← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١)، فقد عرض سليمان ﵇ الإسلام على أهل سبأ بالقوة الفعلية؛ مما جعلهم يأتونه مسلمين، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). وقد استخدم الرسول ﷺ القوة في الدعوة في مواقف كثيرة منها: خيبر عندما أرسل علي بن أبي طالب ﵁ إليهم وأمره أن يدعوهم، ومنها إرسال السرايا وأهمها فتح مكة عندما دخلها ﷺ فاتحاً وذلك بالقوة. فالقوة والتلويح بها في الدعوة أسلوب وارد، وما قامت الفتوحات الإسلامية والجهاد إلا لنشر الإسلام بين البشرية، ولأن طبيعة بعض البشر تحتاج إلى القوة حتى تتنازل عن عنادها وتفكر بعقلها كان أسلوب القوة هو الأسلوب الأمثل في التعامل مع هؤلاء. وقد استخدم الصحابة هذا الأسلوب في الدعوة وخصوصاً أثناء إرسال الرسول للسرايا ومن خلال الفتوحات الإسلامية بعد ذلك، ومن هذه المواقف والشواهد على استخدام ذلك الأسلوب ما يأتي: أ) في غزوة خيبر أرسل الرسول ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وقال له: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم ((٣)، فما كان من علي ﵁ إلا أن دعاهم بالقوة.

стр. 352

وكذلك في السرية التي بعث الرسول ﷺ بها إلى اليمن في ثلاثمائة فارس حيث كانت هي أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما لقيهم جمع من مذحج دعاهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلهم فانهزموا وتفرقوا فكف عن طلبهم ثم دعاهم إلى الإسلام فسارعوا وأجابوا (١)، فهؤلاء القوم لم يسلموا إلا بالقوة، وبعد أن رأوا بأعينهم واقع الحال وقوة المسلمين. ب) في الجيوش التي أرسلها الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ لنشر الإسلام استخدام للقوة، وقد أوصى قادة الجيوش بوصيته المشهورة والتي قال فيها: "عليكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، فإن الله ناصر دينه، ولا تغلُّوا ولا تمثِّلوا، ولا تجبنوا ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال، فإن أجابوكم فاقبلوا منهم وكُفُّوا عنهم، ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوكم فاقبلوا منهم وكُفُّوا عنهم ... وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم إن شاء الله" (٢)، وفي هذا دعوة لتبليغ الإسلام بالقوة دون ظلم أو ابتداء أو إفساد في الأرض، وهذه هي أخلاق الإسلام، وهو في هذه الوصية مُتَّبع لوصية رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية والتي وردت في صحيح مسلم من حديث بريدة الأسلمي ﵁ (٣).

стр. 353

جـ) خالد بن الوليد ﵁ قائد الجيوش الإسلامية في العراق كان يدعو الأقوام قبل قتالهم، وذلك بإرسال الكتب لهم التي تبيِّن لهم أنهم إن لم يسلموا قاتلهم المسلمون حتى ينزلوا لحكم الإسلام، فقد أرسل إلى قادة الفرس كرستم ومهران وهرمز، وأرسل كذلك إلى ملأ فارس وعوامهم، وجميع كتبه كانت تبيِّن أنه يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال. ومن بعض كتبه ما جاء فيه: (فإنا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر (. فالجهاد كان هو الأسلوب الأخير في الدعوة لدى خالد بن الوليد، وأنه أسلوب مطروح لاستخدامه في أي وقت كانت الحاجة إليه. د) كان من سلمان الفارسي ﵁ والذي جعله المسلمون داعية أهل فارس وذلك لعلمه بلغتهم، دعوة إلى الإسلام تضمنت دعوة بالقوة والجهاد، وعرض ذلك على المدعوين حتى يعلموا أن القوة هي الخيار الثالث، وذلك كان في دعوته لأهل القصر الأبيض، من مدن فارس وغيرها، وقد قال لهم: (إن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء (. وقد دعاهم إلى ذلك ثلاثة أيام ثم انهدُّوا إليهم ففتحوا الحصن بالقوة. وكان من ذلك أن دخل كثير ممن في الحصن في الإسلام، ودخلت مدن أخرى في الإسلام دون قتال لما رأوا من حال من قبلهم.

стр. 354

هـ) في هدم الأصنام والتي أرسل الرسول ﷺ الصحابة ﵃ لهدمها بيان للقوة والدعوة إلى الله وإثباتها بإظهار القوة، فقد أسلم سادن سواع عندما هدم عمرو بن العاص ﵁ الصنم، وهدم خالد بن الوليد ﵁ للعزى التي بنخلة وذي الكفين صنم دوس، وهدم المغيرة بن شعبة الطاغية في الطائف، وهدم جرير بن عبدالله البجلي ذي الخلصة، وهدم علي بن أبي طالب بفلس صنم طيئ، وغيرها من الأصنام التي هدمها الصحابة، في ذلك نوع من القوة لبيان الحق وإثبات الإسلام ودحر الباطل وإزالته.

стр. 355

المبحث الثالث منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالموضوعات تمهيد: "الموضوع هو محل العرض المختص به، وقيل: هو الأمر الموجود في الذهن، وموضوع كل علم: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كبطن الإنسان لعلم الطب وكالكلمات لعلم النحو" (١). وقيل: إن الموضوع: "هو المادة التي يبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه" (٢). ولما كان موضوع دعوة الصحابة هو الأمر الموجود بذهن كل واحد منهم، ويبحث في عوارض الدعوة الذاتية، وهي ما يبني عليه الصحابة ﵃ دعوتهم، فإن جميع ذلك لا يعدو أن يكون الإسلام بجميع جوانبه هو موضوع دعوة الصحابة بل وموضوع الدعوة بشكل عام لكل داعٍ إلى الله.

стр. 356

فكان الإسلام بمعناه الشامل من عقيدة وشريعة وأخلاق ومن أمر الدنيا والآخرة هو موضوع الدعوة، وهو الذي بلَّغه النبي ﷺ بأمر من ربه، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). ومن هنا نجد أنه لا خيار للداعي في موضوع الدعوة الرئيس، ولا يسعه جهله إلا أنه يستطيع الدعوة إلى أحد الموضوعات التي يشتمل عليها الإسلام، ومن مميزات الإسلام أنه أرشد الناس وعلمهم جميع شؤون حياتهم الشخصية والاجتماعية والاقتصادية، وعلمهم ما فيه سعادتهم وفوزهم الأبدي الدائم في الآخرة. من هذا نجد أن موضوعات الدعوة تتناول هذه الجوانب، وما تؤدي إليه في النهاية، وذلك مقصد الدعوة والغاية منها والهدف المرجو. ولأن الدعوة إلى الله هي لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا النقل لا يتم إلا من خلال تغيير ما بأنفسهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، "وتغيير ما بالنفوس معناه إحلال معانٍ صحيحة محل معانٍ فاسدة" (٣)، فلابد أن تكون هذه المعاني موافقة لما جاء به الكتاب والسنة؛ لذلك كانت هذه المواضيع التي تبنى عليها هذه المعاني، وهي لا تتعدى الموضوعات الرئيسة للإسلام مثل:

стр. 357

أ) العقيدة (التوحيد والإيمان). ب) الشريعة (المعاملات والعبادات). جـ) الأخلاق (الآداب والسلوك). وهذه هي الموضوعات التي تطرق إليها الصحابة ﵃ في منهجهم في الدعوة، وسوف نتحدث عن كل موضوع وطريقة الصحابة في التطرق لهذه الموضوعات. المطلب الأول: مواضيع العقيدة في دعوة الصحابة ﵃ - للمشركين من غير أهل الكتاب إن أصول العقيدة الإسلامية هي أركان الإيمان الستة والتي وردت في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ((١)، وهذه الأصول هي: ١ - الإيمان بالله. ٢ - الإيمان بالملائكة. ٣ - الإيمان بالكتب. ٤ - الإيمان بالرسل. ٥ - الإيمان باليوم الآخر. ٦ - الإيمان بالقدر خيره وشره.

стр. 358

وقد دعا الصحابة ﵃ إلى هذه الأصول في موضوعات دعوتهم سواء بطريقة مباشرة أو بطرق غير مباشرة، إلا أنها تدل وتشير إلى أحد هذه الأصول، وذلك حسب الموقف والمكان والمدعو ومجال الدعوة، ومن هذا المنطلق سوف نذكر هنا كل أصل من هذه الأصول الستة على انفراد، ونضرب له مثلاً من دعوة الصحابة، وتطرقهم لهذا الأصل والدعوة إليه. ١ - الأصل الأول: الإيمان بالله: "الإيمان هو تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح" (١). أما الإيمان بالله فيعرفه الشيخ محمد بن عبدالوهاب بقوله: "أما معنى الإيمان بالله هو أن تعتقد بأن الله هو الإله المعبود وحده دون سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم" (٢). وقد حرص الصحابة ﵃ على هذا الأصل، وقاموا بالدعوة إليه والاهتمام به، ونبذوا كل ما هو معارض له، ومن ذلك دعوة أبي بكر الصديق ﵁ لعثمان بن عفان ﵁ عندما أتاه عثمان وذكر له ما سمع من خالته (٣)، فقال له أبو بكر ﵁: "ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة؟ صُمٌّ لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، قال عثمان: بلى

стр. 359

والله إنها كذلك، قال: فقد والله صدقتك خالتك، هذا رسول الله ﷺ محمد بن عبدالله قد بعثه الله تعالى برسالته إلى خلقه". وقد أوردت هذا الشاهد دون غيره؛ لأن فيه بيان الاعتقاد بالله وحده والتخلص من عبادة غيره. فقوله ﵁: "هذا رسول الله ﷺ محمد بن عبدالله قد بعثه الله تعالى برسالته إلى خلقه" فيه اعتقاد بأن من أرسل هذا الرسول هو الإله المعبود الواحد وإلا لما كان أرسل الرسول إلى الخلق، وقوله: "ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة؟ صُمٌّ لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع" فيه تخلُّص من جميع أنواع العبادة التي لغير الله فكان في قوله (إخلاص وتخلُّص). ٢ - الأصل الثاني: الملائكة الكرام: "الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله من نور: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (١)، يقومون بأمر الله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) " (٣). "ومعنى الإيمان بالملائكة هو الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله مربوبون مسخَّرون ولا يسأمون ولا يستحسرون" (٤).

стр. 360

"والإيمان بالملائكة يكون أولاً بأن نؤمن بأسماء من علِمْنا اسمه منهم، وثانياً بأوصاف من علمنا وصفه، وثالثاً بأعمال من علمنا عملهم" (١). وقد أشار الصحابة في دعوتهم إلى الإيمان بالملائكة، وذلك من خلال ذكر الآيات التي ذكرت الملائكة وأنهم عباد الله، كما في قراءة مصعب بن عمير ﵁ أوائل سورة الزخرف على سعد بن معاذ ﵁ وفيها ذكر للملائكة قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢)، وقد كان العرب يؤمنون بوجود الملائكة، وقد جعلوهم إناثاً، ومنهم من قال إنهم بنات الله، إلا أن الإسلام ينقض ذلك ويبين لهم أنّ الملائكة عباد الله، وقد سأل قيس بن نشبة الأسلمي ﵁ الرسول ﷺ عندما جاء إليه بعد الخندق، وهو لم يسلم بعد، فقال: إني رسول من ورائي من قومي وهم لي مطيعون، وإني سائلك عن مسائل لا يعلمها إلا من يوحَى إليه، فسأله عن السموات السبع وسكانها وما طعامهم وما شرابهم، فذكر له السموات السبع والملائكة وعبادتهم ... ، فأسلم ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا (٣)، فمن البديهي أنه عندما عاد إليهم أخبرهم بما أخبره به رسول الله ﷺ ومنه الإيمان بالملائكة بما ذكر له الرسول من صفاتهم وأخبارهم.

стр. 361

٣ - الأصل الثالث: الكتب السماوية: الكتب: جمع كتاب، بمعنى مكتوب، والمراد بها: "الكتب التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة" (١). "والإيمان بهذه الكتب هو الإيمان بما سمَّى الله تعالى منها في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور، وأن نؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى" (٢)، ويقول الشيخ أبو بكر الجزائري: "يؤمن المسلم بجميع ما أنزل الله تعالى من كتب وآتى بعض رسله من صحف، وأنها كلام الله أوحاه إلى رسله ليبلغوا عنه شرعه ودينه، وأن القرآن الكريم أعظم هذه الكتب والمهيمن عليها والناسخ لجميع شرائعها وأحكامها" (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٤). والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور (٥): أ) الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً.

стр. 362

ب) الإيمان بما علمنا اسمه كالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور، أما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً. جـ) تصديق ما صحَّ من أخبارها كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدَّل أو يحرَّف من الكتب السابقة. د) العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١). وقد علم الصحابة ﵃ أهمية الإيمان بهذه الكتب، وقد أدخلوها ضمن دعوتهم إلى الله سبحانه؛ لأنها من الإيمان، فكان منهم أن بينوا أن هناك أهل كتب سماوية أنزلت عليهم من الله، ومن ذلك ما ذكره العلاء بن الحضرمي للمنذر بن ساوى ﵄ عندما كان يدعوه مذكِّراً له بـ "علم أهل الكتاب"، ففي ذلك بيان للإيمان بالكتب وأن لها أتباعاً وهم أهل الكتاب. ٤ - الأصل الرابع: الرسل ﵈ -: الرسل جمع رسول، "وهو من أوحي إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه" (٢)، لذا كان من الإيمان برسالته ﷺ الإيمان بجميع الرسل ﵈، والإيمان بهم هو

стр. 363

"التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يُعبد من دونه، وأن جميعهم صادقون مصدَّقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الطاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيَّدون، وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به لم يكتموا ولم يغيروا ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفاً ولم ينقصوه، وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين" (١)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، وهؤلاء الرسل جميعهم يدعون إلى توحيد الله ، ولا تعارض فيما يدعون إليه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلَّات، أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد" (٣)، وأن هؤلاء الرسل ما هم إلا بشر كسائر البشر إلا أن الله فضَّلهم على خلقه برسالته، قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٤). وقد آمن الصحابة بذلك فدعوا إلى التصديق برسول الله ﷺ ، ففي قصة ضمام بن ثعلبة مع قومه مثال على ذلك، عندما قال لهم: إن الله قد بعث رسولاً. وفي التصديق ببقية الرسل ما قرأه مصعب بن عمير على عمرو بن الجموح

стр. 364

من سورة يوسف، وفيها ذكر ليوسف وأبيه يعقوب وإخوته ﵈ أجمعين. وكذلك ذكر موسى ﵇ في سورة طه عندما قرأها عمر بن الخطاب عند أخته وزوجها، فكل ذلك بيان للإيمان بالأنبياء وعدم إنكارهم ﵈. ٥ - الأصل الخامس: اليوم الآخر: "اليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يُبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسُمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم" (١). والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، والصراط والميزان والحساب والجزاء، ونشر الصحف بين الناس، والحوض المورود، والجنة والنار، ورؤية المؤمنين ربهم وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن والسنة الصحيحة (٢). وقد كان المشركون لا يؤمنون باليوم الآخر ولا بالبعث والحساب، وقد أنكروا ذلك واستهزؤوا به، وقال الله فيهم: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (٣). وقد جاء أبي بن خلف إلى الرسول ﷺ بعظم حائل قد بلي فقال: يا محمد،

стр. 365

أترى الله يحيي هذا بعدما قد رمَّ؟ فقال: "نعم ويبعثك ويدخلك النار" (١)، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢)، وبهذا كان الإيمان باليوم الآخر والدعوة إليه من الأصول المهمة في دعوة الصحابة، وإن كان كل أمور العقيدة مهمة، وقد دعا الصحابة إلى الإيمان بالجنة والنار والبعث، ومن ذلك ما قاله عمرو بن مرة الجهني لقومه عندما دعاهم للإسلام فكان مما قال: (فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار .... تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة (؛ فذكر الجنة والنار وكرامة الآخرة، وهي دعوة إلى الإيمان باليوم الآخر وما يدخل فيه مما ذكره الشيخ ابن باز ﵀ سابقاً. ٦ - الأصل السادس: الإيمان بالقدر: "القدر بفتح الدال: تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق علمه واقتضته حكمته" (٣)، "وأنه لا يقع شيء في الوجود حتى أفعال العباد الاختيارية إلا بعد علم الله وتقديره، وأنه تعالى عدل في قضائه وقدره، حكيم في تصرفه وتدبيره، وأن حكمته تابعة لمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به تعالى" (٤)، قال تعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٥)، ويتضمن الإيمان بالقدر أموراً أربعة (٦):

стр. 366

الأول: أن الله قد علم ما كان وما يكون وأحوال العباد وأرزاقهم وآمالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدَّره وقضاه كما قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٢). الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٤). فالإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان التي يجب أن يؤمن بها كل مسلم، ومن هنا يجب أيضاً أن يدعو إليه بكل أسلوب سواء كان أسلوباً مباشراً أو غير مباشر، وأن يستخدم كل وسيلة صالحة لكي يوصل فكرة الإيمان بالقدر، وذلك ما قام به عروة بن مسعود ﵁ عندما دعا قومه فقتلوه فقال لهم قبل أن يموت: هي كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله لي، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ قد أخبرني بهذا أنكم تقتلوني.

стр. 367

فنجد أنه مؤمن بالقدر وقد عدَّه كرامة وشهادة، كما بيَّن أن ذلك مقدَّر له من قبل بإخبار الرسول ﷺ له أنهم سوف يقتلونه فكان ما قُدِّر له. المطلب الثاني: مواضيع الشريعة في دعوة الصحابة ﵃ - كان الناس قبل مبعث النبي ﷺ تحكمهم شرائع الأقوى، وأنظمة المستبدِّ، فكل ما تولَّى قوم على قوم حكَّموا شرائع يضعها المنتصر، وتخدم مصالحه، فقد طبَّق الفرس شرائعهم على البلاد والأقوام التي تحت سيطرتهم، كالعراق والبحرين واليمن وبعض قبائل العرب التابعة لهم، وأما الروم فطبَّقوا شرائعهم على الشام ومصر ومن والاهم من العرب، كما مارس أهل الديانات الأخرى شرائع ضالة ومضلة، منها ما هو محرَّف عن شرائع سماوية، ومنها ما هو شرائع وضعية، ومع ذلك لم تأت هذه الشرائع إلى البشر بما يتكفَّل بأمور الإنسان الكاملة، ولم تشبع حاجاته الدنيوية والأخروية؛ لذلك كان يسهل عليه أن يتنقل من شريعة إلى أخرى حسب الظروف المحيطة، ولكن بعد ظهور الإسلام وبعثة النبي ﷺ أتى بشريعة الله التي تشمل جميع مناحي الحياة، وتحيط بجميع جوانبها، وأخرج الناس من اتباع أهواء بعضهم إلى اتباع أمر الله وشريعته: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وفي هذا أمر للنبي ﷺ ومن تبعه باتباع شريعة الله، والابتعاد عن شرائع البشر، ومن هذا كان الصحابة يستمدون دعوتهم إلى الشرائع من الوحي الرباني الذي أوصى به

стр. 368

الله رسوله ﷺ . فكما كان للعقيدة نصيب في دعوة الصحابة فإن الشريعة كان لها نصيب أيضاً في دعوتهم، وذلك "أن الشريعة التي تتمثَّل في العبادات بأنواعها، والمعاملات، وأنظمة الاقتصاد، والحكم، والسياسة، والأسرة، والجماعة، والأمة، ما هي إلا ترجمة العقيدة، وثمرة من ثمراتها، وممارسة عملية لأركانها" (١)، ومن هنا تطرق الصحابة ﵃ إلى عدد من مجالات الشريعة، ودعوا إليها المشركين، وهو ما سوف نتحدث عنه في هذه الفقرة. ١ - دعوة الصحابة ﵃ إلى الطهارة: "الطهر، ضد الدنس، طهر الرجل فهو طاهر، والطهارة اسم ومصدر للطاهر" (٢)، "وقوم يتطهرون، أي: يتنزَّهون من الأدناس، ورجل طاهر الثياب، أي: متنزِّه" (٣)، (وهي عبارة عن النظافة ((٤). أما في الاصطلاح فالطهارة "هي إزالة حدث أو نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما" (٥)، "وقيل: هي: النظافة من النجاسة" (٦)، يقول الجرجاني: "إن الطهارة في الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة" (٧).

стр. 369

وقد أمر الله المؤمنين بالطهارة بجميع أشكالها، ومنها طهارة الجسد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢). وقد وردت الطهارة في مواضع كثيرة في القرآن والحث عليها، وفي السنة عن النبي ﷺ كانت الطهارة مدار كثير من الأحاديث، فمنها قوله ﷺ : "البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب" (٣)، وقوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض ... " (٤). وبهذا كانت الطهارة من الأهمية بمكان ما جعلها لا تصح صلاة إلا بها، ففيها تطهير للبدن، وللنفس، وقد حرص الصحابة ﵃ أن يدعوا المشركين إليها في دعوتهم إلى شرائع الإسلام، وذلك تطبيقاً للمنهج السليم في الدعوة. ومن هذه الأمثلة ما كان من دعوة مصعب بن عمير لأسيد بن الحضير وسعد بن معاذ عندما أرادا أن يدخلا في الدين، فبيَّن لهما أن يغتسلا ويطهِّرا ثيابهما، وكذلك ما فعلته فاطمة بنت الخطاب عندما طلب منها أخوها عمر ﵄ أن

стр. 370

يقرأ القرآن من الصحيفة، فقالت له: إنه لا يمسُّه إلا المتطهِّرون، فقام واغتسل وأعطته الصحيفة، ودعوة الطفيل بن عمرو الدوسي لأبيه وزوجته أن يغتسلا وأن يتطهَّرا، وغيرهم كثير. وفي هذا إشارة إلى أن هذا الدين هو دين دعوة إلى الطهارة والنقاء والنظافة بجميع أشكالها، سواء الجسدية أو الروحية. ٢ - دعوة الصحابة ﵃ إلى الصلاة: الصلاة من أهم العبادات التي دعا إليها الإسلام لعظم قدرها، وسموِّ مكانتها. ولما كانت الصلاة عبادة يتحقق فيها التجرد لله وحده، وتربية النفس على المعاني الإيمانية التي تُعِدُّ المؤمن لحياة كريمة في الدنيا وسعادة سرمدية في الآخرة، كانت سنة متتابعة عبر الرسالات وصلة بخالق الأرض والسماوات، وزاداً يعين النفس على التزام الطاعات والبعد عن المحرمات (١). وقد أمر الله بها عباده، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ((٣).

стр. 371

وقد فرض الله الصلاة على النبي ﷺ قبل الهجرة بثلاث سنين، وأمر بها أصحابه، ودعا إليها، فكانت أساسية في دعوة الصحابة، فهذا مصعب يدعو أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ ويشرح لهما الصلاة، وذلك عند بداية دخولهما للإسلام. كما أن عروة بن مسعود ﵁ قام بالأذان بالصلاة وذلك على غرفة له، لكي يوضِّح أمر الصلاة لقومه، وأبو بكر الصديق ﵁ يصلي في داره، وكانت النساء والأطفال ينظرون إليه حتى إن قريشاً غضبت لذلك. ومن الدعوة للصلاة أيضاً كتب القادة من المسلمين ومنها كتاب خالد بن الوليد ﵁ إلى أهل المدائن الذي قال فيه: "وأنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا" (١). فكانت الصلاة من الموضوعات الأساسية في الدعوة إلى الشريعة عند الصحابة ﵃. ٣ - من دعوة الصحابة ﵃ إيضاح ما يحرِّم الله من الطعام: من شريعة هذا الدين بيان ما يحل وما يحرم من الأطعمة، وتم إيضاح ذلك في القرآن والسنة، كما أنه كان من الأنبياء ﵈ قبل النبي ﷺ أن يبينوا لأقوامهم ما يحل لهم ويحرم من الطعام، فلكل أمة شريعة تتبعها، وحرم عليها ما لم يحرم على غيرها، وأحل لها ما

стр. 372

لم يحل لغيرها، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (١). كما أن المشركين حرموا على أنفسهم من تلقاء أنفسهم أنعاماً أحلها الله لهم، وجعلها رزقاً ورحمة ليتمتعوا بها وينتفعوا، إلا أنهم حرموا أنفسهم منها، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). فأنزل الله قرآناً ووحياً إلى نبيه ﷺ يبين له تفنيد مزاعم هؤلاء المشركين، ويبين لهم ما حرم عليهم، وما أحل لهم، وأنَّ ما هم فيه إنما هو من جاهليتهم، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٣)، وحرم الله من الشراب الخمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). والأدلة على تحريم بعض

стр. 373

الأطعمة والأشربة موجودة في القرآن والسنة، وليس مجالنا هنا ذكر ما حرم من الطعام، إنما ذكر دعوة الصحابة إلى تحريم ما حرم الله سبحانه من المأكل والمشرب. فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁، يأتي قومه يعرض عليهم الإسلام، فجاؤوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها وأكلوا ودعوا أبا أمامة ﵁ فقال لهم: إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم إلا ما ذكَّيتم، كما أنزل الله، قالوا: وما قال؟ قال أمامة: نزلت هذه الآية فقرأ عليهم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (١). وقد بيَّن خالد بن الوليد ﵁ أيضاً أن من الإسلام أكل ذبيحة المسلمين، وذلك في كتابه لأهل المدائن السابق ذكره. ونجد هنا أن الصحابة ﵃ لم يتجاوزوا في دعوتهم الأكل والشرب إنما دعوا إلى ما أحل الله من الطعام وما حرم، وفي ذلك بيان لشريعة من شرائع الإسلام، قاموا بإبلاغها للناس ودعوتهم إلى اتباعها. ٤ - دعوة الصحابة ﵃ إلى صلة الأرحام: صلة الرحم من الأمور المهمة التي حث عليها الإسلام، حتى إن الله ربطها باسمه، ووصل من وصلها، وقطع من قطعها، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك

стр. 374

من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك ((١). وقد قطعت الرحم في الجاهلية وأهينت، بل إن الرجل ليقطع رحمه من أجل الدنيا ويخلف والده على امرأته بعد وفاته، وذلك ما أشار إليه عمرو بن مرة ﵁ في دعوته قومه. ومن الدعوة إلى صلة الرحم بقاء الصحابة ﵃ على اتصال بأرحامهم مع أذيتهم لهم، ومحاربتهم إياهم كمصعب بن عمير مع والدته. ٥ - دعوة الصحابة ﵃ إلى تحريم زواج المحارم: وضع الإسلام شرائع ونظماً تحدد زواج الأقارب ما يحل زواجه وما يحرم، وورد ذلك في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).

стр. 375

ومن هذا استمد صحابة رسول الله ﷺ دعوتهم إلى تحريم زواج المحارم، وتحديد الحلال من الحرام في هذا الأمر، وكان من ذلك دعوة عمرو بن مرة الجهني ﵁ عندما دعا قومه فكان فيما قال لهم: "إن الله جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من العرب، فإنهم كانوا يجمعون بين الأختين ويخلف الرجل على امرأة أبيه"، وفي هذا استنكار لما تقوم به العرب وبيان لما يدعو إليه الإسلام من تحريم الزواج من الأخت وامرأة الأب. وأيضاً ما ذكره العلاء بن الحضرمي ﵁ للمنذر بن ساوى عندما قال له عن دين المجوسية: "وينكحون ما يستحيا من نكاحه"، وكان المجوس يحلون زواج الأخ بالأخت، وفيه بيان أن الإسلام يحرم نكاح الأخت، وبذلك كانت دعوتهم ﵃ إلى إثبات شريعة الزواج في الإسلام، وإيضاح حلاله من حرامه. ٦ - دعوة الصحابة ﵃ إلى تحية الإسلام بدلاً من تحية الجاهلية: "السلام عليكم ورحمة الله" هي تحية بني آدم، وتحية الإسلام، وتحية أهل الجنة التي أمر الله نبيه ﷺ باتباعها، واستبدال تحية الجاهلية بها، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلِّم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله" (١)، وقد ذكر الطبراني في "المعجم الكبير" في قصة عمير بن وهب الجمحي

стр. 376

عندما ذهب إلى المدينة ليقتل رسول الله ﷺ ودخل عليه المسجد فقال للرسول ﷺ : أنعموا صباحاً، فقال رسول الله ﷺ : (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ السلام تحية أهل الجنة ((١). وقد دعا عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قومه ثقيفاً إلى الإسلام، وكان من أول ما دعاهم إليه إنكاره لتحية الجاهلية، وأمرهم بتحية أهل الجنة: السلام، فآذوه ونالوا منه، ولم يمنعه ﵁ وجوده بينهم من أن يدعوهم إلى شريعة من شرائع الإسلام التي جعلها الله سبحانه تحية أهل الجنة وتحية آدم وذريته منذ بداية الخلق وإلى دخول الجنة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (٣).

стр. 377

المطلب الثالث: مواضيع الأخلاق في دعوة الصحابة ﵃ - للمشركين من غير أهل الكتاب الأخلاق هي الموضوع الثالث من موضوعات دعوة الصحابة للمشركين، وهي مترابطة مع الموضوعات الأخرى (العقيدة، الشريعة) ومتداخلة معها، فهي مستمدة من عقيدة هذا الدين ومتداخلة مع شرائعه، فالأخلاق التي لا تنبع من عقيدة إسلامية صافية لا تنفع صاحبها عند الله، ويستوي فيها المسلم والمشرك، كما أنها إن لم ترتبط بتطبيق الشرائع والحث عليها فهي أخلاق سلبية لم تؤدِّ واجبها تجاه هذا الدين؛ لذلك نجد أن الأخلاق متصلة بالدعوة ومتوافقة معها، فبالأخلاق يدعو المسلم وإلى الأخلاق يدعو، ومن هنا سوف نبحث في مفهوم الأخلاق وفضلها في الإسلام ودعوة الصحابة إليها. وقد استمد الصحابة دعوتهم من دعوة رسول الله ﷺ ، فكان للأخلاق فيها نصيب كبير، وذلك من خلال الدعوة إليها أو الدعوة بها أو الاتصال بها، فلم تكن تخلُ دعوة أحد من الصحابة من هذه الحالات، ولأن الأخلاق لها تأثير في المدعوين لذلك كان لها أثر في الاستجابة والقبول من الآخرين، فكانت الدعوة إلى الأخلاق صراحة أو ضمناً أو بالقدوة، ومن دعوة الصحابة إلى الأخلاق وبالأخلاق ما يأتي: ١ - اللطف واللين في دعوة الصحابة ﵃ -: كان للطف مكان في دعوة الصحابة ﵃؛ حيث اشتملت دعوتهم على التلطُّف والتودُّد للمدعو؛ مما كان له الأثر الواضح في استجابة الدعوة، وقد

стр. 378

أوضح الله أثر اللطف واللين في تأليف قلوب الناس، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١)، ففي هذه الآية بيان أنَّ اللين واللطف هو من الرحمة التي أعطاها الله العباد، وأن ذلك سبب في التفاف الناس حول الدين، كما أن الرسول ﷺ قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" (٢). وقال ﷺ : "من يحرم الرفق يحرم الخير" (٣)، فربط الرفق بالخير، وأي خير كاستجابة المدعو لدعوة الداعي. وهنا نجد أن الصحابة استخدموا اللين والرفق في الدعوة؛ ليبينوا أن الإسلام دين رفق ولين ولطف، فقد وضح ذلك في مواقف كثيرة منها موقف مصعب بن عمير عندما أتاه أسيد بن الحضير حاملاً حربته متشتماً فما كان من مصعب ﵁ إلا أن ألان له القول وقال له: "أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره"، فكان لردة فعل مصعب تأثير على أسيد ﵁، وفيها بيان أن هذا الدين يدعو إلى الرفق واللين وحسن الخطاب وعدم الشدة والقسوة. ٢ - الرحمة في دعوة الصحابة ﵃ -: في الرحمة مراعاة لحاجات النفس البشرية واستمالتها، وذلك حتى لا تنفر عن الخير وتبتعد عنه، ومن أخلاق هذا الدين الرحمة التي يدعو إليها، فقد

стр. 379

قال ﷺ : "ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" (١)، وقد رغَّب في الرحمة فجعل لها فضلاً كبيراً، كيف ونبي هذه الأمة هو نبي الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فأمر أصحابه بالرحمة بالعباد كما أمرهم برحمة البهائم وذلك في مواقف متعددة، ولا يوجد دين يأمر أتباعه بالرحمة ويحثهم عليها ويرغِّبهم بالتخلق بها والتعامل بينهم على أساسها كما وجد في الإسلام، كما حذر من القسوة وعدم الرحمة بجميع المخلوقات بشراً كانوا أو من البهائم، مؤمنين أو كفاراً، فنهى عن التمثيل والضرب والتعذيب والترويع. وقد حرص صحابة رسول الله ﷺ على أن يجعلوا للرحمة موضعاً في دعوتهم سواء بالدعوة إليها أو الدعوة بها والتحلي بها، فقد رحم أبو ذر ﵁ حويطب بن عبدالعزى وأظهر له الرحمة في إجارته وإجارة أبنائه يوم فتح مكة وأمَّنهم حتى اجتمعوا؛ مما كان له أثر في إسلام حويطب ﵁، وكذلك رحمة الحارث بن مسلم التميمي للقوم الذين كادوا أن يكونوا غنيمة له ولأصحابه إلا أنه دعاهم إلى "لا إله إلا الله" لكي يعصموا دماءهم ويدخلوا في الإسلام ولا يراق لهم دم ففعلوا ونجوا من القتل والسبي في الدنيا ومن عذاب النار في الآخرة. ولو تتبعنا قصص الصحابة لوجدناها تزخر بمواضيع الرحمة وما يتعلق بها من رحمة الأب بابنه والابن بوالده والقريب بقريبه والصديق بصديقه والمسلم بالمشرك

стр. 380

وغيرهم، فالرحمة موضوع متداخل مع كثير من المواقف والحوادث الدعوية. ٣ - العفو في دعوة الصحابة ﵃ -: العفو لا يكون إلا من قادر؛ فلا يعفو من لا يقدر، والله هو العفو الغفور الذي يعفو عن خلقه، وقد جعل هذه الصفة خُلقاً يتخلق بها عباده، والعفو "هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه" (١). وقد أمر الله بالعفو وجعل له أجراً عظيماً، فقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، يقول الشيخ السعدي في هذه الآية: "جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل" (٣). وقد عفا الرسول ﷺ عن كثير ممن أساؤوا له، ولم يحاسبهم على عملهم فيه، ومن ذلك ما فعله مع مشركي قريش يوم الفتح عندما عفا عنهم، كما عفا عَمَّن تخلَّفوا عن غزوة تبوك من المنافقين، فالعفو من خلقه ﷺ وتخلَّق به أصحابه ﵃. فهذا علي ﵁ عندما أرسله الرسول ﷺ بسرية إلى اليمن عندما لقي جمعاً دعاهم إلى الإسلام إلا أنهم أبوا ورموا أصحابه فحمل عليهم فانهزموا وتفرقوا وتركوا لواءهم قائماً، فكف عن طلبهم ودعاهم إلى الإسلام مرة أخرى

стр. 381

فأسلموا وبايعوه على الإسلام، فعندما قدر علي ﵁ على من رموا أصحابه عفا عنهم ولم يطلبهم بل أكمل دعوته لهم للإسلام، وفيها بيان للعفو والصفح مما تسبب في إسلامهم. وفي قصة عروة بن مسعود ﵁ عندما دعا قومه فأصابوه فعفا عمن أصابه ليصلح بين قومه، في هذه القصة مثال للعفو في دعوة الصحابة ﵃ وأرضاهم. ٤ - البر وصلة الرحم في دعوة الصحابة ﵃ -: دعا الصحابة ﵃ إلى البر وصلة الرحم في مواقف عدة، ووصلوا أرحامهم مع أن الطرف الآخر قد قطعها؛ وذلك لعلمهم ﵃ بفضل صلة الرحم والقيام بها حتى مع من هم على غير الإسلام، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١). ومن فضل صلة الرحم قوله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" (٢)، وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع" (٣)، ومن هذا استمر الصحابة في صلة رحمهم وفي دعوتهم والاتصال بهم، والدعوة إلى صلة الرحم بينهم. فهذا مصعب بن عمير يزور أمه بعد عودته من المدينة،

стр. 382

وهي مَن عاداه وعذبه، فيقول لها: يا أمَّه، إني لك ناصح وعليك شفيق فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وهذا طليب بن عمير ﵁ يحرص على إسلام أمه أروى بنت عبدالمطلب ويدعوها ويرغِّبها حتى أسلمت. كما أن في دعوتهم ﵃ أهلهم أيضاً تذكيراً بصلة الرحم، وأن الرسول ﷺ اتصف بها، فعندما لحقت أم حكيم بزوجها عكرمة لتؤمِّنه وتدعوه كان مما قالت له: "يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس"، فذكرت الوصل في رسول الله ﷺ لتبين أن نبي هذا الدين هو نبي صلة الرحم. وعندما دعا عمرو بن مرة الجهني ﵁ قومه كان فيما قال: "إني رسول رسول الله إليكم أدعوكم إلى الإسلام وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام". وكم من المواقف التي وصل الصحابة فيها رحمهم دعوة للإسلام، ودعوا إليها ﵃. ٥ - دعوة الصحابة ﵃ إلى المروءة: "يقول الليث: المروءة: كمال الرجولة، وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة" (١)، ويقول الفيومي: "إن المروءة هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات" (٢)، وبما أن المروءة هي ما ذكرنا تعريفه آنفاً فإن الصحابة ﵃ اتصفوا بها وتواصوا عليها وذلك اتباعاً للرسول ﷺ في الحث على كثير من أمور المروءة ومكارم الأخلاق، قال ﷺ : "إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق ويبغض سفاسفها" (٣).

стр. 383

وقد جعل الصحابة ﵃ للمروءة ومعالي الأخلاق نصيباً في دعوتهم، ففي دعوة عمرو بن مرة الجهني لقومه التي ذكرنا بعضها في الفقرة السابقة، دعوة إلى المروءة وتجنب سفاسف الأمور، فيقول لقومه: "يا معشر جهينة، إن الله جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من الرفق؛ لأنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والترات في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة"، فقد بين أنهم من خيار العرب بسبب المروءات التي يتحلون بها وهي ما يدعو الإسلام إليها. وفي دعوة العلاء بن الحضرمي ﵁ للمنذر بن ساوى أيضاً دعوة إلى المروءة ومعالي الأخلاق، ومن ذلك قوله عن الرسول ﷺ : "هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدِّقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به؟ " فعدَّد العلاء ﵁ أمور المروءة من الصدق والأمانة والثقة وأنها من صفات الرسول ﷺ وما جاء به من عند ربه، فحري بكل من لديه مروءة أن يصدق ما جاء به رسول الله ﷺ .

стр. 384

الفصل الرابع خصائص منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب وأوجه الاستفادة منها وفيه مبحثان: المبحث الأول: خصائص منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب. المبحث الثاني: أوجه الاستفادة من منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب في العصر الحاضر.

стр. 385

المبحث الأول: خصائص منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب لمنهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين الكثير من الخصائص التي تميز منهجهم عن غيره، وجعلته في مقام الصدارة بالنسبة للمناهج الدعوية الأخرى سواء السابقة للدين الإسلامي أو اللاحقة، إسلامية أو غيرها. وقد ساعد منهج الصحابة ﵃ عوامل عدة ليختص بخصائص تميزه عن غيره، ومن هذه العوامل الظروف والمكان اللذان عاشوا فيه والبيئة المحيطة بهم وبأقوامهم، ووضع المسلمين في ذلك الوقت، بالإضافة إلى الزمان الذي وجدوا فيه، الذي هو مبعث النبي ﷺ ، وهو أقوى الخصائص، وبالإضافة إلى ذلك خصائصهم الفردية والنفسية. ومع ذلك كله كان لمنهج الصحابة ميزة مستمدة من تميزهم وخصائص نابعة من صحبتهم لرسول الله ﷺ ؛ لذلك سوف نتطرق إلى الخصائص التي يتصف بها منهج الصحابة دون غيرهم، وذلك كالآتي:

стр. 386

الخاصية الأولى: تلقي العلم مباشرة من الرسول ﷺ والرجوع إليه عند الاختلاف: لقد كان منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين مستنداً على تلقي العلم من الرسول ﷺ مباشرة، والسماع منه؛ فكانوا يجالسونه ولا يفارقونه، ويأخذون منه، ويحفظون، ويتخلقون بأخلاقه، ويقتدون بتصرفاته وأفعاله، فلا يفوتهم من علمه شيء، وذلك لحرصهم على ذلك؛ فهم الوحيدون في هذه الأمة الذين تلقوا العلم منه ﷺ مباشرة؛ لأنه لم يلقَه ولن يلقاه من المسلمين جميعاً منذ بداية البعثة إلى يوم القيامة إلا الصحابة ﵃، فهم تلامذته ﷺ الذين تخرجوا من مدرسته، وتحت يديه، فهذه خصيصة لم تحصل إلا لهم، بنوا عليها منهجهم في كل أمر، ومن ذلك أمر الدعوة، بالإضافة إلى أنهم كانوا يسألون الرسول ﷺ في كل أمر استشكل عليهم، ولم يكن هناك أحد غيره يسألونه، وقد أشار الله إلى ذلك في مواضع عديدة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ (٤)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٥)، وغيرها من الآيات، وفي كل سؤال من هذه الأسئلة يأمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيبهم، وذلك بقوله: بعد كل سؤال:

стр. 387

﴿قُلِ﴾، وفي ذلك تعليم لهم وإجابة لهم من الله فيما سألوه، وهذه الخاصية من الخصائص التي لا يمكن لأي منهج دعوي أن يشارك منهج دعوة الصحابة فيها حتى مَن هم بعدهم مباشرة. الخاصية الثانية: أن المنهج صادر من خير الخلق بعد الأنبياء ﵈ -: مما اختص به منهج الصحابة ﵃ أنه ارتبط بهم، ونبع منهم؛ فكان له من المميزات ما كان لهم ﵃ من فضل وخيرية؛ فكان منهجهم نابعاً من قوله ﷺ : (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (١)، ويقول النووي في شرح الحديث في قوله: "أتى أمتي ما يوعدون" معناه ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه (٢). وهذا معناه أن منهجهم ﵃ اختص بالأمان من ذلك كله، وذلك بفضلهم عمن سواهم، ففضلهم انعكس على فضل منهجهم، وخيريتهم جعلت منهجهم خير المناهج، وذلك أنهم من قرن رسول الله ﷺ الذي قال فيه: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ((٣).

стр. 388

فجميع ما ينسب إلى الصحابة من فضل هو منسوب لمنهجهم، وقد تبين ذلك في خروج البدع والخلافات المذهبية بعد ذهاب الصحابة جميعهم، فقد كان وجودهم ركيزة ثابتة تحمي الأمة من الانحراف إلى أن ذهبوا فأتى الأمة ما توعد، كما أخبر الرسول ﷺ . الخاصية الثالثة: العقيدة الصافية النقية لدى أصحاب المنهج: مما لا شك فيه أن العقيدة السليمة الصافية تنعكس على تصرفات معتقديها وأعمالهم، وطريقة حياتهم وعبادتهم، وهذه الخاصية تنعكس على منهج صحابة رسول الله ﷺ ؛ لأن عقيدتهم أصح العقائد وأسلمها وأنقاها، لم يخلطوا بين الإسلام وغيره لسلامة قلوبهم، قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب أصحابه فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ ((١). الخاصية الرابعة: منهج الصحابة ﵃ معتمد على السماحة وعدم التكلف: إن أكثر ما يعيق مسيرة الدعوة التكلف فيها وفي إجراءاتها وعلومها ونظرياتها؛ مما يزيد الحمل والعبء على الداعي ويبعده عن السماحة التي بدورها قد تكون موصلة للدعوة أفضل من غيرها، وهذه السماحة هي ما تميز

стр. 389

به منهج الصحابة ﵃ واختص به، فقد كان الواحد منهم يدعو قومه وأهله بعدة كلمات، كما فعل سعد بن معاذ ﵁، ويستجيبون له، ولم يكن لهم ﵃ نظريات يتبعونها أو وسائل وأساليب يتقيدون بها إلا ما يقيدهم من الدين، فسهَّلوه فدخل فيه الناس مقتنعين مهتدين. فكان منهجهم سهلاً من غير تكلف أو تعقيد، ويشتمل على الوضوح والاختصار بعيداً عن الأفكار الفلسفية الصعبة الفهم والتصديق، وبعيداً عن الألفاظ المنمقة المتكلفة التي قد تصيب المدعو بالملل، فسهولتهم نبعت من فطرتهم وبيئتهم وصدق ضمائرهم؛ لأنه لا يوجد لديهم ما يخفونه أو يخافون منه، وذلك نابع من سماحة الدين الإسلامي وسماحة تعاليمه ومعتقداته، فلا تحتاج إلى تعقيد أو تكلف. الخاصية الخامسة: منهج الصحابة ﵃ في الدعوة نابع من إيمان وعقيدة وليس عملاً وظيفياً: إن دعوة الصحابة للمشركين والإصرار عليها والحرص على نشرها والجهاد من أجلها، وبذل الغالي والنفيس لتبليغها إنما هو نابع من أمر استقر في أنفسهم ووقر فيها، وتملَّك أرواحهم منذ أول لحظة دخلوا فيها الإسلام، ألا وهو الإيمان الخالص بالله، وبأن هذا الدين يجب أن يعمَّ العالم، ولم يتَّكلوا على أن يكون منهم من هو مختص بهذه الوظيفة ليؤدي واجب الوظيفة، بل سارعوا إلى التبليغ والدعوة. وهناك مواقف كثيرة أثبتت ذلك ودلت عليه،

стр. 390

ومنها على سبيل المثال ما حصل من الحارث بن ضرار الخزاعي عندما أسلم فكان أول طلب طلبه من رسول الله ﷺ هو أن يعود إلى قومه يدعوهم (١)، وما قام به الفوج الأول من الأنصار في دعوة من استطاعوا مع أنه لم يكن للرسول ﷺ عليهم سلطة في الدنيا، كما أنه لم يكن هناك لهم منها فائدة دنيوية يتقاضونها مقابل عملهم ذلك، إنما كما أسلفنا إيمان راسخ جعلهم يرون ما لا يمكن رؤيته من نعيم الجنة الذي أُعِدَّ لهم فصدقوا الله فصدق منهجهم، وبلغ الآفاق، وكانت له ميزة وخاصية عن غيره من المناهج. الخاصية السادسة: هو أول منهج للدعوة في تاريخ الإسلام بعد الرسول ﷺ -: بحكم كون الصحابة ﵃ هم النواة الأولى للإسلام، وهم البناء الذي قامت عليه أمة الإسلام، فكانوا السابقين الأولين، ولم يسبقهم أحد من العالمين، فإن ذلك جعل منهجهم منهجاً فريداً في عصره، فهو متبوع لا تابع؛ لأنه لا يوجد منهج سابق يستمد الصحابة منهجهم منه، ولم يكن امتداداً لأقوام قبلهم، إنما كانوا هم الأوائل، فاستمد مَن بعدهم مناهجهم من منهج الصحابة، وساروا على أثرهم، فكان منهجهم دليلاً لما بعده، وقائداً لما تبعه، ومضيئاً لطريق المناهج السليمة اللاحقة التي سارت على طريق الحق، فقد جعل الرسول ﷺ أصحابه هم السنة بعده، وذلك في قوله ﷺ : "فعليكم
следующие страницы →