← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

د) الشاهد الرابع: الاهتمام بدعوة ذوي القربى: قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١). لقد احتلت دعوة ذوي القربى عند الصحابة أولوية، فهذا سعد بن معاذ ﵁ عندما أسلم عاد إلى قومه مباشرة فلما وقف عليهم قال: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ﷺ ، قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة (٢)؛ فبدأ بالأقربين قبل غيرهم ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وأيضاً دعوة الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ عندما أسلم استأذن الرسول ﷺ بالذهاب إلى قومه لدعوتهم وطلب منه أن يجعل له آية تكون عوناً عليهم، ويحدث ﵁ عن نفسه فيقول: حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضرون يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم، قال: فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً، قال فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قال قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ ، قال: أي بني فديني دينك، قال فقلت: فاذهب واغتسل فذهب

стр. 72

فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني فلست مني ولست منك، قالت: لِمَ بأبي أنت وأمي؟، قال: قد فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال فقلت: فاذهبي إلى حمى ذي الشرى (١) فتطهري، فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت (٢). فكان أول من أنذر الطفيل ﵁ عشيرته الأقربين وهما والده وزوجته وهما الأقرب فالأقرب، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، "أي الأقرب فالأقرب" (٣)، وقال الإمام الطبري: "الأقربين إليك قرابة" (٤)، ويقول الحافظ ابن كثير: "هم الأدنين إليه" (٥). ويوضح الإمام الشوكاني سبب تخصيص الأقربين "لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقوم" (٦). ومن هذا أيضاً دعوة طليب بن عمير ﵁ لأمه أروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله ﷺ والتي ذكرها ابن سعد في "الطبقات" قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ثم خرج فدخل على أمه

стр. 73

أروى بنت عبد المطلب فقال: تبعت محمداً وأسلمت لله، فقالت له أمه: إن أحق من آزرت وعضدت خالك، والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذببنا عنه، فقال طليب: فما يمنعك يا أمي من أن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة، ثم قالت: أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن، فقال طليب: فإني أسألك بالله إلا أتيته فسلمت عليه وصدقته وشهدت ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وكانت تعضد النبي ﷺ بلسانها وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره (١). فهذا طليب ﵁ بعد إسلامه مباشرة ذهب إلى والدته ليدعوها إلى الإسلام، وفي تأكيد هذا الأمر ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢)، فأمر الله المؤمنين بأن يتقوا النار هم وأهلوهم قبل أي أحد آخر. هـ) الشاهد الخامس: الإجارة من أجل الدعوة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وعلى هذا الأساس كانت دعوة أبي ذر ﵁ لحويطب بن عبد العزى، قال حويطب: لما دخل رسول الله ﷺ

стр. 74

مكة خفت خوفاً شديداً فخرجت من بيتي وفرقت عيالي في مواضع يأمنون فيها فانتهيت إلى حائط عوف فكنت فيه فإذا أنا بأبي ذر الغفاري وكانت بيني وبينه خلة -والخلة أبداً مانعة-، فلما رأيته هربت منه فقال: أبا محمد، فقلت: لبيك، قال: ما لك؟ قلت: الخوف، قال: لا خوف عليك أنت آمن بأمان الله ، فرجعت إليه فسلمت عليه فقال: اذهب إلى منزلك، قلت: هل لي سبيل إلى منزلي؟ والله ما أراني أصل إلى بيتي حياً حتى ألفى فأقتلع أو يدخل عليَّ منزلي فأقتل، وإن عيالي لفي مواضع شتى، قال: فاجمع عيالك في موضع وأنا أبلغ معك إلى منزلك، فبلغ معي وجعل ينادي عليَّ: أن حويطباً آمن فلا يهج، فذهب أبو ذر إلى الرسول ﷺ فأخبره فقال ﷺ : أو ليس قد أمن الناس كلهم إلا من أمرت بقتلهم؟ قال: فاطمأننت ورددت عيالي إلى منازلهم وعاد إليَّ أبو ذر فدعاني إلى الإسلام فخرجت معه إلى الرسول ﷺ وسلمت عليه وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (١). وفي هذا الشاهد تطبيق لما ورد في الآية من سورة التوبة، فقد استجار حويطب بأبي ذر ﵃ وأجاره ﴿فَأَجِرْهُ﴾ ثم قام أبو ذر بدعوة حويطب للإسلام ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.

стр. 75

كما أن إجارة أم هانئ ﵂ لرجل أراد أن يقتله علي بن أبي طالب ﵁ عندما قال لها رسول الله ﷺ : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ((١) تنطبق عليها الآية السابقة من إجارة المشركين، كما كان لإجارتها أثر على من أجارت في أن يبقى بين المسلمين ومن ثم يدخل الإسلام؛ وقيل إنه الحارث بن هشام. وفي هذا نجد أن أبا ذر وأم هانئ ﵄ قد طبقا ما ورد في الآية السابقة وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال القرطبي: "من الذين أمرتك بقتالهم" (٢)، فكان حويطب والحارث بن هشام من المشركين المقاتلين، وقوله تعالى: ﴿اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ فقد طلبوا الاستجارة بالصحابة فأجاروهم مما أدى إلى تأمين الرسول ﷺ من أجارا، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فقد دعا أبو ذر حويطباً للإسلام فأجابه وسمع كلام الله من الرسول ﷺ . و) الشاهد السادس: قتال المشركين من أجل الدعوة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤). وهذا ما قام به علي بن أبي

стр. 76

طالب ﵁ عندما أرسله الرسول ﷺ في سرية إلى اليمن في ثلاثمائة فارس فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلقي جمعاً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا أصحابه بالنبل والحجارة، فلما رأى أنهم لا يريدون إلا القتال دفع اللواء إلى مسعود بن سنان السلمي فتقدم به فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز فبرز إليه الأسود بن خزاعي فقتله الأسود وأخذ سلبه ثم حمل عليهم علي وأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائماً فكف عن طلبهم ودعاهم إلى الإسلام فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله (١). إن ما حصل من علي ﵁ هو مطابق لما ورد في الآيات السابقة؛ فقد قاتل المشركين حتى تابوا وأسلموا وأدوا الزكاة. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: "أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام" (٢)، وذلك ما قام به علي بن أبي طالب ﵁ في الذهاب إليهم في معاقلهم وقتالهم حتى أسلموا. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ "أي: فإن رجعوا عما نهاهم عنه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد ﷺ ((٣)، ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾،

стр. 77

"أي: اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا تحصروهم ولا تقتلوهم" (١). هذه الآيات أصل لما قام به علي بن أبي طالب ﵁ في مقاتلة المشركين. ز) الشاهد السابع: بيان عزة الإسلام في الدعوة: قال : ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢)، ومن هذا كتاب خالد بن الوليد إلى أهل فارس، فعن أبي وائل ﵁ قال: كتب خالد بن الوليد ﵁ إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام: "بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران (٣) وملأ فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإنا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر، والسلام على من اتبع الهدى" (٤). ففي كتاب خالد بن الوليد هذا دعوة للإسلام "ندعوكم إلى الإسلام" مع عزة وقوة "وأنتم صاغرون"، وفي الآية السابقة أصل وأساس لما قام به خالد بن الوليد ﵁. وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٥)، لم يدع خالد بن الوليد ﵁ الفرس إلى السلم والموادعة لأنه يعلم أن الإسلام هو الأعلى ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ بل طلب منهم الخضوع لحكم الإسلام وهم صاغرون كما في كتابه إلى هرمز صاحب

стр. 78

الثغر: "أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة" (١)، وكأن لسان حال خالد بن الوليد ﵁ وجيشه يطبق الآية في سورة المائدة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (٢). ففي قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ يقول ابن عاشور: "إن محبة العبد ربه انفعال النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينه" (٣)، وكان ذلك في خالد بن الوليد وجيشه ﵃ وهي محبة الشهادة في سبيل الله والفوز بلقائه سبحانه. وقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ "أي يظهرون الغلظة والترفع على الكافرين" (٤)، ويقول ابن كثير: "أي متعززاً على خصمه وعدوه" (٥)، ومثلها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧). يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: "أعزة قد اجتمعت هممهم

стр. 79

وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم" (١). وأمثال كتاب خالد بن الوليد من الشواهد كثير، فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ يرى أن يرسل وفداً مكوناً من تسعة من المسلمين إلى رستم عندما طلب منه ذلك، إلا أن ربعي بن عامر قال: إن الأعاجم لهم آراء وآداب ومتى نأتهم جميعاً يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل. ففعل سعد بن أبي وقاص وأرسل ربعي بن عامر إلى رستم فوطأ ربعي بن عامر بفرسه على البسط وربطها بالوسائد فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت، فأخبروا رستم فقال: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده، فجاء حتى جلس على الأرض وقال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم، فكلمه وقال: ما جاء بكم؟ قال ربعي: الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي، وأرسل سعد بن أبي وقاص ﵁ بعده حذيفة بن محصن ثم المغيرة بن شعبة وكلهم فعل كما فعل وقال مثلما قال (٢)، وكأن لسان حالهم يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ

стр. 80

وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ح) الشاهد الثامن: بيان بطلان دين المشركين: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٢). وقد طبق ما في هذه الآية عدد من الصحابة منهم ضمام بن ثعلبة ﵁ وذلك في حديث ابن عباس ﵁ قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه وأناخ بعيره عند باب المسجد، إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : (إن يصدق ذو العقيصتين دخل الجنة (، قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى! قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً، قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (٣). وفي قول ضمام بن ثعلبة: "إنهما والله لا يضران ولا ينفعان" موافقة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ

стр. 81

ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، وقد ورد في القرآن الكريم في عدة مواضع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (٢)، وفي خطابه لبني إسرائيل عندما صنعوا العجل قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٣)، كما أن هناك آيات أخرى تدل على أن ما يعبدونه من دون الله لا يضر ولا ينفع. وفي قصة دعوة عبدالله بن رواحة ﵁ لأبي الدرداء وتحطيم صنمه إشارة إلى أن هذا الصنم لا يستطيع أن يضر من حطمه، وقصة إسلام عمرو بن الجموح وما فعله ابنه معاذ ومعاذ بن جبل ﵃ من إهانة لصنم عمرو بن الجموح حتى أثبتوا له أنه صنم لا يستطيع أن يدافع عن نفسه فكيف ينفع غيره أو يضرهم؟ كما أن هناك شاهداً في قصة إسلام عثمان بن عفان ﵁ التي ذكرناها سابقاً، عندما قال له أبو بكر الصديق ﵁: ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟ قال قلت: بلى والله إنها كذلك، قال: فقد والله صدقتك خالتك، ثم بعد ذلك أخذه إلى رسول الله ﷺ وأسلم في لحظته ﵁.

стр. 82

وقول أبي بكر ﵁: إن هذه الحجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع هو استلهام لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١). يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآيات: "هذا في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله بشيء من العبادة؛ لأنها ليس لها استطاعة ولا اقتدار في نصر أنفسهم ولا في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة، فلو دعوتها إلى الهدى لم تهتد، وهي صور لا حياة فيها" (٢)، وكأنه ﵀ يعيد كلام أبي بكر الصديق لعثمان بن عفان ﵄.

стр. 83

ط) الشاهد التاسع: إظهار الحق وعدم كتمه: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). هذه الآية مطابقة لما قام به النجاشي من دعوة عمرو بن العاص ﵄ عندما ذهب إلى الحبشة بعد غزوة الخندق، قال عمرو بن العاص: "لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إني لأرى أمر محمد يعلو علواً منكراً، إلى أن قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حيث قتلت رسول محمد، قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال: مرحباً بصديقي، أأهديت لي من بلادك شيئاً؟ قال قلت: نعم أيها الملك قد أهديت لك أدماً كثيراً، قال: ثم قدمته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أن قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه، ثم قلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، فقال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ فقال: ويحك يا

стр. 84

عمرو، أطعني واتبعه فإنه والله لعلى حق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: فقلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده وبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي ... " (١) الحديث. وهذا هو النجاشي ملك الأحباش، وقد عُدَّ من الصحابة لم يلبس الحق بالباطل فقد كان على دين النصرانية ولديه علم من الإنجيل فعرف الحق ولم يكتمه بل أسلم وأبلغ به عمرو بن العاص ودعاه إلى الإسلام، فقوله: "فإنه والله لعلى حق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده" هذا هو العلم بالحق، أما قوله: "أطعني واتبعه" فهذه هي دعوة النجاشي لعمرو لاتباع الحق وعدم إنكاره أو كتمه، ولم يمنع النجاشيَّ مكانته وملكه والتابعون له من أن يظهر الحق عندما عرفه لعمرو بن العاص، ولعلمه السابق بالتوراة والإنجيل فإنه يجد نعت النبي محمد ﷺ ومبعثه، وقد ذكر الله وجود ذكر النبي ﷺ في كتب أهل الكتاب وأن من اتبعه هم المفلحون، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ

стр. 85

هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، فكان النجاشي ﵁ من المفلحين. ي) الشاهد العاشر: أن الإسلام دين مغفرة ورحمة: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢). هذه الآية توافق ما قام به بجير بن زهير بن أبي سلمى عندما دعا أخاه كعباً وذلك لما قدم رسول الله ﷺ من منصرفه عن الطائف، كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب يقول له: "إن رسول الله ﷺ قتل رجالاً بمكة، ممن كان يهجوه ويؤذيه وإن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك من الأرض"، وكان كعب قد أرسل قصيدة إلى بجير يعتب عليه على إسلامه ويهجو الرسول ﷺ فأهدر الرسول دمه، فلما بلغ كعباً الكتاب أشفق على نفسه وكتب قصيدة مدح واعتذار للرسول ﷺ والتي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يُفد مكبول وقدم إلى المدينة وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم ألقى قصيدته أمام الرسول ﷺ (٣). وقوله: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ موافق لما فعله

стр. 86

كعب من الشرك والتعرض للرسول ﷺ بالشعر حتى أهدر الرسول ﷺ دمه، وإرسال بجير كتاباً إلى كعب يطلب منه المجيء إلى الرسول في قوله: "فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً" متوافق في معناه مع قوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، يقول الشيخ السعدي: "ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده ودعوته لمن اقترف السيئات بأن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ أي معترفين بذنوبهم باخعين بها" (١)، وقد طبق كعب ما دعاه إليه أخوه بجير من الاستغفار والتوبة وطلب العفو من الرسول ﷺ ، وكان له ما وعد الله في الآية: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ويقول الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقد أخبر بجير بن زهير أخاه كعباً بأن رسول الله ﷺ سوف يعفو عنه ويحسن إليه فعفا الرسول ﷺ عنه وأعطاه بردته التي عليه (٣) فكأن دعوة بجير ﵁ استخلصت من هذه الآية. ك) الشاهد الحادي عشر: تنزيه الله عن الزوجة والولد: قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤). في هذه الآية تأييد لما أخرجه ابن أبي

стр. 87

حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلاً يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبوبكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (١)، فأراد أبو بكر الصديق ﵁ هنا أن يبين للمشركين كيف يكون لله ولد أو بنت ولم يكن له زوجة، وكأنه بذلك يقرأ عليهم قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾، يقول ابن كثير: "كيف يكون له ولد والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد" (٢). فكان أبو بكر الصديق ﵁ يخاطب المشركين على قدر أفهامهم وأنه إن لم يكن هناك أم للولد أو زوجة لله -تعالى الله عما يقولون- فكيف يكون هناك ولد في الأصل، وهذا ما قالته الجن أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (٣)، كما أن الله يرد عليهم بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٤).

стр. 88

الأساس الثاني: سنة الرسول ﷺ - إن سنة رسول الله ﷺ تعد هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الرئيسة للإسلام، ولها تعريفات متعددة حسب المعرف والغرض من التعريف، إلا أنها جميعها ترتبط بالرسول ﷺ في جميع أحواله، ومن هنا كانت سنته ﷺ أساساً للدعوة إلى الله تعالى، وإلى دينه، وبذلك فإن ما قام به الصحابة من دعوة للمشركين لا يعدو أن يكون قبساً من قبسات النبوة التي أضاءت لهم، وكانت هي النور الذي يمشون فيه، ويهتدون به. ومن هذا الأساس سوف نوضح مدى ترابط سنة رسول الله ﷺ وما قام به صحابته في دعوة المشركين، وذلك من خلال دراسة شواهد من دعوتهم ﵃، وما يربطها بالسنة النبوية المتعلقة بالرسول ﷺ . أ) الشاهد الأول: تعلم القرآن والدعوة به: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ((١). وهذا مصعب بن عمير ﵁ تعلم القرآن وأصبح يدعو به ويعلمه الناس، وذلك عندما أرسله ﷺ إلى المدينة وكان يسمى بالمدينة بالمقرئ (٢)، وعندما حضر إليه أُسيد بن حضير متشتماً ومهدداً دعاه مصعب إلى أن يجلس ويسمع منه، وذكر ابن هشام: أن مصعب بن عمير قال له: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما

стр. 89

يذكر عنهما: والله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، ومن ثم أتاهم سعد بن معاذ وقال لهم مثل قول أسيد، وقال له مصعب كقوله لأسيد، وقرأ عليه القرآن فأسلما ﵃ أجمعين. وهنا نجد أن مصعباً ﵁ تعلم القرآن وأصبح مقرِئاً له، فكان يدعو الناس إلى الإسلام بالقرآن، وقد مكث في المدينة يدعو ويعلم حتى عاد إلى مكة ومعه سبعون رجلاً من الأنصار، وقابلوا الرسول ﷺ في العقبة الثانية، ويعد هو أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يأتي الأنصار في دورهم ويدعوهم ويقرأ عليهم القرآن فيسلم الرجل والرجلان حتى ظهر الإسلام وفشا في دور الأنصار، وكان يقرِئُهم القرآن ويعلمهم (١)، وكأنه ﵁ يطبق ما ورد في حديث الرسول ﷺ : (تعلم القرآن وعلمه (. ومن ذلك أيضاً عندما بعث عمرو بن الجموح إلى مصعب بن عمير بعد قدومه المدينة فقال: ما هذا الذي جئتمونا به؟ قالوا: إن شئت جئناك فأسمعناك القرآن، قال: نعم، فقرأ عليه صدراً من سورة يوسف (٢)، فدعاه من خلال قراءة القرآن الكريم عليه. وكذلك ثابت بن قيس الأنصاري ﵁ وهو أحد السابقين للإسلام ما كاد أن يستمع إلى الذكر الحكيم يرتله مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى شرح الله صدره للإيمان وأعلى قدره ورفع ذكره بالإسلام.

стр. 90

ب) الشاهد الثاني: تحمل مسؤولية دعوة الرعية: عن عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ((١). من هنا تكون مسؤولية الشخص عن الأقربين له مسؤولية ذات أولوية؛ فهذا سعد بن معاذ ﵁ عندما أسلم كان أول عمل قام به أن ذهب إلى قومه وهو سيدهم المطاع فيهم، فقال لهم: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة. فنجد سعد بن معاذ ﵁ قد استشعر المسؤولية على قومه الذين يتزعمهم وهو لهم إمام في الشرك، فكيف لا يكون إمامهم في الإسلام وهو سوف يُسأل عنهم يوم القيامة، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه ((٢).

стр. 91

وهذا الطفيل بن عمر الدوسي ﵁ عندما أسلم وذهب داعية لقومه، وذلك ما يرويه عن نفسه قال: فأتتني صاحبتي فقلت: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: لِمَ بأبي أنت وأمي؟ قال: قد فرق بيني وبينك الإسلام وتبعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال: قلت فاذهبي إلى حنا ذي الشرى -قال ابن هشام: ويقال حمى ذي الشرى- فتطهري منه، فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرض عليها الإسلام فأسلمت. يقول ابن حجر في فتح الباري: "إن أهل المرء ونفسه من جملة رعيته، وهو مسؤول عنهم؛ لأنه أمر أن يحرص على وقايتهم من النار" (١)، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢)؛ فالأهل للرجل والعشيرة للسيد هم من الرعية المسؤول عنها. جـ) الشاهد الثالث: إجارة المؤمن للكافر: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يجير على أمتي أدناهم ((٣). وهذا أبو ذر ﵁ كما سبق وذكرنا أجار حويطب بن عبد العزى وأمنه ودعاه للإسلام فكان أمان أبي ذر يعد أماناً من المسلمين جميعاً، كما في الحديث. وفي حديث أم هانئ عندما أجارت من أجارت وقول الرسول ﷺ لها: (أجرنا من أجرت يا أم هانئ (، كان ذلك من أسباب إسلام الحارث بن هشام. وكأن إجارة هؤلاء الصحابة مستمدة من هدي الرسول ﷺ وسنته وهي لما قاموا به أصل؛ وذلك

стр. 92

لتوافق أفعال الصحابة مع الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ . وطلب أم حكيم الأمان من رسول الله ﷺ لزوجها عكرمة بن أبي جهل وأدركته وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر فجعل نوتي (١) السفينة يقول له: أخلص، فقال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا الكلام فجعلت تلح إليه وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته فقالت: إني قد استأمنت لك محمداً رسول الله ﷺ ، قال: فأنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك فرجع معها (٢). فكان في طلب أم حكيم الأمان له ودعوتها إياه سبباً في إسلامه ﵄. د) الشاهد الرابع: الدعوة قبل القتال: ومنه دعوة علي بن أبي طالب ﵁ لعمرو بن عبد ود عند النزال في غزوة الخندق وذلك عندما اقتحم عمرو بن عبد ود الخندق هو وبعض فرسان قريش وأخذ يدعو للمبارزة فبرز له علي بن أبي طالب فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على

стр. 93

علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي ﵁ (١). وهنا نجد أن دعوة علي بن أبي طالب ﵁ المشرك عمرو بن عبد ود للإسلام قبل المبارزة قد وافقت وصية رسول الله ﷺ له يوم خيبر، وإن أتت بعدها، فعن سهل بن سعد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه (، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجو أن يُعطى فقال: (أين علي؟ (فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن له شيء، فقال علي: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ : (على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم ((٢). فتقديم الدعوة على القتال والحرص على إسلامهم هو الغاية، فإن حصل ذلك من دون قتال كان فيه خير كثير، يقول ابن حجر في ذلك: "إنه استدل بقوله: "ادعهم" أن الدعوة شرط في جواز القتال، والخلاف في ذلك مشهور" (٣)، وكانت جيوش المسلمين إذا توجهت إلى قتال تدعو من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث خصال، فهذا خالد بن الوليد ﵁ يكتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام ويخيرهم بين الإسلام أو الجزية أو القتال، وكتابه الآخر إلى هرمز بالثغر بنفس المضمون، وكتابه أيضاً إلى مرازبة فارس وجميعها

стр. 94

وردت سابقاً، وأيضاً دعوة سلمان الفارسي لأهل بهرسير ويقال نهرشير عندما أمروه بدعاء أهلها، فكان دعاؤه إياهم أن يقول: إني منكم في الأصل، وأنا أرق لكم، ولكم في ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم: أن تسلموا فإخواننا ولكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإلا فالجزية، وإلا نابذناكم على سواء، وقد أمهلهم ثلاثاً، وبعد انقضاء المدة قاتلهم المسلمون وفتحوها، وكان نفس الحال مع أهل القصر الأبيض إلا أنهم اختاروا الجزية ودخلها المسلمون بالصلح (١). وفي هذه الحالات يرسم حديث بريدة ﵁ المنهج للمسلمين، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: (اغزُ باسم الله في سبيل الله ... ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم .. ، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ... ((٢). وقد طبق أبو بكر الصديق ﵁ هذه الوصية عندما بعث الجنود نحو الشام وأمَّر يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ﵃ فأوصاهم بنفس وصية الرسول ﷺ (٣). وهذا دليل على أن الصحابة إنما يقتبسون من مشكاة النبي ﷺ ويدعون على ضوئها.

стр. 95

وهذا أبو عامر الأشعري ﵁ لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلاً رجلاً ويحمل عليهم أبو عامر وهو يقول ذلك حتى قتل تسعة وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعدها وحسن إسلامه، فكان رسول الله ﷺ يقول: (هذا شريد أبي عامر ((١). واستشهد أبو عامر في ذلك اليوم وجمع الله له الشهادة وإسلام رجل على يديه يكتب له به الأجر، فعن ابن عباس ﵄ قال: "ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً حتى يدعوهم" (٢). هـ) الشاهد الخامس: تقديم خير الآخرة على الدنيا: إن تقديم الآخرة على الدنيا مما تميز به الصحابة ﵃ في جميع أمورهم، ومنها أمور الدعوة، ومن هذا دعوة أم سُليم لأبي طلحة عندما خطبها فقالت: أما إني فيك لراغبة وما مثلك يرد ولكن كافر وأنا مسلمة، ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد ينبت من الأرض، ينجرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي أن تعبد خشبة؟ إن أنت أسلمت فإني لا أريد منك الصداق

стр. 96

غيره، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالت: يا أنس، زوّج أبا طلحة، فتزوجها (١). فقد فضلت ﵂ إسلام أبي طلحة على رغبتها فكان حبها للآخرة أكبر من محبتها للدنيا. وهذا يؤيده حديث سهل بن سعد ﵁ الذي ذكرناه في الشاهد الرابع الذي قال فيه الرسول ﷺ : (فوالله لأن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم .. ( .. يقول الإمام النووي: "إن تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها لو تصورت. وفي هذا الحديث بيان فضيلة العلم والدعاء إلى الهدى وسن السنن الحسنة" (٢). فكان ميزان أم سُليم ﵂ هو أن الآخرة أرجح عند الله وأخير، وجمع الله لها خير الآخرة بإسلام أبي طلحة على يديها وخير الدنيا بزواجها منه. كما يتجلى ذلك في حديث مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي فتلقاني الحي بالرنين فقلت: قولوا: لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوا؛ فلامني أصحابي وقالوا: حُرمنا الغنيمة بعد أن ردت بأيدينا، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبروه بما صنعت فدعاني فحسن لي ما صنعت، وقال: (أما أن الله قد كتب لك بكل إنسان فيهم كذا وكذا ((٣)، فقدم ﵁ محبة هداية القوم على الفوز بالغنيمة الفانية في الدنيا ففاز بغنيمة الآخرة الباقية.

стр. 97

و) الشاهد السادس: تبليغ الإسلام مع وجود الأذى: قال ابن إسحاق: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يُسمِعهم؟ فقال عبدالله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن آذوه، فقال: دعوني فإن الله سيمنعني، فغدا عبدالله حتى أتى المقام في الصحن وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام فقال رافعاً صوته: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (١)، فاستقبلها فقرأها فتأملوا فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون (٢). فالصبر على الأذى ومخالطة الناس ودعوتهم استمدها الصحابة ﵃ من سنة الرسول ﷺ ، والصبر على الدعوة من سمات دعوة الصحابة، والتي آتت ثمارها أيضاً في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي عندما ذهب إلى قومه يدعوهم وأبطؤوا عليه جاء إلى رسول الله ﷺ يشكوهم فقال له رسول الله:

стр. 98

(ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم (، قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام (١). وهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ عندما ذهب يدعو قومه آذوه وحرموه الماء وصبر (٢). وأيضاً عروة بن مسعود ﵁ الذي قال عنه رسول الله ﷺ : (مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه ((٣)، فعندما دعا قومه من ثقيف آذوه ونالوا منه فحلم عنهم وصبر فقتلوه. وقد أوذي رسول الله ﷺ كثيراً، فعن عبدالله (٤) يقول: قسم رسول الله ﷺ قسمة فقال رجل من القوم: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، فقال: (يرحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ((٥). ز) الشاهد السابع: مخاطبة عقل المدعو: إن وجود أحاديث عن الرسول ﷺ تخاطب عقل المدعو لهي أساس قوي لما يقوم به الصحابة ﵃ في دعوتهم الناس بحث العقل على التفكير والمقارنة،

стр. 99

فعن أنس ﵁ أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ((١). ولو تأملنا قصة إسلام طلحة بن عبيد الله والتي أوردها ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المحزمي أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلاً يأخذه، فقيضوا لأبي بكر ﵁ طلحة بن عبيد الله فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر ﵁: إلام تدعوني؟ قال طلحة: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر الصديق: من اللات والعزى؟ قال طلحة: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهن؟ فسكت طلحة وقال لأصحابه: أجيبوا، فسكتوا، فقال طلحة: قم يا أبا بكر فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأخذه أبو بكر بيده إلى الرسول ﷺ وقد أسلم. فلو تأملنا حديث أنس ﵁ وقصة إسلام طلحة لوجدنا فيها تشابهاً كبيراً؛ فمخاطبة العقل لدى المدعو وحثه على التفكير أمر مطلوب في الدعوة، وقد قام به رسول الله ﷺ وأصحابه، وذلك لمناقشة عقول المشركين وحتى يستحثوا هذه العقول على التفكر ليخرجوها من الجمود والتحجر إلى النور والحرية الحقة.

стр. 100

المبحث الثاني ضوابط منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب إن ضوابط منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين هي كل ما قام به الصحابة ﵃ من أجل السيطرة والمحافظة على منهج دعوتهم ليتم به معرفة مدى مطابقة هذا المنهج لما جاء به رسول الله ﷺ في ذلك. الضابط الأول: جعل التوحيد هو الموضوع الرئيس في جميع دعوتهم: إن عبادة الله وحده هي التي بعث الله بها رسله وأنزل بها كتبه وأوجبها على جميع خلقه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وهي أصل رسالة الأنبياء والرسل ﵈؛ فجميعهم جاؤوا بالدعوة إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، وهي أول ما جاء به النبي ﷺ وذلك بدعوة العباد إلى عبادة رب العباد وحده لا شريك له، ونبذ الأوثان والأصنام، وما يشرك به مع

стр. 101

الله، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١). وهي أول ركن من أركان الإسلام وهو: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله ((٢). وكان الرسول ﷺ يقف على القبيلة فيقول: (يا بني فلان، إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به ((٣). ويقول الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب ﵀ في إحدى رسائله: "فاعلم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم: إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهم. فمن ذلك لا يدعى إلا إياه" (٤)، "والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له" (٥)، ولابن أبي العز الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" قول بليغ في التوحيد يقول: "اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، والصحيح أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، وأول ما يؤمر به العبد الشهادتان، فالتوحيد هو أول ما يدخل في الإسلام، وآخر ما

стр. 102

يخرج من الدنيا" (١)، ويقول شيخ الإسلام: "إن التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً غيره، وبه أرسل الرسل وأنزل الكتب" (٢). ويقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: "إن التوحيد هو أصل دين الإسلام، وهو أساس الملة، وهو رأس الأمر وأهم الفرائض، وهو الحكمة من خلق الثقلين والحكمة من إرسال الرسل جميعاً إليهم" (٣). ومن هنا كان الضابط الأساسي والأول في دعوة الصحابة جعل التوحيد هو الموضوع الرئيس في دعوتهم، وكما أن جميع أعمال الصحابة كانت تستمد من نهج الرسول ﷺ فإن دعوتهم كانت على فهمٍ واقتباسٍ من هديه ﷺ ، بهذا الضابط بدأت دعوة الصحابة واعتمدت عليه، خصوصاً وأن المدعوين هم من المشركين الذين يفتقدون التوحيد الذي لا تصح عبادة بدونه، لذلك لم تخرج دعوتهم ﵃ من التوحيد، فكان هو المقياس والمعيار الذي تقاس به صحة هذه الدعوة من عدمها؛ فكل دعوة لا تشتمل على التوحيد صراحةً أو ضمناً هي دعوة باطلة. ومن ذلك وصية النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ عندما أرسله إلى اليمن ليدعوهم، قال ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس

стр. 103

صلوات ... ((١)، فوضع الرسول ﷺ لأصحابه موضوع التوحيد ضابطاً أساسياً تأتي بعده العبادات الأخرى، فمن هذا نجد دعوة الصحابة لم تخرج عن هذا الضابط؛ ففي غزوة الأحزاب عندما برز علي ﵁ لعمرو بن عبد ود بعد اقتحامه الخندق ما كان من علي ﵁ إلا أن عرض عليه خيارين كان أولهما دعوة إلى الله وحده ورسوله ﷺ والإسلام. وفي دعوة ضمام بن ثعلبة ﵁ لقومه عندما أتاهم من عند رسول الله ﷺ فقال لهم: "بئست اللات والعزى"، فكان ذلك أول دعوة للتوحيد ولنبذ الشريك لله، وهي آلهتهم وأوثانهم، فأراد ﵁ أن يجعل التوحيد هو بداية الدعوة وحافظها من الشرك أولاً وقبل كل شيء. وبهذا كان البدء بالتوحيد ونبذ الأنداد والشركاء وما يعبد من دون الله هو الضابط الرئيسي لدعوة الصحابة وجعل كلمة التوحيد هي المنطلق لدعوتهم ﵃. والاهتمام بجعل التوحيد هو الموضوع الرئيس في دعوة الصحابة يقصد به إخراج المدعو من ظلام الشرك إلى نور الإسلام؛ لأنه لا يكون المرء مسلماً إلا بتوحيد الله ، وذلك الفرق بين المشرك والمسلم، ولعلم الصحابة بذلك فقد راعوا هذا الجانب مما أدى إلى جعل التوحيد موضوعاً يدخل في كل مجالات دعوتهم، وليس أدل على ذلك من تتبع النشاط الدعوي لديهم ﵃، ومعرفة مدى اهتمامهم بذلك.

стр. 104

الضابط الثاني: سلامة المنهج: إن سلامة المنهج من الضوابط المهمة في مجال الدعوة بشكل عام؛ لذا يجب أن تكون جميع عناصر هذه الدعوة على الطريقة الصحيحة الشرعية والتي لا يشوبها شائب، ولا يدخل عليها عنصر فاسد؛ لأن ذلك قد يفسد العمل الدعوي بالكامل. وكان صحابة رسول الله ﷺ لهم منهج سليم في الدعوة، وكان هذا سبباً في نجاح هذه الدعوة، ولم يؤثر واقع حياتهم في ذلك الوقت في منهجهم أو جعلهم يتنازلون عنه، فقد تمثلوا بأمر الله سبحانه وحذوا حذو رسول الله ﷺ في دعوته، فلم يخرجوا عن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). ويوضح الله بصيرة دعوة من اتبع الرسول في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢)؛ فكان منهجهم ﵃ هو منهج النبي ﷺ ، ومن سلامة المنهج لديهم ما ذكر من قصة دعوة ضمام بن ثعلبة قومه، فكان أول ما نطق به الخروج من الشرك والبراءة من الأصنام، وذلك عندما قال لهم: "بئست اللات والعزى"، ثم أردف يشرح لهم ما هو الدين، فبدأ بذكر مبعث الرسول ﷺ ونزول القرآن ثم إسلامه وأخيراً قال لهم: "جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه"، فكان منهجه ﵁ صافياً لم تشبه شائبة ولم يدخله أي أمر منكر، بل كانت دعوته مستمدة من تعاليم الرسول ﷺ .

стр. 105

وكذلك في قصة إسلام طلحة بن عبيد الله عندما أرسلته قريش لأبي بكر ﵁ ليرده عن الإسلام فقال له: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، فما كان من أبي بكر إلا أن قال: ومن اللات والعزى؟ فقال: هن بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهن؟ ففي هذا الأسلوب الذي أجاب به أبو بكر الصديق ﵁ سلامة من الشرك وإيضاح حقائق ما يعبد من دون الله بالحجة السليمة، فلم يقبل أبو بكر ﵁ أن يكون لله بنات، ورد على طلحة بن عبيد الله بمنهج عقلي سليم، وفيه التزام بمنهج الوحي في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ (١). وفي إسلام عمر ﵁ مثال لسلامة المنهج وعدم التنازل عن شيء من أمور الدين، فهذه فاطمة بنت الخطاب ﵂ أخت عمر ﵁ عندما طلب منها الصحيفة التي فيها القرآن ليقرأها لم تعطه إياها بل قالت له: إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون. فهي بذلك لم تتنازل عن أمر من أمور الدين بسبب إسلام أخيها، فكان منهجها واضحاً سليماً ورسالة لمن تدعوه. ومن سلامة المنهج عدم موالاة المشركين ومحاباتهم من أجل الدعوة؛ فالإسلام كل لا يتجزأ ولا يؤخذ منه البعض ويترك البعض الآخر، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢).

стр. 106

ومن ذلك سلوك عمير بن وهب الجمحي عندما أسلم وأقام في مكة لم يوال المشركين بل أصبح يتبرأ من أعمالهم ويدعوهم إلى الإسلام، وأسلم على يديه خلق كثير، ولم يجد حرجاً من أن يظهر شعائر دينه على الملأ (١). ومن سلامة المنهج لدى الصحابة في دعوتهم أنهم لم يسمحوا للباطل أو يرضوه؛ فهذا الطفيل بن عمرو الدوسي يرفض الباطل الذي ذكرته له زوجته من تعرض ذي الشرى لها إذا هي اغتسلت بمائه ويأمرها بأن تغتسل. وها هي أم سُليم لم تقبل أن تتزوج رجلاً مشركاً يعبد إلهاً مصنوعاً من شجرة حتى يسلم. فلم يرضوا بالباطل للوصول إلى الحق ولم يتخذوه سبيلاً لهم، بل جعلوا الحق هو الطريق، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (٢). كما كان من سلامة المنهج مراعاة الأولويات وذلك اقتداء بهدي الرسول ﷺ كما في وصيته لمعاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (.

стр. 107

ويتضح ذلك من وصية أبي بكر الصديق ﵁ لقادة الجيوش التي بعثها إلى الشام، إذ قال لهم: (إذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله، فادعوهم إلى ثلاث، فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوكم فادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أجابوكم فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم ... ((١). فالتدرج من صميم منهج الصحابة في الدعوة إلى الله، ومن أسباب سلامته. الضابط الثالث: المرجعية: ينطلق الصحابة في دعوتهم من أسس ثابتة وبناءً على ضوابط واضحة جعلوها دليلاً لهم فيما يقومون به، وكما أن لكل أمر مرجعاً يكون هو المعيار والمقياس الذي يعرف به مدى صحة هذا الأمر فقد اتخذوا ﵃ أقوال الرسول ﷺ وأوامره ونواهيه ضابطاً لهم في دعوتهم وجعلوها هي مرجعاً لهم يضبطون بها مسار دعوتهم ويقيسون بها مدى انضباطها وعدم خروجها عن المسار الصحيح؛ فكان المرجع لهم هو رسول الله ﷺ ، وحرصوا على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، فكان الصحابة ﵃ يتسابقون لدعوة أقوامهم حرصاً منهم على الخير لهم، إلا أنهم لا يقومون بهذا العمل إلا بعد أن يأخذوا العلم من رسول الله ﷺ .

стр. 108

فهذا عمرو بن مرة الجهني يأتي إلى رسول الله ﷺ قبل أن يسلم ويخبره برؤيا رآها وهو نائم فيقول له رسول الله ﷺ : (يا عمرو بن مرة، إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر من اثني عشر شهراً وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم (، فقال عمرو: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"، ثم طلب من الرسول ﷺ أن يبعثه إلى قومه يدعوهم فأذن له الرسول ﷺ ، فأتى قومه ثم دعاهم بما علمه الرسول ﷺ من الهدى، فقال لهم نفس قول الرسول ﷺ له، فجعل كلام رسول الله ضابطاً له وحافظاً لدعوته من التغيير والتحريف، فكانت هي المرجع الذي استقى منها دعوته. وهذا ضمام بن ثعلبة ﵁ يدعو قومه بما تعلمه من رسول الله ﷺ من أمور الدين وذلك في حديث ابن عباس ﵄ الذي قال فيه: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" (١)، وقد أسلم قومه جميعاً عن بكرة أبيهم. وإذا كانت المرجعية هي الجهة التي يسلِّم بحكمها المتحاورون عند الاختلاف والنزاع (٢)، فإن الصحابة ﵃ كانوا يحتكمون في أمور الدعوة إلى رسول الله ﷺ في حياته وإلى سنته بعد مماته، ففي قصة مسلم بن الحارث التميمي عندما

стр. 109

بعثهم رسول الله ﷺ في سرية قال: فلما دنونا من الحصن سمعنا ضوضاء أهله، فاستحثثت فرسي فأتيتهم فقلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوا؛ فقال أصحابنا: حرمتنا الغنيمة بعد أن بردت في أيدينا، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فحسَّن لي ما صنعت وقال لي: (إن لك من الأجر بعدد كل إنسان منهم كذا وكذا (. ونجد هنا المراجعة من صحابة رسول الله ﷺ فيما قام به مسلم بن الحارث ﵃ أجمعين للوصول إلى الصواب ومعرفة الحق. وإذا كانت المرجعية هي ما يُنطَلَق منه فهي أيضاً ما يُحتكَم إليه، وهذا ما حصل في قصة مسلم بن الحارث ﵁، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، فالرجوع إلى الرسول ﷺ هو أمر إلهي مسلم به لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بالدعوة إلى الله، فإن الرجوع إلى الرسول هو ضابط رئيس يجعل الدعوة في المسار الصحيح المحكوم بما جاء به رسول الله ﷺ من ربه. الضابط الرابع: الإخلاص في دعوة المشركين وبذل الجهد في ذلك: إن الإخلاص من أهم شروط قبول العمل، وبما أن الدعوة من الأعمال المقربة إلى الله وهي من الأعمال الصالحة فالإخلاص فيها آكد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)؛

стр. 110

فوجود الإخلاص فيها ضروري، ويجب أن يتحلى به صاحب الدعوة إلى الله، وذلك للفوز بالجنة، ولا يمكن ذلك إلا إذا وافق العمل بالدعوة إخلاص النية لوجه الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وهو تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين" (٢). وإذا غاب الإخلاص حل محله الهوى، فأصبح الداعية عبداً لهواه مسيراً به حتى وإن كان يعتقد أنه يدعو إلى الحق، فيصبح داعية ضلال لا داعية هدى، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٣). ومن هذا كانت دعوة الصحابة ﵃ خالصة لوجه الله تعالى، ولا يريدون منها إلا رضاه سبحانه دون غيره، فها هو عروة بن مسعود ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام إلا أن الرسول ﷺ يخبره أنهم قاتلوه فيصر ﵁ أن يبلغ قومه الدعوة فيأذن له رسول الله ﷺ فيدعوهم ويرميه أحدهم بسهم فيصيبه في أكحله، فيتجهز قومه لقتال من قتلوه فيقول ﵁: "لا تقتتلوا فيَّ فإني قد تصدقت بدمي على صاحبه ليصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ" (٤).
следующие страницы →