← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما هم عليه من ضلال، وطلب منه أن يأتي الرسول من ساعته، ولم ينتظر إلى وقت آخر، فهي فرصة لا تعوض، وحادثة لا تتكرر. وكما في قصة دعوة العباس بن عبدالمطلب ﵁ لأبي سفيان ﵁ وتوظيفه للحدث، وذلك عندما قدم الرسول ﷺ لفتح مكة، ونزل مرَّ الظهران، ذهب العباس ﵁ يلتمس من يخبر أهل مكة برسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فوجد أبا سفيان بن حرب فقال له: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، فأشار عليه العباس بأن يركب معه ويذهب إلى رسول الله ﷺ ويستأمنه، فذهب معه وقابل رسول الله ﷺ وعرض عليه الإسلام، ثم قال له: (ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ (فقال أبو سفيان: أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً، فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم (١)، فاستثمر العباس ﵁ الموقف مرتين، الأولى عندما طلب من أبي سفيان الذهاب معه إلى الرسول ﷺ ، والثانية عندما قال له: أسلم قبل أن تُضرب عنقك. ز) البديهة وسرعة الرد: إن حضور الذهن وسرعة الرد لدى الداعي دليل على تعمق الإنسان فيما يدعو إليه واقتناعه به، وإلا لأصبح متردداً غير واثق، مما يؤثر سلباً على الدعوة

стр. 142

ويفوت كثيراً من الفرص، "والبديهة هي المعرفة يجدها الإنسان في نفسه من غير إعمال للفكر ولا علم بسببها" (١)، وهي ميزة يميز الله بها بعض الناس عن بعض، وقد أعطى الله بعض الصحابة ﵃ هذه الميزة، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁ كان لسرعة رده في دعوته لطلحة بن عبيد الله ﵁ أثر في إقناعه، وذلك عندما قيضت قريش طلحة بن عبيد الله لأبي بكر ليرده عن الإسلام، فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر ﵁: إلام تدعوني؟ قال طلحة: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى، قال: بنات الله، قال أبو بكر الصديق: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكان لسرعة رد أبي بكر الصديق وحضور ذهنه سبب في إسلام طلحة بن عبيدالله ﵄، فتوقفت دعوة طلحة على استعداد أبي بكر في سرعة الرد وحضور الذهن والمعرفة، بالإضافة إلى طلاقة اللسان، ومعرفة أبي بكر ﵁ ذلك عن نفسه جعلته يصبح السائل بدلاً من المسؤول، مما أحرج القوم ووضح فساد معتقدهم. ح) استخدام الحيلة في الدعوة: الحيلة المقصودة هي "الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف في الأمور، وتحايل على الرجل: سلك معه مسلك الحذق ليبلغ منه مأربه" (٢)، والحيلة

стр. 143

محمودة إذا كانت في جلب خير أو دفع شر، أما فيما عدا ذلك فهي مذمومة، وقد احتال يوسف ﵇ على إخوته في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١)، ويقول كعب بن مالك ﵁: (كان الرسول ﷺ قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها ((٢)، وهذا من الحيلة في الحرب، ففي الأولى جلب خير، وفي الثانية دفع شر، وقد استخدم بعض الصحابة ﵃ الحيلة ليبينوا الحق ويدعوا إليه، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، فهذا معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح وفتيان من الأنصار كانوا يدلجون في الليل على صنم لعمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة التي فيها عذرة الناس فإذا أصبح عمرو بن الجموح بحث عن إلهه إلى أن يجده في الحفرة، ثم يعيده فيغسله ويطهره ويطيبه ويتكرر الموقف، وفي أحد المرات علق السيف عليه وقال له: إن كان فيك خير فامتنع، فلما رآه في الحفرة وقد قرن بكلب ميت تركه وأسلم. وهنا نجد أن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو ﵄ عندما علما أنهما لا يستطيعان مواجهة عمرو بن الجموح مما قد يتسبب في تمسكه في إلهه أكثر، لجأا إلى استخدام الحيلة في إثبات أن هذه الأصنام لا تنفع أنفسها، فكيف تنفع غيرها، وهذا نوع من استخدام الداعي لإمكاناته وقدراته التي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في الدعوة.

стр. 144

ط) الدعوة من موقف القوة: من المتعارف عليه أن الأقوى يفرض ما يدعو إليه بالقوة على من هم أضعف منه، إلا أن سماحة الإسلام جعلت الدخول في الإسلام بالرغبة وعدم الإكراه، وإنما يجب على المسلمين توضيح الإسلام لغيرهم، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١)، وقد حدث للصحابة ﵃ مواقف كثيرة دعوا فيها وهم في موضع قوة وعزة، وذلك أنهم استشعروا من أنفسهم أنه بإمكانهم في تلك الساعة أن يدعوا فيستجاب لهم، وأن لا يستخدموا القوة أولاً، ومن هذا ما كتبه خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس وإلى رستم وهرمز، ودعوته لهم بالإسلام قبل أي خيار آخر، والإيضاح لهم أنه يتحدث من قوة وذلك في قوله في أحد كتبه: "قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة". وكذلك مسلم بن الحارث التميمي ﵁ عندما أرسله الرسول ﷺ في سرية، يقول مسلم: لما بلغنا المغار استحثثت فرسي وسبقت أصحابي، فقلت للقوم: قولوا لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها فلم يؤذوا. فالإحساس بالقوة واستشعارها من قِبل الداعي واستخدامه لها في الدعوة والتلطف هي قوة له وميزة يتميز بها داعٍ عن آخر، وذلك ما أحس به صحابة رسول الله ﷺ ومن ثم قاموا باستخدامها.

стр. 145

ي) معرفة الداعي بأمور المدعوين: إن الدعوة هي نوع من المناورة بين الداعي والمدعو، ومعرفة المدعو وطريقة خطابه والتعامل معه مهمة لدى الداعي؛ لكي يستطيع إيصال الفكرة للمدعو والحصول على نتيجة منها، وكان الصحابة ﵃ قد علم كلٌّ منهم ما هي إمكانياته التي يستطيع بها أن يؤثر في المدعو، ومن هذه الإمكانات معرفة اللغة وأسلوب التعامل مع فئة معينة بذاتها. وقد حصل ذلك مع الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁ في غزو فارس، فيما ذكره الطبري أنه كان رائد المسلمين وأن المسلمين قد جعلوه داعية أهل فارس، وقد كانوا أمَّروه بدعاء أهل بهرسير وأمَّروه يوم القصر الأبيض، وما قدم ﵁ لدعوة أهل فارس إلا لتميزه في معرفته بهم، وأنه منهم، ولمعرفته بلغتهم، وهو ﵁ أعلم بنفسه وبما يختص به وما يستطيع أن يبدع فيه ويحصل به على نتيجة وينفع به الإسلام والمسلمين. المطلب الثاني: متطلبات إعداد الداعي عملية إعداد الداعي هي عملية مترابطة، تتكون من عدة عوامل تؤدي إلى تهيئة شخص ما إلى أن يكون داعياً إلى الله ، ويتخلل هذه العملية اكتساب مهارات وزيادة في المعرفة، وتطويراً في الذات؛ مما يجعل من ذلك الداعية شخصاً يستطيع أن يدير إمكاناته وقدراته، والاستفادة منها بما يساعده في القيام بواجب الدعوة، والتعامل مع جميع المواقف والحوادث بطريقة سليمة بعيدة عن الانفعال والاستعجال، وذلك بسبب الإعداد الجيد والتأهيل المناسب.

стр. 146

وقد كان إعداد صحابة رسول الله ﷺ للدعوة أولاً على يديه ﷺ وتحت نظره، فكان ملقناً مهماً لمعنى الدعوة، وموجهاً إياهم إلى طريقها، وآمرهم بحمل لوائها في حضرته ومن بعده، فكم داعية جهزه ﷺ من أصحابه ﵃، وأرسله بعد أن يزوده بما يحتاج من زاد الداعية، كما كانت جيوشه ﷺ جيوش دعوة أولاً لا جيوش قتال، لذلك أعطى ﷺ لإعداد الداعية أهمية عظمى، كما بين ضرورة ذلك، وهو ما سوف يتبين لنا في هذا المطلب. إن إعداد الداعي هو نوع من التأهيل والتدريب المتعارف عليه في زماننا، إلا أن الطريقة تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال، وذلك لاختلاف الإمكانات والشعوب والمؤثرات، واختلاف الأعداء أيضاً. أما إعداد الصحابة ﵃ فإنه هو الركيزة الأساسية في إعداد الدعاة لاحقاً؛ لأن الأساسيات لا تتغير وإن تغيرت طريقة التعامل معها، وطريقة استخدامها، ومن هذه الأساسيات في إعداد الداعي الإجابة عن الأسئلة الآتية وإعداد الداعي على ضوء هذه الإجابات: ١ - إلى ماذا يدعو؟ ٢ - لماذا يدعو؟ ٣ - من يدعو؟ ٤ - أين ومتى يدعو؟ ٥ - كيف يدعو؟

стр. 147

أولاً: إلى ماذا يدعو الداعي ؟ هذا السؤال من أهم الأسئلة التي يجب الإجابة عليها، والإعداد على ضوئها لجميع المسلمين، وليس للدعاة فقط، ولكن لأن حديثنا هنا يختص بالدعاة فإننا لن نتطرق إلى غيرهم في الإجابة على هذا السؤال وطريقة إعداد الداعية على ضوئه. فالإجابة على هذا السؤال هي دعوة الداعي إلى معرفة الله ، ومعرفة الإسلام، ومعرفة النبي ﷺ ، وهذه المعارف الثلاث هي الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها، والتي ذكرها الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ (١)، وهي مجال إعداد الداعية في الإجابة على (إلى ماذا يدعو الداعي؟). ١ - إعداد الداعي بمعرفته بربه: إن أول واجب على كل مسلم هو معرفته بالله تعالى، وأنه هو ربه، ولا إله غيره، ولكي يقوم الداعية بإيصال هذه المعلومة إلى المدعو يجب عليه أولاً معرفة ذلك بنفسه معرفة وافية تقيه الفتنة والانحراف، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢)، وما أرسل الله من رسول إلا ليعلم الناس من هو الله، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).

стр. 148

وقد ذكر ابن القيم: "أن الرسل من أولهم إلى خاتمهم -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أرسلوا بالدعوة إلى الله، فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلاً حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر ملكه، ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم، يأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك من قنوطهم وقرب غيره، ويجيب دعوة مضطرهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويمنع ويعطي، ويؤتي الحكمة من يشاء، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويفك عانياً، وينصر مظلوماً، ويقصم ظالماً، ويرحم مسكيناً، ويغيث ملهوفاً، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه، ويؤخر ما يشاء تأخيره، فأزمَّة الأمور كلها بيده، ومدار تدبير الممالك كلها عليه، وهذا مقصود الدعوة، وزبدة الرسالة" (١). إن في ما قاله ابن القيم وصفاً لما جاء به الرسول ﷺ عن المعرفة بالله وأسمائه وصفاته. ومن هذا المنطلق كان إعداد الداعي في هذا المجال مطلباً مهماً، وقد حرص صحابة رسول الله ﷺ على ذلك، بل حرص الرسول ﷺ على تهيئتهم وإعدادهم في ذلك ليكونوا دعاة من بعده.

стр. 149

فكان من إعداد الصحابة أنهم كانوا ينهلون من رسول الله ﷺ ويتسابقون على سماع ما أنزل إليه من القرآن وحفظه، كما أنهم كانوا يسألونه في كل الأمور التي تُعرفهم بخالقهم، وقد علَّمهم الرسول ﷺ ما علَّمه ربه فيما فيه وصف الله ، فعلمهم سورة الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، كما علمهم قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). بهذا كان إعداد الصحابة كدعاة من خلال تعريفهم بربهم، وبهذا كانوا يتعاملون مع المدعوين، كما أنه أوضح لهم ﷺ وحذرهم من الاستسلام لإغواء الشيطان، فقال لهم ﷺ : (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله ((٣)، فوضع ﷺ لهم القواعد في معرفة الله ، والدعوة إليه، والضوابط في ذلك، فكان ذلك إعداداً للصحابة فيما يتعلق بمعرفتهم بالله.

стр. 150

٢ - إعداد الداعي بمعرفته لدينه: أولى الرسول ﷺ تثقيف الصحابة ﵃ بأمور دينهم اهتماماً كبيراً؛ مما كان له الأثر في إعدادهم كدعاة إلى هذا الدين، فمنذ بداية البعثة والرسول ﷺ يعلم أصحابه واحداً تلو الآخر بحسب دخولهم الإسلام، فكان أول من علمه الصلاة والوضوء هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، ومن ثم علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة ﵃ وذلك حسب ما ذكره ابن هشام (١). فكل علم من أمور الدين يتعلمه الصحابة يكون رصيداً لهم في الدعوة، كما أنهم في فترة الدعوة السرية كانوا إذا عرف أحدهم معلومة من أمر دينهم ذهب إلى الآخرين ليخبرهم بها، ويتدارسونها، كما حصل من سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب وخباب بن الأرت ﵃، عندما كانوا يتدارسون القرآن في قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁. بالإضافة إلى حرصهم ﵃ على الحضور إلى دار الأرقم للاجتماع بالرسول ﷺ والأخذ منه منذ بداية الدعوة الإسلامية. وكان إذا أسلم أحد ممن هم من غير أهل مكة كان رسول الله ﷺ يحرص على أن يعلمه ويثقفه في أمور دينه، حتى يدعو من خلفه من قومه، كما حصل من الطفيل بن عمرو الدوسي عندما عرض عليه الرسول ﷺ أمور الإسلام وعلمه إياها وتلا عليه القرآن ثم أرسله داعياً إلى قومه دوس ليدعوهم. ومن إعداده ﷺ لصحابته ﵃ بعد قيام دولة الإسلام في المدينة جعل المسجد مقراً لتلقي التعليم، وتزويد الدعاة بالعلم الخاص بأمور

стр. 151

الدين. وحديث جبريل ﵇ الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ والذي فيه تفصيل لجميع أمور الإسلام (١) كافٍ لأن يكون فيه تعريف للداعية بما يدعو إليه من أمور العبادات والمعاملات في الدين؛ لأن فيه أبلغ شرح لأمور الإسلام. ومما يساعد الصحابة على أن يكونوا دعاة مناسبين حرصُهم على الحصول على العلم الشرعي وذلك بانتظارهم للرسول في المسجد حتى إن بعضهم ممن لا يستطيع الحضور إلى المسجد كان يأخذ ما فاته من بقية الصحابة. وكان المسجد معهداً لإعداد الدعاة في ذلك الوقت. إضافة إلى ذلك نجد أن الرسول ﷺ يحرص على أن يعلم كل من يرسله في مهمة أمور الدين، فها هو يوصي معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه إلى اليمن ويعلمه أمور الدين، وكذلك يعلم ضمام بن ثعلبة أمور الدين ليبلغ قومه، ويأمر الصحابة أن يفقهوا عمير بن وهب الجمحي في أمور الدين عندما أتى ليقتل الرسول ﷺ ؛ ليدعو أهل مكة. وكل ذلك كان إعداداً للدعاة من أصحاب رسول الله ﷺ وذلك بأخذ الدين من رسول الله مباشرة أو بالنقل من بعضهم لبعض. ٣ - إعداد الداعي بمعرفته بنبيه ﷺ -: إن معرفة النبي ﷺ واجبة على كل مسلم يؤمن بالله وإن اختلفت هذه المعرفة ونسبتها عند كل مسلم، إلا أنها في الداعية يجب أن تكون معرفة وافية يستخدمها في كثير من أمور الدعوة التي يختص بها، فلا يمكن أن يكون الداعية

стр. 152

جاهلاً برسول الله ﷺ وهو ينقل عنه ويدعو إلى اتباع سنته، ومن الأمور التي يجب على الداعية معرفتها ما يأتي: أ) معرفة نسب النبي ﷺ . ب) مكانته عند ربه. جـ) أخلاقه وسيرته. د) نبوته ورسالته. هـ) صفاته. هذا بالإضافة إلى أيّ معرفة يستطيع أن يحصل عليها الداعي عن نبيه، وجميع هذه المعارف أخبر عنها ﷺ أصحابه وزودهم بها حتى يعلموا من هو نبيهم، ويعلِّموا من وراءهم. وقد أخبرهم النبي ﷺ عن نفسه فقال: (إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاء لها منه قصور الشام ((١). وكما أخبر أيضاً عن نفسه قال: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ((٢)،

стр. 153

فعرفوا نبيهم وممن هو، كما أخبر الله بأنه بشر مرسل من عنده تعالى، وذلك لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢). كما أوضح الله مكانة رسوله ﷺ عنده، وذلك بقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٤)، وقال ﷺ عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع ((٥). كما بين لهم ﷺ طريقة التعامل معه، والحديث في حضرته، فكان لإعدادهم في هذا الجانب أثر كبير في دعوتهم، ومن الأمثلة على ذلك عندما أرسلت قريش رسلها إلى النجاشي ليسلمهم المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، عند ذلك سألهم النجاشي عن دينهم بحضور أساقفته ورسل مشركي قريش، فتكلم جعفر بن أبي طالب وكان مما ذكر صفات الرسول ﷺ فقال: "حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه" (٦). وما ذكره عمرو بن مرة الجهني لقومه عن الرسول ﷺ حين

стр. 154

قال لهم: فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة. فذكر لهم نسب الرسول ﷺ ؛ لأن العرب تهمها الأنساب. وفي وصف العلاء بن الحضرمي الرسول ﷺ للمنذر بن ساوى كان في وصفه تعريف به ودعوة بصفاته ﷺ فقال العلاء: هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبي الأمي (١). فهنا نجد أن الصحابة ﵃ قد أُعِدُّوا إعداداً جيداً بمعرفة نبيهم ونقل هذه المعرفة إلى الناس. ثانياً: لماذا يدعو الداعي ؟ لكل شيء سبب، ولكل عمل هدف، وما يقوم الداعية بعمله ويتحمل المشاق فيه إلا للوصول إلى هدف محدد يجيب على التساؤل السابق وهو: (لماذا يدعو الداعي؟) ولكي يُعَدَّ الداعي إعداداً صحيحاً يجب أن يعرف هذه الإجابة ويزود بها حتى لا يكون مجهوده بلا فائدة، بل قد يكون بلا أجر من الله؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى ((٢)، فبدون هدف لا يكون هناك نية واضحة، وبذلك لا يكون العمل لله، كمن يحج بدون نية الحج، أو يصوم بدون نية الصيام. ولهذا فَطِنَ الدعاة من الصحابة أن يعرفوا لماذا هم يدعون الناس إلى الإسلام؟ وما الأسباب لذلك؟ فما كان من معلمهم

стр. 155

ومعلم البشرية ﷺ إلا أن أعدَّهم من هذا الجانب حتى يقوموا بحمل همِّ الدعوة ونشرها في أنحاء العالم، وإيصال هذه المهمة إلى مَن بعدهم؛ لذلك كانت الإجابة هي في ثلاثة محاور يتم بمعرفتها إعداد الداعية، وهذه المحاور هي: أ) معرفة أهمية الدعوة للداعي نفسه. ب) معرفة أهمية الدعوة للمدعو. جـ) معرفة أهمية الدعوة لنشر الإسلام. وبهذا تكون المحاور الثلاثة، وإعداد الداعية بمعرفتها هي بمنزلة ركن من أركان إعداد الداعية، وسبباً في زيادة أهمية الدعوة لديه، وتهيئته نفسياً للقيام بالدعوة. ١ - معرفة أهمية الدعوة للداعي نفسه: إن هدف كل مسلم رضا الله للفوز بالجنة، والنجاة من النار، وما خلق الله البشر إلا لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، والدعوة من العبادة التي أرسل الله بها أنبياءه وأمر بها أتباعهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢)، وجعل مقابل ذلك أجراً كبيراً لمن يقوم بالدعوة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).

стр. 156

ومن أهمية الدعوة للداعي أنه مستفيد من القيام بها سواء استجاب له المدعو أم لم يستجب؛ لأن الله يجازيه بعمله واجتهاده، كما أن استجابة المدعو له فيها من الأجر الكبير، قال رسول الله ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ((١)، فكل عمل يعمله من يهتدي من صلاة وصيام وحج وزكاة وصدقة وغيرها من أعمال الخير، يكتب للداعية مثله دون أي مجهود منه، كما أن الرسول ﷺ بيَّن لأصحابه أيضاً أن هداية المدعوين فيها من الخير ما يفوق خير الدنيا وذلك عندما قال لعلي بن أبي طالب ﵁: (فوالله لأن يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خير لك من حُمر النعم ((٢). وفي المقابل فيها وزر وإثم ومخافة تعجيل العقوبة حال التفريط بها، قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ((٣). ومن هنا كان إعداد الصحابة للقيام بمهام الدعوة، وذلك ببيان أهميتها وما فيها من خير وما في تركها من شر؛ لذلك رأينا حرصهم عليها أشدَّ الحرص؛ فكم من صحابي عانى ما عاناه من أجل الدعوة إلى الإسلام والظفر بالجنة والسلامة من العذاب.

стр. 157

٢ - معرفة أهمية الدعوة للمدعو: إن تنمية الإحساس بالغير وحب الخير لهم ضروري لدى الداعية، ولا يكون ذلك إلا بوجود دافع داخلي من الداعية نفسه، ولا يتكون هذا الدافع إلا بوجود أسباب تحرك هذا الدافع؛ فالداعية يجب أن يكون صاحب إحساس يدفعه إلى دعوة الآخرين، وحب الخير لهم، والإسلام هو دين خير ومحبة للبشرية، ويربي المسلمين على ذلك، ومن هذا كان لهداية المدعو أهمية كبيرة للمدعو نفسه، ألا وهي إنقاذه من النار وحمايته من نفسه، والمدعو كالمريض الذي لا يعلم بمرضه، والداعي هو الطبيب الذي يعرف أهمية العلاج، فعلاج الضال الهداية، والهداية لا تكون إلا بالدعوة، وقد بيَّن الله تعالى أن الإسلام هو إنقاذ من النار، قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (١). والدعوة من الأسباب التي تؤدي إلى هذا الإنقاذ، ولا تكون الدعوة إلا بدعاة منقذين، وكان أول الدعاة إلى الإسلام هو النبي ﷺ ، ومن صدّقه نجا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ففي الهداية نجاة وغفران من كل ما سبق من سوء العمل، وبهذا جعل الرسول ﷺ يعدُّ أصحابه لكي يدعوا الناس لينقذوهم من النار، ويعلم الصحابة أولاً: مدى أهمية دعوة المدعوين

стр. 158

للإسلام، وأنهم كمن رأى غريقاً فإما أن ينقذه وهو يستطيع، أو يتركه يهلك، وثانياً: مدى أهمية إنقاذ الغريق، فكذلك المدعو وأهمية الدعوة له وإن لم يعِ ذلك في البداية. ٣ - أهمية الدعوة في نشر الإسلام وعزته: إن حمل همِّ الإسلام بشكل عام، وهمِّ نشره وإيصاله إلى أصقاع الأرض وقيام دولته لهو الهمُّ الأكبر والأسمى لمن ينتمي إلى هذا الدين؛ لأنه بذلك يخدم الأفراد والمجتمعات، ويقوي شوكة الإسلام، وذلك ما فعله رسول الله ﷺ بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وإرسال الرسل إلى ملوك الأرض، والدعاة إلى أنحاء الجزيرة العربية، مما نشر الإسلام في جزيرة العرب في حياته ﷺ ، ولولا أهمية ذلك لاقتصر ﷺ على نشر الإسلام في المدينة فقط وما حولها، وقد أخبر ﷺ أن هذا الدين سوف ينتشر، فقال ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز الله به الإسلام ويذل به الكفر ((١). لذلك يكون من إعداد الداعية إيمانه بانتشار هذا الدين، ودخوله جميع بيوت الأرض، وفي ذلك دافع للقيام بالدعوة، وهو ما حصل في زمن الصحابة ﵃ حيث إنهم انتشروا في المشرق والمغرب لنشر هذا الدين، ولو تأملنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أن جميع جيوش المسلمين التي خرجت في عصر صدر الإسلام كانت

стр. 159

جميعها جيوش دعوة، فكانت تدعو للإسلام قبل الجزية والقتال. وقد أورد التاريخ كثيراً من الشواهد مثل: وصية جيش أبي بكر للمرتدين، ودعوة خالد بن الوليد لفارس، وسلمان الفارسي للفرس وغيرهم كثير. ثالثاً: من يدعو الداعي ؟ من إعداد الداعي للدعوة تعريفه بمن يدعو وخصائصه، وما يتميز به، وجميع الأخبار عنه؛ لأن في ذلك إعانة له على إيصال الدعوة إليه، والإجابة على (أين ومتى وكيف؟)؛ لأن التساؤلات الأخرى تعتمد على معرفة المدعو. وقد كان الرسول ﷺ في ذلك قدوة؛ ففي الحديبية عندما بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ الحليس بن علقمة وكان سيد الأحابيش (١)، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (إن هذا من قوم يتألهون (٢)، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه (، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي (٣) في قلائده (٤)، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله (٥)، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى،

стр. 160

فذكر لهم ذلك (١). وفي هذا بيان أن معرفة من هو الحليس من قِبل رسول الله ﷺ وأنه من قوم يعظمون العبادة كان له الأثر في التأثير عليه، وذلك كان على مرأى من الصحابة فكان درساً لهم وتعليماً لدعاتهم. ومعرفة المدعو تفتح أبواب التعامل معه، وتوضح طرق إقناعه والتأثير عليه؛ لأن في ذلك سبراً لشخصيته، والداعية يجب عليه ذلك؛ حتى لا يخسر هذا المدعو، بل أيضاً لا يجعله عدواً للدعوة في أسوأ الاحتمالات. إن المدعوين بشكل عام لا يتشابهون بل يختلفون في أمور كثيرة، فمثلاً هناك الاختلاف العقدي كالفرق بين المشركين وأهل الكتاب، وبين أهل الكتاب أنفسهم، والفرق بين الأعراق كالفرق بين العرب والفرس والروم والزنج وغيرهم، والفرق بين القبائل العربية من حيث العادات والتقاليد، بل حتى الفرق بين أفراد القبيلة الواحدة، ومن ذلك ما دللنا عليه سابقاً فيما حصل في الحديبية مع الحليس بن علقمة وتعظيمه للهدي، وأن غيره من قومه لا يعظمون الهدي. فتجهيز الداعية قبل الدعوة بالمعرفة التامة الوافية بالمدعو فيه إعداد سليم لذلك الداعية وتحصين له، ومن ذلك حديث معاذ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض ... (، فقد أخبره ﷺ بمن سيدعو حتى يعلم كيف يدعوهم ومتى يدعوهم. ففي هذا

стр. 161

الحديث إشارة إلى أن التعرف على المدعو يحدد طريقة دعوته وأولوياتها، وكذلك عند إرساله ﷺ الصحابة للدعوة كان يرسلهم إلى قبائلهم؛ لأنهم أعلم بهم من غيرهم؛ فأرسل الطفيل بن عمرو الدوسي إلى دوس، وأبا أمامة الباهلي إلى قومه، وعمرو بن مرة الجهني إلى جهينة، وعروة بن مسعود الثقفي إلى ثقيف وغيرهم. وبهذا كان الصحابة ﵃ يُعِدُّون أنفسهم أو يُعِدُّ بعضهم بعضاً بمعرفة المدعو اقتداءً برسول الله ﷺ ، ويقدِّمون أعرفهم بالقوم لدعوتهم، كما حصل من تقديم سلمان الفارسي في دعوة أهل القصر الأبيض -وهم فرس- وأهل بهرسير، وكل ذلك لأنه أعلم بالفرس من غيره. رابعاً: أين ومتى يدعو الداعي ؟ من إعداد الداعية الجيد أن يميز المكان والزمان المناسبين للدعوة؛ لأن في ذلك مدعاة للقبول أفضل من أي حال أخرى، فمتى ما توافق الزمان والمكان سنحت الفرصة للدعوة، والفرص لا تكون دائماً كذلك، فالداعية يجب عليه أن يكون متيقظاً ومراقباً للفرص؛ حتى يغتنمها؛ لأن الفرص لا تدوم، وبفواتها يفوت خير كثير، وهو زيادة احتمالية قبول المدعو للدعوة. ومن الأمثال في اختيار المكان والزمان المناسبين هو اختيار موسى ﵇ ليوم الزينة ليكون ميعاداً للقائه مع السحرة، قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (١)، فكان اختياره لذلك الموعد حتى يتضح الحق لأكبر عدد من البشر، يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "إنما سأل موسى

стр. 162

ذلك لأن يوم الزينة ووقت الضحى يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها ما لا يحصل في غيره" (١)، فذلك من وحي الله أولاً ثم من فطنة موسى ﵇ وتحرِّيه للمكان والزمان المناسبين لإظهار الحق. وقد كان نبينا ﷺ في دعوته يتحرَّى الأوقات والأماكن المناسبة، وذلك في المناسبات، كعرضه نفسه على القبائل في مواسم الحج والأسواق كعكاظ وذي المجاز وغيرها، وعندما بايع الرسول ﷺ من بايعه في العقبة الأولى وعلم أن الفرصة سانحة لدعوة أهل المدينة أرسل لهم مصعب بن عمير ﵁، ولم يتردد في ذلك، فالمكان والزمان مناسبان. ومن تهيئة الداعية للقيام بأمور الدعوة أن يُعَدَّ لمعرفة متى وأين يدعو؛ لأنه بهذين السؤالين يتمكن من معرفة كيف يدعو، ولأن الصحابة هم أول الدعاة فإن إعدادهم كان قائماً على القرآن وسنة الرسول ﷺ يستمدون منها أمور إعداد الداعي. وفي القرآن شواهد على تحرِّي الوقت والمكان، ومن ذلك: دعوة يوسف ﵇ لصاحبيه في السجن، حيث كان أول ما تحدث به معهما قبل أن يجيب على أسئلتهما الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 163

يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآيات: (أراد بهذا الجواب أن يفترض إقبالهما عليه وملازمته والحديث معه؛ إذ هما يترقبان تعبير الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان مع الوعد بأنه يعبر لهما رؤياهما غير بعيد، وجعل لذلك وقتاً معلوماً لهما" (١)، فالجمع بين المكان الذي هو السجن واجتماعهم فيه وقد لا يجتمعون في غيره، وبين الزمان الذي هو وقت سؤالهما عن تعبير الرؤيا، وقد لا يفتح الحديث مرة أخرى، أو قد يخرجون من السجن، كان فرصة زمانية ومكانية استثمرها يوسف ﵇ ليدعو إلى الله، وهذا ما يجب أن يكون عليه الداعي إلى الله، وأن يهيئ نفسه لمثل تلك اللحظة. خامساً: كيف يدعو الداعي ؟ بعدما يكون الداعي قد أُعِدَّ إعداداً جيداً فيما سبق فإنه يكون مؤهلاً لأن يتعلم الكيفية التي سيدعو بها، وذلك بالاستفادة من الإجابات السابقة، وفيه إيضاح لمدى ارتباط الإجابات عن الأسئلة السابقة والإعداد على ضوئها بالسؤال الأخير، وهو كيف يدعو الداعي؟ وكيفية دعوة الداعي هي المعرفة من قبل الداعي باستخدام الوسائل والأساليب المناسبة للدعوة حسب معطيات الحالة والظروف المحيطة بالمدعو، ولأننا سوف نتطرق للأساليب والوسائل في الفصل الثالث فلن نتوسع في هذه الإجابة حتى لا يكون هناك تكرار إلا أن ما يهمنا هنا هو أنه يجب إعداد الداعي إعداداً

стр. 164

جيداً في التعرف على الأسلوب والوسيلة المناسبة وكيفية اختيارها حتى تحقق الدعوة أهدافها. وتختلف الأساليب والوسائل باختلاف الظروف والأحوال، فليس كل ما يصلح لحال يصلح للأخرى، فمن خلال التأمل في واقع الدعوة نجد أن هناك من دخل الإسلام بكلمة لينة بسيطة، وهناك من لم يدخل الإسلام إلا بعد الشدة والغلظة، أو بعد الحرب، فكل له أسلوبه وطريقة للتعامل معه مختلفة عن الآخر. فإجابة السؤال الأخير هذا: كيف يدعو الداعي؟ إنما تكون بـ: إعداد الداعي وتأهيله بكيفية تبليغ ما يعلمه من دينه إلى المدعو في الوقت والمكان المناسبين بالأساليب والوسائل الملائمة لحالة المدعو، وهذا مضمون معرفة الداعي بكيفية الدعوة. أبرز معالم إعداد الصحابي الداعي بناءً على الأسئلة والإجابات السابقة: أ) إعداد الصحابي بتزويده بالعلم الذي يحتاجه في دعوته. ب) إعداد الصحابي نفسياً بإقناعه بأهمية الدعوة ومكانتها في الدنيا والآخرة. جـ) إعداد الصحابي بمعرفته بالمدعوين وطريقة التعامل معهم وأصنافهم وأنواعهم. د) إعداد الصحابي لمعرفة الزمان المناسب للدعوة. هـ) إعداد الصحابي لمعرفة المكان المناسب لممارسة الدعوة.

стр. 165

و) إعداد الصحابي لحسن استخدام الأساليب والوسائل المناسبة مع المدعو. ز) إعداد الصحابي كان من قِبل خير البشر ﷺ سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. المطلب الثالث: واجبات الداعي تقع على عاتق الداعي واجبات كثيرة تجاه الدعوة، إلا أن هذه الواجبات فيها ما هو واجب عامٌّ على كل مسلم داعية كان أو غيره، كالإخلاص والصدق والتزام المنهج السليم وغيرها من الأمور الضرورية لكل مسلم، ومنها ما هو واجب على الداعية بذاته بأن يقوم به ويلتزم بتطبيقه. وهنا سوف نطرح الواجبات الخاصة بالداعية والتي يجب عليه القيام بها ومدى تطبيق الصحابة ﵃ لها في دعوتهم وكيف حرصوا على ذلك. ومن هذه الواجبات ما يأتي: أولاً: اكتساب العلم والثقافة في الدين: حرص الدعاة من صحابة رسول الله ﷺ على اكتساب العلم وتعلمه والتثقف فيه، وذلك من خلال حفظهم للقرآن على يد رسول الله ﷺ وتدارسهم له بينهم، وأيضاً حرصهم على مجالسة الرسول ﷺ والتلقي عنه والتأسي به واتباعه، وتعلم أحكام الإسلام وآدابه والاقتباس من هديه ﷺ والرجوع إليه فيما أشكل عليهم، وقد حرصوا على العلم لعلمهم بفضله وفضل أهله، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)،

стр. 166

وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وعلمهم أيضاً بأمر الله لنبيه ﷺ بالعلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢). فهذا مصعب بن عمير ﵁ تعلم القرآن وأصبح معلماً له حتى سمي بمقرئ المدينة عندما أرسله الرسول ﷺ إليها، فكان له القبول عندهم، فأذعنوا له واقتنعوا بما جاء به فأسلموا، فكان تكليفه بالدعوة بناءً على علمه بالقرآن. وكم من الصحابة اكتسب العلم من رسول الله ﷺ وبلَّغ ما علمه إلى قومه، كضمام بن ثعلبة وعروة بن مسعود والحارث بن ضرار الخزاعي ﵃. ثانياً: الذهاب إلى المدعوين وقصدهم بالدعوة: إن من واجبات الداعي أن يذهب إلى المدعو في مكانه ولا ينتظره حتى يأتيه، ففي ذلك إزالة لكثير من الحواجز بين الداعي والمدعو؛ حيث إن المتعارف عليه أن من لديه دعوة أياً كانت يذهب إلى من يرغب في إيصالها إليه، وقد ذهب الرسول ﷺ إلى المشركين في مجالسهم ونواديهم ومنازلهم، بل إنه خرج من مكة إلى الطائف ليدعوهم، كما ذهب إلى القبائل في الحج والمواسم وعرض عليهم دعوته. وقد ذهب الصحابة إلى المدعوين في أماكنهم في حوادث عدة، سواء في حياة الرسول ﷺ أو بعد وفاته، كذهاب علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵃ إلى اليمن، وذهاب مصعب إلى المدينة، والعلاء

стр. 167

بن الحضرمي إلى البحرين ﵃ أجمعين. وبعد وفاة الرسول ﷺ تحرك الرسل إلى المدعوين، كرسل أبي بكر إلى المرتدين، ورسل قادة الفتح الإسلامي إلى الفرس وغيرهم من الأمم، فكان الذهاب إلى المدعو وقصده بالدعوة من واجبات الداعي، كما أنه من حقوق المدعو كما سيأتي معنا لاحقاً. ثالثاً: الالتزام بالمنهج الصحيح: إن المنهج الصحيح السليم الخالي من الشوائب لهو الحصانة المنيعة للداعي من أي انحراف أو ضياع له وللمدعو على حد سواء، وقد بين الله المنهج في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)، كما بين ﷺ المنهج أيضاً في قوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ((٢). فمن سلامة المنهج إعادة الأمور إلى أصولها والاتباع وعدم الابتداع، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي (. فلم يخرج الصحابة ﵃ عن هذا المنهج، فكانوا على منهج النبوة، وقد أخبر الرسول ﷺ عن ذلك في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء

стр. 168

الله أن تكون ... ((١)، وفي ذلك بيان أن عهد خلفاء رسول الله ﷺ على المنهج الصحيح وهو من عهد الصحابة ﵃. رابعاً: احترام المدعوين وبيان أهميتهم: حتى يتم قبول الدعوة يجب احترام المدعو وبيان أهمية دعوته بالنسبة للداعي، ففي ذلك كسر لحاجز الممانعة الذي ينشأ عن المخالفة في الدين بين الأفراد، كما أن القدوة في ذلك هو رسول الله ﷺ ؛ فكان يخاطب المشركين بألقابهم ويكتب للملوك باحترام مكانتهم في قومهم كقوله ﷺ لهرقل: (عظيم الروم ((٢) عندما أرسل إليه يدعوه. ومن الاحترام وبيان أهمية المدعو عدم استصغار أي شخص مهما كان حاله، فمن حقه أن يُدعَى، فكان النبي ﷺ يدعو الصغير والكبير، والفقير والغني، والقوي والضعيف، والرجل والمرأة، فلم يهمل في الدعوة أحداً بسبب جنسه أو لونه أو مكانته أو حالته، فقد أورد ابن عساكر في تاريخ دمشق قصة إسلام بلال بن رباح ﵁ وذلك عندما كان رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر الصديق ﵁ معتزلين في غار خارج مكة مر بهما بلال بن رباح وهو يرعى غنماً لسيده، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام وأسلم وكتم إسلامه (٣)، فلم يقلل رسول الله ﷺ من شأن ذلك المملوك الراعي، بل اهتم به وبلغه دعوته.

стр. 169

وكذلك كان صحابة رسول الله ﷺ ، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان رجال قومه يأتونه ويألفونه لحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، وقد أسلم على يده كثير من الصحابة، فكان منهم من كبار قومهم مثل عثمان بن عفان ﵁، ومنهم موالي مثل عامر بن فهيرة ﵁ (١). خامساً: الحكمة والموعظة الحسنة: لقد أمر الله بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، ففي هذا الأمر وجوب على الداعي أن يستخدم الحكمة والموعظة الحسنة مع المدعوين، وأن تكون من أساس دعوته، فقد أعطى الله نبيه الحكمة، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه ... ((٣). ولو لم يكن للحكمة فضل كبير في الدعوة لما أمر الله بها ، وقد دخل الإسلام في عهد رسول الله ﷺ أعداد لا تحصى من المسلمين بسبب دعوته ﷺ بالحكمة والموعظة الحسنة، كما كان لها دور في دعوة الصحابة ﵃ حيث ساروا على هدي النبي ﷺ . يقول الدكتور سعيد بن وهف القحطاني: (إن الحكمة لا تقتصر على الكلام والرفق والعفو والحلم فحسب، إنما تكون مع بيان الحق علماً وعملاً واعتقاداً

стр. 170

بالأدلة وبالترغيب والترهيب وأيضاً بحسن الخلق واللطف والأدلة العقلية والنقلية ورد الباطل، كما أنها قد تكون بالقوة" (١). ومن شواهد الحكمة والموعظة الحسنة عند الصحابة دعوة مصعب بن عمير لسعد بن معاذ ﵄، ودعوة العلاء بن الحضرمي للمنذر بن ساوى ﵄، والأمثلة على ذلك كثيرة. سادساً: مخالطة الناس: من الواجب على الدعاة مخالطة الناس لدعوتهم إلى الإسلام، والمخالطة المقصودة هي عدم الاعتزال وتجنب الناس؛ لأن في المخالطة تقديم ما لدى الداعي من علم إلى الناس الذين هم في حاجته، وقد كان رسول الله ﷺ يخالط الناس ويعيش معهم، بل كان يغشى مجالسهم وأنديتهم، وقد قال ﷺ : (إن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ((٢). وبهذا كان الأصل مخالطة الناس وعدم اعتزالهم، وذلك بالالتزام بشروط المخالطة وألَّا يكون فيها فتنة أو معصية لله، وقد جعل الإمام النووي في رياض الصالحين باباً قال فيه: "فضل الاختلاط بالناس، وحضور جمعهم وجماعاتهم،

стр. 171

ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصبر على الأذى، وقال: اعلم أن الاختلاط على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين" (١)، وقد أنزل الله آية تبين آداب المخالطة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٢). وكان صحابة رسول الله يخالطون المشركين أسوة برسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر الصديق ﵁ يألفه قومه ويأتونه لغير واحد من الأمر، فقد كان تاجراً نسَّاباً حسن المجالسة (٣)، ودعا كثيراً ممن يأتيه إذا وثق به وأمنه، فكانت المخالطة من منهجهم ﵃.

стр. 172

المبحث الثاني منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالمدعو المطلب الأول: المدعو من المشركين وأهميته لدى الصحابة ﵃ - المدعو هو أحد الأركان الأساسية الذي تدور حوله العملية الدعوية، بل هو الهدف من هذه العملية، وهو من تنتهي إليه الجهود الدعوية، وهو المعيار الذي تظهر عليه النتائج من هذه العملية والتي يتبين لنا منها مدى نجاح هذه الجهود من عدمه والمستوى الذي وصلت إليه هذه الدعوة. ويعرف المدعو بأنه: "المتلقي للدعوة والمستهدف بها فرداً كان أو جماعة، ذكراً أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً" (١). ويذكر الدكتور المغذوي تعريفاً مختصراً شاملاً لكل من يطلق عليه اسم "مدعو" فيقول: "هو كل مخاطب بالدعوة من الخلق، وهذا التعريف جامع لكل أوصاف المدعو ومن هو داخل في الخطاب الديني ويشمله نطاق الدعوة في الخلق، سواء أكان من الإنس أم من الجن، وسواء أكان من أمة الدعوة أم

стр. 173

من أمة الإجابة" (١). وذكر الجن هنا لا يعني تكليف البشر بدعوتهم؛ لأن ذلك فوق طاقتهم، كما أنه أمر خاص بالرسول ﷺ ولا اقتداء لنا به في هذا (٢)؛ فقد ذُكر أن الرسول ﷺ دعا الجن فأجابوا، يقول مقاتل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ (٣): "إن تسعة نفر من الجن من أهل نصيبين استمعوا إلى رسول الله يقرأ القرآن ببطن نخلة فأسلموا ودعوا قومهم حتى إنهم أتوا إلى النبي من العام القادم في البطحاء وقد أصبحوا سبعين رجلاً من الجن مسلمين، وعلَّمهم القرآن وأدَّبهم وقضى بينهم" (٤)، "وذكر ابن عباس ﵄ أنهم كانوا سبعة وجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم" (٥)، وبهذا تكون دعوة الجن أمراً خاصاً برسول الله ﷺ ولا يمكن تكليف غيره من البشر بها، ومن هذا فإن المدعو الذي يعني الصحابة هم البشر، وما يعنينا في بحثنا هنا من المدعوين هم المشركون من غير أهل الكتاب، ودعوة الصحابة ﵃ لهم. وقد جعل الله للمدعو أهمية كبيرة عند جميع الرسل ﵈، فكان إرسالهم لهداية هذا المدعو، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا

стр. 174

نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٢)، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (٣)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (٤)، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (٥)، فنجد أن الله بيَّن لأنبيائه أن مهمتهم هي هداية المدعوين ثم بعد ذلك يأتي الإسلام، فينسخ ما قبله ويكون نبيه ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والمرسل إلى جميع المدعوين بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦)، فالمدعوون في رسالته ﷺ هم كلُّ العالمين، يقول ابن قتيبة: "العالمون هم أصناف الخلق الروحانيين وهم الإنس والجن والملائكة كل صنف منهم عالم" (٧). ويبيِّن الله تعالى المدعوين لرسوله ﷺ في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٨)، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٩)، يقول ابن جرير: "إن الله يقول لنبيه: قل يا محمد للناس كلهم: فإن رسالتي ليست لبعضكم دون بعض ولكنها إلى جميعكم" (١٠).

стр. 175

يقول الرسول ﷺ في حديث جابر بن عبدالله: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة ((١)، يقول شيخ الإسلام في ذكر كلمتي "الناس والعالمين" في القرآن والسنة قال: "فاسم "الناس" و"العالمين" يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند والبربر" (٢)، ويقول الشيخ البسام: "قد جعل الله تعالى في هذا النبي وفي رسالته السامية الصلاحية والشمول لأن تكون الدستور الخالد والقانون الباقي لجميع البشر على اختلاف أجناسهم وتباين أصنافهم" (٣). والشاهد مما سبق من الآيات والأحاديث والأقوال هو المدعو ومن هو؟ وما أهميته في الإسلام والدعوة؟ وما ترتب على ذلك من أهمية لدى الصحابة ﵃ وحرصهم على تبليغ الرسالة إليه؟ بالإضافة إلى الفضل والأمر العظيم الذي سيحصل عليه الصحابة بدخول هذا المدعو إلى الإسلام، ففي وصية الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ في غزوة خيبر قال: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حمر النعم (. ولو لم يأت من الفضل للصحابة ﵃ إلا ذلك لكفى، وجعل لأهمية المدعو عندهم مكاناً عليا، وذلك ما جعل المدعو لديهم سلعة يتاجرون بها مع الله ويرجون الربح من ورائها والأجر من عند الله، والاستثمار الباقي، وذلك ما جعلهم يسخِّرون الصعب ويخاطرون بأرواحهم وأموالهم وأهليهم من أجل هذا المدعو،

стр. 176

فهذا مصعب ﵁ ترك دنياه ووالدته من أجل الإسلام والدعوة، وهذا عروة بن مسعود ﵁ يفقد حياته من أجل هداية قومه ودعوتهم، وهذا الحارث بن مسلم التميمي ﵁ يفرط في الغنيمة ليكسب إسلام القوم، وهذا عبدالله بن مسعود ﵁ يقرأ القرآن عند المقام تحت الكعبة فيُضرب ويُؤذى كل ذلك لعله يكون سبباً في هدايتهم (١)، وغيرهم كثير. والهدف من ذلك كله ما يعلمونه من أهمية هذا المدعو وأهمية دخوله للإسلام، وذلك في الدنيا بنصرة الدين وقوة المسلمين وإضعاف المشركين، وفي الآخرة بالفوز بالربح العظيم والنجاة من النار، فقد ينجو وينجيه بأمر الله، ويكتب له الأجر بعمل هذا المدعو إذا أسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ((٢)، يقول الشيخ ابن عثيمين: "في هذا دليل على أن المتسبب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله" (٣)، فمن هنا نجد مدى أهمية هذا المدعو لدى الصحابة ﵃ فهو كمن أوقف وقفاً إلى يوم القيامة.

стр. 177

المطلب الثاني: حقوق المدعو من المشركين إن المدعو هو أحد المستفيدين الرئيسين من الدعوة، وهو ممن يجنون ثمارها في الدنيا والآخرة، مع هذا فإن له حقوقاً على الداعية توجب على الداعية الانتباه لها ومراعاتها تجاه مستحقها وهو المدعو، وقد حرص الصحابة ﵃ على هذه الحقوق سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فمنها ما كان مقصوداً بذاته، ومنها ما كان عفوياً دون قصد، إلا أن الموقف أو المكان أو الزمان أوجب ذلك، ومن هنا رأينا حصر هذه الحقوق في عدة نقاط للحديث عن كيفية تعامل الصحابة ﵃ مع هذه الحقوق وكيف أدوا حقها تجاه من يدعون. أولاً: حق تبليغه الدعوة: إن الدعوة بذاتها هي حق للمدعو، بل حق لكل شخص، وذلك أن ديننا الحنيف حثنا على ذلك، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية ((٣)، قال الرازي: "إن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ " (٤).

стр. 178

فوجوب الدعوة على الداعية يجعلها من حق المدعو سواء قبلها أم رفضها، فهذا أبو عامر ﵁ يوم أوطاس لقي عشرة إخوة من المشركين فحملوا عليه واحداً تلو الآخر، وحمل عليهم فكان يدعو من يقاتله منهم ويؤدي حقه له قبل أن يقاتله، فكان كلما دعا أحدهم إلى الإسلام ولم يستجب يقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة منهم، أما العاشر فعندما قال أبو عامر: اللهم اشهد عليه، قال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر، فأفلت وأسلم وحسن إسلامه، وقد أدَّى أبو عامر ﵁ حق المدعوين حتى أنجى الله بسببه أحدهم. وكذلك علي بن أبي طالب ﵁ يوم الخندق عندما أدَّى حق عمرو بن عبد وِدٍّ وذلك في دعوته إلى الإسلام قبل قتاله. فهذا هو منهج الرسول ﷺ الذي هو عليه، وأوصى به صحابته ودعاته، فقد أوصى معاذاً ﵁ عندما أرسله إلى اليمن بأن يدعوهم، وأوصى علياً ﵁ يوم خيبر أن يدعوهم وغيرهم، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يأمر قادة الجيوش إلى الشام في وصيته المشهورة أن يؤدوا حق المدعوين بقوله: "فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال" (١)، فلم يفرط الصحابة في هذا الحق لمن يدعونهم إلى الإسلام. ثانياً: إتيان المدعو في مكانه: كما ذكرنا سابقاً إن من واجبات الداعي الذهاب إلى المدعوين وقصدهم بالدعوة، فللمدعو حق أن يؤتى في مكانه، أي أن يذهب الداعية إليه ولا ينتظر

стр. 179

مجيئه، بل عليه البلاغ وإيصال الدعوة له؛ لأن الداعية يدرك هذا الحق أكثر من المدعو، وقد كان رسول الله ﷺ يذهب إلى الناس في أماكنهم ويعرض نفسه على القبائل، فلم ينتظرهم في مكان، وهذا ما قام به صحابة رسول الله ﷺ ، فها هو مصعب بن عمير ﵁ يذهب إلى أهل يثرب ليدعوهم ويعلمهم الإسلام، وهذا عمرو بن مرة الجهني ﵁ يذهب إلى جهينة فيدعوهم وهم في مكانهم، وها هو خالد بن الوليد ﵁ يرسل رسله إلى أهل فارس ليدعوهم في دارهم ولم ينتظر منهم أن يأتوه هم. ولا يقف إتيان المدعو في مكانه بأن يأتيه بنفسه، فإن إرسال الرسائل تقوم مقام الشخص، فهذا بجير بن زهير بن أبي سلمى ﵁ يرسل كتاباً إلى أخيه كعب بعد أن أهدر الرسول ﷺ دمه فيقول فيها: "اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل" فأسلم كعب ﵃ أجمعين. وهذه طبيعة الدعوة أنها تبليغ رسالة من المُرسِل إلى المُرسَل إليه، "ولا يتم تبليغ الرسالة إلا بحركة المبلغ وانتقاله إلى المرسل إليه" (١)، وفي ذلك إقامة للحجة بين الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، كما أنه سبحانه لم يأمر رسله ﵈ أن يبقوا في مكان واحد ينتظرون من يأتيهم بل أمرهم بالتنقل والذهاب إلى المدعوين، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (٣)، فأمره بالذهاب وهو الانتقال من مكان إلى آخر، وقال تعالى

стр. 180

لرسوله الكريم ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١)، "لذلك يمكن القول: إن الداعية مطلوب منه الذهاب إلى المدعوين والانتصاب لدعوتهم وذلك قدر الاستطاعة وجهده" (٢). وقد حرص الصحابة ﵃ على إتيان المدعوين في أماكنهم لعدة أمور منها: ١ - اقتداء بالنبي ﷺ في ذهابه إلى المدعوين وغشيان مجالسهم وأنديتهم وأسواقهم. ٢ - حرصهم على هداية أهليهم وأقوامهم وإنقاذهم من الهلاك في الآخرة. ٣ - أن أغلب الصحابة ﵃ كانوا مشركين؛ لذلك هم يعلمون أن المشركين لن يأتوا إلى الدعاة ليسألوهم عن الإسلام فكان منهم الحرص على أن يذهبوا هم إلى المشركين. ثالثاً: عدم احتقار المدعو أو الاستهانة به: إن احتقار الأشخاص واستصغارهم ليس من الإسلام؛ لذلك "لا يجوز للداعي أن يستصغر شأن أي إنسان أو يستهين به فلا يدعوه؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعَى ويُهتمَّ بأمره، وقد يصبح هذا الذي لا يقيم له الداعي وزناً هو عند الله له وزن كبير بإيمانه وعلمه وعمله، وكذا خدمته للإسلام والدعوة إليه" (٣).
следующие страницы →