр. 151

ولهذه التكنية في الصغر آثار حميدة نافعة، وفوائد تربوية عظيمة؛ منها: - تنمية شعور التكريم والاحترام في نفسية الصغير، ومنه قول الشاعر: أُكنِّيه حين أُناديه لأكرمه ... ولا أُلقِّبه والسوأة اللقبا - تنمية شخصيته الاجتماعية، لاستشعاره أنه بلغ مرتبة الكبار، وسن الاحترام. - تعويده أدب الخطاب للكبار، ولمن كان في سنه من الصغار (١). - سابعًا: القسمة لهم من بيت المال، واحتساب نفقة لهم: من أكثر الأشياء التي تُشعر الصغير بذاته في المجتمع، أن يُجعل له حقٌّ وعطاء، كما يُجعل للبالغين، ولو لم يكن بنفس القدر. وهذا ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يفعله مع الصغار في عهده وخلافته. يقول عبدالله بن عمر: كان عمر لا يفرض لأحد حتى يبلغ ويحتلم إلا مائة درهم، وكان لا يفرض لمولود حتى يفطم، فبينا هو يطوف ذات ليلة بالمصلى بكى صبي، فقال لأمه: «أرضعيه»، فقالت:

стр. 152

إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يُفطم، وإني قد فطمته، فقال عمر: «إن كدت لأن أقتله! أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد» (١). ففَرَض عمرُ للمولود، وللصبي قبل أن يبلغ، فكان لهذا أثره على الصغير، ووالديه، والمجتمع. وأخيرًا: إن هذه الأساليب والوسائل التي ذُكرت هنا -وغيرها مما لم يُذكَر- قد أسهمت بشكل واضحٍ في إخراج جيل صحيِّ الاجتماعية، بعيدًا إلى حدٍّ كبيرٍ عن آفات كثيرٍ من المجتمعات المعاصرة، التي تنحو نحو أحد طرفي المعادلة الصحيحة؛ إما غُلُوًّا، أو تقصيرًا!

стр. 153

الفصل الخامس التربية البدنية

стр. 154

قَبَسٌ نَبَويّ كانت رسالة نبينا محمد ﷺ هي الخاتمة، ولأنها الخاتمة فقد جاءت كاملة وشاملة، ومن جوانب شمولها: أنها لم تهتم بالتزكية النفسية والإصلاح القلبي فحسب، بل امتدت لتشمل الناحية الجسدية بالعناية، وفي عموم قوله ﵊: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير» (١) ما يدلُّ على هذا المعنى. قال النووي: «المراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك» (٢). ولا شكَّ أن قوة البدن مما يُعين الإنسان على الطاعة، مع قوة

стр. 155

الإيمان، والمسألة مفروضة في حالة تساوي المنسوب الإيماني؛ فتُصبح القوة البدنية مصدر عون زائد لصاحبها. وقد اهتم النبي ﷺ بصحَّة الجنين، مُذْ كان في بطن أمه، فأمر بقتل بعض أنواع الحيات، لأنها تصيب الحمل بالسوء وتسقطه؛ فقال يومًا على منبره: «اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفْيَتَيْن (١)، والأبتر (٢)، فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحَبَل (٣)» (٤). ومن هذا الباب من الاهتمام: ترخيصه ﷺ للحامل والمرضع في الإفطار في رمضان (٥)، وفي ذلك عون لهما على تغذية الطفل والجنين. ومن رعايته ﷺ بتغذية الصغار والحفاظ على صحتهم: ما كان يقوم به من التبريك عليهم، وتحنيكهم (٦).

стр. 156

وقد أثبت الطبُّ الحديث ما في هذا التحنيك (١) من تغذية للمولود، ونفعٍ صحيٍّ له (٢). كما كان ﷺ يلتمس للصغار الدواء إذا رأى بهم مرضًا، والرقية إذا رأى بهم عينًا أو حسدًا، فلكل حالة ما يخصها من الدواء. بعد وفاة جعفر بن أبي طالب ﵁، كان ﷺ يتفقَّد أحوال أبنائه، فرآهم ذات يوم وأجسادهم نحيفة، فأحسَّ فيها بالضعف والمرض، فسأل أمَّهم أسماء بنت عميس عن السبب؛ فقال لها: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟! أتصيبهم الحاجة (٣)؟»

стр. 157

قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: «ارقيهم». قالت: فعرضتُ عليه، فقال: «ارقيهم» (١). على الجانب الموازي لهذا: راعى النبي ﷺ عاطفة الأطفال ونفسيتهم، فإذا به يقبِّل الصبيان، ويستنكر حال هؤلاء الذين لا يمدون أطفالهم بهذا الجانب العاطفي المهم. أبو هريرة ﵁ حضر هذه الواقعة، ورأى المشهد فنقله؛ قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم» (٢). ولا شكَّ أن لهذه القبلة دورًا فعَّالًا في تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، إضافة إلى الشعور بالارتباط الوثيق في تشييد علاقة الحب بين الكبير والصغير، وهي دليل رحمة القلب لهذا الصغير الناشئ، والنور الساطع الذي يبهر فؤاده، ويشرح نفسه، ويزيد من تفاعله مع من حوله (٣). بل في مشهد عظيمٍ يبيِّن رعايته ﷺ لمشاعر هؤلاء الصغار، وإشعارهم بقدرهم أمام الكبار، يؤتَى ﷺ بشراب، فيشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، وعن يساره أشياخ، وكان قد علمَّهم أن يبدؤوا

стр. 158

باليمين، ولكنه يريد أيضًا أن ينزل الكبير منزلته، فراعى النبي ﷺ مشاعر الغلام، فقال له: «يا غلام! أتأذن لي أن أعطي هؤلاء الأشياخ؟» فإذا بالغلام يستأثر لنفسه بحقه، ويرفض طلب النبي ﷺ بأدب؛ فيقول: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله! ولما كان استئذانه ﷺ من الغلام حقيقيًّا، لا -كما يفعل البعض- صوريًّا؛ فقد أجاب طلب الغلام، وأعطاه الشراب (١)! على مثل هذه التصرفات من المراعاة للبناء العاطفي، وقبله الجسدي؛ تربَّى صغار الصحابة في حضور آبائهم، فواصل هذه التربية الآباء، ونهض بها بعد البلوغ والكبر الأبناء، وفيما يلي صورٌ من هذه النماذج في تربيتهم لصغارهم.

стр. 159

التربية البدنية في تراث الآل والأصحاب نقصد بالتربية البدنية هنا نوعين من التربية، يكمل أحدهما الآخر؛ وهما: التربية الجسدية الصحية، والتربية النفسية العاطفية، أي: إصلاح الجسد، وإصلاح النفس معًا. أولًا: التربية الجسدية: تُعرَّف التربية الجسدية بأنها: "ذلك النشاط الذي تقوم به التربية في سبيل تنمية الجسم تنمية سليمة، في إطار تكوين الشخصية المتكاملة، والمتوازنة، والعابدة لله تعالى" (١). كما تُعرَّف أيضًا بأنها: "العناية بكل ما يؤدي إلى صحة البدن، وصحة العقل ذاته، وإلى صيانتهما من الأضرار والضعف" (٢). وقد بدأ الصحب والآل العناية بهذا النوع من التربية من وقت مبكِّر، اقتداءً بنبيهم ﷺ ، ونستطيع تلمس تلك العناية من خلال المظاهر التالية:

стр. 160

- ترخيصهم للحامل والمرضع في الإفطار في رمضان: وهذا الإفطار فيه نوعٌ من العناية الصحيحة بالصغير، جنينًا كان أو رضيعًا، إذ بغذاء الأم يُغذَّى الطفل، وبنقص غذائها وضررها يتضرر الطفل، وممن كان ينصح أهله وغيرهم ويفتي بذلك: ١ - عبدالله بن عباس ﵁ -: كان ابن عبَّاسٍ يأمر وليدة له حبلى أن تفطر له في شهر رمضان، ويقول لها: «أنت بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام، فأفطري، وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حنطة» (١). ٢ - عبدالله بن عمر ﵁ -: كان ابن عمر يقول: «الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر، وتطعم، ولا قضاء عليها» (٢). - حلقهم شعر المولود في اليوم السابع: وهذا الصنيع منهم كان بتوجيه نبوي منه ﷺ ؛ إذ قال: «كُلُّ غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويُحلَق رأسه، ويُسمَّى» (٣).

стр. 161

وكان أحقَّ من طبَّق هذا الهدي: أهلُ بيته، ومنهم: ابنته فاطمة ﵍. يقول أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين: كانت فاطمة ابنة رسول الله ﷺ «لا يولد لها ولد إلا أمرت به، فحُلِق، ثم تصدقت بوزن شعره، ورِقًا» (١). ولهذا الحلق في هذا التوقيت فائدة صحية للمولود، ذكرها ابن القيِّم؛ فقال: "وكان حلق رأسه إماطة الأذى عنه، وإزالة الشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس، ومع ما فيه من التخفيف عن الصبي، وفتح مسام الرأس ليخرج البخار منها بيسر وسهولة، وفي ذلك تقوية بصره، وشمِّه، وسمعه" (٢). - تعويذهم الصغار بالرقى والمعوذات؛ لدفع العين والحسد عنهم: كما أن الأدواء تختلف، فكذلك الأدوية والعلاج، ومن هذه الأدواء

стр. 162

التي يُصاب بها الصغار: داء العين والحسد! وذلك لما يحبوهم الله به من جمال خلقة، أو بهاء طلعة، أو حُسن نطق، أو غير ذلك، مع ضعف تحصينهم أنفسهم، إذ هم لا يحفظون الأذكار، ولا يحسنون الرقى، وهنا يتدخل الآباء في محاولة لدفع هذا الداء عنهم. وقد مرَّ معنا في قَبَسِ هذا الفصل: أن أسماء بنت عميس كانت ترقي صغارها، لدفع العين عنهم. وكان هناك من الصحابة وآل البيت من يختارون طريقة أخرى لدفع هذا الداء عن الصغار، وهي: تعليق التعاويذ، أو آيات القرآن عليهم. ومن هؤلاء: ١ - عبدالله بن عمرو بن العاص: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (ابن عمرو)، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامات، من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون». قال: فكان عبد الله بن عمرو: «يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه» (١).

стр. 163

٢ - أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين: كان أبو جعفر لا يرى بأسًا أن يُكتَب القرآنُ في أديم، ثم يعلِّقه. وفي لفظ: أنه سئل عن التعويذ يُعلَّق على الصبيان، «فرخَّص فيه» (١). - تعليمهم الرياضة التي تناسبهم، وتقوي مهاراتهم؛ مثل: السباحة، والرمي: هناك بعض الرياضات يحسن تعليمها في الصغر؛ إما لصعوبة تعلمها في الكبر، وإما لأن تعلمها مبكرًا مع الممارسة يكسب صاحبها براعة فيها، إضافة إلى تقوية الجسد، ومثال الأولى: السباحة، ومثال الثانية: الرمي. ١ - السباحة: يجلس زياد بن جارية يومًا مع عبدالملك بن مروان، فيخبره زياد عن بعض وصايا عمر بن الخطاب ﵁ في شأن الصبيان، فكان مما ذكره له: أن عمر كتب إلى أمراء الشام أن يتعلموا الغرض، ويمشوا بين

стр. 164

الغرضين حفاة، «وعلموا صبيانكم الكتابة والسباحة» (١). ٢ - الرمي: لما أعلم النبي ﷺ أصحابه بأهمية الرمي، وأنه مما يُستعد به للجهاد في سبيل الله، إذ صعد المنبر أمامهم ذات يومٍ فقال: «﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (٢)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٣)؛ منذ هذا الوقت حرص الصحابة على تعليم أولادهم الرمي، وتدريبهم عليه. ومن هؤلاء: أ- سعد بن أبي وقاص ﵁ -: كان يوصي أبناءه؛ فيقول لهم: «يا بَنيَّ! تعلَّموا الرمي، فإنه خير لعبكم» (٤).

стр. 165

ب- خالد بن الوليد ﵁ -: يقول قيس بن أبي حازم: رأيت خالد بن الوليد يوم اليرموك يرمي بين هدفين، ومعه رجال من أصحاب محمد ﷺ ، وقال: «أُمرنا أن نعلمه أولادنا: الرمي، والقرآن» (١). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى أهل الشام: «أنْ علِّموا أولادكم السباحة، والرمي، والفروسية» (٢). ومثل هذه الوسائل التي فيها لعب وترفيه عن الصغير لا بُدَّ له منها، فهي نافعة لجسده، ومذهبة للملل عن روحه ونفسه. يقول الغزالي: "وينبغي أن يُؤذَن له -أي: للصغير- بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبًا جميلًا، يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن مَنْعَ الصبي من اللعب، وإرهاقه إلى التعلم دائمًا؛ يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا" (٣)! كما أنَّ عدم قيام الصغير بالرياضة يؤدي -أحيانًا- إلى مخاطر

стр. 166

جمة، لا تلبث أن تنمو وتكبر، حتى تظهر في الحال، أو المستقبل في أي شكلٍ من أشكال الهزال الجسدي، أو الانهيار الدخلي، والنفسي (١). إلا أنه ينبغي الحذر من أن يفضي بهم هذا اللعب والترفيه، ولو كان الرمي الذي أُمر الصحابة بتعليمه أبناءهم، إلى ارتكاب محرم! عندها لا بد من التدخل والإرشاد، كما فعلوا. وتقدَّم معنا أن عبدالله بن عمر مرَّ ذات يوم بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: «من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا» (٢). - تعويدهم النوم المبكر، وعدم السهر، خاصَّة في الصغر: تُشير عدد من الدراسات الطبية المعاصرة إلى أن للسهر أضرارًا على صحة الإنسان، خاصة الصغار، وأنه يؤثِّر على مناعتهم، وعلى نموِّهم كذلك (٣). وقد أشار ابن القيِّم -قديمًا- إلى ضرر الاستعاضة بنوم النهار

стр. 167

عن نوم الليل؛ فقال: "ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة؛ إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر، ورأى عبدالله بن عباس ابنًا له نائمًا نومة الصبحة، فقال له: «قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟!» " (١). ونصيحة عبدالله بن عباس ﵁ لابنه في وقت النوم، أوردها السخاوي مفصَّلة مطوَّلة؛ فقال: "مرَّ ابنُ عباس بابنه الفضل وهو نائم نومة الضحى فركضه برجله، وقال: «قم، إنك لنائم الساعة التي يقسم الله فيها الرزق لعباده. أوما سمعت ما قالت العرب فيها؟» قال: وما قالت العرب يا أبت؟ قال: «زعمت أنها مكسلة، مهرمة، مقساة للحاجة. ثم يا بني نوم النهار على ثلاثة: نوم محق؛ وهي نومة الضحى، ونومة الخلق؛ وهي التي روي: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل، ونومة الخرق؛ وهي نومة بعد العصر، لا ينامها إلا سكران، أو مجنون» " (٢).

стр. 168

ومن خلال النظر في سير الصحب والآل والسَّلف: نجد أن عادتهم في تربية صغارهم؛ التعويد على النوم مبكِّرًا، وعدم تعويدهم السهر. ويدل على ذلك: أن النَّبيَّ ﷺ لما أخَّر العشاء ذات ليلة عن وقتها، حتى دخل ثلث الليل الأول، وكان الصحابو نساؤهم وصغارهم ينتظرونه في المسجد، أراد عمر أن يُعلمه ﷺ بمشقة ذلك عليهم، وتأخر الوقت عن المعتاد؛ فنادى وقال: «يا رسول الله! نام النساء والصبيان» (١)! ففي قول عمر دليلٌ على ما اعتاد عليه الصغار، وأن الآباء لم يثنوهم عن عادتهم، ولو كان ذلك لأجل انتظار صلاة العشاء المتأخرة. بالطبع لم تكن لديهم الأبحاث المعاصرة التي تنبئ عن خطورة السهر، إنما كانت نظرتهم إلى أمورٍ أخرى؛ كالمحافظة على صلاة الصبح في وقتها، والحفاظ على ذكر الله في جلسة الصُبحة، كما أن أعمالهم كانت نهارًا. وأكثر هذه الأسباب لا يزال إلى الآن قائمًا، فإن أُضيف إليه ما أثبته الطبُّ الحديث من ضرر للسهر؛ تأكَّد أهمية هذا الأمر في تربية الصغار، وتعويدهم عليه.

стр. 169

ثانيًا: التربية النفسية العاطفية: تُشكِّلُ العاطفة مساحة واسعة في نفس الصغير الناشئ، فهي تكوِّن نفسه، وتبني شخصيته، ولذا إن أخذها بشكل متوازنٍ؛ خرج إنسانًا سويًّا في مستقبله، بل في حياته كلها، وإن أخذها بغير ذلك -زيادةً أو نقصانًا- تشكَّلت لديه عُقَدٌ لا تُحمد عقباها، فكلا طرفي الأمور ذميم. فالزيادة تجعله مدلَّلًا، لا يقوم بتكاليف الحياة بجد ونشاط، ونقصانها يجعله قاسيًا عنيفًا على كل من حوله، ومن هنا: فالبناء العاطفي له أهمية خاصة في بناء نفس الصغير وتكوينه، وهذا البناء يلعب فيه الدور الأكبر: الوالدان، إذ هما المصدر الأساسي لأشعة العاطفة التي تبني نفسه، وهما الركن الشديد الذي يأوي إليه، لينعم بحرارة العاطفة، ونعمة الأبوة والأمومة (١). وقد لاحظ الشيخ محمد الخضر حسين الميل الذي يقع لبعض الآباء في هذا النوع من التربية في أحد طرفيه، وحذَّر من الركون إليه، وبيَّن مغبَّته وعاقبته؛ فقال: "ومن الناس من يدرك أن التقام الأطفال لثدي التربية، مما يؤثر في نفوسهم إصلاحًا عظيمًا، ولكن فرط الرأفة الذي ينشأ من التغالي في حبهم، يكسر من صلابة الآباء شيئًا كثيرًا، فيدفعهم عن مكافحة

стр. 170

طباع أبنائهم الرديئة ومقاومتها بالتأديب، وينفض بهم ذلك الإهمال إلى التنقل في مراتع الشهوات الزائغة. كلّا، هذه رأفة غير ممزوجة بحكمة، فالتنقل في مراتع الشهوات، تتولد عنه نتائج وخيمة، تثير بين الآباء والأبناء من النفرة والتباعد بمقدار ما كان بينهما من الحنان والمقاربة، وتصير بهم إلى أن تضرسهم أنياب الاضطهاد، وتدوسهم أقدام الامتهان. لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يُفتك من الصبي سائر إرادته، ويُسلب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب. إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام، فيكون ألعوبة بيد معاشريه، كالكرة المطروحة بينهم يتلقفونه رِجْلًا رِجْلًا، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون، ..... ، التربية النافعة ما كانت أثرًا لمحبة، يطفئ البأس شيئًا من حرارتها، وصرامة تلطِّف الشفقة من شدتها، وهي التي يستوجب الوالدان دعاء الولد بقوله: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١) " (٢). عودٌ على بدء: أدرك الصَّحْبُ والآل ما تحتاج إليه نفسية الصغير، فعملوا على

стр. 171

إشباعها، ويمكننا تلمُّس ذلك من خلال مواقفهم التالية، والتي سنعرضها بحسب احتياجات الصغير النفسية (١)؛ وهي: - الحاجة إلى المحبة: وهذه من أهم الحاجات النفسية التي يسعى الصغير لإشباعها، فهو يريد أن يشعر أنه مرغوب فيه، وأنه يُحِبُّ ويُحَبُّ (٢). وقد تفطَّن لها الصحب والآل، فأَوْلَوْها حقها، كما سنرى. يخرج أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ من المسجد النبوي ذات يوم بعد صلاة العصر، وذلك بعد وفاة النبي ﷺ بليال، أي أن أبا بكر الآن هو الخليفة، ومع أبي بكر يمشي علي بن أبي طالب ﵁، فرأى أبو بكر الحسنَ بن علي يلعب مع الصبيان، ففاجأه أبو بكر وأباه فحمل الصغير على عاتقه، وقال: «بأبي، شبيه بالنبي لا شبيه بعلي»! وعلي يضحك (٣). فكم من المحبة والود في هذا الفعل، الذي أظهره خليفة المسلمين لصبي صغير، حتى حمله أمام أصحابه الصغار، وأمام والده! وهذا خليفة الخليفة، أمير المؤمنين في زمانه: عمر بن الخطَّاب

стр. 172

- ﵁، يهتم بهذه العاطفة ويظهرها، فيدخل ذات يومٍ على زوجه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، فيجد عندها أخاها محمد ابن الحنفية، فيضمُّه عمر، ويقول لزوجه: «ألطفيه بالحلواء» (١). ولم يقتصر إظهار عمر لهذه العاطفة للصغار في بيته وأمام زوجه فقط، بل أظهره أمام رعيته وعماله، فلما رآه أحد عماله؛ قال له: إن لي كذا وكذا من الولد، ما قبَّلتُ واحدًا منهم! فقال عمر: «إن الله لا يرحم من عباده إلا أبرهم» (٢). وفي رواية: أن ذلك العامل قال لعمر: تقبله وأنت أمير المؤمنين؟! لو كنت أنا ما فعلته. فقال عمر ﵁: «فما ذنبي إن كان قد نُزِع من قلبك الرحمة؟! إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء». ونزعه عمر عن عمله، وقال: «أنت لا ترحم ولدك؛ فكيف ترحم

стр. 173

الناس؟!» (١). تعلَّم عبدُالله بن عمر من والده ونبيه هذا التعامل اللطيف مع الصغار، فمارسه مع الصغار، فأُتي ذات يوم بصبي عليه أوضاح (٢)، «فجعل يهازله» (٣). - الحاجة إلى التقدير الاجتماعي واحترام الشخصية: يسعى الصغير دائمًا إلى أن يكون موضع تقدير واحترام وقبول من قبل الآخرين، ويتضح ذلك في شتى المواقف والوسائل التي يتخذها الصغير لاسترعاء الانتباه من حوله. لكن للأسف: الكثيرون من الناس ينسون أنفسهم، فيتعاملون مع الأولاد، بما في ذلك أولادهم، بتعالٍ وتكبُّرٍ عليهم، ولا يستشعرون الاحترام لهم!

стр. 174

فضعف الطفولة وبراءتها يغريانهم في النظر إلى الصغار هكذا! ويزيد الطين بلة: اعتقاد الكثيرين أن الأطفال لا يتأثرون مثلما يتأثر الكبار، أي: كأنهم ليسوا كالكبار في مشاعرهم وإحساسهم بكرامتهم. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن العكس هو الصحيح، وأن الطفل منذ أن يولد يستشعر الكرامة كالكبير، وتؤلمه الإهانة، والنهر، وإظهار العداوة؛ كما تؤلم الكبير تمامًا (١). وقد راعى الصحب والآل هذه العاطفة والاحتياج عند الصغار، وعملوا على إشباعها وذلك بإسناد الدور الذي يتناسب مع سن الصغير وطبيعته ليشعر بمنزلته؛ ومن ذلك: ١ - تقديمهم من يصلح للإمامة من الصغار لهذا المكان: وقد مر معنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب، عند الحديث عن تربية الصغار على العبادة، تقديم قوم عمرو بن سلمة له للإمامة، وكان ابن ست أو سبع سنين، وكذلك تقديم الصغار الحفظة للإمامة في رمضان، كما أخبرت بذلك عائشة ﵂. ومثل هذا بلا شك يعزز في الصغار التقدير والاحترام. ٢ - تخييرهم في أمر معيشتهم، إذا انفصل الوالدان: ربما لا تستقيم المعيشة بين الوالدين في بعض الأحيان، فيكون

стр. 175

الانفصال هو الاختيار الأفضل لهما، لكن: أين يذهب الصغير؟ هل يُجبَر على شيء ما؟ فيما بين أيدينا من نصوص ونماذج؛ نجد هؤلاء الأصحاب والآل، يُعطون للصغير حق الاختيار في ذلك، ومن هؤلاء: أ- أبو بكر الصدِّيق ﵁ -: يقول سعيد بن المسيب: طلَّق عمرُ بنُ الخطَّاب أمَّ عاصم، ثم أتاها عليها وفي حجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر! أبو بكر يقضي في خصومة أحد طرفيها أقرب الناس إليه بعد نبيه ﷺ ، فما يفعل؟ لقد اختار أبو بكر الأصلح للصبي، فقال لصاحبه: «يا عمر، مسحها وحجرها وريحها خير له منك؛ حتى يشب الصبي فيختار» (١).

стр. 176

لم يصادر أبو بكر حق الصبي في الاختيار، وإنما أرجأ الأمر لحين يكتمل له عقل، وتنضج له عاطفة؛ فعندها يستطيع الاختيار، أما وهو في سن لا يسمح له بذلك؛ فأمه أنفع له. وقد استوعب عمر هذا جيدًا، ومرَّت الأيام، ووجد نفسه أمام خصومة كخصومته؛ فماذا يفعل؟! ب- عمر بن الخطَّاب ﵁ -: يقول عبدالرحمن بن غُنم: اختُصم إلى عمر بن الخطَّاب في صبي؛ فقال: «هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه فيختار» (١). لقد قضى عمر بقضاء أبي بكر، وتشابهت القصة فتشابه الحكم، لكن: تُرى إن ميَّز الصبي؛ هل سيمضي عمر قضاءه؟ ها هي واقعةٌ تبيِّن بالفعل ما سيفعله عمر إن ميَّز الصبي واختار: يقول عبدالله بن عبيد بن عمير: طلَّق رجلٌ من أهل العراق امرأته وهي حبلى، فلم يطلقها بشيء

стр. 177

حاملًا، ولا والدًا، ولا مرضعًا، ولا بعد ذلك، ولا ابنه، حتى أنشأ الناس مرة في الحج، فقال رجل من القوم والأب في الرفقة: يا فلان أترى ابنك في الرفقة، أتعرفه إن رأيته؟ قال: لا والله، قال: هذا ابنك. فجبذ بخطامه فانطلق. فلما قدما لعمر احتجزت أمه بردائها، ثم ارتجزت فقالت: خلوا إليكم يا عبيدالرحمن ... الحمل حول والفصال حولان فسمع عمر قولها فقال: «خلوا عنها»، فقصت عليه القصة، فخيَّر الفتى؛ فاختار أمه، فانطلقت به (١). ولأن الصبي هنا أكثر تمييزًا من الصبي الأول؛ انتقل به عمر إلى المرحلة الثانية: الاختيار، فاختار، فأمضى عمر اختياره، وأمام الجميع. وفي هذا من إشعار الصبي بنفسه واحترام رأيه ما يغني عن التعليق. جـ- علي بن أبي طالب ﵁ -: في زمان علي ﵁ تكررت الخصومة نفسها، والذي نقلها هو الصبي الذي وقعت له، فلننظر كيف عامله علي، وهل له من تعليق على معاملة علي له أم لا.

стр. 178

يقول عُمارة بن ربيعة الجرمي: غزا أبي نحو البحر في بعض تلك المغازي، فقُتِل، فجاء عمي ليذهب بي، فخاصَمَتْه أُمِّي إلى علي، ومعي أخ لي صغير، فأرسلوني إلى علي فدعوته، فجاء فقصُّوا عليه، فقال: «أمُّك أحبُّ إليك أمْ عمُّك؟» قلت: «بل أمي» ثلاث مرات، وكانوا يستحبون الثلاث في كل شيء. فأبى عمي أن يرضى، فوكزه علي بيده، وضربه بدرته، وقال لي: «أنت مع أمك، وأخوك هذا إذا بلغ ما بلغت خُيِّر كما خُيِّرت». قال عمارة: وأنا غلام (١). ٣ - السماح لهم بحضور بعض اللقاءات والزيارات للكبار: وقد مرَّ معنا في الفصل السابق، عند الحديث عن التربية الاجتماعية، نماذج من اصطحابهم الصغار معهم، وإدخالهم في مجالسهم، كما فعل عمر بن الخطاب مع ولده ابن عمر، ومع ابن عباس ﵃. - الحاجة إلى الرعاية الوالدية والتوجيه: من المعلوم أن الصغير لم يخلقه الله تعالى قويًا قادرًا، بل خلقه ضعيفًا لا يقوى على شيء، وقد قال تعالى: ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا﴾ (٢)،

стр. 179

فيحتاج الصغير إلى اهتمام وتوجيه من والديه، بمظهره، بملابسه، بأفعاله، إلى غير ذلك. وقد كان للصحب والآل اهتمامٌ أيضًا بهذا الجانب عند الصغار، ومن أمثلة ذلك: ما فعلته فاطمة ﵍ بنت النبي ﷺ مع ولدها الحسن بن علي ﵁ من اهتمامها به، وتنظيفها له، وحرصها على أن يظهر بصورة حسنة عند استقبال جده ﷺ . يقول أبو هريرة: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف، حتى أتى خباء فاطمة فقال: «أثمَّ لُكَع (١)؟ أثمَّ لُكَع؟» يعني حسنًا. قال أبو هريرة: فظننا أنه إنما تحبسه أُمُّه لأن تغسله، وتلبسه سخابًا (٢). فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أحبه، فأحبَّه، وأحبب من يحبه». قال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحبَّ إلي من الحسن بن علي، بعد ما قال رسول الله ﷺ ما قال (٣).

стр. 180

وقد ترجم البخاري لهذا الحديث وأشباهه بقوله: «باب السِّخاب للصبيان» (١)، إشارة منه إلى الاهتمام بمظهر الصبيان، وجواز تحليتهم بمثل هذا.
следующие страницы →