← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فالترغيب في الخير الباقي له معنى في نفس حويطب بأنه سوف يحصل عليه ما إن يسلم، وقد حصل له ذلك بعد غزوة حنين؛ فقد أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة بعير (١). (٢) الوليد بن الوليد ﵁ يستخدم أسلوب الترغيب مع أخيه خالد بن الوليد، وذلك عندما أرسل إليه كتاباً يدعوه فيه، فذكر له فيه سؤال الرسول ﷺ عنه وقوله ﷺ : (لو كان جعل نكايته وجدَّه مع المسلمين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره"، فذكر الوليد لهذا القول وإرساله به إلى أخيه خالد بن الوليد فيه ترغيب دنيوي، وهو قوله ﷺ : "لقدمناه على غيره"، ولأن النفس البشرية تحب التقدير والتقديم وخصوصاً أمام الناس، فكان في ذلك ترغيب له بما سيكون عليه وضعه في الدنيا بين المسلمين وأنه لن يكون مهمشاً، وقد أسلم خالد ﵁ وكان كما قال ﷺ ؛ فقد أرسله في عدة سرايا وقدمه على كثير من المسلمين وسماه "سيف الله" (٢). (٣) عندما أسلم عمرو بن مرة الجهني ﵁ استأذن الرسول ﷺ أن يبعثه إلى قومه ليدعوهم فأذن له الرسول ﷺ ، وعندما أتى قومه كان أول ما قال لهم هو ترغيبهم في الإسلام بما فيه من فضائل في الدنيا، فقد قال لهم فيما قال: (وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام (، وهاتان الخصلتان

стр. 317

يحبهما العرب، ويفضلونهما بسبب ما عانوه من الحروب وقطع الأرحام، فخاطبهم بها ورغبهم فيها لمعرفته بقومه وما يثير عواطفهم، خصوصاً وأنه هو ابن سادن لصنم كان يعبده قومه، ففي هذا أيضاً ترغيب ضمني لكون ابن السادن يترك دين أبيه الذي له مكانة ووجاهة اجتماعية، بالإضافة إلى القرابين التي تدخل إلى بيت مال ذلك الصنم، فيرفض كل ذلك ويتبع ديناً غير دينه، إلا أن فيه ما هو أفضل، وقد تبعه قومه ولم يتخلف عنهم إلا رجل واحد. (٤) يرغب بجير بن زهير بن أبي سلمى أخاه كعباً في الإسلام عن طريق ترغيبه في الحياة والنجاة من القتل، وكان رسول الله ﷺ قد أهدر دم كعب بن زهير، فقال ﷺ : "من لقي كعباً فليقتله"، وذلك بسبب أبيات قالها في رسول الله ﷺ عندما أسلم أخوه بجير، فبعد إهدار دمه أرسل بجير رسالة إلى أخيه كعب يرغبه في الإسلام بواسطة ترغيبه في الحياة فيقول في رسالته: اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي فأسلم وأقبل. فإيضاحه أن الرسول يقبل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيه ترغيب لأخيه بالنجاة والسلامة من القتل، فكان له ذلك فأسلم وقال قصيدته المشهورة في رسول الله والتي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

стр. 318

(٥) وفي رسائل قادة الجيوش الإسلامية ومبعوثيهم إشارة إلى ترغيب المشركين في الفوز بالدنيا وعدم التعدي عليهم أو أذيتهم، وأنهم من المسلمين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، كما ورد في كتاب خالد بن الوليد ﵁ إلى مرازبة أهل فارس، ودعوة سلمان الفارسي ﵁ لأهل فارس في قوله: فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا. وفي هذا إيضاح أن الإسلام لم يأت ليقتل أو ليستبيح الدماء، إنما جاء لنشر العدل وهو ليس دين انتقام؛ كما كان يحدث في ذلك الوقت من أن الدولة التي تنتصر على دولة تبيدها، وتقتل كل من انتمى إليها، ومن يعش منهم يعش في ذل واحتقار، إلا أن دعوة الصحابة استخدمت أسلوب الترغيب بالحياة الكريمة وعدم التعدي على أحد في ظل الإسلام، وتحت رايته بعكس ما يتوقعون. ب) الترغيب بخير الآخرة: للدنيا حظ لدى البشر، ومحبة لها، وما فيها من خير، إلا أن الأساس هو الفوز بالآخرة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (١)، وقد جعل الله جوائز الآخرة هي الجوائز الباقية، فقد وعد الله سبحانه من آمن من بني آدم بخير كثير في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٢)،

стр. 319

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١)، وقد وعد الرسول ﷺ الخزرج بالجنة إذا هم وفوا بعهدهم معه. وقد كانت أكثر دعوة الصحابة بالترغيب بالآخرة، وما عند الله فيها، وأن هذه الدنيا زائلة، وأن النعيم هو النعيم الدائم، ومن هذه النماذج الدعوية لأسلوب الترغيب بما في الآخرة من خير ما يأتي: (١) في دعوة عمر بن مرة الجهني لقومه ترغيب في الجنة، ومما قال لهم: (يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة (، فكانت دعوته إلى الجنة هي البداية التي من خلالها استفتح خطابه لهم، فرغبهم بالجنة لكي يحرك عواطفهم قبل أن يدعوهم للإسلام، وكما ذكرنا سابقاً أنهم أسلموا جميعاً إلا رجلاً واحداً. (٢) في النقاش الذي دار بين المغيرة بن شعبة ورستم قائد الفرس، أشار المغيرة ﵁ إلى أن الآخرة هي المطلب، والفوز بها هو الفوز، وذلك في قوله: "إنما همنا وطلبنا الآخرة، فأوضح لرستم مدى فضل الآخرة للمسلم، ومدى شوقه لها، مما جعل رستم يعجب به وبردوده، مما دعاه يذكر الإسلام لقادته ورؤساء قومه" (٢).

стр. 320

(٣) يعرض ربعي بن عامر الإسلام على رستم وهو بين حاشيته ويذكر لهم بعض محاسن الإسلام ثم يوضح أن النهاية هي موعود الله، وعندما سُئل ما هو موعود الله قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى. فأوضح أن الرغبة بالجنة هي الغاية، وأن من أسلم كانت الجنة هي موعوده بخلاف من لم يسلم. (٤) عندما دعا عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قومه فآذوه ونالوا منه ورموه بقوس أصاب أكحله، وقبل أن يموت كاد القوم أن يقتتلوا، فقال لهم عروة ﵁: لا تقتتلوا، فهذه كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ. ففي هذا المقال إيضاح لما ينتظر الشهيد من الكرامة في الآخرة، فقد بينها لهم، وأوضحها قبل وفاته ﵁، وقد قال عنه الرسول ﷺ : "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه". ثانياً: أسلوب الترهيب: مثلما أن الترغيب يجلب النفوس إلى ما تحب فإن الترهيب يخيفها ويردعها، فالترهيب من الرهبة وهي "الخوف والفزع" (١)، وهو أسلوب فيه نوع من الشدة، فأسلوب الترهيب في الدعوة هو "تذكير المدعو بكل ما يخيفه، وتهديده بالعذاب إن عاجلاً أو آجلاً، إن خالف ما أمر به الله، وارتكب ما نهى عنه؛ لأن النفس كما تستجيب عن طريق الترغيب تنقاد عن طريق الترهيب خوفاً أو طمعاً" (٢).

стр. 321

والترهيب كان من أساليب الرسل ﵈، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ (٢)، وقد أنذر الرسول ﷺ الناس من النار، فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أنذركم النار، أنذركم النار، أنذركم النار" (٣). وقد اُستخدم الترهيب للتنفير من الأعمال السيئة والمعاصي، وذلك إما أن يكون بالترهيب من عاقبة في الدنيا أو مآل في الآخرة، وهذا الأسلوب يتعامل مع النفس البشرية بإثارة عاطفة الخوف في داخلها، وذلك لتراجع ما تقوم به، وليبعث فيها النفس اللوامة حتى تنجو من عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. ولأن نفوس البشر تألف الشهوات فكان الترهيب أداة إنذار وتحذير وإيقاظ للتخويف من عواقب الأمور وخواتيمها، ولأن بعض النفوس لا تأتي بالترغيب فيكون الترهيب هو الأسلوب الأمثل، ومن خلال التربية النبوية للصحابة نجدهم لا يقومون بأي عمل أو أسلوب إلا اتباعاً لما عرفوه من سنة الرسول ﷺ ، فكان ترهيبهم بالخوف من غضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة هو الأسلوب المتبع لديهم، وسوف يتضح لنا ذلك من عرض بعض مواقف الترغيب والترهيب لديهم ﵃، وكيفية استخدام هذا الأسلوب، ومع من يستخدم:

стр. 322

أ) عندما نزل الرسول ﷺ بمر الظهران قبل دخوله مكة قام العباس بن عبدالمطلب ﵁ بدعوة أبي سفيان، وكان ذلك بأسلوب الترهيب من عاقبة الأمور في الدنيا، فلما التقيا قال العباس: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: والله لأن ظفر بك ليضربن عنقك. ففي بداية حديث العباس مع أبي سفيان ﵄ كان إشارة إلى الهلاك الدنيوي فقوله: "واصباح قريش والله" كانت إرهاباً وإرعاباً لأبي سفيان، مما جعله يسأل عن الحيلة والحل، فكان في الثانية أيضاً ترهيب من القتل في قوله: "والله لأن ظفر بك ليضربن عنقك"، فكان في البداية تخويف من هلاك القبيلة كاملة، وبعد ذلك تخويف من هلاكه بنفسه، وقد أثمر ذلك الأسلوب عن ذهاب أبي سفيان مع العباس ﵄ إلى الرسول ﷺ وإسلامه. ب) حسان بن ثابت ﵁ شاعر رسول الله ﷺ والمدافع عن الإسلام بشعره، يرسل أبياتاً لابن الزبعرى يخوفه فيها من وضعه وحالته التي هو عليها، وذلك بعد هروبه من الرسول ﷺ في فتح مكة ولجوئه إلى حصن في نجران، وكان قد آذى الرسول ﷺ بشعره ودعاه فقال له حسان في أبياته: لا تعدمن رجلاً أحلك بُغضُه ... نجرانَ في عيش أحذَّ لئيم بُليت قناتك في الحروب فاُلفيت ... خمانةً جوفاء ذات وصوم غضب الإله على الزبعرى وابنه ... وعذاب سوء في الحياة مقيم

стр. 323

وفي هذه الأبيات تخويف لابن الزبعرى من وضعه الحالي في نجران، والعيش اللئيم، بالإضافة إلى ترهيبه من غضب الله عليه في الآخرة، وسوء الحياة في الدنيا، وأنه سيبقى معذباً فيها، فكان لذلك وقع في نفس ابن الزبعرى مما جعله يعود إلى الرسول ﷺ ويعلن إسلامه ويقول عنه الرسول ﷺ عندما رآه مقبلاً: (هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام (. جـ) في قصة بجير بن زهير مع أخيه كعب بن زهير ﵄ ترغيب وتحبيب في العفو، وفيها أيضاً ترهيب من القتل وتبيان ذلك له، فقد أخبر بجير أخاه كعباً في كتابه له أن الرسول ﷺ قد أهدر دمه، وقال له: (النجاء وما أراك تفلت (، فذكر إهدار الدم فيه من الرهبة والخوف ما يكفي، وخصوصاً أن المسلمين قد ظهروا على المشركين وفتحوا مكة، ثم ألحق التهديد الأول بتهديد آخر يبين فيه عدم إمكانية النجاة؛ لأن المسلمين أصبحوا في كل مكان، ودانت لهم العرب، فحرك ذلك الشعور بالرهبة من القتل، والرغبة كما ذكرنا سابقاً بالنجاة، فكان خليطاً من الرغبة والرهبة مما جعله يسلم ويعتذر للرسول ﷺ ، وأوضح مدى الرهبة والرغبة في قصيدته التي قال فيها: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلة حدباء محمول أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل

стр. 324

د) ولقد جمع خالد بن الوليد ﵁ في كتبه إلى الفرس عدة أساليب من أساليب الدعوة، ومن هذه الأساليب الموجودة في كتبه أسلوب الترهيب والذي كان فيه نوع من إبراز عزة الإسلام والمسلمين، وأنهم أقوياء بالله، ولم يقل إن قوته بنفسه، فمن الشواهد في كتبه على التهديد والتخويف كتابه إلى رستم ومهران وملأ فارس الذي ذكره الطبراني في "المعجم الكبير"، ويقول فيه: (فإن معي قوماً يحبون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر (. وفي كتابه لأهل المدائن الذي ذكره الطبري وفيه يقول خالد بن الوليد: "وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة"، فكان خالد قائد جيوش المسلمين يرهب المشركين من الفرس بقوة المسلمين ومحبتهم للموت في سبيل الله على الحياة، مما جعل أهل المدائن عندما قرؤوا هذا الكتاب يتعجبون منه. هـ) من أعظم أساليب الترهيب في الدعوة التي استخدمها الصحابة ﵃ في دعوة المشركين هو ما قام به أبو بكر الصديق ﵁ خليفة رسول الله ﷺ من إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵁ في وقت كانت القبائل العربية ترتد عن الإسلام، بالإضافة إلى معارضة بعض الصحابة لذلك، إلا أن إنفاذ الجيش كان فيه نوع من استعراض القوة حتى يتبين للمشركين ومن ارتد أن الدولة الإسلامية لا يزال لها هيبة ومنعة وقوة ولم تضعف، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ

стр. 325

عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (١)، كما أن في كتابه ﵁ الذي أرسله مع قادة الجيوش إلى قبائل العرب شيئاً من الترهيب لمن ارتد وأصبح من المشركين وذكر فيه: "وأمرته ألا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد إلا الإسلام" (٢). فكانت دعوته ﵁ بالترهيب مما سوف يحصل إن لم يرجعوا إلى الإسلام، وكان لذلك دور كبير في عودة الكثير إلى الإسلام، ومن لم يسلم برهبة الكتاب أسلم برهبة الجيوش. و) من أساليب الترهيب التي استخدمت في الدعوة ما قام به الأنصار من دعوتهم لعبدالله بن عمرو بن حرام أبي جابر عندما واعدهم رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق، فكان من دعوتهم له ما ذكره كعب بن مالك أنهم قالوا له: "إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غداً حطباً"، وعرضوا عليه الإسلام فأسلم وحضر بيعة العقبة.

стр. 326

فمن علمهم أن الناس صائرون إلى جنة أو نار أرادوا أن يذكروا عبدالله بن عمرو بن حرام بالنار ويخوفوه منها، ومن أن يكون لها حطباً بعد موته، فكان لهذا الأسلوب دور في إسلام عبدالله بن عمرو بن حرام ﵃ أجمعين. ثالثاً: أسلوب المدح: "المدح هو حسن الثناء" (١)، وقيل "هو وصف المحاسن بكلام جميل" (٢)، يقول الفيومي: "مدحته مدحاً: أثنيت عليه بما فيه من الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيارية" (٣)، ويقول الكفوي في "الكليات": "والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطلقاً سواء كان من الفواضل أو من الفضائل، وسواء كان اختيارياً أو غير اختياري" (٤). ويقول الراغب الأصفهاني: "الحمد أخص من المدح وأعم من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يقال منه وفيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشكر لا يقال إلا في مقابل نعمة، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمداً" (٥).

стр. 327

والمدح نوعان: مدح مباح، ومدح مذموم، فالمدح المباح هو ما توافرت فيه الأمور الآتية: ١ - الصدق بما مدحه به. ٢ - عدم المبالغة ومجاوزة الحد. ٣ - الأمن من فتنة الممدوح. أما المدح المذموم فهو ما انعدمت فيه ضوابط المدح المباح، فانعدم فيه الصدق أو صاحبَه النفاق أو اتخذه مهنة للتكسب، وزاد الممدوح بطراً وتكبراً وظلماً ورياءً (١)، وهو ما نهى عنه الرسول ﷺ في حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل فقال رجل: يا رسول الله، ما من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل منه في كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك، قطعت عنق صاحبك"، مراراً يقول ذلك (٢). أما المدح المباح فقد مَدَح الرسول ﷺ أصحابه في كثير من المواقف، فذَكَرَ فضل أبي بكر الصديق ﵁، وموقف الشيطان من عمر بن الخطاب ﵁، وقال عن عثمان "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم" وغيرها. لقد جبل الله الأنفس على حب المدح، يذكر الإمام الغزالي أن حب القلوب للمدح يقع لأربعة أسباب (٣):

стр. 328

السبب الأول: شعور النفس بالكمال، وهو الأقوى، فإن الكمال محبوب وإدراكه لذيذ، وتندفع هذه اللذة إذا علم الممدوح أن المادح كاذب. السبب الثاني: أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح، وملك القلوب محبوب، والشعور بحصوله لذيذ، وتذهب هذه اللذة إذا كان يعلم أن المادح لا يعتقد ما يقول. السبب الثالث: أن ثناء المُثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، وهذا مختص بثناء يقع على الملأ، فإن كان على انفراد تسقط هذه اللذة. السبب الرابع: أن المدح يدل على حشمة الممدوح، واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالمدح سواء عن طوع أو عن قهر، فإن الحشمة لذيذة لما فيها من القهر والقدرة، وتبطل هذه اللذة إن كان ذلك عن طريق اللعب وليس عن طريق الخوف. ولأن النفوس تحب المدح؛ فإن استخدامه كأسلوب من أساليب الدعوة من خلال المدح المباح لمخاطبة مشاعر وعواطف المدعوين، له تأثيرٌ في كسر الحدة والجفوة، وفيه فتح باب للحوار والنقاش وعرض الإسلام؛ لأن النفوس تكون قد اطمأنت وذهب عنها روعها، وأمنت للداعي إذا سمعت الثناء والمدح، يقول الإمام النووي: "إن كان يحصل بذلك -المدح- مصلحة كنشطة للخير والازدياد منه أو الدوام عليه والاقتداء به، كان مستحباً والله أعلم" (١).

стр. 329

"فالعدل في المدح يُعد أسلوباً مؤثراً من أساليب الدعوة، فعندما يذكر المرء أو القوم بصفاتهم الحسنة وخلالهم الجميلة حتى وإن كانوا كفاراً فإنه مما يدعوهم لحب المادح، وقبول المبادئ التي يدعو إليها" (١). وقد مدح الرسول ﷺ بعض الكفار فيما هو من صفاتهم الحميدة، فقد مدح بني شيبان عندما عرض نفسه عليهم وسمع ردهم فقام من عندهم وقال لأبي بكر ﵁: "أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، يدفع الله بها بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم" (٢). وقد اتخذ بعض الصحابة ﵃ هذا الأسلوب في دعوة المشركين إلى الإسلام، ومن هذه النماذج ما يأتي: أ) عندما ذكر عثمان بن عفان ﵁ قبل أن يسلم قصة خالته وما قالته له عن الرسول ﷺ لأبي بكر الصديق، فكان رد أبي بكر ﵁ فيه نوع من المدح لعقل عثمان بن عفان ﵁ وحزمه، فقد قال له: (ويحك يا عثمان! إنك رجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل (. فوصف أبي بكر لعثمان ﵄ أنه حازم فيه مدح له في عقله وفي تصرفاته، وقد أسلم عثمان ﵁ في ساعته، وذهب إلى النبي ﷺ مع أبي بكر وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

стр. 330

ب) عندما قابل علي بن أبي طالب ﵁ المشرك عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق وقبل أن يعرض عليه الإسلام امتدحه بأنه رجل له كلمة لا يتراجع عنها، وذلك في قول علي ﵁: (لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها (، وفي هذه إشارة إلى أن عمرو بن عبد ود رجل صاحب كلمة ومبدأ، فتذكير علي ﵁ له بها فيه تقدير لمقالته واحترام له لأنه رجل ممن تحسب كلماتهم، إلا أن ذلك لم يكن له فائدة مع من كُتب عليه الشقاء مثل عمرو بن عبد ود حيث قتله علي كافراً. جـ) في كتاب الوليد بن الوليد ﵁ الذي أرسله إلى أخيه خالد بن الوليد ﵁ والذي ذكرناه سابقاً، بالإضافة إلى أسلوب الترغيب فيه مدح له ولعقله، فقد قال له في كتابه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟! ". وفي قوله: "وعقلك عقلك" أي وأنت صاحب العقل الراجح الذي يميز، وهذا مدح له ولما لديه من التمييز والعقل الراجح وكأنه يقول له: "يا صاحب العقل الراجح"، ففيها استمالة لنفس أخيه بمدحه لكي يعلم قدره عند الداعي وأنه له قيمة ومكانة. د) بعد عودة عمير بن وهب ﵁ إلى مكة من عند رسول الله ﷺ ذهب إلى صفوان بن أمية في الحجر عند الكعبة وكان قد أرسله صفوان لقتل الرسول ﷺ فقال له عمير: "أنت سيد من ساداتنا، أرأيت الذي كنا

стр. 331

عليه من عبادة حجر وذبح له، أهذا دين؟! " (١)، فقد بدأ عمير ﵁ صفوان بالثناء عليه وذكر مكانته في قريش وأنه سيد من السادة، وفي هذا تهدئة للنفوس من الاشتحان بسبب إسلام عمير ﵁؛ وذلك حتى يستمع له، ويلقي له باله، وقد استمع له حتى انتهى من كلامه، ولم يجبه بكلمة إلا أنه استطاع تبليغ دعوته إلى صفوان في تلك الساعة بأسلوبه الذي كان فيه تقدير وثناء له بما هو فيه، وإن كان عمير ﵁ سعى في إسلام صفوان لاحقاً وكان له الفضل في ذلك. هـ) عندما ذهب العلاء بن الحضرمي ﵁ إلى المنذر بن ساوى العبدي في البحرين بكتاب رسول الله ﷺ قال له فيما قال: "يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تصغرن عن الآخرة ... ولست بعديم عقل ولا رأي .. " (٢). وكان المنذر بن ساوى هو صاحب البحرين، وقد مدح العلاء عقله وأثنى على رأيه وهو يدعوه إلى الإسلام حتى إنه أسلم وأرسل وفداً إلى النبي ﷺ يخبره فيه بإسلامه وإسلام قومه. رابعاً: أسلوب الرحمة والمودة: الرحمة في اللغة هي "الرقة والعطف والرأفة" (٣)، ويقول الجرجاني: "هي إرادة إيصال الخير" (٤)، ويقول الكفوي: "إن الرحمة هي حالة وجدانية تعرض غالباً لمن

стр. 332

به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان" (١)، وقال الجاحظ عن الرحمة: "إنها خلق مركب من الود والجزع، والرحمة لا تكون إلا لمن تظهر منه لراحمه خلة مكروهة، إما نقيصة في نفسه وإما محبة عارضة، فالرحمة هي محبة للمرحوم مع جزع من الحال التي من أجلها رُحم" (٢). والله هو الرحمن الرحيم، فالرحمة هي من صفات الله ، وللإمام الغزالي كلام جميل في ذلك يكفي عن أي كلام، قال ﵀: ("الرحمن الرحيم" اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة تستدعي مرحوماً، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، وهو الذي ينقضي به حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية، فالمحتاج لا يسمى رحيماً، والذي يريد قضاء حاجة ولا يقضيها فإن كان قادراً على قضائها لا يسمى رحيماً؛ إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزاً، فقد يسمى رحيماً باعتبار ما اعتوره من الرقة ولكنه ناقص. وإنما الرحمة التامة إضافة الخير على المحتاجين وإرادته لهم، عناية بهم، والرحمة العامة هي التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله تامة عامة، أما تمامها: فمن حيث أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها، وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق وغير المستحق، وعم الدنيا والآخرة، وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجية منها فهو الرحيم المطلق حقاً" (٣).

стр. 333

وقد كان الرسول ﷺ نبي الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقال ﷺ : "أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة" (٢). أما المسلمون فهم رحماء، والرحمة خلق من أخلاق المسلم؛ إذ منشأ الرحمة صفاء النفس وطهارة الروح، والمسلم بإتيانه الخير وعمله الصالح وابتعاده عن الشر واجتنابه المفاسد هو دائماً في طهارة نفس وطيب روح، ومن كان هذا حاله فإن الرحمة لا تفارق قلبه، ولهذا كان المسلم يحب الرحمة ويبذلها ويوصي بها ويدعو إليها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٣) (٤). والداعي رحيم بدعوته؛ لأنه يعمل ليخرج الناس من طريق الهلاك إلى طريق النجاة، فمن شفقته عليهم يدعوهم للإسلام، ولأن الدعوة من مهام الرسل فكان من واجب الدعاة أن يتمثلوا بأخلاقهم والتي منها "الرحمة"، فقد قال رسول الله ﷺ : "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" (٥). والرحمة في الدعوة تكسر الحدة لدى المدعو، والغلظة والجفوة، وتكسبه السكينة والمودة تجاه الداعي، وفضل الرحمة عظيم ومنزلتها من الدعوة كبيرة،

стр. 334

وسوف نقوم بذكر مواقف الصحابة التي تندرج تحت مجال الرحمة والمودة: أ) عندما هرب عكرمة بن أبي جهل من مكة يوم الفتح خوفاً من أن يقتله الرسول ﷺ قامت زوجته أم حكيم ﵂ بطلب الأمان له من رسول الله ثم خرجت في طلبه حتى لحقت عليه وقد ركب السفينة يريد أن يفر، فلما رأته قامت تلح عليه وتقول: "يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك"، فوقف لها حتى أدركته فكلمته وعاد معها وأسلم. ففي هذه القصة تتبين لنا رحمة أم حكيم ﵂ في عدة مواقف، فالموقف الأول هو لحاقها به ومكابدة عناء السفر من أجل أن تنقذه وهي امرأة، والثاني قولها له: "يا ابن عم"، ففي هذا تودد وتلطف وإظهار المحبة المقرونة بالرحمة؛ لأنها لو نادته باسمه مجرداً لما كان في ذلك أي جانب من العاطفة، أما بالكنية فهي تجمع احترام الزوج وإيضاح قربه منها وتلطفها وبيان رحمتها له لأنه قريب، الثالث: قولها له: "لا تهلك نفسك"، ففي ذلك بيان رحمتها له من الهلاك وأن حياته لها قيمة لديها. كل ذلك كان مدعاة لاستجابة عكرمة بن أبي جهل لزوجته ﵄. ب) في تأمين أبي ذر الغفاري لحويطب بن عبدالعزى ﵄ جوانب من الرحمة التي كانت سبباً في إسلام حويطب، فبعد أن كان حويطب خائفاً وقد تشتت أبناؤه، إذ واجه أبا ذر ﵁ فهرب منه فقال له أبو ذر: يا أبا

стр. 335

محمد، قال فقلت: لبيك، قال: مالك؟ قلت: الخوف، قال: لا خوف عليك أنت آمن بأمان الله ، ثم قال له بعد أن أمنه وعاد إلى منزله وأمن أبناءه: (يا أبا محمد، حتى متى وإلى متى؟ (. فلو نظرنا إلى بداية اللقاء نجد أن أبا ذر ﵁ كان هو الأقوى والمنتصر وبإمكانه استخدام الجفوة والغلظة مع حويطب، وأيضاً لم يكن بحاجة أن يدعوه، ولكنه في البداية ناداه بكنيته رحمة منه، وحتى يهدئ من روعه، والأمر الثاني قال له: "لا خوف عليك"، وذلك لما وجده عليه من رعب وخوف فرحمه من ذلك، وبعد أن اطمأن وعاد إلى أهله قال له أبو ذر مرة أخرى: (يا أبا محمد، حتى متى وإلى متى؟ (. وفيها من عاطفة الرحمة الكثير؛ فنداؤه بالكنية هو رحمة، وخصوصاً إذا كان ذلك من الأعز للأذل في ذلك الوقت، والأمر الآخر قوله: (حتى متى وإلى متى؟ (فيها رحمة لحاله وما هو عليه في الدنيا وما سينتهي به المآل في الآخرة، فرحم الله أبا ذر وحويطباً ﵄. جـ) الرحمة أكثر ما تكون تجاه ذوي القربى وأكثر ما تكون تجاه الوالدين والأبناء، فهذا طليب بن عمير ﵁ عندما أسلم دخل على أمه أروى بنت عبدالمطلب ودعاها إلى الإسلام رحمة بها ومحبة لها، فأسلمت، وكذلك دعوة الطفيل بن عمرو الدوسي لوالده وزوجته فأسلما، ودعوة مصعب بن عمير لأمه، وأبو ذر أيضاً دعا أمه فأسلمت.

стр. 336

فدعوة الوالدين والأبناء لا تكون إلا من مودة ورحمة من الداعي؛ لأنه لا يوجد مبرر أقوى من ذلك، وذلك لقربهم ومحبتهم وعدم وجود مصالح أخرى يرجوها منهم أكثر من المحبة والرحمة، فلو نظرنا إلى مصعب بن عمير ﵁ يدعو أمه وهي من حبسه وعاداه وأعرض عنه وآذاه إلا أنه رحمة بها لازال يدعوها، ولولا الرحمة لاعتزلها وابتعد عنها، ولكنها رحمة الابن بالوالد وأمر الله سبحانه بالإحسان، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١). د) من رحمة العباس بن عبدالمطلب ﵁ بأهل مكة خروجه على بغلة رسول الله ﷺ عندما كان الرسول في مر الظهران قبل دخول مكة، فذهب يبحث عن أحد يخبر أهل مكة فيستأمنوا الرسول ﷺ ، فوجد أبا سفيان بن حرب فجاء به إلى رسول الله ﷺ وأسلم أبو سفيان وآمنه، وآمن أهل مكة، فمن رحمته خروجه في الليل وخوفه على قومه وحب الإسلام لهم. هـ) من رحمة الصحابة ﵃ حب الإسلام للناس على حب الدنيا لأنفسهم، ومن ذلك ما قام به الحارث بن مسلم التميمي عندما قدم هداية القوم المشركين على الغنيمة عندما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله وحده تحرزوا، فقالوا وأسلموا فحسَّن الرسول ﷺ ما صنع وقال له: (أما إن الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا (.

стр. 337

فمن رحمته ﵁ بالناس تقديمه هدايتهم على الغنيمة في الدنيا، وإظهار هذه الرحمة للمدعوين، مما كان له أثر في قبولهم الإسلام، فما سبق أصحابه إلا لكي لا يقتلوا أهل الحي، ويأخذوا أموالهم، فقوله لهم: "قولوا لا إله إلا الله وحده" لكي يعصم دماءهم وأموالهم فكان ذلك. و) لقي أبو عامر الأشعري ﵁ يوم أوطاس عشرة من الإخوة فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه للإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر ثم حمل عليه الآخرون واحداً تلو الآخر وهو يدعوهم للإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة منهم، وعندما حمل عليه العاشر دعاه للإسلام وقال: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم فحسن إسلامه، وأسماه الرسول ﷺ "شريد أبي عامر". فكانت رحمة أبي عامر معه حتى في القتال، فمن رحمته بهؤلاء من أن يموتوا على الشرك أخذ يدعوهم حتى استجاب له أحدهم فتركه رحمة به من النار فأسلم. المحور الثالث: الأساليب الحسية: - مفهوم الأساليب الحسية: "الحس أو الحاسة هي القوة التي بها ندرك الأعراض الحسية، وأحسسته فحقيقته أدركته بحاستي، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (١)

стр. 338

فتنبيه أنه قد ظهر منهم الكفر ظهوراً بان للحس فضلاً عن الفهم، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٢)، أي: هل تجد بحاستك أحداً منهم" (٣). "والإحساس: العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان كالعين والأذن والأنف واللسان واليد" (٤). "والإحساس: الوجود، ومعنى أحس: علم ووجد، ويقال: أحسست صاحبك؟ أي: هل رأيته؟ وهل أحسست الخبر؟ أي: هل عرفته وعلمته" (٥). ومن التعريفات السابقة نجد أن الأساليب الحسية هي كل ما يستخدمه الداعي من أدوات تثير الحس الطبيعي لدى المدعو إلى ما حوله من محسوسات وأخبار ومعلومات على أرض الواقع سواء حاضرة أو غائبة، وهذه لا تكون إلا إذا كان لدى المدعو تجارب وخبرات قديمة أو أخبار منقولة له يقوم بواسطة حواسه بمقارنتها وتحكيمها فيما يطرح إليه، وهذه الأساليب قد تكون أقوى من الأساليب العقلية والعاطفية؛ لأنها تعتمد على شيء يعايشه المدعو بحواسه، وبذلك تؤثر على العقل والعاطفة حتى يؤيدان الحس.

стр. 339

وقد خاطب القرآن الكريم الحس البشري في مواضع عدة، منها قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١). وقد استخدم الأنبياء ﵈ الأسلوب الحسي في دعوتهم وذلك بكثير من المعجزات، كعصا موسى ﵇، وإحياء الموتى وإبراء الأعمى والأكمه لعيسى ﵇، وانشقاق القمر للنبي ﷺ ، كلها آيات حسية تدل على صدق دعوتهم. ومن المعجزات للنبي ﷺ عندما جاءه الأعرابي فدعا له "السمرة" (٢) فأقبلت تخدُّ الأرض خدَّاً حتى كانت بين يديه (٣)، وفي دعوته لعذق النخلة حتى نزل وسقط بين يديه (٤)، وغير ذلك من المعجزات الحسية. وتستخدم هذه الأساليب مع الأشخاص الذين يعتدُّون بقولهم، المعاندين بعواطفهم، فلا يستمعون إلا لما هو واقع أمامهم من أمور محسوسة متجاهلين ما غير ذلك، فاستخدام الأساليب الحسية مع هؤلاء مدعاة لتسليمهم وتصديقهم، إلا من عاند وأبى تكبراً على الحق، كما أن هذا الأسلوب له تأثير

стр. 340

عميق في النفوس؛ لأن الخبر ليس كالعيان، وليس من سمع كمن رأى، فكل منهم له درجته في الإحساس ودرجته في التأثير. وقد استخدم الصحابة ﵃ هذه الأساليب في كثير من مواقف الدعوة، وذلك لتقريب المدعو من الواقع وتسهيل إيصال المعلومة لديه بشيء يستطيع إدراكه مهما كان مستوى المدعو الفكري أو الاجتماعي أو العلمي، فالجميع أمام المحسوس متساوون. وسوف نتطرق هنا إلى بعض الأساليب الحسية التي استخدمها الصحابة ﵃ في دعوتهم للمشركين. أولاً: بيان خطأ المعتقد بالحس: إن من أقوى الأساليب تأثيراً في أصحاب الاعتقادات الخاطئة هو نقض ذلك الاعتقاد بالحس الواضح لدى من يعتقده، كما فعل إبراهيم ﵇ مع الأصنام وتكسيرها، وإثبات عجزها وعدم قدرتها مقارنة بمن يعبدونها، فكيف يعبدون من هم أقوى وأقدر منهم، بل ويستطيعون التعبير والأصنام لا تستطيع ذلك. فاستخدام الحس مقابل هذه الاعتقادات هو بمثابة مزيل للغشاوة والتلبيس التي فرضها إبليس على حواس بني آدم ليضلهم عن عبادة الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١).

стр. 341

وقد استخدم الرسول ﷺ الأسلوب الحسي في إثبات كثير من الأمور العقدية، فمثلاً في إثبات البعث: عن أبي رزين العقيلي ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيى الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي أَهْلِكَ مَحْلاً؟ (قال: بلى، قال: (ثم مررت به يهتز خضراً (قال: بلى، قال: (فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه ((١). فوصف البعث غير المدرك من قبل البشر بالأرض الميتة عندما تخضرُّ وهي محسوسة تستوعبها حواس البشر، وهو أسلوب حسي لإثبات عقيدة البعث. ومن الشواهد التي أثبت بها الصحابة بالأسلوب الحسي خطأ ما يعتقده المشركون في بعض الأمور ما سنورد ذكره هنا: أ) بعدما عرض مصعب بن عمير الإسلام على عمرو بن الجموح، وقرأ عليه القرآن خرج من عنده دون أن يسلم، بل عاد إلى صنم عنده ليشاوره في الأمر، فعند ذلك علم ابنه معاذ بن عمرو ومعاذ بن جبل أن عمرو بن الجموح لن يفلح معه إلا الأسلوب الحسي، وذلك بإثبات خطأ معتقده في إلهه الذي يعبد ويستشير، فلجؤوا إلى إلقاء ذلك الصنم في حفرة فيها عذرة للناس منكساً على رأسه، فيبحث عنه عمرو بن الجموح فيجده في هذه الحفرة فيأخذه فيغسله ويطيبه ولا يزال ينظر إليه أنه إله له، ومع

стр. 342

تكرار ذلك علق السيف عليه وقال له: "امتنع فهذا السيف معك"، ثم جاؤوا فأخذوا السيف وقرنوا الصنم بكلب ميت وألقوه في بئر فيها عذرة، فلما بحث عنه عمرو وجده منكساً وقد قرن بكلب ميت، فكان في ذلك إحساس بعدم قدرة هذا الإله وأن شأنه أهون مما كان يعتقد فأسلم وحسن إسلامه، ولولا أن يسَّر الله له ابنه معاذاً ومعاذ بن جبل وآخرين معهم بهذه الفكرة التي تثير إحساس عمرو بن الجموح ليتعلم خطأ ما كان يعتقد فيه وما يعبد لما عرف الحق. ب) كان عبدالله بن رواحة أخاً لأبي الدرداء في الجاهلية، وكان يدعوه إلى الإسلام، إلا أن أبا الدرداء يأبى أن يستجيب حتى كان آخر أهل بيته إسلاماً، ومع كثرة دعوة ابن رواحة له لم يغير ذلك من تعلقه بصنم عنده، وقد وضع عليه منديلاً من شدة اهتمامه به، وتقديسه له، فعند ذلك لم يجد ابن رواحة بدَّاً من استعمال الأسلوب الحسي الذي يستطيع به أن يغير اعتقاد أبي الدرداء في إلهه هذا، فقام في أحد الأيام لما رأى أبا الدرداء خرج من منزله فخالفه عليه وقام بتكسير صنمه بالقدُّوم حتى قدَّده فلذاً فلذاً ثم خرج، وعندما عاد أبو الدرداء أخبرته امرأته بما فعل ابن رواحة فغضب غضباً شديداً ثم فكر في نفسه فقال: "لو كان عند هذا خير لدفعه عن نفسه"، وانطلق إلى رسول الله ومعه ابن رواحة وأسلم، فالنظر إلى الصنم مكسراً ولم يستطيع أن يدافع عن نفسه فيه

стр. 343

بيان لصاحب العقل، فلا يقبل التردد أن هذا الصنم لا يصلح أن يكون إلهاً يُعبد، ولولا إثبات ذلك أمام ناظريه كسبب يحيي قلبه ويخرجه من ظلماته وجهله لما تبين له خطأ رأيه. جـ) من بيان خطأ الاعتقاد في الأصنام ما قام به الطفيل بن عمرو الدوسي عندما أمر زوجته بأن تغتسل من حمى ذي الشرى وهو ماء حمى لصنم دوس ذي الشرى، وقد كانوا يخشون على أنفسهم من أن يعتدوا على حمى إلههم؛ لأن ذلك يغضبه ويتسبب لهم بالسوء، إلا أن الطفيل بن عمرو ﵁ قال لها: "أنا ضامن لك"، فاغتسلت فكان ذلك أول ما انكسر من اعتقادها بذي الشرى، ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت. فاغتسالها وعدم إصابتها بسوء أثبت خطأ اعتقادها؛ لأنها وجدت أن كل ما كانت تعتقده غير صحيح، وذلك لما لمسته وأحست به بما أعطاها الله من حواس. د) ضمام بن ثعلبه ﵁ هو أفضل وافد قوم كما قال ابن عباس ﵄، فعندما خرج من عند رسول الله ﷺ إلى قومه وقدم عليهم كان أول ما تكلم به أن قال: "بئست اللات والعزى"، واللات والعزى هما آلهتهم التي يعبدون ويخشون، فما كان منهم إلا أن قالوا له: مه يا ضمام، اتق البرص والجذام واتق الجنون، فقال لهم: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، فبيان ضمام بن ثعلبة ﵁ لقومه أن اللات والعزى لا يضران ولا ينفعان وأن ما كانوا يعتقدونه فيها من أنها سوف تصيبه بالبرص والجذام والجنون هو أمر

стр. 344

غير صحيح، وذلك أنها لم تصبه بشيء وهو يسبها، فكان ذلك مرئياً من جميع قومه دون استثناء مما جعلهم يسلمون من يومهم ذلك. ثانياً: ربط إحساس المدعو بالواقع في البيئة المحيطة: إن من أهم الأمور الدعوية هو إعادة تنبيه المدعو إلى واقع الحال من خلال البيئة المحيطة به، سواء القريبة المشاهدة أو المنقولة له بالأخبار الموثوقة؛ لأن البشر أحياناً يكونون غافلين عما حولهم، ويحتاجون من يذكرهم وينبههم من غفلتهم حتى يستطيعوا أن يحسوا بما هو حولهم وما هو واقع في البيئة المحيطة بهم أو البعيدة عنهم من أحداث، وما هي مقبلة عليه الأمور. فهذا الأسلوب الحسي وهو ربط الواقع بالحس من الأساليب التي تجعل المدعو يعيد حساباته ويغير اقتناعاته بناءً على المعطيات التي تعرض عليه من قبل الداعي، فيجب على الداعي أن يعرف ما الأمور والأحداث المحيطة به، التي لها تأثير على المدعو حتى يستطيع أن يسخِّرها لدعوته ويستخدمها في جلب إحساس المدعو للتواصل معها وتمييزها. وللصحابة ﵃ مواقف عدة في استخدام هذا الأسلوب سوف نتطرق إلى بعض منها: أ) عندما قدم العلاء بن الحضرمي ﵁ على المنذر بن ساوى في البحرين كان من نقاشه معه ودعوته له قوله: "إن هذه المجوسية شر دين ليس فيها

стр. 345

تكرُّم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرَّم من أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة". فنرى هنا تفصيل العلاء ﵁ حال الواقع الذي فيه المجوس ومن يدينون بدينهم وما هم عليه من رذائل قد يكون المنذر غافلاً عنها، إلا أن إثارة الحواس بما هو محسوس يؤدي إلى تفاعل من قبل المدعو لوجود واقع لا يمكن إنكاره، وذلك ما حصل مع المنذر بن ساوى حيث أسلم وأسلم معه قومه. ب) دعوة عمر بن مرة الجهني ﵁ لقومه فيها لفت نظر إلى واقع العرب في الجاهلية والعادات السيئة التي لديهم، وذلك في قوله لهم: "وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من العرب، فإنهم كانوا يجمعون بين الأختين، والغزاة في الشهر الحرام، ويخلف الرجل على امرأة أبيه". فبعرض الواقع أمام المدعوين وتذكيرهم به ولفت نظرهم إليه تحريك لإحساسهم تجاه هذا الواقع لكي يعوا ما هم عليه ويتنبه إحساسهم إليه فيكون لدعوته تأثير على من يدعو، فباستخدام عمرو ﵁ لهذا الأسلوب الحيِّ الذي يمسُّ واقع قومه أثَّر ذلك فيهم مما جعلهم يطيعونه ويسلمون. جـ) في قصة هروب ابن الزبعرى إلى نجران والتي سبق ذكرها وقصيدة حسان بن ثابت ﵄ التي أرسلها إليه عرض للواقع وما هو حال ابن الزبعرى في نجران ودعوته له للتأمل في نفسه ووضعه.

стр. 346

فوصف له أن بغضه لرسول الله ﷺ ألجأه إلى العيش في نجران عيشة لؤم ومهانة وكسافة، وأن ما كان يحارب به الرسول ﷺ من سلاح أصبح ضعيفاً رديئاً، وأنه سوف يعيش حياة سوء وعذاب مستمرين في الدنيا، فعندما جاء ابنَ الزبعرى شعرُ حسان أحس بما حوله وخرج من نجران وعاد إلى الرسول ﷺ وأسلم. د) استخدم العباس بن عبدالمطلب أسلوب الإحساس بالواقع وذلك في دعوته لأبي سفيان بن حرب ﵄، فعندما قال له العباس: "ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله"، فكأن العباس يقول لأبي سفيان: انظر إلى الواقع وما سوف يصيبكم في مكة ولا تكابر، فإن هذه الجيوش ما أتت إلا لتدخل مكة، فأسلموا أو استسلموا وارضوا بحكم الإسلام؛ لأن واقع الحال لا يقبل غير ذلك، فكان ذلك فأسلم أبو سفيان واستأمن لأهل مكة من رسول الله ﷺ ، وما ذلك إلا بفضل الله ثم بفضل الأسلوب الذي استخدمه العباس ﵁. ثالثاً: أسلوب القدوة والسيرة الحسنة: إن حسن سيرة المؤمن واستقامته ومعاملته الحسنة يعكس أخلاق الدين الإسلامي أمام كل من يرى ذلك المؤمن، فيجذب إليه الأفئدة، وتجتمع عليه القلوب، فيكون ذلك مدعاة للتأثير في المدعوين والاقتداء بالداعي، فكان واجب كل داعٍ أن يعلم أنه لن يستطيع التأثير في المدعوين إن لم يكن هو نفسه قد تأثَّر بالإسلام، ومن ثَمَّ قد يكون سبباً في نجاح الدعوة أو في فشلها.

стр. 347

فمن أبلغ ما يؤثر به في الناس هو القدوة الحسنة؛ "فالنفس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولا ينتفع به؛ ولأجل هذه النفرة قال شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١)، فكم من داعية أثَّر على الناس بعلمه وبحاله من دون أن يعظهم ويذكرهم، فسيرته تستنطق الأفواه بالتسبيح، وكم من أمم دخلت في دين الإسلام بسبب القدوة الصالحة" (٢). ولأن هذا الأسلوب هو تطبيق عملي مرئي من المدعوين فإن له نفعاً في إقناعهم وجذب أحاسيسهم للتأمل والتدبر من خلال ذلك القدوة، وما يقوم به، وبذلك يكون هذا في ذاته دعوة إلى الإسلام بدون نطق. وقد حث القرآن الكريم على أن يكون الإنسان المسلم قدوة حسنة ومثالاً يُحتذى به، وألَّا يكون مثل بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وقد حرص الصحابة على أن يكونوا هم أول من يتَّبع ما يدعون إليه، ومن ذلك مواقف كثيرة وعديدة، فأحياناً يتَّبعون الأمر ثم يدعون إليه، وأحياناً تكون أخلاقهم وسيرتهم هي الداعي إلى اتباعهم، ومن هذه المواقف ما يأتي:

стр. 348

أ) إن من أبلغ الشواهد في سيرة الصحابة على القدوة والسيرة الحسنة هو أبو بكر الصديق ﵁، فقد كان رجلاً مؤلَّفاً لقومه، محبَّباً سهلاً ذا خلق، ومعروف، وكان قومه يأتونه ويألفونه لحسن مجالسته (١)، فكان لذلك تأثير على دعوته وعلى استجابة المدعوين له؛ لما يرونه فيه من سيرة تجعلهم يؤمنون أن من تتوافر فيه هذه الخصال لا يدعو إلَّا لحق، فقد أسلم على يديه كثير من كبار الصحابة، بالإضافة إلى ما كان يفعله من شراء العبيد وإعتاقهم. ومن دعوته ﵁ بالعمل دون الكلام ما فعله من بناء مسجد في داره فكان يصلي فيه فيما ذكر ابن هشام من كلام أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: وكان رجلاً رقيقاً إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته (٢). فقيامه للصلاة وقراءته القرآن وبكاؤه كان لها تأثير على من يراه من الصبيان والنساء والعبيد، وهذه دعوة غير مباشرة وصامتة لكل من يراقبه. ب) ومن أسلوب عرض القدوة الحسنة ما قاله العلاء بن الحضرمي للمنذر بن ساوى من ضمن حديثه معه حيث قال: "هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به"، وكان يقصد بذلك النبي ﷺ .

стр. 349

ففي هذا المثال يبين العلاء أن الرسول ﷺ قدوة في الصدق، وقدوة في الأمانة، وقدوة في إعطاء الوعود، فعرض هذه الصفات على المنذر بن ساوى استجلاب لحواسه لكي يميز عن طريقها ما مدى كون هذا النبي قدوة في مكارم الأخلاق والسيرة الحسنة التي لا تصدر إلا من شخص يستحق أن يُتَّبَع ويُصَدَّق فيما أتى به؛ مما جعله يقول: "ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده". جـ) عندما ذهب عروة بن مسعود ليدعو قومه وكان لديهم ذا قدر ومكانة حتى إنه قال لرسول الله ﷺ : "إنهم لو وجدوني نائماً ما أيقظوني"، فعندما أتاهم ودعاهم وآذوه تركهم وأراد أن يريهم الإسلام بالطريقة العملية، فقام في صلاة الفجر وصعد على غرفة له فأذن بالصلاة لكي يدعوهم بطريقة غير مباشرة حتى يتعرفوا على الإسلام، إلا أن الشقاء في ذلك الوقت غلب عليهم فرماه أحدهم بسهم أصاب أكحله، فنزف دمه حتى مات ﵁، ولكن قبل مماته أراد أن يبلِّغهم الإسلام بأخلاقه، وذلك حتى آخر ساعة من حياته، فعندما أرادوا أن يقتتلوا بسببه نهاهم وتصدَّق بدمه على قاتله وقال: "هي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله لي"، فأيُّ إيمان وأخلاق يتصف به عروة ﵁ الذي أوصل رسالة الإسلام لقومه بحسن الخلق وطيب الشمائل! د) من القدوات الذين دعوا أقوامهم للإسلام أشخاص كان لهم عند أقوامهم مكانة ومنزلة رفيعة، ويرى أقوامهم أنهم أصحاب رأي سديد، فيثقون

стр. 350

بهم، وبما يعملون، وما يتخذون من مواقف، ومن هؤلاء سعد بن معاذ عندما دعا قومه فأجابوه لأنه محل ثقة ورأي لديهم، وكذلك ضمام بن ثعلبة عندما أرسله قومه إلى الرسول ﷺ وعاد إليهم مسلماً، فما كان منهم إلا أن أسلموا؛ لأنهم لم يرسلوه إلا وهو ثقة بينهم، وأيضاً الطفيل بن عمرو الدوسي فقد كان شريفاً في قومه وشاعراً لبيباً. جميع هؤلاء لم يدعوا قومهم إلا وقد سبق إسلامهم فكأن لسان حالهم يقول: لولا أنه أمر فيه خير لما اتخذناه لأنفسنا قبل أن ندعوكم إليه. رابعاً: أسلوب الدعوة بالقوة الفعلية: الأسلوب الفعلي هو أسلوب يركز إحساس المدعو إلى واقع الحال، وما هو حاصل، وما سوف يقوم به الدعاة من استخدام القوة باختلاف درجاتها، من هذه الأساليب الجهاد، وتغيير المنكر باليد، واستخدام القوة، وكل ما من شأنه أن يكون دعوة للإسلام باستخدام القوة. وقد استخدم النبي سليمان ﵇ هذا الأسلوب مع ملكة سبأ عندما أرسل لها الهدهد، وأمرها أن تأتي هي وقومها مسلمين، قال تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (١)، وعندما تأخروا عليه وأرادوا أن يسترضوه بالهدايا أرسل إليهم كما في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ

стр. 351

لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١)، فقد عرض سليمان ﵇ الإسلام على أهل سبأ بالقوة الفعلية؛ مما جعلهم يأتونه مسلمين، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). وقد استخدم الرسول ﷺ القوة في الدعوة في مواقف كثيرة منها: خيبر عندما أرسل علي بن أبي طالب ﵁ إليهم وأمره أن يدعوهم، ومنها إرسال السرايا وأهمها فتح مكة عندما دخلها ﷺ فاتحاً وذلك بالقوة. فالقوة والتلويح بها في الدعوة أسلوب وارد، وما قامت الفتوحات الإسلامية والجهاد إلا لنشر الإسلام بين البشرية، ولأن طبيعة بعض البشر تحتاج إلى القوة حتى تتنازل عن عنادها وتفكر بعقلها كان أسلوب القوة هو الأسلوب الأمثل في التعامل مع هؤلاء. وقد استخدم الصحابة هذا الأسلوب في الدعوة وخصوصاً أثناء إرسال الرسول للسرايا ومن خلال الفتوحات الإسلامية بعد ذلك، ومن هذه المواقف والشواهد على استخدام ذلك الأسلوب ما يأتي: أ) في غزوة خيبر أرسل الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وقال له: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم ((٣)، فما كان من علي ﵁ إلا أن دعاهم بالقوة.

стр. 352

وكذلك في السرية التي بعث الرسول ﷺ بها إلى اليمن في ثلاثمائة فارس حيث كانت هي أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما لقيهم جمع من مذحج دعاهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلهم فانهزموا وتفرقوا فكف عن طلبهم ثم دعاهم إلى الإسلام فسارعوا وأجابوا (١)، فهؤلاء القوم لم يسلموا إلا بالقوة، وبعد أن رأوا بأعينهم واقع الحال وقوة المسلمين. ب) في الجيوش التي أرسلها الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ لنشر الإسلام استخدام للقوة، وقد أوصى قادة الجيوش بوصيته المشهورة والتي قال فيها: "عليكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، فإن الله ناصر دينه، ولا تغلُّوا ولا تمثِّلوا، ولا تجبنوا ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال، فإن أجابوكم فاقبلوا منهم وكُفُّوا عنهم، ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوكم فاقبلوا منهم وكُفُّوا عنهم ... وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم إن شاء الله" (٢)، وفي هذا دعوة لتبليغ الإسلام بالقوة دون ظلم أو ابتداء أو إفساد في الأرض، وهذه هي أخلاق الإسلام، وهو في هذه الوصية مُتَّبع لوصية رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية والتي وردت في صحيح مسلم من حديث بريدة الأسلمي ﵁ (٣).

стр. 353

جـ) خالد بن الوليد ﵁ قائد الجيوش الإسلامية في العراق كان يدعو الأقوام قبل قتالهم، وذلك بإرسال الكتب لهم التي تبيِّن لهم أنهم إن لم يسلموا قاتلهم المسلمون حتى ينزلوا لحكم الإسلام، فقد أرسل إلى قادة الفرس كرستم ومهران وهرمز، وأرسل كذلك إلى ملأ فارس وعوامهم، وجميع كتبه كانت تبيِّن أنه يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال. ومن بعض كتبه ما جاء فيه: (فإنا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر (. فالجهاد كان هو الأسلوب الأخير في الدعوة لدى خالد بن الوليد، وأنه أسلوب مطروح لاستخدامه في أي وقت كانت الحاجة إليه. د) كان من سلمان الفارسي ﵁ والذي جعله المسلمون داعية أهل فارس وذلك لعلمه بلغتهم، دعوة إلى الإسلام تضمنت دعوة بالقوة والجهاد، وعرض ذلك على المدعوين حتى يعلموا أن القوة هي الخيار الثالث، وذلك كان في دعوته لأهل القصر الأبيض، من مدن فارس وغيرها، وقد قال لهم: (إن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء (. وقد دعاهم إلى ذلك ثلاثة أيام ثم انهدُّوا إليهم ففتحوا الحصن بالقوة. وكان من ذلك أن دخل كثير ممن في الحصن في الإسلام، ودخلت مدن أخرى في الإسلام دون قتال لما رأوا من حال من قبلهم.

стр. 354

هـ) في هدم الأصنام والتي أرسل الرسول ﷺ الصحابة ﵃ لهدمها بيان للقوة والدعوة إلى الله وإثباتها بإظهار القوة، فقد أسلم سادن سواع عندما هدم عمرو بن العاص ﵁ الصنم، وهدم خالد بن الوليد ﵁ للعزى التي بنخلة وذي الكفين صنم دوس، وهدم المغيرة بن شعبة الطاغية في الطائف، وهدم جرير بن عبدالله البجلي ذي الخلصة، وهدم علي بن أبي طالب بفلس صنم طيئ، وغيرها من الأصنام التي هدمها الصحابة، في ذلك نوع من القوة لبيان الحق وإثبات الإسلام ودحر الباطل وإزالته.

стр. 355

المبحث الثالث منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالموضوعات تمهيد: "الموضوع هو محل العرض المختص به، وقيل: هو الأمر الموجود في الذهن، وموضوع كل علم: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كبطن الإنسان لعلم الطب وكالكلمات لعلم النحو" (١). وقيل: إن الموضوع: "هو المادة التي يبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه" (٢). ولما كان موضوع دعوة الصحابة هو الأمر الموجود بذهن كل واحد منهم، ويبحث في عوارض الدعوة الذاتية، وهي ما يبني عليه الصحابة ﵃ دعوتهم، فإن جميع ذلك لا يعدو أن يكون الإسلام بجميع جوانبه هو موضوع دعوة الصحابة بل وموضوع الدعوة بشكل عام لكل داعٍ إلى الله.
следующие страницы →