مكة، بل أيضاً من أهل الطائف، فكما يذكر ابن هشام في "السيرة النبوية" أنه عندما نزل ﷺ إلى ثلاثة من أشرافهم ودعاهم لم يستجيبوا له، بل أغروا سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به (١).
ومما واجه الصحابة ﵃ من الملأ من المشركين وصدهم عن الدعوة والإسلام تعذيبهم لهم؛ فقد عذب أبو جهل عمار بن ياسر ﵁، وعذب أمية بلال بن رباح ﵁، وعُذِّب من ليس له حامٍ يحميه في مكة حتى هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم، بل إن الملأ من قريش أرسلوا من يعيدهم من الحبشة.
كما أن الملأ من المشركين أيضاً في كل مكان كانوا حجر عثرة في دعوة الصحابة؛ فقد قتلوا عروة بن مسعود في الطائف عندما دعاهم إلى الإسلام، ومنع ملأ فارس أقوامهم من الدخول إلى الإسلام بالسلم، واختاروا الحرب على ذلك، وبذلك كان للملأ من المشركين دور كبير في الصد عن الإسلام؛ لأن الناس مولعون بالملأ ومتعلقون بهم، فإنهم يتأثرون بهم ويتبعونهم على الحق والباطل، فالصغير مولع بالكبير، والمغلوب تابع للغالب، والمرؤوس مبهور بالرئيس، فهذه طبيعة البشر، فإن اهتدى الملأ اهتدى الناس، وإن ضلوا ضل الناس تبعاً لهم إلا من رحم الله.
ب) دور الملأ في نصرة الدعوة:
كما أن الملأ عامل صد قوي عن الإسلام، فهم أيضاً عامل نصرة وتمكين
стр. 212
للدعوة، كما ذكرنا أن دعم أبي طالب لرسول الله ﷺ كان له أثر كبير في نشر الدعوة بين الناس لما في ذلك من تأمين له وحماية من الأذى.
ولعلم رسول الله ﷺ أن دعوة الملأ وإسلامهم فيه نصرة للدين، فقد حرص على ذلك، فكان يتردد على مجالسهم ويكلمهم ويدعوهم، ومن دلائل عزة الإسلام وقوته بإسلام الملأ إسلام حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب ﵄؛ حيث أصبح للمسلمين قوة وعزيمة وارتفعت معنوياتهم حتى علموا أن الإسلام قد نُصر وعز، وفي ذلك إشارة لما قال الرسول ﷺ عن إسلام عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ((١)، وذلك دليل على أن الملأ هم نصرة للدين، وعز للإسلام إذا أسلموا.
وقد كان لإسلام كثير من الملأ تأثير في دعوة قومهم واستجابتهم للدعوة بدون تردد، ومن هؤلاء سعد بن معاذ، والطفيل بن عمرو الدوسي، وضمام بن ثعلبة، وعمرو بن مرة الجهني ﵃، فعندما أسلموا أسلم معهم قومهم.
كما كان من نصرة ملأ المشركين للمسلمين مما ساعد على دعوتهم، إجارة بعضهم لبعض المسلمين، كإجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق ﵁ (٢)، وإجارة الوليد بن المغيرة لعثمان بن مظعون ﵁، وأبو سلمة ﵁ في جوار أبي طالب (٣).
стр. 213
فالملأ بمكانتهم ومنزلتهم من أقوامهم وإمكاناتهم المادية والسلطة التي لديهم إذا استثمرت في صالح الدعوة كان لها الأثر الكبير، ومهدت كثيراً من الطرق، وكانت حامية للدعوة داعمة لها، تذلل لها الصعاب، وتفتح لها الأبواب، فكما أن للملأ جانباً في الصد عن سبيل الله فلهم جانب نصرة وتمكين في سبيل الله والدعوة إلى الإسلام.
٢ - دوافع عداوة الملأ للدعاة من الصحابة ﵃ -:
لكل فعل مسبب ودوافع، وعداوة الملأ من المشركين للإسلام بشكل عام وللدعوة بشكل خاص لها ما يسببها ويجعلها الشغل الشاغل لهذه الفئة من المشركين، وإن كان هناك دوافع خاصة بكل شخص إلا أن الدوافع العامة والتي قد يشترك فيها الغالبية من ملأ المشركين هي معدودة ومحدودة، وهي ما سوف نتكلم عنه في الفقرات الآتية:
أ) الكبر والتعالي على الحق:
الكبر من أكبر موانع الدعوة، وهو كما قال ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس ((١)، وقد عرف الجاحظ الكبر بأنه: "استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس واستصغارهم، والترفع على ما يجب التواضع له" (٢)، وقال ابن قدامة ﵀: "إن الكبر خلق باطن تصدر عنه أعمال هي ثمرته، فيظهر على الجوارح، وذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه، يعني يرى
стр. 214
نفسه فوق الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً" (١).
وكان أول من تكبر من الخلق هو إبليس، عندما رفض السجود لآدم استكباراً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢)، فكان تكبره ذلك ميراثاً لمن اتبعه من الأقوام من بني آدم، وخصوصاً الملأ فيهم؛ فقد استكبر ملأ قوم صالح ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣)، وكذلك الملأ من قوم شعيب ﵇: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ (٤)، واستكبر فرعون وملؤه، قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ (٥)، واستكبر قوم عاد ﵇: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٦)، واستكبر قوم نوح ﵇: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (٧).
فكل هؤلاء الأقوام أضلهم ملؤهم باستكبارهم فاستحقوا العذاب في الدنيا والآخرة، فالكبر دافع أساس لرد الحق لدى الملأ؛ لأنهم يرون في أنفسهم رفعة عن الناس وعلوّاً، وقد حصل من الملأ من قريش أن قالوا للرسول ﷺ :
стр. 215
اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، ويقصدون سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وبلالاً وغيرهم من المسلمين، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١)(٢)، وقد قالت قريش لبعضهم: "هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا بالهدى والحق، لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله دوننا" (٣).
وبذلك فإن الكبر كان مانعاً قوياً من دخول الملأ من المشركين للإسلام، وقبولهم له، حتى ولو كانوا موقنين بأنه الحق، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٤).
ب) حب الزعامة والجاه:
إن الزعامة والجاه والسلطة والتي تتوافر لدى الملأ من الناس هي دافع من دوافع امتناعهم ومعاداتهم للدعوة؛ لأنهم لا يرضون أن يكونوا بلا سلطة ولا جاه يميزهم عن غيرهم، ويجعل لهم أتباعاً يأتمرون بأمرهم وينتهون بنهيهم، كما أن اعتقادهم أن الأنبياء لم يأتوا إلا ليأخذوا الزعامة منهم، ففي قصة نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥)، يقول الرازي: "إن من شُبَههم أن هذا الإنسان أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد
стр. 216
إليهما سبيلاً إلا بادعاء النبوة" (١).
قال الشيخ السعدي: "إن هذه المعارضة لازالت موجودة في مكذبي الرسل" (٢)، ويقول ابن القيم ﵀: "إن هذا هو داء أرباب الملك والولاية والرياسة، وقل من نجا منه إلا من عصم الله، وهو داء فرعون وقومه" (٣).
وقد تبين ذلك من مشركي قريش عندما خافوا أن تضيع الزعامة والرئاسة من أيديهم، وأن يفسد عليهم أتباعهم، فقد عرضوا على الرسول ﷺ عدة عروض منها قولهم: "وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا" (٤).
كما ارتد كثير من الأعراب عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ بسبب الرياسة والزعامة، وعدم قبولهم تزعُّم أبي بكر الصديق ﵁ للمسلمين، فمنهم نفرٌ من بكر بن وائل قالوا: "تعالوا حتى نرد الملك في دار النعمان بن المنذر، فإنه أحق بهذا الأمر من ابن أبي قحافة"، ومنهم الأشعث بن قيس عندما قال لقومه كنده: "وإنها لنا أجود ونحن لها أحرى وأصلح من غيرنا؛ لأنا الملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض قرشي ولا أبطحي" (٥).
стр. 217
فكان حب الزعامة والرياسة والجاه من العقبات التي تعيق إسلام الملأ وكبار القوم من المشركين من الدخول في الإسلام، وما تلك إلا ثقافة توارثوها من أسلافهم، وكانوا يتفاخرون بها ويتنافسون عليها.
جـ) تقليد الآباء واتباعهم:
إن تقليد الآباء والأسلاف والسير على ما هم عليه من باطل هو عامل من العوامل التي تسببت في ضلال كثير من الأمم وابتعادها عن الحق، ومحاربتها له، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١)، فجعلوا الآباء هم القدوة والمثل الذي لا يرغبون سواه، ويعتقد الملأ من المشركين أن مخالفة الأسلاف فيها نوع من العيب والنقصان في حقهم، والازدراء من قبل الأقوام الأخرى.
وهذا ما كان يحرِّض الملأ من قريش بعضهم به، ففي "صحيح البخاري" أنه عندما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: (أي عم، قُل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله (، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبدالمطلب (٢)، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبدالمطلب. فعلم أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية بأهمية الأسلاف عند أبي طالب مما جعلهم يثيرونه بها حتى حرموه الإسلام، وكان ذلك مقدراً له.
стр. 218
وهذا شيخ من جهينة يرد على عمرو بن مرة الجهني عندما دعاهم إلى الإسلام يقول (١):
إن ابن مرة قد أتى بمقالة ... ليست مقالة من يريد صلاحاً
أني لأحسب قوله وفعاله ... يوماً وإن طال الزمان رياحاً
أيسفه الأشياخ ممن قد مضى ... من رام ذلك لا أصاب فلاحاً
فقد جعل مخالفة أسلافهم تسفيهاً لهم وعدم فلاح؛ لأن أكثر الملأ من المشركين وصلوا إلى ما وصلوا إليه من مكانة ورفعة في الدنيا وكثرة مال إنما توارثوه من آبائهم وأجدادهم، ويرون في ترك ما عليه آباؤهم طعناً فيهم ومنقصة لهم، مما قد يقلل من قيمة الفرد منهم.
د) الحسد:
"الحسد هو تمني زوال نعمة من مستحق لها، وربما كان مع ذلك سعي في إزالتها" (٢)، يقول الجاحظ: "إن الحسد هو التألم بما يراه الإنسان لغيره من الخير، وما يجده فيه من الفضائل والاجتهاد في إعدام ذلك الغير ما هو له" (٣).
وقد كان أول ذنب عصي الله به في الأرض بسبب الحسد، أي حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله (٤)؛ لأن الحسد يورث العداوة والبغضاء والحقد،
стр. 219
مما يؤدي بصاحبه إلى ارتكاب الحماقات، وقد ولّد الحسد في أنفس الملأ من المشركين حسرات بسبب إحساسهم أن الرسول ﷺ والمسلمين أفضل منهم، ولا يَحسُد إلا من يعلم أن الإسلام هو دين الحق، ولكن حسده يمنعه من اتباعه، وقد ذكر الله أهل الكتاب وحسدهم لأنهم يعلمون بما لديهم من العلم أن الرسول حق والإسلام حق، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١).
وقد كذب فرعون موسى ﵇ حسداً منه، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، فكان من أسباب عدم القبول أنه كيف يكون لكما الملك والعز في أرض مصر، وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه، فصار أكبر القوم (٣)، وكل ذلك حسدٌ حتى لا يكون هناك كبيرٌ إلا فرعون وقومه.
ومن مواقف حسد المشركين للرسول ﷺ والمسلمين هو علمهم بصدقه ومخالفته خوفاً من ارتفاع مكانته عليهم، ومن ذلك قول أبي جهل للمغيرة بن شعبة ﵁ قبل إسلامه: والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا الندوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللواء، قلنا:
стр. 220
نعم، قالوا: فينا السقاية، قلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكّت الركب، قالوا: منا نبي، فلا والله لا أفعل (١).
فكان حسد أبي جهل للنبي ﷺ حائلاً دون إسلامه، وهو يعلم أنه ﷺ على حق، يقول الماوردي: "إن من دواعي الحسد أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدمه فيه، واختصاصه به، فيثير ذلك حسداً لولاه لكف عنه، ولا يحسد الأكفاء من دنا وإنما يختص بحسد من علا، وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة، ولكنها مع عجز فلذلك صارت حسداً" (٢)، وذلك ما حصل من الملأ من المشركين، فعندما عجزوا عن المنافسة حسدوا الرسول ﷺ وصحابته.
٣ - دعوة الصحابة ﵃ للملأ:
كان للصحابة ﵃ مع المدعوين من ملأ المشركين مواقف عدة تجلت فيها حكمة وبراعة الصحابة ﵃ في إدارة تلك المواقف بما يكسبهم إسلام أعضاء جدد، وانضمامهم إلى دائرة الإسلام مع عدم مخالفة تعاليم الإسلام، وقد انقسم الملأ من المشركين في الدعوة إلى قسمين: الأول منهم: معاند متجبر، والثاني: الحكيم المتفاهم، ولكل قسم من هذه الأقسام طريقة يختلف بها عن الآخر، وقد أعطى الصحابة ﵃ كل قسم ما يستحقه من الدعوة بالطريقة المناسبة له، وذلك كالآتي:
стр. 221
القسم الأول: المعاند المتجبر:
إن المعاندة عند الملأ ناشئة عن الكبر والحسد والجاه، فجميع ذلك يجعل منه معانداً للحق الذي هو يعرفه، ويتجبر على من خالفه استصغاراً له واحتقاراً، وقد تعامل الصحابة ﵃ مع هؤلاء بما يناسبهم من بيان تقديرهم مع عدم الهيبة منهم، والغلظة عليهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
ومن هذا عندما اقتحم عمرو بن عبد ود الخندق وأخذ يدعو للبراز فخرج له علي بن أبي طالب ﵁، وعرض عليه الإسلام، أو العودة إلى بلاده، لكنه رفض ذلك كله، عند ذلك بين له علي ﵁ القوة والشدة والغلظة وطلبه إلى القتال، فقال عمرو بتجبر: إني أكره أن أقتلك، ولكن علياً ﵁ قال له: ولكني أحب أن أقتلك، فمع مثل هذا استخدم علي ﵁ مع الدعوة احتداماً وغلظة، حتى لا يُظن أن الإسلام ضعيف. وكذلك في رسل وكتب قادة المسلمين لفارس، ومحاورتهم معهم، فيها هيبة وغلظة، وإظهار عزة الإسلام والمسلمين؛ لأن المعاند منهم يحتاج ما يزحزحه من عناده ولو بالقوة والتخويف.
القسم الثاني: الحكيم المتفاهم:
هذا النوع من ملأ المشركين هو أكثرهم تأثيراً بعد إسلامهم، وذلك لأن أحدهم لم يَسُدْ قومه إلا بعقله وسداد رأيه؛ لأنهم لا يقدمون على أمر إلا
стр. 222
ببصيرة وتعقل وتمييز، ومن ذلك دعوة مصعب بن عمير لسعد بن معاذ ﵄ عندما أتاه مغضباً متشتماً فطلب منه مصعب ﵁ بلين ولطف وبيان قدر وحكمة أن يجلس فيسمع إن رضي كان بها، وإن كره اعتزلوه، فعند ذلك حكَّم سعد بن معاذ ﵁ عقله وبصيرته ورأى أن ما يقوله مصعب ﵁ هو الإنصاف، ولا يرفضه إلا جاهل، فجلس واستمع إليه فأسلم، وما قاده إلى الإسلام إلا حكمته ورجاحة عقله، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).
وهنا نجد أن مصعب بن عمير استخدم مع الحكيم الحكمة فكان لها الأثر القوي في التأثير على المدعو؛ لأنه خاطبه بلغته وعقله وتفاهم معه بحكمته وفضله.
ثالثاً: المدعوون من العوام:
١ - تمهيد:
"المقصود بالعوام هنا هم الناس من غير الملأ، أو ذوي القربى، وهم الغالبية العظمى في أي مجتمع، كما أنهم في الغالب يكونون تابعين للملأ ويباشرون مختلف أنواع المهن والحرف، والعامة خلاف الخاصة" (٢).
وقد كان العوام هم أكثر أتباع الرسل، بل هم أول من يتبعهم ﵈، فقد قال قوم نوح من الملأ لنوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ
стр. 223
إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ (١)، وقال تعالى عن قوم ثمود: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وكذلك كان أتباع الرسول ﷺ أغلبهم من العوام والضعفاء، وذلك عندما سأل هرقل أبا سفيان ﵁ قبل أن يسلم حين قال: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فذكر هرقل أن أتباع الرسل هم الضعفاء (٣).
ومن أسباب سرعة استجابة العامة للدعوة والدخول في الإسلام هو عدم وجود موانع لديهم كالتي لدى الملأ من الجاه والسلطة، كما أن الكبر نادراً ما يوجد بينهم؛ لعدم وجود مقومات له، ولذلك جعل الله للمتكبر من غير سبب عذاباً عظيماً؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر ((٤)، يقول القاضي عياض: "إن سبب هذا الوعيد أن كلاً منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعدها منه وعدم ضرورتها إليه، وضعف دواعيها عنده؛ لأن إقدامهم عليها أشبه بالمعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى وقصد معصيته لا لحاجة غيرها، فالعائل الفقير قد عدم المال، وإنما سبب
стр. 224
الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء الثروة في الدنيا لكونه ظاهراً فيها وحاجة أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟ " (١)، فهذا دليل على أن الكبر لدى العوام ليس له ما يبرره.
وبعدم وجود تلك الموانع نجد أنهم أسهل في استجابة الدعوة والتأثير عليهم، كما أنه بين المشركين كان كثير من العوام مستضعفين فتجدهم يجدون في الإسلام ضالتهم من إعطائهم قيمتهم، وفيه عدل ومساواة مع غيرهم، كما أنهم ليس لديهم شيء يخسرونه في الدنيا، فكان قبولهم للحق أسرع من غيرهم، ومن أمثلة ذلك زيد بن حارثة وصهيب وبلال وعمار ﵃ فقد كانوا سباقين للإسلام.
٢ - دور العوام في الدعوة:
للعوام دور كبير في الدعوة للإسلام، فمنهم من ساند الدعوة، ومنهم من كان عقبة في طريقها محارباً لها.
أما مساندة العوام من المشركين للدعوة الإسلامية فهي مساندة سلبية، وهؤلاء هم الذين لم يتعرضوا للمسلمين ولم يؤذوهم، بل حتى لم يعارضوا إسلام أحد من ذويهم، بل تعايشوا معهم، ومن ذلك عندما أسلم أول نفر من الأنصار فقاموا بدعوة قومهم حتى إنه لم يبقَ دار من دور الأنصار إلا وكان فيها مسلمون، مظهرون إسلامهم كما ذكر جابر بن عبدالله ﵁ حيث قال: "فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون
стр. 225
بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون إسلامهم" (١)، ومن هؤلاء أيضاً النساء اللاتي أسلم أبناؤهن أو أزواجهن أو آباؤهن وبقين معهم يَقُمْنَ بواجبهم وخدمتهم.
أما من حارب الدعوة وكان معادياً لها من عوام المشركين فهم الذين يغرر بهم الملأ ويجعلونهم أداة لتنفيذ مآربهم، كما كان من أشراف أهل الطائف عندما أغروا سفهاءهم وعبيدهم ليسبوا الرسول ﷺ ويصيحوا به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة أبناء ربيعة (٢)، ومنهم من قاموا يطوفون ببلال بن رباح ﵁ في شعاب مكة كما ذكر ابن مسعود ﵁ قال: "إنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد" (٣).
٣ - موانع قبول الدعوة عند العوام:
أ) الخوف .
إن وجود السلطة والقوة لدى الملأ سبب في تخويف العوام منهم ومن بطشهم، وذلك الخوف يمنعهم من مخالفتهم ويثبط هممهم وعزائمهم، فقد منع الجبابرة على مر العصور والأزمنة الناس من أن يؤمنوا بالرسل، وذلك
стр. 226
بالضغط وفرض العقوبات عليهم، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (١)، يقول الشيخ السعدي: "استعملوا قوتهم السبعية في مقابلة الحق فقالوا: إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجنكم من قريتنا" (٢)، وقد عذبت قريش المستضعفين ممن أسلموا فكان ذلك إشارة إلى كل من يفكر في الإسلام من العوام أنه سوف يعذب وقد يهجَّر خارج مكة.
ب) الولاء والعصبية:
العرب تدين بولائهم لقبائلهم وسادتهم ويرون أن خروج أحدهم على قبيلته فيه عار كبير، وأن ولاءهم وتمسكهم بالانتماء لهذه القبيلة فخر وعز لهم، بل إن القبيلة هي العزوة والنصرة والحمية لأفرادها، ولا يقبل أحدهم أن يتبع غير هؤلاء السادة من قبيلته، ولو كانوا على ضلال، يقول الشاعر (٣):
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير المهتدي
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
فيتضح أن الولاء للقبيلة قائم بالانتماء إليها، وأن ضلالهم هدى بالنسبة لأبنائها. وكذلك ما كان من حال بني حنيفة عندما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة جاءه طلحة النمري فسأله عن حاله فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة
стр. 227
فقال: "أشهد أنك كاذب، وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، فقتل معه يوم عقربا كافراً" (١)، فهذه العصبية والولاء للعشيرة هي من يدفع العوام إلى عدم القبول بالدعوة. ويرى ابن القيم ﵀ أن سبب بقاء كثير من الخلق على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم لأنهم يرون أن اتباع الحق ومخالفتهم ستكون سبباً لإبعادهم وطردهم عن قومهم وعن من يحبون، فكان ذلك مانعاً من قبول الحق (٢).
جـ) الحاجة والطمع:
النفس البشرية جبلت على حب الدنيا، لذلك كان الناس يتبعون من معه أموال لينالوا نصيباً منها، لذلك كان للتجار من أهل الشرك تأثير قوي على الناس وذلك أنهم يستخدمونه من أجل أن يتبعهم العوام على ما هم عليه من باطل، وخصوصاً أن الأنبياء لم يبعثوا بذهب أو فضة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ (٤).
стр. 228
فَدَفْع المشركين الأموال للمحتاجين مقابل عدم دخولهم في الإسلام كان سبباً في منع قبول العوام للإسلام ودخولهم فيه، وكذلك من يعملون لدى المشركين لا يرغبون في أن يخسروا أعمالهم التي يجنون منها المال من أجل أن يتبعوا ديناً جديداً لا يملك من يدعو إليه أموالاً كأموال المشركين. وكذلك طمع بعض الناس في ما عند أقاربهم من مال، وأنهم إن هم أسلموا لم يرثوهم فيقدم حب المال على الإيمان، ويبقى على شركه لكي لا يخسر الإرث.
٤ - دعوة الصحابة ﵃ للعوام:
لقد كان أكثر وأسرع المستجيبين لدعوة الصحابة هم العوام والمستضعفون لأنهم هم الأغلب، وقد كان للصحابة ﵃ دور كبير في ذلك خصوصاً أن استجابتهم أسهل من غيرهم، لما يجدونه في الإسلام من تقدير واحترام لجميع البشر على السواء دون تفريق بينهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
بل إن دخولهم في بعض الأحيان يكون بالجماعات وليس فرادى، كما كان من دعوة سعد بن معاذ ﵁ لقومه حيث لم يمسِ في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة، فكما كان الولاء مانعاً من موانع قبول العوام للدعوة، فإنه هنا أصبح عاملاً مساعداً لقبول الدعوة. وكذلك في دعوة وافد بني سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة عندما عاد إلى قومه ودعاهم فما أمسى ذلك اليوم ممن حضره إلا كان مسلماً أو مسلمة، فنجد أن سرعة الاستجابة
стр. 229
وقبول الدعوة بسبب مكانة الداعي وخلو المدعو من الموانع التي تؤثر عليه. فكانت دعوة الصحابة للعوام تعتمد على أمور منها ما يأتي:
١ - دعوتهم إلى أمر بدؤوه بأنفسهم.
٢ - مخاطبتهم بما يقنعهم دون استخدام مؤثرات كالمال والسلطة مثل ضمام بن ثعلبة ﵁.
٣ - ضرب الأمثال لهم بمن حولهم مثل دعوة عمير بن مرة الجهني ﵁ لقومه.
٤ - الاستفادة من ثقتهم في الداعي مثل دعوة سعد بن معاذ ﵁.
٥ - واقع المسلمين المرئي للجميع من تواد وتراحم بينهم.
جميع هذه الأمور والعوامل السابقة كانت سبباً في قبول دعوة الصحابة من المدعوين من العوام ودخولهم للإسلام.
стр. 230
الفصل الثالث
منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالوسائل والأساليب والموضوعات
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالوسائل.
المبحث الثاني: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالأساليب.
المبحث الثالث: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالموضوعات.
стр. 231
مدخل:
حَرِصَ الصحابة ﵃ على أن يمارسوا أمور حياتهم وفق ما يستمدونه من تعاليم القرآن الكريم وتوجيهات النبي ﷺ ، وخصوصاً أنهم خرجوا في أقوام أهل شرك وعبادة أوثان، تأصلت في قلوبهم وتوارثوها كابراً عن كابر، كما أنهم لم يكن لهم كتاب يقرؤونه مثل أهل الكتاب، ولم يرسل لهم رسول من قبل، قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٢)، فكانت رسالة الإسلام تحولاً كبيراً في حياتهم، وتغييراً لما ألفوه من أسلافهم. فمن هنا واجه الصحابة حالة جديدة من الدعوة لم يسبقهم إليها أحد من الخلق، ولم تُوضع لها قواعد في الماضي حتى يسيروا وفق تعاليمها، فكان عليهم ﵃ أن يبدؤوا الدعوة بأنفسهم، وأن يُقَعّدوا لها، وينظِّروا للوسائل والأساليب والموضوعات التي يجب أن تُتخذ في القيام بالدعوة ونشرها، وبهذا أصبحوا أنفسهم تطبيقاً لعلم الدعوة العملي، وإن لم يكتبوه، ولكنهم طبقوه عملياً، مما وضع للمتأخرين ممن عملوا في الدعوة مراجع يرجعون لها في دعوتهم وفي مؤلفاتهم. وفي هذا الفصل سوف يكون البحث في الوسائل التي استخدمها الصحابة ﵃ في الدعوة، ثم الأساليب والموضوعات، وتفصيلها على النحو الآتي:
стр. 232
المبحث الأول:
منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالوسائل
المطلب الأول: أنواع وسائل الدعوة لدى الصحابة ﵃ وأقسامها
تعددت أنواع الوسائل من خلال تصنيفها من قِبل الباحثين في مجال الدعوة، وارتبطت بالماضي والحاضر، وكل منهم قام بوضع تصنيف مختلف عن الآخر، ومنهم من اقتبس من الآخرين، إلا أن أنواع وسائل الدعوة في عهد الصحابة تختلف عما هو موجود في الوقت الحاضر، ولا ينطبق عليها ما ينطبق الآن على وسائل الدعوة، وإن كانت تتشابه معها في بعض الجزئيات؛ لذلك تم وضع تقسيم يتناسب مع ما قام به الصحابة في وقتهم، وما يتماشى مع طريقة حياتهم وعصرهم، بالاستناد إلى ما ورد من سيرتهم في القيام بالدعوة، فتبين لنا أن وسائل الدعوة في منهج الصحابة خمسة أقسام هي:
١ - تعبدية.
٢ - كلامية.
стр. 233
٣ - اجتماعية.
٤ - أخلاقية.
٥ - عملية (فعلية).
ولكل نوع من الأنواع السابقة هناك أقسام وتفصيلات تختص بكل قسم سوف يتم الحديث عنها في مجالها.
القسم الأول: الوسائل التعبدية:
"هي تلك الوسائل التي تتخذ عبادة في ذاتها لتبليغ عبادة الدعوة إلى الله" (١)، كقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، فكل تلك الممارسات تعدُّ عبادة في ذاتها مع أن أي عمل يعمل بقصد التقرب إلى الله وهو صحيح فهو عبادة، ولقد كان لهذه الأعمال نصيب في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين كالآتي:
أولاً: قراءة القرآن الكريم:
قال ابن قدامة: "من كلام الله القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه وأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه وناسخ
стр. 234
ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) " (٣).
وتعريف ابن قدامة للقرآن يغني عن كثير من الشرح، ومن هنا فالقرآن الكريم عبادة في أصله، ووسيلة للدعوة، فهو عبادة لقوله ﷺ : "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" (٤)، وقوله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٥)، وهو وسيلة في إيصال الدعوة إلى المشركين، ومن ذلك عندما جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رقَّ له (٦). وهذه دعوة من الرسول ﷺ للوليد بالقرآن، وأيضاً عندما قام إليه عتبة بن ربيعة وعرض عليه أمور الدنيا منها الملك والمال والشرف وغيره، وما كان رد رسول الله ﷺ إلا بقراءة سورة فصلت عليه حتى انتهى ﷺ إلى السجدة منها (٧).
стр. 235
وقد آمن الصحابة ﵃ بالقرآن أنه كلام الله المنزل على نبيه ﷺ وأنه لن يكون هناك كلام أبلغ ولا أصدق منه، فجعلوه وسيلة من وسائل إيصال الدعوة في منهجهم ﵃، فهذا مصعب بن عمير يذهب إلى المدينة ليقرأ القرآن ويعلم الناس به، وقد أسلم ثابت بن قيس ﵁ عندما سمع مصعباً يرتل آيات من الذكر الحكيم فشرح الله صدره للإسلام، وإسلام أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ، ودعوة عمرو بن الجموح ﵃ بسورة يوسف (١)، وكذلك قراءة عمر بن الخطاب ﵁ للصحيفة التي في بيت أخته فاطمة ﵂ وفيها صدر من سورة طه.
فهذه الوسيلة مُنزلة من الله ، ومن هنا كان تأثيرها واضحاً بيناً لكل من له قلب واع.
خصائص القرآن في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - كلام حديث لم يعهده المشركون من قبل.
٢ - فيه إعجاز لغوي؛ وهم أهل هذه اللغة.
٣ - فيه مخاطبة لعقولهم وهدم لمعتقداتهم.
٤ - فيه تخويف من عذاب الآخرة وترغيب بالجنة.
٥ - فيه أمثال وقصص تجعلهم يعتبرون.
٦ - فيه إخبار لهم بما سوف يحصل في المستقبل كهزيمة الفرس في سورة الروم.
٧ - يختلف عن كلام البشر ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله.
стр. 236
ثانياً: الأمر بالمعروف:
"المعروف هو اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس" (١)، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣).
فالمعروف وسيلة عظيمة من وسائل الدعوة التي أمر الله بالعمل بها لما فيها من الدلالة على الخير والإرشاد إليه، وما فيها أيضاً من إبراء لذمة الداعي أمام الله ، والأمر بالمعروف هو من أسباب خيرية هذه الأمة، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ فبالأمر بالمعروف ربط الله خير هذه الأمة من بين الأمم، فهو من أسرار فضلها.
يقول ابن عطية الأندلسي: "وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، والأمر بالمعروف من صفات الصالحين التي ذكرها الله في كتابه" (٤)، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وقد أرسل الله
стр. 237
أنبياءه بالأمر بالمعروف وهو عبادة الله سبحانه وتوحيده، "وحيث إن بعثة الرسل كانت للأمر بالتوحيد والنهي عن طاعة الطاغوت قرر بعض العلماء أن بعثتهم كانت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن أمرهم بالتوحيد أمر بالمعروف" (١).
وقد بايع أهل العقبة الرسول ﷺ على الأمر بالمعروف، ففي حديث جابر ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: "تبايعوني على السمع والطاعة، وفي النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يقولها ولا يُبالي في الله لومة لائم ... " (٢).
وتعبد الصحابة لله بالأمر بالمعروف وقاموا به بحثاً عن الأجر والمثوبة من الله ، فعن حذيفة بن اليمان قال: "الإسلام ثمانية أسهم: الصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له" (٣). وقد جمع الصحابة ﵃ بين العبادة بالأمر بالمعروف وبين الوسيلة، فهذا أبو ذر ﵁ يدعو حويطباً ويقول له: فاتك خير كثير وبقي خير كثير، فأتِ رسول الله ﷺ فأسلم.
стр. 238
وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يدعو عمرو بن عبد ود ويأمره بالمعروف، ويقول له: أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتسلم لرب العالمين. وهذا مصعب بن عمير يقول لأمه: يا أمَّه، إني لك ناصح عليك شفيق فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
وأمثال هذه الشواهد كثير من الأمر بالمعروف التي اتخذها الصحابة ﵃ وسيلة للدعوة إلى الله.
خصائص الأمر بالمعروف في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - أول المعروف هو توحيد الله بالعبادة.
٢ - يدعو إلى مكارم الأخلاق التي تدعو لها العرب.
٣ - عدم وجود مصلحة شخصية للداعي.
٤ - فيه إبراز لمحاسن الإسلام وفضائله عن غيره.
٥ - فيه تلطف ولين من قِبل الصحابة تجاه المدعوين.
٦ - هو أمر بما هو مستطاع ويقدر عليه البشر.
ثالثاً: النهي عن المنكر:
ارتبط النهي عن المنكر بالأمر بالمعروف، فأصبحا متلازمين مع اختلافهما، "وإذا كان الأمر بالمعروف هو كل ما أمر الله به عباده أو رسوله ﷺ فإن النهي عن المنكر هو كل ما نهى الله عنه عباده أو رسوله، وهو نهي عن عبادة الأوثان
стр. 239
والشياطين" (١)، فالأمر بالمعروف نهي عن المنكر ضمناً، والنهي عن المنكر أمر بالمعروف ضمناً، إلا أنهما في التطبيق مختلفان، "فالنهي هو خلاف الأمر" (٢).
وقد نهى الرسول ﷺ عن المنكر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ((٣). وليس هناك منكرٌ أكبر من عبادة الأوثان وإشراكها بالعبادة مع الله . وقد كان إنكار المنكر لدى الصحابة ﵃ حاملاً للدعوة وموصلاً لها للمدعوين، فأنكروا عبادة الأوثان والممارسات الخاطئة والمخالفة للشريعة الإسلامية التي أُنزلت من عند الله، وكل ذلك خوفاً من عقاب الله أولاً، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم" (٥)، ثم رجاء الثواب والمغفرة ثانياً، عن أبي ذر ﵁ أن أناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور؛
стр. 240
يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ...
" (١).
ومن هنا لم يقبل صحابة رسول الله ﷺ بالمنكر، بل أنكروه كل قدر استطاعته، فمنهم من أنكره باليد كمعاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵃، ومعهم فتيان من قومهم، وذلك عندما أخذوا صنم عمرو بن الجموح وألقوه في حفرة لبني سلمة التي فيها عذر الناس، وما فعله عبدالله بن رواحة ﵁ من تكسير صنم أبي الدرداء. ومنهم من أنكر بلسانه، إما على أشخاص كقول أبي بكر لعثمان بن عفان ﵄: "ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟ "، أو أنكر على قومه عامة كضمام بن ثعلبة ﵁ عندما أتى قومه فكان أول ما قال لهم: "بئست اللات والعزى"، ودعوة عروة بن مسعود الثقفي ﵁ لقومه عندما أنكر عليهم تحية الجاهلية ولم يقدم على صنمهم فآذوه وقتلوه.
أما الإنكار بالقلب فقد كان جميع الصحابة ﵃ منكرين بالقلب بلا شك؛ لأن ذلك أضعف الإيمان.
стр. 241
خصائص النهي عن المنكر في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - أول المنكر هو الشرك وعبادة الأوثان.
٢ - فيه نهي عن الأخلاق السيئة.
٣ - فيه نهي عن ما يضر الإنسان كأكل الميتة والدم والربا.
٤ - ينهى الصحابة المشركين عما نهوا أنفسهم عنه.
٥ - عدم التهاون في المنكر من أجل تبليغ الدعوة.
رابعاً: الجهاد:
"الجِهاد هو اسْتفْرَاغُ الوسع في مُدافَعَة العدو" (١)، "وهو الدعاء إلى الدين الحق" (٢)، وهو ذروة سنام هذا الدين، كما في حديث معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ... " (٣). وقد أمر الله الرسول بالجهاد بعد الهجرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وأثابهم عليه بالمغفرة والرحمة.
стр. 242
وقد كان الجهاد ولا يزال لإعلاء كلمة الله، وفيه عز للإسلام والمسلمين، وردع للشرك والمشركين، ولولا الجهاد لظهرت الفتن وانتشر الفساد؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)، ويقول شيخ الإسلام: "إن الجهاد هو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق" (٢)، فمحبوب الحق هو الإيمان والتوحيد، وما يكرهه الحق هو الكفر، فكان الجهاد قتال الكفر لحصول التوحيد؛ لذلك كان من أسباب التمكين في الأرض وإذلال الشيطان وأعوانه، وفي الحديث: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٣).
ولأن الجهاد فُرض لإزالة العوائق التي تقف أمام نشر الإسلام فقد حرص الصحابة ﵃ على ذلك؛ لأنه عبادة وأجره عظيم وعز ونصر للإسلام، فقد أرسل الرسول ﷺ في حياته ثمانية وثلاثين بين بعثة وسرية (٤) كلها لأداء مهمات جهادية، منها سرية زيد بن حارثة إلى القردة (٥) حين أصاب عير قريش وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله ﷺ (٦)، وكذلك بعثة عبدالله
стр. 243
بن جحش ﵁ إلى نخله (١)(٢)، وقد جاهد صرد بن عبدالله الأزدي ﵁ ما يليه من القبائل من أهل الشرك فقاتل أهل جرش (٣) حتى أسلموا (٤).
وبعد وفاة رسول الله ﷺ استمر الصحابة ﵃ بالجهاد في نشر الإسلام ومجاهدة من ارتد حتى يفيئوا إلى أمر الله، فسير أبو بكر الصديق الجيوش إلى العراق والشام وإلى القبائل في جزيرة العرب، ومن بعده الخلفاء الراشدون جميعاً، ومَن بعدهم، وكان الصحابة ﵃ في طليعة تلك الجيوش المجاهدة، وكل ذلك لنقل الإسلام وإيصاله إلى العالم بهذه الوسيلة، وتبليغ الرسالة التي أمرهم الله بها، واقتداءً بسنة الرسول ﷺ .
خصائص الجهاد في دعوة الصحابة ﵃ -.
١ - فيه تقديم للآخرة على الدنيا.
٢ - بيان أن أهمية نشر الإسلام مقدمة على النفس والمال.
٣ - فيه إظهار عزة الإسلام وقوته.
٤ - فيه بيان للمدعوين أن الآخرة هي الباقية.
٥ - هو سبب لحث تفكير المدعو بالقوة.
стр. 244
القسم الثاني: الوسائل الكلامية (اللفظية):
يُقال: "إن الكلام هو طريق التعبير اللفظي سواء بالنطق أو الكتابة، ويعتبر أكثر رقياً من الحركة في التعبير، وهو وظيفة مكتسبة لها أساس حسي وآخر حركي، والتوافق بينهما يخرج الكلام سوياً" (١)، والكلام هو أكثر وسائل الاتصال شيوعاً، ومن أقواها تأثيراً، ومتى ما أجاد الداعية فن الكلام كان أقدر على التأثير على المدعوين. فالدعوة بحاجة إلى تعبير لفظي بليغ فصيح تصل به إلى المدعو؛ ليستطيع فهمها وإدراك مقاصدها، وبما أن الكلام هو وسيلة اتصال بين البشر، فإن له دوراً أساسياً وفعالاً في إيصال دعوة الصحابة إلى المشركين. والكلام له أشكال عدة نتجت من وظيفة الكلام، كالمخاطبة والشعر وكتابة الرسائل واللغة وغيرها. وهنا سوف تتبين لنا هذه الوسائل الأربع، وتتضح كيفية استخدام الصحابة لها، ونتائجها على الدعوة.
أولاً: المخاطبة (المشافهة):
(المخاطبة أو المشافهة هي مباشرة بين شخصين أو أكثر، والمشافهة هي المخاطبة من فيك إلى فيه" (٢)، أي ما يخرج من الفم من كلام، وقد وجدت أن المشافهة لا تعدو أن تكون أحد نوعين هما الخطاب أو الحوار، فهما ما يعبر عنه بالمخاطبة أو المشافهة؛ لأنهما يدوران بين متحدث ومستمع مباشرة دون وسيط، وبهذا تكون هذه الوسيلة تنقسم إلى قسمين هما:
стр. 245
أ) الخطابة: "وهي الكلام الذي يلقى في جمهور الناس للاقتناع والتأثير" (١)، ولون من ألوان النثر في الأدب العربي، وهي "أقدم قنوات الاتصال مع الآخرين، وكما عرفتها كل الأمم والشعوب عرفها العرب قبل الإسلام وعقدوا لها أسواقاً كسوق عكاظ. ولما جاء الإسلام وسع أفق الخطابة ونوع أغراضها وحولها من أداة تفاخر بين القبائل إلى وسيلة هداية إلى الله تعالى" (٢)، "وهي فن من فنون الكلام غايته إقناع السامعين واستمالتهم والتأثير فيهم بصواب قضية أو خطأ أخرى" (٣)، ولما فيها من إقناع واستمالة وتأثير فإن لها دوراً فعّالاً في إيصال الدعوة إلى المدعوين وتغذية عقولهم بالإسلام، خصوصاً إذا كانت الخطابة ذات هدف نبيل وغاية سليمة كالدعوة إلى الإسلام، وقد دعا الرسول ﷺ أول ما دعا قومه بخطبة على الصفا، يقول ابن عمر ﵄: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال: "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش، قالوا: مالك؟ قال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقونني؟ " قالوا: بلى، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (٤).
وقد حرص الصحابة ﵃ على استخدام هذه الوسيلة من وسائل الدعوة اقتداء بالرسول ﷺ ، فقد خطب سعد بن معاذ في قومه عندما أسلم ودعاهم إلى الإسلام
стр. 246
فأسلموا، وهذا ضمام بن ثعلبة ﵁ يقدم على قومه فيقول لهم: إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره (١) رجل ولا امرأة إلا مسلماً؛ فقد أثر عليهم ﵁ بخطبته واستمالهم إلى الحق، وأقنعهم به، فأدى بذلك إلى نتيجة إيجابية وهي إسلامهم جميعاً ﵁ وعنهم.
ومن ذلك أيضاً خطبة عمرو بن مرة الجهني ﵁ في قومه عندما أتاهم من عند رسول الله ﷺ فقال لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم من النار وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهراً، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: إن الله -وله الحمد- جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من الرفث، إنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه، والتراث (٢) في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي ابن غالب تنالوا شرف الدنيا وكبير الأجر في الآخرة، فسارعوا في ذلك تكن لكم فضيلة عند الله (٣).
стр. 247
فبعد أن عرض عليهم الحجج العقلية والبراهين المنطقية في أول خطبته أثار وجدانهم وعاطفتهم بالثناء عليهم ومدحهم، وذكر لهم صفاتهم وشيمهم في وسطها، وبعد أن أثر فيهم بخطبته دعاهم إلى الإسلام فأسلموا وتبعوه.
ب) الحوار: "هو اصطلاح يدل على مشاركة المتحدثين في الكلام" (١)، "وهو المرادّة في الكلام، ومنه التحاور" (٢)، يقول الدكتور محمد بشر حداد: "إن الحوار في الثقافة العربية الإسلامية هو المراجعة في الكلام، والتجاوب بين المتحاورين بما يقتضي من رجاحة عقل، وسعة صدر، واتساع أفق منبثق من يقين، وثبات، وتعامل راق متحضر" (٣)، فالحوار هو حديث شفهي يحصل بين طرفين أو أكثر يستمع كل منهم للآخر بهدوء وتركيز لعرض أفكارهم للوصول إلى نتيجة، ومنه يعرف الدكتور عبدالله المجلي الحوار: "أنه نقاش هادئ من أجل الوصول إلى رأي موحد أو متقارب حول موضوع معين" (٤)، وقد ذكر الله كلمة الحوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٧).
стр. 248
وقد قال بعضهم: إن الحوار هو الجدل، ومن هؤلاء الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة الكهف، قال: "يحاوره، أي: يجادله" (١)، ويقول الشيخ صالح بن حميد: "إن الحوار والجدال ذو دلالة واحدة" (٢)، ويذكر الشيخ سعد الشثري "أن الحوار عند العلماء المتقدمين يسمونه الجدال ويستدلون عليه بقوله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ " (٣).
ومن هذه الآية تبين صلة لفظ المجادلة بلفظ الحوار، وقد تكون المجادلة درجة من درجات الحوار، وبذلك تكون من الأساليب التي تستخدم في الحوار، ومن هذا كان للحوار دور في إيصال دعوة الصحابة، بل كان هو الغالب في فترة بداية الإسلام في الفترة المكية، ومن ذلك الحوارات التي كان يقوم بها أبو بكر الصديق ليدعو الناس للإسلام، مما تسبب في إسلام السابقين للإسلام مثل: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وأخويه عبدالله، وقدامة، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وغيرهم كثير ﵃، وكل ذلك بالحوار والمجادلة الحسنة، وذلك أنه كان ﵁ رجلاً مألوفاً لقومه ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، فجعل ﵁
стр. 249
يدعو إلى الإسلام من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه (١). ومن المعلوم أن مثل هذه المجالس لا يدور فيها إلا الحوار كما حصل بينه وبين عثمان بن عفان وأيضاً ما حصل بينه وبين طلحة بن عبيد الله ﵃ أجمعين، حيث أثر في عقولهم بالحجة واستمال أنفسهم بالخلق فاقتنعوا واهتدوا.
ومن الدعوة بالحوار أيضاً ما قامت به أم سليم ﵂ عندما أراد أبو طلحة أن يتزوجها فقالت: يا أبا طلحة، ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد خشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان، قال: بلى، قالت: أفلا تستحي أن تعبد خشبة، إن أنت أسلمت لم أرد منك من الصداق غيره.
فكم أسهمت المخاطبة في دعوة الصحابة في نشر الدين؛ لما كان لها من أثر في نفوس المدعوين؛ لأنها نابعة من إخلاص وصدق مع الله فصدقهم الله فكان حوارهم حوار خير وبركة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢).
خصائص المخاطبة في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - الحديث المباشر بين الصحابي والمدعو.
٢ - إحساس الداعي والمدعو بانفعالات الآخر وتفاعلاته.
٣ - قبول المدعو للمخاطبة والمشافهة هو بداية تقبل واستماع الدعوة.
стр. 250
٤ - سهولة التجاوب بين المتحاورين.
٥ - في المخاطبة إمكانية دعوة مجموعة من المشركين في وقت واحد.
ثانياً: الشعر:
"الشعر هو اسم للموزون المقفى من الكلام" (١)، ويصف الناشي أبو العباس الشعر بقوله: "قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، وفرحة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب" (٢). والشعر وسيلة كلامية، استخدمها العرب منذ القدم للتواصل والاتصال وإذاعة الأخبار وتوثيقها، فأصبح كالسجل لهم يدون أحوالهم وأفعالهم ومفاخرهم وأيامهم، ويبين مجدهم وشرفهم، فكان من ذلك شهرة الشعراء وإذاعة صيتهم بين العرب حتى حرصت كل قبيلة على إبراز شعرائها في المحافل والأسواق التي كانت تقام بين العرب في الجاهلية كسوق عكاظ، فكانوا منابر إعلامية لأقوامهم، يفتخرون بهم ويذكرون مناقبهم أمام الناس، وله تأثير قوي في نفوس العرب في الجاهلية، فبالقصائد ترفع الأحساب وتخفض، وتؤرخ أيامهم وتوضح مناقبهم ومثالبهم.