فأسلموا، وهذا ضمام بن ثعلبة ﵁ يقدم على قومه فيقول لهم: إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره (١) رجل ولا امرأة إلا مسلماً؛ فقد أثر عليهم ﵁ بخطبته واستمالهم إلى الحق، وأقنعهم به، فأدى بذلك إلى نتيجة إيجابية وهي إسلامهم جميعاً ﵁ وعنهم.
ومن ذلك أيضاً خطبة عمرو بن مرة الجهني ﵁ في قومه عندما أتاهم من عند رسول الله ﷺ فقال لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم من النار وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهراً، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: إن الله -وله الحمد- جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من الرفث، إنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه، والتراث (٢) في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي ابن غالب تنالوا شرف الدنيا وكبير الأجر في الآخرة، فسارعوا في ذلك تكن لكم فضيلة عند الله (٣).
стр. 247
فبعد أن عرض عليهم الحجج العقلية والبراهين المنطقية في أول خطبته أثار وجدانهم وعاطفتهم بالثناء عليهم ومدحهم، وذكر لهم صفاتهم وشيمهم في وسطها، وبعد أن أثر فيهم بخطبته دعاهم إلى الإسلام فأسلموا وتبعوه.
ب) الحوار: "هو اصطلاح يدل على مشاركة المتحدثين في الكلام" (١)، "وهو المرادّة في الكلام، ومنه التحاور" (٢)، يقول الدكتور محمد بشر حداد: "إن الحوار في الثقافة العربية الإسلامية هو المراجعة في الكلام، والتجاوب بين المتحاورين بما يقتضي من رجاحة عقل، وسعة صدر، واتساع أفق منبثق من يقين، وثبات، وتعامل راق متحضر" (٣)، فالحوار هو حديث شفهي يحصل بين طرفين أو أكثر يستمع كل منهم للآخر بهدوء وتركيز لعرض أفكارهم للوصول إلى نتيجة، ومنه يعرف الدكتور عبدالله المجلي الحوار: "أنه نقاش هادئ من أجل الوصول إلى رأي موحد أو متقارب حول موضوع معين" (٤)، وقد ذكر الله كلمة الحوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٧).
стр. 248
وقد قال بعضهم: إن الحوار هو الجدل، ومن هؤلاء الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة الكهف، قال: "يحاوره، أي: يجادله" (١)، ويقول الشيخ صالح بن حميد: "إن الحوار والجدال ذو دلالة واحدة" (٢)، ويذكر الشيخ سعد الشثري "أن الحوار عند العلماء المتقدمين يسمونه الجدال ويستدلون عليه بقوله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ " (٣).
ومن هذه الآية تبين صلة لفظ المجادلة بلفظ الحوار، وقد تكون المجادلة درجة من درجات الحوار، وبذلك تكون من الأساليب التي تستخدم في الحوار، ومن هذا كان للحوار دور في إيصال دعوة الصحابة، بل كان هو الغالب في فترة بداية الإسلام في الفترة المكية، ومن ذلك الحوارات التي كان يقوم بها أبو بكر الصديق ليدعو الناس للإسلام، مما تسبب في إسلام السابقين للإسلام مثل: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وأخويه عبدالله، وقدامة، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وغيرهم كثير ﵃، وكل ذلك بالحوار والمجادلة الحسنة، وذلك أنه كان ﵁ رجلاً مألوفاً لقومه ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، فجعل ﵁
стр. 249
يدعو إلى الإسلام من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه (١). ومن المعلوم أن مثل هذه المجالس لا يدور فيها إلا الحوار كما حصل بينه وبين عثمان بن عفان وأيضاً ما حصل بينه وبين طلحة بن عبيد الله ﵃ أجمعين، حيث أثر في عقولهم بالحجة واستمال أنفسهم بالخلق فاقتنعوا واهتدوا.
ومن الدعوة بالحوار أيضاً ما قامت به أم سليم ﵂ عندما أراد أبو طلحة أن يتزوجها فقالت: يا أبا طلحة، ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد خشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان، قال: بلى، قالت: أفلا تستحي أن تعبد خشبة، إن أنت أسلمت لم أرد منك من الصداق غيره.
فكم أسهمت المخاطبة في دعوة الصحابة في نشر الدين؛ لما كان لها من أثر في نفوس المدعوين؛ لأنها نابعة من إخلاص وصدق مع الله فصدقهم الله فكان حوارهم حوار خير وبركة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢).
خصائص المخاطبة في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - الحديث المباشر بين الصحابي والمدعو.
٢ - إحساس الداعي والمدعو بانفعالات الآخر وتفاعلاته.
٣ - قبول المدعو للمخاطبة والمشافهة هو بداية تقبل واستماع الدعوة.
стр. 250
٤ - سهولة التجاوب بين المتحاورين.
٥ - في المخاطبة إمكانية دعوة مجموعة من المشركين في وقت واحد.
ثانياً: الشعر:
"الشعر هو اسم للموزون المقفى من الكلام" (١)، ويصف الناشي أبو العباس الشعر بقوله: "قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، وفرحة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب" (٢). والشعر وسيلة كلامية، استخدمها العرب منذ القدم للتواصل والاتصال وإذاعة الأخبار وتوثيقها، فأصبح كالسجل لهم يدون أحوالهم وأفعالهم ومفاخرهم وأيامهم، ويبين مجدهم وشرفهم، فكان من ذلك شهرة الشعراء وإذاعة صيتهم بين العرب حتى حرصت كل قبيلة على إبراز شعرائها في المحافل والأسواق التي كانت تقام بين العرب في الجاهلية كسوق عكاظ، فكانوا منابر إعلامية لأقوامهم، يفتخرون بهم ويذكرون مناقبهم أمام الناس، وله تأثير قوي في نفوس العرب في الجاهلية، فبالقصائد ترفع الأحساب وتخفض، وتؤرخ أيامهم وتوضح مناقبهم ومثالبهم.
стр. 251
والشعر ليس بالهين، فليس كل أحد يستطيع أن يصبح شاعراً، يقول الأصمعي: "الشعر ما قل لفظه ودق معناه ولطف، الذي إذا سمعته ظننت أنك تناله، فإذا حاولته وجدته بعيداً" (١).
لقد كان في الصحابة عدة شعراء يدافعون عن الإسلام وعن النبي ﷺ ، منهم: حسان بن ثابت، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن مالك، وعبدالله بن جحش، وأخوه عبيد وغيرهم (٢)، فكانوا مجاهدين بألسنتهم مع أسنتهم، ومع قلة عدد الشعراء المسلمين مقارنة بالمشركين إلا أنهم ﵃ دافعوا عن الإسلام دفاع الأقوياء ورفعوا أصواتهم بنصرة الدين حتى بلغت أشعارهم جميع العرب في ذلك الوقت، فكانوا دعاية للإسلام ودعوة له. وقد حوربت دعوتهم بالمثل من قِبل المشركين فكانوا يجندون شعراء للرد والتشويه على الإسلام، وقد ذكر الله حال شعراء المشركين وشعراء المؤمنين في سورة الشعراء، قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣)،
ويذكر الحاكم في المستدرك: أن أبا الحسن مولى بني نوفل قال: إن عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت أتيا رسول الله ﷺ حين نزلت: ﴿طسم﴾ الشعراء يبكيان وهو
стр. 252
يقرأ عليهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ حتى بلغ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: "أنتم"، ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: "أنتم"، ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال: "أنتم" (١)، ففي هذه الآيات وهذا الحديث ذكر لمناقب وفضل شعراء الصحابة ومن هم على شاكلتهم بشعرهم، فقد كان الرسول ﷺ يستعين بهم في الرد على المشركين والمفاخرة بالإسلام.
فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله" (٢)، وقد أرسل حسان بن ثابت قصيدة لعبدالله بن الزبعرى قبل أن يسلم وذلك بعد أن هرب إلى نجران عندما فتح الرسول ﷺ مكة ولجأ إلى حصن فيها فقال حسان:
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذَّ لئيم
بليت قناتك في الحروب فألفيت ... خمانةً جوفاء ذات وصوم
غضب الإله على الزبعرى وابنه ... وعذاب سوء في الحياة مقيم
فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تنبه إلى حاله ونفسه ثم جاء إلى الرسول ﷺ وأعلن إسلامه (٣).
وقد أصبح الشعر الإسلامي في عهد الصحابة وسيلة للتعريف بالإسلام في ذلك الوقت؛ فقصيدة عبدالله بن رواحة ﵁ فيها عقيدة وتوحيد خالص لله
стр. 253
سبحانه يقول فيها (١):
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا
وغير ابن رواحة شعراء كُثر أصبحت قصائدهم تتناقلها الركبان في ذلك الوقت، منهم كعب بن زهير ﵁ وقصيدته التي مدح الرسول ﷺ فيها، ومنهم كعب بن مالك ﵁ وقصائده التي يفتخر بالإسلام فيها ويمدح الرسول ﷺ وغيرهم.
ثالثاً: كتابة الرسائل:
"لرسالة هي ما يرسل، وهي الخطاب وكتاب يشتمل على قليل من المسائل تكون في موضوع واحد" (٢)، وتستخدم الرسائل للتواصل بين طرفين لإيصال فكرة معينة وذلك لبعد المكان أو للرغبة في عدم المواجهة، وقد تكون هذه الرسالة مكتوبة أو شفهية، يقوم بنقلها الرسول إلى من أرسلت إليه.
ومن هنا فإن عملية إرسال الرسائل يجب أن تتكون من مرسل وموضوع ووسيلة ومستقبل، والرسائل هي الوسيلة التي تحمل الموضوع وتوصله إلى المستقبل.
كان للرسالة أهمية كبيرة وفائدة عظيمة في التواصل بين الشعوب والممالك في القديم، وما زال ذلك وإن اختلفت الكيفية والطريقة مع تطور حياة الإنسان ودخول التقنية.
стр. 254
وقد ذكر القرآن الكريم رسالة سليمان بن داود ﵁ إلى سبأ، قال تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (١).
ولاشك أن للكتب والرسائل أهمية كبرى في نشر الدعوة الإسلامية في بداية نشر الإسلام، وهي تعد من أهم الوسائل الدعوية في ذلك الوقت، وسبباً من أسباب التوصيل الجيد للدعوة؛ حيث تدخل في نفس المدعو بهدوء ودون قيد، وقد استعمل النبي ﷺ هذه الوسيلة استعمالاً واسعاً، فراسل الملوك مثل كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي، وأرسل إلى أمراء العرب كالمنذر بن ساوى صاحب البحرين، وجيفر وعبد ابني الجلندى صاحبي عمان، وإلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وإلى حارث بن شمر الغساني (٢)، وإلى غيرهم، وبذلك كان الرسول ﷺ أول من أنشأ ديوان الرسائل بالطريقة العملية حتى وإن لم يكن جهازاً رسمياً، فكان لديه ﷺ مترجمون كزيد بن ثابت ﵁، حيث أمره الرسول ﷺ بتعلم خط اليهود ليقرأ له كتبهم (٣)، وكأبي بن كعب، وعبدالله بن الأرقم وغيرهم، كما كان له ﷺ رسل كدحية الكلبي، والعلاء بن الحضرمي، وعبدالله بن حذافة السهمي.
стр. 255
وقد نهج الصحابة ﵃ هذا النهج عن رسول الله ﷺ باستخدام هذه الوسيلة في دعوة المشركين، فقد أرسل الوليد بن الوليد رسالة إلى أخيه خالد بن الوليد يدعوه إلى الإسلام وإلى القدوم إلى رسول الله ﷺ .
وقد أرسل خالد بن الوليد ﵁ كتباً إلى رستم ومهران وملأ فارس وإلى مرازبة أهل فارس وإلى هرمز صاحب الثغر. وكذلك ما ذكره الطبري من رسائل أبي بكر الصديق ﵁ إلى من ارتد عن الإسلام من قبائل العرب والتي أرسلها لهم مع قادة الجيوش (١).
وقد كان لهذه الرسائل أثر قوي في تأثر البعض ودعوته للإسلام؛ لأنها كانت تحمل تذكيراً وترغيباً ووعيداً، فمن لم يتأثر بالذكر فبالترغيب وإلا كان للوعيد تأثير عليه.
خصائص الرسائل في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - وجود العقيدة الصافية والتوحيد الخالص.
٢ - وحدة مواضيعها وهي الدعوة إلى الإسلام أولاً.
٣ - اشتمالها على الترغيب والترهيب والوعيد.
٤ - كونها لا تدعو إلى مصالح خاصة وأهداف دنيوية.
٥ - كونها تخاطب فطرة المدعوين.
٦ - اشتمالها على عزة الإسلام وأهله.
٧ - كونها تخاطب واقع المدعو وحياته الحالية.
стр. 256
رابعاً: الترجمة ومعرفة اللغات:
اللغة هي أداة تواصل بين المجتمع الواحد أو الأمة الواحدة، وبها يتم توصيل الرغبات والاحتياجات والمعاني بين أفراد هذا المجتمع، يقول الدكتور سمير حجازي: "إنها مرآة الشعب، ومستودع تراثه، وديوان أدبه، وسبل مطامحه وأحلامه، ومفتاح أفكاره وعواطفه، ورمز كيانه الروحي، وعنوان تقدمه، وخزان عاداته وتقاليده، ومظهر حضارة المجتمع" (١).
فبقدر ما كان للغة من فضل في التواصل داخل الأمة الواحدة إلا أنها أيضاً عائق في تواصل الأمم المختلفة بعضها ببعض؛ الأمر الذي أدى إلى الاستعانة بالمترجمين ممن يعرفون لغات القوم فيكونون هم أداة الوصل بين أمة وأخرى، وقد اهتم ملوك وقادة الأمم السابقة واللاحقة بالمترجمين لمعرفتهم بلغة الأمم الأخرى، وليستطيعوا التواصل معهم، وقد كان عند كل ملك ترجمان. ويتبين لنا ذلك مما ورد في كتب التاريخ والسير من وجود ترجمان لدى قيصر عندما أتاه كتاب رسول الله ﷺ ، ووجود مترجم لدى كسرى (٢)، كما أن المقوقس أحضر مترجماً عندما أرسل إلى حاطب بن بلتعة ليلاً (٣).
كما أن رسول الله ﷺ قد أمر زيد بن ثابت بتعلم اليهودية كما ذكرنا سابقاً حتى يعرف لغة القوم ويترجم له ويكتب له بلغتهم؛ لإبلاغهم بالإسلام، وذكر
стр. 257
المسعودي أنه كان يترجم للرسول ﷺ بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن.
ولولا أهمية اللغة في التواصل وإيصال المعلومات والدعوة إلى الله لما اهتم الرسول ﷺ بهذا الجانب، إلا أنه يعلم ما له من تأثير وقوة في مجال الدعوة إلى الله. وقد سلك هذا المسلك صحابة رسول الله ﷺ في الاستفادة من لغة المدعوين، وإن كان أكثر المدعوين من المشركين هم عرب في الأصل، فلغتهم هي نفس لغة الصحابة، إلا أنه تم الاستفادة ممن لديه لغة من لغات الأمم الأخرى في الدعوة، ومن أمثلة ذلك ما حصل من سلمان الفارسي ﵁ فيما ذكره الترمذي أن جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبدالله، ألا ننهد إليهم، قال: دعوني أدعهم كما سمعت رسول الله ﷺ فأتاهم سلمان فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي ترون العرب يطيعونني فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطونا الجزية وأنتم صاغرون، قال: ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء (١)، وكان المسلمون قد جعلوه داعية أهل فارس (٢).
فعلم الصحابة ﵃ أن دعوة الناس بلغتهم هي وسيلة لها تأثيرها في استجابة المدعوين؛ وذلك لكون التواصل بين المدعو والداعية مباشراً ويتم من خلاله
стр. 258
نقل الأحاسيس والمشاعر مع الكلمات، وفيه إيصال سهل لمقاصد الدعوة وتعاليمها، وكسر حاجز اللغة بين الداعية والمدعو سبيلٌ لإيصال المعلومة وقبولها من الطرف الآخر.
من خصائص اللغة في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - سهولة إيصال المعلومة للمتلقي.
٢ - كسر حاجز اللغة بين الصحابة والمشركين من غير العرب.
٣ - عدم التحفظ لدى المدعو لعدم وجود مترجم.
٤ - شعور المدعو بقيمته عندما يدعى بلغته.
٥ - عدم حاجة المدعو إلى تعلم اللغة العربية لمعرفة الإسلام.
٦ - داعية واحد يعرف لغة المدعوين كافٍ لأن يدعو مجتمعاً بأكمله.
القسم الثالث: الوسائل الاجتماعية:
"إذا كان المجتمع هو ذلك الإطار العام الذي يحدد العلاقات التي تنشأ بين الأفراد الذين يعيشون داخل نطاقه في هيئة وحدات أو جماعات" (١)، فإن العلاقات هي ما يحدد طريقة التعامل بين أفراد هذا المجتمع بناءً على ما يملكه كل فرد في هذا المجتمع من ميزات سواء كانت هذه الميزات مالية أو فكرية أو دينية أو قرابة أو حتى قوة وشجاعة، وهذه الميزات يستطيع كل فرد أن يوظفها
стр. 259
للوصول إلى ما يعتقد به، فكان للصحابة ﵃ ميزات اجتماعية كل في مجتمعه سواء كبر أم صغر ذلك المجتمع، وقد جاهدوا في إيصال هذا الدين إلى محيطهم بواسطة ما لديهم من الميزات، حيث كانت هي الوسيلة التي استخدموها لدعوة هذه المجتمعات، ولتكون هي الحامل الموصل إلى المدعوين، وقد تم تقسيم هذه الوسائل الاجتماعية إلى الآتي:
أ) وسيلة القرابة.
ب) وسيلة المكانة في القوم.
جـ) وسيلة الاعتماد على القبيلة أو العشيرة.
وسيتم شرح كل وسيلة على حدة وما يوافقها من دعوة الصحابة ﵃.
أولاً: وسيلة القرابة:
إن ذوي القربى هم من يتصلون ببعض برابط الدم والنسب القريب، وهو تنظيم اجتماعي صغير داخل المجتمع، وقد تسمى بمصطلح آخر: العائلة، وإن كانت العائلة عند البعض هي الزوج والزوجة والأطفال (١) إلا أنها في المجتمع العربي وحسب العرف هي أكبر من ذلك.
стр. 260
والقربى هم العشيرة؛ وذلك لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قال: جمع النبي ﷺ من أهل بيته فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا ... " (٢)، وفي هذا دليل على أن العشيرة الأقربين هم أهل البيت، وأنهم يتجاوزون الزوجة والأولاد إلى ما وراءَهم، ودعوة الأقارب لها تأثير قوي؛ فقد دعا الرسول ﷺ أول ما دعا زوجته خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب ﵄، كما دعا عمه أبا طالب إلا أنه لم يستجب له، وكان لعامل القرابة دور في هذه الدعوة.
وقد استخدم هذه الوسيلة أكثر الصحابة ممن وصلتنا أخبارهم، أو من لم تصلنا، إلا أن أهل بيتهم قد أسلموا، فهذا دليل أن للقرابة دوراً في إيصال الدعوة إلى داخل بيوتهم.
ومن هؤلاء الصحابة الذين جعلوا من القرابة وسيلة للدعوة دعوة أم حكيم ﵂ لزوجها عكرمة بن أبي جهل ﵁ فكانت تبدؤه بقولها: "يا ابن عم" (٣)، وهذا فيه تذكير بمدى القرابة بينهما لكي يستمع لقولها. وأيضاً دعوة الطفيل بن عمر لأبيه وزوجته في أول من دعا، وقد أسلما من أول دعوته لهما لأنه أول ما قال لهما: "لست منك ولست مني"، وهذا فيه إشارة إلى أن بقاء القرابة لن يكون إلا بالإسلام وقبول
стр. 261
الدعوة. ومن الدلائل أيضاً على استخدام القرابة كوسيلة للدعوة دعوة طليب بن عمير ﵁ لأمه أروى بنت عبدالمطلب عندما ذكر لها أنه أسلم، وزيادة في الترغيب يذكرها أن أخاها حمزة بن عبدالمطلب أسلم أيضاً.
فكان لهذه الوسيلة تأثير مباشر؛ وذلك أن الأقرباء بعضهم يثق في بعض إلا ما ندر أمثال أبي لهب.
خصائص القرابة في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - سرعة التأثر والاستجابة من المدعو.
٢ - جَعلُ عامل القرابة عاملَ أمان للصحابة ولقرابتهم من المدعوين.
٣ - إحساس المدعو بنصح الصحابي له.
٤ - فرصة انفراد الصحابي بالمدعو كبيرة ودون أي تأثير خارجي.
٥ - معرفة الصحابي بحال المدعو القريب أكثر من غيره من المدعوين.
ثانياً: المكانة في قومه:
للمكانة الاجتماعية والشرف اعتبار لدى البشر منذ قديم الأزمان، وعند جميع الشعوب، كل حسب معاييره التي تؤهله للمكانة والشرف، "والمكانة الاجتماعية هي الوضع الذي يشغله الشخص أو الأسرة أو الجماعة القرابية في النسق الاجتماعي بالنسبة للآخرين، وقد يحدد هذا الوضع الحقوق، والواجبات، وأنواع السلوك الأخرى، بما في ذلك طبيعة ومدى العلاقة بأشخاص آخرين لهم مكانات مختلفة" (١).
стр. 262
وقد كانت المكانة لدى الأمم في عهد الرسول ﷺ وصدر الإسلام لها تأثير في الحياة الاجتماعية عند الأمم، فكان العرب يفرقون بين الأشراف والعامة، وكذلك الفرس والروم أيضاً، وهذه غريزة موجودة في البشر منذ القدم، وهي التفرقة بين الأشراف وغيرهم، وهذا مما نهى عنه الإسلام وجعل الناس سواسية، إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، فقد قسم الله سبحانه البشر إلى شعوب وقبائل إلا أن أفضلهم عند الله هو أتقاهم.
وقد علم صحابة رسول الله ﷺ أن الله سبحانه فضلهم على الناس بالإسلام، كما فضلهم في الجاهلية بالشرف والمكانة، وعلموا أن لمكانتهم عند أقوامهم تأثيراً قوياً ووسيلة مؤثرة في دعوة الناس إلى الإسلام؛ وذلك أنهم كانوا يتبعونهم في الجاهلية وهم يدعونهم إلى الضلال فكيف بهم إذا دعوهم إلى الحق، وقد قام سعد بن معاذ ﵁ بدعوة قومه، وقبل دعوتهم سألهم عن مكانته فيهم، حتى يعلم مدى تأثير دعوته لهم إذا دعاهم، فما كان منهم إلا أن قالوا: "سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة"، وبعد أن سمع ذلك منهم وعلم مدى طاعتهم له لمكانته ومنزلته بينهم كيف لا وهو سيد بني عبدالأشهل، فعند ذلك دعاهم للدخول في الإسلام، فما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة.
стр. 263
وكما في قصة ضمام بن ثعلبة ﵁ عندما عاد إلى قومه من عند رسول الله ﷺ وهو يعلم أنهم ما أرسلوه إلا لمكانته فيهم، وأنهم آخذون برأيه فدعاهم فأسلموا جميعاً حتى إن ابن عباس ﵄ يقول: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة"، ومثله الطفيل بن عمرو ﵁ وكان رجلاً شريفاً وشاعراً في قومه، حيث بقي في أرض قومه يدعوهم.
فكانت جهودهم ﵃ مع أقوامهم تعتمد على مكانتهم ومدى قدرتهم على استخدام هذه المكانة في صالح الدعوة إلى الله.
خصائص المكانة في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - معرفة الداعي بحكم مكانته لمواطن التأثير في قومه واستخدامها.
٢ - المكانة تحمي الداعي من الاعتداء والأذى.
٣ - إمكانية دعوة عدد كبير في وقت قصير.
٤ - ثقة المدعوين في هذا الداعية؛ لأنه من أشرافهم.
٥ - التبعية الخالصة والاحترام للأشراف والأعيان يساعد في قبول الدعوة.
ثالثاً: قوة القبيلة وإمكاناتها:
كانت القبائل في الجزيرة العربية في ذلك الوقت تشابه الدويلات المستقلة؛ حيث إن لكل قبيلة قيادة وشعباً وأرضاً، وهذه هي مكونات الدولة، فإذا استبعدنا الإمبراطورية الفارسية والرومانية في ذلك الوقت كدولتين عظيمتين فإن
стр. 264
"القبيلة هي أساس النظام الاجتماعي عند أهل البادية، وتعد أكبر الوحدات السياسية التي عرفها العرب ومارسوا من خلالها نشاطاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية" (١)، ولكل قبيلة إمكانات ومميزات تتميز بها عن الأخرى، فمثلاً قبيلة قريش تتميز بخدمة البيت الحرام وجميع القبائل تحج إليه كل عام، وقبائل اليمن تأتي عن طريقهم رحلات التجارة، وكذلك من قبائل الشام، وتتميز قبائل اليمامة بتزويد مكة بالحنطة، كما أنها تقع على طريق تجارة العراق، فلكل قبيلة مصلحة لدى القبيلة الأخرى، كما أنه مع وجود المصالح فإن القبائل الصغيرة تخاف على نفسها من تسلط القبائل القوية وسلبها، ومن هذا المنطلق -منطلق المصلحة وتحاشي الضرر- يكون التعامل بين القبائل أو هذه الدويلات الصغرى. إذن هذه القبائل هي داعم ومساند لأفرادها وحامية لهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن الله ذكر مدى حماية القبيلة لأفرادها وذلك في قوله تعالى على لسان لوط ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)، يقول ابن جرير: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يقول: "أو أنضم إلى عشيرة مانعة تمنعني منكم" (٣)، وفي قوله تعالى على لسان قوم
стр. 265
شعيب ﵇: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (١)، "يقولون: لولا أنا نتقي عشيرتك وقومك لرجمناك" (٢).
وقد كانت القبائل تتجنب أذية أي فرد من أفراد القبيلة الأخرى حتى لا تتسبب بإثارة مشكلة بين القبيلتين، ومن ذلك رأي أبي جهل عندما أشار على قريش بقتل رسول الله ﷺ وذلك بأن يؤخذ من كل قبيلة فتىً شاب جلد نسيب وسيط فيهم ويعطى كل منهم سيفاً ثم يضربون رسول الله ﷺ ضربة رجل واحد فيقتلونه فيتفرق دمه بين القبائل فلا تستطيع قبيلته حربهم جميعاً (٣).
وفي هذا دليل على أنه لو قتله واحد منهم لقاتلتهم قبيلته، أما إذا كانوا عشرة فلن يستطيعوا ذلك.
ومن هذا نجد أن الصحابة قد استثمروا هذه الخاصية عند العرب، وحاولوا إيصال دعوتهم ومجاهدة المشركين، فمنهم عمر بن الخطاب ﵁ عندما أسلم فذهب إلى المشركين وأخبرهم فقاموا عليه فقاتلوه وقاتلهم حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وبينما هم كذلك إذ أقبل العاص بن وائل السهمي فقال لهم: "أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم"، فتفرقوا عنه خشية من قومه (٤)، ومن ذلك ثمامة بن أثال ﵁ عندما أسلم عند رسول الله ﷺ خرج
стр. 266
معتمراً حتى إذا كان ببطن مكة لبَّى بصوت عال، فكان أول من دخل مكة يلبِّي، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اخترت علينا! فلما قدموا ليضربوا عنقه قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة بطعامكم، فخلوه، وقيل: إنه قال: لا يصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً فكتبوا إلى رسول الله ﷺ في ذلك وكتب إليه الرسول ﷺ يخلي بينه وبينهم (١).
ومن اللجوء إلى العشيرة أيضاً اللجوء إلى جوار من هو قوي وله عصبة ومكانة، فقد دخل أبو بكر الصديق ﵁ في جوار ابن الدغنة، فكان يصلي في مسجد له بناه عند باب داره، فكان يقرأ القرآن ويبكي فأصبح الصبيان والعبيد والنساء يقفون عليه ويستمعون له، وقد استمر ذلك حتى رد على ابن الدغنة جواره (٢).
فكان لقوة العشيرة والجوار دور في إيصال الدعوة، كإظهار عمر بن الخطاب إسلامه عند الكعبة، ومنع ثمامة بن أثال الطعام عن مكة، وإعلان أبي بكر ﵁ الصلاة وقراءة القرآن، كل ذلك كان وسيلة إلى إيصال فكرة الدعوة الإسلامية إلى المشركين.
خصائص قوة القبيلة وإمكانياتها في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - فيها أمان للداعي من بطش المشركين.
٢ - وسيلة ضغط على المشركين للخضوع للإسلام.
стр. 267
٣ - تعطي الدعاة دافعاً معنوياً للاستمرار بالدعوة.
٤ - فيها ردع وترهيب للقبائل من عاقبة محاربة الدعاة.
٥ - فيها انتصار للدعوة أمام المشركين.
القسم الرابع: الوسائل الأخلاقية:
"الخُلق هو الدين، والطبع، والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها" (١)، "وفي عُرف العلماء هو مَلَكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدم فكر وروية وتكلف" (٢).
وقد كان الرسول ﷺ من أحسن الناس أخلاقاً، فقد زكَّى الله نبيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣)، يقول الشيخ السعدي: "كان له ﷺ منها -من الأخلاق- أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلاً ليناً قريباً من الناس مجيباً لدعوة من دعاه، قاضياً لحاجة من استقضاه، جابراً لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائباً" (٤).
стр. 268
وقد حث الرسول ﷺ على مكارم الأخلاق في مواضع عدة، فقد قال ﷺ : "إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً" (١)، وقال ﷺ : "إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم" (٢).
فالأخلاق هي من خصائص هذا الدين ومن يتبعه؛ لأن من أساس الأخلاق إرضاء الله ، وانتظار ثوابه، واتقاء عقابه، يقول الزحيلي: "إن مكارم الأخلاق هي صلاح الدنيا والدين والمعاد" (٣).
وقد انتشرت الدعوة الإسلامية في كثير من البلدان الإسلامية عن طريق التعامل والأخلاق الإسلامية، والتي جعلت كثيراً من الشعوب يعتنقون الإسلام بسبب ما رأوا من أخلاق المسلمين.
وقد استخدم الصحابة ﵃ الأخلاق كوسيلة لتبليغ الإسلام وإيصاله للمدعوين، ومن الوسائل الأخلاقية في دعوتهم:
١ - الإيثار على النفس.
٢ - الحلم.
٣ - العفو.
стр. 269
وهذه الوسائل الأخلاقية التي استخدمها الصحابة كوسيلة كان لها الأثر الكبير والسريع في نفوس المدعوين مما دفعهم لاعتناق الإسلام دون تردد، وهنا سوف نتكلم عن كل وسيلة على حدة.
أولاً: الإيثار على النفس:
"الإيثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ من قوة اليقين وتوكيد المحبة والصبر على المشقة" (١)، يقول شيخ الإسلام في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢): "أما الإيثار مع الخصاصة فهو أكمل من مجرد التصدق مع المحبة" (٣)، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤).
وقد كان رسول الله ﷺ من المؤثرين على أنفسهم وذلك في مواقف كثيرة منها ما ذكره البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال: "نعم"، فلما قام النبي ﷺ
стр. 270
لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئاً فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها (١).
وقد اكتسب صحابة رسول الله ﷺ الإيثار منه واتبعوه في ذلك، وكان لإيثارهم في الدعوة إلى الإسلام أثر وفائدة، فهذه أم سليم تؤثر إسلام أبي طلحة على متعة الدنيا وهي زواجها منه، بل جعلت إسلامه هو مهرها منه، وكذلك قصة الحارث بن مسلم التميمي عندما أرسلهم رسول الله ﷺ في سرية، قال: فلما بلغنا المغار (٢) استحثثت فرسي فسبقت أصحابي وتلقانا الحي بالرنين (٣) فقلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها، فلامني أصحابي فقالوا: حرمتنا الغنيمة، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه بالذي صنعت فدعاني فحسَّن لي ما صنعت وقال: "أما إن الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا" (٤).
ويقسم ابن القيم ﵀ درجات الإيثار إلى ثلاث درجات منها: "إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول
стр. 271
والبدن" (١)، ونجد أن صحابة رسول الله ﷺ قد آثروا رضا الله على رضا غيره سواء من أنفسهم أو من غيرهم فقدموا الآخرة على الدنيا.
"فالإيثار هو من أفضل درجات مكارم الأخلاق" (٢)، وهو مرتبة راقية من مراتب البذل ومنزلة عظيمة من منازل العطاء؛ لذا أثنى الله على أصحابه ومدح المتحلين به وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
خصائص الإيثار في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - بيان بأن هدفهم الأول هو رضا الله.
٢ - علو الهمة لدى الصحابة.
٣ - حسن الظن بالله.
٤ - رحمة الصحابة للمشركين من شركهم.
٥ - أن رسالة الإسلام هي طلب ما عند الله لا ما عند الناس.
٦ - الدعوة هي همهم الأول وقبل كل شيء.
стр. 272
ثانياً: الحلم:
"الحلم هو الطمأنينة عند سورة الغضب" (١)، "وهو واسطة بين إفراط الغضب وعدمه، فالحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب" (٢)، ويقال: "إن الحلم هو أن تكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة، ولا تضطرب عن إصابة المكروه" (٣).
يقول الماوردي: "الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد" (٤).
"والله هو الحليم، وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منتهٍ إليه" (٥)، ويقول الغزالي: "الحليم هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٦) " (٧). وقد وردت آيات عديدة في ذكر أن الحلم من أسماء الله ، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ
стр. 273
اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٤).
وقد وصف الله سبحانه بعض خلقه بالحلم كوصفه لإبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٥)، وأيضاً وصفه سبحانه لإسماعيل ﵇ عندما بُشِّر به إبراهيم فقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٦).
وكان رسول الله ﷺ حليماً على قومه، ففي حديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وبعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد، فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
стр. 274
وحده ولا يشرك به شيئاً" (١).
فمن حلمه ﷺ أنه لم يأمر ملك الجبال بإهلاك قومه، وهو قادر بإذن من الله سبحانه، كما أنه ﷺ له مواقف كثيرة تدل على حلمه، وقد كان يستطيع أن ينفذ غضبه إلا أنه ﷺ كان همه هداية الناس ودعوتهم.
وقد استمد صحابة رسول الله ﷺ الحلم من سيرته وأخلاقه واتباعاً لهديه، قال ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢)، وقد قال ﷺ لأشج عبدالقيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (٣).
"فالحلم من محاسن خصال العباد" (٤)، وفضيلة من فضائل الأخلاق التي تكسب الفرد محبة الله ومحبة الناس، ولما لهذا الخلق من تأثير فقد استفاد منه الصحابة ﵃ في مجال دعوة الناس وترغيبهم في الإسلام، فكم من أذية قُصدوا بها، وكم جهل وقع عليهم ولم يردوا عليه إلا بالحلم والإحسان، ومن هذا ما وقع من الطفيل بن عمرو الدوسي عندما دعا قومه فلم يستجيبوا له فقدم الطفيل وأصحابه إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إن دوساً عصت
стр. 275
وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال ﷺ : "اللهم اهد دوساً وأت بهم" (١)، ثم قال له الرسول ﷺ : (ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم (، فرجع ودعاهم ورفق بهم حتى نزل المدينة ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من دوس (٢)،
وفي قصة عروة بن مسعود ﵁ من الحلم ما كان سبباً في الصلح بين قومه وإسلام عشيرته الأقربين، وذلك أنه لما أسلم عروة ﵁ استأذن الرسول ﷺ أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله ﷺ : (إني أخاف أن يقتلوك (، قال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه مسلماً فقدم عشاءً فجاءته ثقيف فدعاهم إلى الإسلام وآذوه ونالوا منه فحلم عنهم، فخرجوا من عنده يأتمرون عليه حتى طلع الفجر فقام في داره فأذن فخرجت ثقيف إليه فرماه أحدهم فأصابه في أكحله ولم يرقَ دمه، فلبس قومه السلاح وحشدوا وطلبوا الثأر له، فلما رأى عروة بن مسعود ما يصنعون قال: لا تقاتلوا فيَّ، قد تصدقت بدمي على صاحبه، لأصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ قد أخبرني أنكم تقتلوني، ثم طلب أن يدفن مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عن الطائف، وبسبب ذلك لحق ابنه أبو مليح بن عروة وابن أخيه قارب بن الأسود بالرسول ﷺ وأسلما (٣).
فالحلم كان وسيلة لتبليغ الدعوة منذ وصوله إليهم وحتى مماته ﵁ فدعا قومه وأصلح بينهم وأسلم نفر من عائلته، وكل ذلك بخلق كريم ألا وهو الحلم.
стр. 276
خصائص الحلم في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - استشعار أن هذه الصفة من صفات الله ـ.
٢ - فيه بيان لمقدرة الصحابة؛ لأنه لا يكون إلا مع القدرة.
٣ - دليل على كمال العقل والأخلاق لدى الصحابة.
٤ - بيان أخلاق الإسلام.
٥ - فيه كسب لقلوب المدعوين والتأثير عليها.
ثالثاً: العفو:
قال الفراهيدي: "العفو: تركك إنساناً استوجب عقوبة فعفوت عنه" (١)، وقال الكفوي: "العفو: ترك ما يستحق الذنب من العقوبة، ومحو الذنب، والإعراض عن المؤاخذة" (٢)، والله هو العفوُّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٤)، وقد ذكر الرسول ﷺ اسم الله العفوّ في حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفوّ كريم تحب العفو فاعف عني" (٥)، كما أمر
стр. 277
الله الرسول ﷺ بالعفو، قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقد بيّن الرسول ﷺ فضل العفو فقال ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (٣).
وقد عفا الرسول ﷺ عمن أساء في مواضع عدة، منها ما كان منه ﷺ مع ثمامة بن أثال ﵁ عندما أسرته سرية من سرايا الرسول ﷺ وأتت به إلى المدينة فربط في المسجد فكان رسول الله ﷺ يمر عليه فيقول له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فيقول: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فيتركه الرسول ﷺ ويعود عليه من الغد ويسأله ويرد بمثل قوله، ولما كان بعد غد سأله ﷺ ورد بمثل قوله الأول، فقال الرسول ﷺ : "أطلقوا ثمامة"، فانطلق واغتسل وأسلم (٤)؛ فكان لعفو الرسول ﷺ أثر في إسلام ثمامة ﵁، كما أن عفو رسول الله ﷺ عن أهل مكة بعد الفتح كان له الأثر الكبير في إسلامهم، وغير ذلك من المواقف التي تجلى فيها عفو رسول الله ﷺ الذي كان بياناً لصحابته، ودرساً يستمدون منه التعاليم النبوية، ومنها خلق العفو، الذي جعلوه من أخلاقهم؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "كل الناس مني في حل" (٥).
стр. 278
وقد استخدم الصحابة ﵃ هذا الخلق كوسيلة لإيصال الدعوة الإسلامية، وأن الإسلام هو دين تسامح وعفو وأخلاق، ولا يهدف إلى الانتقام والتشفي؛ فقد أظهر علي بن أبي طالب ﵁ خلق العفو عندما أرسله الرسول ﷺ إلى أرض مذحج ولقي جمعاً منهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموه في أصحابه فحمل عليهم فتفرقوا وانهزموا فكف عنهم ودعاهم ثانية إلى الإسلام فأجابوا وبايعوا وأدَّوا صدقاتهم، ولم يحاسبهم على ما فعلوا؛ فعفوه ﵁ عنهم أدَّى إلى دخولهم في الإسلام. وكذلك عفو عروة بن مسعود ﵁ عمن أصابه وتصدقه بدمه عليه كان له الأثر في إسلام أقاربه وعدم إثارة الفتنة بينهم وبين قبيلته التي أسلمت لاحقاً. وهذا أبو عامر الأشعري ﵁ يعفو ويكف عن قتال رجل عندما قال أبو عامر: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد، فكفَّ أبو عامر عن قتاله، فأفلت الرجل وكان أبو عامر قد قتل قبله تسعة من إخوته، ثم أسلم الرجل فحسن إسلامه، فكان الرسول ﷺ إذا رآه قال: هذا شريد أبي عامر.
فهذه الوسيلة الأخلاقية كان لها في دعوة الصحابة ﵃ دور كبير أدَّى إلى نشر الإسلام وبيان تعاليمه وأنه دين تسامح ورحمة.
стр. 279
خصائص العفو في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - بيان أن قلوبهم نقية من الانتقام والتشفِّي.
٢ - إظهار رسالة الإسلام أنها رسالة عفو وتسامح.
٣ - كسب قلوب المشركين واستمالتهم للإسلام.
٤ - إعطاء المشركين الفرصة للدخول في الإسلام.
٥ - طلب ما عند الله مقابل العفو في الدنيا.
القسم الخامس: الوسائل العملية (بالفعل):
هي كل وسيلة تقوم على عمل يوصل دعوة الصحابة إلى المشركين ويبلغ رسالة الإسلام ودعوة التوحيد، وهو فعل، والصحابي هو الفاعل، والفعل: "هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره بسبب التأثير أولاً" (١)، "وهو التأثر من جهة مؤثر، وهو عام لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد" (٢).
فكان من وسائل دعوة الصحابة إجراءات عملية فعلية قام بها بعضهم بقصد الدعوة، فكانت حاملة لموضوع الدعوة وموصلة لرسالة الإسلام إلى المشركين ومؤدية إلى دخول بعض المشركين في الإسلام بسببها.
стр. 280
فالوسائل العملية لدى الصحابة أكثر ما كانت تخاطب الجانب العقلي لدى المدعوين لما فيها من إثارة للتفكير بالواقع، إضافة إلى الجانب الحسي من التنبيه للواقع وما هو حاصل بالفعل.
وقد استعملت الوسائل العملية في الغالب في أماكن كان للإسلام فيها شوكة وقوة ولم يكن ضعيفاً فيها، وذلك من بعد الهجرة إلى المدينة.
ومن هذه الوسائل العملية ما يأتي:
أولاً: البعوث والرسل:
كان الأنبياء ﵈ هم أول البعوث والرسل التي تدعو إلى الله ، فقد أرسلهم سبحانه إلى البشر لينذروا ويدعوا، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢)، وقد أرسل سليمان ﵇ الهدهد مبعوثاً إلى سبأ، وأرسل عيسى ﵇ الحواريين إلى ملوك الأرض مبعوثين (٣). وأرسل الرسول ﷺ الرسل والبعوث إلى الملوك والرؤساء والقبائل ليدعوهم إلى الإسلام، وكانت عادة الملوك والرؤساء إرسال الرسل والبعوث لتبليغ مرادهم وإيصال أخبارهم،
стр. 281
كما بعثت القبائل الوفود إلى رسول الله ﷺ ، وكل ذلك من أجل إيصال أمر أو أخذ علم، وأيضاً لما في المبعوثين من فوائد تختلف عن الرسائل المكتوبة؛ فالرسل يستطيعون أن يفاوضوا ويناقشوا ويتحسسوا، والفطِن منهم يستطيع أن يُقنع من أُرسل إليه، وأن يقربوا وجهات النظر، فهم رسائل ناطقة، ولديها إحساس واعٍ يقيِّم الوضع وينطق بما هو مناسب للمقام الذي فيه المبعوث.
لذلك كان لا يرسَل المبعوث إلا بعد أن تتوافر فيه مميزات المناقش الجيد والمحاور الفطن والعالم بما هو ذاهب إليه، فهو وسيلة موثوقة، وأداة فعالة ومتجاوبة لكل الظروف التي تطرأ، وتستطيع التفاعل والتعامل مع المتغيرات، فمن هنا استفاد الخلفاء والقادة من الصحابة من هذه الوسيلة العملية وقاموا باستخدامها في دعوة الناس والقادة والملوك إلى الإسلام.
فقد بعث سعد بن أبي وقاص ﵁ وفداً إلى يزدجرد يدعونه إلى الإسلام منهم النعمان بن مقرن والمغيرة بن زرارة الأسدي وعاصم بن عمرو (١)، وقد نقلوا له رسالة الإسلام وأوصلوا إليه بلاغ الدعوة، إلا أنه تكبر وأبى. ومن البعوث أيضاً ربعي بن عامر عندما ذهب إلى رستم قائد الفرس فذكر له عدل الإسلام وموعود الله. وكذلك بعث سعد بن أبي وقاص حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة لمناقشة الفرس وإبلاغهم الدعوة (٢).
стр. 282
خصائص البعوث والرسل في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - العناية باختيار الداعي.
٢ - عرض الإسلام بطريقة مباشرة على المدعو.
٣ - الإجابة على أسئلة المدعوين في حينها.
٤ - اتفاق جميع البعوث على الدعوة وذلك بدون تنسيق بينهم.
ثانياً: استثارة العقل للتفكير والتدبر:
منح الله الإنسان نعمة العقل ليميز بها الأمور ويزنها، وقد اختص بها الإنسان دون المخلوقات المحسوسة، فكان واجباً على الإنسان استخدام هذه النعمة والفضل في التفكر والتدبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢)، ففي الآيات حث للعقل على التفكير في الخلق لمعرفة الخالق سبحانه، وقد أرسل المعجزات مع أنبيائه ليستثير عقول المدعوين إلى التفكير، مثلما حصل مع موسى ﵇ عندما ألقى عصاه فأصبحت تلقف ما ألقى السحرة، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣)، فتحركت عقول
стр. 283
السحرة من الجمود وتحررت من قيود الشيطان فعلموا أنهم على خطأ وضلال فآمنوا. وللرسول ﷺ معجزات كثيرة كانشقاق القمر والإسراء والمعراج ووصف بيت المقدس لقريش، والقرآن نفسه معجزة لأنه ليس بكلام بشر، يقول الشيخ حافظ الحكمي: "الدليل على ذلك -على إعجاز القرآن- نزوله في أكثر من عشرين سنة متحدياً به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقاً وأعلاها بياناً قائلاً: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣)،
فلم يفعلوا ولم يجربوا ذلك مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون، ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤) " (٥).
ولأن كل إنسان يملك هذا العقل والتفكير إلا من أخذه الله منه كالمجنون، فإنه يستطيع تحريكه كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟!
стр. 284
وقد قام الصحابة ﵃ في دعوتهم بحثِّ العقل وتحريك الجمود واستثارة الفكر لدى المشركين لإيصال الدعوة الإسلامية إلى قلوبهم، فمن هذه المواقف ما قام به معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعهم شباب من الأنصار من طرح صنم عمرو بن الجموح في حفرة فيها عذرة الناس وربطه بكلب ميت، فما كان من ذلك إلا أن جعل عمرو بن الجموح يعمل على تحكيم عقله الذي كان غائباً عنه طوال حياته فيكتشف أنه لا ينفع نفسه فكيف ينفع غيره، فأسلم ﵁. وأيضاً تكسير عبدالله بن رواحة ﵁ لصنم أبي الدرداء مما جعله يفكر في نفسه ويحرك جمود عقله مما أوضح له خطأ معتقده، فكان سبباً في معرفة الله وإسلامه.
وأيضاً عندما أرسل الرسول ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى هدم سواع فكان عمرو بن العاص يقول: انتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: هدم سواع، فقال: مالك وله؟! فقلت: أمرني رسول الله ﷺ ، قال: لا تقدر، قلت: لِمَ؟ قال: يمتنع، قال عمرو: حتى الآن وأنت في الباطل؟! ويحك، هل يسمع أو يبصر؟ قال عمرو: فدنوت إليه فكسرته، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله (١).
فكان حث العقل لتحريك جمود الفكر في التفكُّر والتأمل وسيلة في دعوة المشركين وإيضاح محاسن الإسلام ونور الحقيقة وبيان مساوئ الكفر وظلمة الجهل.
стр. 285
خصائص التفكر والتدبر في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - أن تدبر العقل مرة واحدة كفيل بالتدبر دائماً.
٢ - عدم احتياج الداعي إلى مجهود كبير لإقناع المدعو.
٣ - معرفة الخطأ من خلال المدعو نفسه دون أي تأثير.
٤ - سرعة الاستجابة لدى المدعو.
٥ - وضوح الحق بمجرد حث العقل على التفكير.
ثالثاً: اغتنام المواقف والأحوال:
يعدُّ اغتنام المواقف والأحوال من الفرص التي يجب على كل داعٍ إلى الله أن يسعى إليها؛ لكي يكسب المدعوين ويعرض عليهم الإسلام، وبهذا يكون اغتنم هذه الفرصة لإيصال الدعوة، فهو إذاً وسيلة من الوسائل العملية التي يقوم بها الداعي من أجل الوصول إلى هدفه، وهو دخول الناس إلى الإسلام. ولأن المواقف والأحوال قد تكون مؤقتة ومحدودة بزمن أو مكان فإن اغتنامها قبل فوات الأوان مهم لا ينبغي للداعية أن يفرط فيه. ومن الأمثلة على اغتنام الفرص ما قام به نبي الله يوسف ﵇ من دعوة أصحابه في السجن عندما سألوه عن الرؤيا فاغتنم ذلك ودعاهم إلى الله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، فاغتنم ﵇ فرصة