ومن ذلك سلوك عمير بن وهب الجمحي عندما أسلم وأقام في مكة لم يوال المشركين بل أصبح يتبرأ من أعمالهم ويدعوهم إلى الإسلام، وأسلم على يديه خلق كثير، ولم يجد حرجاً من أن يظهر شعائر دينه على الملأ (١).
ومن سلامة المنهج لدى الصحابة في دعوتهم أنهم لم يسمحوا للباطل أو يرضوه؛ فهذا الطفيل بن عمرو الدوسي يرفض الباطل الذي ذكرته له زوجته من تعرض ذي الشرى لها إذا هي اغتسلت بمائه ويأمرها بأن تغتسل.
وها هي أم سُليم لم تقبل أن تتزوج رجلاً مشركاً يعبد إلهاً مصنوعاً من شجرة حتى يسلم.
فلم يرضوا بالباطل للوصول إلى الحق ولم يتخذوه سبيلاً لهم، بل جعلوا الحق هو الطريق، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (٢).
كما كان من سلامة المنهج مراعاة الأولويات وذلك اقتداء بهدي الرسول ﷺ كما في وصيته لمعاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (.
стр. 107
ويتضح ذلك من وصية أبي بكر الصديق ﵁ لقادة الجيوش التي بعثها إلى الشام، إذ قال لهم: (إذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله، فادعوهم إلى ثلاث، فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوكم فادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أجابوكم فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم ... ((١). فالتدرج من صميم منهج الصحابة في الدعوة إلى الله، ومن أسباب سلامته.
الضابط الثالث: المرجعية:
ينطلق الصحابة في دعوتهم من أسس ثابتة وبناءً على ضوابط واضحة جعلوها دليلاً لهم فيما يقومون به، وكما أن لكل أمر مرجعاً يكون هو المعيار والمقياس الذي يعرف به مدى صحة هذا الأمر فقد اتخذوا ﵃ أقوال الرسول ﷺ وأوامره ونواهيه ضابطاً لهم في دعوتهم وجعلوها هي مرجعاً لهم يضبطون بها مسار دعوتهم ويقيسون بها مدى انضباطها وعدم خروجها عن المسار الصحيح؛ فكان المرجع لهم هو رسول الله ﷺ ، وحرصوا على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، فكان الصحابة ﵃ يتسابقون لدعوة أقوامهم حرصاً منهم على الخير لهم، إلا أنهم لا يقومون بهذا العمل إلا بعد أن يأخذوا العلم من رسول الله ﷺ .
стр. 108
فهذا عمرو بن مرة الجهني يأتي إلى رسول الله ﷺ قبل أن يسلم ويخبره برؤيا رآها وهو نائم فيقول له رسول الله ﷺ : (يا عمرو بن مرة، إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر من اثني عشر شهراً وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم (، فقال عمرو: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"، ثم طلب من الرسول ﷺ أن يبعثه إلى قومه يدعوهم فأذن له الرسول ﷺ ، فأتى قومه ثم دعاهم بما علمه الرسول ﷺ من الهدى، فقال لهم نفس قول الرسول ﷺ له، فجعل كلام رسول الله ضابطاً له وحافظاً لدعوته من التغيير والتحريف، فكانت هي المرجع الذي استقى منها دعوته.
وهذا ضمام بن ثعلبة ﵁ يدعو قومه بما تعلمه من رسول الله ﷺ من أمور الدين وذلك في حديث ابن عباس ﵄ الذي قال فيه: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" (١)، وقد أسلم قومه جميعاً عن بكرة أبيهم.
وإذا كانت المرجعية هي الجهة التي يسلِّم بحكمها المتحاورون عند الاختلاف والنزاع (٢)، فإن الصحابة ﵃ كانوا يحتكمون في أمور الدعوة إلى رسول الله ﷺ في حياته وإلى سنته بعد مماته، ففي قصة مسلم بن الحارث التميمي عندما
стр. 109
بعثهم رسول الله ﷺ في سرية قال: فلما دنونا من الحصن سمعنا ضوضاء أهله، فاستحثثت فرسي فأتيتهم فقلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوا؛ فقال أصحابنا: حرمتنا الغنيمة بعد أن بردت في أيدينا، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فحسَّن لي ما صنعت وقال لي: (إن لك من الأجر بعدد كل إنسان منهم كذا وكذا (. ونجد هنا المراجعة من صحابة رسول الله ﷺ فيما قام به مسلم بن الحارث ﵃ أجمعين للوصول إلى الصواب ومعرفة الحق.
وإذا كانت المرجعية هي ما يُنطَلَق منه فهي أيضاً ما يُحتكَم إليه، وهذا ما حصل في قصة مسلم بن الحارث ﵁، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، فالرجوع إلى الرسول ﷺ هو أمر إلهي مسلم به لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بالدعوة إلى الله، فإن الرجوع إلى الرسول هو ضابط رئيس يجعل الدعوة في المسار الصحيح المحكوم بما جاء به رسول الله ﷺ من ربه.
الضابط الرابع: الإخلاص في دعوة المشركين وبذل الجهد في ذلك:
إن الإخلاص من أهم شروط قبول العمل، وبما أن الدعوة من الأعمال المقربة إلى الله وهي من الأعمال الصالحة فالإخلاص فيها آكد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)؛
стр. 110
فوجود الإخلاص فيها ضروري، ويجب أن يتحلى به صاحب الدعوة إلى الله، وذلك للفوز بالجنة، ولا يمكن ذلك إلا إذا وافق العمل بالدعوة إخلاص النية لوجه الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وهو تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين" (٢). وإذا غاب الإخلاص حل محله الهوى، فأصبح الداعية عبداً لهواه مسيراً به حتى وإن كان يعتقد أنه يدعو إلى الحق، فيصبح داعية ضلال لا داعية هدى، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٣). ومن هذا كانت دعوة الصحابة ﵃ خالصة لوجه الله تعالى، ولا يريدون منها إلا رضاه سبحانه دون غيره، فها هو عروة بن مسعود ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام إلا أن الرسول ﷺ يخبره أنهم قاتلوه فيصر ﵁ أن يبلغ قومه الدعوة فيأذن له رسول الله ﷺ فيدعوهم ويرميه أحدهم بسهم فيصيبه في أكحله، فيتجهز قومه لقتال من قتلوه فيقول ﵁: "لا تقتتلوا فيَّ فإني قد تصدقت بدمي على صاحبه ليصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ" (٤).
стр. 111
وقال الرسول ﷺ عنه: (مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه (. وهذه شهادة من الرسول ﷺ بإخلاص نية عروة ﵁، فلو كان يريد السمعة والشهرة أو عرض الدنيا من الجاه والزعامة لاستطاع ذلك عن طريق طلبها من الرسول ﷺ أو من قومه ولم يفضل الشهادة على ذلك كله.
ومن الإخلاص ما قام به أصحاب بيعة العقبة الثانية من دعوة عبدالله بن حرام إلى الإسلام وذلك في حديث كعب بن مالك ﵁ قال: واعدنا رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق ونحن سبعون رجلاً للبيعة ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر وإنه لعلى شركه، فأخذناه فقلنا: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غداً حطباً، وإن الله قد بعث رسولاً يأمر بتوحيده وعبادته وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله ﷺ للبيعة فأسلم وطهر ثيابه وحضرها معنا فكان نقيباً (١). فكان إخلاصهم في الدعوة سبباً في قبول عبدالله بن حرام ﵁ ودخوله الإسلام؛ لأن نيتهم كانت خالصة صالحة لا يرجون بها إلا وجهه الكريم، وقد أخلصوا دينهم لله، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢)، يقول ابن عاشور في معنى الإخلاص في هذه الآية: "أن يكون الداعي إلى إتيان المأمور وإلى ترك المنهي إرضاء لله تعالى، وأن لا يكون
стр. 112
الحظ الدنيوي هو الباعث للعبادة" (١).
ومن هنا كان الصحابة ﵃ مراقبين لربهم ومحاسبين أنفسهم ومجاهدين نياتهم في تصحيحها وإخلاصها لله تعالى، ومدافعة الشيطان من الدخول إلى أنفسهم ومخالطتها ليفسد أعمالهم، فهذا مصعب بن عمير ﵁ باع الدنيا وزينتها واشترى ما عند الله بها، فأخلص في الدعوة حتى أسلم على يديه خلق كثير من أهل المدينة، وعندما عاد إلى مكة في العقبة الثانية جاء إلى منزل رسول الله قبل منزل أمه، فبعثت إليه: يا عاق، أتقدم بلداً أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال لرسولها: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله ﷺ ، ولما سلم على الرسول ﷺ وأخبر ما أخبر، ذهب إلى أمه، فقالت: إنك لعلى ما أنت عليه من الصبأة بعد؟ قال: أنا على دين رسول الله ﷺ ، وهو الإسلام الذي رضي الله لنفسه ولرسوله، قالت: ما شكرت ما رثيتك مرة بأرض الحبشة ومرة بيثرب، فقال: أفر بديني أن تفتنوني، فأرادت حبسه، فهدد بقتل من يتعرض له، فقالت: اذهب لشأنك، وبعد ذلك يقوم مصعب بن عمير الصحابي الداعية بدعوة أمه فيقول لها: يا أمَّه، إني لك ناصح عليك شفيق فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ولكن الأم المكابرة ترد على ابنها وتقول: والثواقب (٢) لا أدخل في دينك فيزرى برأيي ويضعف عقلي، ولكن أدعك وما أنت عليه وأقيم على ديني (٣).
فمن محبة مصعب لربه ونبيه وإخلاصه في ذلك لم يجعل شيئاً يشاركهما قلبه، حتى لو كانت أمه،
стр. 113
قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
كما أن من الإخلاص بذل الجهد في حصول المقصود، وهو إسلام المدعو والحرص على ذلك، وهو ما حرص الصحابة ﵃ عليه وسعوا إلى تحقيقه في جميع المواقف التي دعا فيها الصحابة ﵃ المشركين إلى الإسلام، من بذل الجهد في الذهاب إلى المدعو، وبذل الجهد في تحمل المشاق والأذى، وبذل الجهد في نصح المدعو، وعدم التخاذل معه، والإصرار على ذلك، وجميع الأدلة في دعوة الصحابة للمشركين يتجلى فيها الإخلاص وبذل الجهد من أجل الحصول على استجابة المدعو للإسلام.
وبهذا نجد أن الإخلاص وبذل الجهد في الدعوة هو ضابط من ضوابط منهج الصحابة في دعوتهم بحيث يقف به الداعي عند حدود الشرع، وبه يكون العمل متقناً محفوظاً من الانحراف والشرك ومتقبلاً عند الله سبحانه الذي هو من يعلم السر، وما تخفي الصدور، فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه ((٢).
стр. 114
الضابط الخامس: العلم بما يدعو:
العلم ضابط أساسي في الدعوة إلى الله بشكل عام، ولا يمكن الدعوة إلى الله إلا عن طريق اكتساب المعرفة فيما يدعو إليه الداعية، وقد جعل الله العلم أمراً أساسياً في الدعوة إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)؛ فقد جعل الله دعوة الرسول ﷺ على علم وهو البصيرة، كما جعل دعوة من اتبع الرسول ﷺ أيضاً على بصيرة ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وأول من تبع الرسول ﷺ هم أصحابه، فهم أولى بالعلم والبصيرة من غيرهم. وقد تقدم العلم على العمل؛ وذلك أن العمل بدون علم قد يؤدي إلى ضلال وفساد، أما العلم فهو حامي العمل، وقد وضع البخاري باباً في صحيحه سماه: "باب العلم قبل القول والعمل" (٢). وقد علق ابن حجر في "فتح الباري" على ذلك فقال: "قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، ولا ميزان إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية الصحيحة للعمل" (٣). وكان البخاري قد بوب هذا الباب لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤)، وقال: "إن من أخذ العلم أخذ بحظ وافر" (٥).
وصحابة رسول الله ﷺ ظهر لهم الحق فعرفوه وتعلموه ودعوا
стр. 115
إليه، وكانوا هم الطليعة الأولى من الدعاة بعد الرسول ﷺ ولم يقلدوا أحداً في علمه سوى من أرسله الله معلماً وهو الرسول ﷺ . وكما أن الله قد اختارهم صحابة لنبيه فقد أراد بهم الخير، ومن هذا الخير ما رواه معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ((١).
وبما أن الدعوة تعتمد على البصيرة، والبصيرة هي: "إدراك القلب والعقل لضوابط المسائل كما تدرك العين والبصر الأشياء، والبصيرة هذه هي العلم النافع" (٢)، إذن فالعلم هو من أهم الضوابط التي ينبغي على الدعاة تحصيله والعمل بموجبه، ولقد كان رسول الله ﷺ يحرص على تعليم صحابته ﵃ أمور الدين كما يحرص على إرسالهم بعد تعليمهم لدعوة الناس، فهذا مصعب بن عمير ﵁ أرسله الرسول ﷺ معلماً أهل يثرب الدين بما عنده من علم بالقرآن. وهذا خباب بن الأرت ﵁ يدعو عمر بن الخطاب ﵁ في بيت سعيد بن زيد وأخته فاطمة ﵂ اللذَين كان يعلمهما القرآن بما تعلمه من رسول الله ﷺ . وفي دعوة أبي أمامة الباهلي ﵁ لقومه يقول: "بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله وأعرض عليهم شرائع الإسلام" (٣). وهنا نجد أن أبا أمامة ﵁ كان لديه علم بما سيدعوهم إليه وذلك في قوله: "أعرض عليهم شرائع الإسلام"، فنجد أن الرسول ﷺ أرسله لعلمه بالشرائع والأمر والنهي في الدين.
وكذلك في
стр. 116
قصة إرسال خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب في نجران وكتابه إلى رسول الله ﷺ بيان على أن من ضوابط الدعوة هو الزاد الذي تزود به الصحابة من علم ليتموا دعوة الله، يذكر ابن هشام في السيرة أن خالد بن الوليد كتب إلى رسول الله ﷺ كتاباً يقول فيه: "من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا أقمت فيهم وقبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركباناً قالوا: يا بني الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إليَّ رسول الله ﷺ والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته" (١).
فهنا كان خالد بن الوليد ﵁ يعلمهم بعلمه لقوله: "آمرهم بما أمرهم الله وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ (، فكان ذلك هو الضابط والمقياس للدعوة لدى الصحابة. وكان العلم هو العين التي ينظر من خلالها الصحابة والمعين الذي ينهلون منه في دعوتهم، فلا يقولون في الإسلام إلا بما علموا وعرفوا، فكان حصناً لهم من الانحراف والميل عن الحق.
стр. 117
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "إن أول زاد يتزود به الداعية إلى الله أن يكون على علم مستمد من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله ﷺ الصحيحة المقبولة" (١). وذلك يوافق ما قام به ضمام بن ثعلبة ﵁ عندما أتى إلى الرسول ﷺ فسأله عن أمور الدين جميعها ثم عاد إلى قومه يدعوهم إليها.
والعلم الذي يحفظ الدعوة ويحصنها هو البصيرة التي ذكرت في سورة يوسف، يقول الشيخ العثيمين ﵀: أي على بصيرة في ثلاثة أمور (٢):
الأول: على بصيرة فيما يدعو إليه.
الثاني: على بصيرة في حال المدعو.
الثالث: على بصيرة في كيفية الدعوة.
ولو تأملنا جميع شواهد دعوة الصحابة لوجدنا أنهم قد كانوا على بصيرة في جميع تلك الأمور التي ذكرها الشيخ ابن عثيمين، ولأن المجال هنا ليس مجالها فلن نتطرق لها؛ إلا أن جلوس الصحابة عند رسول الله ﷺ كان مصدراً لغرس العلم في صدورهم وحرصهم على ذلك زادهم فقهاً؛ مما أنار الطريق أمامهم في دعوتهم، ومن فضل العلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى:
стр. 118
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، ويقول الصحابي الداعية معاذ بن جبل ﵁: "العلم إمام العمل والعمل تابعه" (٢)، ويقول شيخ الإسلام في ذلك: "وهذا ظاهر؛ فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية والإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولابد من العلم بحال المأمور والمنهي" (٣).
الضابط السادس: الرفق والتيسير في الدعوة:
إن الرفق والتيسير في الدين الإسلامي بشكل عام، وفي الدعوة إلى الله بشكل خاص، هو مطلب شرعي يدخل في جميع الأمور والأعمال التي يمارسها الداعي، قال ﷺ : (يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ((٤)، وقال ﷺ : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ((٥)، فلابد للمسلم أن يكون رفيقاً في أموره كلها؛ لأن هذه الصفة من الصفات المحببة لله ولعباده، وقد قال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه ((٦)، وكان ﷺ إذا بعث أحداً من أصحابه في
стр. 119
بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا ((١). والإنسان بطبيعته يحب التلطف والرفق، ويقبل ممن يتصف بهما ما لا يقبله ممن يتصف بالعنف والشدة، فكم من مدعو أخذته العزة بالإثم فيأنف ويصر على إعراضه وكفره، ومن أسباب ذلك عنف وشدة الداعي. وقد كان الرسول ﷺ رفيقاً حليماً رحيماً بالمدعوين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢)،
فقد أخبر الله نبيه ﷺ أن من أسباب اجتماع الناس عليه وقبولهم لدعوته هو عدم الغلظة في تعامله معهم، وفي هذا دليل على أن الرفق له أثر بيِّن وأهمية كبيرة في مجال الدعوة؛ لذلك جعل الصحابة ﵃ الرفق من الضوابط التي يتم من خلالها السيطرة والمحافظة على المنهج الصحيح للدعوة، ويتمثل ذلك في موقف مصعب بن عمير ﵁ عندما دعا أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ ﵄، فعندما حضرا إليه متشتمين لم يغلظ لهما ويرد لهما الشتيمة، إنما ألان لهما القول ورفق بهما، وقال لهما كلاً على حدة: "أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً رغبت فيه وقبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره"، فقال في ذلك قولاً ليناً رفيقاً جعل كلاً منهما يستمع إلى الدعوة ويقبلها، كيف لا وقد أمر الله موسى ﵇ بأن يخاطب فرعون بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣)، وذلك تبيان لتأثير الرفق واللين في المدعو.
стр. 120
كما أن في دعوة طليب بن عمير ﵁ لأمه أروى بنت عبدالمطلب ﵂ رفق الابن بالوالد؛ فقد قال لها: أسألك بالله إلا أتيته وسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وذلك من وصية الله للإنسان أن يحسن لوالديه وإن كانا مشركين، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١)، والرفق في دعوة الوالدين من الإحسان إليهما.
والرفق أو التيسير لا يعني التنازل أو التهاون في أمور الدين، أو المجاملة والمصانعة على حساب الحق، إنما يعني الرفق مع الحق والحزم؛ وذلك ما نلحظه في قصة إرسال الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى حصن خيبر، فعن سهل بن سعد ﵁ سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه (فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى فقال: (أين علي؟ (فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال ﵁: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال ﷺ : (على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم ((٢)، في هذا الحديث رفق مع حزم وقوة في الدعوة، وعدم التنازل عن الإسلام وواجباته، ومن الرفق والتيسير عدم مقاتلتهم حتى يدعوهم، وقد
стр. 121
طبق ذلك علي ﵁ عندما واجه عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق، فلم يقاتله إنما دعاه قبل قتاله وقتله، وكذلك ما قام به سلمان الفارسي ﵁ في بهرسير (١) والقصر الأبيض (٢) من دعوتهم والانتظار ثلاثة أيام قبل قتالهم، وإرسال الرسل إلى الفرس من قبل خالد بن الوليد، ومن قبل سعد بن أبي وقاص ﵃، ودعوتهم إلى الإسلام، وكل ذلك من الرفق والتيسير، وعدم الغلظة، مع عدم التنازل عن نشر الإسلام وأحكامه.
الضابط السابع: الاجتماع وعدم التفرق:
إن من الواجب على المسلمين بشكل عام، وعلى الدعاة بشكل خاص، الاجتماع وعدم التفرق، وقد ذكر الله ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣)، فالحث على لزوم الجماعة والائتلاف بين المؤمنين من أساسيات هذا الدين الحنيف، ومن أولوياته؛ لما في ذلك من مصالح حاضرة من تماسك الأمة وتكاتفها ضد أعدائها؛ مما يؤدي إلى عزتها، كما أن من مقاصد الاجتماع عدم التفرق والتشتت؛ مما يؤدي إلى الضعف والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، فقد اختلف الذين من قبلنا من أهل الكتاب وما كان من اختلافهم إلا الفرقة والعذاب في الآخرة، فنهى الله سبحانه عن ذلك.
стр. 122
وإن من عوامل نصر هذه الأمة هو الاجتماع، وعدم النزاع والافتراق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١)، ومن هنا كان الرسول ﷺ يؤسس لهذا الضابط لدى صحابته في دعوتهم، ويأمرهم بالاجتماع في جميع أمورهم، قال ﷺ : (يد الله مع الجماعة ((٢)، كما بين ﷺ إثم ومصير من فرق الجماعة في قوله ﷺ : (سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد كائناً من كان فاقتلوه، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض ((٣)؛ فلأهمية هذا الأمر في الدين كان جزاء من يخالفه ويفرق بين المسلمين القتل. كما ربى الرسول ﷺ الصحابة على ذلك، وأدبهم عليه، فعندما أرسل ﷺ معاذاً وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ((٤)،
فجعل لهما ﷺ ضوابط قبل أن يذهبا إلى اليمن ليدعوا الناس إلى الإسلام، ومنها عدم الاختلاف، كما أنه عندما أذن لمالك بن الحويرث ومن معه قال ﷺ لهم: (لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم؛ مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا،
стр. 123
وإن حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ((١)، ففي هذا الحديث إشارة إلى اجتماعهم على أكبرهم بأن تكون الإمامة له، ولا يختلفوا عليه.
وقد وردت عدة آيات وأحاديث تشير إلى الاجتماع وعدم الاختلاف بين المسلمين، ومنهم الدعاة، وقد جعل الصحابة من الاجتماع وعدم التفرق ضابطاً لهم في دعوتهم لكي يوحد كلمتهم ويقوي شوكتهم، ولا يكونوا مختلفين، فيختلف المدعوون من بعدهم، فنجد أبا موسى الأشعري وافق معاذاً، ولم يخالفه، ونزل عند رغبته، وذلك عندما جاء معاذ إلى أبي موسى ﵄، فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه فقال معاذ: يا عبدالله بن قيس، أيَمَ هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يُقتل، قال: إنما جيء به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به فقتل ثم نزل (٢). وفي هذا دليل على حرص الصحابة ﵃ على عدم الاختلاف، وذلك لعدم إصرار أبي موسى الأشعري ﵁ على عدم قتل المرتد، وأنه تحت إمرته، وليس تحت إمرة معاذ ﵁.
стр. 124
وأيضاً من أدلة الاجتماع وعدم التفرقة في الدعوة، توافق الرسل الذين أرسلهم سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى رستم، وكيف كانت كلمتهم واحدة، وأنهم واثقون من أن المسلمين سوف يتبعون ما اتفقوا عليه مع رستم، ولن يختلفوا معهم؛ مما أعطى انطباعاً لدى الفرس عن مدى قوة المسلمين وتماسكهم ومنعتهم.
ومن ذلك اجتماع المسلمين على سلمان الفارسي ﵁ يوم القصر الأبيض وطاعتهم له عندما دعا الفرس وأعطاهم ثلاثة أيام قبل أن ينهدَّ عليهم، ويفتح حصونهم، وهو داعيتهم، ولم يكن أمير الجند آنذاك.
ومن هذا تتبين أهمية الاجتماع وعدم التفرق، وحرص الصحابة عليه، وأن باجتماع الدعاة يجتمع الناس ويتفقون، وبتفرقهم تفريق للأمة وإضعاف لها، وجعلها أحزاباً كل حزب معادٍ للآخر، ومتربص به، ويبحث عن هفواته وزلاته، فيصبح هَمُّ الدعاة زيادة الفجوة بين الناس لكسب تأييدهم، وزيادة أتباعهم، والقدح والتجريح فيمن هو مخالف لهم، ونسوا أن هناك من يتربص بهذا الدين، ويحيك له المؤامرات والمكائد؛ لكي يبعد الناس عن الحق، قال ﷺ : (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ((١).
стр. 125
الفصل الثاني
منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالداعي والمدعو
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالداعي.
المبحث الثاني: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالمدعو.
стр. 126
لمبحث الأول
منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالداعي
المطلب الأول: مفهوم "الداعي إلى الله" واستثماره للجوانب الإيجابية
إن أول الدعاة هم الأنبياء الذين أمرهم الله بتبليغ دينه ورسالاته إلى البشرية، ومن ثم أتى بعدهم أتباعهم الذين استمروا في إكمال هذه الدعوة والاستمرار على ما كان عليه هؤلاء الأنبياء، إلى أن انحرفت دعوتهم وزاغت عن طريق الحق، وكلما ضل أقوام أرسل الله نبياً لهم ليقوِّمهم ويصحح عقائدهم ويعيدها إلى دين الله الذي يأمر بعبادته سبحانه لا شريك له، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، إلى أن أرسل الله نبينا محمداً ﷺ خاتماً للأنبياء والمرسلين، وجعل رسالته ناسخة لجميع الرسالات وخاتمة لها، فكان ﷺ أول داعٍ إلى الله في هذه الأمة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ
стр. 127
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١)، ثم جاء من بعده أصحابه ﵃ فكانوا دعاة إلى هذا الدين ورسل رسول الله ﷺ ، فتولوا نشر الإسلام، والدعوة إليه، وتبليغه، والتعريف به، فهم النواة الأولى للدعوة، وقد استن بسنتهم كل من أتى بعدهم من المسلمين إلى هذا العصر، فبذلك كانوا أول دعاة إلى الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، يستنون بسنته ويهتدون بهديه، ويبلغون ما أمرهم به، وهؤلاء هم الدعاة الذين سوف نتطرق إلى الحديث عنهم في هذا المبحث.
أولاً: مفهوم الداعي:
"الداعي هو مفرد دعاة، وهم قوم يدعون إلى بيعة هدىً أو ضلالةً، ورجل داعية: إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، أدخلت الهاء فيه للمبالغة" (٢)، وفي "العين" للفراهيدي: "فلان داعي قوم وداعية قوم: يدعو إلى بيعتهم" (٣)، وبما أن الدعوة في عصرنا هذا أصبحت تخصصاً فقد كثر استخدام كلمة "داعية" بدل كلمة "داعي"، وذلك للمبالغة في العمل الدعوي، والاستمرار في ممارسته، فـ "الداعية" بشكل عام هو: "من يقوم بإمالة الشيء إليه حقاً أو باطلاً" (٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ
стр. 128
وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ (١).
أما تعريف "الداعي" أو "الداعية" في الاصطلاح، فقد تعدد وكثر بعدد من تطرق إلى تعريفه، فيقول ابن القيم ﵀: "إن الدعاة جمع داع، كقاضٍ وقضاة، ورام ورماة، وإضافتهم إليه للاختصاص، أي الدعاة المخصوصون به الذين يدعون إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته" (٢)، فهم من يدعو إلى دين الله وحده دون غيره، وليس للداعي إلى غير الله علاقة بهذا المصطلح، وكأنه أصبح معروفاً أن الداعية هو من "داعية الإسلام". فنجد أن التعريف لكلمة "داعي أو داعية" بشكل مجرد يعني من يدعو إلى الإسلام كما هو الحال في كلمة "مبشر" فهي تعني من يبشر بعيسى ﵇ ودعوة النصرانية.
فالداعية بشكل عام هو "المسلم المكلف"، فتجب عليه الدعوة بقدر استطاعته، وقدر علمه؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، وقول الرسول ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ((٤)، وبذلك تكون الدعوة فرضاً على كل
стр. 129
مسلم، فأصبح كل مسلم داعياً إلى الله سبحانه في جميع أمور حياته، وذلك بتطبيق شرائع الإسلام وأوامره على نفسه أولاً ثم الدعوة إليه حسب الاستطاعة.
أما الداعية المتخصص فقد وجدنا أن هناك شروطاً يجب أن تتوافر فيه مجتمعة حتى تكون الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمل الأساس لهذا الشخص، وهذه الشروط لا تعني عدم وجود غيرها، إلا أننا رأينا أن هذه الشروط هي الأهم والأولى بتوافرها جميعاً في الداعية المختص، وهذه الشروط ما يأتي:
أ) الشرط الأول: الإسلام:
الإسلام هو الشرط الأساس؛ لأنه قد يكون هناك من يدعو إلى أخلاق الإسلام وهو غير مسلم، وهناك من يؤازر المسلمين في مواقفهم وقضاياهم وهو غير مسلم، ومن ذلك قصة أبي طالب بن عبدالمطلب عم رسول الله ﷺ عندما رأى الرسول ﷺ وابنه علياً ﵁ يصليان فقال لعلي: "أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت بالله ورسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فزعموا أنه قال له: أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه" (١).
فهنا نجد أن أبا طالب يأمر ابنه بأن يلزم الرسول ﷺ ، إضافة إلى أنه كان يؤازر النبي ﷺ ويدعمه، ومع هذا لا يمكن أن يكون داعية إلى الإسلام؛ لأنه لم يدخل الإسلام، إنما مات وهو كافر.
стр. 130
ب) الشرط الثاني التكليف:
هو شرط أساس من شروط جميع العبادات، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ولأن الدعوة هي نوع من أنواع العبادات، فالتكليف مطلب أساس، والتكليف هنا المقصود به العقل والبلوغ، فيسقط التكليف عن المجنون لعدم وجود العقل، ويسقط عن الصغير؛ لأنه لم يصل إلى حد البلوغ، وإن كانت تصح منه الدعوة إلا أنها لا تجب عليه، ولا يكلف بها.
جـ) الشرط الثالث: السعي إلى التبليغ والتعريف بالإسلام:
إن التبليغ والتعريف بالإسلام يُعد المرحلة الأولى من مراحل الدعوة العملية، وذلك بعرض الإسلام وشرحه للمدعو، وإيضاح جوانبه وما يحتويه من فضائل وكله فضائل، فالداعية المتخصص يجب أن يكون دوره تبليغ الإسلام والوصول إلى الناس لتبليغهم، وألا ينتظر منهم أن يأتوه، وإلا لأصبح مثله مثل أي مسلم داعية غير متخصص، والتبليغ يكون بالوسائل المتوافرة وتوظيفها، وتختلف الوسائل باختلاف الأزمان والأحوال، فمثلاً ما كان في السابق عن طريق الرسائل المكتوبة المرسلة عبر البريد، أصبح الآن عبر وسائل الاتصال الحديثة كمواقع التواصل الاجتماعي، وهكذا.
د) الشرط الرابع: حث المدعوين على تطبيق الإسلام وممارسته:
بعد التبليغ والتعريف بالإسلام تأتي مرحلة الحث على تطبيق الإسلام وممارسته من قِبل المدعوين، وتعليمهم الإسلام، كما فعل مصعب بن عمير ﵁ -
стр. 131
عندما أرسله الرسول ﷺ إلى المدينة فأخذ يعلمهم القرآن وأمور الدين.
فشرط الحث على تطبيق الإسلام وممارسته هو من الأساسيات التي فرَّغ الداعية المتخصص نفسه لها، وذلك حتى يجني ثمرة ما دعا إليه.
هـ) الشرط الخامس: التأهيل العلمي والنفسي للداعية:
يجب على الداعية المتخصص أن يكون لديه التأهيل الشرعي المناسب للقيام بالدعوة على المنهج الصحيح حتى لا يقع في أخطاء قد تضر الدعوة والدين، أو قد يدعو إلى ضلالة وهو لا يعلم، فكان الرسول ﷺ لا يترك أحداً يدعو قومه إلا وقد علمه أمر الدين، أو أوكله إلى من يُعلمه، كما في قصة إسلام عمير بن وهب الجمحي ﵁ عندما قال الرسول ﷺ لأصحابه: (فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره (، ثم أذن له أن يذهب إلى مكة ليدعوهم (١). قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢)، ويقول الشيخ محمد بن عثيمين: "إذا لم يكن الإنسان ذا علم فإن الأولى به أن يتعلم أولاً ثم يدعو ثانياً" (٣).
ومن التأهيل أيضاً التأهيل النفسي والشخصي للداعية، فيجب أن يكون مهيأً لهذه المهمة نفسياً من حيث الهمة والاهتمام والثقة بالنفس وأنه على قدر المسؤولية.
стр. 132
وهذه الشروط هي الحد الأدنى الواجب توافرها في الداعية المختص، والذي وفقه الله لهذه المهمة ليكون كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
ثانياً: استثمار الجوانب الإيجابية لدى الداعي إلى الله:
لكل أمر من الأمور جوانب عدة منها الإيجابي ومنها السلبي، وكل شخص لديه أيضاً نقاط ضعف ونقاط قوة، وقد تكون هي ما يميز كل شخص عن الآخر، فهذه الميزات، إما أن تكون في التكوين الخَلقي للشخص: كالجسم والصوت والشكل والهيئة، أو تكون في خُلقه: كاللطف والعاطفة والشجاعة والكرم، وقد تكون هذه الميزة خارجة عن ذات الشخص فتكون في البيئة المرتبطة به: كالزعامة والمكانة والخصومة وقوة القبيلة وكثرة المال والأعوان ... إلخ. ومن هنا نجد أن كل داعٍ لديه ميزة أو أكثر يستطيع استثمارها في الدعوة إلى الله، وهو ما قام به صحابة رسول الله ﷺ من استثمار لهذه الجوانب والميزات التي وهبهم الله إياها، كل حسب استطاعته، وذلك من أجل نشر هذا الدين وتبليغ رسالة الله ، وإكمالاً لرسالة النبي ﷺ . ومن هذه الجوانب التي اعتنى بها الصحابة في دعوتهم ما يأتي:
أ) مكانة الداعي:
لمكانة الشخص ومنزلته بين العرب وضع خاص، وميزة لكل من يتبوؤها، فنجد أن العرب تنظر إلى زعماء القبائل ووجهائها نظرة إجلال وتقدير، وأنه
стр. 133
ما وصل إلى هذه المكانة إلا بأمور منها رجاحة العقل، والتي يترتب عليها أمور كثيرة في قبيلته، فهو من يقرر الحرب والسلم، وذو رأي ومشورة وشجاعة وكرم، فمتى اجتمعت هذه الأمور لدى أحد منهم تبعوه وأسلموا له رأيهم، يقول لقيط بن معمر الأيادي يخاطب قبيلته وينصحهم باختيار قائد لهم (١):
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب در الدهر أشطره ... يكون مُتّبِعَاً طوراً ومُتَّبَعَا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السن لا قحماً ولا ضرعا
ومن هنا نجد أن المكانة عند العرب لها مقاييس خاصة ومعايير محددة متى ما توافرت في شخص ما رفعته وأعلت مكانته بين قومه، وهذه الميزة توافرت في عدد من الصحابة، وكان لها الأثر في دعوتهم لأقوامهم، ومن هؤلاء الصحابي سعد بن معاذ ﵁، عندما عاد إلى قومه من عند مصعب بن عمير ﵁ وقد أسلم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله، قالا (٢): فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة.
стр. 134
فقول سعد بن معاذ ﵁ لقومه: "كيف تعلمون أمري فيكم؟ " هو بيان لمعرفته بمكانته بين قومه وفضله فيهم، فأراد أن يستثمر هذا الفضل ليدخلهم في الإسلام، وكان له ما أراد، فقولهم: "سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة"، فيه معانٍ عدة، فكلمة "سيدنا" دلت على أنهم سوف يتبعونه على ما هو عليه، وكلمة "أفضلنا رأياً" دليل على أنهم مقتنعون بما سوف يراه لهم من رأي ويأمرهم به، وأنه الرأي الأفضل، وقولهم: "أيمننا نقيبة" "النقيبة هي النفس، وقيل: هي يمن الفعل، ورجل ميمون النقيبة: مظفر بما يحاول" (١)، فكأن قولهم يعني أن ما قمت به من فعل فهو فعل ميمون ومسدد، وقد علم سعد بن معاذ ﵁ برأيهم قبل أن يسألهم، إنما أراد أن يستثمر هذه الميزة لأجل الدعوة، فكان ذلك.
ب) علم الداعي:
العلم سلاح بيد كل متعلم، وله تأثير قوي على البشر، فأكثر المؤثرين في العالم على مر العصور غير الأنبياء هم الذين لديهم نصيب من العلم، وقد سجل التاريخ ذلك، ومثال ذلك الحضارات التي قامت لكثير من الأمم، وكان سببها العلم، فهناك الحضارة اليونانية، والفرعونية، والهندية، والصينية، بالإضافة إلى الحضارات التي قامت في جزيرة العرب، كحضارة عاد وثمود وسبأ وغيرها، فكل ذلك كان بسبب العلم.
стр. 135
وقد كان العلم هو أحد أسلحة الصحابة ﵃ في نشر الإسلام وتوعية الناس به، فهذا مصعب بن عمير ﵁ الذي يطلق عليه لقب "المعلم والمقرئ"، أسلم على يديه أكثر أهل المدينة، وذلك لم يكن لكثرة ماله أو جاهه أو قوته، إنما بالعلم الذي كان لديه، والذي حصل عليه من رسول الله ﷺ ، فكان عالماً بالقرآن، وقد عَلِم ﵁ أن هذه الميزة لديه واستثمرها في نشر هذا الدين، فكان هو المرجع لأهل المدينة خلال فترة بقائه بها، قبل العقبة الثانية.
كما أن في دعوة النجاشي لعمرو بن العاص ﵄ دليلاً على توظيف واستثمار ما لدى النجاشي ﵁ من علم ليقنع به عمرو بن العاص وذلك عندما سأله عمرو بن العاص أن يعطيه رسول رسول الله ﷺ ليضرب عنقه، فكان رد النجاشي أن قال له: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟! قال عمرو: أيها الملك، أكذا هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، فأسلم عمرو بن العاص ﵁. فكان لعلم النجاشي ﵁ تأثير في عمرو بن العاص ﵁، مما جعله يسلم؛ وذلك لأن النجاشي كان يتكلم عن علم أهل الكتاب واستثمر معرفته به ليدعو عمرو بن العاص وأنه لا يتكلم عن هوى، فاهتمام الداعي إلى الله بما يملكه من علم، والعمل على استخدامه من أجل دخول الناس في الإسلام كان من مميزات الصحابة الدعاة ﵃ التي حرصوا على توظيفها في خدمة الدين.
стр. 136
جـ) ثقة المدعو بالداعي:
الثقة سبب للاطمئنان والراحة تجاه الموثوق به، وثقة المدعو بالداعي تعطي الداعي مبرراً لعرض دعوته على من يدعو، ومن المفروض على الداعي أن يكون ثقة عند الناس حتى يقبلوا منه إذا عرض عليهم الدعوة، فعندما يعلم الداعي مدى ثقة المدعوين فيه فإن ذلك يكون دافعاً لدعوتهم، وتوظيفه لهذه الثقة يكون في محله، فهو يدعوهم لما فيه خير لهم وله، فليس هناك أفضل ولا أحسن من دخول الشخص في الإسلام، ففيه صلاح دنياه وحاله وصلاح آخرته ومآله. وقد قامت أم حكيم بدعوة زوجها عكرمة بن أبي جهل ﵄ وذلك عندما فر من رسول الله ﷺ يوم الفتح فاستأمنت له رسول الله وكان قد أمر بقتله فلحقت بعكرمة وقد ركب السفينة فجعلت تلح عليه وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس فلا تهلك نفسك، وقد استأمنت لك محمداً رسول الله ﷺ فقال: أنتِ فعلتِ؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك، فرجع معها.
فثقة عكرمة ﵁ بزوجته أم حكيم جعلته يستجيب لها، فقوله لها: أنتِ فعلتِ؟ دليل على أنه لو كان غيرها لكان أمر آخر، أما هي فهي ثقة وقولها ثقة أحسَّ به المدعو بالأمان.
وفي دعوة الوليد بن الوليد أخاه خالد بن الوليد ﵄ وذلك عندما دخل الرسول ﷺ مكة في عمرة القضية وكان الوليد معه فبحث عن خالد ولم يجده، فكتب له كتاباً فيه:
стр. 137
"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فأني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله ﷺ عنك. فقال: (أين خالد؟ (فقلت: يأتي الله به، فقال: (ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له ولقدمناه على غيره (، فاستدرك يا أخي ما فاتك فقد فاتتك مواطن صالحة"، يقول خالد: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرني ما قاله رسول الله ﷺ (١).
وبهذا فإن إحساس الوليد ﵁ بثقة أخيه فيه أدت إلى كتابة هذا الكتاب له، مما كان له أثر في إسلام خالد بن الوليد ﵁، وهنا نجد أن القرابة كان لها دور في تعزيز الثقة بين المدعو والداعي، وذلك ما عرفه الصحابة ﵃ وأدى إلى دعوة أهليهم وأقاربهم.
د) توظيف عمل المعروف في الدعوة:
عمل المعروف عند العرب له قيمة كبيرة مما يوجب رد هذا الجميل عاجلاً أم آجلاً، وقد قال أبو الفتح البستي في قصيدة له طويلة هذا البيت:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان (٢)
كما أن من المعروف المعاملة الحسنة والرد على الإساءة بالإحسان والوجه الحسن وغيرها مما يتسبب في كسب قلوب الآخرين وميلهم إلى الداعي والاستماع منه، وقد كان رسول الله ﷺ يصنع المعروف، ففي قصة بدء الوحي عندما رجع إلى
стр. 138
خديجة ﵂ فقال لها: (زملوني زملوني (، ثم أخبرها الخبر، فقالت له: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (١)، فالأوصاف التي ذكرتها أم المؤمنين خديجة ﵂ جميعها من صنائع المعروف، ومن هذا كان ﷺ قدوة لأصحابه الذين ساروا على نهجه، وقد علم الصحابة ﵃ أن عمل المعروف لا يضيع عند العرب، فأرادوا أن يستخدموه في أمور تخدم الإسلام، وتنجي الناس من النار.
ومن ذلك قصة إسلام حويطب بن عبدالعزى على يد أبي ذر ﵄ عندما أمَّنه أبو ذر وأمَّن عياله من القتل يوم الفتح، وبلَّغه منزله، ثم عاد إليه أبو ذر فقال له: حتى متى وإلى متى؟ قد سُبقت في المواطن كلها وفاتك خير كثير، وبقي خير كثير، فَأْتِ رسول الله وأسلِم تسلم، فأسلم حويطب بدعوة أبي ذر.
وهنا نجد أن أبا ذر ﵁ قد عمل معروفاً في حويطب بن عبدالعزى ﵁ فكان ذلك سبباً في عرض الإسلام عليه ودعوته له؛ لأن المدعو هنا لديه إحساس أن عليه أن يستمع إلى الداعي رداً للجميل، فاستشعر أبو ذر ﵁ ذلك فدعا حويطباً إلى الإسلام مما كان له أثر في الاستجابة.
стр. 139
هـ) الصداقة:
تُعد الصداقة من الأمور الجميلة الموجودة بين البشر لما فيها من خصائص لا تجتمع إلا فيها، كالإخلاص والإيثار والصدق والثقة والنصح وغيرها، يقول ابن رشد عن الصداقة: "هي أن يكون الإنسان يهوى الخير لإنسان آخر من أجل ذات ذلك الإنسان لا من أجل ذات نفسه، وأن تكون له قوة وملكة يفعل بها الخير له، والمصادقة هي أن يكون كل منهما من صاحبه بهذه الحال" (١).
وبهذا نجد أن الصديق له تأثير على صاحبه، وقد يقبل منه ما لا يقبل من غيره؛ ولذلك قام عبدالله بن رواحه ﵁ بناءً على معرفته لما بينه وبين أبي الدرداء من صداقة وأخوة في الجاهلية، بتحطيم صنم أبي الدرداء، حتى يثبت له أنه لا يضر ولا ينفع، وهو يعلم أن الأخوة والصداقة التي بينهم سوف يكون لها أثر في قبول أبي الدرداء لهذا الفعل، ولو أن هذا الفعل أتى من غيره لكانت ردة فعله مختلفة، فكان لابن رواحة ما توقعه، وأسلم أبو الدرداء ﵄، وكان للصداقة أثر في ذلك. وفي قصة أبي ذر وحويطب شاهد آخر على أثر الصداقة، إضافة إلى عمل المعروف؛ لأن أبا ذر وحويطباً كان بينهما خلة في الجاهلية، كما قال حويطب ﵁: "وكانت بيني وبينه خلة، والخلة أبداً مانعة".
وإحساس الصداقة يجعل الداعي يتشجع لأن يدعو صديقه؛ لأن الصداقة سوف تكون مانعاً من حدوث أي مكروه أو خطر، بالإضافة إلى أنها سوف تكون
стр. 140
سبباً في استقبال المدعو الدعوة بنفس طيبة غير متحفزة أو مشحونة ضد الداعي، فكان ذلك استثماراً من الصحابة ﵃ للصداقة وإعطاءها معناها بالنصح والدعوة لمن يصادقونه حتى يكونوا أخلاء لهم في الإسلام كما كانوا أخلاء في الجاهلية.
و) اغتنام المواقف:
تفرض المواقف ردود أفعال من قِبل المدعوين، وتكون فرصة للداعي أن يغتنمها في الدعوة إلى الله؛ لأن الفرص لا تأتي إلا نادراً، فكلما استثمر الداعي كل فرصة كان إلى النجاح في الدعوة أقرب، وتعلم الصحابة في بداية دعوتهم أن من المنطقي اغتنام هذه الفرص، فاغتنام الفرص ميزة يجب أن يتميز بها الداعي، وقد تميز بعض الصحابة بهذه الميزة واستثمروها في الدعوة إلى الله، فها هو أبو بكر الصديق ﵁ عندما أتاه عثمان بن عفان ﵁ قبل أن يسلم وذكر له ما قالته له خالته سعدى بنت كريز عن الرسول ﷺ فقال له أبو بكر ﵁: ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟! أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع؟ قال: قلت: بلى والله إنها لكذلك، فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبدالله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته فهل لك أن تأتيه؟ فذهب عثمان مع أبي بكر ﵄ إلى الرسول ﷺ وأسلم من ساعته.
لقد وجد أبو بكر الصديق ﵁ الفرصة في حديث عثمان عن خالته، وما قالت له، فلم يتردد أن استثمرها في دعوته إلى الإسلام، وشرحه له، وشرح
стр. 141
ما هم عليه من ضلال، وطلب منه أن يأتي الرسول من ساعته، ولم ينتظر إلى وقت آخر، فهي فرصة لا تعوض، وحادثة لا تتكرر.
وكما في قصة دعوة العباس بن عبدالمطلب ﵁ لأبي سفيان ﵁ وتوظيفه للحدث، وذلك عندما قدم الرسول ﷺ لفتح مكة، ونزل مرَّ الظهران، ذهب العباس ﵁ يلتمس من يخبر أهل مكة برسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فوجد أبا سفيان بن حرب فقال له: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، فأشار عليه العباس بأن يركب معه ويذهب إلى رسول الله ﷺ ويستأمنه، فذهب معه وقابل رسول الله ﷺ وعرض عليه الإسلام، ثم قال له: (ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ (فقال أبو سفيان: أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً، فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم (١)، فاستثمر العباس ﵁ الموقف مرتين، الأولى عندما طلب من أبي سفيان الذهاب معه إلى الرسول ﷺ ، والثانية عندما قال له: أسلم قبل أن تُضرب عنقك.
ز) البديهة وسرعة الرد:
إن حضور الذهن وسرعة الرد لدى الداعي دليل على تعمق الإنسان فيما يدعو إليه واقتناعه به، وإلا لأصبح متردداً غير واثق، مما يؤثر سلباً على الدعوة
стр. 142
ويفوت كثيراً من الفرص، "والبديهة هي المعرفة يجدها الإنسان في نفسه من غير إعمال للفكر ولا علم بسببها" (١)، وهي ميزة يميز الله بها بعض الناس عن بعض، وقد أعطى الله بعض الصحابة ﵃ هذه الميزة، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁ كان لسرعة رده في دعوته لطلحة بن عبيد الله ﵁ أثر في إقناعه، وذلك عندما قيضت قريش طلحة بن عبيد الله لأبي بكر ليرده عن الإسلام، فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر ﵁: إلام تدعوني؟ قال طلحة: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى، قال: بنات الله، قال أبو بكر الصديق: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكان لسرعة رد أبي بكر الصديق وحضور ذهنه سبب في إسلام طلحة بن عبيدالله ﵄، فتوقفت دعوة طلحة على استعداد أبي بكر في سرعة الرد وحضور الذهن والمعرفة، بالإضافة إلى طلاقة اللسان، ومعرفة أبي بكر ﵁ ذلك عن نفسه جعلته يصبح السائل بدلاً من المسؤول، مما أحرج القوم ووضح فساد معتقدهم.
ح) استخدام الحيلة في الدعوة:
الحيلة المقصودة هي "الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف في الأمور، وتحايل على الرجل: سلك معه مسلك الحذق ليبلغ منه مأربه" (٢)، والحيلة
стр. 143
محمودة إذا كانت في جلب خير أو دفع شر، أما فيما عدا ذلك فهي مذمومة، وقد احتال يوسف ﵇ على إخوته في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١)، ويقول كعب بن مالك ﵁: (كان الرسول ﷺ قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها ((٢)، وهذا من الحيلة في الحرب، ففي الأولى جلب خير، وفي الثانية دفع شر، وقد استخدم بعض الصحابة ﵃ الحيلة ليبينوا الحق ويدعوا إليه، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، فهذا معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح وفتيان من الأنصار كانوا يدلجون في الليل على صنم لعمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة التي فيها عذرة الناس فإذا أصبح عمرو بن الجموح بحث عن إلهه إلى أن يجده في الحفرة، ثم يعيده فيغسله ويطهره ويطيبه ويتكرر الموقف، وفي أحد المرات علق السيف عليه وقال له: إن كان فيك خير فامتنع، فلما رآه في الحفرة وقد قرن بكلب ميت تركه وأسلم. وهنا نجد أن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو ﵄ عندما علما أنهما لا يستطيعان مواجهة عمرو بن الجموح مما قد يتسبب في تمسكه في إلهه أكثر، لجأا إلى استخدام الحيلة في إثبات أن هذه الأصنام لا تنفع أنفسها، فكيف تنفع غيرها، وهذا نوع من استخدام الداعي لإمكاناته وقدراته التي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في الدعوة.
стр. 144
ط) الدعوة من موقف القوة:
من المتعارف عليه أن الأقوى يفرض ما يدعو إليه بالقوة على من هم أضعف منه، إلا أن سماحة الإسلام جعلت الدخول في الإسلام بالرغبة وعدم الإكراه، وإنما يجب على المسلمين توضيح الإسلام لغيرهم، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١)، وقد حدث للصحابة ﵃ مواقف كثيرة دعوا فيها وهم في موضع قوة وعزة، وذلك أنهم استشعروا من أنفسهم أنه بإمكانهم في تلك الساعة أن يدعوا فيستجاب لهم، وأن لا يستخدموا القوة أولاً، ومن هذا ما كتبه خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس وإلى رستم وهرمز، ودعوته لهم بالإسلام قبل أي خيار آخر، والإيضاح لهم أنه يتحدث من قوة وذلك في قوله في أحد كتبه: "قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة".
وكذلك مسلم بن الحارث التميمي ﵁ عندما أرسله الرسول ﷺ في سرية، يقول مسلم: لما بلغنا المغار استحثثت فرسي وسبقت أصحابي، فقلت للقوم: قولوا لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها فلم يؤذوا.
فالإحساس بالقوة واستشعارها من قِبل الداعي واستخدامه لها في الدعوة والتلطف هي قوة له وميزة يتميز بها داعٍ عن آخر، وذلك ما أحس به صحابة رسول الله ﷺ ومن ثم قاموا باستخدامها.
стр. 145
ي) معرفة الداعي بأمور المدعوين:
إن الدعوة هي نوع من المناورة بين الداعي والمدعو، ومعرفة المدعو وطريقة خطابه والتعامل معه مهمة لدى الداعي؛ لكي يستطيع إيصال الفكرة للمدعو والحصول على نتيجة منها، وكان الصحابة ﵃ قد علم كلٌّ منهم ما هي إمكانياته التي يستطيع بها أن يؤثر في المدعو، ومن هذه الإمكانات معرفة اللغة وأسلوب التعامل مع فئة معينة بذاتها. وقد حصل ذلك مع الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁ في غزو فارس، فيما ذكره الطبري أنه كان رائد المسلمين وأن المسلمين قد جعلوه داعية أهل فارس، وقد كانوا أمَّروه بدعاء أهل بهرسير وأمَّروه يوم القصر الأبيض، وما قدم ﵁ لدعوة أهل فارس إلا لتميزه في معرفته بهم، وأنه منهم، ولمعرفته بلغتهم، وهو ﵁ أعلم بنفسه وبما يختص به وما يستطيع أن يبدع فيه ويحصل به على نتيجة وينفع به الإسلام والمسلمين.
المطلب الثاني: متطلبات إعداد الداعي
عملية إعداد الداعي هي عملية مترابطة، تتكون من عدة عوامل تؤدي إلى تهيئة شخص ما إلى أن يكون داعياً إلى الله ، ويتخلل هذه العملية اكتساب مهارات وزيادة في المعرفة، وتطويراً في الذات؛ مما يجعل من ذلك الداعية شخصاً يستطيع أن يدير إمكاناته وقدراته، والاستفادة منها بما يساعده في القيام بواجب الدعوة، والتعامل مع جميع المواقف والحوادث بطريقة سليمة بعيدة عن الانفعال والاستعجال، وذلك بسبب الإعداد الجيد والتأهيل المناسب.