فهذا مصعب ﵁ ترك دنياه ووالدته من أجل الإسلام والدعوة، وهذا عروة بن مسعود ﵁ يفقد حياته من أجل هداية قومه ودعوتهم، وهذا الحارث بن مسلم التميمي ﵁ يفرط في الغنيمة ليكسب إسلام القوم، وهذا عبدالله بن مسعود ﵁ يقرأ القرآن عند المقام تحت الكعبة فيُضرب ويُؤذى كل ذلك لعله يكون سبباً في هدايتهم (١)، وغيرهم كثير. والهدف من ذلك كله ما يعلمونه من أهمية هذا المدعو وأهمية دخوله للإسلام، وذلك في الدنيا بنصرة الدين وقوة المسلمين وإضعاف المشركين، وفي الآخرة بالفوز بالربح العظيم والنجاة من النار، فقد ينجو وينجيه بأمر الله، ويكتب له الأجر بعمل هذا المدعو إذا أسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ((٢)، يقول الشيخ ابن عثيمين: "في هذا دليل على أن المتسبب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله" (٣)، فمن هنا نجد مدى أهمية هذا المدعو لدى الصحابة ﵃ فهو كمن أوقف وقفاً إلى يوم القيامة.
стр. 177
المطلب الثاني: حقوق المدعو من المشركين
إن المدعو هو أحد المستفيدين الرئيسين من الدعوة، وهو ممن يجنون ثمارها في الدنيا والآخرة، مع هذا فإن له حقوقاً على الداعية توجب على الداعية الانتباه لها ومراعاتها تجاه مستحقها وهو المدعو، وقد حرص الصحابة ﵃ على هذه الحقوق سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فمنها ما كان مقصوداً بذاته، ومنها ما كان عفوياً دون قصد، إلا أن الموقف أو المكان أو الزمان أوجب ذلك، ومن هنا رأينا حصر هذه الحقوق في عدة نقاط للحديث عن كيفية تعامل الصحابة ﵃ مع هذه الحقوق وكيف أدوا حقها تجاه من يدعون.
أولاً: حق تبليغه الدعوة:
إن الدعوة بذاتها هي حق للمدعو، بل حق لكل شخص، وذلك أن ديننا الحنيف حثنا على ذلك، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية ((٣)، قال الرازي: "إن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ " (٤).
стр. 178
فوجوب الدعوة على الداعية يجعلها من حق المدعو سواء قبلها أم رفضها، فهذا أبو عامر ﵁ يوم أوطاس لقي عشرة إخوة من المشركين فحملوا عليه واحداً تلو الآخر، وحمل عليهم فكان يدعو من يقاتله منهم ويؤدي حقه له قبل أن يقاتله، فكان كلما دعا أحدهم إلى الإسلام ولم يستجب يقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة منهم، أما العاشر فعندما قال أبو عامر: اللهم اشهد عليه، قال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر، فأفلت وأسلم وحسن إسلامه، وقد أدَّى أبو عامر ﵁ حق المدعوين حتى أنجى الله بسببه أحدهم.
وكذلك علي بن أبي طالب ﵁ يوم الخندق عندما أدَّى حق عمرو بن عبد وِدٍّ وذلك في دعوته إلى الإسلام قبل قتاله. فهذا هو منهج الرسول ﷺ الذي هو عليه، وأوصى به صحابته ودعاته، فقد أوصى معاذاً ﵁ عندما أرسله إلى اليمن بأن يدعوهم، وأوصى علياً ﵁ يوم خيبر أن يدعوهم وغيرهم، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يأمر قادة الجيوش إلى الشام في وصيته المشهورة أن يؤدوا حق المدعوين بقوله: "فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال" (١)، فلم يفرط الصحابة في هذا الحق لمن يدعونهم إلى الإسلام.
ثانياً: إتيان المدعو في مكانه:
كما ذكرنا سابقاً إن من واجبات الداعي الذهاب إلى المدعوين وقصدهم بالدعوة، فللمدعو حق أن يؤتى في مكانه، أي أن يذهب الداعية إليه ولا ينتظر
стр. 179
مجيئه، بل عليه البلاغ وإيصال الدعوة له؛ لأن الداعية يدرك هذا الحق أكثر من المدعو، وقد كان رسول الله ﷺ يذهب إلى الناس في أماكنهم ويعرض نفسه على القبائل، فلم ينتظرهم في مكان، وهذا ما قام به صحابة رسول الله ﷺ ، فها هو مصعب بن عمير ﵁ يذهب إلى أهل يثرب ليدعوهم ويعلمهم الإسلام، وهذا عمرو بن مرة الجهني ﵁ يذهب إلى جهينة فيدعوهم وهم في مكانهم، وها هو خالد بن الوليد ﵁ يرسل رسله إلى أهل فارس ليدعوهم في دارهم ولم ينتظر منهم أن يأتوه هم. ولا يقف إتيان المدعو في مكانه بأن يأتيه بنفسه، فإن إرسال الرسائل تقوم مقام الشخص، فهذا بجير بن زهير بن أبي سلمى ﵁ يرسل كتاباً إلى أخيه كعب بعد أن أهدر الرسول ﷺ دمه فيقول فيها: "اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل" فأسلم كعب ﵃ أجمعين. وهذه طبيعة الدعوة أنها تبليغ رسالة من المُرسِل إلى المُرسَل إليه، "ولا يتم تبليغ الرسالة إلا بحركة المبلغ وانتقاله إلى المرسل إليه" (١)، وفي ذلك إقامة للحجة بين الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، كما أنه سبحانه لم يأمر رسله ﵈ أن يبقوا في مكان واحد ينتظرون من يأتيهم بل أمرهم بالتنقل والذهاب إلى المدعوين، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (٣)،
فأمره بالذهاب وهو الانتقال من مكان إلى آخر، وقال تعالى
стр. 180
لرسوله الكريم ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١)، "لذلك يمكن القول: إن الداعية مطلوب منه الذهاب إلى المدعوين والانتصاب لدعوتهم وذلك قدر الاستطاعة وجهده" (٢).
وقد حرص الصحابة ﵃ على إتيان المدعوين في أماكنهم لعدة أمور منها:
١ - اقتداء بالنبي ﷺ في ذهابه إلى المدعوين وغشيان مجالسهم وأنديتهم وأسواقهم.
٢ - حرصهم على هداية أهليهم وأقوامهم وإنقاذهم من الهلاك في الآخرة.
٣ - أن أغلب الصحابة ﵃ كانوا مشركين؛ لذلك هم يعلمون أن المشركين لن يأتوا إلى الدعاة ليسألوهم عن الإسلام فكان منهم الحرص على أن يذهبوا هم إلى المشركين.
ثالثاً: عدم احتقار المدعو أو الاستهانة به:
إن احتقار الأشخاص واستصغارهم ليس من الإسلام؛ لذلك "لا يجوز للداعي أن يستصغر شأن أي إنسان أو يستهين به فلا يدعوه؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعَى ويُهتمَّ بأمره، وقد يصبح هذا الذي لا يقيم له الداعي وزناً هو عند الله له وزن كبير بإيمانه وعلمه وعمله، وكذا خدمته للإسلام والدعوة إليه" (٣).
стр. 181
وقد كان رسول الله ﷺ يدعو كل من يراه دون استصغار لأحد أو استهانة بوضعه، فقد دعا علي بن أبي طالب ﵁ وهو صبي ابن تسع سنين، وقيل: دون التسع سنين، وقيل: إحدى عشرة سنة (١)، فلم يستهِن الرسول ﷺ بصغره، فكان علي ﵁ من الرسول ﷺ كمنزلة هارون من موسى (٢)، وحمل لواء الرسول في أكثر المشاهد وفتح الله على يديه حصن خيبر، وكان خليفة المؤمنين (٣). وهذا عمار بن ياسر كان فقيراً ومن المستضعفين في مكة حيث إنه لا عشيرة له ولا منعة ولا قوة (٤)، فأصبح من المبشرين بالجنة، وغيرهم كثير. كما أن الرسول ﷺ كان يعرض نفسه على قبائل العرب وزعمائها ولم يستجب له أحد منهم حتى لقي عند العقبة من منى في الموسم -موسم الحج- ستة نفر كلهم من الخزرج وهم يحلقون رؤوسهم فجلس إليهم فدعاهم واستجابوا لله ولرسوله وآمنوا وصدقوا (٥)، فجعل الله من هؤلاء الستة على قلة عددهم نواة إسلام الأنصار، وإنشاء عاصمة الدولة الإسلامية في المدينة، فلم يقلل الرسول ﷺ من شأن هؤلاء النفر ومن قلة عددهم مقارنة بالقبائل التي كانت في ذلك الموسم.
وكذلك تلطفه ﷺ مع عداس وهو غلام نصراني لعتبة وشيبة أبناء ربيعة وذلك بعد أن دعا سادة ثقيف وأشرافهم وطردهم له وإغراء سفهائهم وعبيدهم بسبه
стр. 182
ورجمه وطرده، يقول البيهقي: "وكان ﷺ لا يحقر أحداً أن يبلغه رسالة ربه" (١).
وقد وصف الله سبحانه الأقوام الكافرة أنهم هم من يحتقرون غيرهم، فقال تعالى في قوم نوح ﵇: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ (٢)، وقالوا أيضاً: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (٣)، فالاحتقار من صفات الكفار، وقد وضع الله على لسان رسوله ﷺ قاعدة للميزان الذي يجب على المسلم اتباعه في تعامله مع الناس، يقول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ((٤)، وفي الحديث الآخر قال ﷺ : (كم من أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ((٥).
فالحديثان السابقان يضعان القاعدة التي يجب على المسلم بشكل عام والداعية بشكل خاص أن يتبعها ويجعلها نصب عينيه، وقد حرص صحابة رسول الله ﷺ على هذا؛ فنجد أبا بكر الصديق ﵁ يشتري بلال بن رباح ﵁ وهو عبد مملوك لا يملك حتى نفسه، ويقدمه لأجل الإسلام، فأصبح مؤذن الرسول ﷺ ، وهو الذي قال له الرسول ﷺ : ( ... فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يديَّ
стр. 183
في الجنة ((١). وفي قصة مصعب بن عمير مع سعد بن معاذ ﵄ عندما أرسل سعد بن معاذ أسيد بن الحضير إلى مصعب فقال له معاذ: انطلق إلى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءَنا (٢)، دليل على أن من كان حول مصعب هم من الضعفاء. وها هو أيضاً مصعب بن عمير ﵁ يدعو أمه إلى الإسلام وهي من كان يسجنه حتى يرجع عن دينه ويحاربه ولكنه لا يستهين بأمر الدعوة فيقول لها: يا أمَّه، إني لك ناصح عليك شفيق فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فترد عليه وتقول له بعنادها وإصرارها على الكفر: والثواقب لا أدخل في دينك فيُزرَى برأيي ويُضعَف عقلي، ومع إصرارها ومعرفته بذلك إلا أنه لم يهن عليه بقاؤها على الكفر ولم ييأس من دعوتها، ولم يقل إنها امرأة كبيرة في السن لا فائدة ترجى منها، ومن إسلامها.
رابعاً: من حق المدعو أن يدعى في كل الأحوال:
من حقوق المدعو على الداعي أن يُدعى في كل حال من الأحوال، الزمان والمكان، السر والعلن، الأمن والخوف، الصحة والمرض، الإقامة والسفر، ولا ينتظر زوال ذلك الحال؛ لأن الداعية لا يعلم متى سيلتقي بهذا المدعو مرة أخرى، كما أنه لا يعلم هل سيعيش هذا المدعو إلى وقت آخر ومتى أجله وما هو قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣)،
стр. 184
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، فمن هنا وجب حق المدعو في أن لا يترك لكي لا تكون حسرة عليه وحسرة على الداعية نفسه. وقد دعا الرسول ﷺ في جميع الأحوال، فكان يدعو أول الأمر في السر، ثم في العلن، وكان يدعو في بيته وفي عشيرته وفي مكة وفي الطائف والمدينة وعلى كل حال كان عليه المدعو. فها هو ﷺ يدعو ابن اليهودي وهو على فراش المرض، وكذلك كان الأنبياء ﵈ من قبله، فقد قال الله تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (٢)، ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (٣)، فدعوة نوح ﵇ لقومه في جميع الأحوال.
كما أننا نجد أن الصحابة ﵃ قد دعوا إلى الإسلام وهم في حالة الضعف وفي حالة القوة وفي الليل والنهار.
فهذه فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد وخباب بن الأرت ﵃ يدعون عمر بن الخطاب ﵁ وهو في حالة غضب وهيجان. وهذا العباس بن عبدالمطلب ﵁ يدعو أبا سفيان بن حرب ﵁ وذلك في فتح مكة، وأبو سفيان خائف في الليل ينظر إلى جيش الرسول ﷺ وقد راعه كثرتهم وعدتهم، فلم يمنع الموقف العباس من دعوة أبي سفيان ﵃ وهو في هذه الحالة من الفزع والرعب. وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يدعو عمرو بن عبد وِدٍّ وهما حال مبارزة. وأيضاً
стр. 185
أبو عامر الأشعري ﵁ ودعوته للإخوة الذين برزوا له في القتال، فلم يكن حال القتال وزمانه عائقاً أو مانعاً من إيصال هذه الدعوة؛ لأنهم يعلمون أنه من حق البشرية أن يُدعوا إلى الحق. وكذلك أيضاً قصة عمير بن وهب الجمحي ﵁ مع صفوان بن أمية وذلك عندما أسلم وعاد إلى مكة يدعو المشركين وكانوا لا يزالون يلملمون جراحاتهم بعد غزوة بدر، فلم ينتظر بل دعاهم وهم على هذه الحالة، وأخذ يظهر دعوته ويسعى في إسلام قريش حتى أسلم على يديه ناس كثير (١)، فكان هو السبب -بعد توفيق الله- في إسلامهم وإنقاذهم من الشرك. ولأن الزمن لا ينتظر فإن الانتظار في دعوة الناس فيه تفريط في حقهم، وتضييع لفرص قد لا تتوافر لاحقاً، فكم من شخص تُرك بسبب حاله في ذلك الوقت وأُجلت دعوته إلا أنه لم يعش ليُدعَى، ومن ذلك قصة الأعشى بن قيس عندما خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام وقد مدح النبي ﷺ بقصيدة قال فيها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ومنها:
ألا أيّهذا السائلي: أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا
فاعترضه بعض المشركين من قريش وعلموا أنه يريد الإسلام فقالوا له: إنه يحرم الزنى، فقال: ذلك الأمر ما لي فيه أرب، فقالوا له: إنه يحرم الخمر، فقال: أما هذه فإن في النفس فيها لعلات، ولكني منصرف عامي هذا فأتروى منها وآتيه العام القادم، ثم
стр. 186
انصرف ومات من عامه ولم يعد للنبي ﷺ (١)، فانظر كيف أن الأجل لم يمهله حتى ولو طال أمله في البقاء، وبهذا يتبين أهمية الحرص على أداء الدعوة في الحال.
خامساً: الحرص والاهتمام بهداية المدعو:
إذا كان الاهتمام بالمدعو من واجبات الداعي فإن الحرص على هدايته من حقوقه؛ لأن من حق المريض على الطبيب الحرص على علاجه ومتابعته حتى شفائه، وإن كنا قلنا في السابق إن المدعو كالمريض فإن الداعية كالطبيب، فيجب أن يحرص عليه ويهتم به لإزالة المرض بجميع أعراضه والتي قد تسبب انتكاسة للمريض، وكذلك المدعو فإن الحرص على هدايته من الإخلاص في الدعوة، فقد كان رسول الله ﷺ حريصاً على هداية المدعوين وإنقاذهم، قال تعالى في الرسول ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢)، و"باخع" "أي مهلك نفسك بحزنك عليهم" (٣)، وذلك من حرص الرسول ﷺ على هداية الناس.
وكان الصحابة ﵃ حريصين أيضاً على هداية من يدعونهم مما كان له الأثر في قبول الدعوة واستجابة المدعو، فكلما كان الداعية حريصاً على المدعو ومهتماً به أشعر المدعو بروح المحبة وإزالة كثير من العقبات النفسية لدى المدعو والتي قد تكون عائقاً أمام قبول الدعوة. فحرص واهتمام أصحاب
стр. 187
العقبة الثانية على إسلام عبدالله بن حرام ﵁ أدَّى إلى نتيجة إيجابية، قال كعب بن مالك ﵁: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق قال: فلما فرغنا من الحج كانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ فيها ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا إنا لنرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيباً. فاهتمامهم وحرصهم على هداية عبدالله بن حرام ﵁ وإيضاح ذلك له باختياره بالدعوة من دون قومه وبيان اهتمامهم به بإيضاح أهميته لديهم بأنه من ساداتهم وأشرافهم وكذلك بيان رحمتهم له من عذاب النار كل ذلك كان له الأثر في استجابة عبدالله بن حرام ﵁.
ومن الاهتمام تحمل الإساءة والعفو من أجل إيصال الدعوة بشكل صحيح، وهو ما حصل مع عمر بن الخطاب من أخته وزوجها سعيد بن زيد ﵃ أجمعين، عندما نسوا ما فعله عمر بهم من أجل الدعوة، فكان ذلك إشارة إلى اهتمام وحرص الداعية على المدعو مما جعل عمر ﵁ يراجع نفسه ويتقبل الدعوة، "فينبغي على الداعية إلى الله أن يقابل شدة المدعو بالحلم ويقابل طيشه وإساءته بالأناة وعدم الرد بالمثل، فهذا من أعظم حقوق المدعو" (١).
стр. 188
وكما أن الاهتمام والحرص قد يؤدي إلى نتائج إيجابية في الدعوة فإن عكسه يؤدي إلى نتائج عكسية تؤدي إلى ضياع المدعو وعدم قبوله للدعوة. إذن فمن حق هذا المدعو أن يكون محل اهتمام الداعية ومكان حرصه من أجل إيضاح الدين له كما يجب، ولو تأملنا سيرة الصحابة ﵃ لوجدناهم حريصين كل الحرص على هداية الخلق وإيصال الدعوة إليهم.
سادساً: استخدام الأساليب والوسائل المناسبة:
لعل من حقوق المدعو قيام الدعاة "باختيار أنسب الوسائل وأفضل الأساليب الملائمة لإيصال دعوتهم للناس حسب نوعية كل مدعو وحسبه ومقدار علمه وثقافته ومكانته" (١)، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وفي وصية الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ تعليم باستخدام الأسلوب المناسب مع من يدعوهم، وكان الصحابة يحرصون على استخدام الأساليب والوسائل المناسبة التي تؤدي إلى استجابة المدعو وتقبله الدعوة، وكل حسب طريقته، فمنهم من كان إسلامه بالإقناع العقلي، ومنهم من كان بالإقناع الحسي، ومنهم من كان بالإقناع العاطفي، وغيرها من الوسائل والأساليب، ولأننا سوف نتحدث عن الوسائل والأساليب في الفصل الثالث فإننا هنا لن نكرر ما سوف يطرح لاحقاً.
стр. 189
المطلب الثالث: واجبات المدعو من المشركين
كما أن للمدعو حقوقاً فإن عليه واجبات أيضاً، إلا أن المدعو من المشركين تختلف واجباته عن المدعو بشكل عام؛ لأن المشرك بمجرد استجابته للدعوة وقبوله لها فإنه يخرج من إطار الشرك، أما المدعو بشكل عام فهو باقٍ على كونه مدعواً في جميع الأحوال سواء قبل الإسلام أو بعده، إذن الواجبات التي تنطبق على المدعو من المشركين قد تنطبق على المدعوين بشكل عام، ولكن ليس كل واجبات المدعوين تنطبق على واجبات المدعوين من المشركين، فالمدعوون المشركون جزء من كل، ومن واجبات المدعو من المشركين ما يأتي:
أولاً: الاستماع للداعية:
إن الاستماع للمتحدث من الآداب المطلوبة من كل شخص يوجه إليه حديث ما، بغض النظر عن نوع الحديث -إلا فيما يغضب الله ، وذلك في الحديث عن الأمور العامة فكيف بأمور الدعوة إلى الإسلام، وإذا لم يستمع المتلقي للداعية فهذا يعني أنه لن يعلم ماذا يقال له ولم يفكر من البداية في فهم ما يقال له. وهذا من إساءة الأدب وقلة الاحترام للمتحدث، فوجوب الاستماع وجوب أدبي أخلاقي ينطلق من تربية المدعو وبيئته التي اعتاد عليها، وقد كان العرب في السابق يحترمون المتحدث ويلقون له البال حتى يستطيعوا فهم مقالته والرد عليه، ومن الأدلة على ذلك قصة عتبة بن ربيعة مع الرسول ﷺ عندما قال له: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السطة في العشيرة والمكان في
стр. 190
النسب، إلى أن قال: فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها، فقال رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالاً جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال رسول الله ﷺ : أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال ﷺ : فاستمع مني، قال عتبة: أفعل، فقرأ عليه رسول الله ﷺ القرآن ... إلى آخر القصة (١)،
فنجد هنا استماع الرسول ﷺ إلى عتبة بن ربيعة مع أنه يدعو إلى ضلال، كما أننا نجد استماع عتبة إلى رسول الله ﷺ مع أنه يدعوه إلى أمر لا يقبله، إلا أن كلاً منهما يعلم أنه يجب عليه الاستماع للآخر، فالدعوة هي من النصيحة والاستماع للنصيحة من المنصوح واجبة، وعندما طلب مصعب بن عمير من أسيد بن حضير ومن سعد بن معاذ ﵃ الجلوس والاستماع له أجابا وكان في ذلك هدايتهم وهداية قومهم ﵃ أجمعين.
يقول سفيان الثوري: "إن أول العلم الإنصات ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل به ثم النشر" (٢)، وفي روايات أنه قدم الاستماع على الإنصات (٣)، وجميعها تؤدي إلى الهدف نفسه.
стр. 191
ثانياً: عدم الإعراض عن الحق عند معرفته:
إن من البدهي لدى كل عاقل عند معرفة الحق وجلائه أن يتبعه ولا يعرض عنه؛ لأن الإعراض عن الحق لا يصدر من عاقل، وقد أهلك الأمم السابقة إعراضهم عن الحق وهم يعرفونه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١)، فلو تأمل المدعو بعقله وفكره وجعلهما حكماً لعلم الحق وما أعرض عنه، وقد أرسل الله رسله للناس بالآيات البينات ليبعدهم ويريهم الحق حتى لا تكون لهم حجة بعد الرسل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٣)، وجحود الحق والإعراض عنه صفة سيئة وعواقبها ضارة؛ لذلك كان واجباً على كل من يُدعى إلى الحق ويعرف أنه الحق أن يتبعه ويؤيده، فهذا واجب العقل والمنطق لمن هم على غير ملة الإسلام، وقد كان لهذا الأثر الكبير على مر العصور والأمم أن من يسمع الحق ويتبعه هم الناجون، ومن يعرض عنه هم الهالكون، فهذه سنة الله في خلقه، ومن البدهي أن النفس البشرية تحب كل ما فيه خير لها، فمعرفة الإسلام وما فيه من الخير يجعل المدعو يستبدل الذي كان عليه من جهل وضلال إلى الهدى والنور.
وكان الصحابة ﵃ أيضاً يعلمون أن الحق له قبول عند من كان
стр. 192
له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، فكانوا ﵃ يعرضون الحق ليقبله كل من يدعونهم من المشركين، ومن أمثلة قبول الحق معرفة سحرة فرعون الحق، فقد أعلنوا إيمانهم بالله رب العالمين فور رؤيتهم للحق، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٢).
ثالثاً: أن يبحث المدعو عن الحق وأن يسأل عندما يجهل:
إن عدم السؤال عما يجهله المدعو هو نوع من الصدود والإعراض، فيجب على المدعو أن يستفسر ويستعلم عن كل أمر من الأمور التي يُدعى إليها وهو يجهلها؛ لأن في ذلك استبياناً للحق ومعرفة له حتى لا يخفى منه شيء، وقد كان المشركون من قريش يحذرون العرب من الاستماع للرسول ﷺ ، أو السؤال عنه حتى لا يدخلوا في الإسلام؛ لأنهم يعلمون أن السؤال والاستفسار عن الإسلام سيظهر الحق لهم ويجعلهم يتبعونه، وذلك ما لا يرغبون فيه، كما في قصة ضمام بن ثعلبة ﵁ عندما أتى للرسول ﷺ وسأله عن الله وعن الإسلام حتى إن رسول الله ﷺ قال: (إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة ((٣)، ففي
стр. 193
هذه القصة دليل على أنه يجب الاستفسار عن الحق والسؤال عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى النتائج المطلوبة، أما عدم السؤال فهو من الضلال الذي يكون إما استكباراً عن الحق أو غفلة في العقل.
وقد أدى السؤال عن الحق إلى إسلام كثير من الصحابة ﵃؛ فسؤال عمر بن الخطاب عن الصحيفة وقراءته لها، وسؤال عثمان بن عفان أبا بكر عن مقولة خالته، وعمرو بن برة الجهني، وأبي ذر ﵃ وغيرهم من الصحابة حيث بحثوا عن الحق وسألوا عنه، فكانت نتيجة ذلك إسلامهم ﵃ أجمعين. أما عدم السؤال عن ما يجهله المدعو فإنه لا يحقق المصلحة بل يجلب المضرة، فكم من شخص فاته الإسلام بسبب عدم سؤاله وبحثه عن أمر الحق فمات وهو على جاهليته، وكما أن من واجبه السؤال عما يجهل فإن من واجبه أن يسأل من يعلم ويكون من أهل الحق ليستفيد وينتفع من علم من سأل، وألا يكون صاحب هوىً أو عدواً للحق، لذلك نجد أن البحث عن الحق ليس أمراً سهلاً؛ وذلك بسبب كثير من العوامل التي تعيق هذا البحث، إلا أن الفطرة السليمة لدى الإنسان تكون هي الدافع لمعرفة الحق، قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ((١).
стр. 194
المطلب الرابع: فئات المدعوين من المشركين في دعوة الصحابة ﵃ -
يفرض المدعو على الداعي منهجاً خاصاً به في الدعوة، وذلك بناءً على ما يتوافر في ذلك المدعو من خصائص وميزات، فالمدعوون يختلفون باختلاف أوضاعهم الاجتماعية، ومراكزهم القيادية، ومكانتهم العائلية، فكل ذلك يؤدي إلى التعامل مع المدعوين كل حسب وضعه، لا حسب وضع الداعي نفسه، فلكل مقام مقال، وقد أمر الله أن يُدعَى البشر بحسب أوضاعهم وأفهامهم، ودلل على ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في قصة موسى ﵇ مع فرعون حيث أمره الله : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (١)، وذلك لوضعه القيادي، وخطاب الله لأهل الكتاب على لسان نبيه ﷺ : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، فخاطبهم بحسب علمهم وما يدينون به.
فمعرفة وضع المدعو والعلم به تجعل من الداعي فقيهاً في اللغة المناسبة التي يُبلغ بها الدعوة؛ ليكسب المدعو ويهديه إلى الحق والصواب، يقول الشيخ علي محفوظ: "المرشد الحازم هو الذي يتفرس في حال القوم ويأتي في كل حال ما يناسبه" (٣). وقد كان الصحابة ﵃ حريصين على أن يتعاملوا مع المدعو حسب وضعه في المجتمع، ووضعه بالنسبة لهم أيضاً، وبهذا كان لكل فئة منهج خاص
стр. 195
من قبل الصحابة في التعامل معهم؛ لأن ما ينطبق على فئة قد لا ينطبق على الأخرى، بالإضافة إلى أن وضع المدعو قد يكون عاملاً مساعداً للداعي، وقد يكون العكس فيكون عقبة في طريق الدعوة.
وفي هذا المطلب سوف نقوم بتقسيم المدعوين المشركين ممن قام الصحابة ﵃ بدعوتهم إلى ثلاث فئات رئيسة؛ وذلك لأن حال المدعوين من المشركين لا يخرج من هذه الفئات وهي:
١ - ذوو القربى.
٢ - الملأ.
٣ - العامة.
وسوف نبين تفصيل كل فئة، وكيف كان منهج الصحابة في التعامل مع كل منها عند دعوتهم، ومدى أثر ذلك فيهم.
أولاً: المدعوون من ذوي القربى:
كان من دعوة الصحابة ﵃ دعوتهم لذوي القربى، وذلك بناءً على الانتماء الأسري والترابط العائلي الذي يجعل الداعي والمدعو قريبين من بعضهما، كما أنه يدخل ضمن الحماية والنصرة؛ لأن الأقارب يعطون الداعي حصانة ضد من يحاول التعدي عليه، فكان لدعوتهم أولوية عن دعوة الأباعد.
стр. 196
ولأن عامل القرابة هو من العوامل المهمة في استجابة المدعو، فقد كان للرسل دور في ذلك، فهذا نوح ﵇ يدعو ابنه، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، وهذا إبراهيم ﵇ يدعو والده، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (٢)، ولرسولنا ﷺ مثال في دعوة أهله، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣)، وقد حاول ﷺ في عمه أبي طالب أن يدخل الإسلام، وأول من آمن به زوجته خديجة ﵂، وفي ذلك كله دليل على أهمية دعوة ذوي القربى، وأنهم أولى بالخير من غيرهم، كما أن رابط القرابة يوجب على الداعي دعوتهم، وجعل هذا الرابط لنشر الإسلام ونصرة الدين.
وقد سلك الصحابة ﵃ مسلك الرسول ﷺ والأنبياء ﵈ من قبله في دعوة الأقارب، واتخاذ نهج خاص بهم، فالمدعو من ذوي القربى يختلف عن المدعو من غيرهم، فرابط العاطفة والمصير المتقارب، واللقاء شبه المستمر، والمصالح الواحدة، كل ذلك يجعل الصحابة يحرصون على دعوة أهليهم بدافع حمايتهم
стр. 197
من عذاب النار، وخصهم بالخير والجنة والإسلام، فلم يتركوا فرصة قائمة إلا كان لدعوة الأهل فيها نصيب من دعوتهم، بل كانوا هم أول من دُعي، فكانت علاقة النسب والقربى هي الدافع الثاني لدعوة المدعوين بعد دافع التبليغ لدين الله، ومن خصائص دعوة الأقربين في منهج الصحابة ﵃ ما يأتي:
١ - احترام الوالدين وبرهما وإظهار الحق والنصح لهما:
إن في بر الوالدين عند الله تعالى أجراً كبيراً، وخيراً كثيراً في الدنيا والآخرة، فقد أمر المؤمنين ببر الوالدين، وحثهم على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها (، قال: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين (، قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله ((٤). وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄
стр. 198
قال: أقبل رجل إلى النبي ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: (فهل من والديك أحد حي؟ (قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟ (قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ((١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه ((٢).
ولهذا الفضل الكبير الذي في برِّ الوالدين ألقى الصحابة ﵃ جل اهتمامهم في دعوة آبائهم، كيف لا وليس هناك برٌّ أعظم من دعوتهم لإخراجهم من الشرك وإدخالهم الإسلام، فقد حرصوا ﵃ على دعوة والديهم، بل إن بعضهم أول من دعا كان والديه، وقد كان لهم في دعوة والديهم منهج خاص لا يكون إلا للوالدين، الخضوع لهم مع الرحمة، وبيان الحق، وإظهار النصح، ولأن الوالدين عادةً يثقون في أبنائهم من جانب حب الخير لهم، فإن هذا الإحساس قد ساعد في دعوتهم من أبنائهم، ولو نظرنا إلى مواقف الصحابة في دعوتهم لوالديهم أو أحدهما لاستخرجنا منها دروساً وفوائد كثيرة في دعوة الآباء من أبنائهم، ومن هذه الفوائد ما يأتي:
أ) عدم التصادم معهم وأذيتهم:
ومن ذلك ما قام به معاذ بن عمرو بن الجموح مع والده عمرو بن الجموح ﵄ عندما كان يأخذ صنمه ويلقيه في حفرة فيها عذر الناس دون أن يراه والده،
стр. 199
أو يعرف عنه، إنما أراد أن يظهر له الحق دون المواجهة أو المصادمة التي قد تؤدي إلى عكس ما يهدف إليه معاذ ﵁، وخصوصاً أن عمرو بن الجموح رجل كبير في السن، ومن عادة كبار السن عدم قبول نصيحة من هم أصغر منهم، فكيف أبناؤهم؟ وذلك ما جعل معاذ بن عمرو يخفي نفسه وما عمل عن والده حتى يهتدي هو بنفسه، دون أن يظهر نزوله عند رأي شباب الأنصار، وكان لهم ذلك فأسلم ﵁ بعد أن أحكم عقله ورجع إلى رشده.
ب) التواصل في دعوة الوالدين وعدم قطيعتهما حتى وإن لم يؤمنا:
أوصى الله المؤمنين بوالديهم حُسْناً، وعدم القطع بهما، ومصاحبتهما حتى وإن كانا مشركين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١)، وقد استمر الصحابة في التواصل مع آبائهم وعدم اعتزالهم، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يسكن مع والده في بيت واحد، ويخدمه أبناؤه، وهو لم يسلم إلا في فتح مكة (٢). وهذا مصعب بن عمير ﵁ يدعو أمه إلى الإسلام ويصلها ويزورها مع ما حصل منها معه من حبس ومنع وأذية، إلا أنه صاحبها في الدنيا معروفاً، كما أمر الله سبحانه، بل إنه لم ييأس من ذلك. وكذلك فعل أبو هريرة ﵁ مع والدته، حيث أحضرها معه إلى المدينة، عندما هاجر وهي مشركة، وكان يدعوها وتأبى
стр. 200
إلى أن دعا لها رسول الله ﷺ فأسلمت (١). فالتواصل مع الوالدين قد يؤدي إلى إسلامهما وهدايتهما، وعدم اليأس من ذلك، فقد يكون للاستمرار والوصل وعدم القطيعة أثر في إزالة التحجر والإصرار والتعنت لما يجده الوالد من عدم تغير ابنه عليه ومحافظته على علاقته معه.
جـ) ترغيب الوالدين بإسلام من حولهم وأقاربهم:
لاشك أن للمجتمع المحيط بالأشخاص تأثيراً عليهم، سواء بالسلب أو بالإيجاب، فارتباط الشخص بهذه البيئة يجعله جزءاً مكوناً لها، لذلك يسعى أن يكون منسجماً ومتجانساً مع هذه البيئة، لا متنافراً ومضاداً لها، ومن هذا فإن إسلام من حول المدعو يكون دافعاً لإسلامه ومحفزاً له، وخصوصاً عندما يكون من حوله هم أقرب الناس إليه، كالوالدين أو الإخوة أو الأبناء.
ومن هذا المنطلق كانت دعوة طليب بن عمير ﵁ لوالدته أروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله ﷺ ، فعندما أسلم ذهب لوالدته وقال لها: أسلمت واتبعت محمداً ﷺ ، ثم دعاها إلى الإسلام، واتباع النبي ﷺ ، وذكرها بإسلام أخيها حمزة ﵁، فقالت: أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن، إلا أنه أصر عليها فأسلمت ﵃ أجمعين. فنجد أن أول ترغيب لأمه كان بإخبارها بإسلامه هو، وهو فلذة كبدها، ثم إخبارها بإسلام أخيها، الذي تفتخر وتعتز به، وما ذكر ذلك لها إلا لعلمه أنه سيكون له أثر في إسلامها، ودليل ذلك قولها:
стр. 201
"أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن"؛ لأن إسلام الأقارب هو حافز للمدعو كي يسلم، وذلك ما فطن له طليب بن عمير ﵁.
د) الإيضاح للوالدين أن الدين هو أهم رابط بين الأسرة:
إن من قوة إيمان الصحابة أن يكون الدين أحب وأقرب إليهم مما سواه، ولو كان ذلك آباءهم وأهليهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)، قال رسول الله ﷺ : (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ((٢)، فكان من واجب الصحابة عند دعوتهم آباءهم أن يوضحوا ذلك لهم، وأنه مهما كانت منزلتهم عند أبنائهم إلا أن الله ورسوله منزلتهما أكبر، وأن الرابط القوي الذي يربط بين الأب وابنه هو رابط الدين، وهو أمتن من رابط النسب والأبوة.
وقد بين الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ ذلك عندما قابل والده وهو عائد من عند رسول الله ﷺ ليدعو قومه، فلما أتاه وكان شيخاً كبيراً قال له: إليك
стр. 202
عني يا أبت فلست منك ولست مني، قال: ولِمَ يا بني، قال: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ ، قال: أي بني، فديني دينك. هنا كان على الطفيل أولاً أن يوضح لأبيه أن الدين فرق بينهما وأنه هو ما يجمع بينهما، مما دفع أباه إلى اعتناق الإسلام للبقاء على علاقته بابنه.
٢ - معاتبة الأخ وعذله وإظهار الشفقة عليه:
إذا كانت علاقة القرابة والنسب من الروابط التي تربط الدعاة ببيئاتهم فإن علاقة الأخوة تربط الدعاة بالمدعوين، وهي من أشد وأمتن العلاقات التي بين البشر؛ لذلك كان لها تأثير قوي في التأثر والتأثير بين الإخوة، وهذه العلاقة من طبيعة النفس البشرية التي جبلت عليها، بل هي الأصل في العلاقة بين الإخوة؛ لأن بداية هذه العلاقة ليست حديثة بل هي منذ أن خلق الله الإخوة وأخرجهم إلى هذه الدنيا، وهم على علاقة ببعض، فأفضل من يعرف الإخوة الأخ، وهم أكثر تفاهماً من غيرهم، بل إنهم أكثر نصرة لبعضهم من نصرة الآخرين ممن هم ليسوا إخوة.
وقد طلب نبي الله موسى ﵇ وبوحي من الله أخاه هارون وزيراً له، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١)، يقول ابن عاشور: "خص هارون لفرط ثقته به، ولأنه فصيح اللسان مقوالاً، فكونه من أهله مظنة النصح له، وكونه أخاه أقوى في المناصحة، وكونه الأخ الخاص لأنه معلوم عنده بأصالة الرأي" (٢).
стр. 203
وبهذا كان للصحابة ﵃ منهج خاص بدعوة الإخوة، وحثهم على الدخول في الإسلام، ولأن الله جعل الأخوة في الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١)، وقال الرسول ﷺ : (المؤمن أخو المؤمن ((٢)، فقد حرص الصحابة على أن يكون إخوانهم بالنسب هم إخوانهم في الإسلام، وقد كان للصحابة في دعوة إخوتهم طريقتان هم ا:
- اللوم مع بيان القدر والمكانة .
- التخويف مع إظهار الشفقة والنصح.
وقد كان لكل طريقة حادثة تشهد على ذلك، وسوف نذكر كل طريقة بشيء من التفصيل مع ذكر الحوادث المتعلقة بكل طريقة.
أ) اللوم مع بيان القدر والمكانة:
"اللوم هو عذل الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم" (٣)، وهذا الأمر عادة يقع ممن يحق له اللوم وممن له علاقة بالمدعو؛ لأنهم هم الذين سيقبل منهم هذا اللوم، وإذا كان مع هذا اللوم بيان لقدر ومكانة المدعو، فإن ذلك أحرى بالاستماع من الداعي وأدعى للقبول منه؛ لأن بيان القدر فيه جذب للانتباه، وبيان مكانة المدعو عند الداعي، مما يزيل حاجز الحذر، واللوم فيه بيان للخطأ
стр. 204
الذي فيه المدعو، وهذان الأمران إذا اجتمعا كان لهما تأثير قوي في دعوة الأقارب والأهل.
وقد كان للصحابة في دعوة إخوانهم نصيب من ذلك، ومن ذلك كتاب الوليد بن الوليد ﵁ إلى أخيه خالد بن الوليد ﵁ الذي قال فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: "أين خالد؟ " فقلت: يأتي به الله، فقال: "مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره"، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة" (١).
فنجد هنا بيان قدر ورجاحة عقل المدعو، وبيان مكانته عند رسول الله ﷺ ، بالإضافة إلى لومه من ذهاب رأيه، وفوات الخير عليه بعدم دخوله للإسلام.
ب) التخويف مع إظهار الشفقة والنصح:
للتخويف -كما سنوضح في الفصل الثالث- دور في تحريك مشاعر المدعو واستثارتها، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة يخوف الله بها المشركين لكي يعودوا إلى عبادة الله، وترك الشرك، وقد أرسل الله رسله لينذروا الناس من العذاب الذي سيلحق بهم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ
стр. 205
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
وقد نهج الصحابة هذا النهج مع المدعوين من ذوي القربى وخصوصاً إخوانهم، فكانوا يذكرونهم بما سيلحق بهم من أذى وعقوبة إن هم لم يسلموا، وقرنوا مع هذا التخويف إظهار الشفقة والنصح لهم بما ينجيهم، ومن ذلك ما أرسل به بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير ﵄، يبين له أن الرسول ﷺ أهدر دمه، ويقول له: "النجاء وما أراك تفلت"، ثم كتب إليه بعد ذلك: "اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل وأسلم"، فبعد التخويف من إهدار دمه أشفق عليه وأرسل له كتاباً آخر ينصحه فيه ويخبره ما يفعل لينجو، وهكذا كان الصحابة مع المدعوين.
٣ - إظهار الرحمة والرفق واللين مع الزوج:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣)، بما أن علاقة الأزواج ببعضهم تختلف عن غيرها، فإن دعوتهم أيضاً تختلف عن غيرها، وذلك لأن نمط العلاقة بينهم لا يماثل نمط العلاقة مع الأب أو الأخ أو الأبناء أو غيرهم، فهم أقرب إلى بعض، ولأن هذه العلاقة
стр. 206
تتسم بالخصوصية، فإنها قائمة على اللين في التعامل، والعطف والرحمة من أحدهما للآخر، وذلك من مقومات الزواج الناجح، حيث جعل الله بينهم المودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١)، يقول الشيخ السعدي: "لا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة" (٢).
وهذا كان له تأثير واضح في دعوة الأزواج لبعضهم، ومن ذلك ما كان من الصحابة مع المدعوين من أزواجهم، ففي دعوة أم حكيم لزوجها عكرمة بن أبي جهل ﵄ جوانب عدة من الرحمة والمودة والشفقة، فمن أول هذه الجوانب لحاقها به وتكبدها المشقة وهي امرأة، وكان همها أن تلحق بزوجها وتدعوه إلى الإسلام، والجانب الثاني: هو ذكرها لفضل الرسول ﷺ حيث قالت له: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك، وذلك الذكر خصت به صفات معينة من صفات الرسول ﷺ فذكرت الصلة والبر والخير، ولم تذكر الشجاعة والحزم والأمانة والصدق وغيرها من شمائل الرسول ﷺ ، وما ذكرت ذلك إلا لأن ذلك هو أساس العلاقة بين الزوج وزوجته، أما الجانب الثالث: أنها بدأت بقولها له: يا ابن عم، وفيه إشارة إلى حفظها للود الذي بينهما، ولم تنسه حتى بعد تركه لها ومغادرته مكة هارباً، والجانب الرابع: قولها له: لا تهلك نفسك، ففي ذلك بروز جانب الشفقة عليه من الهلاك في
стр. 207
الدنيا أو الآخرة، والجانب الخامس: هو إسعاده بخبر أخذ الأمان له من رسول الله ﷺ ، وآخر شيء: هو أنه عندما أراد أن يجامعها وهم عائدون إلى مكة تأبى عليه وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة، ففي ذلك حضٌّ على الإسلام، وإخبار بأن المودة والقربى لا تعني التفريط في أمور الدين، حتى ولو كان ذلك من أجل الزوج والأهل، فمنهم من هو عدو كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١)، يقول الشيخ السعدي: "هذا تحذير من الله للمؤمنين من الاعتذار بالأزواج والأولاد فإن بعضهم عدو لكم ..
والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره" (٢)، ومما سبق نجد أن دعوة الزوج اشتملت على الآتي:
- تحمل المشقة لهداية المدعو.
- ذكر ما يناسب المدعو من فضائل الإسلام.
- إظهار الاحترام والتقدير للمدعو.
- إظهار الشفقة والخوف على المدعو.
- بعث الطمأنينة والسعادة إلى قلب المدعو.
- عدم التنازل عن شعائر الإسلام من أجل هداية المدعو.
стр. 208
ثانياً: المدعوون من الملأ:
"الملأ: هم الرؤساء، سمو بذلك؛ لأنهم مُلاء بما يحتاج إليه، وقيل: هم أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم" (١)، وفي "المفردات": "الملأ هم جماعة يجتمعون على رأي فيملؤون العيون رواءً ومنظراً، والنفوس بهاءً وجلالاً" (٢)، وبهذا يكون الملأ هم أشراف المجتمع وسادته، وهم أهل الجاه والرفعة، ومن لديهم الزعامة والرئاسة ومن يرجع إلى أقوالهم.
ومن أطلق عليه في القرآن الكريم أو السنة النبوية لفظ "الملأ" فإنه لا يخرج أن يكون: "إما زعيماً سياسياً وإما وزيراً من الوزراء، وإما من أهل الرأي والمشورة، وإما من الأثرياء، وإما من أهل المعرفة" (٣).
وإطلاق كلمة "الملأ" في القرآن الكريم على من ذكر في التعريفات السابقة هو من قبيل بيان الواقع، لا من قبيل بيان استحقاقهم فعلاً للشرف والسيادة والقيادة والرئاسة، ويشبه هذا الإطلاق ما ورد في رسائل النبي ﷺ إلى رؤساء فارس والروم ومصر، فقد جاء في بعض هذه الرسائل مخاطبة الرسول الكريم إلى رئيس الروم بعبارة "عظيم الروم، أي: الذي يعظمونه ويقدمونه" (٤)، وهذا واقع القوم.
стр. 209
وقد ذكرت كلمة "الملأ" في القرآن في مواضع عدة، منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١)، و ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (٢)، و ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ (٣)، و ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ (٤).
وفي عهد الرسول ﷺ كان الملأ لهم دور في الصد عن هذه الدعوة، وأيضاً مساندة هذه الدعوة، فنجد أن وجود أبي طالب عم رسول الله ﷺ كان له دور في حماية الرسول ﷺ ، كما كان في المقابل من الملأ من يحارب الرسول ويعاديه مثل عتبة بن ربيعة وأبي جهل وأمية وأبي لهب وغيرهم من زعماء المشركين، وبهذا كانت دعوة الملأ من أهم الدعوات؛ لأنه باستجابتهم سيستجيب معهم خلق كثير، ويكف عن الإسلام شرهم. وهنا سوف نتطرق إلى دور الملأ في الدعوة وأسباب رفضهم لها، وطريقة تعامل الصحابة ﵃ معهم.
١ - دور الملأ في الدعوة:
أ) دور الملأ في الصد عن الإسلام:
الملأ من المشركين كان لهم دور في محاربة الإسلام والصد عنه، وقد جعلوا همهم الأهم تكذيبهم للرسول ﷺ ، والتشكيك في دعوته، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ
стр. 210
هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (١).
فقد قاوموا الدعوة إلى الله تعالى، فقادوا حملات ضد الرسول ﷺ وأصحابه من قمع وتعذيب وتكذيب وتشويه سمعة، وهذه سنة الملأ مع جميع الرسل ﵈ من قبل، فقد تصدى الملأ من قوم نوح لدعوته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، يقول الشيخ السعدي: "إنهم لم يكفهم -قبَّحهم الله- أنهم لم ينقادوا له بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالاً مبيناً واضحاً لكل أحد" (٣).
كما تصدى الملأ من قوم هود وصالح وشعيب وموسى لهم، وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم، كما ذكرت كتب السيرة كثيراً من المواقف والأحداث التي تصدى فيها الملأ من المشركين لدعوة الرسول ﷺ ، ومن ذلك تحذيرهم القادمين إلى مكة من الاستماع إليه ﷺ وأذيته ومحاولة قتله، كما أنهم عذبوا أصحابه ﵃ وقتلوا من قتلوا منهم، كآل ياسر ﵃، ولم يقتصر ذلك على الملأ من أهل
стр. 211
مكة، بل أيضاً من أهل الطائف، فكما يذكر ابن هشام في "السيرة النبوية" أنه عندما نزل ﷺ إلى ثلاثة من أشرافهم ودعاهم لم يستجيبوا له، بل أغروا سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به (١).
ومما واجه الصحابة ﵃ من الملأ من المشركين وصدهم عن الدعوة والإسلام تعذيبهم لهم؛ فقد عذب أبو جهل عمار بن ياسر ﵁، وعذب أمية بلال بن رباح ﵁، وعُذِّب من ليس له حامٍ يحميه في مكة حتى هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم، بل إن الملأ من قريش أرسلوا من يعيدهم من الحبشة.
كما أن الملأ من المشركين أيضاً في كل مكان كانوا حجر عثرة في دعوة الصحابة؛ فقد قتلوا عروة بن مسعود في الطائف عندما دعاهم إلى الإسلام، ومنع ملأ فارس أقوامهم من الدخول إلى الإسلام بالسلم، واختاروا الحرب على ذلك، وبذلك كان للملأ من المشركين دور كبير في الصد عن الإسلام؛ لأن الناس مولعون بالملأ ومتعلقون بهم، فإنهم يتأثرون بهم ويتبعونهم على الحق والباطل، فالصغير مولع بالكبير، والمغلوب تابع للغالب، والمرؤوس مبهور بالرئيس، فهذه طبيعة البشر، فإن اهتدى الملأ اهتدى الناس، وإن ضلوا ضل الناس تبعاً لهم إلا من رحم الله.
ب) دور الملأ في نصرة الدعوة:
كما أن الملأ عامل صد قوي عن الإسلام، فهم أيضاً عامل نصرة وتمكين
стр. 212
للدعوة، كما ذكرنا أن دعم أبي طالب لرسول الله ﷺ كان له أثر كبير في نشر الدعوة بين الناس لما في ذلك من تأمين له وحماية من الأذى.
ولعلم رسول الله ﷺ أن دعوة الملأ وإسلامهم فيه نصرة للدين، فقد حرص على ذلك، فكان يتردد على مجالسهم ويكلمهم ويدعوهم، ومن دلائل عزة الإسلام وقوته بإسلام الملأ إسلام حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب ﵄؛ حيث أصبح للمسلمين قوة وعزيمة وارتفعت معنوياتهم حتى علموا أن الإسلام قد نُصر وعز، وفي ذلك إشارة لما قال الرسول ﷺ عن إسلام عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ((١)، وذلك دليل على أن الملأ هم نصرة للدين، وعز للإسلام إذا أسلموا.
وقد كان لإسلام كثير من الملأ تأثير في دعوة قومهم واستجابتهم للدعوة بدون تردد، ومن هؤلاء سعد بن معاذ، والطفيل بن عمرو الدوسي، وضمام بن ثعلبة، وعمرو بن مرة الجهني ﵃، فعندما أسلموا أسلم معهم قومهم.
كما كان من نصرة ملأ المشركين للمسلمين مما ساعد على دعوتهم، إجارة بعضهم لبعض المسلمين، كإجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق ﵁ (٢)، وإجارة الوليد بن المغيرة لعثمان بن مظعون ﵁، وأبو سلمة ﵁ في جوار أبي طالب (٣).
стр. 213
فالملأ بمكانتهم ومنزلتهم من أقوامهم وإمكاناتهم المادية والسلطة التي لديهم إذا استثمرت في صالح الدعوة كان لها الأثر الكبير، ومهدت كثيراً من الطرق، وكانت حامية للدعوة داعمة لها، تذلل لها الصعاب، وتفتح لها الأبواب، فكما أن للملأ جانباً في الصد عن سبيل الله فلهم جانب نصرة وتمكين في سبيل الله والدعوة إلى الإسلام.
٢ - دوافع عداوة الملأ للدعاة من الصحابة ﵃ -:
لكل فعل مسبب ودوافع، وعداوة الملأ من المشركين للإسلام بشكل عام وللدعوة بشكل خاص لها ما يسببها ويجعلها الشغل الشاغل لهذه الفئة من المشركين، وإن كان هناك دوافع خاصة بكل شخص إلا أن الدوافع العامة والتي قد يشترك فيها الغالبية من ملأ المشركين هي معدودة ومحدودة، وهي ما سوف نتكلم عنه في الفقرات الآتية:
أ) الكبر والتعالي على الحق:
الكبر من أكبر موانع الدعوة، وهو كما قال ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس ((١)، وقد عرف الجاحظ الكبر بأنه: "استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس واستصغارهم، والترفع على ما يجب التواضع له" (٢)، وقال ابن قدامة ﵀: "إن الكبر خلق باطن تصدر عنه أعمال هي ثمرته، فيظهر على الجوارح، وذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه، يعني يرى
стр. 214
نفسه فوق الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً" (١).
وكان أول من تكبر من الخلق هو إبليس، عندما رفض السجود لآدم استكباراً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢)، فكان تكبره ذلك ميراثاً لمن اتبعه من الأقوام من بني آدم، وخصوصاً الملأ فيهم؛ فقد استكبر ملأ قوم صالح ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣)، وكذلك الملأ من قوم شعيب ﵇: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ (٤)، واستكبر فرعون وملؤه، قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ (٥)، واستكبر قوم عاد ﵇: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٦)، واستكبر قوم نوح ﵇: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (٧).
فكل هؤلاء الأقوام أضلهم ملؤهم باستكبارهم فاستحقوا العذاب في الدنيا والآخرة، فالكبر دافع أساس لرد الحق لدى الملأ؛ لأنهم يرون في أنفسهم رفعة عن الناس وعلوّاً، وقد حصل من الملأ من قريش أن قالوا للرسول ﷺ :
стр. 215
اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، ويقصدون سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وبلالاً وغيرهم من المسلمين، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١)(٢)، وقد قالت قريش لبعضهم: "هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا بالهدى والحق، لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله دوننا" (٣).
وبذلك فإن الكبر كان مانعاً قوياً من دخول الملأ من المشركين للإسلام، وقبولهم له، حتى ولو كانوا موقنين بأنه الحق، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٤).
ب) حب الزعامة والجاه:
إن الزعامة والجاه والسلطة والتي تتوافر لدى الملأ من الناس هي دافع من دوافع امتناعهم ومعاداتهم للدعوة؛ لأنهم لا يرضون أن يكونوا بلا سلطة ولا جاه يميزهم عن غيرهم، ويجعل لهم أتباعاً يأتمرون بأمرهم وينتهون بنهيهم، كما أن اعتقادهم أن الأنبياء لم يأتوا إلا ليأخذوا الزعامة منهم، ففي قصة نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥)، يقول الرازي: "إن من شُبَههم أن هذا الإنسان أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد