Полный текст (191 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
[المُرَاد بالمبين]
قَالَ: (والمبين هُوَ النَّص لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا، وَقيل: مَا تَأْوِيله تَنْزِيله، وَهُوَ مُشْتَقّ من المنصة الَّتِي تجلى عَلَيْهَا الْعَرُوس [وَهُوَ الْكُرْسِيّ]
أَقُول: لما فرغ من الْمُجْمل: شرع فِي بَيَان الْمُبين وَهُوَ الْبَاب السَّابِع فرسمه بِأَنَّهُ النَّص الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا.
وَهُوَ: الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال آخر.
وَذَلِكَ النَّص الْمُبين: إِمَّا من كتاب، أَو سنة: -
كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا بقرة صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٦٩] فَهَذَا لفظ لَا يحْتَمل غَيره.
وَكَذَا قَوْله ﵇: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) فَإِنَّهُ مُبين لقَوْله تَعَالَى:
стр. 107
﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ [سُورَة الْأَنْعَام: ١٤١]
وَكَذَا أَفعاله ﵇ فِي الصَّلَوَات، وَالْحج مبينَة لقَوْله [تَعَالَى] : و ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٤٣] وَلقَوْله: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ [سُورَة آل عمرَان: ٩٧] فَإِنَّهُ ﵇ بَينهمَا تبيينا لَا يحْتَمل الزِّيَادَة وَلَا النُّقْصَان.
وَلِهَذَا رسم الْمُبين - بِفَتْح الْيَاء - بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا.
وَأَشَارَ إِلَى أَن بعض الْعلمَاء رسم النَّص بِمَا تَأْوِيله تنزيلة وَهُوَ قريب مِمَّا ذكره الشَّيْخ وَالله أعلم.
وَقَوله: " وَهُوَ مُشْتَقّ من المنصة الَّتِي تجلى عَلَيْهَا الْعَرُوس " يُشِير إِلَى أَن النَّص فِي إيضاحه يشبه الْعَرُوس الْجَالِسَةُ على مُرْتَفع لَا تخفى على أحد، وَلَا يحْتَمل أَن تكون غَيرهَا هِيَ، فَكَذَلِك النَّص فِي ظُهُوره الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا. لَكِن فِي قَوْله نظر؛ إِذْ جعل النَّص مشتقا من المنصة، وَلَا شكّ أَن المنصة مفعلة؛ لِأَنَّهَا اسْم آله وَهُوَ: مصدر فاشتقاقها مِنْهُ، لَا بِالْعَكْسِ. وَالله أعلم
стр. 108
[تَعْرِيف الظَّاهِر]
قَالَ: (وَالظَّاهِر: مَا يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر، ويؤل الظَّاهِر بِالدَّلِيلِ وَيُسمى ظَاهرا، والعموم قد تقدم شَرحه) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمُبين: شرع فِي بَيَان الظَّاهِر وَهُوَ الْبَاب الثَّامِن.
يُشِير فِي هَذَا الْبَاب إِلَى أَن النَّص إِذا ورد يحْتَمل أموراً فالراجح مِنْهَا يُسمى ظَاهرا.
ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن الظَّاهِر قد لَا يحمل على ظَاهره بل إِذا أول صَار ظَاهرا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ [سُورَة الذاريات: ٤٧] فَالظَّاهِر: أَنَّهَا بنيت بأيد مُتعَدِّدَة؛ ن لِأَنَّهَا جمع يَد، وَهُوَ محَال فِي حَقه تَعَالَى فأولت بِالْقُوَّةِ فَصَارَ النَّص ظَاهرا بالتأويل.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١] فَهَذَا ظَاهر فِي تَحْرِيم مَتْرُوك الْبَسْمَلَة فَأول بِذكر الشَّرِيك، وَهُوَ: إِذا ذبح لغير الله
стр. 109
فَظهر النَّص بالتأويل
وَقَوله: " والعموم قد تقدم [شَرحه] ، يُشِير إِلَى أَن دَلَائِل الْعُمُوم من بَاب الظَّاهِر، وَقد تقدم الْكَلَام على الْعُمُوم، فَلَا حَاجَة لإعادته وَالله أعلم.
[أَفعَال الرَّسُول ﵇ مُخْتَصَّة بِهِ إِن دلّ على ذَلِك دَلِيل]
قَالَ: (وَالْأَفْعَال: فعل صَاحب الشَّرْع، فَلَا يَخْلُو أَن تكون على [وَجه] الْقرْبَة، أَو الطَّاعَة، فَإِن دلّ دَلِيل على اخْتِصَاصه بِهِ حمل عَلَيْهِ) .
стр. 110
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الظَّاهِر، شرع فِي بَيَان أَفعاله ﵇ وَهُوَ الْبَاب التَّاسِع.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْبَاب بَيَان أَحْكَام أَفعاله وانقسامها إِلَى أَنَّهَا تَارَة تكون خَاصَّة بِهِ كالوصال فِي الصّيام، ونكاحه من غير ولي وَغير ذَلِك وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْعَال الَّتِي لم تخْتَص بِهِ، بل هِيَ تشريع لأمته على ثَلَاثَة أَقْوَال: _
مِنْهُم من جعله على الْوُجُوب.
وَمِنْهُم من جعله على النّدب.
وَمِنْهُم جعله على الْإِبَاحَة على مَا يَأْتِي إيضاحه - إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 111
[إِذا لم يدل دَلِيل على أَن فعله ﵇ خَاص بِهِ فعلى مَاذَا يحمل ؟]
قَالَ: (وَإِن لم يدل: لم يخْتَص بِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ فَيحمل على الْوُجُوب عِنْد بعض أَصْحَابنَا، وَمِنْهُم من قَالَ: يحمل على النّدب، وَمِنْهُم من قَالَ: يتَوَقَّف فِيهِ، وَإِن كَانَ على غير الْقرْبَة وَالطَّاعَة فَيحمل على الْإِبَاحَة) .
أَقُول: هَذَا شُرُوع فِي تَقْسِيم أَفعاله ﵇: -
فَذهب قوم إِلَى أَن أَفعاله ﵇ تحمل على الْوُجُوب، مِنْهُم: أَبُو سعيد الاصطخري، وَأَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج، وَأَبُو عَليّ بن خيران.
стр. 112
واحتجزوا بقوله تَعَالَى: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني﴾ [سُورَة آل عمرَان: ٣١] فَدلَّ على أَن محبته تَعَالَى مستلزمة لمتابعة رَسُوله ﵇
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ [سُورَة الْحَشْر: ٧] وَفعله ﵇ من جملَة مَا أَتَى بِهِ فَدلَّ - أَيْضا - على أَن الْأَخْذ بأفعاله وَاجِب.
وَمَا ذكر الشَّيْخ ﵀ من قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم﴾ [سُورَة الْأَحْزَاب: ٢١] دَالَّة على الْوُجُوب فِيهِ نظر على مَا يَأْتِي.
وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه يحمل على النّدب؛ لِأَن قَوْله تَعَالَى: (لقد كَانَ
стр. 113
لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ لِأَن الأسوة الْحَسَنَة فِي أَفعاله قد يكون وَاجِبا، وَقد يكون ندبا.
وَالْأَصْل: عدم الْوُجُوب، فَحمل على النّدب حَتَّى يدل دَلِيل على الْوُجُوب.
وَذهب أَبُو بكر الصَّيْرَفِي وَأَبُو حَامِد الْغَزالِيّ، وَالْإِمَام الرَّازِيّ إِلَى
стр. 114
التَّوَقُّف؛ لِأَن أَفعاله تدل على الْوُجُوب تَارَة، وعَلى النّدب تَارَة، وعَلى الْإِبَاحَة تَارَة فَتعين التَّوَقُّف ليدل دَلِيل على أحدهم.
وَغَايَة مَا فِي هَذَا الْبَاب: أَن أَفعاله ﵇ لَا تَخْلُو: أَن تخْتَص بِهِ أَو لَا: -
فَإِن اخْتصّت بِهِ كالوصال: فَلَا بحث فِيهِ.
وَإِن لم تخْتَص بِهِ فَلَا يَخْلُو: -
أَن تكون على وَجه الطَّاعَة أَو لَا: -
فَإِن كَانَت على وَجه الطَّاعَة: نظر: -
стр. 115
إِن دلّ دَلِيل على وُجُوبه: حمل عَلَيْهِ، كغسله من التقاء الختانين، وَزِيَادَة الرُّكُوع فِي صَلَاة الْكُسُوف دون سَائِر الصَّلَوَات.
وَإِن دلّ على النّدب: حمل عَلَيْهِ كالسنة الرَّاتِبَة، والتهجد لَيْلًا وَغير ذَلِك.
أما إِذا لم تكن على وَجه الطَّاعَة فمباحة كنومه ﵇، وَأكله، وَالله أعلم.
стр. 116
[إِقْرَار الرَّسُول [ ﷺ ]]
قَالَ: (وَإِقْرَاره على الْفِعْل كَفِعْلِهِ، وَمَا فعل فِي غير مَجْلِسه وَفِي وقته وَعلم بِهِ، وَلم يُنكره فَحكمه حكم مَا فعل فِي مَجْلِسه) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان أَفعاله ﵇ أَخذ فِي بَيَان مَا يفعل بَين يَدَيْهِ، وَفِي زَمَنه وَلم يُنكره فَقَالَ الشَّيْخ ﵀: هُوَ كَفِعْلِهِ ﵇؛ إِذْ لَا يجوز لصَاحب الشَّرِيعَة أَن يقر أحدا على الْخَطَأ، وَلِهَذَا حكم بِحل الضَّب مَعَ عدم أكله مِنْهُ ﵇، لَكِن لما أقرّ خَالِدا على أكله من غير إِنْكَار: علم
стр. 117
حلّه.
وَكَذَا يُقَاس على مَا فعل فِي مَجْلِسه مَا لم يفعل فِي مَجْلِسه، بل فِي زَمَنه وبلغه ذَلِك وَلم يُنكر عَلَيْهِ كَقَوْل الصَّحَابَة: " أفضل النَّاس - بعد رَسُول الله [ ﷺ ] أَبُو بكر وَعمر، فَلم يُنكر عَلَيْهِم. وَالله أعلم.
стр. 118
[تَعْرِيف النّسخ لُغَة]
قَالَ: (والنسخ مَعْنَاهُ: الْإِزَالَة، يُقَال: " نسخت الشَّمْس الظل " أَي " أزالته، وَقيل: مَعْنَاهُ: النَّقْل من قَوْلهم: " نسخت مَا فِي الْكتاب " أَي: نقلته) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان أَفعاله ﵇: شرع فِي بَيَان النّسخ، وَهُوَ الْبَاب الْعَاشِر وَيُشِير إِلَى تَعْرِيفه فِي اللُّغَة، وَإِلَى حَده عِنْد الْفُقَهَاء، وتقسيمه على مَا ستراه وَاضحا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - أما أصل النّسخ فِي اللُّغَة: الْإِزَالَة والعدم، يُقَال: " نسخت الرّيح آثَار الْقَوْم " أَي: أزالتها، وأعدمتها، " وَنسخت الشَّمْس الظل ": إِذا أزالته وأعدمته
стр. 119
وَذهب أَبُو حنيفَة، والقفال، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ إِلَى أَن النّسخ فِي اللُّغَة النَّقْل، يُقَال: " نسخت مَا فِي الْكتاب " أَي: نقلته، وَكَذَا يُقَال: " تناسخت الْمَوَارِيث " أَي: نقلت. وَاحْتج الْأَولونَ: أَن النّسخ حَقِيقَة فِي الْإِزَالَة والعدم، مجَاز فِي النَّقْل فَحَمله على الْحَقِيقَة أولى.
وَكَذَا نسخ الْكتاب لَيْسَ هُوَ نقل فِي الْحَقِيقَة، بل إِيجَاد مثله فِي مَكَان آخر وَالله أعلم.
стр. 120
[تَعْرِيف النّسخ فِي الِاصْطِلَاح]
قَالَ: (وَحده: الْخطاب الدَّال على رفع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدّم، على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ.
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيفه فِي اللُّغَة: شرع فِي تَعْرِيفه عِنْد اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ.
فَاخْتَارَ الشَّيْخ هَذَا الْحَد، وَكَذَا القَاضِي أَبُو بكر.
فَقَوله: " وَحده " أَي: حد النّسخ فِي الِاصْطِلَاح: الْخطاب الدَّال على رفع
стр. 121
الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدّم، وَلَا شكّ أَن لَوْلَا الْخطاب الثَّانِي. لَكَانَ الْعَمَل على الأول؛ لِأَن النّسخ ضد الحكم السَّابِق وَهُوَ: الْمَنْسُوخ.
وَقَوله: " الدَّال على رفع الحكم الثَّابِت " احْتِرَازًا عَن الْعَجز للْقِيَام فِي الصَّلَاة، أَو بِالْمرضِ عَن الصَّوْم، فَلَا يُقَال لهَذَا الْعَجز نسخا للْقِيَام الثَّابِت بالحكم الْمُتَقَدّم، وَلَا للصَّوْم، بل إِنَّمَا هُوَ سَبَب طَرَأَ على الحكم الثَّابِت.
وَقَوله: " على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا " أَي: لَوْلَا الثَّانِي لَكَانَ الأول ثَابتا وَالله أعلم.
[وُجُوه النّسخ فِي الْقُرْآن وَبَعض صوره]
قَالَ: (وَيجوز نسخ الرَّسْم وَبَقَاء الحكم، وَنسخ الحكم وَبَقَاء الرَّسْم، والنسخ إِلَى بدل، وَإِلَى غير بدل، وَإِلَى مَا هُوَ أغْلظ، وَمَا هُوَ أخف مِنْهُ) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف النّسخ لُغَة وَاصْطِلَاحا: شرع فِي بَيَان صور تتَعَلَّق بالنسخ:
أَحدهَا: نسخ الرَّسْم من الْمُصحف فَلَا تتلى فِيهِ مَعَ بَقَاء حكمهَا مثل: قَوْله تَعَالَى: " الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا " فَكَانَت قِرَاءَة تقرى، فنسخت قِرَاءَة وَكِتَابَة، مَعَ بَقَاء حكمهَا وَهُوَ الرَّجْم.
стр. 122
الثَّانِيَة: الْعَكْس، وَهُوَ نسخ الحكم وَبَقَاء الرَّسْم، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَى الْحول غير إِخْرَاج﴾ [الْبَقَرَة الْآيَة: ٢٤٠] فَهَذِهِ ثَابِتَة فِي الْخط والتلاوة، مَعَ أَن حكمهَا مَنْسُوخ بقوله تَعَالَى: ﴿أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ [الْبَقَرَة الْآيَة: ٢٣٤] . فَظهر: أَن هَذِه ناسخة للأولى، وَإِن كَانَت مُقَدّمَة فِي الرَّسْم، لَكِن هِيَ مؤخرة فِي الزَّوَال، لِأَن الْأَحْكَام ثَابِتَة للزوال، لَا للرسم.
стр. 123
الثَّالِثَة: [النّسخ] إِلَى بدل كنسخ اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس، إِلَى اسْتِقْبَال الْكَعْبَة.
الرَّابِعَة: النّسخ إِلَى غير بدل، مثل: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ [المجادلة الْآيَة: ١٢] ، فنسخت من غير بدل.
стр. 124
الْخَامِسَة: النّسخ إِلَى مَا هُوَ أثقل، مثل: الْكَفّ عَن قتال الْكفَّار أَولا، ثمَّ نسخ ذَلِك بأثقل مِنْهُ، وَهُوَ: وجوب قِتَالهمْ.
السَّادِسَة: النّسخ إِلَى مَا هُوَ أخف، مثل: أمره تَعَالَى إِبْرَاهِيم بِذبح وَلَده، ثمَّ نسخ بِالْفِدَاءِ.
وَكَذَا تَكْلِيف مُسلم وَاحِد بِعشْرَة بِآيَة الْمِائَة للمائتين وَالله أعلم.
[مسَائِل النّسخ بَين الْكتاب وَالسّنة]
قَالَ: (وَيجوز نسخ الْكتاب بِالْكتاب، وَنسخ السّنة بِالْكتاب وَالسّنة، وَنسخ الْمُتَوَاتر بالمتواتر وَنسخ الْآحَاد بالآحاد والمتواتر، وَلَا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ،
стр. 125
والمتواتر بالآحاد، لِأَن الشَّيْء ينْسَخ بِمثلِهِ أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ) .
أَقُول: لما بَين النّسخ لُغَة وَاصْطِلَاحا شرع فِي تقسيمه، فَقَالَ:
يجوز نسخ الْكتاب بِالْكتاب، وَلَا شكّ فِي ذَلِك، وَلَا خلاف بَينهم فِيهِ، وَذَلِكَ كَمَا سبق فِي عدَّة الْوَفَاة؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أوجب عَلَيْهَا سنة، ثمَّ خففها إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا الْيَهُود وَقَالُوا: يَسْتَحِيل أَن يكون آمرا ناهيا فِي حكم وَاحِد.
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِك بمستحيل عقلا، وَلَا نقلا، لِأَنَّهُ لَهُ الْفِعْل الْمُطلق يحكم كَيفَ يَشَاء لَا يسْأَل عَمَّا يفعل، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا﴾ [الْبَقَرَة الْآيَة: ١٠٦] .
وَلَا شكّ: أَن آدم ﵇ زوج الْأَوْلَاد بالأخوات، ثمَّ نسخ ذَلِك.
وَأما نسخ الْكتاب بِالسنةِ فَذهب الشَّيْخ ﵀ إِلَى أَنَّهَا لَا تنسخ؛ إِذْ
стр. 126
الْقوي لَا ينْسَخ بأضعف مِنْهُ.
وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه كَجلْد الزَّانِي بِالْكتاب فنسخ بِالرَّجمِ للمحصن؛ لِأَنَّهُ ﵇ رجم ماعزاً وَغَيره، ورجمت الصَّحَابَة بعده؛ لِئَلَّا [يُقَال] : كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ ﵇.
وَأما نسخ السّنة بِالْكتاب - وَهَذَا أَيْضا - لَا شكّ فِيهِ، لِأَنَّهُ لما كَانَت السّنة تنسخ
стр. 127
بِمِثْلِهَا فبالكتاب أولى؛ مِثَال ذَلِك: نسخ التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة عَن بَيت الْمُقَدّس؛ فَإِنَّهُ ﵇ صلى إِلَيْهِ نَحوا من سَبْعَة عشر شهرا، فَأمره الله - تَعَالَى - بالتوجه شطر الْمَسْجِد الْحَرَام.
وَأما نسخ السّنة بِالسنةِ فَجَائِز - أَيْضا - وَذَلِكَ مثل: نَهْيه ﵇ عَن زِيَارَة الْقُبُور، ثمَّ أَمرهم - بعد ذَلِك - بالزيارة، وَقَالَ: (إِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة) .
وَأما نسخ الْآحَاد بالآحاد فَجَائِز - أَيْضا -؛ لِأَنَّهُ نسخ بِمثلِهِ.
وَإِذا نسخ الْآحَاد بِمثلِهِ فبالتواتر أولى.
стр. 128
وَإِنَّمَا لم نتكلم فِي الْمُتَوَاتر والآحاد، لِأَن الْكَلَام يَأْتِي فِي بابهما - إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
وَقَوله: " لَا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ " فِيهِ نظر؛ لِأَن السّنة إِذا تَوَاتَرَتْ كَانَت قَطْعِيَّة مثل الْكتاب، فَحِينَئِذٍ جَازَت أَن تكون ناسخة للْكتاب كَمَا - سبق - فِي رجم الْمُحصن.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة﴾ [الْبَقَرَة الْآيَة: ١٨٠] فنسختها السّنة وَجعلت الْوَصِيَّة سنة، لَا فرضا: إِن شَاءَ أوصى من مَاله وَإِن شَاءَ ترك؛ إِذا لَا حرج.
وَالْمرَاد بِالسنةِ الناسخة للْكتاب: السّنة المتواترة.
بِخِلَاف آحَاد السّنة؛ إِذْ لم تكن ناسخة؛ لِأَن الْكتاب قَطْعِيّ، وَكَذَا السّنة المتواترة، فَلَا ينسخان بآحاد السّنة؛ لِأَنَّهُ مظنون، والظني لَا يكون نَاسِخا للقطعي وَالله أعلم.
стр. 129
[تعَارض النُّصُوص]
قَالَ: (فصل: فِي التَّعَارُض. إِذا تعَارض نطقان فَلَا يَخْلُو: [إِمَّا] أَن يَكُونَا عَاميْنِ، أَو خاصين، أَو أَحدهمَا عَاما، وَالْآخر خَاصّا، أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه وخاصاً من وَجه) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان النّسخ لُغَة وَاصْطِلَاحا وتقسيماته: شرع فِي التَّعَارُض، وَهُوَ من تَتِمَّة النّسخ؛ لِأَن النطقين من الْكتاب، أَو السّنة إِذا تَعَارضا أَي: كل مِنْهُمَا عرض لنظيره بالمخالفة فَلَا يَخْلُو: " أَن يَكُونَا عَاميْنِ " أَو " خاصين " أَو
стр. 130
أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا " أَو " كل مِنْهُمَا عَاما من وَجه وخاصاً من وَجه ".
فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[تعَارض العامين، وتعارض الخاصين]
قَالَ: (فَإِن كَانَا عَاميْنِ، وَأمكن الْجمع بَينهمَا: جمع، وَإِلَّا: يتَوَقَّف فيهمَا إِن لم يعلم التَّارِيخ فَإِن علم التأريخ فَينْسَخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر، وَكَذَلِكَ إِن كَانَا خاصين) .
أَقُول: هَذَا شُرُوع فِي بَيَان الْقسمَيْنِ من الْأَقْسَام السِّتَّة.
فالعامان: إِن أمكن الْجمع بَينهمَا: جمع؛ لِأَنَّهُ أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا كَقَوْلِه ﵇: (شَرّ الشُّهُود: الَّذين يشْهدُونَ قبل أَن يستشهدوا) ، وَقَالَ مرّة أُخْرَى: (خير الشُّهُود: الَّذين شهدُوا قبل أَن يستشهدوا) فَحمل الأول على المبادر بهَا،
стр. 131
وَهُوَ يعلم أَن الْمَشْهُود لَهُ عَالم بهَا فَهَذَا حرَام.
بِخِلَاف من بَادر؛ ليعلم صَاحبهَا، ليتوصل لحقه، فَهَذَا حسن.
وَإِن لم يُمكن الْجمع بَين العامين كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ [النِّسَاء الْآيَة: ٢٣] فَهَذَا لفظ عَم النِّكَاح وَالْملك: فَوَجَبَ التَّوَقُّف.
وَلِهَذَا لما سُئِلَ عُثْمَان عَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيمن: توقف وَقَالَ: " أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة.
стр. 132
ثمَّ أَجمعت الْعلمَاء على عُمُومه فِي الْوَطْء وَالنِّكَاح، دون الْملك أَي: لَا يجمع بَينهمَا إِذا كَانَتَا عِنْده بِملك أَن يطأهما، بل إِذا وطيء إِحْدَاهمَا: حرمت الْأُخْرَى إِلَى أَن تَزُول الْمَوْطُوءَة عَن ملكه، وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يجمع بَينهمَا بِنِكَاح وَاحِد، بل لَهُ أَن يجمع بَينهمَا بِالْملكِ.
وَإِن لم يُمكن الْجمع؛ وَلَا الْحمل على أَحدهمَا، لَكِن علم التَّارِيخ: كَانَ الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ، كَمَا سبق فِي عدَّة الْوَفَاة. وَالله أعلم.
وَأما قَوْله: " وَكَذَلِكَ إِذا كَانَا خاصين " أَي: وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ النُّطْق خاصين وَأمكن الْجمع بَينهمَا: جمع لِأَنَّهُ أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا كَمَا - سبق - فِي العامين، وَذَلِكَ مَا روى عَنهُ ﵇ " أَنه تَوَضَّأ وَغسل رجلَيْهِ " وَفِي
стр. 133
رِوَايَة " رش عَلَيْهِمَا " فَحمل الْغسْل على الْحَدث، والرش على أَنه كَانَ طَاهِرا من غير حدث.
وَإِن لم يُمكن الْجمع، وَعلم التَّارِيخ: كَانَ الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ كَمَا سبق من النَّهْي عَن زِيَارَة الْقُبُور، ثمَّ أذن فِي زيارتها.
وَإِن لم يُمكن الْجمع، وَلَا علم التَّارِيخ: وَجب التَّوَقُّف كَمَا انه ﵇ لما سُئِلَ عَن مَا يحل للرجل من الْحَائِض، فَقَالَ: (مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي رِوَايَة: (اصنعوا كل شَيْء إِلَّا النِّكَاح) .
فَالْأول مَخْصُوص بِمَا بَين السُّرَّة وَالركبَة.
وَالثَّانِي مَخْصُوص بالفرج - فَقَط -.
فَذهب جمَاعَة إِلَى الأول؛ احْتِيَاطًا.
стр. 134
وَآخَرُونَ إِلَى الثَّانِي؛ لِأَن الأَصْل: الْإِبَاحَة عِنْد الْإِطْلَاق والتعارض، ليدل دَلِيل على التَّحْرِيم، وَالله أعلم.
[الحكم إِذا تعَارض الْعَام مَعَ الْخَاص، وَإِذا كَانَ كل مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه وعاما من آخر]
قَالَ: (وَإِن كَانَ أَحدهمَا خَاصّا، وَالْآخر عَاما: فيخص الْعَام بالخاص، وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا خَاصّا من وَجه وعاماً من وَجه: فيخص عُمُوم كل وَاحِد بِخُصُوص الآخر) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْقسمَيْنِ من التَّعَارُض: شرع فِي الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة:
أَحدهَا: إِذا ورد الدَّلِيل عَاما كَقَوْلِه ﵇: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) فَهَذَا عَام فِي الْقَلِيل وَالْكثير.
وَالثَّانِي: قَوْله ﵇: (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) .
стр. 135
فَهَذَا معَارض للْأولِ لَكِن ورد للخصوص فَحمل الْعَام عَلَيْهِ، وَجعلت الزَّكَاة فِي خَمْسَة أوسق فَصَاعِدا، وَلم تجْعَل فِي أقل من ذَلِك.
وَالثَّالِث: الْعَام من وَجه وَالْخَاص من وَجه كَقَوْلِه ﵇: (إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثاً) فَظَاهره الْعُمُوم؛ لِأَنَّهُ ﵇ لم يتَعَرَّض لتغيره، وَلَا لغيره، وَخص من وَجه آخر وَهُوَ: تَقْيِيده بالقلتين.
وَالرَّابِع: الْعَام من وَجه، وَالْخَاص من آخر قَوْله ﵇: (المَاء طهُور لَا يُنجسهُ إِلَّا مَا غير طعمه، أَو رِيحه، أَو لَونه) فَظَاهره: الْعُمُوم؛ لِأَنَّهُ ﵇ لم يتَعَرَّض للقليل، وَلَا للكثير.
وَخص من وَجه آخر، وَهُوَ: تَقْيِيده بالتغير، فَحمل عُمُوم الأول وَهُوَ قَوْله:
لم ينجس " على خُصُوص الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: " إِلَّا مَا غير طعمه " الحَدِيث.
стр. 136
وَحمل عُمُوم الثَّانِي، وَهُوَ: " طَهَارَة المَاء " على خُصُوص الأول، وَهُوَ " القلتان ".
فَظهر: أَن المَاء إِذا بلغ قُلَّتَيْنِ لم ينجس إِلَّا بالتغير، وَمَا تغير تنجس سَوَاء قل، أَو كثر، وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْإِجْمَاع، وَبَيَان حجيته]
قَالَ: (و [أما] الْإِجْمَاع: [ف] اتِّفَاق عُلَمَاء أهل الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة، ونعني بالعلماء: الْفُقَهَاء و [نعني] بالحادثة: الْحَادِثَة الشَّرْعِيَّة، وَإِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة، دون غَيرهَا؛ لقَوْله ﵇: " لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة، وَالشَّرْع ورد بعصمة هَذِه الْأمة) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان النّسخ: شرع فِي بَيَان الْإِجْمَاع وَهُوَ: الْبَاب الْحَادِي عشر، الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة: الْعَزْم والاتفاق، يُقَال: " أجمع الْقَوْم " أَي: عزموا، وَاتَّفَقُوا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم﴾ [يُونُس الْآيَة: ٧١] وَفِي الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق عُلَمَاء أهل الْعَصْر على حكم شَرْعِي.
стр. 137
فَقَوله: " اتِّفَاق الْعلمَاء " ليخرج الْعَوام؛ إِذْ لَيْسُوا من أهل الِاجْتِهَاد، وَلَا يُمكن الْوُقُوف على قَول كل فَرد مِنْهُم؛ لكثرتهم، بِخِلَاف الْعلمَاء.
وَذهب بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى اعْتِبَار مُوَافقَة الْعَوام؛ لأَنهم من الْأمة، وَقد حكم لَهُم بالعصمة؛ لعدم اجْتِمَاعهم على الضَّلَالَة.
وَقَوله: " عُلَمَاء الْعَصْر " ليخرج من بعدهمْ؛ لأَنهم إِذا اجْتَمعُوا فِي الْعَصْر الْوَاحِد على حكم لَا يضر من خالفهم بعده.
стр. 138
وَقَوله: " ونعني بالعلماء " الْفُقَهَاء "؛ ليخرج الْمُتَكَلِّمين والنحويين وَغَيرهم.
المُرَاد بالفقهاء: المجتهدون المستنبطون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بالأدلة.
بِخِلَاف من نقل مذْهبه عَن غَيره، فَإِنَّهُ لم يكن مِنْهُم، وَلَا تضر مخالفتهم.
وَقَوله: " إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة " إِلَى آخِره؛ ليخرج غَيرهَا كاليهود وَالنَّصَارَى؛ فَإِن إِجْمَاعهم لَيْسَ بِحجَّة.
وَإِنَّمَا كَانَ إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة؛ لعدم إِمْكَان اتِّفَاق جمَاعَة عَظِيمَة شريفة مشهود لَهُم بالعصمة [عَن] الْبَاطِل، وَلِهَذَا كَانَ السّلف يشددون التنكير على
стр. 139
مُخَالف الْإِجْمَاع وَالله أعلم.
[حجية إِجْمَاع الْمُجْتَهدين مُطلقًا، وَهل يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر]
قَالَ: (وَالْإِجْمَاع حجَّة على الْعَصْر الثَّانِي، وَأي عصر كَانَ، وَلَا يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر على الصَّحِيح، فَإِن قُلْنَا: انْقِرَاض الْعَصْر شَرط: فَيعْتَبر قَول من ولد فِي حياتهم، وتفقه، وَصَارَ من أهل الِاجْتِهَاد، وَلَهُم أَن يرجِعوا عَن ذَلِك) .
أَقُول: يُشِير إِلَى أَن إِجْمَاع الْعَصْر الأول حجَّة فِي الْعَصْر الثَّانِي.
وَكَذَا: إِجْمَاع كل عصر حجَّة لمن يعدهم إِلَى الْأَبَد.
стр. 140
خلافًا للظاهرية فَلم يثبتوا الْإِجْمَاع إِلَّا للصحابة - فَقَط - وَلِهَذَا قَالَ: " وَأي عصر كَانَ ".
وَهل يشْتَرط لانعقاد [إِجْمَاع] الْعَصْر الثَّانِي انْقِرَاض الْعَصْر الأول؟ قَولَانِ: -
صحّح الشَّيْخ ﵀ وَجَمَاعَة: أَنه لَا يشْتَرط انقراضهم؛ لِأَنَّهُ ﵇ شهد لَهُم بالعصمة من غير تَخْصِيص وَقت دون وَقت.
стр. 141
وَذهب أَبُو بكر بن فورك وَغَيره إِلَى اشْتِرَاط انقراضهم؛ لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ رُجُوع بعض من اتّفق مَعَهم كَمَا جرى لعَلي ﵁ وافقهم فِي عدم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، ثمَّ - بعد ذَلِك - رأى بيعهنَّ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي
стр. 142
رَأْيك فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك " فَدلَّ على اشْتِرَاط انقراضهم، وَإِلَّا: لم يجز لَهُ الرُّجُوع وخرق الْإِجْمَاع.
стр. 143
وَالأَصَح: الأول؛ لِأَن الانقراض لَو كَانَ شرطا: لأمتنع حُصُول الْإِجْمَاع؛ لِإِمْكَان أَن يرجع بَعضهم.
ورد قَول من اسْتدلَّ بقول عَليّ ب: أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على عدم بيع أم الْوَلَد، وَلم يلتفتوا إِلَى أَي رَأْي وَاحِد؛ إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي خرق الْإِجْمَاع.
[الْإِجْمَاع السكوتي وحجية قَول الصَّحَابِيّ]
قَالَ: (وَالْإِجْمَاع يَصح بقَوْلهمْ، وفعلهم، وَبقول الْبَعْض، وَفعل الْبَعْض وانتشار ذَلِك، وسكوت البَاقِينَ عَنهُ، وَقَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة لَيْسَ بِحجَّة على الْجَدِيد، وَفِي الْقَدِيم حجَّة) .
أَقُول: غَايَة مَا فِيهِ: أَن الْإِجْمَاع ينْعَقد بأفعالهم، كَمَا ينْعَقد بأقوالهم.
و" بقول الْبَعْض، وَفعل الْبَعْض " يُشِير إِلَى أَن بعض عُلَمَاء الْعَصْر إِذا ذَهَبُوا إِلَى قَول وَلم يخالفوهم الْآخرُونَ، أَو إِلَى فعل، وانتشر ذَلِك القَوْل أَو الْفِعْل وَسكت الْبَاقُونَ من غير إِنْكَار: كَانَ إِجْمَاعًا كَأَنَّهُمْ راضون بِهِ، وَلِهَذَا قَيده بالانتشار.
стр. 144
وَإِن لم ينتشر: فَلَيْسَ بِإِجْمَاع؛ لاحْتِمَال ذُهُول الْبَعْض عَنهُ.
وَأما قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة: [ف] لَيْسَ بِحجَّة فِي الْجَدِيد؛ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ.
وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى انه حجَّة.
وَلِهَذَا قدر جعل رد الْآبِق بِأَرْبَعِينَ درهما لأثر ابْن مَسْعُود.
وَقد قَالَ ﵇: (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ افتديتم اهْتَدَيْتُمْ) وَهَذَا
стр. 145
دَلِيل على وجوب الْأَخْذ بقول كل وَاحِد مِنْهُم.
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْخَبَر، وأقسامه، وتعريف الْمُتَوَاتر]
قَالَ: (وَأما الْأَخْبَار: فَالْخَبَر: مَا يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب، وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى:
آحَاد، ومتواتر، فالمتواتر: مَا يُوجب الْعلم، وَهُوَ: أَن يروي جمَاعَة لَا يَقع التواطؤ على الْكَذِب من مثلهم إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الْمخبر عَنهُ، وَيكون فِي الأَصْل عَن مُشَاهدَة، أَو سَماع، لَا عَن اجْتِهَاد وأخبار) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْإِجْمَاع: شرع فِي بَيَان الْأَخْبَار، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي عشر.
وَالْأَخْبَار هِيَ: طَرِيق ثُبُوت السّنة الشَّرِيفَة إِلَيْنَا.
وَقد اخْتلفُوا فِي رسم الْخَبَر: - فَذهب جمَاعَة إِلَى عدم رسمه؛ إِذْ الرَّسْم للتعريف، وَالْخَبَر مَعْرُوف بِنَفسِهِ؛
следующие страницы →