كما بعثت القبائل الوفود إلى رسول الله ﷺ ، وكل ذلك من أجل إيصال أمر أو أخذ علم، وأيضاً لما في المبعوثين من فوائد تختلف عن الرسائل المكتوبة؛ فالرسل يستطيعون أن يفاوضوا ويناقشوا ويتحسسوا، والفطِن منهم يستطيع أن يُقنع من أُرسل إليه، وأن يقربوا وجهات النظر، فهم رسائل ناطقة، ولديها إحساس واعٍ يقيِّم الوضع وينطق بما هو مناسب للمقام الذي فيه المبعوث.
لذلك كان لا يرسَل المبعوث إلا بعد أن تتوافر فيه مميزات المناقش الجيد والمحاور الفطن والعالم بما هو ذاهب إليه، فهو وسيلة موثوقة، وأداة فعالة ومتجاوبة لكل الظروف التي تطرأ، وتستطيع التفاعل والتعامل مع المتغيرات، فمن هنا استفاد الخلفاء والقادة من الصحابة من هذه الوسيلة العملية وقاموا باستخدامها في دعوة الناس والقادة والملوك إلى الإسلام.
فقد بعث سعد بن أبي وقاص ﵁ وفداً إلى يزدجرد يدعونه إلى الإسلام منهم النعمان بن مقرن والمغيرة بن زرارة الأسدي وعاصم بن عمرو (١)، وقد نقلوا له رسالة الإسلام وأوصلوا إليه بلاغ الدعوة، إلا أنه تكبر وأبى. ومن البعوث أيضاً ربعي بن عامر عندما ذهب إلى رستم قائد الفرس فذكر له عدل الإسلام وموعود الله. وكذلك بعث سعد بن أبي وقاص حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة لمناقشة الفرس وإبلاغهم الدعوة (٢).
стр. 282
خصائص البعوث والرسل في دعوة الصحابة ﵃ -:
١ - العناية باختيار الداعي.
٢ - عرض الإسلام بطريقة مباشرة على المدعو.
٣ - الإجابة على أسئلة المدعوين في حينها.
٤ - اتفاق جميع البعوث على الدعوة وذلك بدون تنسيق بينهم.
ثانياً: استثارة العقل للتفكير والتدبر:
منح الله الإنسان نعمة العقل ليميز بها الأمور ويزنها، وقد اختص بها الإنسان دون المخلوقات المحسوسة، فكان واجباً على الإنسان استخدام هذه النعمة والفضل في التفكر والتدبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢)، ففي الآيات حث للعقل على التفكير في الخلق لمعرفة الخالق سبحانه، وقد أرسل المعجزات مع أنبيائه ليستثير عقول المدعوين إلى التفكير، مثلما حصل مع موسى ﵇ عندما ألقى عصاه فأصبحت تلقف ما ألقى السحرة، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣)، فتحركت عقول
стр. 283
السحرة من الجمود وتحررت من قيود الشيطان فعلموا أنهم على خطأ وضلال فآمنوا. وللرسول ﷺ معجزات كثيرة كانشقاق القمر والإسراء والمعراج ووصف بيت المقدس لقريش، والقرآن نفسه معجزة لأنه ليس بكلام بشر، يقول الشيخ حافظ الحكمي: "الدليل على ذلك -على إعجاز القرآن- نزوله في أكثر من عشرين سنة متحدياً به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقاً وأعلاها بياناً قائلاً: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣)،
فلم يفعلوا ولم يجربوا ذلك مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون، ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤) " (٥).
ولأن كل إنسان يملك هذا العقل والتفكير إلا من أخذه الله منه كالمجنون، فإنه يستطيع تحريكه كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟!
стр. 284
وقد قام الصحابة ﵃ في دعوتهم بحثِّ العقل وتحريك الجمود واستثارة الفكر لدى المشركين لإيصال الدعوة الإسلامية إلى قلوبهم، فمن هذه المواقف ما قام به معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعهم شباب من الأنصار من طرح صنم عمرو بن الجموح في حفرة فيها عذرة الناس وربطه بكلب ميت، فما كان من ذلك إلا أن جعل عمرو بن الجموح يعمل على تحكيم عقله الذي كان غائباً عنه طوال حياته فيكتشف أنه لا ينفع نفسه فكيف ينفع غيره، فأسلم ﵁. وأيضاً تكسير عبدالله بن رواحة ﵁ لصنم أبي الدرداء مما جعله يفكر في نفسه ويحرك جمود عقله مما أوضح له خطأ معتقده، فكان سبباً في معرفة الله وإسلامه.
وأيضاً عندما أرسل الرسول ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى هدم سواع فكان عمرو بن العاص يقول: انتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: هدم سواع، فقال: مالك وله؟! فقلت: أمرني رسول الله ﷺ ، قال: لا تقدر، قلت: لِمَ؟ قال: يمتنع، قال عمرو: حتى الآن وأنت في الباطل؟! ويحك، هل يسمع أو يبصر؟ قال عمرو: فدنوت إليه فكسرته، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله (١).
فكان حث العقل لتحريك جمود الفكر في التفكُّر والتأمل وسيلة في دعوة المشركين وإيضاح محاسن الإسلام ونور الحقيقة وبيان مساوئ الكفر وظلمة الجهل.
стр. 285
خصائص التفكر والتدبر في دعوة الصحابة ﵃ للمشركين:
١ - أن تدبر العقل مرة واحدة كفيل بالتدبر دائماً.
٢ - عدم احتياج الداعي إلى مجهود كبير لإقناع المدعو.
٣ - معرفة الخطأ من خلال المدعو نفسه دون أي تأثير.
٤ - سرعة الاستجابة لدى المدعو.
٥ - وضوح الحق بمجرد حث العقل على التفكير.
ثالثاً: اغتنام المواقف والأحوال:
يعدُّ اغتنام المواقف والأحوال من الفرص التي يجب على كل داعٍ إلى الله أن يسعى إليها؛ لكي يكسب المدعوين ويعرض عليهم الإسلام، وبهذا يكون اغتنم هذه الفرصة لإيصال الدعوة، فهو إذاً وسيلة من الوسائل العملية التي يقوم بها الداعي من أجل الوصول إلى هدفه، وهو دخول الناس إلى الإسلام. ولأن المواقف والأحوال قد تكون مؤقتة ومحدودة بزمن أو مكان فإن اغتنامها قبل فوات الأوان مهم لا ينبغي للداعية أن يفرط فيه. ومن الأمثلة على اغتنام الفرص ما قام به نبي الله يوسف ﵇ من دعوة أصحابه في السجن عندما سألوه عن الرؤيا فاغتنم ذلك ودعاهم إلى الله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، فاغتنم ﵇ فرصة
стр. 286
وجودهم في السجن وحالتهم بتذكيرهم بالله ودعوتهم إلى التوحيد. كما كان الرسول ﷺ قد استثمر كل موقف ودعا إلى الله فيه، فكان إذا جاء أحد إلى مكة من غير أهلها يدعوه، وعند وفود الناس للحج كان يغتنم وجودهم فيعرض نفسه عليهم ويدعوهم، ولم يتوقف على هذه الحالة بل ذهب إلى اجتماعات العرب في المواسم كاجتماعهم في ذي المجاز وعكاظ ففيها من الفرص ما لا يوجد في غيرها.
ولأن كثيراً من المواقف والأحوال تجعل من الأشخاص أكثر عقلانية وتحكيماً للحق فإن هذه الفرصة تؤتي نتائجها مثلما حصل مع العباس بن عبدالمطلب ﵁ وأبي سفيان، عندما نزل الرسول ﷺ بمر الظهران في فتح مكة، وذهب العباس ﵁ على بغلة رسول الله ﷺ يلتمس أحداً يأتي مكة فيخبرهم بمكان الرسول ﷺ فيخرجون إليه ويستأمنونه قبل أن يدخلها عنوة، فوجد أبا سفيان فقال له: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، وأصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، إلى أن قال له: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك، فأسلم أبو سفيان (١)، فهنا كان موقف أبي سفيان وقريش عامة من الخوف والضعف سبباً في أن يطيع أبو سفيان العباس ﵄ فيما قال له دون تردد؛ لأنها مرحلة عقل وحكمة.
وفي وقت مراجعة النفس فرصة الداعي لعرض الدعوة وترغيب المدعو كما عمل
стр. 287
خباب بن الأرت مع عمر بن الخطاب ﵄ عندما قرأ الصحيفة التي فيها سورة طه، وقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه؛ فكانت فرصة لخباب أن يدعو عمر ويرغبه بالإسلام؛ لأنه أحسَّ أن عمر بن الخطاب قد راجع نفسه في ذلك الموقف، فخرج إلى عمر وقد كان مختبئاً فقال له: والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصَّك بدعوة نبيه ﷺ ؛ فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللهم أعزَّ الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب"، فالله الله يا عمر، فقال عمر عند ذلك: فدُلَّني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم (١). ولأن المواقف والأحوال يحصل فيها تغيير في نفوس البشر من إعادة تفكير وتدبر كما أن فيها من التحرر من أفكار قديمة أو اعتقادات متأصلة في النفس، ولأن هذه الحالات تكون مؤقتة، فإن اغتنامها قبل فواتها وسيلة عملية لإيصال الدعوة وتبليغها، ومن هذه الأمثلة في سيرة الصحابة الكثير من المواقف.
خصائص اغتنام المواقف والأحوال:
١ - تمييز الداعي للمواقف المناسبة.
٢ - المواقف التي يمر بها المدعو والأحوال التي تؤثر فيه تكون حافزاً للداعي.
٣ - تعرض المدعو لمواقف معينة يجعله سهل الدعوة.
٤ - حرص الداعي على عدم تفويت الفرص.
٥ - معرفة الكيفية المناسبة للدعوة من خلال معرفة أحوال المدعو.
стр. 288
المطلب الثاني: العوامل المتوافرة في وسائل دعوة الصحابة ﵃ -
لما كانت وسائل دعوة الصحابة ﵃ هي الوعاء الحامل لدعوتهم لإيصالها للمدعوين من المشركين فإنه كان من الضروري وجود عوامل تقوم عليها هذه الوسائل وتتوافر فيها، وذلك لتحقيق النجاح في الدعوة والتعامل مع المدعوين وقبول هذه الرسالة منهم ﵃.
وقد تعددت هذه العوامل، إلا أنه في تتبع سيرة الصحابة ﵃ من خلال نماذج من دعوتهم نستطيع أن نحصرها في مجموعة من العوامل التي وإن لم تكن شاملة لجميع العوامل إلا أنها هي الغالب، والتي قد تكون هي الأساسية في وسائل دعوتهم ﵃، وهذه العوامل هي:
أ) الإباحة.
ب) الملاءمة.
جـ) المعقولية.
د) الإمكانية.
وسيتم الحديث عن كل عامل على حدة، وتبيين مدى تأثيره في الوسائل التي قام بها الصحابة.
стр. 289
أولاً: الإباحة:
لما كانت الدعوة إلى الله هي دعوة الحق، فإنها لا تقبل إلا حقاً، ولأن الإسلام لا يفصل في الحكم بين الوسيلة والغاية فإن للوسائل حكم الغايات، يقول ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات إباحتها والأذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها. فوسيلة المقصود تابعة للمقصود" (١). وقد حرص الصحابة ﵃ في دعوتهم على استخدام الوسائل المباحة لنشر الإسلام والابتعاد عن الوسائل المحرمة، وحيث إن الأصل في الأشياء الإباحة إلا أنه هناك وسائل وردت أدلة على تحريمها والنهي عنها، كالخداع والكذب والخيانة والنفاق وغيرها، وهذه الوسائل قد ابتعد عنها الصحابة ولم يستخدموها، بل العكس استخدموا وسائل وردت أدلة باستخدامها كالجهاد والقول والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشعر والإيثار وغيرها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤) ... وغيرها من الأدلة.
стр. 290
ولأن المقصد من استخدام هذه الوسائل هو تبليغ الإسلام فإنه لابد من استخدام وسائل مباحة حتى توافق هذا المقصد، وقد اقتدى الصحابة بالرسول ﷺ في توظيف الوسائل المباحة والمتاحة في وقته، وكان إسهامهم في ذلك بيِّناً وجلياً واضحاً، فكانوا حريصين كل الحرص على ما يرضي الله وعدم اتباع خطوات الشيطان، ولو كان ذلك فيه نفع للدعوة في الظاهر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١).
ثانياً: الملاءمة:
الملاءمة: الموافقة، "وإذا اتفق الشيئان فقد التأما" (٢). فتوافق الوسائل وانسجامها مع أركان الدعوة يؤدي إلى نجاح الدعوة، وفيه فوائد كثيرة، منها:
١ - سهولة استخدام الداعي لها.
٢ - تقبل المدعو لها.
٣ - تبسيط عرض الدعوة.
وقد كان الصحابة ﵃ يقومون باستخدام الوسيلة الملائمة؛ وذلك بتمييز كل مقام وما يناسبه من وسيلة، وهو ما كان سبباً في تعدد وسائل الصحابة في الدعوة وتنوعها بحسب الحال والمقام، وأيضاً إمكانيات الداعي ووضع المدعو،
стр. 291
جميعها كان لها تأثير في ملاءمة الوسيلة واختلافها من موقف إلى آخر، فما يصلح لموقف معين قد لا يصلح في موقف آخر، وهنا يتبين مدى تمييز الصحابة في اختيار الملائم من غيره، وقد قالت العرب: لكل مقام مقال (١).
ولأن المدعوين ينقادون في تفكيرهم ومكانتهم وقدرتهم فإن الصحابة قد راعوا ملاءمة الوسيلة في ذلك للحصول على النجاح المرجو، فقبول الوسيلة من المدعو يعد قبولاً للدعوة من الداعي واستماعاً إليها وإن لم يدخل الإسلام.
ثالثاً: المعقولية:
عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٢).
لقد راعى الصحابة ﵃ مخاطبة الناس ودعوتهم بما يدركونه ويعقلونه، ولم يخرجوا عن دائرة المعقول لدائرة اللامعقول؛ لأن في ذلك نوعاً من الصد عن الاستماع للحق، وقد قال علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله" (٣)، ولأن الكلام بشيء لا تقبله عقول المدعوين قد يتسبب بتكذيب الله ورسوله، كما قال علي بن أبي طالب ﵁، فإن الصحابة وأولهم
стр. 292
علي ﵁ حرصوا على ذلك وفطنوا له، فكانت دعوتهم لا تخرج عن إمكانية تصور عقول المجتمع في ذلك الوقت، ولم يحاولوا إدخال أحاديث الخرافة في الدعوة، وذلك من ميزات هذا الدين الذي يتميز به عن غيره من الأديان التي تعتمد على الخرافات التي هي فوق طاقة العقل، ومِن تميُّز هذا الدين بذلك تَميَّز أتباعه، ومن أفضل اتباعاً لهذا الدين بعد الرسل غير الصحابة ﵃؟ فهم أحق بأن يكونوا قدوة في طريقة دعوتهم باقتدائهم بالحق من طرح موضوعات الدعوة بوسائل لها القبول العقلي لدى المدعوين، وخصوصاً أن الله خاطب المشركين في أكثر من موضع باستخدام "العقل" كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
رابعاً: الإمكانية:
إن إمكانية استخدام الوسيلة من أهم العوامل التي راعى فيها الصحابة ﵃ دعوتهم، فإمكانية توفر وسيلة دون غيرها يساعد على استغلال الوقت، ويساعد على قدر من النجاح في الدعوة؛ لأن بعض الوسائل لا يتمكن الداعي من استخدامها، فمحاولته في ذلك فيه تفويت لفرص لا تتكرر، وضياع الوقت مع تقليل فرص النجاح والوصول للهدف، فكانت إمكانية استخدام الوسيلة وتطبيقها من قِبل الداعي من المطالب المهمة لدى الصحابة، وذلك أن الإمكانات قد تكون
стр. 293
مادية كالرسائل والبعوث، أو معنوية كما هو في الوسائل الأخلاقية، أو عملية كما هو في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الإمكانات، وهذه الإمكانات قد يتوافر بعضها لصحابي دون الآخر، وفي وقت دون وقت، وقد يناسب استخدامها في أمر دون الأمر الآخر، فمن هنا كان للصحابة دور في الاختيار والتمييز بين الإمكانيات وتقدير إمكانية تطبيقها من عدمه استناداً على المواقف وقدرة الصحابي نفسه، وليس بأمثل من دعوة الرسول ﷺ ، فلما كان في مكة ولم تكن له دولة وشوكة كان يدعو بقدر إمكانياته ﷺ وإن كان الله سبحانه قادراً على تمكينه من كل أمر، وعندما هاجر إلى المدينة تغيرت الإمكانات فكان ﷺ يدعو بما أعطاه الله له من إمكانات.
стр. 294
المبحث الثاني
منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالأساليب
تمهيد:
عند البحث في أساليب الصحابة في الدعوة نجد أن أساليبهم تعددت واختلفت باختلاف الظروف والأحوال، سواء من المدعو نفسه أو من الداعي أو حتى من الجو العام المحيط بأركان الدعوة (المدعو، الداعي، الدعوة)، إلا أن أساليبهم لم تتعدَّ ثلاثة محاور تدور في فلكها وهي: (العقلي، الحسي التجريبي، العاطفي)، بل إن هناك بعض الدعاة قد استخدم أكثر من محور في دعوة شخص واحد، وذلك ما سوف يتضح من خلال طرح هذه الأساليب ضمن المحاور الثلاثة السابقة، وسوف نسميها بمحاور أسلوب الدعوة، وذلك لأنه ينطبق عليها تعريف الأسلوب بأنه "طريقة للتأثير"، فتصبح ثلاثة محاور تدور حولها أساليب الدعوة، وهذه المحاور هي:
١ - المحور العقلي.
٢ - المحور الحسي التجريبي.
٣ - المحور العاطفي.
стр. 295
وبناءً على هذه المحاور سيُبحَث كل أسلوب مع ما يناسبه من هذه المحاور؛ لأنه قد يتوافر في الأسلوب الواحد أكثر من جانب من هذه المحاور يستخدمه الداعي للتأثير على المدعو.
ولأن بعض الباحثين ناقشوا هذه الجوانب على أنها "مناهج الدعوة" وذلك خلال كتابتهم عن منهج الدعوة، إلا أنها هنا عُدَّت أساليب وليست مناهج وذلك لعدة أسباب منها:
أ) أن منهج الدعوة واحد ولا يمكن أن يكون متعدداً، وقد ذكر الله ذلك في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١)، والشرعة والمنهاج هما بالإفراد وليس بالجمع، أي لا يمكن تعددهما من منظور الإسلام، ومنهج الدعوة هو الإسلام.
ب) أن المناهج (العقلي، الحسي، العاطفي) هي مناهج تنطبق على بعض العلوم المدنية التطبيقية إلا أنها لا تنطبق على العلوم الشرعية؛ لأن مصدرها الكتاب والسنة، ومنهجها ثابت.
جـ) أن المناهج (العقلي والحسي والعاطفي) تعتمد على صفات بشرية وقدرات إنسانية تتباين من شخص لآخر، ومنهج الدعوة هو منهج إلهي محكوم بضوابط شرعية لا تخضع للمنهج العقلي كالفلاسفة، ولا للمنهج الحسي كالدهريين، ولا للعاطفة التي تسيطر عليها الرغبات وتختلف بين البشر.
стр. 296
د) أن ما كتب عن هذه المناهج هي أساليب يقوم بها الدعاة أنفسهم وتختص بهم وبالمدعوين، وتدخل ضمن منهج الدعوة، وهي جزء من العملية الدعوية التي تدور داخل إطار منهج الدعوة.
هـ) أنه من مفهوم منهج الدعوة ومفهوم أسلوب الدعوة نجد أن تعريف الأسلوب ينطبق على تعريف هذه المناهج، وأنه مشمول ضمن تعريف منهج الدعوة. فالمنهج أشمل من أن يحصر في العقل أو العاطفة أو الحس والتجربة.
و) كثير ممن عرف "المنهج" أطلق عليه كلمة "أسلوب"، وقد يكون هذا سبباً في الخلط؛ لأن هذه التعريفات كانت مصادرها علوماً أخرى غير شرعية، فكان اللبس هو تسمية الأسلوب بالمنهج؛ مما حرف معنى هذا المصطلح إلى غير معناه.
عوداً على بدء، فإن البحث في الأساليب هنا سوف يتطرق إلى أساليب الصحابة التي استخدموها في دعوتهم، وما الجوانب التي اشتملت عليها هذه الأساليب بشكل عام ومدى علاقتها بالناحية العقلية والحسية والعاطفية، وماذا توافر فيها من هذه المحاور.
стр. 297
محاور الأساليب الدعوية ومفهومها:
المحور الأول: الأساليب العقلية:
١ - مفهوم الأساليب العقلية:
الأساليب العقلية في الدعوة هي ما يستعين بالدلالات العقلية لإثارة العقل ليتأكد من صحة الدعوة الإسلامية، "وقد أعدّ الله العقول بصفة عامة لإدراك ما هو مطلوب شرعاً، وأعد لها ما يسددها فيه من الفطرة التي لم تفسدها الأهواء، والآيات الظاهرة في الأنفس والآفاق، ثم أكمل بالشرع المتمثل بالكتاب وناطق السنة" (١).
وحيث إن المصدر الرئيس للدعوة هو القرآن والسنة النبوية، فقد خاطبا العقل بدون تناقض معه؛ لأن من أنزل القرآن وأوحى إلى الرسول ﷺ هو خالق العقل ، وقد قال شيخ الإسلام إنه: "كلما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضاً لصريح العقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح" (٢).
وقد أظهر الله سبحانه كثيراً من الحجج العقلية للمشركين ليبين لهم خطأ معتقدهم، فمنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ
стр. 298
كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "إن هذا دليل عقلي قاطع على أن كل مَنْ سِوى الله فعبادته باطلة" (٢).
وقد كان للأسلوب العقلي تأثير قوي مع المشركين، يقول الدكتور محمد النبهان: "إن ظاهرة الوحي لدى المشركين لم تكن مرفوضة، بل كانوا يراقبون هذه الظاهرة بدقة وبمعيار عقلي واضح رغم محاربتهم لما جاء به الوحي" (٣).
ولأنه لا يستطيع أحد أن ينكر الحجج العقلية حتى وإن كانت غير موافقة لهواه، فإن تأثيرها يبقى في قلب وعقل من أنكرها استكباراً، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٤).
وقد استخدم الرسول ﷺ أسلوب الإقناع العقلي في كثير من المواقف، ومنها حديث الشاب الذي أتى إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه، فقال له ﷺ : (ادنُ (، فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟ (قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم (، قال: (أتحبه لابنتك؟ (قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم (، قال: (أفتحبه لأختك؟ (قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم (، قال: (أفتحبه لعمتك؟ (قال: لا والله، وجعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لعماتهم (، قال: (أفتحبه لخالتك؟ (قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه
стр. 299
لخالاتهم (، قال: فوضع يده عليه وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه (، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١).
فكان إقناع الرسول ﷺ لهذا الشاب بواسطة الأسلوب العقلي متمثلاً في استخدام هذا الأسلوب ومدى تأثيره على عقول الناس وسرعة الاستجابة، فهذا الشاب كان مسلماً من الصحابة إلا أنه لم يقتنع بتحريم الزنى حتى أقنعه الرسول ﷺ بالأسلوب العقلي، وتبيان بعض الحكمة من هذا التحريم، كما أن في تبسيط الأسلوب إلى الحد الذي يمكن أن تستوعبه عقلية المدعو ضماناً لوصول المعلومة وسرعة الاستجابة والاقتناع بها.
٢ - أبرز استخدامات الأساليب العقلية:
أ) المقايسات العقلية:
هو أن يجعل الداعي من عقل المدعو حكماً على تصرفات نفسه، وذلك بإثارة العقل للتفكير وحثه على التفكر في حال نفسه، وما يقوم به من عبادة أو تصرفات، وذلك في الأمور الغائبة عن العقل، حتى يستحضرها ويجعلها أدلة
стр. 300
على الحق، من خلال تدبره لما حوله وما وقع منه، وبالاستنتاجات العقلية والمنطقية من منطلق الفطرة التي فطر الله بها خلقه، وهي عبادة الله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه" (١).
"والدلائل التي تحرك هذه الفطرة وتشير إلى وجود الله تعالى أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل شيء على وجه الأرض، بل ومن كل شيء في السماء، أضف إلى ذلك النظام البديع والدقة المتناهية في صنع هذه المخلوقات، والترتيب في سيرها وحركتها، فيدرك الإنسان بعقله وبصيرته أن هذا النظام وذلك الإبداع لا يمكن أن يحدث من غير مُحدث أو يوجد من غير مُوجِد؛ لأن تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق والترتيب المحكم من تلقاء نفسها" (٢).
قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ومن المعلوم أن كل كائن من الكائنات الحية له فطرة فطره الله عليها إلا أن الله ميز الإنسان بالعقل عن سائر الكائنات.
стр. 301
وقد تبنى القرآن الكريم الأسلوب العقلي في مخاطبة المشركين وإفحامهم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٢)، كما أن دعوة الرسل ﵈ تضمنت أسلوب المحاكاة العقلية في الدعوة، ومن ذلك قصة إبراهيم ﵇ مع النمرود بن كنعان والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٣).
وقد استخدم الرسول ﷺ أسلوب التحكيم العقلي في عدة مناسبات، كالشاب الذي أراد الزنى، وأيضاً فيما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" (٤)؛
стр. 302
فخاطب الرسول هذا الرجل بأسلوب يحكم فيه عقله بما يمكن أن يستوعبه، وهو أنه يملك إبلاً، فكان أقرب إلى فهمه، فقرره بأسلوب عقلي بسيط. وقد كان لأسلوب المحاكمات العقلية أثر واضح في دعوة الصحابة ﵃، فعندما حضر سعد بن معاذ إلى مصعب بن عمير متشتماً دعاه مصعب إلى الاستماع إليه، ثم قرأ عليه أول سورة الزخرف (١)، فُعرف في وجهه الإسلام عند استماعه إلى هذه السورة، وبداية هذه السورة مخاطبة للعقل في قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
ففي هذه الآيات دعوة إلى العقل وأصحابه، وذلك في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فأثارت عقل سعد بن معاذ حتى أسلم في الحال ﵁. وكما في دعوة فاطمة بنت الخطاب لأخيها عمر بن الخطاب ﵄، بإعطائه الصحيفة وفيها سورة طه حتى قرأ فيها ما جعله الله سبباً ليحرك عقله ويستثيره ليحكم على الحق ويتبع طريق الرشاد (٣)، ففي سورة طه قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤). ففي هذه
стр. 303
الآيات ما يدعو إلى الفكر والتدبر والتأثير بواسطة الأسلوب العقلي لكل من لديه عقل، وذلك ما كان مع عمر بن الخطاب ﵁.
ومثل هذه الأمثلة في دعوة الصحابة الكثير من استخدام أسلوب المحاكمات العقلية.
ب) ضرب الأمثال:
"ضرب الأمثال هو تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، وأحد المحسوسين بالآخر، واعتبار أحدهما بالآخر" (١)، يقول الدكتور سعيد بن علي ثابت: "إن أسلوب ضرب الأمثال هو تقريبٌ لما يجب أن تنفعل به النفوس من المعاني، وتجسيد للمعاني والأفكار في شكل محسوس حتى يزداد المتلقي أنساً بها" (٢). ففي ضرب الأمثال توصيل بين العقل واللامحسوس بربطه بأمور يستوعبها العقل، وتشبه ما ضرب به المثل في أحد جوانبه أو جميعها. فمتى ما كان المثل قريباً للأفهام ومعروضاً في قالب حسن يبرز فيه المعنى بصورة يستوعبها العقل كان له الوقع في النفس والتأثير القوي، فالأمثال لها أهمية كبرى في الدعوة وتأثير على المدعوين، "فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهوراً ووضوحاً؛ فالأمثال شواهد المعنى المراد ومزكية له، فهي ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
стр. 304
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (١) وهي خاصة العقل ولبه وثمرته" (٢)، وقد ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز للتذكر والتفكر والعظة، قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
ومن الأمثال في القرآن ما يأتي:
- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ (٥).
- قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (٦).
- قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧).
стр. 305
- قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١).
واستخدم الرسول ﷺ الأمثال في الدعوة والتبليغ، وكان ذلك في أول دعوته ﷺ ، فعن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمر قالا: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢)، قال: انطلق النبي ﷺ إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها حجراً ثم نادى: "يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه" (٣)، فكان المثل في أول إنذار منه ﷺ لعشيرته، فمثل نفسه بمن ينذر قومه من العدو، وسنورد من الأمثال في السنة النبوية بعضها لأنه لا يتسع المبحث لجميعها ومنها:
- قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ((٤).
- قوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ((٥).
- قوله ﷺ : (مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير ((٦).
стр. 306
- قوله ﷺ : (مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ((١).
هذا وهناك كثير من الأمثلة في القرآن والسنة تدل على ضرب الأمثال للمدعو لتقريب الدعوة إلى الأذهان وتبسيطها على الأفهام.
وقد لجأ الصحابة ﵃ إلى هذا الأسلوب ليقيسوا ما هو مجهول لدى المدعو بما هو معلوم محسوس فيسهل التصور فيكون أدعى لقبول ما يعرضونه على المدعو؛ وذلك لتقبُّل النفس له واقتناع العقل به.
ومن المواقف التي استخدم الصحابة فيها ضرب الأمثال دعوة ربعي بن عامر ﵁ لرستم عندما قال له: (إنَّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها (فضرب له مثل الدنيا الضيقة والدنيا الواسعة بالكفر والإيمان.
وفي دعوة الصحابة لعبدالله بن حرام عندما قالوا له: (إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غداً حطباً (، فشبهوا المشركين بالحطب الذي توقد منه النار ليسهل تصور الوضع يوم القيامة. وأيضاً عندما قام ابن مسعود ﵁ يتلو سورة الرحمن على مسامع قريش عند المقام تحت الكعبة، ففيها قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٢)، فذكرهم وضرب لهم المثل بذكر الآيات، "وهو
стр. 307
أن الإنسان كالطين اليابس والجن من اللهب الذي يكون في طرف النار إذا ألهبت، وهو اللهب الأصفر والأخضر" (١).
يقول الدكتور سعيد القحطاني: "إن ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وهذا من أعظم ما يُرَدُّ به على الوثنيين في إبطال عقيدتهم وتسويتهم المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم" (٢).
جـ) القصص والعبرة:
منذ أن وجد الإنسان والقصص موجودة وملازمة له ومرتبطة بحياته، فكان هو من يضعها، وهو من يحدث بها، وهو من يستمع إليها، وذلك استثارة بوقائعها وتجديداً لأحداثها (٣)، وكان للقصة عند العرب أهمية، فقد سجلوها وحفظوها وتناقلوها واعتبروا بها؛ لأنها كانت تحمل تاريخهم وأمجادهم فتثيرهم وتؤثر فيهم وتشد انتباههم ليعيشوا معها، وقد عرفت القصص على أنها: "القدرة على مخاطبة الناس وتذكيرهم بالاعتماد على الأحاديث والسير الماضية" (٤)، "والعبرة هي ما يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد" (٥)، "وهي
стр. 308
مما يتعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره" (١).
والقصة لون من ألوان الأدب قديماً عند الشعوب والأمم المختلفة، وقد وضعت الملاحم لتروي قصص وحكايات الشعوب.
وقد كان أفضل وأصدق القصص ما جاء به القرآن الكريم، والقصة في القرآن الكريم متميزة عن سائر أنواع القصص بأنها منزهة عن أي نقص في شكلها ومضمونها، ومنزهة عن الخيالات والأوهام والأساطير والأباطيل، وهي عفيفة الأسلوب، طاهرة اللفظ والمعنى، حيية السياق والعرض، بارعة التركيب، سامية القصد، حسنة الهدف، وهي تضم إلى جانب الإيضاح والتعليم والنصح جوانب الإقناع الذهني والنفسي والعلمي والأدبي، وتضم إلى جانب عرض الحقائق الدينية الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية (٢). وقد ذكر في القرآن الكريم الكثير من القصص، منها قصص الأنبياء ومنها غير ذلك، وقد أشار الله إلى أهمية القصص في الاعتبار والتفكر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣)، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤). وكان الرسول ﷺ يقص على الناس القصص
стр. 309
ليتعظوا، وقد أمره الله بذلك، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وقد اتبع الصحابة ﵃ الرسول في قص القصص على المدعوين من القصص القرآني الذي جاء من عند الله ، ومن ذلك الصحيفة التي أعطتها فاطمة بنت الخطاب لأخيها عمر بن الخطاب ﵄ وفيها سورة طه، حيث ورد فيها قصة موسى ﵇ عندما كان في الوادي المقدس، فعندما قرأها عمر بن الخطاب ﵁ أسلم. فمن أفضل أساليب الوعظ استعمال الأسلوب القصصي؛ لأن النفس البشرية مجبولة على محبة القصة، والميل إليها، وربطها بالواقع، وحفظها أكثر من غيرها من الأساليب، وبمجرد سردها تقبل الأسماع عليها، وتتأثر بمضامينها تأثراً عظيماً؛ فالنفوس مولعة بمتابعة القصة، وتهتز لها عند سماعها، وتقبل عليها (٢)، وذلك ما حصل مع عمر بن الخطاب ﵁. وأيضاً في قراءة مصعب بن عمير ﵁ بداية سورة يوسف على عمرو بن الجموح (٣)، وفيها قصة يوسف ﵇.
ومن التذكير بالقصص للعبرة دعوة النجاشي لعمرو بن العاص عندما قال له: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده؛ فذكره بقصة موسى ﵇ وفرعون. وأيضاً ما ذكره عمرو بن مرة الجهني ﵁ لقومه عن العرب فقال: (كانوا يجمعون بين الأختين، والتراث في الشهر الحرام، ويخلف الرجل على امرأة أبيه (.
стр. 310
وهكذا كان للصحابة اهتمام في استعمال القصة للتذكير بالله تعالى ومخاطبة العقول بتشويقها وتحميسها للاستماع للحق وتقريبها إلى الله وحثها على اتباع الإسلام.
المحور الثاني: الأساليب العاطفية:
١ - مفهوم الأساليب العاطفية:
العاطفة لا تتعدى (البر والشفقة والرقة والميل والحنان والمحبة والغضب والحزن والرحمة)، هذه الكلمات مجتمعة داخل النفس البشرية، وهي أيضاً "استعداد نفسي ينزع بصاحبه إلى الشعور بانفعالات وجدانية خاصة، والقيام بسلوك معين حيال شخص أو جماعة أو فكرة معينة" (١)، "وهي مصدر الانفعالات" (٢)، وفي علم الاجتماع تعرف العاطفة بأنها "حالة نفسية قائمة تشتمل على مركب من المشاعر والأحاسيس، وتتميز بأن مصدرها داخلي" (٣).
والأساليب العاطفية هي تلك الأساليب التي تستخدم لإثارة الحالة النفسية لدى الفرد لتحرك أحاسيسه ومشاعره تجاه موضوع معين، أو فكرة معينة، يترتب عليها القيام بسلوك معين.
стр. 311
"وبهذا تكون هذه الأساليب موجهة إلى الحس الداخلي للأشخاص، فهو منشط للسلوك وموجه للأحكام التي يتخذها الشخص تجاه الأشخاص والجماعات والأفكار والأشياء" (١).
ومن هذا نجد أن العاطفة لها دور كبير وفعال في تصرفات البشر، وقد ذكر الله عواطف البشر في مواضع عدة، فمنها العاطفة الأبوية لدى نبي الله نوح ﵇ عندما نادى ابنه ليركب معهم في السفينة، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
يقول الإمام الشوكاني: "قيل: حملته شفقة الأبوة على ذلك" (٣)، أي على دعائه ابنه، وهو يعلم أنه كافر، ويقول ابن عاشور: "إن استخدام كلمة "يا بني" وهي تصغير لكلمة "ابن" هو تصغير شفقة ورحمة" (٤)، والشفقة هي من العاطفة التي جعلت نوحاً ﵇ يخاف على ابنه من الغرق كافراً.
كذلك أم موسى ﵇ فقد وصف الله عاطفتها على ولدها فقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، "ففراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق" (٦)،
стр. 312
وهذا من العاطفة التي كادت أن تتسبب بالقيام بفعل وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، "أي كانت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد" (١).
وقد ظهرت عاطفة رسول الله ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظفراً لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: (يا ابن عوف إنها رحمة (، ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ : (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ((٢)، فعاطفة الرسول ﷺ برزت هنا لتدلل على أن الإسلام دين رحمة وعاطفة، وأنها مقبولة في مناسبتها ووقتها.
إن استخدام الأسلوب العاطفي في الدعوة هو من الأساليب المهمة للداعي لتأثيره في الناحية الذهنية للمدعو مما يستثير المدعو لإصدار الأحكام والقيام بسلوك معين، فمتى وظَّف الداعي هذا الجانب التوظيف الصحيح والأمثل بما يوافق الأخلاق الإسلامية كان لهذا الأسلوب تأثير أكبر وأقوى من الأسلوب العقلي.
стр. 313
وقد كان للأساليب العاطفية في دعوة الصحابة دور واضح أدَّى إلى إسلام الكثير من المشركين.
٢ - أبرز استخدامات الأساليب العاطفية:
أولاً: أسلوب الترغيب:
"الرغبة في الشيء هي الإرادة له" (١)، "ورغب يرغب رغبة، أي: حرص على الشيء وطمع فيه" (٢)، وبذلك يكون الترغيب هو "الحث على فعل الخير وتشويق المدعوين به واستجابة مقبولة بنفس راضية راغبة إليه" (٣).
وقد جبلت النفس البشرية على الرغبة في الحصول على ما تحب فتضعف عند ذلك مقاومتها؛ لوجود لذة تأتي بمجرد الحصول على الرغبات، وهو الدافع وراء كل رغبة.
ولما في الترغيب من تحريك للعواطف داخل الأشخاص فإن استخدامه كأسلوب في الدعوة له من الأهمية ما يدعو إلى عدم إهماله من قبل الدعاة، والترغيب يأتي حسب الأحوال والنفوس والمواقف التي تتعلق بالمدعوين.
والترغيب نوعان، فهناك ترغيب بما في الدنيا من خير، والآخر الترغيب بما في الآخرة من مغفرة وجنة، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الأنواع كما ذكرها
стр. 314
الرسول ﷺ في أحاديثه وسيرته، وسوف نتحدث عن كل نوع على حدة، وما أساليب الترغيب التي استخدمها الصحابة ﵃ في دعوتهم للمشركين.
أ) الترغيب بخير الدنيا:
النفس البشرية تواقة إلى الحصول على كل ما في الدنيا من خير، وهذا دافع لها لاتخاذ السبل الموصلة إلى هذه الخيرات، وقد قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢)، والله هو خالق البشر، وأعلم بهم، وبما تتوق له أنفسهم في هذه الدنيا؛ لذلك جعل لهم مقابل كثير من الأعمال مكافآت دنيوية كالوعد بالحياة الطيبة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٣)، كما رغبهم في شكر النعم بأن فيها زيادة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٤)، وزيادة الأموال والأبناء والخيرات مقابل الاستغفار، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ
стр. 315
أَنْهَارًا﴾ (١).
وأيضاً ما ورد في السيرة من أن مشركي قريش عندما طلبوا من أبي طالب عم الرسول ﷺ أن يكلم لهم ابن أخيه ليكف عنهم ويكفوا عنه، فأرسل إليه أبو طالب وهم حضور فتكلموا حتى فرغوا فقال لهم ﷺ : (إن أعطيتكم ما سألتم أمعطيَّ أنتم كلمة واحدة لكم فيها خير تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم (، فقال أبو جهل وهو مستهزئ: نعم لله أبوك كلمة نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال: قولوا: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ((٢)، فقد رغبهم الرسول ﷺ في الإسلام مقابل ملك العرب ورضوخ العجم لهم.
وصور ترغيب الصحابة للمشركين عدة منها ما يأتي:
(١) تأمين أبي ذر الغفاري ﵁ لحويطب بن عبدالعزى في فتح مكة، وذلك عندما هرب حويطب من أبي ذر لما رآه، فقال له أبو ذر: يا أبا محمد، لا خوف عليك، أنت آمن بأمان الله ، فكان ذلك سبباً في إسلام حويطب على يد أبي ذر ﵄، وهنا رغب أبو ذر الغفاري حويطباً بالأمان في الدنيا، وأنه لن يقتل ولن يتعرض له أحد لعلمه أن حويطباً محتاجٌ لذلك الأمان، وراغبٌ فيه، فكان ذلك أسلوبه في دعوة حويطب، كما رغبه أيضاً في موقف لاحق بقوله له: فاتك خير كثير وبقي خير كثير.
стр. 316
فالترغيب في الخير الباقي له معنى في نفس حويطب بأنه سوف يحصل عليه ما إن يسلم، وقد حصل له ذلك بعد غزوة حنين؛ فقد أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة بعير (١).
(٢) الوليد بن الوليد ﵁ يستخدم أسلوب الترغيب مع أخيه خالد بن الوليد، وذلك عندما أرسل إليه كتاباً يدعوه فيه، فذكر له فيه سؤال الرسول ﷺ عنه وقوله ﷺ : (لو كان جعل نكايته وجدَّه مع المسلمين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره"، فذكر الوليد لهذا القول وإرساله به إلى أخيه خالد بن الوليد فيه ترغيب دنيوي، وهو قوله ﷺ : "لقدمناه على غيره"، ولأن النفس البشرية تحب التقدير والتقديم وخصوصاً أمام الناس، فكان في ذلك ترغيب له بما سيكون عليه وضعه في الدنيا بين المسلمين وأنه لن يكون مهمشاً، وقد أسلم خالد ﵁ وكان كما قال ﷺ ؛ فقد أرسله في عدة سرايا وقدمه على كثير من المسلمين وسماه "سيف الله" (٢).
(٣) عندما أسلم عمرو بن مرة الجهني ﵁ استأذن الرسول ﷺ أن يبعثه إلى قومه ليدعوهم فأذن له الرسول ﷺ ، وعندما أتى قومه كان أول ما قال لهم هو ترغيبهم في الإسلام بما فيه من فضائل في الدنيا، فقد قال لهم فيما قال: (وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام (، وهاتان الخصلتان
стр. 317
يحبهما العرب، ويفضلونهما بسبب ما عانوه من الحروب وقطع الأرحام، فخاطبهم بها ورغبهم فيها لمعرفته بقومه وما يثير عواطفهم، خصوصاً وأنه هو ابن سادن لصنم كان يعبده قومه، ففي هذا أيضاً ترغيب ضمني لكون ابن السادن يترك دين أبيه الذي له مكانة ووجاهة اجتماعية، بالإضافة إلى القرابين التي تدخل إلى بيت مال ذلك الصنم، فيرفض كل ذلك ويتبع ديناً غير دينه، إلا أن فيه ما هو أفضل، وقد تبعه قومه ولم يتخلف عنهم إلا رجل واحد.
(٤) يرغب بجير بن زهير بن أبي سلمى أخاه كعباً في الإسلام عن طريق ترغيبه في الحياة والنجاة من القتل، وكان رسول الله ﷺ قد أهدر دم كعب بن زهير، فقال ﷺ : "من لقي كعباً فليقتله"، وذلك بسبب أبيات قالها في رسول الله ﷺ عندما أسلم أخوه بجير، فبعد إهدار دمه أرسل بجير رسالة إلى أخيه كعب يرغبه في الإسلام بواسطة ترغيبه في الحياة فيقول في رسالته: اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي فأسلم وأقبل. فإيضاحه أن الرسول يقبل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيه ترغيب لأخيه بالنجاة والسلامة من القتل، فكان له ذلك فأسلم وقال قصيدته المشهورة في رسول الله والتي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
стр. 318
(٥) وفي رسائل قادة الجيوش الإسلامية ومبعوثيهم إشارة إلى ترغيب المشركين في الفوز بالدنيا وعدم التعدي عليهم أو أذيتهم، وأنهم من المسلمين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، كما ورد في كتاب خالد بن الوليد ﵁ إلى مرازبة أهل فارس، ودعوة سلمان الفارسي ﵁ لأهل فارس في قوله: فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا. وفي هذا إيضاح أن الإسلام لم يأت ليقتل أو ليستبيح الدماء، إنما جاء لنشر العدل وهو ليس دين انتقام؛ كما كان يحدث في ذلك الوقت من أن الدولة التي تنتصر على دولة تبيدها، وتقتل كل من انتمى إليها، ومن يعش منهم يعش في ذل واحتقار، إلا أن دعوة الصحابة استخدمت أسلوب الترغيب بالحياة الكريمة وعدم التعدي على أحد في ظل الإسلام، وتحت رايته بعكس ما يتوقعون.
ب) الترغيب بخير الآخرة:
للدنيا حظ لدى البشر، ومحبة لها، وما فيها من خير، إلا أن الأساس هو الفوز بالآخرة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (١)، وقد جعل الله جوائز الآخرة هي الجوائز الباقية، فقد وعد الله سبحانه من آمن من بني آدم بخير كثير في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٢)،
стр. 319
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١)، وقد وعد الرسول ﷺ الخزرج بالجنة إذا هم وفوا بعهدهم معه.
وقد كانت أكثر دعوة الصحابة بالترغيب بالآخرة، وما عند الله فيها، وأن هذه الدنيا زائلة، وأن النعيم هو النعيم الدائم، ومن هذه النماذج الدعوية لأسلوب الترغيب بما في الآخرة من خير ما يأتي:
(١) في دعوة عمر بن مرة الجهني لقومه ترغيب في الجنة، ومما قال لهم: (يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة (، فكانت دعوته إلى الجنة هي البداية التي من خلالها استفتح خطابه لهم، فرغبهم بالجنة لكي يحرك عواطفهم قبل أن يدعوهم للإسلام، وكما ذكرنا سابقاً أنهم أسلموا جميعاً إلا رجلاً واحداً.
(٢) في النقاش الذي دار بين المغيرة بن شعبة ورستم قائد الفرس، أشار المغيرة ﵁ إلى أن الآخرة هي المطلب، والفوز بها هو الفوز، وذلك في قوله: "إنما همنا وطلبنا الآخرة، فأوضح لرستم مدى فضل الآخرة للمسلم، ومدى شوقه لها، مما جعل رستم يعجب به وبردوده، مما دعاه يذكر الإسلام لقادته ورؤساء قومه" (٢).
стр. 320
(٣) يعرض ربعي بن عامر الإسلام على رستم وهو بين حاشيته ويذكر لهم بعض محاسن الإسلام ثم يوضح أن النهاية هي موعود الله، وعندما سُئل ما هو موعود الله قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى. فأوضح أن الرغبة بالجنة هي الغاية، وأن من أسلم كانت الجنة هي موعوده بخلاف من لم يسلم.
(٤) عندما دعا عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قومه فآذوه ونالوا منه ورموه بقوس أصاب أكحله، وقبل أن يموت كاد القوم أن يقتتلوا، فقال لهم عروة ﵁: لا تقتتلوا، فهذه كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ. ففي هذا المقال إيضاح لما ينتظر الشهيد من الكرامة في الآخرة، فقد بينها لهم، وأوضحها قبل وفاته ﵁، وقد قال عنه الرسول ﷺ : "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه".
ثانياً: أسلوب الترهيب:
مثلما أن الترغيب يجلب النفوس إلى ما تحب فإن الترهيب يخيفها ويردعها، فالترهيب من الرهبة وهي "الخوف والفزع" (١)، وهو أسلوب فيه نوع من الشدة، فأسلوب الترهيب في الدعوة هو "تذكير المدعو بكل ما يخيفه، وتهديده بالعذاب إن عاجلاً أو آجلاً، إن خالف ما أمر به الله، وارتكب ما نهى عنه؛ لأن النفس كما تستجيب عن طريق الترغيب تنقاد عن طريق الترهيب خوفاً أو طمعاً" (٢).